منهاج الصالحين‌ - ج1

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
440 /
7

الجزء الأول

[العبادات]

التقليد

(مسألة 1): يجب على كلّ مكلّف لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يكون مقلّدا في جميع عباداته و معاملاته و سائر أفعاله و تروكه،

أو محتاطا على أن يستند في احتياطه إلى اجتهاده أو تقليده لمجتهد يسمح له بالاحتياط و يعلّمه كيف يحتاط، هذا في غير الأحكام البديهيّة المسلّمة في الشرع كوجوب الصلاة و الصيام و الحجّ و حرمة قتل النفس المحترمة و الزنى و غيرها كالمسائل القطعيّة الّتي لا يتوقّف العلم بها على عمليّة الاجتهاد كبعض أحكام العبادات و المعاملات و كثير من المستحبّات و أكثر المباحات الّتي يعرف حكمها كثير من الناس، فإنّ المجتهد و المقلّد أمام هذه الأحكام على حدّ سواء.

(مسألة 2): عمل العاميّ بلا تقليد و لا احتياط في أحكام الله تعالى باطل

و غير مجزئ حتّى و لو كان العامل جاهلا بوجوب التقليد أو الاحتياط؛ لأنّ الجهل هنا ليس بعذر. نعم، لو انكشف له أنّ عمله مطابق للواقع بالتمام أو موافق لفتوى من يجب عليه تقليده فعلا، أو للاحتياط كفاه و لا شي‌ء عليه.

(مسألة 3): الأقوى جواز ترك التقليد، و العمل بالاحتياط،

سواء اقتضى التكرار، كما إذا تردّدت الصلاة بين القصر و التمام أم لا، كما إذا احتمل وجوب الإقامة في الصلاة لكن معرفة موارد الاحتياط تحتاج إلى اطّلاع فقهيّ واسع و هو متعذّر غالبا، أو متعسّر على العوامّ.

(مسألة 4): التقليد هو الطريق الأكثر عمليّة لدى العقلاء؛

لأنّ رجوع الناس في كلّ فنّ إلى ذوي الاختصاص و الخبرة بذلك الفنّ قد أصبح عادة لهم، و هو واجب على كلّ مكلّف لا يتمكّن من الاجتهاد و لا من الاحتياط.

8

(مسألة 5): التقليد هو العمل بقول المجتهد في الأحكام الشرعيّة،

و لا يتحقّق إلّا بالعمل.

(مسألة 6): يشترط في مرجع التقليد البلوغ، و العقل، و الإيمان،

و الذكورة، و الاجتهاد، و العدالة، و طهارة المولد.

(مسألة 7): يصحّ التقليد من الصبيّ المميّز،

فإذا مات المجتهد الّذي قلّده الصبيّ قبل بلوغه جاز له البقاء على تقليده، و لا يجوز له أن يعدل عنه إلى غيره، إلّا إذا كان الثاني أعلم، كما أنّ غيره إذا قلّد مجتهدا ثمّ مات جاز البقاء على تقليده، و إذا كان أعلم من الحيّ وجب.

(مسألة 8): إذا قلّد مجتهدا فمات،

فإن كان أعلم من الحيّ وجب البقاء على تقليده مطلقا، أي من دون أدنى فرق بين ما تعلّمه من أقوال المرجع و ما لم يتعلّمه، و ما عمل به و ما لم يعمل، و إن كان الحيّ أعلم وجب العدول إليه، مع العلم بالمخالفة بينهما، و لو إجمالا، و إن تساويا في العلم أو لم يحرز الأعلم منهما جاز له البقاء ما لم يعلم بمخالفة فتوى الحيّ لفتوى الميّت، و إلّا وجب الأخذ بأحوط القولين.

قد تسأل: هل يجوز تقليد الميّت ابتداء؟

و الجواب: لا يبعد جوازه شريطة إحراز أنّه يفوق الأحياء و الاموات في العلم بأن يكون أعلم من الجميع بأحكام الشريعة، و الأعرف و الأقدر على تكوين القواعد العامّة، و الأدقّ في مجال التطبيق و الاستنباط.

و قد تسأل: أنّ لازم ذلك حصر المجتهد المقلّد في جميع الأعصار و القرون في شخص واحد، على أساس أنّ الأعلم من الأحياء و الأموات منحصر بفرد، فإذا فرضنا أنّه الشيخ الطوسيّ (قدس سره) مثلا، فلازمه رجوع الجميع إليه في كلّ عصر و هو خلاف الضرورة من مذهب الشيعة؟

9

و الجواب: أنّ هذا مجرّد افتراض و ليس له واقع موضوعيّ؛ إذ لا شبهة في أنّ الأعلم بالمعنى المشار إليه آنفا إنّما هو بين العلماء المتأخّرين بالنسبة إلى المتقدّمين، و الشاهد على ذلك هو تطوّر علم الاصول و علم الفقه بنحو قد أصبحا أكثر عمقا و استيعابا و أكثر دقّة و صرامة على أساس أنّهما علمان مترابطان بترابط متبادل على مستوى واحد في طول التأريخ، فكلّما كان البحث الاصوليّ النظريّ أكثر دقّة و عمقا و أوسع شمولا كان يتطلّب في مجال التطبيق دقّة أكبر و التفاتا أوسع و أشمل، و من الواضح أنّهما لم يكونا موجودين بهذه الدّرجة من التطوّر و السعة في الأزمنة السابقة، أجل قد يتّفق ذلك في عصر واحد، فإذا مات المرجع في التقليد يمكن أن يكون هو أعلم من جميع الأحياء الموجودين فعلا. ثمّ إنّ وظيفة العاميّ هي الرجوع إلى المجتهد الحيّ الأعلم و تقليده، و لكنّه قد يسوّغ للمقلّد أن يستمرّ على تقليد المرجع الميّت و قد يسوّغ له أن يقلّده ابتداء، و لا يحقّ له أن يستمرّ على تقليده أو يقلّده ابتداء بصورة اعتباطيّة، و إنّما يسوغ له ذلك بعد أن يتعرّف على الأعلم من المجتهدين الأحياء و يرجع إليه في التقليد فيسمح له بالاستمرار على ذلك أو الرجوع إليه ابتداء؛ إذ لو لم يصنع ذلك كان كمن يعمل من دون تقليد.

و قد تسأل: أنّه يعرف ممّا سبق أنّ المرجع في التقليد إذا مات، فإن كان أعلم من كلّ الأحياء الموجودين بالفعل وجب البقاء على تقليده- كما لو كان حيّا- من دون أدنى فرق بين حال حياته و موته، و إذا كان الحيّ أعلم من الميّت وجب العدول إلى تقليده في كلّ المسائل من دون استثناء، فهل الأمر كذلك إذا وجد في الأحياء من هو مساو للميّت علما و اجتهادا؟

و الجواب: أنّ الميّت إن كان أسبق من الحيّ في الأعلميّة وجب البقاء على‌

10

تقليده ما لم تثبت أعلميّة الحيّ، و إن كانا على مستوى واحد منذ البداية وجب الأخذ في كلّ واقعة بمن كان قوله أقرب إلى الاحتياط إن أمكن، و إلّا فالتخيير.

(مسألة 9): إذا تعدّد المجتهدون الّذين تتوفّر فيهم شروط التقليد

فإن كانوا متّفقين في آرائهم و فتاويهم فبإمكان العاميّ أن يرجع إلى أيّ واحد منهم، و إن كانوا مختلفين في الآراء و الفتاوي- كما هو الغالب- و علم المقلّد بذلك وجب الرجوع إلى الأعلم منهم في هذه الحالة، و إن كانوا على مستوى واحد وجب الأخذ بمن كان قوله مطابقا للاحتياط إن أمكن، و إلّا تخيّر في الأخذ بقول أيّ واحد منهم.

(مسألة 10): يجب على المكلّف الفحص و البحث عن الأعلم في كلّ مجال و مظنّة ممكنة،

و في فترة الفحص و البحث يجب عليه أن يحتاط في أعماله و إن استلزم التكرار.

و إذا وصل بالفحص و البحث إلى كون الأعلم أكثر من واحد بين المجتهدين، أي اثنين- مثلا- و هما على مستوى واحد مقدرة و علما و قد اختلفا في الفتوى فهل هناك مرجّح يوجب تقديم أحدهما على الآخر في التقليد؟

و الجواب: ما مرّ من أنّ الواجب في هذه الحالة هو الأخذ بمن كان قوله أقرب إلى الاحتياط إن أمكن، إلّا إذا علم بسبق أعلميّة أحدهما على الآخر.

(مسألة 11): إذا علم المكلّف أنّ الأعلم متمثّل في مجتهدين من الأحياء

هما زيد و عمرو- مثلا- و لكن لا يدري أنّه متمثّل في خصوص زيد أو خصوص عمرو أو في كليهما معا على مستوى واحد، ففي مثل ذلك تارة يكون المكلّف على يقين بأنّ زيدا كان أعلم من عمرو، و لكنّ عمروا جدّ في تحصيل العلم و نشط في البحث فترة غير قصيرة حتّى احتمل أنّه وصل إلى درجة زيد‌

11

في العلم أو تفوّق عليه، و اخرى لا يكون على يقين من ذلك بل يشكّ في أعلميّة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر أو تساويه منذ البداية، فعلى الأوّل يجب تقليد زيد و على الثاني يجب في كلّ واقعة الأخذ بمن كان قوله أقرب إلى الاحتياط.

لحدّ الآن قد تبيّن أنّ الواجب على كلّ مكلّف تقليد المجتهد الأعلم و تترتّب على ذلك عدّة فروع:

الأوّل: أنّ المكلّف إذا قلّد شخصا بتخيّل أنّه المجتهد الأعلم ثمّ تبيّن له أنّه ليس بأعلم وجب عليه العدول عنه إلى المجتهد الأعلم.

الثاني: إذا قلّد شخصا بصورة اعتباطيّة دون البحث و الفحص عن أنّه الأعلم متجاهلا و متسامحا في ذلك، ففي هذه الحالة يجب عليه البحث و الفحص و الرجوع إلى الأعلم.

الثالث: إذا قلّد من ليس أهلا للفتوى إمّا باعتقاد أنّه أهل لها أو من باب التسامح و اللامبالاة في الدين ففي هذه الحالة يتحتّم عليه العدول عنه إلى من هو أهل لها فورا.

الرابع: إذا قلّد الأعلم على الموازين الشرعيّة، ثمّ وجد أنّ المجتهد الفلانيّ صار أعلم منه، وجب عليه العدول من السابق إلى اللاحق، و معنى هذا أنّ التقليد يدور مع الأعلم كيفما دار وجودا و عدما، و من هذا القبيل إذا مات المرجع للتقليد و وجد الأعلم منه بين الأحياء وجب عليه العدول منه إليه، فيكون العدول في هذين الموردين مستندا إلى مبرّر شرعيّ.

(مسألة 12): إذا عدل المقلّد فتارة يكون عدوله عن تقليد صحيح في حينه،

كمن قلّد الأعلم، ثمّ يصبح غيره أعلم منه في حياته فيعدل إليه، أو يموت مرجعه فيعدل إلى تقليد المجتهد الحيّ الأعلم، و اخرى يكون عدوله عن‌

12

تقليد باطل و غير صحيح، و قد مرّت أمثلة ذلك في ضمن فروع، و مثل ذلك من يعمل مدّة من الزمن بدون تقليد، و في كلتا الصورتين ما ذا يصنع بما أدّاه من فرائض و أعمال في هذه المدّة؟

و الجواب: أمّا في الصورة الاولى فلا يجب عليه قضاء تلك الواجبات الّتي أدّاها و انتهى وقتها و إن كانت باطلة بنظر مرجعه الجديد، من دون فرق بين أن يكون الاختلاف بينهما في الأجزاء و الشرائط غير الرئيسيّة، أو يكون في الأجزاء و الشرائط الرئيسيّة كالأركان، فإنّ الجاهل بها و إن كان لا يعذر إلّا أنّ المكلّف حين الإتيان بتلك الواجبات في ظرفها لم يكن جاهلا بها حيث أنّ إتيانه بها كان مستندا إلى حجّة شرعيّة في ذلك الحين، و أمّا إذا لم ينته وقتها بأن كان العدول في أثناء الوقت كما إذا صلّى صلاة الظهر- مثلا- و كان مقلّدا للمجتهد الأوّل ثمّ عدل عنه بحجّة شرعيّة إلى المجتهد الجديد قبل أن ينتهي الوقت فيجب عليه بعد الرجوع أن ينظر إلى صلاته على أساس رأي المجتهد الثاني فإن كانت مطابقة لرأيه أيضا كانت صحيحة و إن كانت مخالفة له فالاختلاف على نحوين:

أحدهما: أن يكون الاختلاف في أمر يعذر فيه الجاهل كما إذا كان في الأجزاء و الشروط غير الرئيسيّة ففي مثل ذلك لا تجب إعادة الصلاة.

