حقائق الأصول‏ - ج1

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
570 /
3

تقديم‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

هذه صحف لم يُقدَّر لها أن تُنشر قبل اليوم «و الأمور مرهونة بأوقاتها» أملاها سيدي الوالد- (مد ظله) العالي- منذ عهد بعيد لا يقل عن ستة و عشرين عاما يوم كان يدرّس طلابه كتاب أستاذه الأعظم «كفاية الأصول» ذلك الكتاب الّذي توفق كل التوفيق و الّذي عكف عليه طلاب أصول الفقه قراءة و تفهما، و كل ما كان يريده- (مد ظله)- يومئذ أن يشرح كلمات أستاذه، و يكشف القناع عن معمياتها، و لم يشأ أن يعرض لآراء أساتذته الآخرين و غيرهم و مناقشتها الحساب على أنّه- (مد ظله)- لم يظن على قرّائه من إبداء ملاحظاته و مآخذه على الكتاب المذكور و تحقيق ما يراه حقا لا محيد عنه.

أما اليوم و قد آن لهذه الصحف أن تُنشر، فلم يكن في مقدور سيدنا أن ينظر فيها مجددا، نظرا للظروف و الملابسات التي تحيط به من كل جانب و في كل وقت، و لم يكن منه تجاهها سوى الإذن في نشرها، تقريبا لها من الانتفاع، و تبعيداً لها من الضياع. على انها- مع اختصارها- و الاختصار عادة لسيدي- (مد ظله) العالي- في جميع مؤلفاته- حاوية لحقائق الأصول، خالية من كل فضول، و اللَّه سبحانه ولي العصمة و السداد و هو حسبنا و نعم الوكيل.

17 محرم الحرام 1372 ه يوسف الطباطبائي الحكيم‏

4

بسم اللَّه الرحمن الرّحيم نحمدك اللهم يا من أضاء على مطالع العقول و الألباب و أنار عليها بسواطع السنّة و الكتاب فأحكم الفروع بأصولها في كل باب و نصلي على أفضل من أوتي الحكمة و فصل الخطاب و على آله الطاهرين الأطياب لا سيما المخصوص بالأخوة سيد أولى الألباب ربنا آمنا بما أنزلت و اتبعنا الرسول و آل الرسول فاغفر لنا ذنوبنا و قنا سوء الحساب و اللعنة على أعدائهم من اليوم إلى يوم الحساب (و بعد) فالعلم على تشعب شئونه و تفنن غصونه مفتقر إلى علم الأصول افتقار الرعية إلى السلطان و نافذ حكمه عليها بالوجدان و لا سيما العلوم الدينية و خصوصاً الأحكام الشرعية فلو لا الأصول لم تقع في علم الفقه على محصول فبه استقرت قواعد الدين و به صار الفقه كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين فلذا بادر علماء الأمصار و فضلاء الأعصار في كل دور من الأدوار إلى تمهيد قواعده و تقييد شوارده و تبيين ضوابطه و توضيح روابطه و تهذيب أصوله و أحكام قوانينه و ترتيب فصوله لكنه لما فيه من محاسن النكت و الفقر و لطائف معان تدق دونها الفِكر جل عن ان يكون شرعة لكل وارد أو ان يطلع على حقائقه إلا واحد بعد واحد فنهض به من أولى البصائر كابر بعد كابر فلله درهم من عصاته تلقوا

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحَمد للَّهِ ربِّ العالمين، و الصَّلاةُ و السَّلامُ عَلى خير خلقه محمد و آله الطاهرين، و لَعنة اللَّه على أعدائهم أجمعينَ إلى يَومِ الدِّين.

5

و أذعنوا و برعوا فأتقنوا و أجادوا فجادوا و صنفوا و أفادوا أثابهم اللَّه برضوانه و بوأهم بحبوحات جنانه حتى انتهى الأمر إلى أوحد علماء العصر قطب فلك الفقاهة و الاجتهاد و مركز دائرة البحث و الانتقاد الطود الشامخ و العلم الراسخ محي الشريعة و حامي الشيعة النحرير الأواه و المجاهد في سبيل اللَّه خاتم الفقهاء و المجتهدين و حجة الإسلام و المسلمين الوفي الصفي مولانا الآخوند ملا محمد كاظم الهروي الطوسي النجفي مد اللَّه أطناب ظلاله على رءوس الأنام و عمر بوجوده دوارس شرع الإسلام فقد فاز دام ظله منه بالقدح المعلى و جل عن قول أين و انى و جرى بفكر صائب تقف دونه الأفكار و نظر ثاقب يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار فلذا أذعن بفضله الفحول و تلقوه بأنعم القبول و أظهر صحفا هي المنتهى في التبيان ذوات نكت لم يطمثهن قبله أنس و لا جان و يغنيك العيان عن البيان و الوجدان عن البرهان فما قدمته لك إحدى مقالاته الشافية و رسائله الكافية فقد أخذت بجزأيها على شطري الأصول الأصلية من مباحث الألفاظ و الأدلة العقلية و أغنت بالإشارة عن المطولات فهي النهاية و المحصول فحري بان يسمى بكفاية الأصول فأين من يعرف قدرها و لا يرخص مهرها و على اللَّه قصد السبيل و هو حسبي و نعم الوكيل قال- أدام اللَّه ظله- بعد التسمية و التحميد و التصلية: و بعد فقد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة

اما المقدمة ففي بيان أمور

(الأول) ان موضوع كل علم‏

(1) (قوله (قدس سره): الأول أن موضوع كل علم) جرت عادة المصنفين على ذكر أمور تسمى بالمبادئ، و هي القول الشارح لموضوع العلم، و أجزائه و جزئياته، و أعراضها التي هي موضوعات مسائله، و المقدمات التي تبتني عليها قياسات العلم، و أدلته، و تسمى الأول بالمبادئ التصورية، و الثانية بالمبادئ التصديقية فجرى المصنف (ره) على ذلك أيضا، فساق الأمر الأول لبيان موضوع علم الأصول، و لما كان نوعا من مطلق الموضوع ناسب تعرضه لبيان‏

6

و هو الّذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة أي بلا واسطة في العروض‏

مطلق موضوع العلم فقال: إن موضوع ... إلخ (1) (قوله: و هو الّذي يبحث) هذا تعريف المشهور لموضوع العلم (2) (قوله: عن عوارضه الذاتيّة) العوارض جمع العارض و هو- كما ذكر بعض المحققين- مطلق الخارج عن الشي‏ء المحمول عليه، فيشمل العرض المعبَّر عنه في لسان أهل المعقول بالعَرَضي المقابل في باب الكليات بالذاتي، المنقسم إلى الخاصة و العرض العام، و يشمل غيره مثل كل من الجنس و الفصل بالإضافة إلى الآخر و النوع بالإضافة إليهما، و قيل: العرض المبحوث عنه في الفنون هو الأول بشرط كونه ذاتيا بالمعنى الآتي بيانه (3) (قوله: بلا واسطة في العروض) أشار بهذا إلى انقسام الواسطة إلى اقسامها الثلاثة أعني (الواسطة في العروض) و هي التي يقوم بها العرض حقيقة، و ينسب إلى ذيها عناية و مسامحة من قبيل وصف الشي‏ء بحال متعلقه، و هي قد تكون جلية على نحو تكون نسبة العرض إلى ذيها مجازاً عرفا مثل الحركة و البياض الواسطتين في نسبة السرعة و الشدة إلى الجسم، و قد تكون خفية بحيث لا يخرج التوصيف عن كونه حقيقة في نظر العرف و ان كان مجازاً بتعمل من العقل مثل السطح الّذي هو واسطة في نسبة البياض إلى الجسم، فان البياض إنما يقوم حقيقة بالسطح لا بالجسم لكنه ينسب إلى الجسم حقيقة بنظر العرف و ان كان مجازا بالنظر الدّقيق (و الواسطة في الثبوت) و هي علة ثبوت العرض حقيقة لمعروضه سواء أ كان العرض قائما بها أيضا كالنار و الشمس العلتين لثبوت الحرارة للماء أم لا كالحركة التي هي علة لعروض الحرارة على الجسم (و الواسطة في الإثبات) و هي التي يكون العلم بها علة للعلم بالثبوت كالوسط في القياس؛ و الأوَّلتان بالنسبة إلى عَرض واحد متباينتان لاعتبار القيام حقيقة في الثانية و عدمه في الأولى، و يتصادقان بالنسبة إلى عرضين، إذ لا مانع من ان تكون الواسطة في العروض علة لثبوت عرض آخر لمعروض آخر غير ذيها، و اما الثالثة فتتحد مع كل واحدة منهما بالإضافة إلى خصوص ذلك العرض بعينه، و تفترق عن الأخرى، إذ قد يكون الوسط في القياس علة لثبوت الأكبر

7

..........

للأصغر، و قد يكون واسطة في عروضه له، و قد تفترق عنهما معاً، كما إذا كان الوسط لازما لثبوت الأكبر للأصغر أو ملازماً له. ثم إن العرض قسمان ذاتي و غريب، لأنه إما ان يلحق الشي‏ء لذاته، أو لجزئه المساوي، أو للخارج المساوي، أو لجزئه الأعم، أو للخارج الأعم، أو للخارج الأخص، و الثلاثة الأول أعراض ذاتية على المشهور، بل ادعي عليه الاتفاق، و لذا اشتهر تعريف العرض الذاتي بأنه ما يلحق الشي‏ء لذاته أو لما يساويه، و الأخيران عرضان غريبان بالاتفاق أيضا، و أما الرابع فالمنسوب إلى مشهور المتأخرين أنه من الأعراض الذاتيّة، و هو ظاهر الشمسية و صريح شرحيها للرازي و التفتازاني، و عن جماعة من المتأخرين- تبعا للقدماء- أنه من الأعراض الغريبة، بل نسبه في الفصول إلى المشهور، و ظاهر المصنف (ره) حيث عدل عن تعريف المشهور المتقدم للعرض الذاتي فعرفه- تبعا للفصول- بما يلحق الشي‏ء بلا واسطة في العروض خلاف ذلك، إذ عليه يكون القسم الثالث من الأعراض الغريبة كالأخيرين لكون الأقسام الثلاثة عندهم كلها مما يكون بواسطة في العروض، كما صرَّح به بعض الأجلة، و يظهر من كلماتهم و أمثلتهم، و كأن الوجه فيه ما أشار إليه في الفصول و غيره من أن ما يلحق الشي‏ء بواسطة الخارج المساوي ينبغي أن يبحث عنه في فن يكون موضوعه تلك الواسطة و لا ينبغي ان يبحث عنه في فن يكون موضوعه غيرها، و فيه- مع انه قد لا تكون لتلك الأعراض أهمية صالحة لتدوينها في فن مستقل- و انه ينافي ما ذكره من كون الجامع بين شتات المسائل اشتراكها في الغرض، إذ قد يكون البحث عن العارض بواسطة المساوي دخيلا في الغرض المقصود من العلم- أنه إنما يتم لو فرض انحصار العرض المبحوث عنه في الفنون بما ذكر، إلا أن دعوى الانحصار لا بيّنة و لا عليها بيّنة؛ بل ظاهر كلام غير واحد المفروغية عن أنه قد يكون موضوع بعض مسائل الفنون عوارض نفس الموضوع فيكون محمولها من قبيل عرض الموضوع بواسطة في العروض، فلاحظ كلماتهم في تعريف موضوع العلم و في الخاتمة، و الالتزام بالاستطراد في البحث‏

8

هو نفس موضوعات مسائله عيناً و ما يتحد معها خارجاً و ان كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي و مصاديقه و الطبيعي و افراده و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الّذي لأجله دوّن هذا العلم‏

عن تلك المسائل لا ملزم به (1) (قوله: هو نفس) هذا خبر (إن) يعني أن موضوع العلم هو الجامع بين موضوعات ... إلخ و هذا راجع إلى تعريف المشهور، و العدول إليه بقصد الإيضاح. هذا و لا يخفى ان مقتضى ما صرحوا به من انَّ موضوع المسألة إما نفس موضوع العلم أو جزؤه أو جزئيه أو عرضه الذاتي عدم تمامية التعريفين كليهما إذ ليس هناك امر واحد يُبحث عن عوارضه، و لا جامع مطرد بين موضوعات تلك المسائل إلا بنحو من الاعتبار مثل: أحد الموضوعات، و نحوه، و لذا التجأ المحقق الدواني- على ما حكي عنه- إلى دعوى طي في العبارة، و أن المراد ما يبحث في العلم عن عوارضه، أو عوارض أجزائه أو عوارض جزئياته أو عوارض أعراضه، و ما حكي عن الشيخ الرئيس من إرجاعها إلى كل واحد موقوف على فرض الجامع بين تلك الموضوعات المختلفة و لا سيما في خصوص بعض الفنون كفن الفقه الّذي يكون موضوع مسائله أحد النقيضين من الفعل و الترك على أنه لا يرتفع به التنافي بين تعريف الموضوع و ما ذكروه هناك كما هو ظاهر بملاحظة الضمائر المجرورة في قولهم: أو جزئه أو جزئيه أو عرضه، إذ لا يعقل ان يكون الشي‏ء جامعاً بين نفسه و غيره هذا- مضافا إلى أن عوارض جزئيات الموضوع أعراض غريبة بالاتفاق فكيف تصح دعوى كون الموضوع هو الجامع بين الموضوعات، و أنه يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة، و إرجاع عوارض الجزئيات إلى عوارض الكلي بعيد جداً إذ البحث في تلك المسائل كان عن نفس الجزئيات بخصوصيتها لا بما هي كلي و الأمر سهل في أمثال المقام (2) (قوله: و ما يتحد) عطف تفسير (3) (قوله: و الطبيعي) عطف تفسير أيضا (4) (قوله: في الدخل في الغرض) ليس المراد من الدخل دخل العلية إذ ليس نفس المسائل مما له مقدمية لحصول الغرض و انما العلم بها له دخل في حصول العلم بحصول الغرض، بل الدخيل‏

9

فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل مما كان له دخل في مهمين لأجل كل منهما دون علم على حدة فيصير من مسائل العلمين (لا يقال): على هذا يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما فيما كان هناك مهمان متلازمان في الترتب على جملة من القضايا لا يكاد يمكن انفكاكهما (فانه يقال): مضافا إلى بُعد ذلك بل امتناعه عادة لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين و تسميتهما باسمين بل تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين و أخرى لأحدهما و هذا بخلاف التداخل في بعض المسائل فان حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة مسائلهما المختلفة لأجل مهمين مما لا يخفى، و قد انقدح‏

