حاشية معالم الدين

- الشيخ محمد صالح المازندراني المزيد...
256 /
1

-

2

[كلام الشارح‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

نحمدك اللّهم يا من خلقنا و لم نك شيئا مذكورا و نشكرك يا من رزقنا بمشاهدة جلاله نضرة و سرورا و نصلّي على رسولنا الذي دعا إلى دار السّلام و كان عبدا شكورا و على آله الذين لهم لواء الشفاعة و يكون سعيهم مشكورا أمّا بعد فيقول المفتقر إلى الله الغني محمد صالح بن أحمد المازندراني أصلح اللّه باله و جعله صبورا إن بعض أخلائي حين رأى ما علقته على معالم الدين لؤلؤا منشورا سألني أن أحرّر لهم فوائده و أنظم لهم فرائده و أمر عليهم مرورا فأجبت مسئولهم و أنجزت مأمولهم و جعلته ذخيرة ليوم يحشر النّاس نشورا

[خطبة المؤلف‏]

قوله الحمد للّه‏

(1) اللاّم إما للجنس أو للاستغراق و على التقديرين يفيد اختصاص جنس الحمد به سبحانه و أما حمد غيره فهو حمده حقيقة لأنه مورد كل كمال و مرجع كل جلال‏

المتعالي‏

(2) أي المرتفع‏

في عز جلاله‏

(3) في هنا للسببية بقرينة قوله بكمال ذاته فاستعمالها فيها شائع و العز القوة و الغلبة و الجلال العظمة

عن مطارح الأفهام‏

(4) المطارح جمع مطرح و هو إما مصدر بمعنى الرّمي أو اسم مكان‏

فلا يحيط بكنهه العارفون‏

(5) و الفاء للتفريع و إنما حض العارف بالذكر لأن حكم غيره يعرف بالأولوية و لأن غيره لا يعتد

3

به‏

المتقدس‏

(1) أي المتطهّر و وجه ترك العطف أنه كالتأكيد للسابق لتضمنه إياه‏

بكمال ذاته‏

(2) فيه إشارة إلى أنه تعالى يستحق الحمد بواسطة صفاته الكمالية كما أن في سابقه إشارة إلى أنه مستحق له لذاته و في لاحقه إشارة إلى أنه مستحق له بواسطة صفاته الفعلية و من هنا يظهر وجه التقديم و التأخير بين هذه الفقرات الثلاثة لأن رعاية الذات بذاته متقدمة على رعاية صفاته الفعلية لتوقف هذه عليها

عن مشابهة الأنام‏

(3) رد على المجسمة و المشبهة كما أن الأولى رد على جماعة من المتكلمين و الأشاعرة حيث جوزوا العلم بكنه ذاته‏

المتفضل‏

(4) أي المحسن و مجيئه بصيغة التفعل مبالغة في الإحسان‏

بسوابغ الأنعام‏

(5) أي بالأنعام السابغة الكاملة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها على التأويل المشهور في جرد قطيفة و النعمة في اللغة اليد و في العرف المنفعة الواصلة إلى الغير على جهة الإحسان‏

فلا يحصي نعمه العادون‏

(6) لأنها غير متناهية و هو لا يمكن إحصاؤه و فيه إشارة إلى قوله تعالى و إن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها و في التفريع خفاء و لعلّ وجهه أن إضافة الجمع تفيد العموم مع ملاحظة أن نعمه غير متناهية و هذا القدر كاف للصحة في المقام الخطابي‏

المتطول‏

(7) من الطول بالفتح و هو المن أي الإعطاء و منه قوله تعالى فامنن أو أمسك بغير حساب‏

بالمنن‏

(8) جمع المنة و هي العطية

الجسام‏

(9) بالكسر جمع جسيم و هو العظيم‏

فلا يقوم بواجب شكره‏

(10) في توسيط الواجب إشارة إلى أن شكر المنعم واجب كما ذهب إليه جمع من المحققين و المراد بالشكر هنا معناه اللغوي المرادف للحمد الاصطلاحي و هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان فصح‏

قوله الحامدون‏

(11) أو المراد بالحامد الشاكر مجاز أو إنما ترك المتطول عليه و المتفضّل عليه للاختصار و التعميم‏

القديم الأبدي‏

(12) و هو ما لا أول لوجوده‏

فلا أزلي سواه‏

(13) قال السيد في شرح المواقف الأزلي أعم من القديم لأن إعدام الحوادث أزلية و ليست بقديمة انتهى و لعل المراد بالأزلي هنا ما يرادف القديم ليصح نفيه عن غيره‏

4

سبحانه و فيه تكذيب لمن قال بقدم غيره كالمادة و الزّمان و لمن قال بأن صفاته زائدة على ذاته و هذا التفريع أيضا لا يخلو عن بعد و يمكن التوجيه أوّلا بأن التعريف باللام يفيد الحصر و ثانيا بأن القدم جعل علة لاختصاص جنس الحمد به سبحانه فلا بد من أن لا يوجد في غيره ليصح ذلك الاختصاص و إنما أخر هذا أعني وصفه بالقدم لأنه أصل لجميع الصّفات و متضمّن له فكان فيه جمع و بعد تفصيل و ضم بعد تفريق‏

الدائم السرمدي‏

(1) و هو ما لا آخر لوجوده‏

فكل شي‏ء مضمحل‏

(2) أي زائل‏

عداه‏

(3) هذه الفقرة مثل السابق فيما ذكرنا و لما كان الحمد المذكور في مقابل الذات و الصفات و كان المناسب له الاستقرار و الشاة فلذلك أداه بالجملة الاسمية أراد أن يحمده ثانيا طلبا لرضاه المتجدّدة أنا فإنا و لمزيد عطاياه المستحدث حينا فحينا فقال‏

أحمده‏

(4) بصيغة المضارع الدّال على الاستمرار التجدّدي كما يقتضيه المقام‏

سبحانه‏

(5) جملة معترضة أو حاليّة و هو مصدر لفعل محذوف يعني أسبّح فمعناه أنزّهه تنزيها عما لا يليق بجناب قدسه و عزّ جلاله فيكون لازما و هو مضاف إلى المفعول و ربّما جوّز كونه مضافا إلى الفاعل بمعنى التنزّه‏

حمدا

(6) مفعول مطلق للتأكيد

يقرّبني إلى رضاه‏

(7) وصف الحمد به تنبيها على أنّ المقصود الأصلي بالحمد هنا تحصيل رضاه آنا فآنا كما أنّ قوله و أشكره شكرا أستوجب به المزيد إشارة إلى أنّ المقصود من الشكر طلب المزيد لحظة فلحظة لقوله تعالى و لئن شكرتم لأزيدنّكم و هاتان الفقرتان و إن كانتا خبريتين لفظا لكنهما إنشائيتان معنى‏

و أستقيله من خطاياي‏

(8) أي أطلب منه سبحانه رفع الخطايا و منه استقالة البيع أي طلب فسخه‏

استقالة عبد معترف بما جناه‏

(9) جي‏ء به لأن الاستقالة من الذنوب مع الاعتراف بالتقصير أدخل في تحقق الإقالة و أنفع في رفع ما وقع في أيام السّفاهة

من الخطاء

(10) و هو بفتح الخاء و الطاء مع القصر نقيض الصّواب و قد يمد و بكسر الخاء و سكون الطاء الذنب و منه قوله تعالى إنّ قتلهم كان خطأ كبيرا

و الخطل‏

(11) هو المنطق الفاسد المضطرب يقال خطل في كلامه خطلا و

5

و أخطل أي أفحش فهو أخص من الخطاء و إنّما ذكره بعده لأن العصمة منه أهم في هذا المقام و السواد في هذا المقام‏

و السداد

(1) بالنصب عطف على العصمة أي أسأله توفيق السّداد و هو الصّواب و القصد

في القول و العمل‏

(2) يقال رجل مسدّد إذا كان يعمل بالصّواب و القصد

وحده‏

(3) حال مؤكدة بالنكرة إمّا بتقدير فعل أي ينفرد وحده فالجملة الفعلية وقعت حالا و وحده منصوب على المصدرية و إما باعتبار أنه بمعنى منفردا فهو و إن كان معرفة بحسب الصّورة لكنه نكرة في التقدير

لا شريك له‏

(4) حال مترادفة أو متداخلة

الكريم‏

(5) يجوز جره على أنه بدل كل من الضمير الغائب في له مثل قوله تعالى اللّه لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم و يجوز رفعه على أنه صفة للّه لكنه بعيد جدّا و الكريم بمعنى الجواد المفضّل و قد يجي‏ء بمعنى العزيز و منه قوله تعالى إنّه لقرآن كريم أي عزيز و الأول أنسب‏

لا يخيب‏

(6) من خاب الرجل خيبة إذا لم تنل ما طلب‏

لديه الآمال‏

(7) أي ذو الآمال و أطلق الحال على المحل مجازا

و رسوله المبعوث لتمهيد قواعد الدين‏

(8) ليتمكن لنا بذلك تهذيب الظاهر باستعمال الشرائع و الأحكام‏

و تهذيب مسالك اليقين‏

(9) ليتمكن لنا بذلك تهذيب الباطن بدفع الملكات الردية و دفع نقض شواغله عن الملك العلام‏

صلاة ترضيهم‏

(10) إما من الإرضاء أو من الترضية يقال أرضيته عني و رضيته بالتشديد فرضي‏

و تبلغهم‏

(11) من بلغت المكان بلوغا أي وصلت إليه‏

غاية مرادهم‏

(12) في محل النصب على أنه حال عن الفاعل و المعنى تصل تلك الصلاة إليهم حال كونها كائنة في غاية مرادهم و نهاية مقصدهم‏

عدة

(13) هي ما أعددته و هيّأته لحوادث الدّهر من المال و السلاح و المراد هنا ما أعده ليوم الحساب‏

و سلم‏

(14) عليه و آله تسليما

قوله كنوز الأعمار

(15) من باب لجين الماء و ذكر الإنفاق ترشيح‏

قوله و أطالت التردد بين العين و الأثر في معالمه الأفكار

(16) و يجوز أن يراد بالعين المقدمات و بالأثر النتائج و بالتردد حركة الفكر بينهما و يحتمل أن يراد بالعين الباصرة و بالأثر المقدمات و بتردد الفكر حملها على النظر فيها مرة بعد أخرى‏

هو العلم بالأحكام‏

(17) في تعريف الخبر باللام و توسيط ضمير الفضل مبالغة في التخصيص ثم أردفه بذكر غايته العظمى مصدرا بالقسم دفعا لتوهم الإنكار و الجزاف قال‏

و لعمري‏

(18) إلخ اللام للابتداء

6

حذف خبره وجوبا لقيام جواب القسم مقامه أي لعمري قسمي و العمر بضمّ العين و فتحها فلا يستعمل في القسم إلا بالفتح و اعترض بأن الحلف بغيره سبحانه منهي عنه و أجيب عنه تارة بأن المضاف محذوف أي فلواهب عمري و أخرى بأن المراد هو الإتيان بصورة القسم ترويجا للمقصود و ليس المراد به القسم حقيقة و تشبيه غير الله به في التعظيم‏

الذي يظفر به بالنجاح‏

(1) و النجاح الظفر الفوز و النجاح بالفتح الظفر بالحوائج و كأن المراد به هنا الحوائج فقط

و المغنم‏

(2) هو و الغنيمة بمعنى‏

يعرج‏

(3) أي يرتقي‏

بحامله‏

(4) الباء للتعدية

إلى الذّروة

(5) هي بالكسر أو الضمّ أعلى السنام‏

العليا

(6) تأكيد للعلو المستفاد من الذروة

جهدهم‏

(7) بالضم الطاقة و بالفتح المشقة

ببنان أفكارهم‏

(8) تشبيه الأفكار بالإنسان مكنية و إثبات البنان لها تخييلية

ببيان آثارهم‏

(9) الإضافة إما لامية أو بيانية و الآثار عبارة عن الكتب المصنفة في الأحكام‏

و كم صنفوا فيه من كتاب‏

(10) كم خبرية مميزها قوله من كتاب و إذا فصل بينها و بين مميزها بفعل متعد وجب الإتيان بمن لئلا يلتبس المميز بالمفعول‏

في ظلم الجهالة

(11) من قبيل لجين الماء يجلو من جلا الأمور إذا كشفها و أزالها مثوبتهم‏

المثوبة

(12) الجزاء كالثواب‏

أهلنا لاقتفاء آثارهم‏

(13) من أهلّل اللّه للخير تأهيلا إذا جعلك إهلاله‏

الموسوم بمعالم الدين‏

(14) المعالم جمع معلم و هو موضع العلوم و رابطها و إنما سمى هذا الكتاب به لأنه موضوع علوم الدين و مدارسها

من غير إيجاز

(15) الإيجاز هو أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف بين الأوساط الذين ليسوا في مرتبة البلاغة و لا في غاية الفهاهة

و لا إطناب‏

(16) و الإطناب ضد الإيجاز و هو أداء المقصود بأكثر من عبارة المتعارف‏

و أنا أبتهل‏

(17) الابتهال التضرع و يقال في قوله تعالى ثم نبتهل أي نخلص في الدّعاء قيل التقديم لا يصلح أن يكون للتخصيص و لا للتقوى فكأنه قصد جعل الواو للحال فأتى بالجملة الاسمية لأنه لا يجوز إدخال الواو الحالية على الجملة الفعلية إذا كان فعلها مضارعا و يمكن أن يقال إن التقديم للقصر الحقيقي دون الإضافي و لا يعتبر فيه رد المخاطب عن الخطإ و المعنى أنا أبتهل لا غيري أصلا لأن كتابي من حيث إنه كتابي لا يصلح لابتهال غيري و هذا لا ينافي مدحه فيما قبل لأن ذلك بالنظر إلى ذاته على أن التقديم يصلح أن يكون للقصر

7

الإضافي أو التقوى معناه إما الإضافي فبأن يقصد منه تعالى الشركة أي أنا أبتهل لا من يحسدني كأن المخاطب يعتقد مشاركة حساده له في الابتهال بناء على أن ذلك الكتاب بلغ في الكمال ما بلغ حتى ناسب أن يشاركوه فيه و ذلك كما يمدح رجل عدوه بالكمال الذي بلغ في الظهور حدا لا يمكن إخفاؤه و أمّا التقوى فلأن يكون إيماء إلى عظمة رجائه من الله‏

أن يجعله خالصا

(1) لأن من رجا شيئا يجتهد في تحصيله‏

[المقدمة في تهذيب المباحث الأصولية]

قوله و قد رتبنا كتابنا هذا على مقدمة و أقسام أربعة

(2) المقدمة في تهذيب المباحث الأصولية

[المقصد الأول في بيان فضيلة العلم و ما يتعلق به‏]

و الغرض منها منحصر في مقصدين المقصد الأول في بيان فضيلة العلم‏

(3) و المقصد الثاني في تحقيق مهمات مباحث الأصولية و فيه مطالب المطلب الأول في نبذ من مباحث الألفاظ المطلب الثاني في الأوامر و النواهي المطلب الثالث في العموم و الخصوص المطلب الرابع في المطلق و المقيّد و المجمل و المبين المطلب الخامس في الإجماع المطلب السادس في الأخبار المطلب السابع في النسخ المطلب الثامن في القياس المطلب التاسع في الاجتهاد و التقليد خاتمة في التعادل و التراجيح و الأقسام الأربعة في تحرير الفروع و لكن أفردت المقدمة من هذه الأقسام و جعلت كتابا على حدة لاشتمالها على مباحث جليلة

قوله و لا شك أن العالم أشرف‏

(4) أراد به أشرف العاقل و يرد عليه ما أورده بعض الناظرين فيه مع أنه عين المدعى من هذه المقدمة و ما قبلها من المقدمات بعد تسليمها يفيد أن العالم أشرف العاقل و العاقل أشرف الحساس و الحساس أشرف النامي و النامي أشرف الموجود و الموجود أشرف من المعدوم فينتج على سبيل القياس المفصول النتائج أن العالم أشرف المعقولات و هذا هو المدعى كما أشار المصنف بقوله فالعالم حينئذ أشرف المعقولات و بما قررنا لا يرد عليه أن هذه المقدمات بعد تسليمها إنما يدل على أن الموجود النامي الحساس العاقل العالم أشرف من الموجود النامي الحساس العاقل الجاهل و هذا إنما يقتضي أن العلم أشرف من الجهل و لا يقتضي كونه أشرف من العقل و الحس و النمو و الوجود فليتأمل‏

[فصل في فضيلة العلم من الكتاب‏]

قوله اقرأ باسم ربك‏

(5) الظرف يجوز أن يتعلق بالفعل المتقدم و وجه تقديمه هو الاهتمام بشأنه لأنها أول سورة نزلت على ما قيل فكان الاهتمام و الاختصاص و الباء على التقدير زائدة أو للاستعانة و يجوز أن يكون مستقرا في محل النصب على الحال أي أقر القرآن أو أوجدها مفتحا باسم ربك‏

الذي خلق‏

(6) أطلق الخلق ليتناول كل المخلوقات‏

خلق الإنسان‏

(7) خصّه بالذكر إظهارا لشرفه‏

من علق‏

(8) العلق جمع علقة و هي القطعة من الدّم الغليظ و إنما لم يقل من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع‏

اقرأ و ربك الأكرم الذي علم‏

(9) أي علّم الإنسان‏

بالقلم‏

(10) أي بواسطة القلم أو علم الكتابة بالقلم و هو صياد يصيد العلوم و يوثقها على مرّ اللّيالي و الدهور و في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا و أمثالها كثيرة

علم الإنسان ما لم يعلم‏

(11) بيان للأول أو أعم منه و في لفظه ما تفخيم للمعلوم افتتح كلامه بذكر نعمة الإيجاد فيه دلالة

8

على ما ذكر في أول الوجه العقلي من أن الشرف للموجود

و اتبعه بذكر نعمة العلم‏

(1) على وجه المبالغة في كونها نعمة عظيمة حيث وصف نفسه جل ثناؤه بالأكرمية و رتب عليه التعليم بل فيه تنبيه على أنها أعظم من نعمة الإيجاد بحسب ذاتها و لا ينافيه التعاكس باعتبار التوقف‏