و الآخر: أن يكون الاختلاف في أمر لا يعذر فيه الجاهل، كما إذا كان في الأجزاء و الشروط الرئيسيّة كأجزاء الوضوء أو شروطه أو الغسل أو التيمّم كما إذا رأى المجتهد الأوّل وجوب وضوء الجبيرة على الكسير أو الجريح في الكسر أو الجرح المكشوف بوضع خرقة عليه و مسحها، و رأى المجتهد الثاني أنّ الوظيفة في هذه الحالة التيمّم دون وضوء الجبيرة و هكذا، و على هذا فإن كانت مخالفة صلاته لرأي المجتهد الجديد على النحو الأوّل لم تجب إعادتها، و إن كانت على‌

13

النحو الثاني وجبت إعادتها، و أمّا في الصورة الثانية فلا يجب عليه القضاء إلّا في حالة واحدة، و هي ما إذا كانت صلاته مخالفة لرأي المجتهد الثاني فيما لا يعذر فيه الجاهل كالأركان، فإنّ في هذه الحالة يجب عليه قضاؤها، باعتبار أنّ إتيانها سابقا لم يكن مستندا إلى حجّة شرعية، و أمّا في الحالات التالية فلا يجب القضاء فيها:

الاولى: أن يعلم بأنّها مطابقة لرأي مرجعه الجديد.

الثانية: أن يشكّ في أنّها مطابقة مع رأي المرجع الجديد أو لا نظرا إلى أنّه لا يتذكّر طريقة أدائه لها.

الثالثة: أن يعلم أنّها مخالفة مع رأي المقلّد الثاني و لكن في أمر يعذر فيه الجاهل كغير الأركان من الأجزاء و الشروط. نعم، إذا كان الاختلاف بينهما في بعض الأحكام الوضعيّة، كما إذا رأى المجتهد الأوّل صحّة النكاح مثلا بالفارسيّة، و رأى المجتهد الثاني بطلانه و اعتبار العربيّة في صحّته، ففي مثل ذلك لو عقد المكلّف على امرأة بالفارسيّة اعتمادا على رأي المجتهد الأوّل، ثمّ عدل إلى المجتهد الثاني الّذي كان يرى بطلان النكاح بها، وجب عليه العمل بفتوى المجتهد الثاني من حين الرجوع إليه و تجديد عقد النكاح.

(مسألة 13): إذا قلّد مجتهدا، ثمّ شكّ في أنّه كان جامعا للشرائط أم لا،

وجب عليه الفحص، فإن تبيّن له أنّه جامع للشرائط بقي على تقليده، و إن تبيّن أنّه فاقد لها، أو لم يتبيّن له شي‌ء عدل إلى غيره.

(مسألة 14): إذا بقي على تقليد الميّت- غفلة أو مسامحة- من دون أن يقلّد الحيّ في ذلك،

كان كمن عمل من غير تقليد، و عليه الرجوع إلى الحيّ في ذلك كما مرّ.

14

(مسألة 15): إذا قلّد من لم يكن جامعا للشرائط من دون مبرّر شرعيّ،

ثمّ التفت إليه بعد مدّة، كان كمن عمل من غير تقليد، و أمّا إذا اعتقد لسبب أو آخر أنّ فلانا هو المجتهد الأعلم، و بعد فترة اتّضح له أنّ المجتهد الأعلم غيره، فيجب عليه أن يعدل منه إليه، و يسمّى هذا المقلّد بالمشتبه.

(مسألة 16): لا يجوز العدول من الحيّ إلى الميّت الّذي قلّده أوّلا،

كما لا يجوز العدول من الحيّ إلى الحيّ مهما كانت الظروف و الأسباب، إلّا بعد الوثوق و الاطمئنان بالمجوّز الشرعيّ لذلك، بأن يفقد المرجع الفعليّ بعض الشروط الرئيسيّة، أو يوجد من هو أعلم منه.

(مسألة 17): إذا تردّد المجتهد الأعلم في الفتوى، أو عدل من الفتوى إلى التردّد،

فهل يجوز لمقلّده أن يرجع إلى غيره مع ملاحظة الأعلم فالأعلم؟

و الجواب: لا يجوز له ذلك إذا رأى الأعلم خطأ غير الأعلم في الفتوى.

(مسألة 18): إذا قلّد مجتهدا يجوّز البقاء على تقليد الميّت، فمات ذلك المجتهد

لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، و لا في غيرها، بل يجب عليه الرجوع إلى الأعلم من الأحياء في بقائه على تقليد الميّت.

و إذا قلّد مجتهدا فمات، فقلّد الأعلم من الأحياء، و هو أفتى بجواز العدول إلى الحيّ أو بوجوبه، فعدل إليه، ثمّ مات فقلّد من يقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت إذا كان أعلم، فهل يرجع إلى التقليد الأوّل أو يستمرّ على التقليد الثاني في غير مسألة وجوب العدول إلى الحيّ أو جوازه؟

و الجواب: إن كان المجتهد الأوّل أعلم من الثاني أيضا، فالأقوى أنّ وظيفته الرجوع إليه، على أساس ما استظهرناه من جواز الرجوع إلى المرجع الميّت ابتداء إذا كان أعلم من الأحياء، لا من جهة أنّ فتوى الثالث تكشف عن‌

15

أنّ عدوله منه إلى الثاني غير صحيح، إذ لا نعني بالعدول الصحيح إلّا ما يكون بمبرّر شرعيّ، و المفروض أنّه في ظرفه كان بمبرّر شرعيّ، فلا يجوز حينئذ الرجوع إليه مرّة ثانية على المشهور؛ لأنّه من التقليد الابتدائيّ، و إن كان الثاني أعلم من الأوّل و من الحيّ معا، وجب عليه البقاء على تقليده في غير مسألة وجوب العدول أو جوازه.

(مسألة 19): يجب تعلّم أجزاء العبادات الواجبة و شرائطها،

و لا عذر له في تركها و الإتيان بها بصورة غير صحيحة جهلا منه بأجزائها و شروطها، و يكفي أن يكون واثقا و مطمئنّا أنّ عباداته جامعة لما يعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط، و لا يلزم العلم بذلك تفصيلا، و إذا عرضت له في أثناء العبادة مسألة لا يعرف حكمها، جاز له العمل على بعض الاحتمالات، ثمّ يسأل عنها بعد الفراغ، فإن تبيّنت له الصحّة اجتزأ بالعمل، و إن تبيّن البطلان أعاده.

(مسألة 20): يجب تعلّم مسائل الشكّ و السهو، الّتي هي في معرض الابتلاء،

لئلّا يقع في مخالفة الواقع. نعم، من كان واثقا و مطمئنّا بعدم ابتلائه بتلك المسائل فلا يجب عليه تعلّمها.

(مسألة 21): تثبت عدالة المرجع في التقليد بامور:

الأوّل: العلم الحاصل بالاختبار و الممارسة.

الثاني: شهادة عادلين بها، و لا يبعد ثبوتها بشهادة العدل الواحد، بل بشهادة مطلق الثقة أيضا، و هو من يعرف بصدق اللهجة و التحرّز عن الكذب، و إن لم يكن عادلا في كلّ سلوكه العمليّ.

الثالث: حسن الظاهر، و المراد به حسن المعاشرة و السلوك الدينيّ بين الناس، بمعنى أن يكون معروفا عندهم بالاستقامة و الصلاح و التديّن، فإنّ ذلك‌

16

دليل على العدالة و إن لم يفد الوثوق و الاطمئنان. و يثبت اجتهاده- و أعلميّته أيضا- بالعلم الحاصل من الخبرة و الممارسة الشخصيّة للمقلّد إذا كان له من الفضل و العلم ما يتيح له ذلك، و بالشياع المفيد للاطمئنان، و بالبيّنة، و بخبر الثقة، و يعتبر في البيّنة و في خبر الثقة- هنا- أن يكون المخبر من أهل الخبرة و الفضل القادرين على التقييم العلميّ.

(مسألة 22): من ليس أهلا للمرجعيّة في التقليد يحرم عليه الفتوى،

كما أنّ من ليس أهلا للقضاء يحرم عليه القضاء، و لا يجوز الترافع إليه و لا الشهادة عنده، و المال المأخوذ بحكمه حرام و إن كان الآخذ محقّا. نعم، إذا انحصر استيفاء الحقّ و استنقاذه بالترافع عنده، جاز ذلك، فإن حكم بالحقّ و كان المحكوم به عينا خارجيّة أخذها صاحبها، و إن كان مالا في الذمّة استأذن الحاكم الشرعيّ في أخذه و تعيينه.

(مسألة 23): الظاهر أنّ المتجزّئ في الاجتهاد يجوز له العمل بفتوى نفسه،

و لا يجوز للمكلّف أن يقلّده حتّى فيما اجتهد من الأحكام الشرعيّة، إلّا إذا علم بأنّه فيها قد أصبح أعلم من المجتهد المطلق.

(مسألة 24): إذا شكّ في موت المجتهد، أو في تبدّل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده،

جاز البقاء على تقليده إلى أن يتبيّن الحال.

(مسألة 25): الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليد موكّله لا تقليد نفسه،

و كذلك الحكم في الوصيّ، إلّا في حالة واحدة، و هي ما إذا كان نظر الوصيّ مطابقا للاحتياط دون نظر الموصي، فإنّه في هذه الحالة يعمل على طبق نظره دون نظر الموصي.

(مسألة 26): المأذون، و الوكيل، عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف [ينعزل بموت المجتهد]

17

الّتي ليس لها متولّ خاصّ بنصّ الواقف، أو في أموال القاصرين ينعزل بموت المجتهد، و ينتهي دوره، و عليه أن يرجع إلى مجتهد حيّ، و أمّا المنصوب من قبله وليّا بمعنى منحه و جعله الولاية له على هذه الأوقاف و الأموال، فهو يبقى نافذ المفعول حتّى بعد موت ذلك المجتهد، و أمّا القيمومة فهي إمّا أن ترجع إلى جعل الوكالة للقيّم، أو جعل الولاية له، و ليست منصبا ثالثا غيرهما.

(مسألة 27): حكم الحاكم الجامع للشرائط نافذ،

فلا يجوز نقضه حتّى لمجتهد آخر، إلّا إذا علم مخالفته للواقع، أو كان صادرا عن تقصير في مقدّماته.

(مسألة 28): الأقوى ثبوت الولاية للمجتهد المطلق الجامع للشروط

منها الأعلميّة في حدود المصالح الدينيّة العامّة، كما أنّ له ولاية القضاء، فمن أجل ذلك يسمّى بالحاكم الشرعيّ، و أمّا المجتهد المتجزّئ فليست له الولاية الشرعيّة، و لا ولاية القضاء.

(مسألة 29): إذا نقل ناقل خطأ ما يخالف فتوى المجتهد،

فإن كانت فتواه إباحة شي‌ء في المسألة بالمعنى الأعمّ، و هو ينقل عنه حرمته أو وجوبه فيها، لم يجب عليه إعلام من سمع منه ذلك.

و إن كانت فتواه في المسألة حرمة شي‌ء و هو ينقل عنه إباحة ذلك الشي‌ء، أو كانت وجوب فعل و هو ينقل عنه جوازه، فهل يجب عليه إعلام من أوقعه في الخطأ؟

و الجواب: أنّ وجوبه عليه لا يخلو عن إشكال و إن كان هو أحوط.