في حصول الغرض إرادة تطبيق العمل على المسائل المعلومة، مثلا علمنا بأن الفاعل مرفوع له نحو دخل في علمنا بمطابقة كلامنا لكلام العرب أما نفس المطابقة فانما تكون ناشئة عن إرادة المتكلم لها، فإثبات الدخل لها بهذا الاعتبار فتأمل (1) (قوله: فلذا قد يتداخل) هذا تفريع على قوله: جمعها اشتراكها ... إلخ لكنه انما يتفرع عليه بخصوصه لو لم يكن جامع آخر بين المسائل غير وحدة الغرض أما لو كان جامع آخر إما لكونه جامعا بين موضوعاتها- كما فرضه- أو بين محمولاتها بنحو الجامع بين الموضوعات فيمكن التداخل أيضا، و ليس الجامع الغرضي بأولى من غيره في ترتب التداخل عليه إذ من المعلوم ان كل واحدة من المسائل انما يترتب عليها شخص خاص من الغرض لا يترتب على غيرها فاعتبار جامع بين تلك الأغراض كما يكون جامعاً لشتات المسائل و يترتب عليه التداخل في العلوم يصح مثله في لموضوعات و المحمولات، و يكون كذلك في كونه جامعاً لشتات المسائل و ترتب التداخل (2) (قوله: مما كان) بيان لبعض المسائل يعني: إذا كان بعض المسائل يترتب عليه غرضان لعلمين يدخل ذلك البعض في كل من العلمين فيشترك العلمان فيه (3) (قوله: و هذا بخلاف) إذ ليس المدعى ان تعدد العلوم بتعدد الأغراض حتى يلزم كون المسائل التي يترتب عليها غرضان متلازمان علمين، بل المدعى ان‏

10

بما ذكرنا أن تمايز العلوم انما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات و لا المحمولات و إلا كان كل باب بل كل مسألة من كل علم علماً على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدد كما لا يكون وحدتهما سبباً لأن يكون من الواحد (ثم) انه ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص فيصح أن يعبَّر عنه بكل ما دل عليه بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلا. و قد انقدح بذلك أن موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة

المميز للعلوم بعضها عن بعض هو الأغراض و في الفرض لا اثنينية حتى يرجع إلى المميز بل أمر واحد يترتب عليه غرضان طوليان أو عرضيان بخلاف ما إذا اشتركت ببعض المسائل فانه يكفي في الاثنينية الاختلاف في بعض المسائل الأخر (1) (قوله:

بما ذكرنا) يعني في تعريف المسائل من أن الجامع بينها اشتراكها في الدخل في الغرض (2) (قوله: باختلاف الأغراض) قد أشرنا إلى انه يمكن التمييز بالموضوعات بالمعنى المتقدم في كلام الدواني، أو بالمعنى المتقدم في كلام المشهور، و المصنف. نعم قد يُشكل حيث لا يكون الجامع له مفهوم محصَّل واضح بعد إمكان فرضه فيكون التمييز حينئذ بالمحمولات أو بالأغراض، و قد يكون الأمر بالعكس، و قد يكون التمييز عن طائفة من العلوم بالموضوع و عن طائفة أخرى بالمحمول كما في العلوم العربية فان امتياز بعضها عن بعض بالمحمولات و امتيازها أجمع بالموضوعات أمر ممكن (3) (قوله: لا الموضوعات) قد اشتهر أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فأشكل بأنه قد يكون الأمر الواحد موضوعا لعلوم متعددة مثل العلوم العربية لكنهم دفعوا هذا الإشكال بقولهم: ان تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات، يعنون بها الإضافات إلى محمولاتها مثل كون الكلمة من حيث الإعراب و البناء موضوعا لعلم النحو و هي من حيث المعنى موضوع لعلم اللغة، و هكذا لكنه راجع إلى التمييز بالمحمولات كما عرفت‏

11

..........

(1) (قوله: و إلّا كان كل باب ... إلخ) هذا انما يترتب لو قيل بالتمييز بالموضوعات أو المحمولات بعناوينها الخاصة في المسائل فان موضوع مسائل باب الفاعل غير موضوع مسائل باب المفعول كما ان محمول مسائل باب المرفوعات غير محمول مسائل باب المنصوبات مثلا، أما لو أريد الجامع بين موضوعات المسائل فلا يرد عليه ذلك، و إنما يرد عليه ما عرفت مما تنبهوا له و أجابوا عنه. ثم ان ترتب هذا اللازم على ما ذكر ليس على الإطلاق بل يختلف باختلاف كيفية التبويب فان كان من قبيل (باب الفاعل) (باب المفعول) مما تشترك فيه المسائل موضوعا و تختلف محمولًا لزم أن يكون كل باب علماً لو كان التمييز بالموضوعات اما لو كان بالمحمولات لزم أن يكون كل مسألة من باب مع ما يتحد معها محمولا من مسائل الأبواب الأخر علما، و ان كان التبويب من قبيل (باب المرفوع) (باب المنصوب) ترتب على القولين ما ذكر على العكس، و منه يظهر أن ترتب ان يكون كل مسألة علماً على كل من القولين لا يكون إلا مع اختلاف جميع المسائل في الموضوع و المحمول معاً بحيث تكون كل مسألة بابا مستقلًا فلاحظ. ثم انك قد عرفت الإشارة إلى أن كل مسألة يترتب عليها غرض خاص لا تشاركها فيه أختها من المسائل و إنما الاشتراك بملاحظة جامع بين الأغراض و هذا الجامع يختلف سعة و ضيقاً باختلاف المناسبات التي يلحظها واضعو الفن فقد يلحظ الواضع جامعاً واسع الدائرة فتكثر مسائل الفن المسمى باسم كذا و قد يلحظه ضيّق الدائرة فتقلّ مسائله، مثلا قد يلحظ الجامع بين الأغراض المترتبة على مسائل باب الفاعل فقط فيسمي مسائل باب الفاعل فنّاً كذائياً في قبال مسائل باب المفعول، و هكذا، و قد يكون أوسع كالغرض المترتب على مسائل باب المرفوعات أو مسائل النحو أو مع الصرف أو هما مع سائر مسائل العلوم العربية فيسمّيه الفن العربي و تكون مسائل النحو كباب من أبوابه أو فصل من فصوله فالتحديد بالغرض انما هو يتبع اعتباره ضيِّقاً أو واسعاً حسب الاعتبارات و الجهات المقتضية لذلك في نظر مدوني الفنون.

12

لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلة بل و لا بما هي هي ضرورة أن البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها و هو واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة

(موضوع علم الأصول) (1) (قوله: لا خصوص الأدلة) يعني كما هو المشهور يعنون بها الكتاب و السنة و الإجماع و العقل (2) (قوله: و لا بما هي هي) كما ذكر في الفصول فراراً عما قيل على ما هو ظاهر المشهور: من أن البحث في كثير من مسائل الأصول عن كون الشي‏ء دليلًا مثل مسألة حجية الخبر و ظاهر الكتاب و نحوهما ليس هو بحثاً عن عارض الأدلة بل بحث عن نفس دليليّتها فلا يكون من مسائل الفن بل من مباديه التصديقية فتأمل، و طريق فرار الفصول ان الموضوع المبحوث عن أحواله في علم الأصول ذوات الأدلة أعني نفس الكتاب و إخوته معراة عن صفة الدليليّة و تكون هي حينئذ من العوارض المبحوث عنها فيه كغيرها من العوارض (3) (قوله:

ضرورة ان البحث في غير) هذا شروع في بيان بطلان ما هو المشهور و ما هو صريح الفصول و حاصله أن السنة التي هي أحد الأدلة إما أن يراد منها ما هو المصطلح فيها أعني نفس قول المعصوم و فعله و تقريره أو ما هو أعم منها و من الطريق الحاكي عنها كالخبر و غيره من الطرق، فان كان المراد منها الأول توجه الإشكال بأن مسألة حجية الخبر و نحوها و جملة من مسائل مبحث باب التعارض لا يبحث فيها عن عوارض الأدلة لا بما هي أدلة و لا بما هي هي بل انما يبحث فيها عن عوارض الخبر الحاكي عنها و ليس هو أحد الأدلة الأربعة- كما هو ظاهر- لا بما هي أدلة و لا

13

كعمدة مباحث التعادل و التراجيح بل و مسألة حجية خبر الواحد لا عنها و لا عن سائر الأدلة (و رجوع) البحث فيهما في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد في مسألة حجية الخبر كما أفيد و بأي الخبرين في باب التعارض فانه أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال (غير مفيد) فان البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة ليس بحثا عن عوارضه فانها مفاد.

بما هي هي و مثله البحث عن حجية الشهرة و مطلق الظن، و كأن الاقتصار في كلام المصنف على هاتين المسألتين لمزيد الاهتمام بهما؛ و ان كان المراد منها الثاني فسيأتي ما فيه (1) (قوله: كعمدة مباحث ... إلخ) مثل البحث عن حجية أحدهما و عدمها و انها على التخيير أو الترجيح و البحث عن المرجحات. نعم في مسائلها ما كان بحثاً عن حال الدليل مثل البحث عن تعيين الظاهر و الأظهر و نحوه.

(2) (قوله: و رجوع البحث فيهما ... إلخ) إشارة إلى ما أجاب به شيخنا الأعظم «قده» عن هذا الإشكال و حاصله انه يمكن إرجاع البحث في هاتين المسألتين و ما يشبههما إلى البحث عن أحوال السنة بالمعنى المتقدم لأن مرجع البحث عن الحجية إلى البحث عن ثبوت قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره بالخبر في مسألة حجية الخبر، أو بأحد الخبرين في باب التعارض و عدمه فيكون الموضوع حينئذ نفس السنة و جعل (ره) ذلك مغنيا عن تجشم الفصول في دفع الإشكال (3) (قوله:

مفاد كان التامة .. إلخ) يراد به معنى: كان زيد، أي وجد؛ و هو نسبة الوجود إلى الماهية و مفاد: كان الناقصة، يراد به نسبة بقية العوارض الزائدة على الوجود إلى الماهية مثل: كان زيد قائماً، و كذا ما يقال: مفاد ليس التامة، و ليس الناقصة، يعنون بهما نفي الوجود و نفي ما عداه من العوارض و إن كانت ليس لا تستعمل في لغة العرب إلا ناقصة و توضيح الإشكال على شيخنا الأعظم (ره) أن المراد من الثبوت الّذي هو مرجع البحث في مسألة حجية الخبر و نحوها إن كان هو الثبوت الحقيقي فهو- مع انه ليس محلا للنزاع ضرورةً- أنه ليس‏

14

كان الناقصة (لا يقال): هذا في الثبوت الواقعي (و أما) الثبوت التعبدي كما هو المهم في هذه المباحث فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة (فانه يقال): نعم لكنه مما لا يعرض السنة بل الخبر الحاكي لها فان الثبوت التعبدي يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به و هذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى (و بالجملة) الثبوت الواقعي ليس من العوارض و التعبدي و ان كان منها إلا انه ليس للسنة بل للخبر فتأمل جيداً، و اما إذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها فلان البحث في تلك المباحث و ان كان عن أحوال السنة بهذا المعنى إلّا ان البحث في غير واحد

من العوارض التي يبحث عنها في العلوم، و ان كان هو الثبوت التعبدي الظاهري فهو راجع في الحقيقة إلى جعل أحكام ثبوت السنة الحقيقي لما هو مشكوك الثبوت و من المعلوم ان هذا ليس من عوارض السنة بل من عوارض الخبر الحاكي عنها فيرجع الإشكال بحاله. هذا و يمكن الخدش فيه أولا من جهة حصر العوارض بغير الوجود و هو لا يساعده التعريف المتقدم للعارض، و لا ما صرَّح به بعض المحققين من علماء المعقول من عموم العوارض المبحوث عنها له، و ثانياً من جهة إرجاع البحث إلى البحث عن عوارض الخبر الحاكي فانه غير ظاهر بل هي حينئذ من عوارض مؤداه إلا أن يكون الخبر ملحوظا طريقا إليه. ثم ان بعض الأعيان من مشايخنا المعاصرين دفع الإشكال من أصله بأن مرجع النزاع في الحجية إلى النزاع في أن السنة هل تُعلم بالخبر أولا؟ لأن مرجع حجية شي‏ء بعنوان الطريقية إلى انه علم بالمؤدى تنزيلا- كما سيأتي في محله إن شاء الله- و لكن لا يخفى انه لا يدفع الإشكال في كلام المصنف (ره) إذ يقال حينئذ: ليس النزاع في انها تعلم حقيقة بالخبر قطعاً بل النزاع في أنها تعلم تعبداً أولا، و هو راجع إلى جعل أحكام العلم بالسنة للخبر الحاكي عنها، فهو أولى بالإشكال من جواب شيخنا الأعظم «ره» (1) (قوله: كان الناقصة) لأن الثبوت التعبدي زائد على ثبوت السنة الحقيقي فيكون من عوارضها (2) (قوله: بل الخبر) قد عرفت انه لمؤدّاه (3) (قوله:

و اما إذا كان المراد ... إلخ) هذا هو مراد الفصول‏

15

من مسائلها كمباحث الألفاظ و جملة من غيرها لا يخص الأدلة بل يعم غيرها و ان كان المهم معرفة أحوال خصوصها كما لا يخفى و يؤيد ذلك تعريف الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية و ان كان الأولى تعريفه بأنه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن ان تقع في طريق استنباط الأحكام‏

(1) (قوله: إلّا ان البحث في غير) يعني فيكون البحث عن العارض بواسطة الخارج الأعم لكنه تنبّه لذلك في الفصول و أجاب عنه بأن البحث عنها باعتبار وقوعها في الكتاب و السنة و لا يقدح في ذلك بيانهم لوضعه اللغوي أو العرفي، إذ المقصود بيان مداليل تلك الألفاظ بأي وجه كان .. إلخ كما أشار إليه المصنف (ره) بقوله: و ان كان المهم ... إلخ إذ من المعلوم أن عموم النزاع و خصوصه تابع لعموم الغرض و خصوصه (2) (قوله: و جملة من مباحث) أي من غير مباحث الألفاظ كما يذكر في المباحث العقلية من حسن العقاب و قبحه فانه لا يخص الأدلة بل يعم المباحث الكلامية (3) (قوله: و يؤيد ذلك) أي كون البحث في الأصول ليس عن خصوص الأدلة و وجه التأييد عدم تقييد القواعد بأن موضوعها الأدلة.