فلو كان بعد نعمة الإيجاد نعمة أعلى من العلم لكانت أجدر بالذكر

(2) قال بعض المفسرين إن هاهنا نكتة و هي أن أول هذه السّورة دل على فضيلة العلم و بعدها دل على مذمة المال فكفى ذلك مرغبا في العلم و منفرا عن الدنيا

بين الآي‏

(3) جمع الآية كالآيا و الآيات و الآية العلامة و الأصل أوية بالتحريك‏

قوله الذي خلق سبع سموات‏

(4) هي أفلاك السيّارة فإن الفلكين الأخرين يسميان بلسان الشرع عرشا و كرسيّا

و من الأرض مثلهن‏

(5) قيل في الخلق لا في العدد فإن الأرض سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها و قيل بينها فرجة مسيرة خمسمائة عام و في كل طبقة مخلوقات و ما يعلم جنود ربك إلا هو و قيل سبع أرض متصل بعضها ببعض و قد حال بينهن بحار لا يمكن قطعها و الدعوة لا تصل إليهم و قد يؤول تارة بالأقاليم السّبعة و تارة أخرى لطبقات العناصر الأربعة حيث عدت سبعا و هي النار و الهواء الحارة و الطبقة الزمهريرية و الهواء المجاور للأرض و الماء و الطبقة الطينية المركبة منهما و الطبقة الترابيّة التي هي قريبة من المركز

بتنزل الأمر بينهنّ‏

(6) أي حكم الله و أمره يجري فيما بين السماوات و الأرضين أو فيما بين كل منهما

لتعلموا

(7) أي إنما خلق ذلك لتعلموا أن الله على كل شي‏ء قدير و أنّ الله قد أحاط بكل شي‏ء علما

طرا

(8) أي جميعا

قوله و من يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا

(9) أي من يوفق للعلم و العمل به و الحكيم عند الله هو العالم العامل كذا في الكشاف و قال بعض المحققين المراد بالحكمة ما يتضمّن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم و المعارف و أمّا ما يتضمن صلاح الدّنيا فقط فليس من الحكمة في شي‏ء و نقل في الكافي عن الرضا (عليه السلام) في فضل الإمام و صفاته أن الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) يوفقهم اللّه و يؤتيهم من مخزون علمه و حكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم ثم تلا هذه الآية

قوله هل يستوي الّذين يعلمون و الذين لا يعلمون‏

(10) الاستفهام للإنكار و الفعل منزل منزلة اللازم و المقصود نفي السماوات بين من يوجد له حقيقة العلم و من لا

9

يوجد و فيه دلالة على أن العلم من حيث إنه علم أشرف من الجهل‏

قوله إنما سيذكر أولوا الألباب‏

(1) إشارة إلى أن هذا التفاوت العظيم بين العالم و الجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه و نقل في الكافي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية قال نحن الذين يعلمون و عدونا الذين لا يعلمون و شيعتنا أولوا الألباب‏

قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء

(2) ذكر اللّه سبحانه أولا شيئا من عجائب مخلوقاته و بدائع مخترعاته من إنزال الماء و إحياء الأموات و إيجاد الثمرات و غير ذلك من اختلاف ألوان الجبال و الناس و الدّواب و الأنعام ثم عقبه بهذه الآية الشريفة تنبيها على أنه لا يصلح للنظر في دلائل وحدته و المشاهدة لبراهين معرفته إلا العالمون و ما يخشاه إلا الراسخون في العلم كما لا يخشى السلطان إلا المقربون لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله و صفات جلاله و بحقائق مخلوقاته و خواص مبدعاته و كلما كان العلم به أقوى كان الخشية له أشد كما روي أن أعلمكم به الله أشدكم خشية له و في تقديم المفعول دلالة على أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم و لو أخر لكان المفاد أن العلماء لا يخشون إلا الله و هذا أيضا صحيح إلا أن في الأول من المبالغة في مدح العلم ما ليس في الثاني و لذا قدمه جل جلاله‏

قوله شهد اللّه أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولوا العلم‏

(3) في الكشاف شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره و بما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص و آية الكرسي و غيرهما بشهادة الشاهد في البيان و الكشف و كذلك إقرار الملائكة و أولي العلم و احتجاجهم عليه و يكفي لإظهار شرف العلم و أهله مقارنة شهادتهم بشهادته سبحانه و شهادة ملائكته المقربين‏

قوله و ما يعلم تأويله‏

(4) الّذي يجب أن يحمل عليه كلامه سبحانه‏

إلا الله و الراسخون في العلم‏

(5) من عباده الذين ثبتوا فيه و تمكنوا فإنهم هم العالمون بالمتشابه للعناية الأولية يقولون أي الراسخون في العلم آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب كل من عند ربنا أي كل من المحكم و المتشابه من عند ربنا و منهم من وقف على اللّه و جعل الراسخون مبتدأ و يقولون خبره و الأول هو الوجه كذا في الكشاف و في أخبارنا ما يدل على أن الراسخين في العلم أئمتنا (عليهم السلام) و أنهم عالمون بمحكم الكتاب و متشابهه روي‏

10

في الكافي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله و عن يزيد بن معاوية لأحدهما (عليهما السلام) إن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أفضل الراسخين في العلم قد علمه اللّه جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل و ما كان اللّه لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله و أوصياؤه من بعده يعلمونه كله الحديث‏

قوله قل كفى باللّه شهيدا بيني و بينكم‏

(1) المراد من هذه الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات و الأدلة على وفق دعواه و لا شهادة أعظم من هذه لأن الشهادة القولية هنا لا يفيد إلا غلبة الظن و هذه تفيد القطع بصحة ثبوته‏

و من عنده علم الكتاب‏

(2) أي من حصل عنده علم القرآن و فهم معانيه و اشتماله على دلائل الإعجاز من النظم الأنيق و الأسلوب العجيب الذي لا يقدر عليه بني حق و رسول صدق و قيل من هو من علماء أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله (صلى اللَّه عليه و آله) كعبد الله بن سلام و سلمان الفارسي و تميم الدرمي لأنهم يشهدون بنعته بكتبهم و كفى لأهل العلم فضلا و رتبة أنه سبحانه جعلهم شهودا على الرسالة التي بها يتم صلاح الدنيا و الآخرة

قوله و يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات‏

(3) قال بعض المفسرين المراد به الرفعة في مجلس النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و تفاوت مراتبهم فيه و المشهور عندهم أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة لأنها متفاوتة و درجات العلماء فوق درجات غيرهم‏

قوله قل رب زدني علما

(4) هذا الأمر متضمّن للتواضع و الشكر لله تعالى أي علمتني يا رب علما جزيلا و أدبا جميلا فزدني علما إلى علم و من فضائل العلم و شرفه و شرف أهله أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) ما أمر بطلب الزيادة في شي‏ء إلا في العلم‏

قوله بل هو آيات بيّنات‏

(5) أي بل القرآن معجزات واضحات من حيث إن معاينة غير محصورة و مباينة غير مقدورة لنا

في صدور الذين أوتوا العلم‏

(6) قيل هم الحفاظ و القراء و الحق أنهم الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لأن الكل إنما هو في صدورهم و أما في صدور غيرهم فليس إلا قليل و روي في الكافي روايات متكثرة على أنهم هم الأئمة (عليهم السلام)

قوله و تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون‏

(7) لما كان القريش يسخرونه ضرب المثل بالبعوضة و الذباب و العنكبوت و نحوها إما لعتوهم أو لجهلهم بحسن موقعه و مورده و فوائده نزلت الآية لبيان أن تلك الأمثال و التشبيهات لا يعقل وجه حسنها إلا العالمون لأنها

11

وسائل إلى المعاني المحتجبة عن العقول قال بعض الحكماء إن العلم إذا كان حدسيا يعرفه العاقل و أما إذا كان فكريا فلا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدّمات سابقة و المثل مما يفتقر في إدراك صحته و حسن موقعه إلى أمور سابقة و لاحقة يعرف بها تناسب مورده و مضربه و فائدته فلا يعقل صحته إلا العلماء

[فصل في فضيلة العلم من السنة]

قوله ح و عن محمد بن يعقوب‏

(1) قد جرت عادة المحدثين برسم ح عند تمام السند و الشروع في الثاني و اختلفوا في تصحيحه فقال بعضهم إنها حاء مهملة و هي علامة التحويل من إسناد إلى إسناد آخر فهي اختصار لفظة التحويل و ربما يسمّونها حاء الحيلولة و قال بعضهم إنها خاء معجمة و هي اختصار سند آخر

قوله من سلك طريقا

(2) أي من غيره‏

يطلب فيه علما

(3) في موضع النصب على أنه حال من الفاعل و المراد بهذا العلم العلم بالأحكام لأن الكمال كلّ الكمال التفقه في الدين و يحتمل حمله على العلوم لأن العلم من حيث هو له شرف و كمال كما مر في هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون‏

سلك اللّه به طريقا إلى الجنة

(4) الباء للتعدية و الضمير للموصول أي أسلكه الله و أدخله في طريق يوصل إلى الجنة و المراد أن العبور لطلب العلم عبور لدخول الجنة ادعاء لكمال الأول في السببيّة حتى صار كأنه نفس المسبّب و يحتمل أن يكون المراد أن من يعبر في هذه الدنيا طريق العلم يعبر في الآخرة طريق الجنة

قوله و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به‏

(5) أي تضعها لتكون وطاء له إذا مشى و قيل هو بمعنى التواضع تعظيما لحقه و قيل أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم و ترك الطيران و قيل أراد به إظلالهم بها هكذا فسره ابن الأثير في النهاية

قوله و فضل العالم على العابد كفضل القمر على النجوم ليلة البدر

(6) المراد أن فضل العالم حين اشتغاله بتحصيل العلم على العابد حين اشتغاله بالعبادة أو فضل العالم من حيث إنه عالم على العابد من حيث إنه عابد و مرجعهما أن العلم من حيث هو أفضل من العبادة من حيث هي فلا يرد أنه إن أريد أن العالم العابد أفضل من العابد الغير العالم فذلك لا يدل على أن العلم أفضل من العبادة و إن أريد أن العالم الغير العابد أفضل من العابد فذلك باطل لأن العالم من غير عمل أسوأ من الفاسق فكيف يكون أفضل من العابد

قوله و إن العلماء ورثة الأنبياء

(7) ذكر بعض‏

12

أرباب العقول أن العلماء أولاد روحانيون للأنبياء لأنهم يقتبسون العلوم من مشكاة أنوارهم و يرثون ملكات أرواحهم كما أن الأولاد الحقيقية و الأقارب الصورية يرثون الأموال بل النسبة الأولى آكد من الثانية و لذلك كان حق المعلم الرباني على المتعلم أولى من حق أبيه الجسماني عليه‏

قوله و إنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما

(1) هذا ينافي ما دل على توريثهم من الآيات و الروايات فلذا قال مخالفونا دفن أبو بكر و عمر في بيته من نصيب بنتيهما و قال عبد الله بن عباس في ذم عائشة تجملت تبغلت و إن عشت تفيلت لك التسع من الثمن و للكلّ تملكت و يمكن التوجيه بأن الأنبياء لم يكن من شأنهم جمع الأموال و التوريث كما هو شأن أهل الدنيا و هذا لا ينافي في توريثهم ما كان في أيديهم من الضروريّات كالمركوبات و المساكن و الملبوسات و نحوها

قوله فإن تعلمه حسنة

(2) فيه دلالة على أنه سبب لتكفير الذنوب إن الحسنات يذهبن السيئات‏

و مدارسته تسبيح‏

(3) الحمل إما على سبيل الحقيقة و إما باعتبار أن مدارسته سبب لتسبيحه و تنزيهه كما قال سبحانه إنما يخشى الله من عباده العلماء

و البحث عنه جهاد

(4) فإن العالم إذا كان غرضه من البحث عنه إظهارا للحق القويم و ترويجا للشرع المستقيم كان كالمجاهد في سبيل الله في أن غرضه أيضا ذلك‏

و تعليمه من لا يعلمه صدقة

(5) فيه تحريص و ترغيب على التعليم حيث إنه كالصدقة في اقتضاء الثواب مع القطع بأنه لا يفنى بالتصدق بل ربما يزداد و قد ورد في فضله روايات أخر لا يسع المقام ذكرها

و هو عند الله لأهله قربة

(6) أي و هو ما يتقرب به إلى اللّه تعالى‏

لأنه معالم‏

(7) أي أثر يعرف به‏

الحلال و الحرام و سالك يطالبه سبيل الجنة

(8) فإن طالبه يعرف ما يفضي إلى الجنة و ما يفضي إلى النار فيسلك الأول فيحترز عن الثاني‏

و هو أنيس في وحشته‏

(9) الوحشة الهم و الخلوة و الخوف و الأنيس بمعنى المأنوس يعني أن العلم مما يؤنس به أهله في تلك الأحوال أما في حال الهمّ و الخوف فلأنهما إن كانا للآخرة فالعلم سبب للنجاة منهما و إن كانا للدنيا فالعالم يعلم أن أحوال الدنيا و شدائدها موجب للأجر الجزيل و الثواب الجميل فيصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل و أما في حال الخلوة فظاهر لأنه يحدثه و يدفع عنه الوساوس‏

و صاحب في الوحدة

(10) قد كان لبعض الأكابر الأفاضل متحرزا عن مجالسة الناس و مصاحبتهم فسئل عن‏

13

ذلك فأجاب بأن أي صاحب أفضل مما في صدري و هو ينفعني من غير إملال و ينحيني عن سبل ضلال و قال بعض آخر الوحدة أحب إلي لأنّي في الوحدة مع الصادقين‏

و سلاح على الأعداء

(1) لأنه يقطع حجتهم كما أن السلاح يقطع شوكتهم‏

و زين الأخلاء

(2) الأخلاء جمع خليل كالأصدقاء جمع صديق و المقصود أن العالم زينة لأخلائه في الدنيا و الآخرة

قوله يرفع الله به أقواما ترمق أعمالهم‏

(3) أي تنظر إلى أعمالهم من رمقته رمقة و رمقا إذا نظرت إليه‏

في خلتهم‏

(4) أي في صداقتهم‏

يمسحونهم لهم بأجنحتهم‏

(5) تبركا و زيادة

لأن العلم‏

(6) دليل على‏

حياة القلوب‏

(7) كما أن الماء حياة الأرض‏

و نور الأبصار

(8) من العمى الأبصار جمع بصر محركة و البصر كما يطلق على حس العين كذلك يطلق على حس القلب و هو نظره و خاطره كما في القاموس و كذا العمى قد يكون من العين و قد يكون من القلب كما قال سبحانه و لكن تعمى القلوب التي في الصّدور و الثاني في المقامين أنسب بهذا المقام لأن العلم كيفية نفسانية بها يخرج القلب عن عمى الضلالة و إن كان إرادة الأول لا يخلو عن وجه أيضا

و قوة الأبدان من الضعف‏

(9) لا استبعاد فيه لأنه إذا جاز أن يكون بعض ما يؤكل و يلبس سببا لقوة البدن كما ورد به الأخبار جاز أن يكون العلم أيضا كذلك و لأن العلم في البدن كالماء في الأرض فكما أن حياة الأرض و قوته بالماء كذلك حياة البدن و قوته بالعلم‏

ينزل الله حامله منازل الأبرار و يمنحه‏

(10) أي يعطيه‏

مجالسة الأخيار

(11) إمّا أن يراد بالأبرار الأنبياء و بالأخيار الأوصياء أو بالعكس أو يراد بكل واحد منهما كل واحد منهما و العطف للتفسير أو يراد أعم منهما

في الدنيا- و الآخرة

(12) الظاهر أنه متعلق بكل واحد من الفعلين على سبيل التنازع‏

بالعلم يطاع الله و يعبد

(13) لأن الطاعة و العبادة لا يتحققان إلا أن يزجر النفس عن المناهي و حملها على الأوامر و هذا لا يمكن إلا بالعلم بمواضعهما و تقديم الظرف يفيد الاختصاص و الاهتمام‏

إمام العقل‏

(14) أي فائدة و العقل تابعة لأنه يحكم بمقتضى علمه يلهمه السعداء و يحرم الأشقياء فالعلم فضل و عطية من الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم‏

[فصل في طلب العلم‏]

قوله طلب العلم فريضة

(15) المراد به الفرض الكفائي لأن العيني منفيّ بالإجماع و للزوم الحرج على تقديره و تخصيصه بأصول الدين بعيد

ألا إن الله يحب بغاة العلم‏

(16) ألا حرف تنبيه يصدر بها الجملة لتنبيه المخاطب و إخراجه عن الغفلة

14

إذا وقع الاهتمام بمضمونها و إن لتأكيد مضمونها إذا كان لها شأن عظيم و اسمية الجملة أيضا معدودة من المؤكدات ففي الخبر مبالغة من وجوه شتى على محبة الله تعالى لبغاة العلم و البغاة الطلبة من بغاه إذا طلبه‏

فإن فينا أهل البيت في كل خلف‏

(1) إلخ فيه دلالة ظاهرة على أن العصر لا يخلو من حجّة و الروايات الدالة عليه أكثر من أن يحصى و قد يستدل بهذا الخبر على حجيّة الإجماع‏

قوله و لو بسفك المهج‏

(2) المهجة الدم مطلقا أو دم القلب خاصة و سفك المهج كناية عن ارتكاب التعب و المشقة الشديدة

و خوض اللحج‏

(3) اللحج بفتح اللام و كسر الحاء المهملة و بعدها جيم الضيق يقال مكان لحج أي ضيق و هو أيضا كناية عن المكاره و الشدائد و كذلك اللجج بالجيمين من اللجة و هي معظم الماء

إن أمقت عبيدي إلي‏

(4) معنى مقت الله سبحانه لعبده و هو إبقاؤه على وراء الحجاب و عدم تفضله عليه بالتوفيق على تحصيل الثواب و علامة مقته توجه العبد إلى دار الغرور و التجافي عن عالم النور

الجاهل‏

(5) قد شبه سيد الوصيين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الجاهل بهمج الرعاع جمع الهمج و هو ذباب صغير يسقط على وجوه الحيوانات و أعينها فاستعار (عليه السلام) هذا اللفظ للجهلة تحقيرا لهم و الرعاع بالمهملات و فتح أوله العوام و السفلة و أمثالهم‏