نعم، لو كان الخطأ منه فيما لا يعذر فيه الجاهل كما في الأجزاء الرئيسيّة للصلاة، أو فيما قد اهتمّ الشارع به و لا يرضى بتركه إن كان واجبا، و بفعله إن كان محرّما، كان الإعلام واجبا عليه جزما، و كذلك الحال إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه، و أمّا إذا تبدّل رأيه برأى آخر مخالف للأوّل، فإن كان الرأي الأوّل‌

18

حكما إلزاميّا، و الرأي الثاني حكما ترخيصيّا، لم يجب عليه إعلام مقلّديه بذلك.

و إن كان الأمر بالعكس أو كان كلاهما حكما إلزاميّا فهل يجب عليه الإعلام؟

و الجواب: أنّ الرأي الثاني له إن كان ممّا يعذر فيه الجاهل لم يجب عليه الإعلام، و إن كان ممّا لا يعذر فيه الجاهل فالأقرب وجوب الإعلام.

(مسألة 30): إذا أخبره ثقة بفتوى من مرجعه في التقليد، و أخبره ثقة آخر بفتوى اخرى مخالفة للفتوى الاولى، فما ذا يصنع المقلّد؟

و الجواب: أنّ الثقتين إن كانا يخبران عن زمن واحد فقد سقطا معا بالتعارض، فلا يمكن للمقلّد أن يعتمد على أيّ واحد منهما، بل وظيفته الاحتياط إلى أن يتبيّن له الحال، و إن كانا يخبران عن زمنين مختلفين، بأن يخبر أحدهما قبل سنة و يخبر الآخر قبل فترة قصيرة، وجب على المقلّد العمل بما نقل إليه من الفتوى في الزمن المتأخّر.

(مسألة 31): العدالة المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الاستقامة الثابتة للإنسان العادل كالعادة،

و هي الّتي يعصم الإنسان بها عن المزالق و الانحرافات في جادّة الشريعة المقدّسة، و يسلك فيها السلوك المستقيم الطبيعيّ، و يضرّها الانحراف عن الجادّة عامدا و ملتفتا بارتكاب المعاصي من دون عذر شرعيّ، و لا فرق في المعاصي من هذه الجهة بين الصغيرة و الكبيرة، و في عدد الكبائر خلاف. و قد عدّ من الكبائر الشرك باللّه تعالى، و اليأس من روح اللّه تعالى، و الأمن من مكر اللّه تعالى، و عقوق الوالدين و هو الإساءة إليهما، و قتل النفس المحترمة، و قذف المحصنة، و أكل مال اليتيم ظلما، و الفرار من الزحف، و أكل الربا، و الزنى، و اللواط، و السحر، و اليمين الغموس الفاجرة و هي الحلف باللّه تعالى كذبا على وقوع أمر أو على حقّ امرئ أو منع حقّه خاصّة كما قد‌

19

يظهر من بعض النصوص، و منع الزكاة المفروضة، و شهادة الزور، و كتمان الشهادة، و شرب الخمر، و منها ترك الصلاة أو غيرها ممّا فرضه اللّه متعمّدا، و نقض العهد، و قطيعة الرحم بمعنى ترك الإحسان إليه من كلّ وجه في مقام يتعارف فيه ذلك، و التعرّب بعد الهجرة إلى البلاد الّتي ينقص بها الدين، و السرقة، و إنكار ما أنزل اللّه تعالى، و الكذب على اللّه، أو على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، أو على الأوصياء (عليهم السلام) هذا شريطة أن لا يكون القائل بذلك ملتفتا إلى الملازمة بين إنكار ذلك و تكذيب الرسالة و إلّا فهو كافر، بل مطلق الكذب، و أكل الميتة، و الدّم، و لحم الخنزير، و ما اهلّ به لغير اللّه، و القمار، و أكل السحت، كثمن الميتة و الخمر، و المسكر، و أجر الزانية، و ثمن الكلب الّذي لا يصطاد، و الرشوة على الحكم و لو بالحقّ، و أجر الكاهن، و ما اصيب من أعمال الولاة الظلمة، و ثمن الجارية المغنّية، و ثمن الشطرنج، فإنّ جميع ذلك من السحت.

و من الكبائر: البخس في المكيال و الميزان، و معونة الظالمين، و الركون إليهم، و الولاية لهم، و حبس الحقوق من غير عسر، و الكبر، و الإسراف و التبذير، و الاستخفاف بالحجّ، و المحاربة لأولياء اللّه تعالى، و الاشتغال بالملاهي كالغناء، فإنّه عبارة عن الحديث اللهويّ المشتمل على الكذب، و هو قول الزور المناسب للمجالس المعدّة لذلك، كمجالس أهل التلهّي و الطرب، و ضرب الأوتار و نحوها ممّا يتعاطاه أهل الفسوق، و الإصرار على الذنوب.

و الغيبة، و هي: أن يذكر المؤمن بعيب في غيبته، سواء أ كان بقصد الانتقاص، أم لم يكن، و سواء أ كان العيب في بدنه، أم في نسبه، أم في خلقه، أم في فعله، أم في قوله، أم في دينه، أم في دنياه، أم في غير ذلك ممّا يكون عيبا مستورا عن الناس، كما لا فرق في الذكر بين أن يكون بالقول، أو بالفعل الحاكي عن وجود العيب، و الظاهر اختصاصها بصورة وجود سامع يقصد‌

20

إفهامه و إعلامه، كما أنّ الظاهر أنّه لا بدّ من تعيين المغتاب، فلو قال: (واحد من أهل البلد جبان) لا يكون غيبة و كذا لو قال: (أحد أولاد زيد جبان).

نعم، قد يحرم ذلك من جهة لزوم الإهانة و الانتقاص، لا من جهة الغيبة، و يجب عند وقوع الغيبة التوبة و الندم، و الأحوط- استحبابا- الاستحلال من الشخص المغتاب إذا لم تترتّب على ذلك مفسدة، أو الاستغفار له.

و قد تجوز الغيبة في موارد، منها: المتجاهر بالفسق، فيجوز اغتيابه في غير العيب المستتر به، و منها، الظالم لغيره، فيجوز للمظلوم غيبته و الأحوط- استحبابا- الاقتصار على ما لو كانت الغيبة بقصد الانتصار لا مطلقا، و منها:

نصح المؤمن، فتجوز الغيبة بقصد النصح، كما لو استشار شخص في تزويج امرأة فيجوز نصحه، و لو استلزم إظهار عيبها، بل لا يبعد جواز ذلك ابتداء من دون استشارة، إذا علم بترتّب مفسدة عظيمة على ترك النصيحة، و منها: ما لو قصد بالغيبة ردع المغتاب عن المنكر، فيما إذا لم يمكن الردع بغيرها، و منها: ما لو خيف على الدين من الشخص المغتاب، فتجوز غيبته، لئلّا يترتّب الضرر الدينيّ، و منها: جرح الشهود، و منها: ما لو خيف على المغتاب الوقوع في الضرر اللازم حفظه عن الوقوع فيه، فتجوز غيبته لدفع ذلك عنه، و منها: القدح في المقالات الباطلة، و إن أدّى ذلك إلى نقص في قائلها، و قد صدر من جماعة كثيرة من العلماء القدح في القائل بقلّة التدبّر، و التأمّل، و سوء الفهم و نحو ذلك، و كان صدور ذلك منهم لئلّا يحصل التهاون في تحقيق الحقائق، عصمنا اللّه تعالى من الزلل، و وفّقنا للعلم و العمل، إنّه حسبنا و نعم الوكيل.

و قد يظهر من الروايات عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام): أنّه يجب على سامع الغيبة أن ينصر المغتاب، و يردّ عنه، و أنّه إذا لم يرد خذله اللّه تعالى في الدنيا‌

21

و الآخرة، و أنّه كان عليه كوزر من اغتاب.

و من الكبائر: البهتان على المؤمن و هو ذكره بما يعيبه و ليس هو فيه، و منها: سبّ المؤمن و إهانته و إذلاله، و منها: النميمة بين المؤمنين بما يوجب الفرقة بينهم، و منها: القيادة و هي السعي بين اثنين لجمعهما على الوطء المحرّم، و منها: الغشّ للمسلمين، و منها: استحقار الذنب فإنّ أشدّ الذنوب ما استهان به صاحبه، و منها: الرياء، و غير ذلك ممّا يضيق الوقت عن بيانه.

(مسألة 32): ترتفع العدالة بمجرّد وقوع المعصية،

و تعود بالتوبة و الندم و الرجوع إليه حقيقة، و قد مرّ أنّه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة و الكبيرة.

(مسألة 33): الاحتياط المذكور في مسائل هذه الرسالة- إن كان مسبوقا بالفتوى أو ملحوقا بها- فهو استحبابيّ يجوز تركه،

و إلّا فهو وجوبيّ و على العاميّ أن يعمل به تبعا لمقلّده. و كذلك موارد الإشكال و التأمّل، فإذا قلنا:

يجوز على إشكال أو على تأمّل فالاحتياط في مثله استحبابيّ، و إن قلنا: يجب على إشكال، أو على تأمّل فإنّه فتوى بالوجوب، و إن قلنا المشهور: كذا، أو قيل كذا، و فيه تأمّل، أو فيه إشكال، فاللازم العمل بالاحتياط.

(مسألة 34): إنّ كثيرا من المستحبّات المذكورة في أبواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في أدلّة السنن،

و لمّا لم تثبت عندنا فيتعيّن الإتيان بها برجاء المطلوبيّة، و كذا الحال في المكروهات فتترك برجاء المطلوبيّة.

و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه انيب‌

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

كتاب الطّهارة

و فيه مقاصد‌

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

المقصد الأوّل أقسام المياه و أحكامها

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في انقسام الماء إلى مطلق و مضاف

ينقسم ما يستعمل فيه لفظ الماء إلى قسمين:

الأوّل: ماء مطلق،

و هو ما يصحّ استعمال لفظ الماء فيه بلا مضاف إليه كالماء الّذي يكون في البحر، أو النهر، أو البئر، أو غير ذلك فإنّه يصحّ أن يقال له ماء، و إضافته إلى البحر- مثلا- للتعيين، لا لتصحيح الاستعمال.

الثاني: ماء مضاف،

و هو ما لا يصحّ استعمال لفظ الماء فيه بلا مضاف إليه كماء الرمّان و ماء الورد، فإنّه لا يقال له ماء إلّا مجازا، و لذا يصحّ سلب الماء عنه.

الفصل الثاني في الماء المطلق

الماء المطلق إمّا لا مادّة له، أو له مادّة.

و الأوّل: إمّا قليل لا يبلغ مقداره الكرّ، أو كثير يبلغ مقداره الكرّ، و الماء القليل ينفعل كلّه بملاقاة جانب منه لعين النجس، إلّا إذا كان متدافعا بقوّة‌

26

فالنجاسة تختصّ حينئذ بموضع الملاقاة فقط، و لا تسري إلى غيره سواء كان جاريا من الأعلى إلى الأسفل كالماء المنصبّ من الميزاب على النجس في الأرض فإنّ النجاسة تسري إلى محلّ الملاقاة فقط، و لا تسري إلى الماء الأعلى، فيبقى على طهارته، و مثل ذلك ما إذا صبّ ماء من إبريق على نجس في مكان أسفل فلا تسري النجاسة منه إلّا إلى موضع الملاقاة فحسب، و إمّا الماء الأعلى و ما في الإبريق فيبقى على طهارته، أم كان متدافعا من الأسفل إلى الأعلى كالماء الخارج من الفوّارة يفور صاعدا كالعمود و يلاقي النجاسة في العلوّ، فإنّه يتنجّس الطرف الأعلى من الماء القليل الملاقي، و لا تسري النجاسة إلى العمود و ما دونه، و كذا إذا كان متدافعا من أحد الجانبين إلى الآخر.

و هل يتنجّس الماء القليل بملاقاة المتنجّس الخالي عن عين النجس أو لا؟

و الجواب لا يبعد عدم تنجّسه، و بقائه على الطهارة، و إن كان الأحوط و الأجدر الاجتناب عنه، و أمّا الكثير الّذي يبلغ الكرّ فلا ينفعل بملاقاة النجس، فضلا عن المتنجّس، إلّا إذا تغيّر بلون النجاسة، أو طعمها، أو ريحها فإذا تغيّر حكم بنجاسته.