(تعريف الأصول) (4) (قوله: تعريفه بأنه صناعة ... إلخ) هذا التعريف يخالف التعريف المشهور من وجوه (الأول) خلوّه من ذكر العلم و هو في محله لما عرفت من ان الفنَّ نفس المسائل التي تكون موضوعا للعلم تارة و للجهل أخرى، و قد صرح بما ذكرنا جماعة منهم التفتازاني في بعض كلماته، و لعلَّ الباعث على ذكره في التعريف كونه منشأ الأثر في الفنون دون نفس المعلوم، و المصحّح لهذا الاستعمال وحدة العلم و المعلوم حقيقة و ان اختلفا اعتباراً (الثاني) جعله نفس الصناعة التي يُعرف بها القواعد، و هذا شي‏ء تفرد به المصنف (ره) فيما أعلم و لازمه كون‏

16

أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل‏

المتون المشتملة على نفس القواعد ليست من الأصول مع ان الأقيسة ليست من الفن بل من مباديه التصديقية (الثالث) خلوّه عن اعتبار التمهيد للاستنباط، و لازمه دخول أكثر مسائل الفنون التي يتوقف عليها الاستنباط كالعلوم العربية في علم الأصول، و هو كما ترى، إلا ان يراد من طريق الاستنباط خصوص القياس المنتج للوظيفة العملية لكنه يلزم منه خروج جملة من مسائل الأصول أيضا، إذ ليست هي في رتبة واحدة و كيف كان فيعم الممهدة و غيرها، أما تعريف المشهور فأبعد عن الإشكال المتقدم لأن مسائل تلك الفنون لم تمهد للاستنباط و انما مهدت لغايات أخر فيختص الأصول بالمسائل التي لم تمهد لغاية أخرى بحيث يلزم الأصولي تمهيدها للاستنباط. هذا و لكنه لا ينطبق على ما لم يمهّد أصلا إلا ان يراد من الممهدة الأعم من الشأنية و الفعلية، لكن عليه يرجع الإشكال الأول، إلا ان يراد شأنية نفس التمهيد لا شأنية كونه للاستنباط، و كيف كان فذكر الممهدة أولى فتأمل جيداً (الرابع) خلوّه عن تقييد الأحكام بقيد الشرعية كما في تعريف المشهور و لا بد منه، و لعله اكتفى بتعريفها بلام العهد (الخامس) إضافة (1) قوله: أو التي ينتهى ... إلخ و قد أشار إلى وجهه، و توضيحه انهم اختلفوا في تقرير مقدمات الانسداد من حيث أن مقتضاها الكشف أو الحكومة على قولين (أحدهما) الكشف بمعنى ان مقدمات الانسداد تكشف عن حكم الشارع الأقدس بحجية الظن فيكون كسائر الحجج الشرعية غاية الأمر انه يفارقها في طريق إثبات الحجية فان طريق ثبوت حجيته هو المقدمات المذكورة و طريق حجيتها هو غيرها من الكتاب و السنة و غيرهما (ثانيهما) الحكومة بمعنى انها تكون منشأ لحكم العقل بوجوب العمل على طبق الظن و يكون حال الظن حال العلم في كون حجيته عقلية، و يترتب على الأول ان مؤداه حكما شرعيا ظاهرياً كسائر الحجج الشرعية و ليس كذلك على الثاني و حينئذ فمسألة حجية الظن لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي على الحكومة فتخرج عن الأصول بمقتضى‏

17

بناء على أن مسألة حجية الظن على الحكومة و مسائل الأصول العملية في الشبهات الحكمية من الأصول- كما هو كذلك- ضرورة أنه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات‏

(الثاني) الوضع‏

تعريف المشهور، و كذا الحال في مسائل الأصول العملية العقلية كالبراءة و الاشتغال و التخيير في الشبهات الحكمية فانه لا يتوصل بها إلى حكم شرعي، بل و بعض الأصول الشرعية كحديث الرفع بناء على اقتضائه مجرّد نفي الإلزام بلا جعل للإباحة فان نفي الإلزام و ان كان شرعياً إلّا انه ليس حكما شرعياً و إلا كانت الأحكام عشرة لا خمسة إلا ان يراد من الحكم هنا ما يعمّه، و هذه كلّها تدخل في علم الأصول على تعريف المصنف (ره) لأنها ينتهي إليها المكلف في مقام العمل (1) (قوله: بناء) متعلق بقوله: أو التي ينتهى ... إلخ (2) (قوله: على الحكومة) قيد للحجية (3) (قوله: مسائل الأصول) معطوف على مسألة حجية الظن اما الأصول الشرعية مثل كل شي‏ء لك حلال ... إلخ و نحوه فتقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية (4) (قوله: في الشبهات الحكمية) و هي الشبهات في الحكم الكلي أما الجارية في الشبهات الموضوعية كالشك في ان المائع خمر أو خلّ فليست من الأصول لأنها لا يستفاد منها حكم كلي بل جزئي، و لذا لا يختص إجراؤها بالمجتهد (5) (قوله: من الأصول) خبر (إن) في قوله: على أن (6) (قوله: الوضع) الإضافة على نحوين منها ما يكون فيها للمتضايفين هيئة خاصة كالفوقية و التحتية و نحوهما فان لزيد مع السقف الّذي يكون فوقه هيئة خاصة مباينة لهيئته مع الأرض التي تكون تحته و منها ما لا يكون كذلك كالملكية و الزوجية و نحوهما فان الهيئة الحاصلة لزيد مع فرسه قبل ان تكون ملكاً له هي هيئته معها بعد ما صارت ملكاً له، و في كون النحو الأول مما له حظ من الخارج بحيث لا يتوقف على وجود لاحظ أولا؟ خلاف كما قيل، أما الثاني فلا إشكال في انه لا حظّ له من الخارج بل يكون بمحض الاعتبار، و انما يكون الخارج‏

18

..........

ظرفا لمنشإ اعتباره و نسبته إلى منشإ اعتباره ليست نسبة المتأثر إلى المؤثر. هذا و لا ريب في أن الوضع من النحو الثاني إذ ليس للفظ مع معناه هيئة خاصة بل هو معه بعده كحاله معه قبله، كما لا ريب في انه ليس من الإضافات الناشئة عن خصوصية في المتضايفين كإضافة التلازم بين المتلازمين بل له منشأ آخر و انما الإشكال في انه مجعول قصداً بحيث يعتبر من مجرّد جعله أو منتزع من إرادة ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، و هذا الخلاف فيه ربما يأتي في مثله من الأحكام الوضعيّة (المختار) لبعض الأكابر هو الثاني و قد يستدل له (تارة) بالوجدان، فان الإنسان لا يجد من نفسه عند إرادة تسمية ولده أو كتابه إلا إرادة ذكر الاسم عند إرادة تفهيم المعنى (و أخرى) بان تفهيم المعنى باللفظ انما يكون بتوسط الملازمة الذهنية بينهما و حيث أنه لا ملازمة ذاتية ذهنية كما هو المفروض، و لا يمكن جعلها أيضا لأنها خارجة عن الاختيار فلم يبق إلا تحقيق ما يؤدي إليها من الملازمة بين ذكر اللفظ و إرادة المعنى، فإذا تحققت هذه الملازمة بإرادة ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى حصلت الملازمة الذهنية بتوسط العلم بالإرادة، و إلا فلا طريق إلى حصولها أصلا، و هذه الإرادة هي منشأ اعتبار الوضع (و أورد) عليه بعض الأعيان بما توضيحه أن الإرادة المتعلقة باللفظ إرادة غيرية ناشئة عن إرادة تفهيم المعنى، و الإرادة الغيرية تابعة للمقدمية، إذ لو لم يكن الشي‏ء مقدمة لم يكن مراداً بإرادة غيرية فلا بد من ثبوت المقدمية للفظ في رتبة سابقة على الإرادة و هذه المقدمية يمتنع نشوؤها من هذه الإرادة للزوم الدور؛ و لا من غيرها لأنه خلاف الوجدان (أولا) و للزوم اجتماع المثلين في محل واحد و هو ممتنع (ثانياً) فان قلت: لا مانع من اجتماعهما على أن تكون إحداهما مؤكدة للأخرى (قلت): يمتنع التأكد في المقام لاختلاف الرتبة إذ الوجود المتأكد في رتبة واحدة، و لأنه يقال في الإرادة الأخرى التي تنشأ عنها المقدمية هي إما نفسية،- و هو خلاف الوجدان- و إما غيرية فلا بد من ثبوت مقدميتها في رتبة سابقة عليها فيجري فيها ذلك أيضا و هكذا فتأمل، فيتعين الالتزام بأن المقدمية مجعولة

19

هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به (تارة) و من كثرة استعماله فيه (أخرى) و بهذا المعنى صح تقسيمه إلى التعييني و التعيني كما لا يخفى. ثم‏

مع قطع النّظر عن الإرادة و ذلك بجعل اللفظ للمعنى (و دعوى) امتناع ذلك لأن ما ليس بينهما العلاقة يمتنع جعل العلاقة بينهما (مدفوعة) بأن ذلك يتم في الأمور الحقيقية لا الاعتبارية التي منها ما نحن فيه و هي و ان لم توجب اللزوم بين اللفظ و المعنى ذهنا مستقلة إلا أنها بضميمة الاعلام بها توجب ذلك و المفروض انه لا بد منه على كل من القولين. هذا و يمكن ان يقال: مقدمية ذكر اللفظ لتفهيم المعنى ذاتية لأن المقدمية كما سيأتي منتزعة من صدق قولنا: لو لا كذا لم يكن كذا، و يصدق في المقام: لو لا اللفظ لم يفهم المعنى، غاية الأمر ليس هو تمام المقدمة بل يتوقف على مقدمة أخرى مثل العلم بالإرادة فلا مجال للإشكالات المذكورة نعم المانع عن كونه نفس الإرادة كونه خلاف المرتكز من معناه فيقال: أردت أن أضع لفظ كذا، كما يقال: أردت أن افعل كذا، و ذلك مما يأبى عن كونه نفس الإرادة (فالتحقيق) انه منتزع من الالتزام النفسيّ بذكر اللفظ عند إرادة التفهيم، و هذا الالتزام فعل اختياري للنفس كغيره من أفعالها، فان تحقق صح اعتبار الإضافة المذكورة عند العقلاء، و إن لم يُجعل شي‏ء أصلا؛ و ان لم يتحقق امتنع اعتبارها عندهم و إن جُعل اللفظ للمعنى. و هذا الدوران شاهد ما ذكرنا. هذا كله في الوضع التعييني و سيأتي إن شاء الله في الأحكام الوضعيّة ما له نفع تام في المقام و اللَّه سبحانه أعلم (1) (قوله:

هو نحو اختصاص) الأنسب تعريفه بتخصيص اللفظ بالمعنى لأنه من مقولة الفعل و الاختصاص من مقولة الانفعال، و الباعث له على ذلك تقسيمه إلى التعييني و التعيني كما سيأتي (2) (قوله: من تخصيصه به) سواء أ كان بالقول كسميت ولدي علياً، أم بالفعل باستعماله فيه بقصد جعله له، إذ الإنشاء يكون بالفعل كالقول عند المشهور على تأمل ذكرناه في محله‏

20

إن الملحوظ حال الوضع إما يكون معنى عاماً فيوضع اللفظ له تارة و لافراده و مصاديقه أخرى، و إما يكون معنى خاصاً لا يكاد يصح إلا وضع اللفظ له دون العام فتكون الأقسام ثلاثة، و ذلك لأن العالم يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك، فانه من وجوهها و معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجهٍ، بخلاف الخاصّ فانه- بما هو خاص- لا يكون وجهاً للعام و لا لسائر الافراد فلا يكون معرفته و تصوره‏

(1) (قوله: و بهذا المعنى صحَّ) أقول: يمكن تقسيمه إلى القسمين بناء على كونه التخصيص أيضا بأن يراد منه ما هو أعم مما كان عن قصد كما في التعييني أولا كما في التعيني (2) (قوله: ان الملحوظ حال) الظاهر عدم الفرق في مجي‏ء الأقسام بين الوضع التعييني و الوضع التعيني، غاية الأمر لحاظ العام و الخاصّ يكون في الثاني لأجل الاستعمال الّذي هو المصحح لاعتبار الوضع. ثم إن لحاظ الموضوع له «تارة» يكون تفصيلياً «و أخرى» يكون إجماليا ببعض وجوه الملحوظة و المراد بوجه الشي‏ء ما يكون لحاظه مميزاً للموجَّه عما عداه و يكون النّظر إليه نظر إليه في الجملة (3) (قوله: فيوضع اللفظ) و حينئذ يكون الوضع عاماً و الموضوع له عاماً (4) (قوله: أخرى) فيكون الوضع عاماً و الموضوع له خاصاً (5) (قوله: إلا وضع) فيكون الوضع خاصاً و الموضوع له خاصاً (6) (قوله: و ذلك لأن) بيان لوجه انحصار الأقسام في الثلاثة (7) (قوله: بما هو كذلك) أي بما هو عام (8) (قوله: فانه من وجوهها) العام بما هو عام لا يكون وجها للخاص، و إنما يصلح لذلك بتوسط تحديده و تضييق دائرته، كما أن دلالته على الخاصّ إنما تكون بذلك أيضا، لأن العام صالح لأن يكون وجها لكل واحد من أفراده فكونه وجها لواحد منها بخصوصه إنما يكون بتقييده بنحو لا ينطبق إلا عليه، فالعام الحاكي عن تمام أفراده بخصوصيتها ليس عاما في الحقيقة بل يكون خاصا مرادفا لقولنا: تمام الافراد فتأمل (9) (قوله:

معرفته) أي معرفة الشي‏ء ذي الوجه (10) (قوله: فانه بما هو خاص) يعني أن الخاصّ بما أنه خاص يمتنع أن يكون حاكيا عن العام، لأن العام صالح للانطباق على‏

21

معرفة له و لا لها أصلا- و لو بوجه-. نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاماً كما كان الموضوع له عاماً، و هذا بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فان الموضوع له و هي الافراد لا يكون متصوراً إلا بوجهه و عنوانه، و هو العام، و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه و تصوره بنفسه و لو كان بسبب تصور أمر آخر و لعل خفاء ذلك على بعض الاعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجباً لتوهم إمكان ثبوت قسم رابع، و هو ان يكون الوضع خاصاً مع كون الموضوع له عاماً مع انه واضح لمن كان له أدنى تأمل ثم إنه لا ريب في ثبوت الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ كوضع الاعلام، و كذا الوضع العام و الموضوع له العام، كوضع أسماء الأجناس، و أما الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فقد تُوهم أنه وضع الحروف و ما ألحق بها من الأسماء؛ كما توهم أيضا أن المستعمل فيه فيها خاصاً مع كون الموضوع له كالوضع عاماً (و التحقيق) حسبما يؤدي إليه النّظر الدّقيق‏

ما يباين الخاصّ من أفراده فكيف يصلح الخاصّ للحكاية عنه، بل عرفت أن العام كذلك و انما يفترقان في ان العام يصلح للحكاية عنه بواسطة تحديده و الخاصّ لا يصلح للحكاية عن العام بكل وجه (1) (قوله: معرفة له) أي للعام (2) (قوله:

و لا لها) أي و لا للأفراد (3) (قوله: نعم ربما يوجب) يعني قد يتفق أن لحاظ الخاصّ يلازم لحاظ العام بنفسه بلحاظ مباين للحاظه نظير الدلالة الالتزامية، أو يقتضي لحاظ العام بوجهه فيكون دخل لحاظ الخاصّ في لحاظ العام كونه محدداً لوجه العام كما إذا نظرت شبحاً فوضعت اللفظ لنوعه فان نوعه ليس ملحوظا بنفسه بل بوجهه و هو عنوان النوع إلا أن عنوان النوع لما كان أعم من نوع الشبح و نوع غيره و العام قد عرفت انه لا يكون وجها للخاص بنفسه احتيج في تقييد عنوان النوع ليكون وجها لنوع الشبح إلى ملاحظة الشبح الخارجي في المثال، فتصور الخاصّ- و ان كان دخيلا في تصور نوعه- إلا انه بالكيفية المذكورة أعني كونه محدداً لوجه نوعه لا كونه وجهاً لنوعه، و منه يظهر أن من أثبت قسما رابعاً-

22

أن حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما في الأسماء، و ذلك لأن الخصوصية المتوهمة ان كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئياً خارجياً فمن الواضح ان كثيراً ما لا يكون المستعمل فيه كذلك، بل كلياً و لذا التجأ

