منية الطالب في حاشية المكاسب‌ - ج1

- الميرزا محمد حسين الغروي النائيني المزيد...
415 /
1

-

2

الجزء الأوّل

[المكاسب المحرمة]

هذا هو الجزء الأوّل كتاب منية الطّالب في حاشية المكاسب لمؤلّفه حجّة الإسلام الحاج شيخ موسى النجفيّ الخوانساري دامت إفاضاته‌

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستمد و نستعين

الحمد للّه رب العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف الأوّلين و الآخرين محمّد و آله الأئمّة الطّيبين الطّاهرين و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين أبد الآبدين‌

و بعد فيقول أفقر العباد إلى رحمة ربه الباري موسى بن محمّد النّجفي الخوانساري هذا ما استفدته ممّن انتهت إليه رئاسة الإماميّة في القرن الرابع عشر شمس سماء التّحقيق و قطب رحى التّدقيق شيخ الفقهاء و المجتهدين أستاذ الجهابذة الأساطين حجّة الإسلام و المسلمين آية اللّٰه في العالمين شيخنا و ملاذنا الميرزا محمّد حسين الغروي النائيني متّع اللّٰه العلماء ببقائه في حكم المكاسب و حيث إنّ الفقهاء جزاهم اللّٰه عن الإسلام و أهله خير الجزاء أفادوا في هذا الباب بما لا يخلو عن خلط و تخليط و إيجاز و تطويل و إن كان بعضهم أتى بما لا مزيد عليه و لكنّه لم يدخله تحت جامع فالمهمّ لنا تنقيح التكسب باعتبار نفس المعاملة و باعتبار ما يتعلّق الكسب به على نحو يدخل تحت ضابط عام بعون اللّٰه الملك العلّام و توضيح ذلك في ضمن مقدّمة و فصول‌

أما المقدّمة

فاعلم أنّ التكسب باعتبار الحكم ينقسم إلى أقسام أربعة الحرام و المكروه و المستحبّ و المباح و لا يتّصف بالوجوب ذاتا‌

نعم قد يكون واجبا بالعرض و منه الواجبات النّظاميّة الكفائيّة الّتي قد يعرضها الوجوب العيني إذا انحصر من يقوم بها بشخص خاص فإنّ الصنائع التي تجب كفائيا لم يتعلّق الأمر بها ابتداء بحيث تكون واجبات نفسيّة كالصّلاة على الميّت و نحوها و إنّما تجب لحفظ النّظام‌

و قد جرت عادة غير واحد على تقسيمه إلى محرّم و مكروه و مباح لتوهّمهم عدم وجود المستحبّ الذّاتي في الكسب كالوجوب و لكنّه لا يخفى أنّ الزّرع و الرعي ممّا ندب إليهما شرعا أصالة فتأمّل هذا بحسب الحكم و أمّا باعتبار نفس المعاملة فينقسم إلى قسمين قسم يتعلّق بتبديل الأعيان بالأموال كباب البيع و ما يلحق به و قسم يتعلّق بتبديل المنافع كالإجارة و ما يلحق بها‌

ثم إنّ حقيقة المعاملة عبارة عن تبديل أحد طرفي الإضافة بإزاء أحد طرفي الإضافة من إضافة أخرى في مقابل الإرث فإنه‌

3

تبديل المالكين أي باب المعاملة تبديل المملوكين‌

و بعبارة واضحة لا شبهة أنّ الملكيّة من الأمور الاعتبارية العقلائية التي تكون لها نفس أمريّة بنظر العقلاء و تكون منشأ للآثار في عالم الاعتبار‌

و المراد بالاعتبارية في اصطلاحنا هو الأمر المتوسّط بين الأمور المتأصّلة العينيّة و الأمور الانتزاعيّة فالأوّل كالأعيان الخارجيّة و الثّاني كالقبلية و البعديّة و الجزئيّة و الشرطيّة و نحو ذلك ممّا ليس له وجود إلّا باعتبار منشإ انتزاعه و الأمور الاعتباريّة كالملكيّة و الوجوب و الحرمة و الولاية و نحو ذلك فإنّ ما لا يكون له وجود في وعاء إلّا بتشريعه أي ما كان وجوده التكويني عين وجوده الإنشائي و عين اعتباره ممن بيده اعتباره فهو أمر اعتباري و لا شبهة أنّ الملكيّة من أوضح مصاديق الأمور الاعتباريّة القابلة للجعل أصالة و هي قد تحصل من الإرث و أخرى من المعاملة و هي عبارة عن تبديل طرف الإضافة بطرف إضافة أخرى الّذي ينقسم إلى تبديل الأعيان بالأموال أو المنافع بها‌

ثمّ إنّ الحرمة المتعلّقة بالمعاملة عبارة عن حرمة هذا المعنى أي حرمة تبديل المال و المنفعة لا حرمة إنشاء المعاملة و لا حرمة آثارها كالتصرف في الثمن و لا قصد ترتّب الأثر عليها و ذلك لأنّ نفس الإنشاء من حيث أنّه فعل من الأفعال و تلفظ بألفاظ لا وجه لأن يكون حراما إلّا إذا كان مزاحما لتكليف آخر كالبيع وقت النداء و هكذا قصد تحقّق المنشئ الإنشاء من حيث إنه أمر قلبي لا وجه لحرمته إلّا إذا كان تجريا أو إعانة على الإثم‌

و أمّا حرمة الآثار فهي مترتّبة على فساد المعاملة و حرمتها لا أنّها هي المحرّمة ابتداء فما يكون محرّما حقيقة و يكون متعلّقا للنهي هو نفس التّبديل الّذي اعتباره بيد مالكه و لو لا نهي الشّارع الّذي هو مالك الملوك و ينفذ اعتباره من كلا طرفي الإثبات و النّفي‌

و بعبارة أخرى نفس المنشإ بالعقد الّذي هو أمر اعتباريّ و فعل إيجادي من المنشئ هو المحرّم لا آلة الإيجاد و هو التلفّظ و لا القصد و لا الآثار ثم إنّ حجة الحرمة تارة راجعة إلى عدم كون ما يتكسّب به مالا عرفا كالحشرات‌

و أخرى راجعة إلى إسقاط الشارع جهة ماليّته كالخمر و الخنزير و ثالثة إلى حرمة نفس المعاملة لعدم صلاحيّة المال لوقوع المعاملة به على هذا الطريق الخاص كالزيادة في المتجانسين‌

و محلّ بحثنا في المكاسب المحرّمة راجع إلى حرمة التكسّب باعتبار تعلّق الكسب بالأعيان الخارجيّة فمثل المعاملة الربوية خارجة عن موضوع البحث‌

ثم إنّ ماليّة المال إمّا باعتبار خاصيّته كالحبوبات و الفواكه و نحوهما فإنّ بذل المال بإزاء الحنطة أو بإزاء الماء إنّما لكونه ممّا يؤكل أو يشرب فالانتفاع به إنما يكون باعتدامه و إمّا باعتبار منافعه كالأراضي و المستغلّات فالانتفاع به بإبقائه‌