(مسألة 35): إذا وقعت كميّة من عين النجس في الماء الكثير، و لم يتغيّر طعمه و لا لونه و لا رائحته،

فلذلك صور:

الاولى: أنّ عدم تغيّر الماء مستند إلى سبب في عين النجاسة، كما إذا كانت فاقدة لكلّ الخصائص و الأوصاف من الطعم و الرائحة و اللون.

الثانية: أنّ عدم تغيّره مستند إلى سبب في الماء، كما إذا كان أحمر اللون بسبب وقوع كميّة من الصبغ فيه.

الثالثة: أنّ عدم تغيّره مستند إلى سبب خارجيّ، كبرودة الجوّ أو غيرها.

27

ففي جميع هذه الصور هل يتنجّس الماء؟

و الجواب: إمّا في الصورة الاولى فلا يتنجّس الماء، و لا مقتضي لذلك، و إمّا في الصورة الثالثة فالأمر كما في الصورة الاولى، لأنّ برودة الجو الّتي تمنع عن تأثّر الماء برائحة الجيفة النجسة بحيث لو كان الجوّ معتدلا أو حارّا لحدث التغيّر فيه، تمنع عن تنجّسه بسبب منعها عن تحقّق موضوعه في الخارج. و أمّا في الصورة الثانية فيتنجّس الماء، لأنّه متغيّر بأحد أوصاف النجس واقعا، غاية الأمر أنّه لمّا كان ملوّنا باللون الأحمر كان ذلك مانعا عن ظهوره و بروزه خارجا.

(مسألة 36): إذا تغيّر الماء بغير اللون، و الطعم و الريح،

بل بالثقل أو الثخانة، أو نحوهما لم ينجس.

(مسألة 37): إذا تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالمجاورة للنجاسة

لم ينجس أيضا.

(مسألة 38): إذا تغيّر الماء بوقوع المتنجّس فيه لم ينجس،

إلّا أن يتغيّر بوصف النجاسة الّتي هي موجودة في المتنجّس، كالماء المتغيّر بالدّم يقع في الكرّ فيغيّر لونه، و يكون أصفر فإنّه ينجس.

(مسألة 39): يكفي في حصول النجاسة التغيّر بوصف النجس في الجملة و لو لم يطابق مع النجس،

فإذا اصفرّ الماء بملاقاة الدّم تنجّس، إذ لا نعني بالتغيّر الّذي ينجّس الماء الكثير أن يكتسب نفس لون النجس أو طعمه أو ريحه بالضبط.

و الثاني: و هو ما له مادّة لا ينجس بملاقاة النجاسة، إلّا إذا تغيّر بأحد أوصاف النجس، على النحو الّذي مرّ في الماء الكثير الّذي لا مادّة له، بلا فرق في ذلك بين ماء الأنهار، و ماء البئر، و ماء العيون و غيرها ممّا كان له مادّة، و لا بدّ في الماء من أن يبلغ الكر، و لو بضميمة ما له المادّة إليه، فإذا بلغ ما في‌

28

الحياض في الحمّام مع مادّته كرّا لم ينجس بالملاقاة.

(مسألة 40): يعتبر في عدم تنجّس الجاري اتّصاله بالمادّة،

فلو كانت المادّة من فوق تترشّح و تتقاطر، فإن كان الماء المترشّح و المتقاطر دون الكرّ ينجس. نعم، إذا لاقى محلّ الرشح للنجاسة لا ينجس.

(مسألة 41): الراكد المتّصل بالجاري كالجاري

في عدم انفعاله بملاقاة النجس و المتنجّس، فالحوض المتّصل بالنهر بساقية معتصم لا ينجس بالملاقاة، و كذا أطراف النهر، و إن كان ماؤها راكدا.

(مسألة 42): إذا تغيّر بعض الجاري دون بعضه الآخر؛

فالطرف المتّصل بالمادّة لا ينجس بالملاقاة و إن كان قليلا، و الطرف الآخر حكمه حكم الراكد إذا تغيّر تمام قطر ذلك البعض، و إلّا فالمتنجّس هو المقدار المتغيّر فقط؛ لاتّصال ما عداه بالمادّة.

و إذا تغيّر بعض الماء الراكد الكثير، كما إذا وقع دم في جانب منه فاصفرّ الماء في هذا الجانب، فهل يتنجّس الماء في الجانب الآخر قبل أن يتسرّب إليه لون الدّم؟

و الجواب: لا يتنجّس ما دام الجانب الآخر بقدر الكرّ.

(مسألة 43): إذا شكّ في أنّ للجاري مادّة أم لا

- و كان قليلا- ينجس بالملاقاة.

(مسألة 44): ماء المطر بحكم ذي المادّة لا ينجس بملاقاة النجاسة في حال نزوله.

أمّا لو وقع على شي‌ء كورق الشجر، أو ظهر الخيمة أو نحوهما، ثمّ وقع على النجس تنجّس.

29

(مسألة 45): إذا اجتمع ماء المطر في مكان- و كان قليلا

- فإن كان يتقاطر عليه المطر فهو معتصم كالكثير، و إن انقطع عنه التقاطر كان بحكم القليل.

نعم، إذا كان وقوعه على ورق الشجر بنحو يمرّ منه إلى الأرض لا أنّه يطفر منه إليها فهو معتصم.

(مسألة 46): الماء النجس القليل كما يطهر بتقاطر ماء المطر- بمقدار معتدّ به لا مثل قطرة أو قطرتين فقط- كذلك يطهر باتّصاله بماء معتصم.

مثال ذلك: ماء قليل في وعاء تنجّس بالملاقاة، فإذا اريد أن يطهر ذلك الماء يفتح عليه انبوب من أنابيب الماء الممتدّة إلى البيوت في العصر الحاضر، فيطهر بمجرّد اتّصاله به، من دون التوقّف على انتشار ماء الانبوب في كلّ جوانب الماء.

(مسألة 47): يعتبر في جريان حكم ماء المطر أن يصدق عرفا أنّ النازل من السماء ماء مطر،

فإذا صدق ذلك فهو معتصم، لا يتنجّس بملاقاة عين النجس، فلو أنّ قطرة من ماء المطر وقعت مباشرة على عين نجسة كالميتة- مثلا- لم تتنجّس سواء استقرّت عليها أم انفصلت عنها ما دام المطر يتقاطر، و لو تجمّع ماء المطر في موضع من الأرض فوقع فيه نجس لم يتنجّس ما دام المطر يتقاطر، و كذلك الحكم إذا جرى ماء المطر على السطح- مثلا- و انحدر منه إلى الأرض من ميزاب أو نحوه، فإنّ الماء الجاري من الميزاب معتصم، و لا ينفعل بملاقاة عين نجسة في الأرض ما دام المطر يتقاطر من السماء، و مثل ذلك ماء المطر المتساقط على أوراق الشجر و النازل منها إلى الأرض. نعم، إذا أصاب ماء المطر سقف الغرفة، و تسرّبت رطوباته في السقف ثمّ ترشّح منه إلى أرض الغرفة، فلا يعتبر الماء المتساقط على أرض الغرفة معتصما، حتّى و لو كان المطر لا يزال يتقاطر على سقف الغرفة؛ لأنّ الصلة قد انقطعت بين ماء المطر و الماء المتساقط‌

30

من سقف الغرفة إلى أرضها، و أمّا إذا وقعت عليه قطرة أو قطرتان فلا يصدق على ذلك عرفا أنّ المطر قد أصابه.

(مسألة 48): الثوب أو الفراش النجس إذا تقاطر عليه المطر و نفذ في جميعه طهر الجميع،

و إذا وصل إلى بعضه دون بعض طهر ما وصل إليه دون غيره، هذا إذا لم يكن فيه عين النجاسة، و إلّا فلا يطهر إلّا إذا تقاطر عليه بعد زوال عينها. نعم، إذا كان الثوب متنجّسا بالبول لم يطهر بإصابة المطر عليه مرّة واحدة، بل لا بدّ من التعدّد عرفا، كما هو الحال في غسله بغير الماء الجاري.

(مسألة 49): الأرض النجسة تطهر بوصول المطر إليها،

بشرط أن يكون من السماء و لو بإعانة الريح، و أمّا لو وصل إليها بعد الوقوع على محلّ آخر- كما إذا ترشّح بعد الوقوع على مكان، فوصل مكانا نجسا- لا يطهر. نعم، لو جرى على وجه الأرض فوصل إلى مكان مسقّف طهر.

(مسألة 50): إذا تنجّس الماء الكثير بالتغيّر بعين النجس فلا يطهر إلّا بتوفّر أمرين فيه:

أحدهما: أن يزول تغيّره و يعود إلى حالته الطبيعيّة، سواء أ كان ذلك لمرور الزمن أم بمزجه بماء آخر.

و الآخر: أن يوصل و هو سليم من التغيّر بالماء المعتصم كالكرّ، أو الجاري، أو ماء المطر، و يمكن إنجاز كلا الأمرين معا بعمليّة واحدة بأن يفتح انبوبا من الماء على الماء المتغيّر فينتشر ماء الانبوب في الماء المتغيّر إلى أن يزول تغيّره و يطهّره باستمرار اتّصاله به بعد ذلك، أو باتّصاله بالماء الجاري أو الكرّ أو المطر، فيبقى مستمرّا إلى أن يزول تغيّره، و يطهّره بعد ذلك باستمرار اتّصاله به.

31

(مسألة 51): إذا تقاطر على عين النجس، فترشّح منها على شي‌ء آخر لم ينجس، ما دام متّصلا بماء السماء بتوالي تقاطره عليه شريطة أن لا يكون حاملا لعين النجس معه.

(مسألة 52): مقدار الكرّ وزنا بحقّة الإسلامبول الّتي هي مائتان و ثمانون مثقالا صيرفيّا

(مائتان و أربعة و تسعون حقّة و نصف حقّة تقريبا) و بالكيلو (ثلاثمائة و تسعة و تسعون كيلو) تقريبا، و مقداره في المساحة ما بلغ مكسّره اثنين و أربعين و سبعة أثمان شبر اعتياديّ على الأظهر.

(مسألة 53): لا فرق في اعتصام الكرّ بين تساوي سطوحه و اختلافها،

و لا بين وقوف الماء و ركوده و جريانه. نعم، إذا كان ماء الكرّ جاريا و متحرّكا بدفع، كالماء الجاري من خزّانات البيوت أو غيرها أو الحمّامات إلى الحياض الصغار تحت الأنابيب، ففي هذه الحالة إن كان الماء الموجود في الخزّان بقدر الكرّ كان معتصما، و لم يتنجّس بملاقاة عين النجس، و كذلك ما في الحوض الصغير ما دام الانبوب مفتوحا عليه و يصبّ فيه، و إن لم يكن الماء الموجود في الخزّان بقدر الكرّ، و لكن بضميمة ما في الأنابيب و ما انحدر إلى الحوض الصغير كان الكلّ بقدر الكرّ و كان ما في الحوض الصغير معتصما ما دام متّصلا بماء الخزّان، و أمّا ما في الخزّان فليس معتصما، فإذا لاقته عين النجس تنجّس، و لا يكفي في اعتصامه اعتصام ما في الحوض، لأنّ كرّيّة الماء المتدافع إليه و عدم تنجّسه بملاقاة النجس لا تكفي في اعتصام الماء المتدافع منه عرفا و ارتكازا دون العكس، فإنّ كرّيّة الماء المتدافع منه أو كرّيّة المجموع تكفي في اعتصام الماء المتدافع إليه.

(مسألة 54): لا فرق بين ماء الحمّام و غيره في الأحكام،

فما في الحياض‌

32

الصغيرة في الحمّامات إذا كان متّصلا بالمادّة، و كانت المادّة وحدها، أو بضميمة ما في الحياض إليها كرّا اعتصم، و أمّا إذا لم يكن متّصلا بالمادّة، أو لم تكن المادّة و لو بضميمة ما في الحياض إليها كرّا لم يعتصم.

(مسألة 55): الماء الموجود في الأنابيب المتعارفة في زماننا بمنزلة المادّة،

فإذا كان الماء الموضوع في اجانة و نحوها من الظروف نجسا، و جرى عليه ماء الانبوب طهر، بل يكون ذلك الماء أيضا معتصما، ما دام ماء الانبوب جاريا عليه، و يجرى عليه حكم ماء الكرّ في التطهير به، و هكذا الحال في كلّ ماء نجس، فإنّه إذا اتّصل بالمادّة طهر، إذا كانت المادّة كرّا.