ممثلا له بمثال الشبح- لم يُثبت قسما رابعاً للمقسم في كلام النافين، إذ هم منعوا من كون الخاصّ وجهاً للعام لا كونه محدداً لوجه فلعل النزاع في ثبوت القسم الرابع لفظي (1) (قوله: و ذلك لأن الخصوصية) من المعلوم أن الوضع و الاستعمال إنما يتعلقان بالصور الذهنية لا الخارجية إذ قد لا يكون المعنى خارجياً أصلا فضلا عن أن يكون جزئياً فالترديد في كلام المصنف (ره) لا بد ان يكون راجعاً إلى أن الصور الذهنية التي تستعمل فيها الحروف إن كان المراد من كونها جزئية انها حاكية عن الجزئيات الخارجية يلزم ما ذكر من المحذور، و ان كان المراد أنها حاكية عن الجزئيات الذهنية فتكون الصور المستعمل فيها الحروف معقولات ثانوية ففيه أيضا ما ذكره (2) (قوله: كذلك) يعني جزئياً، بل يكون كليا كما في قولك: سر من البصرة إلى الكوفة، فان الابتداء و الانتهاء المقيد بهما السير ليسا جزئيّين لعدم تحقق السير المقيد بهما ليتشخّصا (أقول): المعاني الحرفية إضافات اعتبارية فجزئيتها بجزئية الاعتبار و حينئذ لا بد أن تكون جزئية و الجامع بينها و ان كان كلياً إلّا انه لا يحكي عنها بما أنه معنىً حرفي فمن و إلى في المثال المذكور حاكيتان عن شخص إضافة قائمة بين السير و البصرة، و شخص آخر قائم بينه و بين الكوفة لا عن الكلي الجامع بين الإضافات المتماثلة، فانه و ان كان عنوانا كلياً إلا انه ليس مدلولًا عليه بمن و إلى بل بمثل الابتداء و الانتهاء (و لا بأس) بالإشارة إلى معنى الحرف فنقول: اشتهر تعريف الحرف بأنه ما دل على معنىً في غيره، و بأنه ما دل على معنىً غير مستقل بالمفهومية، و توضيح المراد منهما هو أن تصور الأمور المتكثرة (تارة) بنحو لا يكون بينها ربط كما لو سمعنا قائلا يقول: ثوب، تمر، جبل، زيد، فان مفاهيم الألفاظ المذكورة تحضر في الذهن بلا ربط لبعضها ببعض (و أخرى) بنحو يكون بينها ربط خاص كما إذا سمعنا القائل يقول:

23

..........

زيد قائم، فان مفهوم كل من زيد و قائم يحضر في الذهن على ربط خاص يعبَّر عنه في كلامهم بالنسبة الحملية، و كما إذا سمعنا قوله: قام زيد، فان مفهوم كل من قام و زيد يحضر في الذهن على ربط خاص يعبر عنه بالنسبة الصدورية مثلا، و هكذا الحال في جميع الجمل فان لمفرداتها ارتباطا خاصا فيما بينها ربما يعبر عنه بعبارة تخصه، و ربما لا يكون كذلك، و هذا الربط اعتبار محض يكون تحت لحاظ الذهن إلا أنه يختلف لحاظه مع لحاظ كل من طرفيه، فان كلًا من زيد، و قائم في المثال الأول ملحوظ في نفسه في قبال صاحبه و ليس كذلك حال الربط فانه ملحوظ تبعاً لا استقلالًا، و نظيره في المحسوسات أن تنظر إلى نقطة في الكتاب فتقول:

هي أحسن من غيرها، فانك في حال النّظر إلى النقطة ترى ما حولها من الكلمات و السطور، و لكنَّ النظرين يختلفان فان نظر النقطة أصلي و نظر ما حولها تبعي، و كذلك حال الرّبط المعبر عنه بالإضافة و النسبة فان لحاظه ليس كلحاظ طرفيه بل لحاظه تبعي و لحاظهما أصلي، و هذا هو المراد من كونه غير مستقل بالمفهومية؛ و كذا كونه في غيره، فإذا المعنى الحرفي ما كان لحاظه تبعياً على النحو المذكور فلو لوحظ الربط المذكور بالأصالة و الاستقلال خرج عن كونه معنىً حرفياً و صار معنى اسمياً فلو قلت: نسبة القيام إلى زيد حملية أو صدورية، كان ما يحكي عنه لفظ النسبة معنىً اسمياً لا حرفيا بل المعنى الحرفي هو الربط الخاصّ القائم بين النسبة و القيام يعبر عنه بالنسبة الإضافية، و أوضح ما قيل في تعريفه: إنه ما يكون ملحوظاً بنحو لا يصح الحكم عليه و لا به، بخلاف الاسم فانه يكون ملحوظاً بنحو يصح الحكم عليه و به، و لعل هذا هو مراد المصنف (قده) في قوله: لوحظ حالة لمعنى آخر، و أنه في الذهن لا يكون إلا في مفهوم آخر كالعرض الّذي لا يكون في الخارج إلا في الجوهر لا ما قد يُتراءى من العبارة، و إلا فجميع النسب لا تكون في الذهن إلا كذلك و لو لوحظت بذاتها مستقلة- مع أنها بذلك تكون معاني اسمية قطعاً يصح الحكم عليها و بها ضرورةً، و كذا لعله أيضا مراد من قال: انه ما يكون عبرة لملاحظة حال الغير، و إلا فربما يكون المفهوم الاسمي آلة لملاحظة

24

بعض الفحول إلى جعله جزئياً إضافياً- هو كما ترى- و إن كانت هي الموجبة لكونه جزئياً ذهنياً

غيره كما في العناوين المرآتية مع أنها معان اسمية غاية الأمر أنها ما لوحظت بذاتها لذاتها، بل لوحظت بذاتها بنظر الاستطراق إلى غيرها، و المعنى الحرفي ليس كذلك بل يلحظ تبعاً لغيره بلا استطراق منه إليه «فإذا قلت»: سرت من البصرة، ف (من) حاكية عن الربط الخاصّ بين السير و البصرة المعبر عنه بالابتداء و هكذا الحال في سائر الحروف فانها أبدا حاكية عن الإضافات الخاصة الملحوظة حسبما ذكرناه «إذا عرفت» هذا نقول: إما أن تكون الحروف موضوعة لهذه الإضافات الخاصة الملحوظة على النحو الخاصّ سواء أ كان طرفاها جزئيين أم كليين أم مختلفين، أو للجامع بينها، و على الثاني فاما أن تكون مستعملة فيه أو في نفس تلك الإضافات الجزئية، المشهور هو الأول و الّذي عليه المصنف (قده) هو الثاني و الثالث حكاه المصنف (قده) و جعله توهماً «أقول»: أما دعوى الاستعمال في الكلي فليس عليها شاهد، بل هو على خلافها إذ المفهوم من الحروف دائما هو تلك الإضافات الجزئية لا الجامع بينها «و دعوى» أنها قد لا تكون جزئية (فيها) أن جزئية الإضافة بجزئية الاعتبار الحاصلة من تعين طرفي الإضافة في قبال العنوان الجامع بين الإضافات المتعددة، و ليست جزئيتها بتشخص خارجي لتكون كلية بكلية طرفيها فهي نظير مفهوم قولنا: المفهوم، فانه كلي و أفراده مفهوم زيد و مفهوم الإنسان، و نظير مفهوم المشار إليه فان أفراده كل ما يشار إليه سواء أ كان كلياً أم جزئياً «فدعوى» الاستعمال في الجامع (مساوقة) لدعوى كون لفظ الحرف حاكياً عن الجامع بين الإضافات و ليس كذلك ضرورة فان المفهوم منه هو الإضافات الخاصة لا غير. ثم بعد ما عرفت من كون الاستعمال في تلك الإضافات الخاصة لا مجال لدعوى كونها موضوعة للكليات لأنها حينئذ تكون مجازات بلا حقيقة و هو كما ترى (1) (قوله قده: بعض الفحول) حكي عن المحقق التقي في حاشيته (2) (قوله: و هو كما ترى) إذ المناقشة ترجع إلى‏

25

حيث أنه لا يكاد يكون المعنى حرفياً إلّا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر و من خصوصياته القائمة به و يكون حاله كحال العرض فكما لا يكون في الخارج إلا في الموضوع كذلك هو لا يكون في الذهن الا في مفهوم آخر، و لذا قيل في تعريفه بأنه ما دلّ على معنى في غيره، فالمعنى و إن كان لا محالة يصير جزئياً بهذا اللحاظ بحيث يباينه إذا لوحظ ثانياً كما لوحظ أولا و لو كان اللاحظ واحداً، إلا أن هذا اللحاظ لا يكاد يكون مأخوذاً في المستعمل فيه و إلا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة أن تصور المستعمل فيه مما لا بد منه في استعمال الألفاظ- و هو كما ترى- مع أنه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات لامتناع صدق.

التعبير. هذا و لكن عرفت معنى كونه جزئياً (1) (قوله: حيث أنه) بيان للخصوصية المقتضية لكونه جزئياً ذهنياً (2) (قوله: جزئياً بهذا اللحاظ) يعني جزئياً ذهنياً بواسطة أخذ اللحاظ قيداً فيه لأن اللحاظات وجودات ذهنية متباينة تباين الوجودات الخارجية (3) (قوله: مأخوذاً في المستعمل) كان الأنسب أن يقول: لأنه يتعذر الاستعمال فيه حينئذ و إلا لزم تعدد اللحاظ أحدهما المأخوذ في المستعمل فيه و الآخر مصحح الاستعمال (4) (قوله: و هو كما ترى) أولا من جهة تحقق الاستعمال للحروف في معانيها بلحاظ واحد بلا عناية أصلًا و ثانياً بأن اللحاظين ان كانا موجودين في آن واحد لزم اجتماع المثلين- و هو ممتنع- و ان كانا موجودين في آنين ففي آن اللحاظ الاستعمالي لا لحاظ للمعنى الحرفي بالنحو المميز له عن الاسم، و قد يستشكل بأن الاستعمال في المعنى الملحوظ لا يوجب تعدد اللحاظ إذ الاستعمال كالوضع انما يتوقف على تصور المستعمل فيه و هو المعنى الملحوظ نظير تصور الكلي العقلي بمعنى إحضار صورة الموجود الذهني و لا يتوقف على إحضاره أولا ثم إحضاره ثانياً «و فيه» أن ذلك خلف لكون المفروض أن الاستعمال في الموضوع له و هو نفس المعنى الملحوظ حال الاستعمال لا الملحوظ آناً ما فلا بد في مقام الاستعمال من تحقق لحاظين فيرجع الإشكال. نعم‏

26

الكلي العقلي عليها حيث لا موطن له الا الذهن فامتنع امتثال مثل: سر من البصرة، إلا بالتجريد و إلغاء الخصوصية. هذا مع أنه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلا كلحاظه في نفسه في الأسماء، و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبراً في المستعمل فيه فيها كذلك ذاك اللحاظ في الحروف كما لا يخفى (و بالجملة): ليس المعنى في كلمة (من) و لفظ الابتداء مثلًا إلا الابتداء، فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه و مستقلا كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيره و آلة، و كما لا يكون لحاظه فيه موجباً لجزئيته فليكن كذلك فيها «إن قلت»: على هذا لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى (و لازم) ذلك كون مثل كلمة (من) و لفظ الابتداء مترادفين صح استعمال كل منهما في موضع الآخر و هكذا ساير الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها و هو باطل بالضرورة كما هو واضح «قلت»: الفرق بينهما إنما هو في اختصاص كل منهما بوضع حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره- كما مرت الإشارة إليه غير مرة- فالاختلاف بين الاسم و الحرف في الوضع يكون موجباً لعدم جواز استعمال‏

يمكن أن يستشكل فيه بأن اللحاظ المأخوذ قيداً فيه متعلق بالأمر الاعتباري أعني نفس الإضافة، و اللحاظ المصحح للاستعمال متعلق بالوجود الذهني و هما متغايران فلا مانع من اجتماعهما من حيث كونهما مثلين لتغاير متعلقهما. نعم اللحاظ الأول لما كان فانياً في الملحوظ الاعتباري امتنع أن يكون موضوعاً للحاظ ثانياً لأنه لا يكون كذلك حتى يلحظ مستقلا، فتأمل (1) (قوله: الكلي العقلي) كان الأولى أن يقول: الجزئي الذهني؛ لأن المعنى الحرفي في نفسه ليس كلياً طبيعياً، و لو كان لا يكون بقيد وجوده الذهني كلياً عقلياً، لأن الكلي العقلي هو الطبيعي المقيد بوصف الكلية و تقييده باللحاظ غير وصف الكلية فلاحظ (2) (قوله: إلا بالتجريد) تجريده إنما يكون بملاحظته خارجياً و إلا فالكلي العقلي لا ينطبق على الخارج (3) (قوله: حيث انه وضع الاسم) هذا الاختلاف اختلاف في‏

27

أحدهما في موضع الأخر و ان اتفقا فيما له الوضع، و قد عرفت بما لا مزيد عليه أن نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته و مقوماته. ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر و الإنشاء أيضا كذلك فيكون الخبر موضوعاً ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه و الإنشاء ليستعمل في قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل. ثم إنه قد انقدح مما حققناه أنه يمكن أن يقال: إن المستعمل فيه في مثل أسماء الإشارة و الضمائر أيضا عام و أن تشخصه إنما نشأ من قِبل طور استعمالها.

غاية الوضع لا في الموضوع له فلا يدفع الإشكال «فالتحقيق»: ما عرفت من أن الحرف موضوع لتلك الإضافات المتعينة بتعين طرفيها، و الاسم موضوع للمفاهيم الكلية و عدم صحة استعمال أحدهما في مقام الآخر لأجل توقفه على ملاحظة المناسبة الموقوفة على ملاحظة المعنيين مستقلا فيخرج المعنى الحرفي عن كونه كذلك، و التجوز فيما بينهما ان كان فهو بملاحظة المناسبة بين متعلقاتها (1) (قوله: إرادة المعنى) يعني الإرادة الاستعمالية التي هي لحاظ المعنى فانيا فيه اللفظ.

(الخبر و الإنشاء) (2) (قوله قده: في الخبر و الإنشاء أيضا) الخبر في الاصطلاح هو الكلام الّذي يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، و الإنشاء كلام ليس لنسبته خارج كذلك، و كلاهما قسمان من المركب التام و هو ما يصح الاكتفاء به في مقام الإفهام و يقابله الناقص. ثم إن المفهوم على قسمين حقيقي و اعتباري «و الأول» لا يقبل ورود الإنشاء عليه بلا ريب، بل وجوده تابع لوجود علته سواء أ كان جوهراً أم عرضاً، و كذا ما كان من الإضافات التي تكون لطرفيها هيئة كالفوقية و التحتية فانه لا يتوهم كونه مورداً للإنشاء بل اعتباره من منشأ معين يخصه،

28

..........