و على أيّ حال يتوقّف صحّة التكسّب به على كونه مالا عرفا و عدم إلغاء الشارع جهة ماليته فمثل الخنافس تدخل فيما يحرم الاكتساب به لعدم كونه مالا عرفا أي لعدم وجود خاصيّة فيه و لا منفعة له لما عرفت أن مناط ماليّة المال بأحدهما و يندرج فيه جميع ما يستقذره الطّبع من الحشرات و الأبوال الطّاهرة فإنّ هذه الأشياء و إن أمكن لها منافع نادرة و خاصيّة اتّفاقيّة إلّا أنّهما ليستا مناطين لماليّة المال و لا يقاس بالعقاقير و الأدوية فإن لهما منافع معتدّ بها لأنّ المرض طبيعي للحيوانات فالاحتياج إلى الأدوية في حال الأمراض يوجب اقتناءها لبيعها عقلائيا‌

و بالجملة ليس المهمّ تنقيح الصّغريات و إنّ السّباع و المسوخات و الأبوال أموال أم لا فإن منافع هذه الأشياء في زماننا هذا كثيرة جدا بل وجود‌

4

المكائن الموجودة التي تؤخذ بها أدهان الحشرات و تستعمل في الصّابون أوجب إدخالها في المكاسب العقلائيّة فضلا عن مثل دود القز و العلق و أبوال الحيوانات التي يصبغ بها الصّوف و جلود السّباع إذا كانت مذكاة و نحو ذلك‌

ثم إنّ دليل الحرمة التي هي في المقام عبارة عن عدم تحقّق النّقل و الانتقال لا ما يترتّب عليها العقاب مضافا إلى الإجماع المحقّق كما يظهر للمتتبّع في كلام الأعلام بعد إحراز الصّغرى و عدم الاعتبار بالمنفعة النّادرة فإنّها بحكم العدم هو أن أكل المال بإزاء هذا الكسب أكل بالباطل و الأولى إدخال هذا القسم في شرائط صحّة البيع لا في المكاسب المحرّمة و إنّما ذكرناه تبعا لشيخنا الأستاذ مد ظلّه فلنرجع إلى ما يكون الاكتساب به محرّما شرعيّا لإسقاط الشارع جهة ماليّته و توضيحه في ضمن فصول‌

الفصل الأوّل لا يجوز بيع الأعيان النّجسة

و لا سائر أنحاء المعاملات من غير فرق بين أن يكون حيوانا أو مبدأ حيوان كالكلب و الخنزير و المنيّ و غيره و من غير فرق بين أن يكون مائعا كالخمر و الدّم و البول و أن يكون جامدا كجلد الميّتة و العذرة و اللّحوم المحرّمة النّجسة‌

و يدلّ عليه النبويّ المعمول به عند الفريقين إنّ اللّٰه إذا حرم شيئا حرّم ثمنه و في الفقه الرّضوي بعد تصريحه بما يجوز بيعه و شراؤه و هبته و عاريته قال و كل أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه بوجه الفساد و مثل الميّتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر و ما أشبه ذلك فحرام ضار للجسم و فساد للنفس فإن قوله ع فحرام في مقابل قوله فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه ظاهر في حرمة الاكتساب بجميع أنحائه‌

و في دعائم الإسلام و ما كان محترما أصله منهيّا عنه لم يخبر بيعه و لا شراؤه و مقتضى ذلك تحريم بيع عذرة الإنسان‌

و ما دلّ على جواز بيعها معارض بمثله و الجمع الدلالي و إن لم يمكن بينهما و لكن بعد معارضة الطّائفتين فالمرجع عموم ما دلّ على أنّ كل محرّم حرم بيعه و لا يمكن حمل أخبار الجواز على البلاد الّتي ينتفع بها فيها فإن مناط الحرمة ليس لعدم كونها مالا عرفا بل لكونها محرّمة فكونها مما ينتفع بها لا يوجب جواز بيعهما فإنّ الخمر و الميّتة و الخنزير أيضا ممّا ينتفع بها‌

و بالجملة لم يدلّ دليل غير مبتلى بالمعارض على استثناء بيع العذرة عن أنواع النّجاسات‌

نعم لو قلنا بأنّ النّجاسة مانعة عن صحّة البيع إذا توقّف الانتفاع بالشي‌ء على طهارته و أما إذا لم يتوقف على طهارته فلا مانع من صحّة بيعه و لا شبهة أن منافع العذرة في بعض البلاد من أهم المنافع فعلى هذا يمكن الجمع بين المتعارضين باختلاف البلاد لمناسبة بين الحكم و الموضوع و لا يبعد دعوى كون المناسبة من القرائن المكتنفة بالكلام فبهذه المناسبة يخرج الجمع بينهما عن الجمع التبرعي أو التورعي و لكنّه لا يخلو عن إشكال و سيجي‌ء ما هو الأصل في جواز البيع و عدمه في مطلق النّجاسات‌

ثم إنّ هاهنا فروعا ينبغي التعرّض لها

الأوّل ألحق بالنّجاسات المتنجّسات في حرمة المعاوضة عليها

و مقتضى النّبوي و رواية الدّعائم أن تكون كذلك و لكن ينبغي تقييدها بما توقّف منافعها المحلّلة المقصودة على طهارتها مع عدم كونها قابلة للتّطهير كالمائعات المضافة‌

و أمّا إذا لم يتوقّف استيفاء منفعتها على طهارتها كالفرش و الأمتعة و نحو ذلك أو أمكن تطهيرها بلا خروجها عن عنوانها كالماء المتنجّس و الأواني المتنجّسة فلا ينبغي الإشكال في صحّة المعاملة عليها و ذلك‌

5

لأنّه لو لم يمكن تطهيرها و توقّف خاصيّتها و منفعتها على طهارتها كالخلّ النّجس و نحوه فحيث إنه ليس مالا شرعا فلا يجوز المعاملة عليها و أمّا لو لم يكن كذلك فحيث إنّ الشّارع لم يسقط ماليّتها فلا مانع من المعاملة عليها‌

بل يمكن أن يقال و إن لم يكن مرضيّا عندنا كما سيجي‌ء لم يجب على البائع إعلام المشتري بنجاستها لعدم قيام دليل على وجوب إعلام النّاس بالنّجاسات و ليس البائع سببا لأكل المشتري أو شربه النّجس حتى يحرم من هذه الجهة‌

الثّاني استثني من عدم جواز بيع النّجس أمور

الأول المملوك الكافر

و هذا في الجملة لا إشكال فيه بناء على أنّ مناط حرمة بيع النّجس عدم كونه قابلا للمنفعة المقصودة منه‌

و بعبارة أخرى إنّما أسقط الشارع مالية النّجس إذا توقّف الانتفاع المعتد به على الطهارة و أمّا لو لم يتوقّف عليها كالاستخدام الّذي هو مناط ماليّة العبد فلا مانع عن بيعه فعلى هذا لا فرق بين أن يكون كافرا أصليا و أن يكون مرتدا مليّا أو فطريا لأن مناط الصحة لم يكن قابلية العبد للطّهارة حتى يقال بأن المرتد الفطري لا يقبل توبته فلا يطهر بالتّوبة‌

فما عن بعض الأساطين في شرحه على القواعد من ابتناء جواز بيع الفطري على قبول توبته لا وجه له نعم هنا إشكال آخر في بيع الفطري يجري في المحارب أيضا و هو كونه في معرض التّلف فإنّ المحارب بعد الاستيلاء عليه لا يقبل توبته كالمرتدّ الفطري و لكن هذا أيضا لا يوجب سلب ماليّته لأنّه كالمريض المأيوس عن برئه فتأمّل‌