(مسألة 56): ما يوضع في فوهة اتّصال خزّان الماء بالمادّة الّتي يستمد منها الخزّان،

و يسمّى بالطوّافة، يقطع اتّصال ماء الخزّان بالمادّة في حالة امتلائه، و حينئذ فإذا كان الخزّان بقدر الكرّ كان معتصما، و إن كان دون الكرّ اعتبر ما في الخزّان ماء قليلا، و لكن بمجرّد أن يبدأ الخزّان بدفع الماء، و تنخفض الطوّافة، يعود الاتّصال بالمادّة، و يصبح الماء معتصما، و قد يوضع في فوهة الانبوب حاجز فيه ثقوب صغيرة متقاربة، ينفذ الماء من خلالها بقوّة و دفع، و يسمّى بالدوش، و هذا الماء النازل من هذه الثقوب إذا كان ينزل بشكل قطرات متلاحقة مع فواصل بينها و لو صغيرة بنظر العرف فهو ماء قليل غير معتصم، و إن كان ينزل بنحو يشكّل خطّا متّصلا في نظر العرف فهو معتصم لا ينفعل بالملاقاة.

33

الفصل الثالث حكم الماء القليل

الماء القليل المستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر، و مطهّر من الحدث و الخبث، و المستعمل في رفع الحدث الأكبر طاهر، و مطهّر من الخبث، و الأحوط- استحبابا- عدم استعماله في رفع الحدث، إذا تمكّن من ماء آخر، و إلّا جمع بين الغسل أو الوضوء به و التيمّم، و المستعمل في رفع الخبث نجس، إذا لاقى عين النجس، و إلّا فهو طاهر.

الفصل الرابع حكم الماء المشتبه

إذا علم- إجمالا- بنجاسة أحد الإنائين و طهارة الآخر لم يجز رفع الخبث بأحدهما، و لا رفع الحدث، و أمّا الملاقي له فهو محكوم بوجوب الاجتناب دون النجاسة، إلّا إذا كانت الحالة السابقة فيهما النجاسة، و إذا اشتبه المطلق بالمضاف جاز رفع الخبث بالغسل بأحدهما، ثمّ الغسل بالآخر، و كذلك رفع الحدث، و إذا اشتبه المباح بالمغصوب، حرم التصرّف بكلّ منهما، و لكن لو غسل نجسا بأحدهما طهر، و لا يرفع بأحدهما الحدث، و إذا كانت أطراف الشبهة غير محصورة جاز الاستعمال مطلقا، و ضابط غير المحصورة أن تبلغ كثرة الأطراف حدّا يوجب ضعف احتمال ثبوت التكليف في كلّ واحد منها بدرجة يكون الإنسان واثقا و مطمئنّا بالعدم، فلذلك لا يجب فيها الاحتياط.

34

الفصل الخامس الماء المضاف

الماء المضاف كماء الورد و نحوه، و كذا سائر المائعات ينجس القليل و الكثير منها بمجرّد الملاقاة للنجاسة، إلّا إذا كان متدافعا على النجاسة بقوّة كالجاري من العالي، و الخارج من الفوّارة، فتختصّ النجاسة حينئذ بالجزء الملاقي للنجاسة، و لا تسري إلى العمود، و إذا تنجّس المضاف لا يطهر أصلا، و إن اتّصل بالماء المعتصم، كماء المطر أو الكرّ. نعم، إذا استهلك في الماء المعتصم كالكرّ فقد ذهبت عينه، و مثل المضاف في الحكم المذكور سائر المائعات.

(مسألة 57): الماء المضاف لا يرفع الخبث و لا الحدث.

(مسألة 58): الأسئار- كلّها- طاهرة إلّا سؤر الكلب و الخنزير و الكافر غير الكتابيّ على الأحوط وجوبا،

و أمّا الكتابيّ فالأقوى أنّه طاهر. نعم، يكره سؤر غير مأكول اللحم عدا الهرّة، و أمّا المؤمن فإنّ سؤره شفاء، بل في بعض الروايات المعتبرة أنّه شفاء من سبعين داء.

35

المقصد الثاني أحكام الخلوة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل أحكام التخلّي

يجب حال التخلّي بل في سائر الأحوال ستر بشرة العورة- و هي القبل و الدبر و البيضتان- عن كلّ ناظر مميّز عدا الزوج و الزوجة، و شبههما كالمالك و مملوكته و الأمة المحلّلة بالنسبة إلى المحلّل له، فإنّه يجوز لكلّ من هؤلاء أن ينظر إلى عورة الآخر. نعم، إذا كانت الأمة مشتركة أو مزوّجة أو مخلّلة، أو معتدّة لم يجز لمولاها النظر إلى عورتها، و هي في الرجل عبارة عن القبل و الدبر و البيضتان، و في حكمها ما بين السرّة و الركبة على الأظهر و في النساء تمام بدنها حتّى الوجه و الكفّين على الأحوط. و يحرم على المتخلّي استقبال القبلة و استدبارها حال التخلّي على الأحوط و يجوز حال الاستبراء و الاستنجاء، و إن كان الأحوط استحبابا الترك، و لو اضطرّ إلى أحدهما فالأقوى التخيير و الأولى اجتناب الاستقبال.

(مسألة 59): لو اشتبهت القبلة لم يجز له التخلّي على الأحوط،

إلّا بعد اليأس عن معرفتها، و عدم إمكان الانتظار، أو كون الانتظار حرجيّا أو ضرريّا.

(مسألة 60): لا يجوز النظر إلى عورة غيره من وراء الزجاجة و نحوها،

و لا في المرآة، و لا في الماء الصافي.

36

(مسألة 61): لا يجوز التخلّي في ملك غيره إلّا بإذنه

و لو بالفحوى حتّى الوقف الخاصّ بل في الطرق غير النافذة من دون إذن أربابها، و كذلك يحرم التخلّي على قبور المؤمنين إذا كان هتكا لهم.

(مسألة 62): يجوز على الأظهر التخلّي في المدارس أو نحوها الّتي لا يعلم كيفيّة وقفها،

و أنّه خاصّ للطلاب الساكنين فيها أو عامّ، و كذلك الحال بالنسبة إلى الوضوء فيها أو الغسل.

الفصل الثاني كيفيّة غسل موضع البول

يجب غسل موضع البول بالماء القليل مرّتين على الأحوط وجوبا، و في الغسل بغير القليل يجزئ مرّة واحدة على الأظهر، و لا يجزئ غير الماء، و أمّا موضع الغائط فإن تعدّى المخرج تعيّن غسله بالماء كغيره من المتنجّسات، و إن لم يتعدّ المخرج تخيّر بين غسله بالماء حتّى ينقى و مسحه بالأحجار، أو الخرق، أو نحوهما من الأجسام القالعة للنجاسة، و الماء أفضل.

(مسألة 63): الأحوط- وجوبا- اعتبار المسح بثلاثة أحجار أو نحوها

إذا حصل النّقاء بالأقلّ.

(مسألة 64): يجب أن تكون الأحجار أو نحوها طاهرة.

(مسألة 65): يحرم الاستنجاء بالأجسام المحترمة،

و أمّا العظم و الروث، فلا يحرم الاستنجاء بهما، و لكن لا يطهر المحلّ بهما على الأظهر.

37

(مسألة 66): يجب في الغسل بالماء إزالة العين و الأثر،

و لا تجب إزالة اللون و الرائحة، و يجزئ في المسح إزالة العين، و لا تجب إزالة الأثر الّذي لا يزول بالمسح بالأحجار عادة.

(مسألة 67): إذا خرج مع الغائط أو قبله، أو بعده، نجاسة اخرى مثل الدّم، و لاقت المحلّ،

لا يجزئ في تطهيره إلّا الماء.

الفصل الثالث مستحبّات التخلّي

يستحبّ للمتخلّي- على ما ذكره العلماء (قدس سرهم) - أن يكون بحيث لا يراه الناظر، و لو بالابتعاد عنه، كما يستحبّ له تغطية الرأس و التقنّع، و هو يجزئ عنها، و التسمية عند التكشّف، و الدعاء بالمأثور، و تقديم الرجل اليسرى عند الدخول، و اليمنى عند الخروج و الاستبراء و أن يتّكئ- حال الجلوس- على رجله اليسرى، و يفرج اليمنى، و يكره الجلوس في الشوارع، و المشارع، و مساقط الثمار، و مواضع اللعن: كأبواب الدور و نحوها من المواضع الّتي يكون المتخلّي فيها عرضة للعن الناس، و المواضع المعدّة لنزول القوافل، و استقبال قرص الشمس، أو القمر بفرجه، و استقبال الريح بالبول، و البول في الأرض الصلبة، و في ثقوب الحيوان، و في الماء خصوصا الراكد، و الأكل و الشرب حال الجلوس للتخلّي، و الكلام بغير ذكر اللّه، إلى غير ذلك ممّا ذكره العلماء (قدس سرهم).

(مسألة 68): ماء الاستنجاء نجس على الأقوى،

و إن كان من البول و تترتّب عليه آثار النجاسة سوى انفعال الملاقي له فلا يجوز استعماله في الوضوء أو الغسل و لا في رفع الخبث. نعم، إذا كان الماء متغيّرا بالنجاسة، أو تجاوزت‌

38

نجاسة الموضع عن المحلّ المعتاد، أو فيه أجزاء متميّزة من الغائط، أو خرج مع البول أو الغائط نجاسة اخرى كالدّم تنجّس ملاقيه أيضا.

الفصل الرابع كيفيّة الاستبراء

كيفيّة الاستبراء من البول أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، ثمّ منه إلى رأس الحشفة ثلاثا، ثمّ ينترها ثلاثا، و فائدته طهارة البلل الخارج بعده إذا احتمل أنّه بول، و لا يجب الوضوء منه، و لو خرج البلل المشتبه بالبول قبل الاستبراء و إن كان تركه لعدم التمكّن منه، أو كان المشتبه مردّدا بين البول و المنيّ بنى على كونه بولا، فيحب التطهير منه و الوضوء، و يلحق بالاستبراء- في الفائدة المذكورة- طول المدّة على وجه يقطع بعدم بقاء شي‌ء في المجرى، و لا استبراء للنساء، و البلل المشتبه الخارج منهنّ طاهر لا يجب له الوضوء. نعم، الأولى للمرأة أن تصبر قليلا و تتنحنح و تعصر فرجها عرضا ثمّ تغسله.

(مسألة 69): فائدة الاستبراء تترتّب عليه

و لو كان بفعل غيره.

(مسألة 70): إذا شكّ في الاستبراء أو الاستنجاء بنى على عدمه،

و إن كان من عادته فعله. نعم، إذا أدّت عادته إلى الوثوق و الاطمئنان بذلك كفى، و إذا شكّ من لم يستبرئ في خروج رطوبة بنى على عدمها و إن كان ظانّا بالخروج.

(مسألة 71): إذا علم أنّه استبرأ أو استنجى و شكّ في كونه على الوجه الصحيح

بنى على الصحّة.

(مسألة 72): لو علم بخروج المذي، و لم يعلم استصحابه لجزء من البول

بنى على طهارته، و إن كان لم يستبرئ.

39

المقصد الثالث الوضوء

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في أجزاء الوضوء و كيفيّته

أجزاء الوضوء أربعة: غسل الوجه و اليدين و مسح الرأس و الرجلين، فهنا واجبات:

الواجب الأوّل: من أجزاء الوضوء غسل الوجه،

و فيه امور:

الأوّل: يجب غسل الوجه ابتداء من منابت الشعر إلى نهاية الذقن طولا، و ما اشتملت عليه الإصبع الوسطى و الإبهام عرضا، و الخارج عن ذلك ليس من الوجه، و إن وجب إدخال شي‌ء من الأطراف إذا لم يحصل العلم بإتيان الواجب إلّا بذلك، و يجب على الأحوط الابتداء بأعلى الوجه إلى الأسفل فالأسفل عرفا.