و اما الإضافات التي لا تكون كذلك فهي التي يدَّعى كونها مورداً للإنشاء بمعنى أنها تعتبر من مجرد الإنشاء بلا حاجة إلى أمر آخر و قد يكون منشأ اعتبارها غيره كالإتلاف الّذي يكون منشأ لاعتبار الضمان، و موت الموروث الّذي يكون منشأ لاعتبار ملك الوارث لتركته و غير ذلك من الأسباب العرفية و الشرعية. نعم لا يبعد القول بأن الأمور الاعتبارية التي يُدعى كونها مورداً للإنشاء أمور حقيقية تكون مورداً للإنشاء الادعائي فيكون إنشاؤها من قبيل الإنشاء الادعائي للأمر الحقيقي لا من قبيل الإنشاء الحقيقي للأمر الاعتباري، و المصحح لهذا الادعاء هو المصحح لاعتبارها فمنشأ اعتبارها ليس هو الإنشاء، بل هو مصحح ادعاء إنشائها، مثلا القضاوة التي يدعى اعتبارها من مجرد إنشاء السلطان الّذي بيده الأمر ليس المصحح لاعتبارها نفس إنشائها بل المصحح التزام السلطان بتنفيذ قضاء من جُعلت له فإذا التزم السلطان بتنفيذ قضاء زيد صح اعتبار كونه قاضياً، و لو قال: جعلتك قاضياً، و لم يلتزم بذلك أو التزم برد قضائه لا يصح اعتبار كونه قاضياً، فدوران الاعتبار و عدمه مدار الالتزام و عدمه كاشف عن ان الإنشاء مما لا دخل له في اعتبارها، و اما إنشاء القضاوة فهو من أجل تحقق الالتزام النفسيّ المصحح لادعاء كونه قاضياً، و منه يظهر أن إنشاء الطلب، و الوجوب، و البعث، و الزجر، و الكراهة، و الإلزام، و كثير من عناوين العقود و الإيقاعات من الطلاق، و النكاح، و الصلح، و الرهن، و المساقاة، و المزارعة و الإجارة، و الوديعة؛ و الوقف؛ إلى غير ذلك من قبيل الإنشاء الادعائي للأمر الحقيقي لا من قبيل الإنشاء الحقيقي لأمر اعتباري «و كيف كان» فإنشاء هذه العناوين و نحوها قد يكون بصيغ تخصه كصيغ الأمر التي هي مستعملة في إنشاء المادة على التحقيق، و مثلها صيغ النهي، و قد يكون بصيغ يشترك فيها الخبر فيتوقف دلالتها عليه على القرينة كصيغ العقود و الإيقاعات التي هي بهيئة الماضي أو المضارع أو الخبر، و لعل منها صيغة النهي أعني: لا تفعل، و حينئذ يقع الكلام في أنها إنشاءً موضوعة لنفس معناها إذا استعملت خبراً فالمعنى الموضوع‏

29

حيث أن أسماء الإشارة وُضعت ليشار بها إلى معانيها

له في (بعت) إنشاءً و خبراً واحد، و الاختلاف جاء من قبل الاستعمال من حيث قصد الحكاية أو قصد الإيجاد- كما لم يستبعده المصنف- أو أنها موضوعة للجامع بين المعاني المقصود إيجادها، و الخبر موضوع للجامع بين المعاني المقصود حكايتها عن الواقع، أو انها موضوعة للمعاني الجزئية؛ لأن المنشأ موجود بالإنشاء فيكون جزئياً؟ أقوال أو وجوه، و يُبطل الأخير أن الجزئية الآتية من قبل الإنشاء يمتنع أن تؤخذ في المنشأ، و يبطل الثاني لزوم تعدد الوضع بلا مقتض فيتعين الأول. هذا في الصيغ المشتركة؛ و أما المختصة فلا مجال للكلام فيها. نعم لدعوى وضعها للجزئيات مجال لكن عرفت انه محال و لعله إلى هذا أشار بقوله فتأمل (1) (قوله: حيث أن أسماء الإشارة) لا ينبغي التأمل في أن الإشارة التي يُتوهم دخلها في معنى أسماء الإشارة هي الإشارة الذهنية إلى ما هو متعين عند المخاطب بنحو يكون كالمتعين الخارجي بالإشارة الخارجية الحسية لا الإشارة الخارجية؛ و إلا فكثيراً ما تستعمل في معانٍ لا يشار إليها خارجاً، بل يمتنع أن يشار إليها كذلك بلا عناية في استعمالها كذلك، بل هو كاستعمالها في المشار إليه خارجاً. نعم التعين اللازم في معانيها المتوقف عليه الإشارة المذكورة قد يكون مستنداً إلى الإشارة الخارجية كما قد يكون مستندا إلى تقدم ذكره في كلام المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، و لأجل ذلك صارت معدودةً في المعارف كالمعرف باللام و المضاف، و منه يظهر أن المراد من كونها موضوعة للجزئيات أنها موضوعة لجزئيات مفاهيمها الكلية أعني جزئيات المفرد المذكر المشار إليه أو المؤنث أو الجمع أو غير ذلك سواء أ كانت جزئيات في نفسها أم كليات لما عرفت من صحة الإشارة إلى ما ليس جزئيا حقيقاً خارجيا بلا تصرف و لا عناية، و على هذا تشكل دعوى أنها موضوعة للمعنى العام كما ذكر المصنف (ره) إذ لا يفهم منها ذلك و لا تحكي عنه في الاستعمالات الجزئية لا بنفسه و لا مرآة للفرد بل‏

30

و كذا بعض الضمائر، و بعضها ليخاطَب بها المعنى، و الإشارة و التخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى (فدعوى) أن المستعمل فيه في مثل هذا، أو هو، أو إياك، إنما هو المفرد المذكر، و تشخصه إنما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ إليه، فان الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون الا إلى الشخص أو معه (غير مجازفة) فتلخص مما حققناه أن التشخص الناشئ من قِبَل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه سواء كان تشخصاً خارجيا كما في مثل أسماء الإشارة أو ذهنياً كما في أسماء الأجناس، و الحروف، و نحوهما من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف و أسماء الأجناس، و لعمري هذا واضح، و لذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصاً في الحرف عين و لا أثر،

المحكي بها نفس المعنى المتعين بالإشارة «و ملاحظة» موارد الاستعمال كافية في الشهادة بما ذكرنا كيف و لعل استعمالها في المفهوم الكلي بأن يراد من لفظ (هذا) مفهوم المفرد المذكر المشار إليه ليس من الاستعمالات الصحيحة. نعم يصح استعمالها فيه بما انه مفهوم متعين يصح الإشارة إليه كما يشار إلى غيره من المفاهيم المتعينة ثم ان الكلام في الضمائر و الموصولات هو الكلام في اسم الإشارة بعينه فتأمل جيداً (1) (قوله: و كذا بعض) كضمير الغائب لكن كون المراد من الإشارة فيه الإشارة الذهنية مما لا ينبغي التأمل فيه (2) (قوله: يستدعيان التشخص) قد عرفت ان الإشارة الذهنية لا تستدعي التشخص و انما الّذي يستدعيه هو الإشارة الخارجية غير المعتبرة في استعمال أسماء الإشارة (3) (قوله: إلى الشخص أو معه) (الأول) راجع إلى الإشارة (و الثاني) راجع إلى التخاطب (4) (قوله: كما في مثل أسماء) كيف تصح دعوى كون تشخص المشار إليه آتيا من قبل الاستعمال مع أنه أمر حقيقي يتوقف عليه الاستعمال بناءً على اعتبار الإشارة الخارجية فتأمل (5) (قوله: و نحوهما) من جميع المعاني الكلية إذ الاستعمال لا بد فيه من لحاظ المعنى من دون فرق بين كون المستعمل فيه كليا أو جزئيا و هذا اللحاظ هو الموجب‏

31

و إنما ذهب إليه بعض من تأخر، و لعله لتوهم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه، و الغفلة عن أن قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكاد يكون من شئونه و أطواره، و إلا فليكن قصده بما هو هو و في نفسه كذلك، فتأمل في المقام فانه دقيق و قد زل فيه اقدام غير واحد من أهل التحقيق و التدقيق‏

(الثالث) صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وُضع له‏

هل هو بالوضع أو بالطبع؟ وجهان، بل قولان أظهرهما أنه بالطبع، بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه و لو مع منع الواضع عنه، و باستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه، و لا معنى لصحته إلا حسنه، و الظاهر أن صحة استعمال اللفظ في نوعه أو مثله من قبيله كما تأتي الإشارة إلى تفصيله‏

(الرابع) لا شبهة في صحة إطلاق اللفظ و إرادة نوعه به‏

كما إذا قيل: ضرب مثلا فعل ماض أو صنفه كما إذا قيل: زيد في (ضرب زيد) فاعل، إذا لم يُقصد به شخص القول،

للجزئية الذهنية (1) (قوله: و إنما ذهب إليه) قد عرفت أنه الظاهر من الاستعمالات العرفية في الحروف و الضمائر و أسماء الإشارة و الموصولات. نعم لو لا ذلك كان المتعين القول بان الموضوع له فيها عام حيث يدور الأمر بين ان يكون كذلك و ان يكون خاصاً إذ الثاني يحتاج إلى عناية لا داعي إليها و اللَّه سبحانه أعلم (2) (قوله:

لتوهم كون) بل لما عرفت مما لا مجال لدعوى غيره (3) (قوله: بل قولان) المحكي عن الجمهور هو الأول لكنه نوعي و لم يتضح وجهه غير القياس على الحقيقة و في إثبات مثله لذلك و لا سيما مع الفارق لتوقف الحقيقة على الوضع و الاكتفاء بالمناسبة في المجاز و هي ذاتية منع واضح (4) (قوله: من قبيله) يعني بالطبع (5) (قوله: كما إذا قيل) في كونه من المستعمل في نوعه تأمل إذ المحكي به اللفظ الدال على الحدث و لا ينطبق على الحاكي كما سيظهر من آخر عبارة المتن، و لو قال بدله: ضرب كلمة، لكان أجود، و كذا الحال في المثال الثاني و لو قال بدله: زيد في ضرب مرفوع، لكان مما استعمل في‏

32

أو مثله ك (ضرب) في المثال فيما إذا قصد، و قد أشرنا إلى ان صحة الإطلاق كذلك و حسنه إنما كان بالطبع لا بالوضع، و إلا كانت المهملات موضوعة لذلك لصحة الإطلاق كذلك فيها، و الالتزام بوضعها كذلك كما ترى، و أما إطلاقه و إرادة شخصه كما إذا قيل: زيد لفظ، و أريد منه شخص نفسه ففي صحته بدون تأويل نظر، لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول أو تركب القضية من جزءين- كما في الفصول- بيان ذلك أنه إن اعتبر دلالته على نفسه حينئذ

صنفه (1) (قوله: أو مثله) معطوف على نوعه و صنفه (2) (قوله: كضرب) تمثيل لما استعمل في مثله يعني كما إذا قيل: ضرب فعل ماض، و يقصد شخص (ضرب) الواقع في (ضرب زيد) فانه شخص مماثل له (3) (قوله: و قد أشرنا) يعني في الأمر الثالث (4) (قوله: صحة الإطلاق) أما الدلالة فهي بالقرائن الحالية أو المقالية (5) (قوله: كما ترى) يعني يلزم خلف المفروض إلا أن يكون المراد بالمهمل ما لم يوضع لمعنى غير سنخ لفظه و لازمه نفي المهمل مطلقاً بل كون الألفاظ مشتركة بين المعنى الموضوع له و بين سنخ اللفظ و ذلك ما لم يقل به أحد- كما في الفصول- و العمدة انه لا حاجة إلى الوضع لمثل هذه المعاني بعد صحة الاستعمال ضرورة جواز ان يخترع الواضع لفظاً و يقول: أضع هذا اللفظ لمعنى كذا، فيستعمل اللفظ قبل وضعه لمعنى في نوعه أو صنفه و لا ريب في صحته (6) (قوله: بدون تأويل) قد يشعر بجواز إرادة شخصه مع التأويل بان يكون المراد من قوله: زيد لفظ، زيد هذا اللفظ لفظ؛ فيكون الموضوع مقدراً لكن هذا كله ليس من إرادة شخص اللفظ من اللفظ بل عدم إرادة شي‏ء منه (7) (قوله: لاستلزامه اتحاد الدال) فان قلت: أي مانع من اتحاد الدال و المدلول (قلت): الدال بمعنى فاعل الدلالة لا مانع من اتحاده مع المدلول كما تقول:

أنا قمت: أما الدال بمعنى الحاكي الفاني في المدلول فيمتنع اتحاده معه لأن الدال ملحوظ باللحاظ الآلي و المدلول ملحوظ باللحاظ الاستقلالي و يمتنع اجتماع اللحاظين لشي‏ء واحد

33

لزم الاتحاد و إلّا لزم تركبها من جزءين لأن القضية اللفظية على هذا إنما تكون حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين- مع امتناع التركيب إلا من الثلاثة، ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين (قلت): يمكن أن يقال: إنه يكفي تعدد الدال و المدلول اعتبارا و إن اتحدا ذاتا؛ فمن حيث انه لفظ صادر عن لافظه كان دالا، و من حيث أن نفسه و شخصه مراده كان مدلولا- مع أن حديث تركب القضية من جزءين لو لا اعتبار الدلالة في البين إنما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه و إلّا كان أجزاؤها الثلاثة

(1) (قوله: لزم الاتحاد) يعني بين الدال و المدلول (2) (قوله: ضرورة استحالة) و عليه فتمتنع الحكاية عن النسبة لأنها لا تقوم بطرف واحد (3) (قوله: يكفي تعدد الدال) يعني أن شخص اللفظ و ان كان واحدا ذاتا إلا انه متعدد بالاعتبار فانه بلحاظ كونه صادراً عن اللافظ غيره بلحاظ كونه مراداً له فهو باللحاظ الأول دال و باللحاظ الثاني مدلول فلا يتحد الدال و المدلول (أقول): حيثية كونه صادراً من اللافظ لا تتقوَّم بها صفة الدالية لأن الدلالة اللفظية انما تكون باللفظ من حيث هو، و كذا المدلولية لا تتقوم بحيثية كونه مرادا للافظ لأن المحكي باللفظ ذات المعنى و لو مع عدم كونه مراداً كما سيأتي- مع أنه لو فرض كون الحيثيتين المذكورتين دخيلتين في الدلالة فالذات لا تكون خارجة عن كونها دالة و مدلولًا عليها إذ لا مجال لتوهم كون الحيثية الأولى تمام موضوع الدالية، و الحيثية الثانية تمام موضوع المدلولية ليتعدد الموضوع ذاتا أيضا و مجرد التعدد بالحيثيات مع اشتراك ذات واحدة بينهما موجب لاجتماع اللحاظين الآلي و الاستقلالي (4) (قوله: كان أجزاؤها الثلاثة) توضيح ذلك ان القضية الذهنية لا بد ان تكون أجزاؤها ثلاثة، موضوع و محمول و نسبة بينهما؛ لامتناع تقوم النسبة بطرف واحد، إلا ان الحاكي عنها قد يكون لفظاً أو كتابةً أو إشارةً و قد يكون صورة خارجية كما لو صورت أسدا مفترساً رجلًا فوضعته على قبر لتحكي أن الميت‏