الثاني الكلب الصيود و الحارس

أمّا الصّيود فيدلّ على جواز المعاملة عليه جملة من الأخبار منطوقا و مفهوما و بعضهم قيّده بالصّائد السّلوقي و لا وجه له إلّا دعوى الانصراف و لا منشأ له إلّا غلبة الوجود و لا يخفى عدم إيجابها تقييد المطلقات‌

فالأقوى خروج مطلق الكلب المعلّم على الصّيد عن قوله ثمن الكلب سحت و لا يمنع نجاسته أيضا عن وقوع المعاملة عليه بعد تصريح الأدلّة بجواز بيعه‌

هذا مضافا إلى ما قيل من أنّه لا ينجس موضوع عضّه و على فرض نجاسته لا يتوقّف الانتفاع المقصود منه على طهارته‌

و الفرق بينهما بأنّ السّلوقي لا يأكل ما اصطاده دون غيره لا يوجب تفاوتا في صحّة المعاملة عليهما‌

و أمّا الحارس سواء كان للماشية أو للزّراعة أو البستان أو الحائط و الخيام و نحو ذلك فقد قيل إنّ الأشهر بين القدماء هو المنع بل ظاهر الأخبار الواردة في كلب الصّيد هو حصر الجواز فيه‌

إلّا أنّ مقتضى ما أرسله شيخ الطّائفة في المبسوط من أنّه روي ذلك يعني جواز البيع في كلب الماشية و الحائط صحّة بيعه لأن إرساله منجبر بعمل المشهور مع عدم إحراز إعراض القدماء عنه فإنّ الظّاهر أنّ القدماء لم يظفروا بهذه المرسلة فشهرة المنع بين أرباب الفتاوى من القدماء و أصحاب الحديث كالصّدوقين و الكليني (قدّس اللّٰه أسرارهم) لا توجب الإعراض عنها فيمكن حمل الأخبار الواردة في الكلب الصّيود على المثاليّة بل لا يخفى أنّ المنفعة المقصودة من الحارس أهمّ من المنفعة المقصودة من الصّائد‌

هذا مضافا إلى ما ثبت اتّفاقا من جواز إجارتها و ثبوت الدّية لها و ما يقال ثبوت الدية كاشف عن عدم جواز المعاملة عليه و إلّا تثبت القيمة فيها فهي كالحرّ لا قيمة له و له دية ففيه أنّ الدّية وردت في الكلب السّلوقي أيضا مع الاتفاق على جواز المعاملة عليه‌

و بالجملة ظاهر عبارة جملة من المتأخرين ثبوت الجواز إجماعا فيمكن حمل أخبار المنع على خصوص كلب الهراش و الكلب العقور نعم الأحوط ترك بيعه و إن كان اقتنائه للحرس لا إشكال فيه ففي الصّحيح لا خير في الكلاب إلا كلب صيد أو ماشية‌

6

و في الغوالي على ما في المستند أنّ النبي ص أمر بقتل الكلاب في المدينة إلى أن قال فجاء الوحي باقتناء الكلاب التي ينتفع بها فاستثنى ص كلاب الصّيد و كلاب الماشية و كلاب الحرث و أذن في اتخاذها‌

الثالث العصير العنبي بعد الغليان و إن لم يذهب ثلثاه

فإنّه يجوز المعاملة عليه و لو على القول بنجاسة و ذلك لما ذكرنا في المتنجّس أنّ سلب الماليّة شرعا منوط بعدم قابلية المتنجس للتّطهير و عدم إمكان الانتفاع به في حال النّجاسة و لا يخفى قابلية العصير العنبي للطهارة بإذهاب ثلثيه و لا ينتقض ذلك بالخمر في أنّه قابل للتّطهير بصيرورته خلّا للفرق بينهما فإنّ الخمر لا يقبل الطّهارة إلّا بتبدّل موضوعه و هذا بخلاف العصير‌

و بالجملة كفى للفرق بينهما ورود الدّليل الخاص على حرمة بيع الخمر و الدليل العام و هو عدم جواز بيع ما كان محرّما أصله و لم يدلّ دليل بالخصوص على حرمة بيع العصير و لا يشمله الأدلّة العامّة فإنّه ليس محرّم الأصل و لا من العناوين النّجسة و قوله ع و إن غلا فلا يحلّ بيعه محمول على ما إذا باعه بلا إعلام للمشتري بأنّه غلا أو كناية عن حرمته حين الغليان‌

و يشهد له ما ورد في رواية أبي كهمش إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس و ما في مرسل ابن الهيثم إذا تغيّر عن حاله و غلا فلا خير فيه فإنّ قوله و هو حلال فلا بأس شاهد على أنّ جهة المانعيّة عن البيع هي الحرمة فإذا بيع للاستحلال بإذهاب ثلثيه فلا مانع منه و الإنصاف ظهور الروايات الخاصة في حرمة البيع فلو ثبت إعراض الأصحاب عنها فهو و إلّا فالجواز مشكل و إعلامه بغليانه لا يؤثر في الجواز بعد ظهور الأخبار لا سيّما الأوّلين في حرمة بيعه فتأمل جيّدا‌

الفرع الثّالث استثنوا من المتنجّسات الدّهن

و لا بدّ أن يجعل المستثنى الأدهان المتوقف استيفاء المنافع منها على طهارتها أي إذا كانت المنفعة المقصودة من الدّهن أكله فنجاسته مع عدم قابليّته للتّطهير يوجب عدم جواز الاكتساب به و أمّا إذا لم تتوقّف على طهارتها كالأدهان المستعملة في المكائن فلا معنى لاستثنائه إلّا إذا قلنا بأن كلّ ما صار نجسا و لم يمكن تطهيره لا يجوز بيعه و كيف كان فالدّهن المتنجّس على أقسام ثلاثة قسم تكون منافعه المقصودة هو أكله كالسّمن و دهن اللّوز و نحوه و قسم مشترك بينه و بين إسراجه كالزيت و قسم يختصّ بالإسراج كالنّفط و نحوه و على أيّ حال حيث دلّ الدّليل على جواز بيع الزيت و السّمن فيجوز بيع كل ما كان مختصّا بالأكل أيضا إنما الكلام في مقامات‌

أحدها هل يجب على البائع اشتراط الاستصباح على المشتري أم يصحّ مطلقا

أو يفرق بين ما كان منفعته مختصّة بالأكل أو مشتركة و ما كان منفعته المقصودة هي الاستصباح فلا يعتبر الاشتراط في الثاني دون الأوّل وجوه‌

و الأقوى جواز بيع جميع الأقسام بلا شرط لعدم دليل على اعتبار الاشتراط حتّى فيما كان منفعته مخصوصة بالأكل لأنّ المفروض بالنّجاسة لم يسقط عن الماليّة غاية الأمر نقص عن قيمته فإذا بيع بقيمة ما يسرج به فلا مانع من صحته سواء كان المشتري عالما بأنّه يمكن الإسراج بدهن البنفسج أو لا يكون عالما به لأنه إذا باعه بقيمة النّفط فجهل المشتري بهذه المنفعة لا يسقطه عن هذه الماليّة الواقعيّة‌

و بالجملة لو اشترط البائع صرفه في الأكل فيمكن القول بفساد البيع لأنّه أكل للمال بالباطل و أمّا لو لم يشترط هذا و لم يشترط صرفه في الاستصباح أيضا فلا وجه للبطلان‌