الثاني: يجب أن يقصد الوضوء عند إيصال الماء إلى الوجه، إمّا بإسالة الماء عليه بالكفّ، و إمرار المتوضّئ يده على وجهه لإيصال الماء إلى تمام الوجه، أو بوضع الوجه تحت انبوب الماء مبتدأ من الأعلى إلى الأسفل، أو بغمسه في ماء حوض و غيره، مع مراعاة الابتداء من الأعلى إلى الأسفل على الأحوط، ففي كلّ هذه الصور إذا كان ناويا الوضوء حين إيصال الماء إلى وجهه صحّ، و أمّا‌

40

إذا لم ينو الوضوء حين الإيصال، و إنّما نواه بعد ذلك بما على وجهه من الماء، فلا يصحّ، مثلا إذا وضع الإنسان وجهه تحت مطر أو ميزاب أو انبوب، فإن قصد الوضوء به حين وصول الماء إلى وجهه صحّ، و إن قصد الوضوء به حين يرى وجود الماء على وجهه بطل، لأنّ وصول الماء إلى وجهه لم يكن بقصد الوضوء من البداية، و من هنا إذا وقف الإنسان تحت المطر بقصد الوضوء من البداية، فإذا جرى الماء على كامل وجهه صحّ، و إن لم يستعمل كفّه في غسل وجهه، و بذلك يظهر أنّ الإنسان إذا أراد أن يتوضّأ ارتماسا، فإن قصد الوضوء بإدخال وجهه في الماء، مع مراعاة الابتداء من الأعلى إلى الأسفل صحّ وضوؤه، و أمّا إذا قصد الوضوء حالة إخراج وجهه من الماء فهذا باطل، و كذلك إذا غمس الإنسان وجهه في الماء بدون قصد الوضوء، ثمّ يقصد الوضوء بالماء الّذي يغمر وجهه فإنّه باطل.

الثالث: أن يكون الماء بمقدار يستولي على الوجه، و يجرى عليه و يتحرّك، فإذا كان قليلا جدّا و استعمله المتوضّئ كما يستعمل الدهن للتدهين فلا يصحّ.

(مسألة 73): غير مستوى الخلقة لطول الأصابع أو لقصرها يرجع إلى متناسب الخلقة المتعارف،

و كذا لو كان أغما قد نبت الشعر على جبهته، أو كان أصلعا قد انحسر الشعر عن مقدّم رأسه فإنّه يرجع إلى المتعارف، و أمّا غير مستوي الخلقة- لكبر الوجه أو لصغره- فيجب عليه غسل ما دارت عليه الوسطى و الإبهام المتناسبتان مع ذلك الوجه، توضيحه: أنّ من كبر وجهه يتناسب أن تكون أصابعه و كفّه أيضا كذلك، فإذا اتّفق في حالة اختلال هذا التناسب، فكان الوجه كبيرا، و الكفّ صغيرة، و الأصابع قصيرة، فلا يكفيه ما اشتملت عليه إصبعه الوسطى و إبهامه فقط، بل يجب عليه أن يغسل ما كانت إصبعاه تشتملان عليه‌

41

لو كانت أصابعه و كفّه اعتياديّة و متناسبة مع كبر وجهه.

(مسألة 74): الشعر النابت فيما دخل في حدّ الوجه يجب غسل ظاهره،

و لا يجب البحث عن الشعر المستور فضلا عن البشرة المستورة. نعم، ما لا يحتاج غسله إلى بحث و طلب يجب غسله، و كذا الشعر الرقيق النابت في البشرة يغسل مع البشرة، و مثله الشعرات الغليظة الّتي لا تستر البشرة.

(مسألة 75): لا يجب غسل باطن العين، و الفم،

و الأنف، و مطبق الشفتين، و العينين.

(مسألة 76): الشعر النابت في الخارج عن الحدّ إذا تدلّى على ما دخل في الحدّ

لا يجب غسله، و كذا المقدار الخارج عن الحدّ، و إن كان نابتا في داخل الحدّ كمسترسل اللحية.

(مسألة 77): إذا بقي ممّا في الحدّ شي‌ء لم يغسل

و لو بمقدار رأس أبرة لا يصحّ الوضوء، فيجب أن يلاحظ آماق و أطراف عينيه أن لا يكون عليها شي‌ء من القيح، أو الكحل المانع، و كذا يلاحظ حاجبه أن لا يكون عليه شي‌ء من الوسخ، و أن لا يكون على حاجب المرأة و سمة و خطاط له جرم مانع عن وصول الماء، و كذلك يتأكّد إذا كان على يقين بوجود شي‌ء و شاكّ في أنّه هل يحجب و يمنع أو لا.

(مسألة 78): إذا تيقّن وجود ما يشكّ في مانعيّته عن الغسل أو المسح

يجب تحصيل اليقين أو الاطمئنان بزواله، و لو شكّ في أصل وجوده يجب الفحص عنه إلّا مع الاطمئنان بعدمه، و لا يكفي مجرّد الظنّ بعدم الحاجز.

(مسألة 79): الثقبة في الأنف موضع الحلقة، أو الخزامة إن وصل الماء إلى داخلها بطبعه

42

وجب غسله كما إذا كانت وسيعة و إلّا لم يجب، بل يكفي غسل ظاهرها، سواء أ كانت فيها الحلقة أم لا.

الواجب الثاني: غسل اليدين، يجب غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع،

و يجب الابتداء بالمرفقين ثمّ الأسفل منها فالأسفل عرفا إلى أطراف الأصابع و المقطوع بعض يده يغسل ما بقي، و لو قطعت من فوق المرفق فالأحوط لو لم يكن أقوى وجوب غسل ما بقي من العضد، و لو كان له ذراعان دون المرفق وجب غسلهما، و كذا اللحم الزائد و الإصبع الزائدة، و لو كان له يد زائدة فوق المرفق فالأحوط وجوبا غسلها أيضا، و لو اشتبهت الزائدة بالأصليّة غسلهما جميعا و مسح بهما على الأحوط وجوبا.

(مسألة 80): المرفق مجمع عظمي الذراع و العضد،

و يجب غسله مع اليد.

(مسألة 81): يجب غسل الشعر النابت في اليدين مع البشرة،

حتّى الغليظ منه.

(مسألة 82): إذا دخلت شوكة في اليد لا يجب إخراجها

إلّا إذا كان ما تحتها محسوبا من الظاهر، فيجب غسله حينئذ و لو بإخراجها، و الشقوق الّتي تحدث في ظهر الكفّ من أثر البرد أو غيره، يجب غسل جوفها و باطنها إذا وصل إليه الماء بطبعه كما إذا اتّسعت، و إلّا لم يجب كما إذا كانت ضيّقة، و إذا شكّ في وصول الماء إليه لم يجب إحراز وصوله.

(مسألة 83): الوسخ الّذي يكون على الأعضاء إذا كان معدودا جزءا من البشرة لا تجب إزالته،

و إن كان معدودا أجنبيّا عن البشرة تجب إزالته.

(مسألة 84): ما هو المتعارف بين العوامّ من غسل اليدين إلى الزندين

و الاكتفاء عن غسل الكفّين حين الوضوء بالغسل المستحبّ قبل الوجه، باطل.

43

(مسألة 85): يجوز الوضوء برمس العضو في الماء من أعلى الوجه أو من طرف المرفق،

مع مراعاة غسل الأعلى فالأعلى، و لكن لا يجوز أن ينوي الغسل لليسرى بإدخالها في الماء من المرفق، لأنّه يلزم تعذّر المسح بماء الوضوء، و كذا الحال في اليمنى إذا لم يغسل بها اليسرى، و أمّا قصد الغسل بإخراج العضو من الماء- تدريجا- فهو غير جائز.

(مسألة 86): الوسخ تحت الأظفار إذا لم يكن زائدا على المتعارف لا تجب إزالته،

إلّا إذا كان ما تحته معدودا من الظاهر، و إذا قصّ أظفاره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله بعد إزالة الوسخ.

(مسألة 87): إذا انقطع لحم من اليدين غسل ما ظهر بعد القطع،

و يجب غسل ذلك اللحم أيضا ما دام لم ينفصل، و إن كان اتّصاله بجلدة رقيقة، و لا يجب قطعه ليغسل ما كان تحت الجلدة، و إن كان هو الأحوط وجوبا لو عدّ ذلك اللحم شيئا خارجيّا و لم يحسب جزءا من اليد.

(مسألة 88): ما ينجمد على الجرح عند البرء و يصير كالجلد لا يجب رفعه،

و إن حصل البرء، و يجزئ غسل ظاهره و إن كان رفعه سهلا.

(مسألة 89): يجوز الوضوء بماء المطر، إذا قام تحت السماء حين نزوله،

فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه، مع مراعاة الأعلى فالأعلى، و كذلك بالنسبة إلى يديه، و كذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه، و لو لم ينو من الأوّل، لكن بعد جريانه على جميع محال الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله، و كذا على يديه إذا حصل الجريان لم يكف كما مرّ.

(مسألة 90): لا أثر للشكّ في الشي‌ء أنّه من الظاهر حتّى يجب غسله،

أو الباطن، لأنّ الواجب على المكلّف هو غسل ما يصل إليه الماء بطبعه، و لو‌

44

بإمرار اليد عليه، إذا لم يكن هناك حاجز، و حينئذ فإن وصل إليه الماء فقد غسل، و صحّ وضوؤه، و إلّا لم يجب عليه غسله، سواء أعلم المتوضّئ بذلك تفصيلا أم لا.

(مسألة 91): يجب أن ينوي الوضوء عند وصول الماء إلى العضو لا بعد ذلك،

فإذا أدخل يده في الماء، و غمسها حتّى المفصل، من دون قصد الوضوء، ثمّ حرّكها، و أخرجها بقصد الوضوء، لم يصح ذلك، و كذلك إذا صبّ الماء على يده، من دون أن يقصد الوضوء بإيصال الماء إليها، ثمّ يقصده بالمسح على الماء الباقي في يده فإنّه باطل.

و يجب أن يكون الماء بمقدار يستولي على البشرة، و يجري و يتحرّك، و لا يكفي ما هو دون ذلك ممّا يشبه المسح و التدهين.

الواجب الثالث: مسح مقدّم الرأس،

يجب مسح مقدّم الرأس و هو ما يقارب ربعه ممّا يلي الجبهة، و يكفي فيه المسمّى طولا و عرضا، و الأحوط استحبابا أن يكون العرض قدر ثلاثة أصابع، و الطول قدر طول إصبع، و الأحوط وجوبا أن يكون المسح من الأعلى إلى الأسفل، و يكون بنداوة الكفّ اليمنى، بل الأحوط أن يكون بباطنها، و إن كانت لا يبعد كفاية المسح بظاهرها.

(مسألة 92): يكفي المسح على الشعر المختصّ بالمقدّم،

بشرط أن لا يخرج بمدّه عن حدّه، فلو كان كذلك فجمع و جعل على الناصية لم يجزئ المسح عليه.

(مسألة 93): لا تضرّ كثرة بلل الماسح

إذا لم تضر بمفهوم المسح.

(مسألة 94): لو تعذّر المسح بباطن الكفّ مسح بظاهرها،

بل لا يبعد جواز المسح بالظاهر مع التمكّن من المسح بالباطن، فإن تعذّر فالأحوط أن يكون بالذراع.

45

(مسألة 95): يعتبر أن لا يكون على الممسوح بلل ظاهر،

بحيث يختلط ببلل الماسح بمجرّد المماسّة، و يمنع عن إسناد المسح عرفا إلى الأصيل.

(مسألة 96): لو اختلط بلل اليد اليد ببلل أعضاء الوضوء،

لم يجز المسح به إذا منع من إسناد المسح إليه، و أمّا اختلاط بلل اليد اليمنى ببلل اليد اليسرى الناشئ من الاستمرار في غسل اليسرى بعد الانتهاء من غسلها، إمّا احتياطا، أو للعادة الجارية فهو لا يخلو عن إشكال إذا كان خارجا عن المتعارف.

(مسألة 97): لو جفّ ما على اليد من البلل لعذر،

أخذ من بلل لحيته إن أمكن، و إلّا وجب إعادته.

و قد تسأل هل يجوز أخذ البلل من لحيته الخارجة عن حدّ الوجه؟

و الجواب: لا يبعد جوازه شريطة أن لا تكون خارجة عن المتعارف.

(مسألة 98): لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح لحرّ أو مرض أو أيّ شي‌ء آخر،

انتقل الأمر إلى التيمّم.