34

تامة و كان المحمول فيها منتسباً إلى شخص اللفظ و نفسه غاية الأمر انه نفس الموضوع لا الحاكي عنه، فافهم فانه لا يخلو عن دقة، و على هذا ليس من باب استعمال اللفظ بشي‏ء، بل يمكن أن يقال: إنه ليس أيضا من هذا الباب ما إذا أطلق اللفظ

افترسه سبع، و قد يكون مؤلفا من سنخين من المذكورات كما لو أومأت إلى شخص فقلت: صديقي، و نحوه من أنحاء التأليف، و تشترك جميع هذه الأنواع في كون الحاكي فيها غير المحكي خارجاً و ذهنا فانيا فيه فناء الحاكي في محكيه، و قد يكون بعض أجزاء القضية غير محتاج إلى حاكٍ يحكي عنه لحضور صورته في الذهن بتوسط وقوع الحس على وجوده الخارجي و يكون الجزء الآخر للقضية لفظاً كما ترى الحاسب للحيوانات أو غيرها يقول- كلما مرّ به واحد منها-: واحد، اثنان، ثلاثة، فان القضية الأولى يحكيها الفرد الخارجي من الغنم مثلا مع قول الحاسب:

واحد، و الثانية يحكيها الفردان من الغنم مع قوله: اثنان، و هكذا و قد يكون الجزء الآخر كتابة كما ترى الجندي مكتوبا على (قلنسوته) اسم منصبه فتكون القضية مركبة من جزء بنفسه حاكٍ عن نفسه و جزء آخر محكي بالكتابة، و قد يكون بتوسط لفظ حاكٍ عنه في كلام غير المتكلم كما إذا قيل: من هذا، فتقول:

زيد، فان (زيد) خبر عن المشار إليه الحاكي عنه اسم الإشارة في كلام السائل، و لا حاجة في أمثال هذه المقامات إلى التقدير، و منها موارد حذف الفعل و الفاعل و المبتدأ و الخبر و الأفعال المستتر فيها الضمير وجوباً، و التقدير في كلام النحاة في أمثال هذه المقامات من باب المحافظ، على قواعد الفن، ففي المقام نقول: إذا قال: زيد لفظ، و لم يقصد من زيد معنىً و قصد حمل اللفظ عليه فهو قضية مؤلفة من وجود الموضوع خارجا الموجب لحضور صورته ذهناً و لفظ المحمول، هذا في القضية الحاكية أما القضية الذهنية فإجزاؤها الثلاثة تامة و ليس هذا من استعمال لفظ في معنىً و لا من اتحاد الدال و المدلول، بل من باب إيجاد شي‏ء بقصد إحضار صورته في الذهن لتكون موضوعا للقضية الذهنية

35

و أريد به نوعه، أو صنفه، فانه فرده و مصداقه حقيقة لا لفظه و ذاك معناه كي يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ في المعنى؛ فيكون اللفظ نفس الموضوع الملقى إلى المخاطب خارجاً قد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك و قد حكم عليه ابتداء بدون واسطة أصلا لا لفظه كما لا يخفى فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى، بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلي اللفظ لا بما هو خصوص جزئيه. نعم فيما إذا أريد به فرد آخر مثله كان من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، اللهم إلا ان يقال:

إن لفظ (ضرب) و ان كان فرداً له إلّا انه إذا قصد به حكايته و جُعل عنوانا له و مرآته كان لفظه المستعمل فيه، و كان حينئذ كما إذا قصد به فرد مثله (و بالجملة) فإذا أطلق و أريد به نوعه كما إذا أريد به فرد مثله كان من باب استعمال اللفظ في المعنى و إن كان فرداً منه و قد حكم في القضية بما يعمه، و إن أطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليه و مصداقه لا بما هو لفظه و به حكايته فليس من هذا الباب لكن الإطلاقات المتعارفة ظاهراً ليست كذلك كما لا يخفى و فيها ما لا يكاد يصح ان يراد منه ذلك مما كان الحكم في القضية لا يكاد يعم شخص اللفظ كما في مثل ضرب فعل ماض‏

(الخامس) لا ريب في كون الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي لا من حيث هي مرادة للافظها

لما عرفت بما لا مزيد عليه من أن قصد المعنى‏

(1) (قوله: بل يمكن ان يقال) هذا خلاف الظاهر من أمثال هذه الاستعمالات (2) (قوله: بما هو مصداق لكلي) لا يخفى أن الحكم على الشي‏ء بما هو مصداق كليه و ان كان لا يخرج عن كونه حكما على الشخص و لأجله تكون القضية شخصية لكن الحكم المذكور يدل بالالتزام على ثبوت الحكم للكلي (3) (قوله: اللهم إلّا ان يقال) استدراك على قوله: بل يمكن أن يقال ... إلخ (4) (قوله: إذا قصد به) قد عرفت أنه الظاهر من هذه الاستعمالات كما سيأتي منه (5) (قوله: و فيها ما لا يكاد ... إلخ) قد أشرنا إلى ان الحكم في المثال ليس حكما على النوع فكلما كان حكما على النوع‏

36

على أنحائه من مقوِّمات الاستعمال فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل و الإسناد في الجمل بلا تصرف في ألفاظ الأطراف- مع انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة أن المحمول على زيد في زيد قائم‏

يجوز فيه الأمر ان بلا خلف نعم يمتنع شمول الحكم لنفس اللفظ لأنه ملحوظ باللحاظ الآلي فيمتنع ان يكون للحكم إطلاق يشمله نظير قوله: كل خبري كاذب، (1) (قوله: فلا يكاد يكون ... إلخ) لما تقدم من لزوم تعدد اللحاظ و عدم الانطباق على الخارج و لا يرد إشكال التفكيك بين الاسم و الحرف لعدم اختصاص الدعوى في المقام بنوع دون نوع هذا لو أريد أنه موضوع للمراد الذهني بما هو كذلك و لو أريد أنه موضوع للمعنى الواقعي الّذي له مطابق ذهني لم يرد عليه إشكال عدم الانطباق على الخارج لجواز انطباق المعنى المذكور على الخارج إذا كان له مطابق في الذهن. هذا كله لو كان المراد من الإرادة المتوهم أخذها في الموضوع له الإرادة الاستعمالية التي هي لحاظ المعنى فانيا فيه اللفظ كما هو مقتضى الجمود على ظاهر تحرير محل النزاع هنا و في الفصول و لو أريد من الإرادة تفهيم إرادة المعنى التي هي علة الاستعمال يرد عليه نظير الإشكال الأول أعني لزوم تعدد الإرادة لو أريد استعماله فيما وضع له- مضافا- إلى أن إرادة تفهيم المعنى علة للوضع للمعنى نفسه فلو وضع للمعنى المقيد بالإرادة لزم انفكاك المعلول عن علته و هذا الإشكال يرد في الحروف لو أخذ اللحاظ قيدا في معانيها و كذا يرد هنا على تقدير إرادة المعنيين السابقين (2) (قوله: ضرورة صحة الحمل) لم يورد هذا الإيراد في معاني الحروف لأنها لا تقع طرفا للنسبة الحملية و صورة القياس المؤلف من مقدمات هذا الإشكال هكذا: لو كانت الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة لم يصح الإسناد و الحمل بلا تصرف، لكنه يصح كل منهما بلا تصرف، فليست موضوعة للمعاني المرادة، أما المقدمة الأولى فظاهرة لأن المعاني المرادة جزئيات ذهنية، لما عرفت من معنى الإرادة الاستعمالية، و الجزئيات الذهنية لا يصح اسناد مثل (قام) إليها سواء

37

و المسند إليه في ضرب زيد، مثلا هو نفس القيام و الضرب، لا بما هما مراد ان- مع أنه يلزم كون وضع عامة الألفاظ عاماً و الموضوع له خاصاً لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة فيه كما لا يخفى و هكذا الحال في طرف الموضوع‏

أ كان المراد منه القيام الخارجي أم الذهني لعدم النسبة، و كذا لا يصح حمل بعضها على بعض لتباينها فالإسناد إليها و الحمل عليها يتوقف على التصرف فيها بملاحظتها خارجية و هذا تجريد لها عن قيد اللحاظ، و أما أنه يصح الحمل و الإسناد بلا تصرف فلضرورة صدق قولنا: ضرب زيد، و زيد قائم، بلا تصرف و لا عناية فتصدق النتيجة، و يمكن أن يقرر الإشكال بنحو آخر فيقال: لا ريب في أن قول القائل: ضرب زيد أو زيد قائم إنما يراد به نسبة الضرب بما هو إلى زيد، و حمل القيام بما هو أيضا على زيد كذلك، كما لا ريب في كون الإسناد و الحمل المذكورين بلا تصرف و تجوز في الألفاظ فلا بد ان تكون الألفاظ موضوعة لنفس الذوات المذكورة بما هي هي لا بما هي مرادة، و عبارة المتن إلى التقريب الثاني أقرب و عليه يجري على جميع محتملات الإرادة بخلاف التقريب الأول فانه لا يجري إلا على الأول «و كيف كان» فقوله: مع أنه لو، من متممات الإشكال لا إشكال آخر (1) (قوله: و المسند إليه) معطوف على المحمول و الضمير المجرور راجع إلى زيد لا إلى الموصول (2) (قوله: مع انه يلزم كون ... إلخ) هذا إشكال آخر على القول المذكور «و وجه» اللزوم أن الموضوع له إذا كان المقيد بالإرادة تمتنع دعوى التقييد بمفهوم الإرادة ضرورة أنه لا يُفهم من اللفظ فلا بد أن يكون التقييد بالإرادات الجزئية فيكون الموضوع له خاصاً سواء أ كان من قبيل أسماء الأجناس أم من قبيل الأعلام أما الأول فلأن المعنى في نفسه و إن كان كلياً إلا أنه بعد تقييده بالإرادة يكون عين تلك الأفراد المقيدة، و أما الثاني فلأن المعنى في نفسه و إن كان جزئياً خارجاً لكن بعد تقييده بالإرادات‏

38

(و أما) ما حكي عن العلمين الشيخ الرئيس و المحقق الطوسي من مصيرهما إلى أن الدلالة تتبع الإرادة، فليس ناظراً إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة- كما توهمه بعض الأفاضل- بل ناظراً إلى أن دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقية: أي دلالتها على كونها مرادة للافظها، تتبع إرادتها منها، و تتفرع عليها تبعية

المتعددة المتباينة يتعدد و ينحل إلى المتباينات (1) (قوله: و أما ما حكي عن العلمين) بل حكي عن أكثر المحققين من علماء المعقول و المنقول (2) (قوله: فليس ناظراً إلى) قال بعض مشايخنا «قده» في كلام له في هذا المقام-: ليس للنزاع في كون الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة عين و لا أثر في كلام القدماء، و إنما حكي عن العلمين القول بأن الدلالة تتبع الإرادة فظن صاحب الفصول (ره) أنهما يقولان بأن الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة، انتهى ملخصاً (3) (قوله:

بعض الأفاضل) يعني صاحب الفصول لكن ظاهره نوع خاص منها فليلحظ، (4) (قوله: بل ناظرا إلى أن دلالة) توضيح ما ذكره المصنف (ره) في محمل كلام العلمين أن الكلام الصادر من المتكلم له دلالتان إحداهما الدلالة التصورية و هي دلالته على نفس المعنى التي هي عبارة عن خطوره و حضوره في الذهن (ثانيتهما) الدلالة التصديقية، و هي دلالته على أن المتكلم أراد من الكلام معناه (و الأولى) منهما لا تتوقف على إرادة المعنى بل و لا على الوضع كما في دلالته الالتزامية حيث لا يكون المدلول الالتزامي موضوعاً و لا مراداً للافظ، و كذا في اللفظ الصادر ممن لا شعور له، فان المعنى يخطر في البال بمجرد سماع اللفظ و لو علم بعدم إرادة اللافظ له (و أما) الثانية فهي التي تتوقف على الإرادة توقف العلم على المعلوم لتعلقها بالإرادة فكيف تكون بدونها فمراد العلمين من تبعية الدلالة للإرادة تبعية الدلالة الثانية لها و هو في محله «أقول»: قال الشيخ الرئيس في محكي الشفاء:

إن اللفظ بنفسه لا يدل البتة، و لو لا ذلك لكان لكل لفظ حق من المعنى‏

39

مقام الإثبات للثبوت، و تفرع الكشف على الواقع المكشوف، فانه لو لا الثبوت في الواقع لما كان للإثبات و الكشف و الدلالة مجال، و لذا لا بد من إحراز كون المتكلم بصدد الإفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه، و دلالته على الإرادة، و إلا لما كانت لكلامه هذه الدلالة و إن كانت له الدلالة التصورية: أي كون سماعه موجباً لإخطار معناه الموضوع له، و لو كان من وراء الجدار أو من لافظ بلا شعور و لا اختيار (إن قلت): على هذا يلزم أن لا يكون هناك دلالة عند الخطأ

لا يجاوزه، بل انما يدل بإرادة اللافظ ... إلى أن قال: فالمتكلم باللفظ المفرد لا يريد أن يدل بجزئه على جزء من معنى الكل ... إلى أن قال: و بالجملة فانه إن دل فانما يدل لا حين ما يكون جزءاً من اللفظ المفرد بل إذا كان لفظا قائما بنفسه، فاما و هو جزء فلا يدل على معنىً البتة. انتهى، و قال العلامة «ره» في جوهر النضيد في البحث عن إشكال انتقاض تعريفات الدلالات الثلاث بعضها ببعض فيما لو كان اللفظ مشتركاً بين الكل و الجزء أو اللازم: و لقد أوردت عليه- يعني المحقق الطوسي- «قدس روحه» هذا الإشكال، و أجاب بأن اللفظ لا يدل بذاته على معناه بل باعتبار الإرادة و القصد و اللفظ حينما يراد منه المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمني فهو انما يدل على معنى واحد لا غير و فيه نظر انتهى، و التأمل في كلامهما يقضي بأن المراد أن الدلالة على المعنى التي هي الدلالة التصورية تابعة للإرادة، بل كلام الثاني صريح في ذلك و لا سيما بملاحظة ظهوره في تبعية الدلالة الالتزامية للإرادة إذ من المعلوم ان الدلالة الالتزامية تصورية لا تصديقية (1) (قوله: مقام الإثبات) أي مقام العلم بالثبوت الواقعي (2) (قوله: و لذا لا بد) هذا لا يقتضي التفريع إذ الاحتياج إليه لأجل تحقق الظهور النوعيّ الصالح للدلالة فتأمل (3) (قوله: و دلالته) معطوف على إثبات (4) (قوله:

و لو كان من وراء الجدار) لو أبدله بقوله: و لو كان من الجدار، لكان أولى‏

40

و القطع بما ليس بمراد، و الاعتقاد بإرادة شي‏ء و لم يكن له من اللفظ مراد (قلت):

نعم لا يكون حينئذ دلالة، بل يكون هناك جهالة و ضلالة يحسبها الجاهل دلالة، و لعمري ما أفاده العلمان من التبعية على ما بيناه واضح لا محيص عنه، و لا يكاد ينقضي تعجبي كيف رضي المتوهم أن يجعل كلامهما ناظراً إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل فضلا عمن هو علم في التحقيق و التدقيق.