الثاني هل يجب إعلام المشتري بالنّجاسة أم لا

ثم على الوجوب هل هو شرطيّ أو نفسي الأقوى وجوب الإعلام نفسيا أمّا وجوبه فلقوله ع‌

7

و أعلمهم إذا بعته و قوله ع و يبينه لمن اشتراه ليستصبح به‌

و أمّا كونه نفسيا فلأنّ قوله ع ليستصبح به ظاهر في أن منشأ الوجوب عدم وقوع المشتري في محذور الأكل و إلّا لا ملازمة بين الاشتراء و الاستصباح فاستفادة شرطيّة الإعلام لصحّة البيع لا وجه لها ثم بناء على هذا يمكن استفادة وجوب إعلام المشتري في كل ما يتوقّف استعماله على الطّهارة كالأواني فإنّها و إن صحّ بيعها مع نجاستها و لكن يجب الإعلام بها نفسيا لئلّا يقع المشتري في استعمال النّجس بل يمكن استفادة وجوب إعلام المسلمين بنجاسة ما يتوقّف استعمالها على الطّهارة من عدّة من الروايات و تمام الكلام موكول إلى محلّه‌

ثم إنّه قد ينسب إلى المشهور أنه يجب الاستصباح تحت السّماء و لا مدرك له سوى ما أرسله الشّيخ في المبسوط فقال روى أصحابنا أنه يستصبح به تحت السماء دون السقف و لا يخفى أنه لو عملنا به و لم نحمله على الاستحباب فلا بدّ أن يحمل على التعبّد الصرف لأنّ السّقف لا ينجس بدخان النّجس حتى يحمل على الإرشاد لعدم نجاسة دخان النّجس مع أنه لا محذور في تنجّسه حتى يرشد إلى تركه‌

الثّالث هل يجوز الانتفاع بالدّهن المتنجّس لغير الاستصباح

بأن يعمل صابونا أو يطلى به الأجرب أو السّفن أم لا و تنقيح ذلك يتوقّف على تأسيس الأصل في المتنجسات و النّجاسات حتّى يكون هو المرجع عند الشكّ‌

فنقول أمّا المتنجّسات فالأقوى جواز بيع كلّ ما لا يتوقّف الانتفاع به على طهارته فإنّ هذا هو الّذي يقتضيه استصحاب الحكم قبل التنجّس فإذا كان للشي‌ء منافع مقصودة فعروض النّجاسة عليه لا يمنع عن نفوذ بيعه بل يمكن استفادة هذا المعنى من رواية تحف العقول و الفقه الرّضوي و دعائم الإسلام‌

ففي الأوّل و كلّ شي‌ء يكون له فيه الصّلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله و هبته و عاريته‌

و في الثّاني اعلم رحمك اللّٰه أن كلّ مأمور به على العباد و قوام لهم في أمورهم من وجوه الصّلاح الّذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه و هبته و عاريته‌

و في الثّالث أن الحلال من البيوع كلّ ما كان حلالا عن المأكول و المشروب و غير ذلك ممّا هو قوام للنّاس و يباح لهم الانتفاع و لا يعارض ذلك النّبوي إذا حرّم اللّٰه شيئا حرّم ثمنه لأنّه بعد ما أحرزنا جواز الانتفاع بالشّي‌ء و لو بالاستصحاب فلا يدخل تحت ما حرمه اللّٰه بل يمكن استفادة الجواز من الأخبار الخاصّة المتفرّقة كجواز بيع الدّهن للاستصباح و جواز بيعه لمن يعمله صابونا كما في كتاب النّوادر من الرّاوندي بإسناده عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السّلام) و فيه سئل ع عن الشّحم يقع فيه شي‌ء له دم فيموت قال تبيعه لمن يعمله صابونا‌

و بالجملة فالأقوى جواز بيع المتنجّسات إذا كانت لها منافع معتدة بحيث إنّ العقلاء يبذلون بإزائها المال سواء نقصت قيمتها بعروض النّجاسة لها أم لا نعم لو صارت بسبب عروض النّجاسة ممّا لا ينتفع به عادة فهذا خارج عن موضوع البحث لأنّه في حكم الخنفساء‌

و أما النّجاسات فالأصل فيها أيضا جواز البيع لجواز التصرّف فيها بما لا يتوقّف على الطّهارة العموم قوله ع كلّ شي‌ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام فأصالة الإباحة تخرجها عن موضوع قوله ص إذا حرم اللّٰه شيئا حرم ثمنه و ورد أخبار خاصّة في بعض منها بالجواز‌

فعن القاسم الصّيقل قال كتبت إلى الرّضا (عليه السّلام) أنّي أعمل غماد السيوف من جلود الحمر الميّتة فيصيب ثيابي أ فأصلي فيها فكتب إلي اتّخذ ثوبا لصلاتك و نحوه ما روي عن أبي القاسم الصّيقل و ولده و ما ورد في صحيحتي الحلبي إذا اختلط المذكّى بالميتة بيع ممّن‌

8

يستحلّ الميّتة و مثلهما ما ورد عن عليّ بن جعفر‌

و ما ورد عن الوشاء قال لأبي الحسن ع جعلت فداك إن أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها فقال حرام هي ميتة فقلت جعلت فداك فيستصبح بها فقال أ ما علمت أنّه يصيب اليد و الثوب و هو حرام فإن ظاهره تقريره في جواز الاستصباح إذا لم يصب اليد و الثوب ما ورد في جواز بيع العبد الكافر و كلب الصّيد‌

ثم إنّه لا يستفاد من رواية تحف العقول و دعائم الإسلام و النبوي قاعدة كلية مطردة في جميع النّجاسات بحيث لا يقبل التّخصيص لأنّ غاية الأمر أنّها عمومات مع أنّ من نفس الخبرين الأوّلين يستفاد أن مناط الفساد المعاملي ليس مجرّد حرمة الشي‌ء و نجاسته بل المدار على عدم كونه ممّا ينتفع به و كونه مما فيه الفساد‌

و بعبارة أخرى لا يستفاد من هذه الأخبار مجرّد التعبّد بحرمة بيع النّجاسات و المحرّمات بل منشأ فساد البيع توقّف استيفاء منافعها على طهارتها فإذا فرضنا أنّ جلد الميّتة لا يتوقّف استيفاء المنافع المهمّة منه على طهارته فلا بأس ببيعه‌

و الأخبار الواردة في حرمة بيع جلد الميّتة قابلة للحمل على بيعه لما يتوقّف الطّهارة عليه فتكون إرشادا لعدم قابلية الانتفاع‌

و كيف كان فيعم البحث في المقام الموارد المنصوصة أيضا مثل الميّتة و الخمر و النّبيذ و نحو ذلك فإنّ المقصود أنّه إذا فرض هناك منفعة مهمة عقلائية و لم يتوقّف استيفاء المنفعة على طهارة الشي‌ء كالاستقاء بجلد الميّتة للزرع و نحوه فمجرّد كونه نجسا لا يمنع عن جواز بيعه و على هذا فبيع العذرة في البلاد التي تنتفع بها لا بأس فيه و هكذا نفس الميّتة و الخمر‌