و إن أحب عبيدي إلي‏

(6) معنى المحبة ضد المقت فهي كشف الحجاب عن قلبه و تمكينه من أن يطأ على سباط قربه و علامتها توفيقه للتجافي من الدنيا و الترقي إلى الآخرة

التقي‏

(7) التقوى له مراتب أولها مراتب التبري عن الشرك و هو يحصل بكلمة التوحيد و ثانيها التجنب عن المعاصي و هو يحصل بالتزام الأوامر و اجتناب النواهي و ثالثها التنزه عمّا يشغل عن الحق جل شأنه و الظاهر أن المراد بالتقي من له المرتبة الثانية كما يشعر به ظاهر

قوله الطالب للثواب الجزيل‏

(8) لأن التزام الأوامر و اجتناب المناهي مقتضيان له ثم إن هذه المرتبة لما لم يمكن تحصيلها إلا بمجالسة العلماء و السؤال عنهم وصفه ب

قوله اللازم للعلماء

(9) ترغيبا في اختيار ملازمتهم ثم وصفه ب

قوله التابع للحكماء

(10) تنبيها على أن مجرد الملازمة لا يكفي في المقصود بل لا بد من أن يكون سائلا عنهم تابعا لأقوالهم و أعمالهم مع ما فيه من الإيماء إلى أن العالم ما لم يكن حكيما لم يكن له شرف الاقتداء به ثم وصفه‏

بقوله القابل عن الحكماء

(11) تحريصا لقبول العلم و أخذه عن‏

15

الحكيم ليتّصل سلسلة العلم إلى يوم الدّين فينتفع المتأخّرون مثل المتقدمين فانظر رحمك اللّه إلى ما في هذا الخبر من شرف العلم حيث بالغ أولا أن شيئا من شدائد الدهر و نوائبه لا يصلح أن يكون مانعا من تحصيله نعم ما قيل كشعر

رنج راحت دان چو شد مطلب بزرگ‏ * * * كرد كلّه توتياى چشم گرگ‏

و جعل ثانيا استخفاف العلماء من أعظم الكبائر و عدّ ثالثا ملازمتهم من أعظم القربات هدانا اللّه و إيّاكم سبيل الرشاد

قوله عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد

(1) لعلّ السر في ذلك أنّ العابد ينجي نفسه وحده من العقاب و العالم بالصفة المذكورة ينجي الخلائق من العقاب و لأن العلم أصل للعبادة بحيث لو لم يكن العلم لم يكن عابد و لا معبود و لأنّه حياة النفس و من أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعا

[فصل في ما يجب مراعاته في طلب العلم‏]

قوله إخلاص النية

(2) قيل الإخلاص في اللغة كل ما صفا و تخلص و لم يمتزج بغيره فمن طلب العلم لمحض الرياء و السمعة فطلبه خالص له كمن طلبه لمجرد القربة إلى اللّه تعالى و قد خص في العرف بما تجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب و هذا التجريد يسمى إخلاصا فالمراد بالنية الخالصة إرادة فعل غير ملحوظ فيها بشي‏ء سوى وجه اللّه سبحانه فلو طلب العلم للقربة و السمعة معا بحيث لو لم يكن قصد السمعة لم يبعثه مجرد قصد القربة مجردا إلى طلبه لم يكن نيته خالصة و إن علم نفسه من أنه لو لا قصد القربة لم يبعثه مجرد السمعة إلى طلبه أيضا و بالجملة طلبه إمّا أن يكون لله وحده بحيث لا يلاحظ فيه غيره و إمّا أن يكون لغيره وحده بحيث لا يكون له سبحانه مدخل فيه كما إذا طلبه لمجرد الرئاسة و التفاخر بين الناس أو غيرهما و إما أن يكون له و لغيره معا بحيث لا يكون كل واحد منهما مستقلا فيه سواء كانا متساويين أو متفاوتين و الأول خالص عرفا ممدوح صاحبه عقلا و شرعا و الأخيران مذموم صاحبهما اللّه الموفق للسّداد

من دنس الأغراض الدنيوية

(3) لأنها أضداد للأغراض الأخروية فمتى لم يطهر القلب منها لم يحصل فيه تلك الأغراض و لأن العلم عبادة القلب و صلاته على ما قيل و لا يصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح إلاّ بتطهير الظاهر من دنس الأحداث كذلك لا يصح عبادة القلب و صلاته إلا بعد طهارته عن أخباث تلك الأغراض‏

و في قوتها العملية

(4) مراتبها أربعة أولاها تهذيب الظاهر باستعمال الأحكام و ثانيتها

16

تهذيب الباطن عن الشواغل عن عالم الغيب و ثالثها ما يحصل بعد الاتصال به و هو تحلي النفس بالقوة القدسيّة و رابعها ما يحصل عقيبه و هو ملاحظة جلال الله و جماله و قصر النظر على كماله‏

باجتناب الرذائل‏

(1) الرذل في اللغة الدون الخسيس و المراد بالرذائل الصفات الذميمة الخسيسة النفسانية مثل البخل و الحقد و العداوة و نحوها و إنما قدمه على‏

قوله و اقتناء الفضائل الخليقة

(2) أي اتخاذها و اكتسابها لأن تحلّيها بالفضائل يتوقف على تخلّيها عن الرذائل و في توصيف الفضائل بالخليقة إشارة إلى أن تلك الفضائل لا بد من أن تصير طبيعته لأن غيرها مما يمكن زواله لا اعتداد به‏

و قهر القوتين الشهوية و الغضبيّة

(3) و قد شبهوا القوة الغضبية بالكلب و من شأنها أفعال السباع من العداوة و البغضاء و الهجوم على الناس بالضرب و الشتم و نحوها و القوة الشهوية بالخنزير و من شأنها أفعال البهائم من السرة و الشبق و الحرص و أمثالها و لا بد من كسر هاتين القوتين بالسياسة البدنية ليكمل القوة الملكية التي من شأنها أفعال الملائكة من عبادة اللّه تعالى و طاعته و التقرب إليه‏

قوله صنف يطلبه للجهل و المراء

(4) و المراد بالجهل هنا الاستخفاف و الاستهزاء لأن ذلك شأن الجهال و منه قوله تعالى حكاية أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين بعد قولهم أ تتخذنا هزوا و المراء بكسر الميم مصدر تقول ماريت الرجل أماريه مراء إذا جادلته‏

و صنف يطلبه للاستطالة و الختل‏

(5) استطال عليه أي تطاول و تفاخر و ختله و خاتله أي خادعه‏

و صنف يطلبه للفقه‏

(6) قال بعض المتأخرين ليس المراد بالفقه هنا العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية فإنه معنى مستحدث بل المراد به البصيرة في الدين و الفقه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى و الفقيه هو صاحب هذه البصيرة و في كلام بعض الأعلام أن اسم الفقه في العصر الأول إنما كان يطلق على علم الآخرة و معرفة دقائق آفات النفوس و مفسدات الأعمال و قوة الإحاطة بحقارة الدنيا و شدة التطلع على نعيم الآخرة و استئلاء الخوف على القلب‏

مؤذ ممار

(7) اسم فاعل من أذاه و ماراه‏

في أندية الرجال‏

(8) الأندية جمع الندي على فعيل و هو مجلس القوم و متحدثهم و كذلك الندوة و النادي‏

قد تسربل بالخشوع‏

(9) السربال‏

17

القميص و سربلته فتسربل أي ألبست السربال و الخشوع التذلل و الخوف و الخضوع و بذلك فسّر الخشوع في قوله تعالى و الذين هم في صلاتهم خاشعون و الخشوع كما يكون بالقلب كذلك يكون بالجوارح و في الصحاح خشع ببصره أي غضّه و روى في مجمع البيان عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فأما الخشوع بالقلب فهو أن يعرض قلبه عما سواه فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود و أمّا بالجوارح فهو حملها على ما خلقت لأجله و المقصود أن صاحب الجهل و المراء يعد نفسه في الأندية صاحب هذه الصفة الذي حكم اللّه تعالى بقلة وجوده في قوله عزّ من قائل و قليل من عبادي الشكور و لا يخفى ما في الكلام من المكينة و التخييلية

و تخلى من الورع‏

(1) قيل للورع أربع درجات الأولى ورع التائبين و هو ما يخرج به الإنسان عن الفسق و هو المصحح لقبول الشهادة الثانية ورع الصالحين و هو التوفي من الشبهات فإن من رتع حول الحمى أوشك أن يدخله الثالثة ورع المتقين و هو ترك الحلال الذي يتخوف أن ينجز إلى الحرام مثل الورع من التحدث بأحوال الناس لمخافة أن ينجر إلى الغيبة الرابعة ورع السالكين و هو الإعراض عن غيره سبحانه خوفا من صرف ساعته من العمر فيما لا يفيد زيادة القرب عنده تعالى و إن كان معلوما أنه لا ينجر إلى الحرام البتة ثم الظاهر أن هذا الصنف الذي يدعى أن له بجميع هذه المراتب‏

خيشومه‏

(2) الخيشوم أقصى الأنف و كأن دق الخيشوم كناية عن جعله ذليلا خائبا مثل رغم الأنف‏

و قطع منه حيزومه‏

(3) الحيزوم بفتح حاء مهملة و آخره زاء معجمة بينهما ياء تحتانية وسط الصدر و قطع الحيزوم كناية عن إهلاكه و استئصاله بالكلية

ذو خبّ‏

(4) الخب بالكسر مصدر بمعنى الخدعة تقول خبت يا رجل تخب خبا مثال علمت تعلم علما كذا في الصحاح و أما الخيب بالكسر أو الفتح بمعنى الرجل الخداع غير مناسب هنا

و ملق‏

(5) الملق الود و اللطف الشديد قال أبو يوسف و قد ملق بالكسر يملق ملقا و رجل ملق لمن يعطي بلسانه ما ليس في قلبه‏

يستطيل على مثله من أشباهه و يتواضع للأغنياء من دونه‏

(6) اعتبر المماثلة في طرف الاستطالة و الأدونية في طرف التواضع لأن ذلك أقبح و أدخل في شناعته‏

فهو لحلوانهم هاضم‏

(7) الحلوان كعثمان ما يؤخذ رشوة

18

و نحوها

و لدينهم حاطم‏

(1) إما لحملهم على الحرام و هو إعطاء الرشوة و إما لأنه صار سببا لاستهانتهم الدين الذي هم يدينون به لأن ارتكاب العالم للقبائح يهونها في نظر الناس‏

فأعمى اللّه‏

(2) إلى آخره هذا إما خبر أو دعاء عليه باندراس خبره و قطع أثره‏

ذو كآبة

(3) الكآبة و الكأبة على وزن فعالة و فعلة سوء الحال و الانكسار من الحزن‏

في برنسه‏

(4) البرنس قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام‏

في حندسه‏

(5) الحندس بكسر الحاء المهملة و سكون النون و فتح الدال المهملة الليل المظلمة و الظلمة أيضا

يعمل و يخشى‏

(6) لأنه لما شاهد جلال الله و عظمته و كبرياءه يرى كل شي‏ء لديه ضعيفا و كل موجود عنده فقيرا فيرى نفسه مقصرا و عمله مضمحلا فيخشاه من التقصير كما قال سبحانه إنما يخشى الله من عباده العلماء

وجلا

(7) حال من الفاعل أي يخشى حال كونه وجلا فزعا مضطربا استعظاما لجنابه و حذرا من أليم عقابه داعيا بعد ذلك للنجاة و التوفيق للسداد و الثبات لما تذكر من كمال رأفته و جزيل نعمته كما قال سبحانه و لا تقنطوا من رحمة اللّه‏

مشفقا

(8) مع ذلك من عدم استجابته‏

مقبلا على شأنه‏

(9) و إصلاح حاله‏

عارفا بأهل زمانه‏

(10) و بصفاتهم‏

مستوحشا من أوثق إخوانه‏

(11) لما علم أن المرضي من الناس من كل وجه عزيز الوجود فيختار الاعتزال عنهم و الأنس بالله وحده و الوحشة منهم فإنّ مخالطتهم يميت القلب و يفسد الدّين و يحتمل للنفس بسببها ملكات مهلكة مؤدية إلى الخسران المبين و قد ورد في الحديث فرّ من الناس فرارك من الأسد

فشدّ الله من هذا أركانه‏

(12) أي ليثبت الله سبحانه جميع جوارحه و و أعضائه الظاهرة و الباطنة على ما هو عليه من العمل بالخيرات و هذا أيضا إما دعاء أو خبر

قوله منهومان لا يشبعان‏

(13) النهم محركة و النهامة كسحابة إفراط الشهوة في الطعام نهم كفرح و غني فهو نهم و نهيم و منهوم‏

طالب دنيا

(14) لأن طلب الدنيا إذا لم يكن بقدر الحاجة و سد المجاعة بل كان لأجل الحرص و الأمل و مراتب الآمال غير محصورة و درجات الحرص و الخيال غير معدودة فكلما بلغ مرتبة اقتضى الحرص و الأمل طلب مرتبة أخرى فوقها و هكذا إلى أن يهلك‏

و طالب علم‏

(15) لأن ساحة العلوم أوسع من أن يحوم حولها عقول البشر و شانح المعارف أرفع من أن يطير فوقه‏

19

طائر النظر كما دل عليه قوله سبحانه فوق كل ذي علم عليم فكلما حصل له مزية يستعد لتحصيل مزية آخر و هكذا دائما

فمن اقتصر من‏

(1) تحصيل‏

الدنيا على ما

(2) أي على طريق‏

أحل الله له‏

(3) تحصيلها منه‏

سلم‏

(4) من آفات الدنيا و الآخرة

إلا أن يتوب‏

(5) إن كان من حق الله تعالى فقط

أو يراجع‏

(6) إن كان من حق الناس و يمكن أن يكون الترديد من الراوي‏

قوله فاتهموه على دينكم‏

(7) لأنه ليس من أهل الأمانة و الديانة بل هو من شياطين الإنس فلا تجالسوه و لا تسألوه فإنه ربما يصدكم عن الدين فيكونوا مثله من الهالكين و روى في الكافي بإسناده عن الفضل بن أبي قوة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى اللَّه عليه و آله) قالت الحواريون لعيسى يا روح الله من نجالس قال من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله‏

فإن كل محب لشي‏ء يحوط

(8) أي يحفظ و يرعى يقال حاطه يحوط حوطا أي كلأه و رعاه و الحاصل أن هذا العالم يحرس الدنيا و يحفظها و كل من هو كذلك فهو متهم في الدين و ضعيف في اليقين فهذا أيضا كذلك فصح التعليل‏

قوله إن الرئاسة لا يصلح إلا لأهلها

(9) و هو الذي عصمه الله من نزع الشيطان و في بعض الأخبار هلاك المرء سماع خفقان النعال عقبه و في بعضها يتمنونه الناس يوم القيامة كونهم من الفقراء

[فصل في حق العالم‏]

قوله حق سائسك بالعلم‏

(10) أي مالك أمرك في التعليم من سست الرعية سياسة أي ملكت أمورها

قوله و لم تخرق بهم‏

(11) الخرق بالتحريك الدهش من خوف أو حياء أو أن يتهب فاتحا عينيه ينظر و قد خرق بالكسر و أخرقته أي أدهشته و الباء للتعدية أي و لم تدهشهم من تخويف و نحوه‏

و لم يضجر عليهم‏

(12) ضجر منه و به إذا تبرم و انفلق من النعم و قد ضمن معنى الغضب و نحوه و عداه بعلى‏

قوله ثلم في الإسلام ثلمة

(13) بالضم فرجة المكسور و المهدوم و في الكلام استعارة مكنية و تخييلية و قد نقل عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى أ و لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها إن المراد بنقص الأطراف موت أشرافها و كبرائها و علمائها و صلحائها

[فصل في العالم العامل‏]

قوله لكنه في حق العالم آكد

(14) كما أنه يجب على الرعية إطاعة السلطان لكنه في حق المقربين آكد لأنهم على خطر عظيم‏

قوله العلماء رجلان‏

(15) هذا لا ينافي ما سبق من أنهم ثلاثة لأن الصنفين الأولين مما سبق داخلان في القسم الثاني‏

أما اتباع الهوى فيصد عن الحق‏

(16) كما أن عبادة الأصنام و اتباعها يصد عنها و قد جعل الله الهوى إلها لمن اتبعه‏

20

فقال جل شأنه أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه و قد سماه بعض أهل التحقيق شركا خفيا و لا ريب في أن من اتبع أهواء نفسه الدينية و شهواتها البهيميّة و السبعية و أن على قلبه ذنوبه و يتفشاه عيوبه حتى يصير كمرآة مظلمة فلا ينطبع فيه الحق عصمنا الله و إياكم منه‏

و طول الأمل ينسي الآخرة

(1) لأن طول الأمل يورث قساوة القلب و قاسي القلب بعيد عن الآخرة و لأنه يبعث الشوق إلى الدنيا و زهراتها و الفرح في حصولها فيبعد عن قلبه حزن الآخرة و التفكر في شدائدها و لأن الآخرة ضد الدنيا و من أحب شيئا أبغض ضده و في بعض الأخبار إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح و خذ من حياتك لموتك و من صحتك لسقمك فإنك لا تدري ما اسمك غدا يوم القيامة

قوله العلم مقرون إلى العمل‏

(2) العلم شرط لوجود العمل و العمل شرط لبقائه و استمراره و من هذا يظهر أن العمل بلا علم لا ينفع يدل عليه قوله و من عمل علم‏

قوله زلت موعظته‏

(3) و هو مع ذلك مذموم لقوله تعالى أ تأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم و لم تقولون على الله ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون و فيه تهديد عظيم على من ترك نفسه و اشتغل بأمر غيره‏

قوله لم يزد صاحبه إلا كفرا

(4) لأن العلم من جلائل نعم الله سبحانه كما مر فشكره و هو العمل به واجب و تركه كفران للنعمة