(السادس) لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات‏

ضرورة عدم الحاجة إليه بعد وضعها

(1) (قوله: و القطع بما) أي عند القطع بإرادة المتكلم ما ليس مراداً له في الواقع (2) (قوله: لا تكون حينئذ دلالة بل) أقول: إنكار تحقق دلالة اللفظ مع عدم الإرادة واقعاً أو مع العلم بعدمها مجال إشكال، فان سند الإنكار إن كان مقدمية وجود الإرادة واقعاً للدلالة (ففيه) أن الوجود الواقعي لا صلاحية فيه للمقدمية للوجود العلمي؛ و ان كان مقدمية العلم بالإرادة للعلم بالدلالة فهو- لو سلم لا يقتضي توقف الدلالة على الإرادة- مضافا إلى أن دلالة اللفظ على شي‏ء إرادة كان أو غيرها متقوِّمة بظهوره في المدلول، و من المعلوم تحقق الظهور للفظ و إن لم تكن إرادة في الواقع. نعم مطابقة الظهور للواقع موقوفة على الإرادة لكنه خارج عن محل الكلام، كما أن العلم الحقيقي بالإرادة ملازم للإرادة لكنه ليس من مقتضيات الكلام إذ العلم بالإرادة إنما يحصل من أسباب خاصة لا من نفس الكلام فلا وجه لدعوى دلالة الكلام على الإرادة بل اللازم نسبة الدلالة على الإرادة إلى تلك الأسباب الموجبة للعلم بها لا إلى الكلام فلاحظ، (3) (قوله: على ما بيناه واضح) قد عرفت أنه مشكل في نفسه، و أشكل منه حمل كلامهما عليه و التأمل في كلامهما يقتضي بأن مرادهما نفي الدلالة التصورية اللفظية التي هي اصطلاحا من عوارض اللفظ المستعمل في معنى (4) (قوله: لا وجه لتوهم وضع) كأنه لا إشكال في ثبوت وضع مواد المركبات و هيئاتها القائمة بالمركب‏

41

بموادها في مثل: زيد قائم، و: ضرب عمرو بكراً شخصياً، و بهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعياً، و منها خصوص هيئات المركبات الموضوعة لخصوصيات النسب و الإضافات بمزاياها الخاصة من تأكيد و حصر و غيرهما نوعياً، بداهة أن وضعها كذلك وافٍ بتمام المقصود منها كما لا يخفى من غير حاجة إلى وضع آخر لها بجملتها- مع استلزامه الدلالة على المعنى (تارة) بملاحظة وضع نفسها (و أخرى) بملاحظة وضع مفرداتها

أو بمفرداته و إنما الإشكال في ثبوت وضع للمركب بمادته و هيئته زائد على الوضعين المذكورين فالمحكي عن جماعة ذلك و قد أبطله المصنف (ره) بوجهين (أحدهما) لزوم اللغوية بالوضع إن كان بلا غرض أو تحصيل الحاصل إن كان بقصد التوصل إلى التفهيم لحصوله بالوضع الأول (و ثانيهما) لزوم الدلالة على المعنى مرتين إحداهما بملاحظة وضع المواد و الهيئات (و ثانيتهما) بملاحظة وضع المركب- مع أن الوجدان قاض بأنه ليس إلّا دلالة واحدة، و يمكن دفع (الأول) بصلاحية كل من الوضعين للمقدمية مع العلم به و لو مع الجهل بالآخر (و الثاني) بأن حكومة الوجدان بوحدة الدلالة لا تمنع من ثبوت وضعين لإمكان كونه من قبيل اجتماع علتين على معلول واحد فيستند الأثر إليهما أو إلى الجامع بينهما، فالعمدة في الإشكال على القول المذكور أنه قول بلا بيان و دعوى بلا برهان (1) (قوله:

بموادها) أي بمواد المركبات لا المفردات (2) (قوله: شخصياً) الوضع الشخصي ما يكون الموضوع فيه جامعاً بين أشخاص كلفظ زيد و النوعيّ ما يكون الموضوع فيه جامعاً بين أنواع كهيئة الفاعل المشتركة بين كثير من المواد مثل ضارب و قاتل و شارب ... إلى غير ذلك، و منه يظهر أن هيئات مفردات المركبات ليست داخلة في كلام المصنف (ره) في المفردات (3) (قوله: و بهيئاتها) معطوف على قوله: بموادها (4) (قوله: و منها) يعني من هيئات المركبات (5) (قوله:

نوعيا) مفعول مطلق لقوله: الموضوعة، على حذف الموصوف‏

42

و لعل المراد من العبارات الموهمة لذلك هو وضع الهيئات على حدة غير وضع المواد، لا وضعها بجملتها علاوة على وضع كل منهما.

(السابع) لا يخفى ان تبادر المعنى من اللفظ و انسباقه إلى الذهن من نفسه و بلا قرينة علامة كونه حقيقة فيه‏

بداهة أنه لو لا وضعه له لما تبادر (لا يقال):

كيف يكون علامة مع توقفه على العلم بأنه موضوع له- كما هو واضح- فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار (فانه يقال): الموقوف عليه غير الموقوف عليه،

(1) (قوله: و لعل المراد) لا ينبغي التأمل في كون ذلك هو المراد فلتلحظ عباراتهم (التبادر) (2) (قوله: و بلا قرينة) مقالية أو حالية و لو كانت مقدمات الحكمة (و منه) يظهر أن فهم الوجوب النفسيّ العيني التعييني من صيغة (افعل) لا يقتضي كونها حقيقة فيه لأن فهم ذلك بواسطة مقدمات الحكمة كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى (3) (قوله: لو لا وضعه له لما) التبادر عبارة عن انسباق المعنى من اللفظ بحيث يكون سماع اللفظ موجبا لحضور المعنى في الذهن و هذا الانسباق هو الدلالة التصورية و حينئذ يشكل ترتبه على الوضع أو العلم به (اما) على الأول فواضح (و اما) على الثاني فلأن حضور المعنى حاصل من جهة العلم بالوضع لا من جهة اللفظ نعم قد يترتب على العلم بالوضع الدلالة التصديقية المتقدم بيانها لكنها غير التبادر فلا يبعد إذاً أن يقال:

إن تبادر المعنى من اللفظ إنما يكون بتوسط الملازمة الذهنية بينهما الحاصلة من كثرة استعماله فيه سواء أ كان عن وضع اللفظ له أم مجازاً بقرينة حتى يبلغ حداً يوجب فهم المعنى عند سماع اللفظ فالتبادر دائما يكون علامة لهذه الملازمة الذهنية التي هي وضع تعيني لو لم يكن اللفظ قد وضع للمعنى (4) (قوله: مع توقفه على العلم) قد عرفت أنه لا يرتبط بالعلم بالوضع (5) (قوله: الموقوف عليه) يعنى العلم الموقوف على التبادر غير العلم الموقوف عليه التبادر فضمير (عليه) الأول‏

43

فان العلم التفصيليّ بكونه موضوعاً له موقوف على التبادر؛ و هو موقوف على العلم الإجمالي الارتكازي به لا التفصيليّ فلا دور هذا إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم و أما إذا كان المراد به التبادر عند أهل المحاورة فالتغاير أوضح من ان يخفى ثم إن هذا فيما لو علم استناد الانسباق إلى نفس اللفظ، و أما فيما احتمل استناده إلى قرينة فلا يجدي أصالة عدم القرينة في إحراز كون الاستناد إليه لا إليها- كما قيل- لعدم الدليل على اعتبارها الا في إحراز المراد لا الاستناد (ثم) إن عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم المرتكز في الذهن إجمالا

راجع إلى التبادر (و الثاني) راجع إلى الموصول المراد به العلم (1) (قوله: فان العلم التفصيليّ) العلم التفصيليّ بالوضع بمعنى التخصيص لا يحصل من مجرد التبادر لما عرفت من ان التبادر إنما يدل على الملازمة الذهنية الحاصلة من كثرة الاستعمال و لو عن تخصص لا على التخصيص نعم لو انحصر الوجه في الاستعمال بالتخصيص دل عليه (2) (قوله: و هو موقوف على) قد عرفت أنه لا يتوقف على العلم بالوضع بل هو مستحيل فتأمل؛ و إنما يتوقف عليه الدلالة التصديقية و لا فرق فيما ذكرنا بين تبادر المستعلم و غيره (3) (قوله: لعدم الدليل) تعليل لقوله: لا يُجدي ... إلخ يعني لا تجري أصالة عدم القرينة لإثبات كون التبادر من حاق اللفظ لأن الدليل ان كان أدلة الاستصحاب فهي مختصة بما إذا كان المستصحب حكما شرعياً أو موضوعا لحكم شرعي و ليس كذلك عدم القرينة، و إن كان بناء العقلاء- كما اشتهر من حجية الأصول المثبتة في الألفاظ لبناء العقلاء عليها- فذلك مسلم إلا أنه في غير المقام فان الشك في القرينة (تارة) يكون مع الشك في المعنى الحقيقي (و أخرى) مع الشك في المراد مع وضوح المعنى الحقيقي فان كان الشك من قبيل الثاني جرت أصالة عدم القرينة و ان كان من قبيل الأول- و منه المقام- لم تجر لعدم بناء العقلاء على جريانها، و لذا اشتهر أن الاستعمال أعم من الحقيقة (4) (قوله: إحراز المراد) يعني مراد المتكلم‏

44

عن معنى كذلك يكون علامة كونه حقيقة فيه، كما ان صحة سلبه علامة كونه مجازا في الجملة (و التفصيل) أن عدم صحة السلب عنه و صحة الحمل عليه بالحمل الأولي الذاتي الّذي كان ملاكه الاتحاد مفهوماً علامة كونه نفس المعنى و بالحمل الشائع الصناعي الّذي ملاكه الاتحاد وجوداً بنحو من أنحاء الاتحاد علامة كونه من مصاديقه و افراده [1] الحقيقية، كما أن صحة سلبه كذلك علامة أنه ليس منها و ان لم نقل بأن إطلاقه عليه من باب المجاز في الكلمة،

(صحة السلب) (1) (قوله: عن معنى كذلك) يعني كالتبادر يكون علامة الحقيقة (2) (قوله: في الجملة) متعلق بقوله: مجازاً، يعني صحة السلب علامة كونه مجازاً في الجملة إما في الكلمة- كما هو المشهور- أو في غيرها كما يراه السكاكي و يأتي تفصيله (3) (قوله: ملاكه الاتحاد) كما في حمل أحد المترادفين على الآخر مع الجهل بمعنى المحمول تفصيلا (مثلا) إذا شككنا في أن البشر هو الإنسان أو غيره نجعل البشر محمولا على الإنسان فنقول: الإنسان بشر، فان صح الحمل دل على كون البشر موضوعا للإنسان، و أما حمل الحد التام على المحدود فليس مما نحن فيه لأن الحد التام يجب أن يكون أجلى من المحدود لتتضح به حقيقته (4) (قوله: الاتحاد وجودا) كما في جميع موارد حمل الكلي على الفرد أو على كلي آخر (5) (قوله: علامة كونه) كما تقول: هذا البليد إنسان، لتعرف أن البليد من افراد الإنسان، أما مثل: زيد بشر، فليس داخلا في كلام المصنف (ره) إذ الشك فيه في مفهوم الكلي لا في فردية فرده (6) (قوله: و افراده الحقيقية) يعني حيث يكون الحمل بين الفرد و الكلي أما لو كان بين كليين فيدل الحمل على اتحادهما خارجا و ان اختلفا مفهوما و كان بينهما عموم من وجه كما أشار إليه‏

____________

[1] فيما إذا كان المحمول و المحمول عليه كليا و فردا لا فيما إذا كان كليين متساويين أو غيرهما كما لا يخفى. من الماتن (قدس سره)

45

بل من باب الحقيقة و ان التصرف فيه في أمر عقلي- كما صار إليه السكاكي- و استعلام حال اللفظ و أنه حقيقة أو مجاز في هذا المعنى بهما ليس على وجه دائر، لما عرفت في التبادر من التغاير بين الموقوف و الموقوف عليه بالإجمال و التفصيل، أو الإضافة إلى المستعلم و العالم فتأمل جيداً (ثم) إنه قد ذُكر الاطراد و عدمه علامة للحقيقة و المجاز أيضا، و لعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها و إلّا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال فالمجاز مطرد كالحقيقة، و زيادة قيد:

المصنف (ره) في حاشيته (فعلى) هذا تكون الأقسام ثلاثة حمل أحد المترادفين على الآخر، و حمل الكلي على الفرد، و حمل أحد الكليين على الآخر (و الأول) يدل على كون الموضوع نفس المعنى (و الثاني) يدل على انه من افراده (و الثالث) لا يدل على حقيقة أو مجاز و إنما يدل على الاتحاد في الخارج سواء أ كانا متساويين كالنوع و الفصل أم بينهما عموم مطلق كالنوع أو الفصل و الجنس، أو عموم من وجه كالحيوان و الأبيض (1) (قوله: الحقيقة) يعني في الكلمة (2) (قوله: لما عرفت في التبادر) مما عرفت هناك تعرف حقيقة الحال هنا فانهما من باب واحد و الكلام في المقامين مطرد (الاطراد) (3) (قوله: قد ذكر الاطراد) الاطراد عبارة عن كون اللفظ المستعمل في مورد بلحاظ معنى بحيث يصح استعماله في ذلك المورد و في غيره من الموارد بلحاظ ذلك المعنى كما في لفظ الإنسان الّذي يطلق على زيد بلحاظ كونه حيوانا ناطقا فانه يصح إطلاقه على جميع افراد الحيوان الناطق بلحاظه و يقابله عدم الاطراد ثم إن هذه العلامة ليست مذكورة في كلام الأكثر و إنما نصّ عليها بعض من تأخر كما قيل (4) (قوله: و لعله بملاحظة) دفع للإشكال على العلامة المذكورة

46

من غير تأويل، أو: على وجه الحقيقة، و ان كان موجباً لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة إلّا انه حينئذ لا يكون علامة لها الا على وجه دائر، و لا يتأتى التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا ضرورة أنه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره‏

(اما الإشكال) فهو أن الاطراد بالمعنى المتقدم حاصل في المجاز أيضا فان كل لفظ يصح استعماله في غير معناه مطرداً مع تحقق العلاقة فلفظ الأسد يصح استعماله في كل من يشابه الأسد في الشجاعة و هكذا غيره و لأجل ذلك قيل: إن المجازات موضوعة بالوضع النوعيّ (و اما الدفع) فلأن الاطراد في المجاز إنما كان بلحاظ العلاقة المصححة لا مطلقا و إلا فلا يجوز استعمال كل لفظ في كل معنى له نحو من المشابهة فلا يجوز استعمال لفظ الأسد في الجبان بملاحظة المشابهة في البخر، فجعل الاطراد من علائم الحقيقة كان بملاحظة نوع العلائق في المجاز فانه لا اطراد فيه بملاحظته و ان كان بملاحظة خصوص العلاقة المصححة للاستعمال يكون مطردا كالحقيقة كما ذكر في الإشكال (1) (قوله: من غير تأويل) يعني و ان كان حقيقة في الكلمة فهو إشارة إلى مذهب السكاكي (2) (قوله: على وجه الحقيقة) يعني في الكلمة فهو بلحاظ مذهب المشهور (3) (قوله: ضرورة انه مع) تعليل لعدم تأتي التفصي السابق في التبادر (و توضيح) الفرق بين المقامين أن كون الاطراد على نحو الحقيقة قد أخذ بنفسه قيداً لكون الاطراد علامة فلا يمكن الاستعلام به حتى يعلم أنه على وجه الحقيقة و مع هذا العلم لا مجال للاستعلام لأنه تحصيل للحاصل و في التبادر لم يؤخذ العلم بالوضع قيداً للتبادر الّذي هو علامة بل أخذ نفس التبادر علامة، غاية الأمر أنه لا يتحقق إلّا مع العلم بالوضع و لو إجمالا.