نعم لا يبعد أن يقال إنه يجب في البيع قصد المنفعة المحلّلة و يؤيّده الأخبار الدالّة على وجوب الإعلام في الدّهن المتنجّس فإن حمله على التعبّد كما تقدم بعيد بل الوجه فيه أنّه إذا كان للمال منافع مطلقة فلا وجه لقصد المنفعة الخاصة دون الأخرى بل عنوان المبيع هو ذات الشي‌ء بذاته و أمّا إذا كان له منافع خاصّة و توقّف استيفاء هذه المنفعة على طهارته فليس ذات الشّي‌ء عنوانا للمبيع بل المنفعة كذائية و المفروض أنّ قصد المنفعة الكذائية يتوقف على العلم بالطّهارة فيجب التّنبيه على النّجاسة‌

و بعبارة أخرى لا شبهة أنّ عناوين الأشياء هي مناط ماليّتها لا الجسم المطلق الّذي هو المادة المشتركة بين ما لا قيمة له و ما له قيمة فإذا فرضنا أنّ نفس العنوان بما أنّه عنوان الخمر و الميّتة لا ماليّة لها إلّا باعتبار منفعته الخاصة فكما يجب تعين العنوان في المبيع و لا يصحّ بيع القدر المشترك بين الحمار الوحشي و العبد الحبشي فكذلك يجب تعيين عنوان كون العبد مسلما أو كافرا إذا فرضنا أنّه لا يبذل بإزاء الكافر مالا أو أنّ الشّارع سلب جهة ماليّته من حيث كونه كافرا فعلى هذا إذا بيع الخمر لا بدّ أن يقصد منفعة الّتي لا تتوقّف على الطهارة أو بيع ممن يشتريه للتّخليل و لا يصحّ بيعه ممّن يشربه لأنّ مع علم البائع بأنّ المشتري يشربه لا يمكن أن يقصد العنوان الّذي به يكون الخمر مالا‌

و بالجملة حيث إنّ المسألة ليست إجماعيّة كما يظهر للمتتبع فيها و لا يستفاد من الأخبار الواردة في المقام التعبديّة الصرفة بحيث يفهم منها أنّ الشّارع سلب الانتفاع بالنّجاسات رأسا و ألغى ماليّتها أصلا بل ظاهرها أنّ جهة حرمة بيعها كونها ممّا لا ينتفع بها فأصالة الجواز و قاعدة حلّ الانتفاع بما في الأرض جميعا لا حاكم عليها إلّا فيما يتوقّف منفعتها على طهارتها و على هذا فإذا جاز اقتناء الخمر للتخليل و العذرة للتسميد و الميّتة لإطعام جوارح الطير أو إيقادها فبيعها لهذه الأمور لا مانع عنه‌

و أمّا‌

9

القول بجواز الصّلح دون البيع فلا وجه له لأنّ الصّلح في هذه الأمور ليس إلّا عبارة عن البيع و كونه عقدا مستقلا أيضا لا يصح الصلح بلا عوض نعم دفع المال لرفع ذي الحقّ حقّ اختصاصه أمر آخر‌

الفصل الثّاني ما يحرم التكسب به لوجود صفة محرمة فيه أو لغاية محرّمة

ثم الصّفة تارة خارجيّة و أخرى معنويّة و تنقيح البحث فيه في ضمن مسائل‌

الأولى ما كان جهة حرمته وجود صفة خارجيّة فيه

و هو على قسمين قسم لا يقصد من وجوده على هذه الصّفة إلّا الحرام و قسم لا يختصّ به بل يستعمل فيه و في الحلال‌

أمّا الأوّل فكالصّنم و الصّليب

و الآلات المعدّة للقمار و الآلات المختصّة باللّهو و أواني الذهب و الفضّة فإنّ هذه الأشياء لا تكون لها منفعة محلّلة و بهذه الهيئات فعلى هذا لا إشكال في حرمة الاكتساب بها‌

و يدلّ عليه النبوي و رواية تحف العقول في قوله نظير البرابط و المزامير و الشّطرنج و كل ملهو به و الصّلبان و الأصنام و ما أشبه ذلك إلى أن قال فحرام تعليمه و تعلمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه و جميع التقلّب فيه‌

و لكن لا يخفى أنّ المتيقّن من حرمة الاكتساب بها ما إذا باعها متشكّلة بهذا الشكل ممّن يقصد الانتفاع بهذه الصورة من دون أن يشترط عليه كسرها و أمّا لو باع مادّة هذه الأشياء بشرط أن يغيّر المشتري هيئتها و كان المشتري ممّن يوثق بديانته فلا إشكال في جواز بيعها فإنّ الخشب الّذي هو مادّة هذه الأشياء أو النّحاس أو الذّهب لم يخرج عن الماليّة بلحاظ عروض هذه الصّورة عليه‌

نعم إنّما زادت قيمته فإذا باع نفس المادة بهذين القيدين فلا إشكال في جوازه إنّما الإشكال في صورتين إحداهما ما إذا باع المادة بشرط تغير صورتها ممن لا يوثق بديانته و ثانيتهما بيع المادة ممن يوثق بديانته بلا شرط التّغير و لكن الأقوى الجواز في الصّورتين‌

نعم يتوهّم في الأولى حرمته من باب الإعانة على الإثم و فيه ما سيجي‌ء مع قصد بيع المادة و الاشتراط بتغير الهيئة لا يدخل في موضوع الإعانة فإن حرمتها مختصّة بما إذا قصد بها الإعانة على الإثم‌

و لا يشمل قوله عزّ من قائل وَ لٰا تَعٰاوَنُوا من يعلم بوقوع الإثم من المشتري و نحوه و إلّا لحرم على الرجال إبراز رقابهم مع علمهم بأن النساء ينظرون إليها‌

و أمّا القسم الثاني كالطّبل

الذي يمكن استعماله في اللهو و الحرب و الدّراهم الخارجة التي يمكن استعمالها في المحرّم كالبيع و الشّراء بها مع المسلمين و المحلّل كالتزين و بيعها و شرائها مع من لا حرمة لماله فلا إشكال في أنّه يجوز التكسّب بها لو لم يقصد المنفعة المحرّمة نعم إذا اكتسب بها مع المسلم يجب إعلامه لمدخليّة قصد عنوان المبيع في الصّحة‌

و يدلّ عليه ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن مسلم قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع الرّجل يعمل الدّراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها قال إذا بيّن ذلك فلا بأس‌

هذا و لكن الأقوى أن يقال إنّ الدراهم على أقسام ثلاثة قسم لا ينقص عن السكة الرائجة من حيث الوزن و الأصل و قسم مغشوش و قسم مغاير لها جنسا كما إذا كان الرائجة ذهبا و كانت هذه نحاسا‌

أمّا القسم الأخير فلا يجوز المعاملة عليه و لو مع من يحلّ أخذ ماله بلا عوض لأنّ ظاهر الأخبار الدالّة على وجوب كسرها أو إلقائها في البالوعة هو عدم جواز المعاملة بها فكان وجه إلقائها في البالوعة كون وجودها منشأ للفساد فعلى هذا حيث إنّ المعاملة بها مع الكفار أيضا قد توجب وصولها إلى يد المسلم فلا يجوز المعاملة عليها‌

و أمّا المغشوشة فلا يجوز المعاملة معها إلّا إذا علم مقدار الغشّ و إلّا يكون‌

10

العوض مجهولا و في مورد الجهل لا يمكن تصحيحه بتبعّض الصّفقة فإن مورده ضمّ ما لا يملك إلى ما يملك و نحوه و المقام ليس إلّا موضوعا واحدا‌