و لم يزده من الله إلا بعدا

(5) لأن العالم إذا لم يعمل كان مستخفا للحق و المستخف له بعيد عنه‏

قوله لعلكم تهتدون‏

(6) أي حال كونكم راجين أن تكونوا من المهتدين أو لرجاء هدايتكم المراد بالهداية هنا إراءة الطريق الموصل إلى المطلوب فإن العمل بالعلم شكر له و الشكر يوجب المزيد قال سبحانه و لئن شكرتم لأزيدنكم فيحصل له بذلك مرتبة أخرى من العلم لم يكن قبله و لذا قال سبحانه لنبيه (صلى اللَّه عليه و آله) قل رب زدني علما و يحتمل أن يكون المراد الإيصال إلى المطلوب لأن العمل بالعلم سبب لمحو الظلمات البشرية و شهود التجليات الصمدية فيستهلك في نظره الاعتبار و يحرق الحجب و الأستار فلا ينظر إلا إليه و التوفيق من الله و التكلان عليه‏

أن العالم العامل بغيره‏

(7) أي بغير ما يقتضيه علمه‏

كالجاهل الحائر

(8) في الهلاكة و الضلالة

لا يستفيق عن جهله‏

(9) تشبيه بالمسكر مكنية ذكر الإفاقة

21

تخييلية

بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم‏

(1) لأن مجالسة الناس على قدر عقولهم و لأنه لما ترك ما علم حقيقة كان مكابرا للحق بخلاف الجاهل‏

و كلاهما حائر بائر

(2) الحائر ما هو من الحيرة أو من الحور و هو الهلاك و البائر الرجل الفاسد الهلاك الهالك الذي لا خير فيه‏

لا ترتابوا فتشكوا

(3) الريبة بالكسر التهمة و الشك و الأول هنا أنسب ليصح التفريع و يحتمل أن يكون بمعنى الكراهة من رابني فلان إذا رأيت منه ما تكرهه و المعنى لا تتهموني أو لا تكرهوا ما قلت فتشكوا

و لا ترخصوا لأنفسكم‏

(4) في تنويع المآكل و المشارب و المناكح و الخروج منها إلى ما لا ينبغي في نفس الأمر و حضور مجالس الفاسقين و معاشرة الظالمين بتأويلات و حيل يخيّل أنها جائزة في الشريعة

فتدهنوا

(5) أي فتساهلوا لذلك في ارتكاب المحظورات و تماشوا معهم فيما ترونه من المنكرات فإن العمل بالتأويلات ربما يسهل عليكم ارتكاب المحظورات و الأنس بمشاهدة العصيان ربما يوقعكم في حبائل الشيطان‏

و لا تدهنوا في الحق فتخسروا

(6) أي لا تساهلوا فيما ينبغي ارتكابه في الشريعة و لا تتركوه فتخسروا لأن ترك بعض ما ينبغي الإتيان به قد يكون مؤديا إلى ترك الواجبات كما أن فعل ما لا ينبغي قد يكون موجبا لفعل المحرّمات‏

و أنّ من الحق‏

(7) الذي يجب ترك المساهلة فيه‏

أن تفقهوا

(8) في الدين و تصرفوا العمر في طلب أحكام سيد المرسلين‏

و من الفقه أن لا تغتروا

(9) في العمل‏

و أن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه‏

(10) لأنّ الغرض من النصح هو جلب الخير و المنفعة إلى المنصوح و لا ريب في أن أعظمها هو السعادة الأبدية الباقية و المشاهدة الربوبية و لا في أن تلك السعادة إنما تنال بطاعته تعالى و لا في أن من كانت طاعته له أتم كانت سعادته أتم فلا شبهة في أنه أنصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته ربّه‏

و أغشكم لنفسه أعصاكم لربه‏

(11) و هو ظاهر ممن قررناه فإن الغرض من الغش هو جلب الشر و المضرة إلى المغشوش و لا ريب في أن أعظمها هو الشقاوة الأبدية و لا في أن تلك الشقاوة إنما يحصل بمعصية الله تعالى و لا في أن من كانت معصيته أتم كانت شقاوته أتم فلا شبهة في أنه أغش الناس لنفسه بمبالغته في معصية ربه‏

قوله قال الإنصات إلخ‏

(12) المتعلم لا بد من أن يسكت عند تلقين المعلّم و يسمع و يحفظ و يعمل و ينشر ما علم بين الناس و في الحديث إشارة إلى هذه الأمور

[فصل في مواصفات طالب العلم‏]

قوله من لم‏

22

يقنط الناس‏

(1) يقال قنطه تقنيطا إذا آيسه و التقنيط معصية مثل القنوط و من يقنط عن رحمة ربه إلاّ الضالون‏

و لم يؤمنهم من عذاب اللّه‏

(2) لأن ذلك يوجب جرأتهم في المعاصي بل لا بد من أن يكون العالم حكيما جامعا بين الوعد و الوعيد كما نقله الله تعالى في محكم كتابه‏

ليس فيها تدبر

(3) لأن القرآن معجزة رسول الله (صلى اللَّه عليه و آله) و مظهر حكم الله و منبع العلوم فلا بد من التفكر في معانيه و التأمل في نظمه و مبانيه ليفتح بذلك باب خزائنه و يحصل ملكة في امتناء دفائنه‏

ألا لا خير في نسك لا ورع فيه‏

(4) مفاسد العبادة أكثر من أن تحصى يعرف ذلك من نظر في الآثار و في خبر معاذ دلالة على أن العمل المقبول أقل وجودا من الكبريت الأحمر و لا شك أنه لا يأمن من فسادها إلا الورع التقي و اللّه الموفق لذلك‏

قوله إن العلم ذو فضائل كثيرة

(5) تصور العلم مجسما و شبهه بإنسان ذي اقتدار و انتزع منه ما يشبه بما يحتاج إليه ذلك الإنسان في اقتداره مثل الرأس و العين و الأذن و اللسان و نحوها

فرأسه التواضع‏

(6) أي التذلل شبه التواضع بالرأس لأن الرأس رئيس أعضاء الإنسان لأنه محل لأكثر القوى البشرية فلذلك ينتفي وجوده بانتفائه و كذلك التواضع أعظم فضائل العلم لأن التعليم و التعلم لا يمكنان بدونه‏

و عينه البراءة من الحسد

(7) فإن العين كما كانت آلة لمشاهدة المبصرات كذلك البراءة من الحسد آلة لمشاهدة المعقولات فإن الحسد يأكلها كما تأكل النار الحطب‏

و أذنه الفهم‏

(8) فإن حصول المعارف في القلب عن طريق الفهم كما أن سماع الأخبار من طريق السّمع‏

و لسانه الصّدق‏

(9) صدق العلم سبب لزيادته لأن العلوم يتكامل بحسب الاستعداد كما أن اللسان سبب لزيادة الاقتدار بالوعد و الوعيد

و حفظه الفحص‏

(10) لأن العلم وحشي و الفحص قيده و حفظه‏

و قلبه حسن النية

(11) إذ يفسد العلم بفساد النية كما يفسد الرجل بفساد قلبه‏

و عقله معرفة الأشياء و الأمور

(12) لأن قوام العلم بتلك المعرفة كما أن قوام الإنسان بالعقل‏

و يده الرحمة

(13) لأن الرّحمة و هي الرأفة و التعطف وسيلة لإيصال العلم إلى غيره كما أن اليد وسيلة لإيصال النعمة إلى غيره‏

و رجله زيارة العلماء

(14) لأنه بزيارتهم تقتبس المطالب كما أن الإنسان بالرجل يكتسب المآرب‏

و همته السلامة

(15) من الآفات أو سلامة الناس منه‏

و حكمته الورع‏

(16) أي التحلي‏

23

بما يوجب القرب و التخلي عما يوجب البعد

و مستقره النجاة

(1) المستقر المكان و المنزل و النجاة إما مصدر من نجوت من كذا أي خلصت منه و المقصود أن مستقره خلوصه عن المفاسد و إما مكان مرتفع لا يعلوه السّيل و المراد هنا مكان لا يصل إليه مفاسد العقائد

و قائده العافية

(2) العافية اسم بمعنى المصدر و توضع موضعه يقال عافاه الله عافية و هي دفاع الله عن العبد سوء المكاره‏

و مركبه الوفاء

(3) شبه الوفاء و هو ضد العدو و المكر بالمركب لأنه يوصل صاحبه إلى المقصود و ينجيه عن مصائب المكاره‏

و سلاحه لين الكلمة

(4) شبه لين الكلمة بالسلاح و هو آلة الحرب مثل الدرع و نحوه لأن كلاّ منهما يدفع شر العدو و أما الأول فبالاستمالة و أما الثاني فبالاستطالة

و سيفه الرضا

(5) لأن الرضا بما آتاه الله و بالقضاء و القدر يقطع المشكلات كما أن السّيف يقطع المتّصلات‏

و قوسه المداراة

(6) لأن مداراة الناس و هي ملائمتهم و مساترة عداوتهم يحفظ صاحبها عن شرهم كالقوس‏

و جيشه مجاورة العلماء

(7) لأن مجاورتهم يحفظ مسالك القلب عن توارد الجهالة كما أن الجيش يحفظ الممالك عن تسلط الغير بالعداوة

و ماله الأدب‏

(8) لأن أدب النفس مثل المال سبب لتأليف القلوب و لأن الأدب مكتسب مثل المال و لو كان ماله بمعنى مرجعه فالأمر ظاهر

و ذخيرته اجتناب الذنوب‏

(9) كما أن للإنسان ذخيرة ليوم بؤسه كذلك للعلم ذخيرة و هي اجتناب الذنوب ليوم فقره و فاقته و هو يوم يقوم الناس لربّ العالمين‏

و زاده المعروف‏

(10) كما أن للإنسان زاد به يتوصل إلى المقصود كذلك للعلم زاد و هو المعروف أعني ضدّ المنكر به يتوصل إلى المطلوب‏

و مأواه الموادعة

(11) المأوى كل مكان يأوى إليه ليلا و نهارا و الموادعة المصالحة و يجوز أن يكون من الوداع و المعنى أن المنزل الذي يأوي إليه العلم هو المصالحة بين الناس لا المباغضة أو الوداع دون القرار

و دليله الهدى‏

(12) كما أن للمسافر دليلا لولاه لضلّ كذلك العلم هو دليل الهداية و هي على ما ذكره بعض المحققين خمسة أنواع الأول إفاضة القوى التي يتمكنون بها من الاهتداء إلى مصالحهم كالقوة العقلية و المشاعر الظاهرة و الباطنة و الثاني نصب الدلائل العقلية الفارقة

24

بين الحق و الباطل و الصلاح و الفساد و الثالث إرسال الرسل و إنزال الكتب و الرابع أن يكشف السرائر بالمنام أو الوحي و الإلهام و الخامس أن يمحو عنهم الظلمات البدنية و يشهدهم التجليات الأحدية فيستهلك في نظرهم الأغيار و يحترق الحجب و الأستار فلا ينظرون إلا إليه و يمكن حمل الهداية هنا على كل واحد من هذه الخمسة فتأمل‏

و رفيقه صحبة الأخيار

(1) أي صحبة الأخيار إياه أو صحبته إياه للأخيار و هذا من أعظم الغايات لقوله تعالى و من يطع الله و رسوله فأولئك مع الذين أنعم اللّه عليه من النبيين و الصّديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله و كفى بالله عليما

قوله دعي في ملكوت السماء عظيما

(2) الدعاء هنا بمعنى التسمية يقال دعوته زيدا أي سميته زيدا فعظيما مفعوله الثاني و الأول أقيم مقام الفاعل فقيل إلخ الظاهر أن الفاء في قوله تعالى و نادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي‏

[فصل في فضيلة الفقه و منزلته‏]

قوله ليس في العلوم بعد المعرفة أشرف من علم الفقه‏

(3) هذا صريح في أن علم الكلام أشرف من علم الفقه و هو كذلك لأن معرفة الفقه إنما هي للعبادة و لا يتصور العبادة بدون معرفة المعبود و المتكفل لتلك المعرفة علم الكلام‏

بعد ما ذكر

(4) يعني بعد المعرفة

و مع ذلك فهو الناظم لأمور المعاش‏

(5) و هو بهذا الاعتبار أشرف من جميع الأمور العلوم لأنه أصل‏

قوله آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة

(6) كأن الأول إشارة إلى العلم بالكتاب و الأخير إلى العلم بالأحاديث و الوسط فريضة عادلة أي مستقيمة كالعلم بكيفية العمل بالأحكام و المراد باستقامتها اشتمالها على جميع الأمور المعتبرة شرعا في تحققها

قوله و الصبر على النائبة

(7) و هي الأمور النازلة من المكاره و المصائب‏

و تقدير المعيشة

(8) ما يعاش به من المطعم و المشرب و ما يكون به الحياة و المراد بتقديرها التوسط بين التبذير و التقصير في كل ما يعاش به‏

قوله إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض إلخ‏

(9) قيل إذا مات الرجل الخطير يقال في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء و الأرض و أظلمت الدنيا و جوز الأكثرون أن يكون البكاء هنا حقيقة حتى بالغ بعضهم و جعل الخسوف و الكسوف و الحمرة التي تحدث في السماء و هبوب الرياح العاصفة من ذلك و في بعض أحاديثنا ما ينافي هذه المبالغة و روي في طريق العامة

25

عن أنس بن مالك أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) قال من عبد إلا و له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه و باب يدخل فيه عمله فإذا مات فقداه و بكيا عليه‏

قوله لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام‏

(1) لأنهم يدفعون عن الإسلام و أهله صدمات المعاندين و طعنات الكافرين كما يدفع الحصون ذلك عمن دخلها

[فصل في الغاية من علم الفقه‏]

قوله الحق عندنا

(2) إنما قال ذلك لأن أفعاله تعالى عند الأشاعرة ليست معللة بالغرض و تحقيق ذلك يطلب في علم آخر

و لا ريب أن نوع الإنسان أشرف ما في العالم السفلي‏

(3) ذكروا لأشرفيته وجوها منها الحظ به بقدر الإنسان على إيداع العلوم التي يستنبطها في الدفاتر فبقي على الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم و منها الصورة الحسنة و صوركم فأحسن صوركم و منها القامة المعتدلة لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم و منها النطق و التمييز و منها الأكل بأصابعه بخلاف سائر الحيوانات فإنها تأكل بغمّها و منها تسليطهم على ما في الأرض و تسخيره لهم فالأرض لهم فراش و مهاد و الماء ينتفعون به في الشرب و الزراعة و العمارة و البحر يأكلون منه لحما طريا و يستخرجون منه حلية يلبسونها و يركبونها للتجارة و النار ينتفعون بها في الطبخ و الانضاج و غير ذلك و انتفاعهم بالمركبات المعدنية و النباتية و الحيوانية ظاهر و بالجملة فهذا العالم كقرية معمورة أو خوان معدة و الإنسان فيه كالرئيس المخدوم و الملك المطاع لا يقال كلامه (رحمه الله)ه دل على أن ما في العالم العلوي مثل الملائكة أشرف من الإنسان و قد صرحوا بأن بعضهم أشرف من الملائكة و دل عليه الأخبار أيضا لأنا نقول تلك الدلالة ممنوعة و لو سلّمت فإنما هي بحسب المفهوم و هو غير معتبر و لو سلم فالمستفاد أنّ نوع الملائكة أشرف من نوع الإنسان و هو لا ينافي أن يكون بعض أفراد الإنسان أشرف من بعض أفراد الملائكة و قال جار الله العلامة كل الملائكة أفضل من كلّ البشر و قال بعض المفسرين إن هذا تحكم محض‏

قوله فهو أعرابي‏

(4) الأعرابي بفتح الهمزة منسوب إلى الأعراب و هم سكان البادية خاصة لا واحد العرب بالضم و التحريك خلاف العجم و هم سكان الأمصار أو عام فهما إما متباينان أو أعم و أخص مطلقا و المراد بكون غير المتفقه أعرابيا أنه من الكفر أقرب و من العلم بحدود الله أبعد كما قال سبحانه الأعراب أشد كفرا و نفاقا و أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله‏

26

لم ينظر الله إليه يوم القيامة و لم يزك له عملا

(1) هذا كناية عن سخط الله عليه و نفي الاعتداد و حرمانه مما لديه من الكرامات و القرب لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه و نفي اعتداده و لا يوصل إليه من فوائده و فضائله و أمثال هذه الأفعال إذا أطلق على من لا يجوز عليه الحقيقة يراد بها الغايات فليس المراد من النظر الرؤية لأنه تعالى يراهم غيرهم و لا تغليب الحدقة إلى جانب المرئي اتفاقا التماسا لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام و هو تعالى منزه عنها

[فصل في تعريف الفقه‏]

قوله الفقه في اللغة الفهم‏

(2) يقال فقه الرجل بالكسر إذا فهم و الفهم هو العلم و منه قوله تعالى فهم لا يفقهون و لكن لا تفقهون تسبيحهم و قيل الفهم جودة الذهن و استعداده لاكتساب الآراء و إن كان المتصف به جاهلا كالعامي ثم غلب في اصطلاح المتشرعة على علم الدين لشرفه فكأنه المستحق لإطلاق اسم الفقه عليه دون غيره و مما ينبغي أن يعلم في هذا المقام أنّ القوم فسّروا أصول الفقه بمعناه الإضافي أولا ثم بمعناه العلمي ليظهر المناسبة بينهما و ليكون الشارع على بصيرة و أما المصنف فلم يتعرض لهما لأن المعنى الإضافي لا غرض له في معرفته و المعنى العلمي لا حاجة إليه لأنّ التصور بوجه ما يكفي للشروع فيه و أما تعريفه للفقه فيحتمل أن يكون لوجهين أحدهما أن الفقه غاية لهذا العلم فعرف غايته ليعرف الطالب رفعة قدره و سمو محله فيزداد رغبته و يوقيه حقه من الجدّ في تحصيله بحسب تلك الفائدة و ثانيهما أن يعرف أن هذا العلم كيف يتضمن كيفية الاستدلال بيان ذلك أنه علم من هذا الحد أن الأحكام مستنبطة عن الأدلة التفصيلية و هذا العلم باحث عن أحوال الأدلة الإجمالية فقد علم أن أدلة الفقه مندرجة تحت موضوعاته فيعلم تأدي البحث عن تلك الأحوال من الموضوع إلى الأدلة التفصيلية هذا و يمكن أن يقال المصنف وافق القوم في تفسيره بالمعنى الإضافي إلا أنه ترك تفسير الأصول بحسب هذا المعنى لأنه معلوم إذ يعلم كلّ أحد أنه ما يبتني عليه غيره و عرف المضاف إليه أعني الفقه فعلم أن أصول الفقه معناه الإضافي مجموع ما يبتني عليه الفقه من القواعد ثم إطلاقه على المعنى العلمي ظاهر باعتبار إضافة العلم إلى تلك القواعد فيقال هو علم بما يبتني عليه الفقه‏