ثم إن هاهنا علامتين أخريين إحداهما تنصيص الواضع أو أهل اللغة، ثانيتهما صحة الاستعمال فيه بلا عناية كما تكرر تمسك المصنف (ره) بها على نحو الحقيقة، و اللَّه سبحانه أعلم.

47

(الثامن) انه للفظ أحوال خمسة و هي التجوز و الاشتراك و التخصيص و النقل و الإضمار

لا يكاد يُصار إلى أحدها فيما إذا دار الأمر بينه و بين المعنى الحقيقي إلّا بقرينة صارفة عنه إليه، و أما إذا دار الأمر بينها فالأصوليون- و ان ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوهاً- إلا أنها استحسانية لا اعتبار بها إلّا إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك كما لا يخفى‏

(التاسع) انه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه على أقوال‏

،

و قبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال و هو أن الوضع التعييني كما يحصل بالتصريح بإنشائه كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما إذا وضع له، بان يقصد الحكاية عنه‏

(أحوال اللفظ) (1) (قوله: إذا دار الأمر بينه و بين) العبارة لا تخلو عن حزازة إذ المراد الدوران بين كل واحد منها و عدمه غاية الأمر ان البناء على العدم في بعضها يقتضي الحمل على المعنى الحقيقي. ثم إن الظاهر من العقلاء البناء على عدم كل واحد من المذكورات عند الشك فيه فيجب العمل على بنائهم لحجيته حيث لا يكون رادع- كما في المقام- كما أن وظيفة أصالة العدم في مثل الاشتراك و النقل تشخيص ظهور الكلام و في الباقي وجوب العمل بالظاهر فالأوّل نظير أصالة عدم القرينة و الثاني نظير أصالة الحقيقة فتدبر (الحقيقة الشرعية) (2) (قوله: بالتصريح بإنشائه) يعني إنشاءه بالقول كأن يقول: سميت ولدي عليا (3) (قوله: كذلك يحصل) الظرف متعلق بقوله: يحصل، (4) (قوله:

باستعمال اللفظ) يعني إنشاءه بالفعل، فان الوضع بناء على كونه إنشائيا يكون‏

48

و الدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة و ان كان لا بد حينئذ من نصب قرينة إلا أنه للدلالة على ذلك لا على إرادة المعنى كما في المجاز (فافهم) و كون استعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز فلا يكون بحقيقة و لا مجاز غير ضائر بعد ما كان مما

كسائر الإنشائيات التي تنشأ بالفعل تارة، و بالقول أخرى كالمعاطاة و الفسخ و الرجوع في الطلاق و غيرها. نعم يعتبر في إنشائه بالفعل أن يكون بقصد الإنشاء، فنفس الاستعمال لا بقصد إنشاء الوضع لا يكون إنشاء له. ثم إنه يمكن الإشكال في تحقق الإنشاء بالفعل كليا من جهة ان الأفعال ليست مما يُتسبب بها عند العقلاء إلى تحقق المفاهيم الإنشائية، و الأفعال في المعاطاة و غيرها مما ذُكر ليست صادرة بقصد الإنشاء بها أصلا، بل صادرة جريا على الالتزامات النفسيّة فلا تصلح الا للحكاية عنها (و يشكل) في خصوص المقام من جهة أن قصد وضع اللفظ للمعنى يتوقف على ملاحظة كل من اللفظ و المعنى مستقلا و الاستعمال يتوقف على ملاحظة اللفظ عبرة و آلة لملاحظة المعنى بحيث يكون فانيا فيه فالاستعمال الصادر عن قصد تحقق الوضع يؤدي إلى اجتماع لحاظين للفظ آلي و استقلالي في زمان واحد (فتأمل) (1) (قوله: و الدلالة عليه بنفسه) كيف يمكن قصد الدلالة على المعنى بنفس اللفظ مع ان اللفظ لا يصلح لذلك إلا بالوضع (2) (قوله: للدلالة على ذلك) أي على كون الاستعمال بقصد الحكاية عن المعنى بنفس اللفظ لا بالقرينة لكن عرفت أن مجرد ذلك غير كاف في تحقق الوضع ما لم يكن عن قصد الوضع، فلا بد أيضا من قرينة دالة على ذلك، و قد تفيد ذلك كله قرينة واحدة؛ و لعله إلى بعض ما ذكرنا أشار بقوله: فافهم، (3) (قوله: في غير ما وضع له) إذ الوضع انما يكون بالاستعمال فالمعنى قبله غير موضوع له فلا يكون الاستعمال فيه استعمالا فيما وضع له (4) (قوله: مراعاة ما اعتبر في المجاز) يعني من ملاحظة المناسبة بين المستعمل فيه المعنى الحقيقي فانه قد لا يكون له معنى حقيقي أصلا، و قد يكون لكن الاستعمال بلا مناسبة أو بلا ملاحظتها (5) (قوله: غير ضائر) خبر كون الاستعمال (6) (قوله: بعد ما كان مما) أقول: إذا بُني على صحة الإنشاء بالفعل فلا يعتبر في صحة إنشاء

49

يقبله الطبع و لا يستنكره، و قد عرفت سابقا أنه في الاستعمالات الشائعة في المحاورات ما ليس بحقيقة و لا مجاز، إذا عرفت هذا فدعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جداً و مدعي القطع به غير مجازف قطعاً، و يدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته، و يؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة

الوضع بالاستعمال أن يكون صحيحاً، فلو فرض أن الاستعمال المذكور ليس بحقيقة و لا مجاز و لا مما يقبله الطبع أمكن إنشاء الوضع به، فينبغي ان يكون قبول الطبع مصححا للاستعمال لا لإنشاء الوضع به ثم إن هذا الإشكال مبني على أن الوضع منتزع من مجرد الإنشاء أما لو كان منتزعا من الالتزام النفسيّ فالاستعمال يكون فيما وضع له لأنه جار على طبق ذلك الالتزام النفسيّ كغيره من الاستعمالات، كما أن هذا الإشكال بعينه قد أورد على الفسخ بالتصرف المتوقف على الملك كوطء الجارية التي باعها بخيار له، و لازمه حرمة الوطء لأنه في غير الملك، و قد أجيب عنه بوجوه، و قد ذكرنا في محله أن الفسخ إنما يتحقق بنفس الالتزام النفسيّ لا بالوطء فالوطء يكون جاريا على مقتضى الفسخ، غاية الأمر أن هذا الالتزام النفسيّ لا يكون فسخا إلا بمظهر له و الفعل يكون هو المظهر، و الباعث على منع كون الوطء فسخا كونه غير صادر بعنوان الإنشاء بل صادر جريا على الالتزام، فلو بنى على عدم كون الالتزام النفسيّ فسخا كان اللازم منع تحقق الفسخ بالفعل أيضا و اللَّه سبحانه أعلم (1) (قوله: هكذا) قيد لقوله: وضع، يعني إنشاءه بالفعل (2) (قوله: قريبة جداً) لاقتضاء العادة ذلك فانه بعد فرض كون معانيها ماهيات مخترعة للشارع، و أنه في مقام تفهيمها للمخاطبين، و أنه كان يستعمل تلك الألفاظ فيها دون غيرها يحصل الاطمئنان بأنه قد وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني و لا سيما مع عدم استعماله تلك الألفاظ إلا فيها أو ندرة استعمالها في غيرها هذا و بضميمة بُعد إنشائه بالقول لعدم نقله لنا و عدم الحاجة إليه يثبت الوضع بالفعل لا بالقول (3) (قوله: و يدل عليه) يعني على أصل الوضع التعييني لا كونه بالقول‏

50

بين المعاني الشرعية و اللغوية فأي علاقة بين الصلاة شرعاً و الصلاة بمعنى الدعاء و مجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء و الكل بينهما كما لا يخفى هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا، و أما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة كما هو قضية غير واحد من الآيات مثل قوله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب ... إلخ) و قوله تعالى: (و أذن في الناس بالحج) و قوله (تعالى):

(و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حياً) ... إلى غير ذلك و فألفاظها حقائق لغوية لا شرعية، و اختلاف الشرائع فيها جزءا أو شرطاً لا يوجب اختلافها في الحقيقة و الماهية، إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق و المحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا كما لا يخفى (ثم) لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال لا مجال لدعوى الوثوق فضلا عن القطع بكونها حقائق شرعية، و لا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه (و منه) انقدح‏

(1) (قوله: تبادر المعاني) لم يعلم كون التبادر في زمان الشارع كان مستنداً إلى نفس اللفظ أو القرينة و أصالة عدم القرينة غير مجدية كما تقدم (2) (قوله: و الصلاة بمعنى الدعاء) لم يثبت كون الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء مطلقا و ما حكي مبني على المسامحة (3) (قوله: و مجرد اشتمال) هذا الاشتمال في بعض الأحوال و لا يعتبر في الماهية الصحيحة قطعاً (4) (قوله: كما هو قضية ... إلخ) المقدار المستفاد من الآيات الكريمة هو ثبوت هذه الحقائق في الشرائع السابقة، أما كون الألفاظ المذكورة موضوعة لها فيها فلا، أما مثل الآية الأولى فظاهر، و أما مثل: (و أوصاني بالصلاة) فالاستدلال بها موقوف على كونه نقلا باللفظ، و لعله قطعي العدم فان هذه الألفاظ عربية و لغات الشرائع السابقة غير عربية. ثم لو تم الاستدلال كانت حقائق شرعية لكنها في الشرائع السابقة لا لغوية إلا أن يكون المراد من اللغوية ما هو أعم من ذلك كما هو الظاهر (5) (قوله: لولاه) قيد للدلالة، و الضمير راجع إلى هذا الاحتمال‏

51

حال دعوى الوضع التعيني معه، و مع الغض عنه فالإنصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في لسانه و لسان تابعيه مكابرة (نعم) حصوله في خصوص لسانه ممنوع فتأمل، و أما الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت، و على معانيها الشرعية على الثبوت فيما إذا علم تأخر الاستعمال، و فيما إذا جهل التاريخ ففيه إشكال، و أصالة تأخر الاستعمال- مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع- لا دليل على اعتبارها تعبداً إلا على القول‏

(1) (قوله: حال الوضع التعيني) يعني أيضا لا مجال لدعواه إذا كانت الألفاظ المذكورة حقائق في هذه المعاني قبل حدوث شريعتنا المقدسة (2) (قوله: الغض عنه) يعني عن هذا الاحتمال (3) (قوله: حصوله) أي حصول الوضع التعيني (4) (قوله:

تابعيه) المراد بهم من كان يتبعه في استعمال الألفاظ المذكورة في المعاني الشرعية ممن كان في عصره سواء أ كان صحابياً أم غيره، و ليس المراد من تابعيه ما يقابل الصحابة إذ محل الدعوى خصوص زمان الشارع (5) (قوله: في خصوص لسانه) يعني ثبوت الوضع التعيني في خصوص الألفاظ التي يستعملها هو ممنوع بعد البناء على عدم الوضع التعييني و كان قوله: فتأمل، إشارة إلى إشكال في المنع المذكور، فان استعمال الشارع تلك الألفاظ في تلك المعاني في مدة تقارب عشرين سنة مما يؤدي إلى حصول الوضع التعيني (6) (قوله: على الثبوت) يعني على تقدير القول بثبوت الحقيقة الشرعية (أقول): يمكن ان يشكل بان ذلك يتوقف أيضا على هجر المعاني اللغوية و إلا كانت من قبيل اللفظ المشترك يحتاج في الحمل على أحدهما بعينه إلى القرينة- مضافا إلى أن الثمرة المذكورة فرضية عملية لا عملية، و إلا فقد قيل:

إن هذه المعاني مما يعلم كونها مرادة للشارع في جميع الاستعمالات فان التتبع شاهد بأنه لم يستعمل في غيرها (7) (قوله: تأخر الاستعمال) يعني عن زمان الوضع (8) (قوله: جهل التاريخ) يعني فلا يُدرى أن الاستعمال قبل الوضع أو بعده (9) (قوله: و أصالة تأخر) يعني ربما يُدَّعى أنه يمكن إثبات كون‏

52

بالأصل المثبت و لم يثبت بناء من العقلاء على التأخر مع الشك، و أصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة فيما إذا شك في أصل النقل لا في تأخره فتأمل.

(العاشر) انه وقع الخلاف في أن ألفاظ العبادات أسامي لخصوص الصحيحة أو للأعم منها

،

و قبل الخوض في ذكر أدلة القولين يذكر أمور (منها) انه لا شبهة في تأتي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعية، و في جريانه.

الاستعمال بعد الوضع ليحمل اللفظ على المعنى الشرعي، و طريق الإثبات إعمال القاعدة المشهورة: أعني أصالة تأخر الحادث، فان الاستعمال حادث فيثبت تأخره بالأصل المذكور «و الإشكال» على هذا الوجه من وجوه (الأول) أنه معارض بأصالة تأخر الوضع فانه شي‏ء حادث أيضا (الثاني) أن التأخر ليس حكما شرعياً و لا موضوعاً لحكم شرعي فجريان الأصل فيه موقوف على القول بالأصل المثبت و هو الأصل الجاري فيما ليس موضوعا لحكم شرعي و لا حكما شرعياً و كان يترتب عليه حكم شرعي بواسطة كما في المقام، فانه إذا كان الاستعمال متأخراً كان اللفظ محمولا على المعنى الشرعي؛ و إذا حمل عليه ثبت حكم شرعي، لكن لا دليل على حجية الأصل المثبت إلا بناء العقلاء في موارد مخصوصة ليس المقام منها- مع أن التأخر ليس في نفسه مجرى للأصل، و إنما هو من لوازم عدم الاستعمال إلى زمان الوضع و يأتي في محله إن شاء اللَّه أن الأصل لا يجري في كل من عدمي مجهولي التاريخ و لو كان العدم موضوعا للأثر الشرعي فانتظر (1) (قوله: و أصالة عدم) يعني قد يقال: انه تجري أصالة عدم النقل في زمان الاستعمال، الّذي يكون لازمه الحمل على المعنى اللغوي، لكن فيه أن أصالة عدم النقل انما تجري إذا شك في حدوث النقل و عدمه لا ما إذا عُلم النقل و شك في تقدمه و تأخره كما في المقام (أقول): لا يبعد جريان أصالة عدم النقل لو علم تاريخ الاستعمال، و العلم بالنقل في الجملة مع الجهل بكونه قبله أو بعده غير ضائر، و لعله إلى هذا أشار بقوله: فتأمل.