(مسألة 99): لا يجوز المسح على العمامة، و القناع، أو غيرهما من الحائل

و إن كان شيئا رقيقا لا يمنع من وصول الرطوبة إلى البشرة.

الواجب الرابع: مسح القدمين، يجب مسح القدمين من أطراف الأصابع إلى مفصل الساق طولا،

و أمّا عرضا فيكفي المسح بأيّ مقدار أراد المتوضّئ، و الأظهر مسح اليمنى باليمنى أوّلا، ثمّ اليسرى باليسرى، و لو قطع بعض القدم مسح على الباقي، و إن قطعت القدم بالكامل سقط المسح، و إن كان الأحوط و الأجدر أن يمسح على الساق، و إن كانت له قدم زائدة، فإن اشتبهت بالأصليّة وجب مسح كليهما معا، و إن علم زيادتها فالأحوط مسحها أيضا، و يمسح ببلّة‌

46

الكفّ، و إذا جفّت أخذ من بلّة لحيته، و حكم الاختلاط برطوبة اخرى، أو الحائل هو عين الحكم في مسح الرأس باليد اليمنى.

(مسألة 100): لا يجب المسح على خصوص البشرة،

بل يجوز المسح على الشعر النابت فيها أيضا، إذا لم يكن خارجا عن المتعارف، و إلّا وجب المسح على البشرة.

(مسألة 101): لا يجزئ المسح على الحائل كالخفّ و إن كان تقيّة،

كما أنّه لا يجزئ إذا كان لضرورة اخرى.

(مسألة 102): لو دار الأمر بين المسح على الخفّ، و الغسل للرجلين للتقيّة

تعيّن اختيار الثاني.

(مسألة 103): يعتبر عدم المندوحة في مكان التقيّة على الأقوى،

فلو أمكنه ترك التقيّة و إراءة المخالف عدم المخالفة لم تشرع التقيّة، و لا يعتبر عدم المندوحة في الحضور في مكان التقيّة و زمانها، كما لا يجب بذل مال لرفع التقيّة، و أمّا في سائر موارد الاضطرار فيعتبر فيها عدم المندوحة مطلقا. نعم، لا يعتبر فيها بذل المال لرفع الاضطرار، إذا كان ضرريّا.

(مسألة 104): إذا زال السبب المسوّغ للوضوء العذريّ وجبت إعادته،

و إن كانت في خارج الوقت، بدون فرق بين أن يكون السبب المذكور تقيّة أو غيرها من الضرورات، لما مرّ من أنّ المسح على الحائل أو غيره لا يجزئ و إن كان تقيّة. نعم، إذا كان الوضوء العذريّ صحيحا لم تجب إعادته، و إن زال السبب المسوّغ له في الوقت، كما إذا توضّأ منكوسا، أو غسل رجليه بدل المسح تقيّة، فإنّ هذا الوضوء صحيح واقعا و لا تجب إعادته و إن زالت التقيّة في الوقت.

(مسألة 105): لو توضّأ على خلاف التقيّة فهل يصحّ؟

47

و الجواب: أنّه لا يصحّ؛ لأنّه مبغوض فلا يمكن التقرّب به. نعم، لو كان مذهب من يتّقي المكلّف منه المسح على الحائل، و هو غسل رجليه بدل المسح تقيّة صحّ، إذ لا يعتبر في صحّة العمل تقيّة أن يكون على وفق مذهب من يتّقى منه.

(مسألة 106): يجب في مسح الرجلين أن يضع يده على رءوس الأصابع و يجرّها شيئا فشيئا حتّى المفصل،

أو بالعكس فيضع يده على الكعبين و يجرّها إلى أطراف الأصابع تدريجا، و لا يكفي أن يضع تمام كفّه على تمام ظهر القدم من طرف الطول إلى المفصل، و يجرّها قليلا بمقدار صدق المسح.

الفصل الثاني الجبيرة

العضو المكسور أو المجروح إذا كانت عليه جبيرة أو عصابة فعليه وضوء الجبيرة في ضمن شروط:

الأوّل: أن يكون العضو المكسور أو المجروح من أعضاء الوضوء.

الثاني: أن يتضرّر باستعمال الماء.

الثالث: أن لا تكون الجبيرة أو العصابة نجسة بأن تكون طاهرة و لو ظاهرها و لا تضرّ نجاسة ما هو داخل الجبيرة أو العصابة.

الرابع: أن لا تكون الجبيرة أو العصابة زائدة على الحدّ المألوف و المعروف كمّا و حجما، و العادة جارية على أنّ الجبيرة أو العصابة أوسع من موضع الإصابة بقدر ما، فإذا زادت على ذلك المقدار لم يكف المسح عليها، بل‌

48

يجب عليه تصغيرها إن أمكن، و إلّا فوظيفته التيمّم إذا لم تكن في الأعضاء المشتركة، و إلّا فوظيفته الجمع بينه و بين وضوء الجبيرة، و كذلك إذا كانت العصابة أو الجبيرة مستوعبة لتمام الرأس أو اليد أو الرجل، فإن أمكن فكّها و الوضوء بصورة اعتياديّة وجب عليه ذلك، و إن لم يمكن، أو كان ضرريّا، فإن أمكن تصغيرها إلى الحدّ المألوف لزمه ذلك، و يأتي بالوضوء الجبيريّ.

الخامس: أن تكون مباحة، فلا يجوز المسح على الجبيرة أو العصابة المغصوبة، و إلّا فوظيفته التيمّم.

فإذا توفّرت هذه الشروط وجب عليه وضوء الجبيرة.

(مسألة 107): إذا كان الجرح أو الكسر في غير أعضاء الوضوء،

فإن كان يتضرّر بغسل أعضاء الوضوء فوظيفته التيمّم بدلا عن الوضوء، و إن لم يكن يتضرّر به فوظيفته الوضوء اعتياديّا.

(مسألة 108): إذا كان العضو المصاب بالجرح أو القرح مكشوفا،

فإن أمكن غسله توضّأ بصورة اعتياديّة، و إن لم يمكن ذلك للضرر توضّأ مقتصرا على غسل أطرافه، هذا إذا كان في موضع الغسل، و أمّا إذا كان في موضع المسح، و كان مستوعبا لتمام الموضع، فإن تمكّن من المسح عليه وجب، و إن لم يتمكّن إمّا لضرر أو لنجاسة فوظيفته التيمّم، و كذلك إذا كان غسل أطرافه ضرريّا بأكبر من المقدار المألوف، أو كان نجسا و لا يمكن غسله، فإنّ وظيفته في هاتين الحالتين أيضا التيمّم، و إذا كان العضو المصاب بالكسر مكشوفا، فإن كان غسل الموضع المصاب ضرريّا فوظيفته التيمّم، دون الوضوء مقتصرا على غسل أطرافه، و إذا كان الكسر المكشوف في موضع المسح، فإن أمكن المسح عليه توضّأ اعتياديّا، و إلّا فوظيفته التيمّم أيضا، و بذلك يفرق الكسر المكشوف عن الجرح المكشوف.

49

(مسألة 109): إذا كان العضو المصاب بالجرح أو الكسر مكشوفا، و كان الموضع المصاب طاهرا، و بالإمكان غسله بدون ضرر،

فوظيفته الوضوء بصورة اعتياديّة، و إذا كان طاهرا و لكن كان معصّبا أو مجبورا، و حينئذ فإن كان متمكّنا من حلّ العصابة و فكّها عن ذلك العضو، و الوضوء بدون ضرر وجب عليه ذلك، و لا يصحّ منه وضوء الجبيرة، و إن لم يكن بإمكانه حلها؛ لأنّها محكمة الشدّ، و لا يتيسّر حلها إلّا لمن له الخبرة بذلك و هو غير موجود، و لا يتسرّب الماء إلى العضو من دون حلّها، و في هذه الحالة يجب عليه التيمّم إذا لم يكن العضو المعصّب من الأعضاء المشتركة بين الوضوء و التيمّم، و إلّا يتيمّم و يتوضّأ معا، و إذا أمكن إيصال الماء إلى البشرة مع بقاء العصابة أو الجبيرة و لو بغمسه في الماء مع مراعاة الترتيب مبتدئا من الأعلى إلى الأسفل، وجب عليه الوضوء، و إيصال الماء إلى موضع الجرح أو الكسر. نعم، إذا كان الموضع من مواضع المسح، لا يكفي إيصال الماء إلى البشرة بدلا عن المسح عليها، فإنّ وظيفته في هذه الحالة فكّ العصابة إن أمكن، و الوضوء بالطريقة الاعتياديّة، و إلّا فوظيفته التيمّم، و كذلك إذا كان الموضع نجسا بالدّم- مثلا- و لا يمكن تطهيره، فإنّ الوظيفة التيمّم من دون فرق بين أن يكون الموضع المتنجّس من المواضع المشتركة بين الوضوء و التيمّم، أو من المواضع المختصّة بالوضوء.

(مسألة 110): الجبيرة أو العصابة قد تكون في الأعضاء المختصّة بالوضوء،

و هي الوجه و اليدان، و قد تكون في الأعضاء المختصّة بالمسح، و هي مقدّم الرأس و القدمان، و قد تكون في الأعضاء المشتركة، و هي الكفّ، ففي الحالة الاولى يكون المسح على الجبيرة بديلا شرعا عن غسل ما تخفيه من البشرة و هو العضو المغسول، و في الحالة الثانية يكون بديلا شرعا عن المسح على ما تستره من البشرة و هي العضو الممسوح، شريطة أن لا يبقى منه مقدار‌

50

مكشوف يكفي للمسح، و الأحوط وجوبا ضمّ التيمّم إليه أيضا، و في الحالة الثالثة يمسح على الجبيرة عند غسل العضو، و يمسح بها بعد ذلك بدلا عن المسح بالبشرة إذا لم يبق منه مقدار مكشوف يكفي المسح به.

(مسألة 111): اللطوخ المطليّ بها العضو للتداوي يجري عليها حكم الجبيرة،

و أمّا الحاجب اللاصق- اتّفاقا- كالقير و أيّ حاجز آخر فإن أمكن رفعه وجب، و إلّا وجب التيمّم، إذا لم يكن الحاجب في مواضعه، و إلّا جمع بين الوضوء و التيمّم.

(مسألة 112): يختصّ الحكم المتقدّم بالجبيرة الموضوعة على الموضع في موارد الجرح، أو القرح، أو الكسر،

و أمّا في غيرها كالعصابة الّتي يعصّب بها العضو لألم أو ورم، و نحو ذلك، فلا يجزئ المسح على الجبيرة، بل يجب عليه التيمّم إذا لم يمكن غسل المحلّ لضرر و نحوه.

(مسألة 113): قد تسأل هل يجري حكم الجبيرة في الأغسال؟

و الجواب: أنّه لا يجري في غسل الميّت، و أمّا في غيره فله حالات:

الاولى: أنّ المصاب بالكسر إذا كان جنبا- مثلا- و كان كسره مكشوفا، فحينئذ إن كان غسل العضو المصاب المكشوف ضرريّا، فوظيفته التيمّم، و إن كان الأحوط ضمّ الغسل مقتصرا بغسل أطراف الموضع المصاب إليه أيضا، و إن لم يكن ضرريّا وجب عليه الغسل بالطريقة الاعتياديّة.

الثانية: إذا كان كسره مجبورا فوظيفته غسل ما ظهر ممّا ليس عليه الجبيرة أو العصابة، شريطة أن يكون في قيام المكلّف بما يتطلّبه الغسل ضرر من فكّ العصابة، و فصلها عن العضو المكسور، و تطهيره إذا كان نجسا، و غسله، أو يكون في شي‌ء من ذلك ضرر، أو يؤدّي إلى تفاقم الكسر أو البطء في البرء،

51

و الأحوط و الأجدر في هذه الحالة ضمّ المسح على الجبيرة إليه أيضا.

الثالثة: إنّ القريح أو الجريح الجنب- مثلا- إذا كان جرحه أو قرحه مكشوفا، و حينئذ فإن كان الغسل بصورته الاعتياديّة ميسورا له، و لم يكن في إيصال الماء إلى موضع الإصابة ضرر، وجب عليه أن يغتسل اعتياديّا، و إن لم يكن الغسل كذلك ميسورا له لضرر، فوظيفته التيمّم دون الغسل، مقتصرا بغسل ما حول موضع الإصابة، و إن كان الأولى و الأجدر به ضمّه إلى التيمّم أيضا.