قوله هو العلم‏

(3) العلم إذا أطلق على علوم المدوّنة فإمّا أن يراد

27

به الملكة الحاصلة بتكرير مسائلها مرة بعد أخرى أو نفس تلك المسائل أو نفس الإدراك المتعلق بها هذا إذا لم يذكر متعلقه و أما إذا ذكر كما في هذا المقام فالظاهر هو الأخير

قوله بالأحكام‏

(1) إن أريد بها الأحكام المعروفة عندهم أعني الوجوب و إخوانه يرد أن كل واحد من قيدي الشرعية و الفرعية زائد و إن أريد بها المسائل أعني نسب المحمولات إلى الموضوعات يرد أنه لا يصح ذلك بدون قرينة صارفة و يمكن الجواب باختيار الثاني و القرينة هي قوله عن أدلتها لأن المكتسب عن الأدلة هي النسب المذكورة دون الوجوب نفسه ثم الأحكام إما أن يكون بمجرد العقل أو من أجل الوضع و الأول عقلي كأحكام الهندسية و الحساب و الثاني إما أن يكون الوضع من الشرع أو من غيره و الثاني وضعي كأحكام النحو و اللغة و الأول إما أن يكون اعتقاديا لا يتعلق به القصد إلى كيفية عمل كمعرفة الصانع و صفاته و هو شرعي أصلي أو يتعلق كوجوب القراءة و هي شرعيّ فرعيّ إذا عرفت ذلك ظهر لك معاني القيود المذكورة و فوائدها

قوله عن أدلتها التفصيلية

(2) و هي الكتاب و السنة و الإجماع و دليل العقل و الظرف إما متعلق بالعلم أو صفة للأحكام و الثاني أنسب لفظا ليطابق القيدين السابقين و الأول أظهر معنى لأن المقصود من هذا القيد إخراج علم الله سبحانه و علم الملائكة و خروجهما به ظاهر على الثاني دون الأول إلا باعتبار أن تعليق الشي‏ء على الموصوف بالصفة مشعر بالعلية فيفهم أن العلم أيضا حاصل عن الأدلة ثم إن في إضافة الأدلة دلالة على أن الفقيه لا بد من أن يكون له اقتدار على الاكتساب بكل واحد منها حتى لو قدر على الاكتساب ببعضها دون بعض لا يكون فقيها في الاصطلاح و في توصيفها بالتفصيلية إشارة إلى أن ليس المراد بها على وجه الإجمال كما هو موضوع هذا الفن بل على وجه التفصيل أعني الأدلة الجزئية المنصوبة على الأحكام المخصوصة و هاهنا بحث و هو أن حكم العقل غير مستند إلى الشرع فكيف عدّ من الأحكام و يمكن أن يجاب بأن المراد بالحكم الشرعي أعم من أن يكون مستندا إلى قوله أو فعله أو تقريره و هذا مستند إلى تقريره لأنّ الشارع لما لم ينقله من الأصل كما قررنا عليه فالحكم العقلي شرعي تقريري‏

قوله و خرج بالفرعية الأصولية

28

(1) قال الشريف و في قواعد الأصولية من الشرعية إشارة إلى أن الاعتقادات و إن استقل بإثباتها العقل يجب أخذها من الشرع ليعتد بها

قوله و بقولنا عن أدلتها علم اللّه سبحانه و علم الملائكة

(2) أمّا خروج علم الله سبحانه فلأنه غير مستنبط عن الأدلة و اعترض العلامة الشيرازي بأن علمه سبحانه مستفاد عن الأدلة لأن علمه بالأشياء وجب أن يكون على ما هي عليه في نفس الأمر فوجب أن يعرفها بعللها إذا كانت معللة و أجيب عنه بأن الأدلة أمارات لا علل موجبة سلمنا لكن العلم بالمعلول لا يجب أن يكون مستفادا من العلة و أما خروج علم الملائكة و علم الأنبياء فلأن علمهما إنما هو بالوحي و التعريف دون الاستدلال هذا على ما ذهبنا إليه من أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) ليس بمجتهد و أما من ذهب إلى اجتهاده فلا يخرج علمه بهذا القيد

قوله و خرج بالتفصيلية علم المقلد

(3) لأن علمه غير مستند إلى أدلة تفصيلية بل إلى دليل واحد في جميع الصور و هو هذا ما أفتى به المفتي و كل ما أفتى به المفتي فهو حكم الله في حقي كما ذكره المصنف لا يقال علم المقلد تابع لعلم مفتيه فهو أيضا حاصل عن الأدلة بالواسطة لأنا نقول المتبادر من الحد هو حصول الأحكام عنها بلا واسطة بقي شي‏ء و هو أن علم المقلد يخرج بعموم الأدلة المستفاد منه الاقتدار على الاكتساب بكل واحد منها كما ذكرنا لأن مستنده أبدا دليل واحد

قوله و ذلك‏

(4) أي كون حكمه مأخوذا من دليل إجمالي هذا الدليل صغراه وجدانية و كبراه إجماعية لا يقال المستفاد من كلام المصنف هو أن المقلد يعلم أن هذا حكم الله في شأنه بالضرورة و مفتيه ظان فيلزم زيادة الفرع على الأصل لأنا نقول المراد أنه يعلم أن ذلك حكم الله تعالى في شأنه ظاهرا لا في نفس الأمر

قوله و أورد على هذا الحد

(5) الحد عند الأصوليين هو المعرّف الجامع المانع سواء كان حقيقيا أو رسميّا فلا يرد أنّ تسميته حدّا يتوقف على كون المذكور فيه ذاتيات أنّه ممنوع على أن الحدّ كما يكون حقيقيا كذلك يكون رسميّا و الذاتيات ممّا يكون رسميّا اسميّا أمر اعتباري فلا يتوجه المنع المذكور

قوله و إن كان المراد بالأحكام البعض‏

(6) و ذلك بحمل اللام على الجنس الشامل للكل أو البعض فلا يرد أنّ الترديد بين الكلّ و البعض غير حاضر لجواز حمله على الأعمّ فإن قلت إن كان المراد بالبعض المقابل للكل هو المعنى الأعم فلم خص ذكر البعض قلت لما كان ذلك الأعم هو ماهية

29

الأحكام باعتبار وجودها في ضمن أفراد أقلها ثلاثة لا بعينها و المتحقق في الماهية باعتبار الوجود من غير بيان إرادة الكل أو البعض هو البعض قطعا خصه بالذكر على أن البعض هو مورد الشبهة دون الكل‏

قوله لم يطرد

(1) الاطراد هو أنه كلما وجد الحد وجد المحدود فعدمه هو أن يوجد الحد بدون المحدود فلا يكون مانعا

قوله لدخول المقلد

(2) إذا عرف بعض الأحكام كذلك أي لدخول علم المقلد في حد الفقه أو لدخول المقلد في حد الفقيه لأن حد الفقه بما ذكر يستلزم حد الفقيه بالعالم به قيل دخول المقلد إنما يلزم على تقدير إرادة البعض على الإطلاق و أما على تقدير إرادة المعين أو الأكثر على ما اختاره الآمدي حيث قال هو العلم بجملة غالبة من الأحكام فيرد بأنها رد إلى الجهالة و أجاب عنه السيد بأن إرادة المعيّن و لو بكونه أكثر مما لا مساغ لها إذ لا يدل عليها العبارة

قوله لأنا لا نريد به العامي إلخ‏

(3) بيان لدخول المقلد على ذلك التقدير و دفع لما يقال من أنا نسلم أن علم المقلد حاصل عن الأمارات التي عينها الشارع إذ لا يتمكن من الاستدلال بها و الاستنباط عنها إلا المجتهد لكونها ظنية متعارضة فيفتقر إلى الترجيح و تقرير الدفع ظاهر

قوله بل من يبلغ رتبة الاجتهاد

(4) أراد به الاجتهاد في الكل لأن الاجتهاد عند المورد منحصر فيه‏

قوله مع أنه ليس بفقيه‏

(5) لا يخفى أن قوله لدخول المقلد إشارة إلى صدق حد الفقيه عليه و في قوله مع أنه ليس بفقيه إشارة إلى عدم صدق المحدود أعني الفقيه فلا يكون حد الفقيه مطردا هذا إذا أورد النقض على حد الفقيه المستفاد من حد الفقه و أما إذا أورد على حد الفقه ففي قوله لدخول المقلد إشارة إلى صدق حد الفقه على علمه بتقدير مضاف كما ذكرنا و في قوله مع أنه ليس بفقيه إشارة إلى عدم صدق المحدود أعني الفقه لأنه إذا لم يكن المقلد فقيها لم يكن علمه فقها فلا يكون حد الفقيه مطردا

قوله في الاصطلاح‏

(6) أي في اصطلاح المتشرعة لأن الفقيه عندهم هو المجتهد و المجتهد عندهم منحصر في الكلّ و إن كان المراد به الكلّ و ذلك بحمل اللام على الاستغراق كما هو المتبادر من الجمع المعرف لا يقال الشق الأول من الترديد بناؤه على حمل اللام على الجنس و الشق الثاني بناؤه على الحمل على الاستغراق كما يشعر به التعليل فالترديد حينئذ غير منحصر لجواز حملها على الاستغراق العرفي بأن يراد بالأحكام أكثرها أو كل ما يدخل‏

30

تحت القصد لأنا نقول هذا القسم داخل في الشق الأول لأن البعض شامل لجميع الأبعاض و لا شك أن العرفي من جملتها فيندرج فيه فيرد عليه ما مرّ من دخول المقلد لأن بناء ذلك على أن الاجتهاد منحصر في الكل و المقلد عند من لم يجوز التجزي يجوز أن يعرف أكثر الأحكام كذلك مع أنه ليس بفقيه‏

قوله لم ينعكس‏

(1) الانعكاس الاطراد فهو أن يصدق الحد على ما صدق عليه المحدود بحيث لا يخرج عنه بشي‏ء من أفراده فيكون جامعا فعدمه أن لا يصدق الحدّ على ما صدق عليه المحدود فلا يكون جامعا

قوله لأنهم‏

(2) الضمير يعود إلى الأكثر و الجمع باعتبار المضاف إليه أو باعتبار تعدده معنى و قوله أو أكثرها مما لا حاجة إليه‏

قوله لابتنائه غالبا

(3) إنما قيد به لأن الفقه قد يكون مبتنيا على القطعيات كالإجماع الذي بلغ أهله عدد التواتر و نقل إلينا متواترا و كالكتاب القطعي الدلالة و السنة المتواترة كذلك ثم إن الافتقار إلى هذا القيد إنما هو إذا جعل القطعيات فقها و ذلك بحمل الأدلة في تعريفه على الأعم من القطعي و الظني و أما عند من لم يجعلها فقها فلا حاجة له إليه‏

قوله قلنا ممنوع‏

(4) المنع يتوجه إلى عدم الاطراد لا إلى الدّخول كما ينبئ عنه الشق الثاني من التفصيل‏

قوله أما على القول بعدم تجزي الاجتهاد فظاهر

(5) أي أما منع عدم الاطراد فظاهر على القول بعدم تجزي الاجتهاد فحذف المسند إليه لقيام قرينة و قدم الظرف على عامله للتعويض و الاختصاص و الفصل بين أما و جوابه فلأجل هذه الفوائد جوز عمل ما بعد الفاء على ما قبله على أن المعمول ظرف يكفيه رائحة الفعل‏

قوله إذ لا يتصور على هذا التقدير انفكاك العلم إلخ‏

(6) أي لا يتصور على تقدير القول بعدم التجزي أو على تقدير إرادة البعض انفكاك العلم ببعض الأحكام‏

كذلك‏

(7) أي عن الأدلة التفصيلية عن الاجتهاد و لأن قوله عن أدلتها دال على أن حصوله عنها بالاستدلال و هو الاجتهاد فلا يحصل العلم بالبعض كذلك عن الاجتهاد للمقلد لانتفاء الاجتهاد عنه لأن الاجتهاد على تقدير عدم التجزي وصف مختص بمن له علم بالجميع و المقلد ليس له علم به فخرج عن الحد بقيد الاجتهاد المستفاد من الظرف توضيح الجواب‏

31

على وفق ما في الكتاب أن الاجتهاد وصف للفقيه به يمتاز عن غيره و إذا فسر على وجه يكون مبدأ للفقه بجميع الأحكام فكما صح تعريفه بالعلم بالجميع عن الأدلة بالاستدلال و الاجتهاد صح تعريفه بالعلم كذلك لأن صدق الإيجاب الكلي يستلزم صدق الإيجاب الجزئي أو كما يخرج المقلد عن الأول بقيد الظرف الموجب لكونه بالاجتهاد كما صرحوا في كتبهم بأن علم المقلد يخرج بحرف المجاوزة كذلك يخرج عن الثاني بذلك القيد لعدم الاجتهاد بالمعنى المذكور فيه أ لا ترى أنا لو فرضنا أن الفرس الأبلق مختص بزيد و أردنا تعريفه و تمييزه صح أن نقول زيد هو الذي له بعض الفرس الأبلق كما صح أن نقول زيد هو الذي له كل فرس أبلق و بكل واحد منهما يمتاز عن غيره بلا تفرقة

قوله فالعلم المذكور داخل فيه‏

(1) أي علم المقلد بالبعض كذلك داخل في حد الفقه و هو من أفراده فالحد مطرد و الفرق بين الجوابين أن بناء الأول على أن العلم المذكور ليس من أفراد الفقه و هو غير داخل في حده فلم يثبت عدم اطراده و بناء الثاني على أنه من أفراده و هو داخل فيه فلا يكون صدق الحد عليه مما يوجب عدم اطراده و أيضا في الأول تسليم لقول المورد أنه ليس بفقيه في الاصطلاح و في الثاني منع له بقي شي‏ء و هو أن الحد حينئذ يصدق على من علم حكما واحدا كذلك و هو خلاف المشهور و قال العلامة الشيرازي شرط جمهور المتشرعة في إطلاق الفقيه كون الأحكام ثلاثة فما فوقها و لعل وجه ذلك أن الجمع المخصص لا يطلق على أقل من ثلاثة و فيه نظر لأن عموم الجمع باعتبار الأجزاء لا باعتبار الجزئيات كما حقق في محله‏

قوله و كون العالم بذلك فقيها

(2) إشارة إلى أنه لا منافاة بين كونه فقيها و مقلدا لأن ذلك بالاعتبارين‏

قوله إذ المراد بالعلم بالجميع التهيؤ له‏

(3) أي لا يشترط حصول الكل و لا البعض بالفعل فلا يرد أن ذلك ممتنع لأنّ الأحكام غير متناهية لا يمكن حصولها لأحد بالفعل‏

قوله و هو أن يكون‏

(4) يعلم من هذا التفصيل أن المراد من التهيّؤ هو الاستعداد القريب على الفعل و هو أن يكون له ملكة الاقتدار على استخراج الأحكام الجزئية من القواعد الكلية و ربما يقال التهيؤ إمّا متعذر أو متعسّر فلا وجه لجعله مناطا للأحكام مع ثبوت التكليف بها لكلّ‏

32

أحد و الجواب أن التعذر ممنوع و التعسر مسلّم و لا يضر

قوله و إطلاق العلم على هذا التهيّؤ شائع‏

(1) فالفقيه هو الذي حصل بممارسة أحوال الأدلة التي يبحث عنها في علم الأصول ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الجزئية عن الأدلّة التفصيلية و لا يراد أنّ مسائله حاضرة عنده على التفصيل قال الشريف و التفصيل أن المعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك و لا بد له من متعلق هو المعلوم أعني القواعد و له تابع في الحصول يكون ذلك التابع وسيلة إليه في البقاء هو الملكة و قد أطلق لفظ العلم على كل واحد منهما حقيقة عرفية أو اصطلاحية و إما مجازا مشهورا

قوله و هذا المعنى شائع‏

(2) القول بأن العلم يطلق على هذا حقيقة نادر بل ادعى شارح المواقف أنه خلاف إجماع أهل اللغة و الشرع و العرف لكنه شائع سيما عند المتشرعة و هذا القدر يكفي لصحة هذا الحمل نعم فيه ارتكاب مجازين أحدهما هذا و الثاني تعميم الأدلة بحيث يشتمل الأمارات أيضا إلا أن شيوع الأول صار سببا لجوازه في الحد و نفس الأول صار قرينة للثاني ثم إن في هذا الحمل تصريح بأن القطعيات أيضا داخلة في الفقه و من خصّ العلم بالظن و الأدلة بالأمارات كالإمام و غيره منع دخولها فيه‏

قوله و ظنية الطريق لا ينافي علمية الحكم‏

(3) لأن الشارع جعل ظن المكلف مناطا للأحكام و علة لها إجماعا فإذا اجتهد و ظن الحكم جزم بوجود علته أعني ظنه و هو أمر وجداني و الجزم بوجود العلة يوجب الجزم بوجود المعلول بالضرورة فقد أفضى ظنه بالأحكام إلى العلم بهما لا يقال يمكن أن يوجه عدم المنافاة بأن المراد بعلمية الحكم المعنى الشامل للظن و القطع فيرجع إلى ما ارتضاه المصنف لأنا نقول قوله لا فيه نفسه يأباه‏

قوله فضعفه ظاهر عندنا

(4) لأنا نقول بأن للّه تعالى حكم معين في كل واقعة لا يختلف باختلاف آراء المجتهدين و حكم المجتهد إن طابقه كان صوابا و إلا فهو خطاء و حينئذ فظاهر أن الظن عندنا ليس علّة للأحكام لجواز أن يكون خطاء فيلزم تخلف العلة عن المعلول و قد يجاب بأن الحكم الذي جعل الظن مناطا له إنما هو الظاهري و هو الذي ذكر في الحد و وقع التكليف به دون الواقعي لاستحالة التكليف بالمحال و جواز خطاء الظن‏