و أمّا الخالصة الغير الرائجة فإن وقع المعاوضة على نفس العين فلا إشكال في صحّتها غاية الأمر عند تبيّن الخلاف يثبت خيار العيب و التّدليس لمن وصلت بيده و بعد وقوع المعاوضة على هذا الخاص لا يمكن القول ببطلانها التبدّل العنوان فإنّ العنوان في المقام ليس دخيلا في الماليّة‌

و على كلّ تقدير فلو وقعت المعاملة على الكلّي و وقعت هذه الأقسام في مقام الإيفاء فالمعاملة صحيحة و أمّا في مثل الطّبل فحيث إنّه بنفسه مبيّن العنوان فنفس عدم قصد العنوان المحرّم كاف في الصّحة‌

الثانية ما كان جهة حرمته وجود صفة معنويّة فيه

كالجارية المغنية و العبد الماهر في القمار و اللّهو و السرقة و نحو ذلك و لا إشكال في حرمة الاكتساب به لو قصد المنفعة المحرمة و عليه يحمل ما ورد بأنّ ثمن الجارية المغنية سحت و ما ورد ما ثمنها إلّا كثمن الكلب و أمّا لو قصد نفس الموصوف دون الصّفة فلا إشكال في الصّحة لأنّه مال عرفا و شرعا لأنّ المبغوض هو إعمال الوصف فيما هو حرام شرعا و أما ذات العبد و الجارية فلم يخرجا عن الماليّة و يدلّ عليه ما في ذيل رواية الدّينوري عن أبي الحسن ع قال قلت جعلت فداك فأشتري المغنية أو الجارية تحسن أن تغني أريد بها الرّزق لا سوى ذلك قال اشتر و بع‌

الثّالثة ما إذا قصد في المعاملة غاية محرمة كبيع العنب بشرط أن يعمله خمرا

و بيع الخشب بشرط أن يعمله صليبا أو صنما و لا إشكال في حرمة هذه المعاملة و فسادها لكون الأكل في مقابلها أكلا للمال بالباطل و يدلّ عليه عدّة من الأخبار‌

منها خبر جابر سألت أبا عبد اللّٰه ع عن الرّجل يؤاجر بيته فيباع فيها الخمر قال حرام أجرته بناء على حمله على ما إذا شرط المؤجر في عقد الإجارة ذلك أو حمله على ما إذا علم المؤجر أنّ المستأجر يعمله في ذلك فيدلّ على ما نحن فيه بالأولويّة‌

و منها مكاتبة ابن أذينة عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذ منه صلبانا قال لا و منها رواية عمرو بن الحريث عن التوت أبيعه ممّن يصنع الصليب أو الصّنم قال لا بناء على اشتراط ذلك في البيع و تواطئهما على ذلك فإن نفس القصد على ذلك أيضا كاف في الفساد لما عرفت أنّ الصّحة و الفساد و الحلية و الحرمة دائران مدار قصد المحلّل و المحرم‌

الرّابعة ما إذا لم يقصد المعاملة لغاية محرّمة و لكنّه يعلم يترتب الغاية المحرّمة عليها

كبيع العنب ممن يعمله خمرا و بيع الخشب ممّن يعمله صنما أو صليبا و مقتضى قواعد المعاوضة عدم حرمتها لعدم دخولها في أحد العناوين المحرمة و مجرّد ترتّب محرم عليها مع وقوعها عن اختيار من المشتري لا يوجب حرمتها و لكن ظاهر رواية عمرو بن الحريث و مكاتبة ابن أذينة حرمتها لأنّ حملهما على ما إذا اشترط البائع على المشتري ذلك بعيد و التّفصيل بين بيع العنب ممن يعمله خمرا و بيع الخشب ممن يعمله صنما فيقال بالصّحة في الأوّل و الفساد في الثّاني أبعد‌

فيمكن حمل الرّوايتين على الكراهة لمعارضتهما مع هو صريح في جواز بيع العنب ممن يعلم أنّه يجعله خمرا أو مسكرا كالمكاتبة الأخرى لابن أذينة و رواية أبي كهمش بعد عدم الفرق بين الخمر و الصّنم أو الصّليب‌

و يشهد لهذا الجمع رواية رفاعة عن بيع العصير ممّن يصنعه خمرا قال بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إلي و لا أرى به بأسا فإن قوله أحبّ ظاهر في أنّ بيعه ممّن لا يذهب ثلثيه أو لا يصنعه خلا غير محبوب أو يلتزم بالتّفصيل و إن كان بعيدا بمقتضى التعبّد‌

و كيف كان مع معارضة الأخبار الصّريحة في الجواز لهذين الخبرين لا يمكن‌

11

الالتزام بما هو ظاهرهما فالأقوى جواز هذه المعاملة تكليفا و صحّتها وضعا نعم قد يقال بحرمتها من جهة كونها إعانة على الإثم و لكن الأقوى عدم دخولها في موضوع الإعانة على الإثم و توضيح ذلك يتوقّف على إشارة إجماليّة إلى حكم الإعانة على الإثم و تنقيح موضوعها‌

فنقول لا إشكال في حرمتها لظاهر الآية الشريفة و لا إشكال في عد إمكان تخصيصها بعد تحقّق موضوعها لأنّ هذه من العناوين الغير القابلة للتّخصيص فإنّها كنفس المعصية و كالظّلم فإنّه كما لا يمكن أن يكون معصية خاصة مباحة فكذلك لا يمكن أن تكون الإعانة على المعصية مباحة‌

فما عن الحدائق بعد ما حكى عن الأردبيلي (قدّس سرّه) من القول بالحرمة في مسألتنا من جهة كونها إعانة على الإثم من أنه جيّد في حد ذاته لو سلم من المعارضة بأخبار الجواز لا وجه له لأنّه لو كان بيع العنب ممّن يعلم بأنّه يعمله خمرا داخلا في عنوان الإعانة فلا يمكن أن يدلّ دليل على جوازه فمع ورود الدّليل على الجواز نستكشف بأنّه ليس داخلا في هذا العنوان و أمّا موضوعها فقد قيل باعتبار أمرين فيه أحدهما إيجاد فعل بقصد تحقّق الإثم من الغير الثّاني وقوع الإثم من الغير بحيث لو لم يتحقّق الإثم لم يكن الإيجاد حراما من جهة صدق الإعانة و إن حرم من جهة قصد الإعانة بناء على ما اختاره من أنّ قصد المعصية بنفسه من المعاصي و قد يقال بكفاية نفس قصد تحقّق الإثم من الغير و إن لم يقع الإثم و قد يقال لا يعتبر القصد إذا تحقّق الإثم و قد يقال بعدم اعتبار تحقّق الإثم و لا القصد بل نفس بيع العنب ممن يعلم أنّه يعمله خمرا حرام و إن لم يعمله خمرا و لا قصد البائع ببيعه وقوع الحرام من المشتري‌