الرابعة: إذا كان جرحه أو قرحه معصّبا أو مجبورا، و كان غسله مضرّا، أو مؤدّيا إلى تفاقم الجرح، أو البطء في البرء، فوظيفته الغسل مقتصرا على غسل ما ظهر ممّا ليس عليه الجبيرة، و لا يجب عليه نزعها و فكّها، إلّا إذا توقّف غسل الأطراف عليه، كما إذا أشغلت الجبيرة حجما أكبر ممّا هو مألوف و متعارف، و الأحوط و الأجدر به أن يضمّ إليه المسح عليها أيضا.

الخامسة: إذا كان الموضع المصاب في العضو المشترك بين الغسل و التيمّم، فعندئذ إن كانت وظيفته الغسل مقتصرا على غسل ما حول الموضع المصاب، فلا إشكال، و أمّا إذا كانت وظيفته التيمّم، فإن تمكّن من التيمّم به أو عليه، فأيضا لا إشكال، و إن لم يتمكّن من ذلك لنجاسة الموضع المصاب بنجاسة مسرية، أو لسبب آخر، فالأحوط أن يجمع بين الغسل مقتصرا على غسل أطرافه، و بين وضع خرقة طاهرة عليه، و التيمّم بها، أو عليها، و يصلّي، ثمّ يقضي في خارج الوقت بعد البرء.

(مسألة 114): لو كانت الجبيرة على العضو الماسح

مسح ببلتها.

(مسألة 115): الأرمد إن كان يضرّه استعمال الماء تيمّم،

و إن أمكن غسل ما حول العين فالأحوط- استحبابا- له الجمع بين الوضوء و التيمّم.

52

(مسألة 116): إذا توضّأ وضوء الجبيرة، ثمّ برئ،

فإن كان برؤه في ضيق الوقت، و لا يتمكّن من الوضوء بصورة اعتياديّة، و هو في الوقت، صحّ وضوؤه، فإن صلّى به صحّت صلاته، و إلّا فله أن يصلّي به، و إن كان برؤه في سعة الوقت، كان ذلك كاشفا عن بطلانه، و وظيفته أن يعيد الوضوء اعتياديّا و صلاته إن كان قد صلّى به.

(مسألة 117): إذا كان في عضو واحد جبائر متعدّدة،

يجب الغسل أو المسح في فواصلها.

(مسألة 118): إذا كان العضو المصاب معصّبا أو مجبورا،

فعليه وضوء الجبيرة إذا توفّرت شروطه.

و في هذه الحالة إذا كان غسل أطراف الجبيرة ضرريّا أيضا، فهل وظيفته التيمّم أو وضوء الجبيرة أيضا؟

و الجواب: أنّ وظيفته التيمّم، و إن كان الأحوط ضمّ وضوء الجبيرة إليه أيضا.

(مسألة 119): لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح، أو نحوه قد حدث باختياره على وجه العصيان أم لا.

(مسألة 120): محلّ الفصد داخل في الجروح،

فلو كان غسله مضرّا يكفي المسح على الوصلة الّتي عليه، إن لم تكن أزيد من المتعارف، و إلّا حلّها، و غسل المقدار الزائد، ثمّ شدّها، و أمّا إذا لم يمكن غسل المحلّ لا من جهة الضرر، بل لأمر آخر، كعدم انقطاع الدّم- مثلا- فلا بدّ من التيمّم، و لا يجري عليه حكم الجبيرة.

(مسألة 121): إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا،

لا يجوز‌

53

المسح عليه، بل يجب رفعه و تبديله، و إن كان ظاهره مباحا، و باطنه مغصوبا فإن لم يعد مسح الظاهر تصرّفا فيه فلا يضرّ، و إلّا بطل.

(مسألة 122): لا يشترط في الجبيرة أن تكون ممّا تصحّ الصلاة فيه،

فلو كانت حريرا، أو ذهبا، أو جزء حيوان غير مأكول، لم يضر بوضوئه، فالّذي يضرّ هو نجاسة ظاهرها، أو غصبيتها.

(مسألة 123): ما دام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة،

و إن احتمل البرء، و إذا زال الخوف وجب رفعها.

(مسألة 124): إذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحلّ، لكن كان موجبا لفوات الوقت،

فالأظهر العدول إلى التيمّم.

(مسألة 125): الدواء الموضوع على الجرح و نحوه إذا اختلط مع الدّم، و صار كالشي‌ء الواحد، و لم يمكن رفعه بعد البرء،

بأن كان مستلزما لجرح المحلّ، و خروج الدّم فلا يجري عليه حكم الجبيرة، بل تنتقل الوظيفة إلى التيمّم.

(مسألة 126): إذا كان العضو صحيحا، لكن كان نجسا، و لم يمكن تطهيره،

لا يجري عليه حكم الجرح بل يتعيّن التيمّم.

(مسألة 127): لا يلزم تخفيف ما على الجرح من الجبيرة إن كانت على المتعارف،

كما أنّه لا يجوز وضع شي‌ء آخر عليها مع عدم الحاجة، إلّا أن يحسب جزءا منها بعد الوضع.

(مسألة 128): الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث.

(مسألة 129): يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة في أوّل الوقت إذا اعتقد أنّ عذره باق و مستمر إلى آخر وقت الصلاة،

أو ظنّ بذلك، أو برجاء استمرار‌

54

العذر، فإذا انكشف ارتفاعه في الوقت أعاد الوضوء و الصلاة، و إذا اعتقد بأنّه سيبرأ في آخر الوقت، و يصبح متمكّنا من الوضوء التامّ، وجب عليه أن ينتظر إلى الفترة الأخيرة من الوقت حتّى يبرأ، و يتوضّأ اعتياديّا، و يصلّي، و لو استعجل و الحالة هذه و توضّأ وضوء الجبيرة و صلّى لم يكفه ذلك.

(مسألة 130): إذا اعتقد الضرر في غسل البشرة لاعتقاده الكسر- مثلا- فعمل بالجبيرة، ثمّ تبيّن عدم الكسر في الواقع،

لم يصح الوضوء، و كذا إذا تحقّق الكسر فجبره، و اعتقد الضرر في غسله فمسح على الجبيرة، ثمّ تبيّن عدم الضرر في الواقع، فإنّ الظاهر عدم صحّة وضوئه أيضا، و إذا اعتقد عدم الضرر فغسل، ثمّ تبيّن أنّه كان مضرّا، و كان وظيفته الجبيرة صحّ وضوؤه، إلّا إذا كان الضرر ضررا خطيرا بحيث يكون تحمّله حراما شرعا، و كذلك يصحّ لو اعتقد الضرر، و لكن ترك الجبيرة و توضّأ، ثمّ تبيّن عدم الضرر، و إنّ وظيفته غسل البشرة، شريطة أنّه كان قد اعتقد وجود الضرر اليسير، و أمّا إذا كان قد اعتقد وجود الضرر الخطير المحرّم بطل وضوؤه.

(مسألة 131): في كلّ مورد يشكّ في أنّ وظيفته الوضوء الجبيريّ أو التيمّم،

الأحوط وجوبا الجمع بينهما.

الفصل الثالث في شرائط الوضوء

منها: طهارة الماء و إطلاقه، و إباحته،

و لا يشترط فيه إذا كان طاهرا عدم استعماله في التطهير من الخبث، و لا في رفع الحدث الأكبر، و لا الأصغر، و إذا كان هناك ماءان عند المكلّف، أحدهما مطلق، و الآخر مضاف، و كلاهما‌

55

طاهر، و لكنّهما تشابها، و لم يميّز بينهما، فعليه أن يتوضّأ بكليهما معا، فإذا توضّأ بهما كذلك، علم بصحّة وضوئه، و أمّا إذا كان أحدهما نجسا، و الآخر طاهرا، أو أحدهما مباحا، و الآخر مغصوبا، فوظيفته التيمّم، و وجب الاجتناب عن كلا الماءين معا، إلّا إذا علم المكلّف بنجاسة أحدهما المعيّن المعلوم لديه بالخصوص أو بغصبيّة أحدهما كذلك فعندئذ لا مانع من استعمال الآخر.

منها: إباحة الفضاء بالنسبة إلى مسح الرأس و القدمين،

فإنّه لا بدّ أن يكون في فضاء مباح، و لا تشترط إباحة الفضاء بالنسبة إلى غسل الوجه و اليدين، فلو غسل المكلّف وجهه و يديه في مكان مغصوب، و مسح رأسه و قدميه في مكان مجاور مباح، صحّ وضوؤه، و أمّا إذا غسل وجهه و يديه في مكان مباح، و مسح رأسه و رجليه في مكان مغصوب مجاور، بطل وضوؤه، و الأظهر عدم اعتبار إباحة الإناء الّذي يتوضّأ منه مع عدم الانحصار به، بل مع الانحصار- أيضا- و إن كانت الوظيفة مع الانحصار التيمّم، لكنّه لو خالف و توضّأ بماء مباح من إناء مغصوب أثم، و صحّ وضوؤه، من دون فرق بين الاغتراف منه دفعة، أو تدريجا و بين الصبّ منه. نعم، لا يصحّ الوضوء في الإناء المغصوب إذا كان بنحو الارتماس فيه، شريطة أن يعدّ ذلك في العرف العامّ تصرّفا فيه، كما أنّ الأظهر أنّ حكم المصبّ إذا كان وضع الماء على العضو مقدّمة للوصول إليه حكم الإناء مع الانحصار و عدمه.

(مسألة 132): يكفي طهارة كلّ عضو حين غسله،

و لا يلزم أن تكون جميع الأعضاء- قبل الشروع- طاهرة، فلو كانت نجسة، و غسل كلّ عضو بعد تطهيره، أو طهّره بغسل الوضوء كفى، و لا يضرّ تنجّس عضو بعد غسله، و إن كان في أثناء الوضوء.

56

(مسألة 133): إذا توضّأ من إناء الذهب، أو الفضّة، بالاغتراف منه دفعة، أو تدريجا، أو بالصبّ منه،

صحّ وضوؤه، من دون فرق بين صورة الانحصار و عدمه، و لو توضّأ بالارتماس فيه، فالأقوى صحّته أيضا.

و منها: عدم المانع من استعمال الماء لمرض، أو عطش يخاف منه على نفسه، أو على نفس محترمة.

نعم، إذا كان المانع من استعمال الماء خوف العطش على غيره، و حينئذ فإذا خالف و توضّأ به صحّ وضوؤه مطلقا، و إن كان يسبّب ضررا خطيرا عليه، و إن كان المانع منه تدهور صحّته، أو الخوف على عطش نفسه، فوقتئذ إن كان الوضوء يضرّ به ضررا خطيرا، و هو الضرر الّذي يحرم على المكلّف أن يوقع نفسه فيه، حرم عليه، فإذا توضّأ في هذه الحالة بطل وضوؤه، و إن كان لا يضرّ به ضررا خطيرا لم يحرم عليه، فإذا توضّأ و الحال هذه صحّ.

(مسألة 134): إذا توضّأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء،

فإن قصد أمر الصلاة الأدائيّ، بمعنى أنّه يدّعي أنّ الصلاة الّتي ضاق وقتها هي الّتي تفرض عليه الوضوء، و لا تسمح له بالتيمّم، مع أنّه يعلم بأنّها تفرض عليه التيمّم شرعا، لا الوضوء، ففي هذه الحالة يقع الوضوء باطلا للتشريع. و أمّا إذا توضّأ من أجل تلك الصلاة الّتي ضاق وقتها، و هو يجهل بأنّها تستوجب التيمّم، أو توضّأ من أجل غاية اخرى، أو من أجل استحبابه النفسيّ، فالوضوء صحيح.

(مسألة 135): لا فرق في عدم صحّة الوضوء بالماء المضاف أو النجس، أو مع الحائل، بين صورة العلم، و العمد، و الجهل، و النسيان

و كذلك الحال إذا كان الماء مغصوبا، فإنّه يحكم ببطلان الوضوء به حتّى مع الجهل. نعم، يصحّ الوضوء به مع اعتقاد عدم الغصب، و كذا مع النسيان إذا لم يكن الناسي هو الغاصب.