33

إنما يقدح في علّته للواقعي دون الظاهري فليتأمل‏

قوله و أما عند المصوبة القائلين بأن كل مجتهد مصيب‏

(1) هم الذين قالوا بأنه ليس لله تعالى في الواقع حكم معين بل حكمه تابع لظن المجتهد حتى لو ظن خمسة في مسألة حكما مخالفا لحكم آخر كان الكل حكمه تعالى فكلّ مجتهد عندهم مصيب فتوصيفهم بما ذكر للبيان و الكشف‏

قوله فله وجه‏

(2) لأن الحكم و هو الكلام النفسي أي إيقاع النسبة عندهم تابع لظن المجتهد فإذا حصل له ظن علم وجود علته قطعا فيعلم الحكم لأن العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول‏

قوله و كأنه لهم‏

(3) أي كأن هذا الجواب للمصوبة بناء على التصويب و تبعهم فيه من لا يوافقهم على هذا الأصل أعني المخطئة غفلة منهم عن حقيقة حال هذا الجواب حيث لم يتفطنوا أنه لا يصحّ إلا على طريق المصوبة و قد عرفت ما مرّ فتأمل‏

[فصل في مرتبة علم الفقه‏]

قوله و اعلم أنّ لبعض المعلوم تقدّما إلخ‏

(4) كلّ علم على الإطلاق له موضوع به يمتاز عن غيره و يبحث فيه عن أحواله و مسائله و هي تلك الأحوال و فائدة و هي ما يترتب عليه و مبدأ و هو ما يتوقف عليه ذات المسائل و هو إما تصور كتصور الموضوع و المحمول و إمّا تصديق و هو ما يتوقف عليه إثبات المحمولات للموضوعات أو نفيها إذا عرفت هذا فنقول الشرف الذاتي للعلم إنما هو بالنظر إلى ضده أعني الجهل و أما تقدم بعضه على بعض في الشرف إنما يعرض له بالنظر إلى الغير لا بالذات كتقدم موضوعه لأن العلم بحال ما هو أشرف أشرف من العلم بحال ما ليس كذلك أو تقدم غايته إذ لا شك أن فائدة العلم إذا كانت أشرف الغايات و أتمها نفعا كان ذلك العلم أشرف العلوم و أكملها قدرا و اشتماله على مبادي العلوم المتأخرة لأن المحتاج إليه من حيث إنه محتاج إليه أشرف من المحتاج أو نحو ذلك مثل رشافة المسائل أو وثاقة الدلائل ثم الترديد لمنع الخلق لأن التقدم إما من جهة واحدة أو من جهتين أو من ثلاث أو أربع أو خمس و على هذا يجوز أن يكون علم أشرف من الآخر من جهة و أحسن منه من جهة أخرى و تتفاوت مراتب ذلك بحسب تفاوت مراتب الجهات و قد يكون أشرف من جميع العلوم لتحقق جميع جهات التقديم فيه كعلم الكلام فإنه أشرف من جميع العلوم لأن موضوعه‏

34

و هو ذات اللّه تعالى إذ يبحث فيه عن صفاته الثبوتية أو السلبية و عن أفعاله إما في الدنيا كإحداث العالم و إما في الآخرة كحشر الأجساد أشرف الموضوعات و غايته و هي الترقي من التقليد إلى الإيقان و الإرشاد للطالبين و إلزام المعاندين و حفظ قواعد الدين عن أن يزلزلها شبه المبطلين و صحة النية بإصلاحها في الأعمال و صحة الاعتقاد بقوته في الأحكام المتعلقة بالأفعال و بعد ذلك كله الفوز بالسعادة الأخروية أكمل الغايات و أجداها نفعا و هو مبدأ لجميع العلوم الشرعيّة فإنه أساسها و إليه يئول أخذها و اقتباسها فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل منزل للكتب لم يتصور على تفسير أصلا و لا حديث و لا علم فقه و لا علم أصول فإن كلها متوقفة على علم الكلام و مقتبسة منه و مسائله أشرف المسائل لأنها صفات الله تعالى و دلائله يقينية يحكم بها صريح العقل و قد تأيدت بالنقل و هي الغاية في الوثاقة بخلاف العلم الإلهي فإن أدلتها لكونها مخالفة للنقل يتم بأنّها مأخوذة من علم الأوهام الباطلة لا من صراحة العقول فلا وثوق بها فهو إذن أشرف العلوم بحسب جميع جهات الشرف‏

قوله و مرتبة هذا العلم متأخرة عن غيره بالاعتبار الثالث‏

(1) أي مرتبة الفقه متأخرة عن غيره من العلوم الخمسة المذكورة لاشتمال تلك العلوم على مباديه خص التأخر بهذا الاعتبار مع أن له تأخرا عن الكلام بالاعتبار الأول أيضا لأن ذلك سبب لتأخره عن الكلام‏

قوله فلأنه يبحث في هذا العلم عن كيفية التكليف‏

(2) أي الفقيه يبحث عن التكليف المستفاد من هذا الخطاب بطريق الوجوب و من ذلك بطريق الندب إلى غير ذلك و لا شبهة في أن البحث عن كيفية التكليف موقوف على معرفة نفس التكليف و معرفة التكليف بدون معرفة المكلف محال و الخطاب التكليفي إما كتاب أو سنة فعلى الأول فلا بدّ من معرفة وجود الصانع و صفاته الذاتية كالعلم و القدرة و الفعلية ككونه منزلا للكتب مرسلا للرسل إلى غير ذلك ثم معرفته يتوقف على حدوث العالم لأنّ المحوج إلى الصانع عند المليين إما نفس الحدوث أو الإمكان بشرط أو هما معا و على الثاني لا بد من معرفة الرسول و معرفة صدقه المتوقفة على ظاهر معرفة

35

المعجزة و العلم المتكفل بجميع ذلك هو الكلام‏

قوله و علم أصول الفقه متضمن لبيان كيفية الاستدلال‏

(1) مثلا إذا ثبت في الأصول أنّ العام وجب حمله على العموم إن لم يظهر مخصص بعد الفحص و مفهوم الشرط حجة إن لم يعارض بالصريح فالفقيه إذا وجد خطابا عامّا و لم يظهر له مخصّص بعد الفحص يحمله على العموم و إلاّ فعلى خصوصه و إن وجد خطابا فيه شرط يعمل بمفهومه بدون المعارض و يطرحه معه و عليه فقس‏

قوله و أما تأخره عن علم اللغة

(2) أراد بها ما يعم متن اللغة و غيره فيشمل المعاني و البيان أيضا و إطلاقها على هذا شائع و مما يؤيده ذلك أنهم صرّحوا في باب الترجيحات أن هذين العلمين مما يحتاج إليه المجتهد في الاستنباط و توقف معرفة الكتاب و السنة على معرفتهما ظاهر

قوله ظاهر

(3) لأن الكتاب و السنة لكونهما عربيّين يحتاج العلم بهما إلى معرفة أوضاع مفردات الألفاظ و مركباتهما و كيفية جواهر الكلمات و هيئاتها ليمتاز الحقائق من مجازاتها و اشتراكها و الإضمار و الحذف إلى غير ذلك و كل ذلك يعلم من العلوم المذكورة

[فصل في موضوع علم الفقه و مباديه و مسائله‏]

قوله و لاحقة لغيره‏

(4) إما لذاته أو لأمر يساويه سواء كان ذاتيا أو عرضيّا و أما اللاحق بواسطة أمر أخص أو أعمّ فليس العلم باحثا عنه كما صرّح به في الشفاء

قوله و يسمى تلك الأمور مسائله‏

(5) أي تسمى تلك الأمور اللاحقة من حيث إنّها لاحقة مسائله لا بالنظر إلى ذواتها من حيث هي لأن المسائل هي المجهولات باعتبار انتسابها إلى الموضوعات إثباتا أو نفيا لأن البرهان إنما يقام عليها لا على ذواتها

قوله و يسمّى مجموع ذلك بالمبادي‏

(6) اصطلحوا على إطلاق المبادي على هذا المعنى و ربّما يطلق على معنى آخر أعم من المذكور و هو ما يتوقف عليه المسائل ذاتا أو تصوّرا أو شرعا فيندرج فيه أيضا تصور العلم و التصديق بفائدته و غير ذلك مما ينبغي أن يذكر في المقدمة و لكن هذا غير مراد هاهنا

قوله من حيث كونهما عوارض لأفعال المكلفين‏

(7) متعلق بالبحث و فيه تنبيه على ما ذكرنا من أن المسائل هي المحمولات من حيث انتسابها إلى الموضوعات‏

قوله و مباديه‏

(8) المراد بها المعنى الاصطلاحي فلا يرد أنّ من جملة ما يتوقف عليه هو تصور الفقه و التصديق بفائدته‏

36

و لم يذكرهما لأنّهما من جملة مباديه بمعنى آخر و هو غير مراد هاهنا نعم يرد أن من جملة مباديه التصورية بحسب الاصطلاح تصور المحمولات و لم يذكره فتأمل‏

قوله كالكتاب‏

(1) إلى آخره إن قلت مباديه التّصديقية منحصرة في هذه الثلاثة فالمناسب أن يقول و هي الكتاب إلى آخره و لا يصح التمثيل قلت الانحصار فيها ممنوع فإن من جملتها المقدّمات العقلية كما مر و لو سلم فمباديه متكثرة بحسب المفهوم و إن كانت في الوجود منحصرة فصح التمثيل‏

[المقصد الثاني في تحقيق مهمات المباحث الأصولية التي هي الأساس لبناء الأحكام الشرعية و فيه مطالب‏]

[المطلب الأول في نبذة من مباحث الألفاظ و فيه فصول‏]

[أصل في حالات اللفظ و المعنى‏]

قوله في نبذ

(2) النبذ بفتح النون و سكون الباء الشي‏ء اليسير يقال ذهب ماله و بقي نبذ منه و في رأسه نبذ من شيب و أصاب الأرض نبذ من مطر أي شي‏ء يسير تقسيم هذا تقسيم للمفرد باعتبار نسبته إلى المعنى بالاتحاد و التعدد إلى أربعة أقسام كلاهما متحدان و كلاهما متكثران و اللفظ متحد و المعنى متكسّر و عكسه‏

قوله اللفظ و المعنى إن اتحد

(3) المراد بالمعنى ما يقصد باللفظ سواء كان حقيقيا أو مجازيا بدليل عده الحقيقة و المجاز من أقسام متكثر المعنى قيل فيه نظر لأن الفعل و الحرف إن اتحد معناهما داخلان في هذا القسم مع أنهما لا يتصفان في المشهور بالكلية و الجزئية

قوله فإن منع نفس تصور المعنى‏

(4) إلخ أي مجرد ملاحظة العقل له من غير ملاحظة نفس الأمر و به خرج الكليات مطلقا و إن لم يوجد له فرد أو وجد فرد واحد و المراد بالشركة الشركة إيجابا لأن الجزئي يشترك في مفهومه الكثيرون سلبا لصدق سلبه عنهم طرا و اعترض بأن مفهوم زيد في ذهننا يصدق على مفهومه في أذهان غيرنا و أجيب بالمنع من ذلك لأن هذا المفهوم مغاير لذاك قطعا

قوله و هو الجزئي‏

(5) أي ذلك اللفظ هو الجزئي كما أن الكلي في قوله و هو الكلي هو اللفظ بدليل قوله ثم الكلي إما أن يتساوى معناه و لأن الكلام في أقسام اللفظ و إطلاق الكلي و الجزئي على اللفظ مجاز من باب تسمية الدال باسم المدلول ثم المراد بالجزئي هاهنا هو الحقيقي و قد يطلق على الإضافي و هو المندرج تحت كلّي و بينهما عموم مطلق لاندراج كل شخص تحت ماهية و جواز كون المندرج كليا

قوله أو يتفاوت‏

(6) و التفاوت إما بزيادة و نقصان و هو في الكميات كالمقدار بالنسبة

37

إلى ذراع و ذراعين أو بأولوية أو بأولية أو بشدة و ضعف كالوجود فإنه يتفاوت في الخالق و المخلوق بالاعتبارات الثلاثة فإنه في الخالق أقدم لكونه مبدأ لما عداه و أولى لأنه عين ذاته و مقتضاها و لغيره بغيره و أشد لأن أثر الوجود فيه أكثر

قوله و هو المشكك‏

(1) لأنه يشك السامع في أنه متواط أو مشترك باعتبار توافق أفراده في أصل المعنى و تخالفه بأحد الوجوه المذكورة و اعترض عليه بأنه ما به التفاوت و إن كان داخلا في المعنى فلا اشتراك لأنه في الأشدّ دون الأضعف و إلا فلا تفاوت بين الأفراد فيه و أجيب بأنه داخل في ماهية الأشد لا في نفس المعنى فالأفراد متفاوت الماهيات فيه و هو مشترك بينهما

قوله و إن تكثر اللفظ و المعنى كالإنسان و الفرس‏

(2) فإنهما لفظان لكل منهما معنى مباين لمعنى الآخر فالألفاظ متباينة لتغاير مدلوليهما فإنه إنّما قدمه على البواقي لأن تقابله للأوّل أشد و أقوى لمخالفته له من جهة اللفظ و المعنى جميعا و اعلم أن كل واحد من الألفاظ المتباينة أو بعضها إما أن يكون كليّا أو جزئيا أو مشتركا أو حقيقة أو مجازا و أن هذا القسم في الحقيقة حصل باجتماع أفراد من القسم الأول فيتداخل الأقسام إلا أنه لا يضر لأن هذا التقسيم اعتباري لا بحسب الذات فلا ينافيه التداخل لأن مورد القسمة مطلق المفرد واحدا كان أو أكثر و حاصله إما أن لا يعتبر كثرة اللفظ و لا كثرة المعنى فهو القسم الأول أو يعتبر كثرة كليهما فهو الثاني أو يعتبر كثرة الأول دون الثاني فهو الثالث أو يعتبر عكسه فهو الرابع‏

قوله كالذات و الصفة

(3) مثل السيف و الصّارم فإن السيف دال على الذات و الصارم على الصفة أعني القطع كالضدين المراد بهما مطلق المتخالفين سواء كانا ضدّين حقيقيين كالسواد و البياض و الأسود و الأبيض أو مشهوريين كالحمرة و الصفرة أو غير ذلك من أقسام التقابل‏

قوله و إن تكثرت الألفاظ و اتحد المعنى فهي مترادفة

(4) قال الشريف الظاهر اعتبار كون المعنى الواحد معنى حقيقيا لكل واحد من تلك الألفاظ لأن الترادف إنما يجري فيه عرفا أقول فيه بحثان الأول أن الألفاظ المتكثرة إذا استعملت في معنى واحد مجازي لم تكن داخلة في هذا

38

القسم و لا يمكن إدراجه في قسم الحقيقة و المجاز بناء على أن المجاز مسبوق بالمعنى الحقيقي لأنه اعتبر فيه اتحاد اللفظ الثاني أن الترادف في المشترك بأن يكون كل واحد من هذين اللفظين موضوعا لكل واحد من هذا المعنى و ذلك خارج عن قسم الترادف لاعتبار اتحاد المعنى فيه و يمكن أن يجاب عنهما بأن المراد بوحدة المعنى و وحدة اللفظ عدم اعتبار كثرتهما لا اعتبار عدم كثرتهما فحينئذ يندرج الأول في الحقيقة و المجاز و الثاني في الترادف لأن عدم اعتبار الكثرة لا ينافي تحقيقها و اعلم أن الألفاظ المترادفة إمّا كليّة أو جزئية بالاعتبارين في صورة الترادف في الاشتراك‏

قوله و إن تكثرت المعاني و اتحد اللفظ

(1) إما أن يراد بالمعاني المتكثرة ما يمكن استعمال اللفظ فيه و إن لم يستعمل فيه بالفعل أو يراد بها ما استعمل فيه اللفظ بالفعل فإن أراد الأول و أراد بالمشترك ما وضع لكل واحد ابتداء فيرد أنّ هذا باطل لأن من جملتها معنى مجازي و اللفظ لم يوضع له كذلك و لو أراد ما وضع لبعض دون بعض فيرد أنّ هذا قسمه أعني الحقيقة و المجاز و إن أراد الثاني فيرد أن كون اللفظ موضوعا لأحدهما على تقدير عدم وضعه لكلّ واحد منها ابتداء ممنوع لجواز أن يكون جميع ما استعمل فيه اللفظ معنى مجازيا فلا يصح جعله من الحقيقة و المجاز

قوله فمن واضع واحد

(2) المراد به وضعه لكل واحد من تلك المعاني ابتداء بلا مناسبة لوضع آخر سواء كان الواضع واحدا أو متعددا من أهل اصطلاح واحد أو لا و من اعتبر اتحاد الاصطلاح في الوضع فقد سها فإن اللفظ إذا وضعه طائفة لمعنى و طائفة لمعنى آخر من غير ملاحظة الوضع الأول كان مشتركا مع عدم صدق تعريفه عليه على هذا التقدير و قد ظهر لك أن الوضع في المشترك متعدد فلا يندرج فيه نحو هذا مما كان الوضع فيه عاما و الموضوع له كل واحد من الأفراد لأنه موضوع له بوضع واحد و لا يندرج أيضا في باقي الأقسام فالحصر فيها لا يخلو عن شي‏ء

قوله فهو المشترك إلخ‏

(3) أي فهو المشترك فيه بالنسبة إلى المعنيين جميعا و مجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما فإن كون اللفظ موضوعا لهذا و لذاك وحده فكان المشترك فيه من هذه الحيثية و كون المراد عند إطلاقه هذا أو ذاك غير معلوم فكان مجملا من هذه الجهة

39

لعدم وضوح دلالته و المشترك أيضا إما كلّي أو جزئي بالنظر إلى كلا معنييه أو أحدهما فقط

قوله و إن اختص الوضع بأحدهما ثم استعمل في الباقي من أن يغلب فيه فهو الحقيقة و المجاز