و الحق أن يقال إنّ الفعل الواقع من شخص تارة يقع في سلسلة علل فعل فاعل الإثم و أخرى لا يكون كذلك و إن لم يمكن أن يصدر الإثم بدونه بل كان من المبادي البعيدة و ذلك كتجارة التّاجر الّتي لولاها لم يمكن للعشار أن يأخذ عشرها و هذا في الحقيقة خارج عن المبادي أيضا فإنّ المبادي هي الّتي تتحقّق بعد الإرادة التقديرية من المريد و هذا بمنزلة الموضوع لتحقّق الإرادة التقديريّة فإنّه لو لا تجارة التّاجر و غرس الكرم من الزّارع لم يمكن حصول العشّار و الخمّار فبعد تحقّقهما لو كان أحد خبيث النفس يصير عشّارا أو مخمرا‌

و بالجملة لو لم يكن في العالم ما يمكن أن يجعل خمرا لم يمكن للخمار أن يحصل له إرادة تقديرية على تخمير العنب أي إرادته التّخمير على تقدير اشتراء العنب و تهية سائر المقدمات حاصلة في ظرف وجود العنب‌

و كيف كان سواء كانت هذه من المبادي أو لا فهذه خارجة عن موضوع البحث إذا كان قصد التاجر التّجارة لتحصيل أغراضه النّفسانيّة و قصد الغارس كذلك لا إذا غرسه لذلك‌

و أمّا إذا كان واقعا في سلسلة علل فعل الفاعل و من مبادي فعله فهذا على قسمين لأنه قد لا يتوقّف فعل الإثم إلّا على عمل المعين كمن كان بانيا على ضرب مظلوم فيتناوله المعين العصا و أخرى يتوقّف على أمور أخر كتخمير الخمّار فإنّه بمجرد شراء العنب لا يمكن أن يحصل منه الخمر‌

فلو كان من الأوّل فلا إشكال في أنّه يصدق عليه الإعانة على الإثم و لو لم يقصد معطي العصا إعانته على الضرب بل يمكن أن يقال بأن مع علمه ببنائه على الضّرب لا ينفكّ قصد الإعطاء عن قصد الإعانة و لو كان من القسم الثّاني فيمكن أن يقال بإلحاقه بالقسم الأوّل و يمكن أن يقال بأنه ملحق بتجارة التّاجر و على أي حال موضوع البحث في الإعانة ما إذا لم يكن فعل المعين علة تامّة لصدور الفعل عن الإثم بلا اختيار‌

12

و إلا فيدخل في باب الأسباب و المسبّبات‌

و بالجملة بعد ما فرض أنّ موضوع البحث هو الإعانة في المقدمة المشتركة بين ترتب المحرّم عليها و المحلّل نقول فرق بين بيع العنب و إعطاء العصا فالصواب أن يجعل البحث في أنّه هل يلحق بيع العنب بباب إعطاء العصا الّذي هو من قبيل الجزء الأخير لعلّة التامّة أو يلحق بتجارة التاجر أو لا يلحق بشي‌ء منهما و الأقوى هو الفرق بينهما و بين بيع العنب فلا يلحق بتجارة التّاجر و لا بإعطاء العصا‌

أمّا تجارة التّاجر فلأنّها بمنزلة الموضوع لأخذ العشر و ليست من مباديه فلا تحرم إلّا إذا قصد التوصّل بها إلى وقوع الحرام من العشار لأنّ كلّ ما وقع بقصد التوصّل إلى صدور الحرام من الغير و لو كان بيع الطعام ممّن يعلم بأنّه يشتريه للتّقوى به على المعصية فهو داخل في الإعانة على الإثم سواء قلنا بأنّ شراء المشتري حرام أم لا‌

أمّا إذا قلنا بحرمته فلأنّه إذا كان شراء من يتقوّى بالطّعام حراما من باب أنه شروع في الحرام فلا إشكال في أن البيع إعانة على الحرام و لو لم يقصد به التوصّل إلى الحرام فضلا عما إذا قصد‌

و أمّا لو لم نقل بأنّه حرام من باب عدم حرمة مقدّمة الحرام التي لا يترتّب عليها الحرام قهرا كما برهن ذلك في محلّه و ثبت الفرق بينها و بين مقدمة الواجب و لم يقم وجه آخر على حرمته أيضا إلّا ما يقال إنه تجرّ إلى الحرام و هو حرام و هذا ممنوع فإنّ الشراء بنفسه ليس تجرّيا حتى يكون البيع مقدّمة للتجري بل التجري هو الشراء بقصد التوصّل به إلى الفعل المحرّم‌

و لا يقال إذا كان المجموع المركّب من الشراء مع القصد تجرّيا فكلّ واحد من أجزاء المركّب مقدمة للمركّب فإذا كان التجري حراما فالشراء الّذي هو مقدّمة للتجري أيضا حرام لأنّا نقول أوّلا لا يدخل أجزاء المركب في بحث مقدّمة الحرام و الواجب و ثانيا أن مقدّمة الحرام الّذي هو التجري إنّما تكون محرمة إذا كانت تجرّيا أيضا و إلّا فلا دليل على حرمة مقدمة الحرام و كونها تجرّيا لكونها مقدّمة للتجري يتوقّف على إتيانها بقصد التوصل إلى التجري و هذا مع أن المشتري لا يقصد بشرائه التوصّل إلى التجري لا يمكنه أن يقصد ذلك و إلّا لتسلسل و ذلك لأنّه إذا كان القصد إلى التجري تجرّيا و المفروض توقّف التجري على القصد فلا بدّ أن يقصد القصد و هكذا‌

و بالجملة و لو لم نقل بحرمة شراء الطّعام للتقوى على المعصية إلّا أنّ البيع بقصد التوصّل إلى صدور الحرام من المشتري حرام و على أي حال بيع العنب ممن يعلم بأنه يعمله خمرا لا يشبه تجارة التّاجر فإنه واقع في سلسلة أفعال الفاعل دون التّجارة فإنّها خارجة و بمنزلة الموضوع لها فلا ملازمة بين حليّة التجارة و حليّة بيع العنب فإذا قصد حصول الخمر و باع ممّن يعمل بأنه يعمله خمرا فيحرم لأنّ المفروض أنّ البائع يقصد بيعه حصول الخمر من المشتري فبيعه بقصد تخمير المشتري إعانة على الإثم‌

و بعبارة أخرى لا نقول بحرمة البيع بقصد توصّل الغير إلى الحرام لكونه إعانة على الشراء حتى يقال بعدم حرمة المعان عليه بل لكونه إعانة على التّخمير و على هذا فظهر الفرق بين الإعانة بالعصا و الإعانة بالبيع أيضا فإنّ الأوّل يحرم و لو يقصد به توصّل الغير إلى الحرام بخلاف الثاني‌

فتحصل مما ذكرنا أن كل فعل وقع من المعين و لم يكن بينه و بين فعل العاصي غير اختياره العصيان فهذا حرام و لو لم يقصد بفعله توصّل العاصي به إلى العصيان و يندرج فيه إعطاء العصا ممن كان مصمّما لضرب مظلوم و بيع السلاح من أعداء الدّين حين قيام الحرب و إعطاء الكأس لمن أراد شرب الخمر و بيع العصير المتنجس على مستحلّه‌

13

و إعطاء السيف لمن يريد أن يقتل أحدا و هكذا و كلّ فعل لا يقع الحرام به بل يتوقّف على أمور أخر كبيع العنب ممّن يجعله خمرا فهذا لا يندرج تحت الإعانة على الإثم إلّا إذا قصد البائع به توصل المشتري بالعنب إلى التخمير فإن الشراء الذي هو مقدمة الحرام و إن لم يكن بحرام إلا أن البائع حيث قصد من بيعه كون المشتري متمكنا من التخمير فيندرج في الإعانة على الإثم‌