(1) فيه نظر لأنه إما أن يعتبر الاستعمال في الحقيقة و المجاز أو لا فعلى الأول لا يستقيم قوله فهو الحقيقة إذ الوضع لا يستلزم الاستعمال أصلا لا في الموضوع له و لا في غيره و لذا قالوا إن بين الحقيقة و المجاز واسطة و على الثاني يلغو قوله ثم استعمل في الباقي و القول باعتبار الاستعمال في أحدهما دون الآخر مما لم يذهب إليه أحد و اعلم أن المراد بالاستعمال في الباقي هو الاستعمال لمناسبة مصححة له و إنما لم يذكره لظهور أن المجاز لا بد له من علاقة مصحّحة

قوله و إن غلب‏

(2) أي و إن غلب استعماله في الثاني و ترك استعماله في الأول بلا قرينة فاندفع بهذا ما قيل من أن الفرق بين المنقول و المجاز عنده هو الغلبة و عدمها و المجاز قد يغلب على الحقيقة و مع ذلك لا يخرج عن كونه مجازا فلا فرق حينئذ بينه و بين المنقول و وجه الدفع أن المراد بالغلبة هذه الغلبة المخصوصة فإن وجدت في المجاز فهو داخل في المنقول بأحد الوجوه الثلاثة و إن لم يوجد فالفرق ظاهر و لا حاجة إلى الجواب بأن الفرق بينهما هو أن المجاز لا بد فيه من ملاحظة المناسبة و وقت الاستعمال بخلاف المنقول و لا إلى الجواب بأن المنقول لا بد فيه من اصطلاح غير اللغة من شرع أو عرف عام أو خاص سيّما لو شرط فيه حجره الأول‏

قوله و كان الاستعمال لمناسبة

(3) هذا القيد لإخراج المرتجل كما أن قيد الغلبة لإخراج المجاز و منهم من حذفه و أدرج المرتجل في المنقول و فيه نظر لأن الاستعمال في المنقول ليس لملاحظته المناسبة بل لأجل الوضع و لذا قالوا المناسبة في المنقول ملحوظة حين الوضع لا حين الاستعمال و يمكن دفعه بأن الاستعمال لما كان للوضع و الوضع لمناسبة صح القول بأن الاستعمال لمناسبة

قوله فهو المنقول المعنى‏

(4) الأول منقول منه و الثاني منقول إليه و الناقل إما أهل اللغة أو الشرع أو العرف العام أو العرف الخاص و الشرع إن كان مندرجا في العرف الخاص إلا أنه لشرفه صار مستقلا بنفسه و لأنه صرح به توطئة للبحث عن الحقائق الشرعية

قوله و إن كان‏

40

بدون المناسبة

(1) أي كان الاستعمال بدون ملاحظة مناسبة بينه و بين الأول سواء لم يكن بينهما مناسبة أصلا أو كانت و كانت غير ملحوظة

قوله فهو المرتجل‏

(2) مثل جعفر الموضوع لغة للنهر الصغير المنقول إلى الرجل المسمى به و هو من ارتجال الخطبة و الشعر أي ابتدأهما من غير تهية و المرتجل أيضا ينقسم باعتبار المستعمل إلى الأقسام الثلاثة المذكورة في المنقول‏

[أصل في الحقيقة الشرعية]

قوله لا ريب في وجود

(3) الحقيقة اللغوية و العرفية أما الأولى فلأنه لا شك أن هناك ألفاظا موضوعة لمعان مستعملة فيها كالإنسان و الفرس و ذلك هو الحقيقة اللغوية و أما الاستدلال على ثبوتها بأن هناك ألفاظ مستعملة في معان فإن كان هذا الاستعمال بحسب الوضع كانت حقائق و هو المطلوب و إن كان لا بحسبه كانت مجازات و المجاز مسبوق بالحقيقة فليس بسديد لأن المجاز مسبوق بالوضع و الوضع لا يستلزم الحقيقة و أما الثانية فلأن هنا ألفاظا موضوعة في اللغة لمعان كالدابة و الكلأة و استعملت بحسب العرف في غيرها بالمناسبة لها و اشتهرت بحيث صارت مفهمة له بلا قرينة و لا نعني بالحقيقة العرفية سوى هذا

قوله و أما الشرعية

(4) و هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف الشرع سواء كان ذلك الوضع لمناسبة بينه و بين المعنى اللّغوي فيكون منقولا أو لا فيكون مرتجلا و تحقيق ذلك أن ذلك المعنى إما أن يعرفه أهل اللغة أو لا و على التقديرين إما أن يكون بينه و بين المعنى اللغوي مناسبة أو لا و على تقدير المناسبة إما أن يكون الوضع الشرعي لأجلها أو لا فهذه ستة أقسام و القسمان منها منقولان و البواقي مرتجلة و موضوعات مبدأة

قوله فقد اختلفوا في إثباتها و نفيها

(5) إشارة إلى أن لا خلاف في إمكانها إذ لا استحالة في وضع الشارع لفظا لمعنى لم يضعه أهل اللغة له‏

قوله فذهب إلى كلّ فريق‏

(6) ذهب المعتزلة كما صرح به الإمام في المحصول و الفقهاء كما صرح به الآمدي في الأحكام و بعض الإمامية كالعلامة و غيره إلى الأول و ذهب القاضي أبو بكر إلى الثاني و هم قد اختلفوا في نقل مذهبه فقيل كل ما يدّعى أنه حقيقة شرعيّة فهو عنده باق على معناه اللّغوي و الزيادات شروط لاعتباره‏

41

في الشرع مثلا الصّلاة بمعنى الدّعاء و الركوع و السّجود و التشهد إلى غير ذلك من الزيادات شروط شرعيّة لاعتبارها و قيل هو عنده مجازات لغويّة بمعنى أنه استعمل في المجموع بمجرد المناسبة لا بالوضع لأن الوضع الثاني خلاف الأصل فلا يثبت إلا بدليل فليس إذا أردت زيادة توضيح فنقول ما جرى في الشرع من الألفاظ إما أن يكون بالوضع الثاني أو لا و الأول إمّا أن يكون وضعها للمعاني الشرعيّة ابتداء من غير ملاحظة مناسبة بينها و بين المعاني اللّغوية أو لا يكون وضعها كذلك بل هو قد يكون لمناسبة و قد لا يكون و الثاني إما أن يكون تلك الألفاظ باقية على المعاني اللغوية و الزيادات شروط أو لا يكون باقية بل استعملت في المعاني الشرعية مجازا فهذه احتمالات أربعة الأول لم يعلم له قائل و إن كان ظاهر كلام بعضهم يدلّ على وجوده و الثالث قد ينسب إلى القاضي كما مرّ و الظاهر أن القاضي غير راض به و إنما توهم بعضهم أن مذهبه ذلك فبقي الثاني و هو مذهب أكثر المخالفين و الرّابع و هو مذهب القاضي على ما هو المشهور فإن قلت قد لا يكون بين ما استعمل فيه اللّفظ شرعا و بين معناه اللّغوي مناسبة كما مرّ فكيف يصحّ للقاضي القول بأنه مجاز لغويّ و المجاز لا بد له من المناسبة المصحّحة للتجوّز قلنا عدم وجود المناسبة في بعض المعاني إنما هو مذهب من قال بالحقيقة الشرعيّة و القاضي لا يسلّم ذلك بل يقول بعموم المناسبة

قوله و قبل الخوض‏

(1) الخوض في الشي‏ء الدخول فيه يقال خاض في الماء يخوضه خوضا أي دخله و لما كانت الحقيقة الشرعيّة يطلق على أمرين أحدهما ما في كلام الشارع و الثاني ما في كلام أهل الشّرع أعني الفرقة المتشرّعة من الفقهاء و المتكلّمين و كان النزاع إنما هو في ثبوت الأولى دون الثانية بين محل النزاع ليمتاز عن غيره و يرد النفي و الإثبات على محلّ واحد

قوله و استعمال الزكاة في القدر المخرج من المال‏

(2) الظاهر أنّ المضاف محذوف أي في أداء القدر المخرج ليناسب ما بعده و ما قبله و لما سيجي‏ء من قوله و إنّ الزكاة لأداء مال مخصوص و لأن الزكاة يتّصف بالوجوب و المتّصف به هو فعل المكلف‏

قوله في أن صيرورتها كذلك‏

(3) أي صيرورة الألفاظ المتداولة حقائق في تلك المعاني عند

42

أهل الشّرع إمّا لأجل وضع الشارع فيكون استعمالهم تابعا لوضعه و لا يكون لهم وضع و اصطلاح و إما لأجل أنهم وضعوها بعد ما استعملها الشارع مجازا

قوله بحيث يدلّ عليها بغير قرينة

(1) إشارة إلى أن المراد بالوضع و التعيين ما كان بين اللفظ و المعنى الحقيقي لا ما كان بينه و بين المعنى المجازي إذ الوضع يطلق على الوضع المجازي أيضا فأتى بقيد الحيثية لإخراجه و اللام في ليكون للتعليل و ما بعدها علّة غائية للوضع‏

قوله فيكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية

(2) أمّا أنها حقائق عرفية فلاستناد الوضع إلى عرف المتشرّعة و أما أنها ليست بشرعية فلأنّ الشرعيّة هي التي وضعها الشارع و هذا الوضع إنما هو من المتشرعة

قوله بناء على الأول‏

(3) و هو أن يكون الوضع باعتبار الشارع و إنما وجب حملها على هذا التقدير على المعاني الشرعيّة إذ الظاهر أن تكلم الشارع إنما هو باصطلاحه‏

قوله بناء على الثاني‏

(4) و هو أن يكون استعمال الشارع لها بطريق المجاز و إنما وجب حملها على هذا التقدير على المعاني اللغوية لأنّ الظاهر أنّ الشارع حينئذ يتكلّم على قانون اللغة و لأن حمل اللفظ على المعنى المجازي موقوف على القرينة و بدونها يحمل على المعنى الحقيقي قطعا

قوله فإنها يحمل على الشرعي بغير خلاف‏

(5) أما على تقدير وضع الشارع فلأن ظاهر حال المتشرعة أنهم يتكلّمون على عرفه و أما على تقدير وضعهم دونه فلأن ظاهر حالهم أنهم يتكلّمون على عرفهم و هذه الألفاظ بالقياس إليهم حقائق عرفية

قوله احتج المثبتون إلخ‏

(6) هذا الاحتجاج يتم بثلاث مقدمات الأولى بيان أن الألفاظ في الشرع مستعملة في غير المعاني اللغويّة و إليها أشار بقوله بأنا نقطع الثانية بيان أنها حقائق في ذلك الغير و إليها أشار بقوله و نقطع أيضا بسبق هذه المعاني الثالثة بيان أن تلك الحقيقة حقيقة شرعية و إليها أشار بقوله ثم إن هذا و لا يتم بالأولى وحدها لاحتمال التجوز و لا بها مع الثانية لاحتمال أن يكون حقيقة عرفية لا شرعية

قوله بأنا نقطع‏

(7) إلى آخره أي نقطع بأن لفظ الصلاة مستعملة في الركعات المخصوصة مع ما فيها و بذلك بطل احتمال كونها باقية على معناه اللغوي‏

قوله و إن الزكاة لأداء مال مخصوص‏

(8) إنما لم يفسر الزكاة بالقدر المخرج تنبيها على ما ذكرنا

قوله و نقطع أيضا

(9) إشارة إلى بطلان ما ذكره‏

43

القاضي من أنها مجازات لغوية

قوله و ذلك علامة الحقيقة

(1) قد يقال أولا علامة الحقيقة عدم سبق الغير إلى الفهم دون السبق إلى الفهم و إلا لانتقض بالمشترك و الجواب أن السبق أيضا من علامة الحقيقة على أن سبقه إلى الفهم يستلزم عدم سبق الغير ضرورة و ثانيا المجاز قد يشتهر بحيث يسبق المعنى المجازي إلى الفهم و الجواب أن المجاز إن بلغ تلك المرتبة صار حقيقة شرعية كما قال الشريف (قدّس سره) في لفظ الوجود المتبادر منه خصوص الخارجي‏

قوله ثم إن هذا

(2) إشارة إلى سبق هذه المعاني إلى الفهم و جعله إشارة إليه و إلى ما سبق من كونها اسما للركعات المخصوصة تعسف ظاهر إذا الخصم لا ينكر هذا

قوله و أورد عليه أنه لا

(3) إلى آخره هذا الإيراد لا وجه له لأنّه لا يتوجه إلى شي‏ء من المقدّمات الثلاثة التي بناء الاستدلال عليها فإن قلت لعله يرجع إلى الثانية بمنع السبق قلت السبق في الجملة مما يقول به الكل فمنعه منع المتفق عليه بين الفريقين فإن قلت لعله يمنع السبق في عرف الشارع قلت فعلى هذا حاصله و حاصل ما سيجي‏ء من قول المصنف أما في الحجة فلأن دعوى كونها إلخ متحد بل يصير عينه فيكون أحدهما لغوا فإن قلت لعله يرجع إلى الثالثة و هو حينئذ يمنع كون ذلك يتصرف الشرع لاحتمال كونه بتصرف أهل الشرع فيلزم من ذلك كونها في الشرع مجازات فاكتفى بذكر اللازم عن الملزوم قلت هذا أيضا حاصل ما ذكره المصنف بعد ذلك كما ستعرفه فليتأمّل‏

قوله بل يجوز كونها مجازات‏

(4) لتحقق العلاقة بين المعنيين فإن الدّعاء و الإمساك و القصد المطلقين أجزاء لهذه المعاني و النماء و التطهير مسبّبان عن أداء مال مخصوص‏

قوله فهي ممنوعة

(5) أي الدعوى المذكورة المعللة بالسبق ممنوعة و هذا المنع عائد إلى التعليل أعني السبق على تقدير إرادته في عرف الشرع و هو الذي جعله في الاحتجاج مقدمة ثانية لا إلى كونها اسما لمعانيها الشرعيّة و هو المقدّمة الأولى إذ هو ثابت في الجملة فمنعه مكابرة

قوله و إن كانت بالنظر

(6) إلخ أي إن كانت الدعوى المذكورة بالنظر إلى إطلاق أهل الشرع من الفقهاء و المتكلّمين فهي مسلّمة و التسليم في الحقيقة يعود إلى المقدمة الثانية لكن الحصر المستفاد من المقدمة الثالثة ممنوع لجواز

44

أن يكون ذلك بتصرف أهل الشرع فاللازم على تقدير تسليم المقدمة الثانية و منع الثالثة هو كون تلك الألفاظ حقائق عرفية لاستناد الوضع إلى عرف أهل الشرع لا حقائق شرعية لعدم استناده إلى الشارع و إنما جعلنا لزوم هذا مبنيا على التسليم و المنع المذكورين لا على التسليم وحده كما هو ظاهر كلام المصنف لأن اللّزوم بمجرد تسليم الثانية بدون منع الثالثة غير متحقق كما لا يخفى على المنصف‏

قوله و أما في الوجه الأول‏

(1) يعني أنه أريد بمجازيتها أن الشارع استعملها مجازا ثم اشتهر في عرف أهل الشرع فأفاد بغير قرينة و هذا معنى الحقيقة العرفية للمتشرّعة فقوله فذاك معنى الحقيقة الشرعية ممنوع‏

قوله و أما في الوجه الثاني‏

(2) توضيحه أنك إن أردت تفهيم هذه المعاني من الألفاظ عند الإطلاق بغير قرينة فهمها عند إطلاق الشارع فهو ممنوع لأنه محل النزاع و إن أردت به فهمها عند إطلاق أهل الشّرع فمسلم لكن لا يجد نفعا لأن اللاّزم حينئذ كون هذه الألفاظ حقائق عرفية لهم لا شرعية و لا ينافي ذلك كونها مجازات لغوية بالنظر إلى إطلاق الشارع‏

قوله لفهمها

(3) أي غير المعاني اللغوية و هو المعاني الشرعية و التأنيث إمّا باعتبار المضاف إليه أو باعتبار تعدد الغير معنى‏

قوله حيث إنّهم‏

(4) إلى آخره بيان للملازمة يعني أنّهم مكلفون بما يتضمّنه تلك الألفاظ من المعاني المتشرعة و لا ريب أن فهم المكلف به شرط في صحة التكليف و ذلك الفهم إنما يحصل من جهة الناقل فلا بد له من تفهيمهم أقول أنت خبير بأنّ التكليف إنما وقع بالمعاني المرادة من تلك الألفاظ و كون الفهم شرطا له إنما يقتضي تفهيم تلك المعاني المقصودة منها و قد حصل ذلك بالبيان النبوي قولا و فعلا و تقريرا مثل صلوا كما رأيتموني أصلي خذوا عني مناسككم إلى غير ذلك من أحكام الصوم و الزكاة و نظائرهما و يشهد على ذلك التّتبع في الأحاديث النبوية المشعرة بتفسير الألفاظ المستعملة في غير معانيها اللغوية و لا يقتضي تفهيم أن تلك الألفاظ منقولة إلى تلك المعاني أو موضوعة لها في عرف الشرع فاللازم من بيان الملازمة هو تفهيم المعاني لا تفهيم نقل اللّفظ إليها أو وضعها لها و حينئذ ما ذكره في إبطال اللازم كلّه مدخول لأنا نختار أوّلا أن نقل تفهيم المعاني ثبت‏

45

بالتواتر

قوله و إلا لما وقع الخلاف فيه‏

(1) قلنا الخلاف لم يقع في تفهيم تلك المعاني التي وقع التكليف بها بل إنما وقع في كون اللفظ حقائق فيها أو مجازات و هذا ليس مما وقع التكليف به و ثانيا أن نقله ثبت بالآحاد قوله و هو لا يفيد العلم مبني على اعتبار القطع في الأصول و هو ممنوع و لو سلم فكون المراد من تلك الألفاظ هذه المعاني ليس من مسائل الأصول بل المسألة الأصولية منها هاهنا أنها حقائق أو مجازات و الفرق بينهما ظاهر ثم إن هذا الدليل على تقدير تماميته ينفي كون تلك الألفاظ مجازات أيضا إذ تفهيم المكلف كما يلزم في المعاني الحقيقية كذلك يلزم في المعاني المجازية إذا كانت مرادة للشارع و المستدلّ لا يقول به كما عرفت مذهبه آنفا و دل عليه دليل الآتي حيث ينفي كونها حقائق و الحاصل أن أصل الاستعمال في المعاني الشرعيّة ثابت و النزاع إنما وقع في كونها حقائق أو مجازات‏

قوله و لو فهمهم إياها لنقل إلينا دليل على بطلان اللازم‏

(2) أي لو فهمهم غير المعاني اللغوية من المعاني الشرعيّة لنقل ذلك التفهيم إلينا و هذا صريح فيما قلناه من أن اللازم تفهيم المعاني الشرعية لا نقل اللفظ إليها أو وضعه لها

قوله و إلا لما وقع الخلاف فيه‏

(3) أي في تفهيم المعاني لأن التواتر يفيد العلم الضروري و الضروريات مما لا يخالف فيها و لكن الخلاف واقع و فيه ما عرفت و قال السيّد (قدّس سره) الضمير عائد إلى نقل الشارع إياها إلى غير معانيها اللغوية و أنت تعلم أن هذا إنما يصح على تقدير أن يجعل اللازم تفهيم النقل و قد عرفت أنه غير لازم كما ذكر في بيان الملازمة على أنّ نقلها إليها بمعنى استعمالها فيها مما لا خلاف فيه و الخلاف إنما هو في كونها حقائق أو مجازات كما صرّحوا به بل صرّح (قدّس سره) أيضا به في تحرير محل النزاع يظهر ذلك ممن نظر في كلامه‏

قوله و الثاني لا يفيد العلم‏

(4) مع أن المسألة علميّة لكونها أصولية و فيه ما مرّ

قوله على أن العادة تقضي في مثله بالتواتر

(5) وجه آخر توضيحه أن العادة تقضي فيما يماثل نقل تفهيم المعاني أو تعميم نقل اللفظ إليها كما ذهب إليه ذلك الفاضل مما يتوفر الدواعي عليه بالتواتر و حيث انتفي التواتر المقتضي للعادة دلت العادة على كذبها و هذا مثل ما قالوا في مدعي الرسالة من أنّ‏

46

العادة تقضي بتصديقه بالمعجزات و حيث انتفي التصديق بها دلت العادة على كذبه و الفرق بين هذا الوجه و الوجه الأول أن الأول يفيد أن الآحاد لا فائدة لها فيما نحن فيه و هذا يفيد أنّ لنا دليلا على كذبها و على التقديرين فهي ساقطة عن درجة الاعتبار و فيه نظر لأن توفر الدواعي فيما نحن فيه ممنوع و لو سلّم فلا نسلم أنه علة مستقلة لنقله بالتواتر لجواز أن يكون عليه مشروطة بشرط أو بانتفاء مانع فما لم يتحقق ذلك الشروط أو لم يعدم ذلك المانع لم يتحقق له تأثير أ لا ترى أن مطلق الأخبار مما يتوفر الدواعي على نقله لاحتياج الأمة إليه و اشتراكهم فيه مع أن أكثره لم يبلغ درجة التواتر

قوله بيان الملازمة أن اختصاص الألفاظ باللغات‏

(1) أي اختصاص الألفاظ بها و انتسابها إليها بأن يقال مثلا هذه الألفاظ عربية و تلك رومية إنما هو بحسب دلالة تلك الألفاظ في تلك اللغة على مدلولاتها بسبب وضعها لها ضرورة أنّ كون اللفظ عربية مثلا ليس لذاته بل للدلالة على ما وضعه العرب بإزائه و إلا لكان جميع الألفاظ قبل الوضع عليها عربية و العرب لم يصنعوها لتلك الحقائق الشرعيّة بل الواضع هو الشارع فتلك الألفاظ لا تدل عليها بوضع واضع لغة العرب فلا يكون عربية و الذي يفهم من هذا الكلام من أن العربي ما كان واضعه العرب هو المناسب لقول من قال بأن الواضع هو البشر و أما من قال بأن الواضع هو اللّه سبحانه فالمعتبر في كون اللفظ عربيا عنده أن ينقله العرب و يستعملوه فيما بينهم و على هذا كونها حقائق شرعية لا ينافي كونها عربية بهذا المعنى إذ العرب نقلوها بعد وضع الشارع و استعملوها فيما بينهم‏

قوله و أمّا بطلان اللازم‏

(2) أبطل اللازم بقياس استثنائي تقريره لو كانت تلك الألفاظ غير عربية لزم أن لا يكون القرآن عربيا و اللازم باطل فالملزوم مثله و أشار إلى بيان الملازمة بقوله لاشتماله و إلى بطلان اللازم بقوله و قد قال اللّه سبحانه‏

قوله يلزم أن لا يكون القرآن‏

(3) أي كله و إنما لم يذكره اكتفاء بما ذكر في إثبات الملازمة على أن القرآن عند المستدل إنما يطلق على الكلّ فلا حاجة له إلى ذكره‏

قوله و أما بعضه خاصّة

(4) أي دون بعض آخر و إنما قيد به ليصح قوله لا يكون عربيّا كله لأن عربيّة البعض المطلق لا ينافي عربية الكل و قد قال الله سبحانه يعني أن اللازم و هو عدم عربية القرآن باطل بدليل قوله سبحانه إنّا أنزلناه‏

47

قرآنا عربيّا حيث إن الضّمير يعود إلى كل القرآن فيستفاد منه أن القرآن كلّه عربيّ‏

قوله و الجواب عن الأوّل أن فهمها

(1) إلى آخره قد عرفت سابقا جوابا آخر عنه و الفرق بين الجوابين من وجوه الأول أن المنع في هذا يتعلق تارة ببطلان اللازم و أخرى ببطلان الملازمة بخلاف السابق فإنه يتعلق بالأول فقط الثاني أن التفهيم في هذا بالترديد و القرائن كما في الأطفال فإنه أورد اللّفظ و كرّر يحفظونه و يفهمون معناه بالقرينة بخلاف الأول فإن التفهيم فيه بالأخبار الثالث أنّ هذا يجري مطلقا سواء جعل اللازم تفهيم معاني الشرعيّة أو تفهيم نقل الألفاظ إليها بخلاف الأوّل فإنه يجري على الأول فقط و الباء في قوله باعتبار الاستعانة و في قوله بالقرائن للمصاحبة

قوله و هذا طريق قطعي‏

(2) إشارة إلى التفهيم بالترديد و القرائن لا يقال التفهيم بالقرائن إنما يدل على التجوز لا على الوضع فكيف يحصل لهم العلم بالوضع منها لأنا نقول المراد بالقرائن القرائن الدالة على أصل المراد من اللّفظ لا على تعيينه و الأولى معينة للعلم بالوضع كما في الأطفال بخلاف الثانية فإن اللفظ يدل على المعاني المتكثرة و القرينة تعين واحدا منها بالإرادة و هذه من قرائن التجوز

قوله فإن عنيتم بالتفهيم و بالنقل‏

(3) أي في التفهيم في الملازمة الأولى و بالنقل في الملازمة الثانية و للإشعار بأن البحث يتعلق بكل واحد منهما مستقلا أعاد الياء و لو اكتفى بالنقل لتم البحث كما لا يخفى‏

قوله ما يتناول هذا

(4) أي التفهيم و النقل باعتبار الترديد بالقرائن‏

قوله بطلان اللازم‏

(5) أي لا نسلم أنه لم يقع التفهيم و النقل غاية ما في الباب أنهما لم يقعا بطريق التواتر و الآحاد بل بطريق الترديد و التفهيم بالقرائن‏

قوله و إن عنيتم به التصريح بوضع اللّفظ للمعنى‏

(6) حتى يكون طريق التفهيم و النقل منحصرا في التواتر و الآحاد منعنا الملازمة فنقول لا نسلم لزوم التفهيم و النقل بهذا المعنى لم لا يجوز الاكتفاء بطريق الترديد و ما ذكره في إثبات الملازمة لا ينفي جواز ذلك‏

قوله و عن الثاني بالمنع من كونها غير عربية

(7) هذا منع للملازمة أي لا نسلم أنها لو كانت حقائق شرعيّة لكانت غير عربيّة و إنما يلزم ذلك لو لم يكن مجازات لغوية لكنّها مجازات لغوية و المجازات اللّغوية عربيّة قطعا غاية ما في الباب أنها لا تكون موضوعة بوضع شخصيّ حقيقيّ بل بوضع نوعيّ و حينئذ فقوله و العرب لم يضعوها لأنه المفروض إن أراد بالوضع الوضع الحقيقي فممنوع لكن بهذا القدر

48

لا يمكن إثبات الملازمة لأن الحقائق الشرعيّة لكونها مجازات لغوية موضوعة بوضع نوعيّ و إن أراد أعم من ذلك فظاهر أنه ليس بمفروض‏

قوله مجازات لغوية

(1) نصب على الحال للمفعول الأول أو الثاني و يجوز أن يكون صفة للثاني‏

قوله فإن المجازات الحادثة عربية

(2) على تجويزهم نوعها قيل المجازات الحادثة إنما كانت عربية إذا استعملت في غير المعاني اللغوية بسبب الوضع اللغوي لا بسبب الوضع الشرعي بأن كانت موضوعة في اللغة لمعنى ثم استعملت في آخر لأجل المناسبة بينه و بين الأول و ما نحن فيه أعني الحقائق الشرعية إنما استعملت بسبب الوضع الشرعي لا بسبب الوضع اللغوي فكيف يصح القول بأنها مجازات عربيّة و أجيب عنه تارة بأنه يكفي في كونها عربيّة و أجيب عنه تارة بأنه يكفي في كونها عربية أنه يمكن للعرب استعمالها بإزاء هذه المعاني تجوزا من جهة المناسبة و إن كان استعمال الشارع ليس من هذه الجهة و أخرى بأنه يكفي في كونها عربية أنها من موضوعات العرب و الجواب الأول بعيد إذ يستلزم صحة اتصاف اللّفظ بالمجازية بمجرد إمكان استعماله و إن لم يستعمل و الثاني أبعد لأنه يستلزم صحة اتصاف اللفظ الموضوع في اللغة لمعنى إذا استعمل في غيره بسبب وضع آخر بالمجازية و إن لم يكن بينهما مناسبة أو كانت و لم يكن الاستعمال لأجلها أقول يمكن أن يجاب عن أصل الاعتراض بأن الشارع إنما استعملها بسبب الوضع المسبب عن المناسبة بين المعاني الشرعيّة و المعاني اللغوية لا بسبب الوضع مطلقا فهي من حيث الوضع حقائق شرعية و من حيث المناسبة مجازات عربية و لا ضير في أن يكون للاستعمال الواحد جهتان‏

قوله و إن لم يصرح العرب بآحادها

(3) إلى آخره دفع لما يقال من أن العرب لم يعرف معاني هذه المجازات الحادثة فكيف وضعها و

قوله لدلالة الاستقراء على تجويزهم نوعها

(4) إشارة إلى أن ذلك الاعتراض إنما يرد لو اشترط في المجازات نقل آحادها بأعيانها عن العرب و ليس الأمر كذلك لأنه إنما يشترط فيها تجويزهم نوعها فكل مجاز حادث داخل تحت نوع من أنواعها فهو مجاز عربي داخل تحت الوضع النوعي‏

قوله و مع التنزل‏

(5) أي مع التنزل عن منع الملازمة الأولى و تسليمها بمنع بطلان اللازم في الملازمة الثانية و ما ذكرتم في إبطاله من الآية الكريمة إنما يدلّ على مطلوبكم لو كان الضمير لكل القرآن و هو ممنوع لجواز أن يكون للسورة باعتبار المنزل و المذكور أو القرآن‏

49

قوله و قد يطلق القرآن‏

(1) إلى آخره جملة حالية ضمها إلى المنع و قد تم بقوله الضمير للسورة لإثبات سنده و الدليل على هذا الإطلاق إجماع الفقهاء بأنه من حلف أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه قيل الحنث بقراءة بعضه باعتبار أن التلبس بجزء الشي‏ء هو التلبس بكله لا باعتبار أن جزء الشي‏ء هو المسمى باسم كلّه و أجيب بأن التلبس بالجزء هو التلبس بالكل لو لم يتعارف في مثله التلبس به لجميعه و أما إذا تعارف فلا و لهذا لو حلف أن لا يقرأ سورة ألم لا يحنث إلا بقراءة كلّها

قوله فإن قيل يصدق على كل سورة و آية أنها بعض القرآن‏

(2) بعض الشي‏ء لا يصدق عليه أنه نفس ذلك الشي‏ء لم يرد أن السورة من جزئيات القرآن لأنه نقيض لمطلبه و لأن توجه المنع إلى الكبرى ظاهر لأن حاصلها أن جزئي الشي‏ء لا يصدق عليه أنه نفس ذلك الشي‏ء و هذا باطل لأن كل كلّي يصدق على جزئياته بل أراد أنها جزء من القرآن و جزء الشي‏ء لا يصدق عليه أنه نفس ذلك الشي‏ء لعدم صدق اسم الكل على الجزء كما لا يصدق البيت على السقف و اعترض بأن كون السّورة قرآنا و عود الضمير إليها سند للمنع و ما ذكره المستدل من أن السّورة لا يطلق القرآن عليها إبطال للسند فعلى تقدير تمامه لا يجديه نفعا إذ المنع بحاله و أجيب بأن هذا السند مساو للمنع فبطلانه يقتضي بطلان المنع ضرورة أنه إذا لم يطلق القرآن على البعض كان الضمير للكل فيثبت المدعى و هو أنّ القرآن عربي قلنا أجاب بمنع الكبرى أي لا نسلم عدم صدق اسم الكل على بعض منه و إنما يصح فيما إذا لم يتفق البعض و الكلّ في مفهوم الاسم الذي يصح إطلاقه على الكلّ و أما إذا اتفقا كما فيما نحن فيه صح أن يقال هو كذا و هو بعض كذا بالاعتبارين‏

قوله و القرآن من هذا القبيل‏

(3) لأنه كلام منزل للإعجاز بسورة من جنسه و صحة إطلاق القرآن بهذا المعنى على الكلّ و على كل بعض منه مما لا خفاء فيه و أورد بأن تشبيه القرآن بالماء إنما يصح لو صح إطلاقه على أي بعض كان مثل الماء لكنه ليس كذلك إذ لا يسمّى كل حرف بل كل كلمة قرآنا و أجيب بأن صحة التشبيه لا يتوقف على صحة إطلاقه على أيّ بعض منه مثل المشبه به بل على ما يصدق عليه المعنى الّذي وضع القرآن بإزائه و هو ما ذكرناه و منهم من فسر القرآن بالمعنى اللغويّ أعني المتلو أو المجموع و هو بهذا التفسير يصدق أيضا على الكل و الجزء و السؤال المذكور لا يرد عليه‏

قوله بالاعتبارين‏

(4) أي يصدق عليها أنها قرآن باعتبار وجود مفهومه فيها و أنها داخلة فيه باعتبار أنها جزء للجملة التي وجد فيها مفهومه‏

قوله على أنا نقول‏

(5) جواب آخر يتعلق بمنع الكبرى أيضا أي لا نسلم‏

50

عدم صدق اسم الكل على الجزء و إنما يكون هذا فيما إذا لم يشارك اللفظ بينهما لفظا و أما على تقدير وجود المشاركة اللفظية بأن يكون القرآن موضوعا لكل بعض و للمجموع الشخصي وضعا آخر فيصحّ بهذا الاعتبار أن يقال السورة بعض القرآن و المراد بالقرآن المجموع من حيث هو بقرينة ذكر البعض و لا ينافي ذلك صحّة إطلاق القرآن عليها بوضع آخر إذ جواز اشتراك اللفظ بين الكلّ و الجزء ممّا لا سبيل إلى نفي جوازه ثم كون القرآن مشتركا معنويا بين الكلّ و الجزء لما كان أظهر و أقوى من كونه مشتركا لفظيا بينهما لقلة الوضع في الأوّل و كثرة استعماله بالنسبة إلى الثاني و لكون الاشتراك اللفظي خلاف الأصل بنى الجواب على الاشتراك المعنوي أولا و ذكر الجواب المبني على الاشتراك اللفظي خلاف الأصل بعده على وجه يشعر بالتبعية

[أصل في أن المشترك واقع أم لا]

قوله و الحق أن الاشتراك واقع في لغة العرب‏

(1) لثبوت العين للباصرة و الذّهب و القرء للطهر و الحيض و الجون للأحمر و الأبيض و الأسود و غير ذلك ممّا يظهر بالتصفح في كنه اللّغة

قوله و قد أحاله شرذمة

(2) بالكسر قليل من الناس و هم يقولون كلّ ما يدّعى اشتراكه بحسب اللفظ فهو إما مشترك معنوي أو موضوع لواحد ثم خفي موضع الحقيقة لخفاء قرينة المجاز ثمّ شاعا جميعا و أنت تعلم أن تصريح أهل اللّغة بأن هذا اللفظ موضوع لهذا و لذلك و تردد الذهن عند سماعه يدفع هذا الاحتمال البعيد

قوله و هو شاذ ضعيف‏

(3) أي نادر ساقط عن درجة الاعتبار لكونه مخالفا لأهل اللغة و جمهور الأصوليين و هو مع ذلك ضعيف لما ذكر و لضعف شبهتهم حيث قالوا لو وقع لاختل المقصود من الوضع و هو الإفهام و اللازم باطل أما الملازمة فلأن الفهم لا يحصل مع الاشتراك لتساوي نسبته إلى الجميع و الجواب منع الملازمة لأنه لا اختلال مع القرينة و التطويل ليس بلا فائدة إذ قد يقصد إفهام شخص دون غيره و لأن الإجمال في المعنى قد يقصد من اللفظ كالتفصيل لغرض من الأغراض‏

قوله لا يلتفت إليه‏

(4) لأنه إذا كان مخالفا لأهل اللغة و جمهور الأصوليين و ليس له ما يتمسك به فالإعراض عنه حري‏

قوله ثم إن القائلين بالوقوع اختلفوا في استعماله في أكثر من معنى واحد

(5) لا بد من تحرير محل النزاع فنقول للمشترك في إطلاقه على معانيه أحوال الأول أن يطلق تارة على هذا و أخرى على ذلك و لا نزاع في صحته و في كونه‏