ثم إنه قد يستدل بحرمة بيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا بأن دفع المنكر كرفعه واجب و لا يتم إلا بترك البيع فيجب تركه فيحرم فعله‌

و لا يخفى أن هذا الاستدلال يصح إذا فرضنا أن ترك البيع يؤثر في ارتداع الخمار عن التخمير فبناء على تأثيره فيه يمكن دعوى حرمة البيع من باب ثبوت الملازمة عرفا بين وجوب دفعه بعد تحققه و المنع عن تحققه و لذا يقال بحرمة تنجيس المسجد من جهة استكشافها عن وجوب إزالة النجاسة عنه‌

و أما لو لم يؤثر ترك البيع في ترك التخمير لوجود العنب عنده أو وجود مائع آخر فلا وجه لحرمته و لا يقال إن بيع بائع آخر لا يوجب حلية بيع هذا فإن ظلم ظالم لا يسوغ الظلم لأنا نقول فرق بين ما كان الشي‌ء واجبا على نحو الكفائي و بين ما كان واجبا على جماعة بوصف الاجتماع فإنه لو كان ترك البيع واجبا على كل أحد كفائيا فيحرم البيع على كل من باع استقلالا‌

و أما لو كان قائما بالمجموع فلا وجه لحرمته على كل أحد و في المقام لم يقم دليل على وجوب ترك البيع على كل واحد كفائيا بل لا يمكن أن يدل دليل كذلك فإنه لا معنى لتعلق النهي على شي‌ء كفائيا و لا على وجوب الترك كذلك بل لا بد إما أن يقوم دليل على وجوب الفعل كفائيا أو حرمته استقلاليا أو وجوب الترك مجموعيا و في المقام لا مناص عن الأخير فإن النهي عن المنكر إنما يكون واجبا إذا كان مؤثرا و تأثير ترك البيع في دفع المنكر متوقف على ترك الجميع لأن بيع واحد على البدل يتحقق المنكر‌

الفصل الثالث ما يحرم الاكتساب به لغاية محرمة تترتب عليه شأنا من دون قصد البائع ترتب هذه الغاية من شراء المشتري

كبيع السلاح من أعداء الدين مع عدم قصد تقويهم به و مع عدم قيام الحرب بينهم و بين المسلمين‌

و لا يخفى أن حرمة هذا القسم لا تدخل تحت العناوين الكلية و القواعد العامة فلا بد من الاقتصار على مورد النص و بعض النصوص الواردة في الباب و إن كان مطلقا إلا أنه يجب تقييده بما إذا كان بيننا حرب لا في مورد الهدنة كما هو صريح رواية هند السراج فقال الباقر (عليه السّلام) فإذا كان الحرب بيننا فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك‌

و بالجملة يختص هذا القسم بما إذا حصل بالكسب تقوي الكفر على الإسلام و هذا عنوان آخر محرم بنفسه لا من باب الإعانة و إن دخل بعض أقسامه في باب الإعانة على الإثم أيضا كما إذا قصد البائع بالبيع غلبة الكافر أو كان فعله الجزء الأخير من علة الإثم و لا يبقى بين البيع و الإثم إلا إرادة العاصي و في غير عنوان الإعانة يجب الاقتصار على مورد النص و هو السلاح بالخصوص دون غيره‌

خاتمة

قد تقدم في صدر الكتاب أن النهي المتعلق بالمعاملة على أقسام ثلاثة لأن النهي تارة يتعلق بها من جهة عدم كون أحد العوضين مالا و لا حقا و عدم مالية إما لعدم ماليته عرفا أو لسلب الشارع جهة ماليته‌

و أخرى من جهة نفس المنشإ بالعقد لا من جهة عدم مالية العوض شرعا أو عرفا كالبيع الربوي و بيع المصحف و العبد المسلم من الكافر و ثالثة من جهة الإنشاء إما لمزاحمته لواجب أهم أو مضيق كالبيع وقت النداء و إما لدخوله تحت أحد‌

14

العناوين المحرمة كالإعانة على الإثم و تقوي الكفر‌

ففي القسم الأول لا إشكال في أن النهي يقتضي الفساد لأن قوام المعاوضة بثبوت العوضين فالبيع بلا ثمن و الشراء بلا مثمن لا معنى له و سيجي‌ء تحقيقه إن شاء اللّٰه في محله و الأقوى في الثاني أيضا هو الفساد لما بينا في الأصول أنه إذا خرج المنشأ بالعقود عن تحت سلطنة المالك فلا يعقل أن يصح التبديل و التبدل لأن الأمور الاعتبارية تسقط عن الاعتبار بمجرد إلغاء من بيده اعتبارها فبنفس النهي يخرج التبديل و التبدل عن سلطنة المالك و لا يقدر على إيجادهما من توجه النهي إليه فالقول بأن الحرمة لا تلازم الفساد شطط من الكلام و الأقوى في الثالث هو الصحة‌

أما البيع وقت النداء فواضح لأن كون التلفظ بهذه الألفاظ حراما لا يلازم عدم وقوع المنشأ بها و أما البيع الذي يكون إعانة على الإثم أو تقوية للكفر فلأن المحرم هو إيجاد الألفاظ بقصد توصل الغير بها إلى المحرم فيتعلق النهي بأمر خارج عن المعاملة و لذا لا يبطل البيع لو لم يقصد به التوصل‌

نعم لو كان الشراء بهذا القصد فاسدا لفسد البيع أيضا لأن العقد لا يتبعض إلا أنه لا دليل على فساد الشراء لما عرفت أن مقدمة الحرام ليست محرمة و لا تدخل تحت الإعانة على الإثم لانحصار موردها بإعانة الغير ثم إن حكم القسم الأول واضح لو علم موضوعه و أما لو شك فلو شك في أنه مال عرفا فالأقوى صحة المعاملة عليه إذا علم بتعلق غرض عقلائي به و إثبات حق لمن في يده و حازه للعمومات مثل قوله عز اسمه تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و قوله ع و كل شي‌ء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و عدم اندراج هذه المعاملة تحت أحد العناوين الخاصة من البيع و الصلح و الإجارة و نحوها بناء على أن يكون البيع هو تبديل مال بمال لا يضر بالصحة لعدم الدليل على اختصاص المعاملة بأحد هذه العناوين‌

و بالجملة و إن لم نقل بصحة التمسك بمثل قوله عز من قائل أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ لأخذ مبادلة المال بالمال في مفهومه و اختصاص المال بما يعتد مالا عرفا و مع الشك في المصداق لا يمكن التمسك بالعموم و لا التمسك ب‍ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لأنه ناظر إلى لزوم ما كان عقدا و ليس في مقام بيان أن العقد ما هو إلا أنه لا مانع من التمسك بعموم تجارة عن تراض و نحوه و لم يقم دليل على اختصاصه بالمال حتى يكون في مورد الشك التمسك به تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية فتأمل‌

و أما لو شك في أنه حرام شرعا حتى يحرم بيعه بناء على أن الشارع أسقط مالية ما كان محرما فمقتضى أصالة الحل أنه داخل فيما يجوز بيعه لأن بهذا الأصل ينقح موضوع العمومات نعم كون الموضوع الثابت بهذا الأصل موضوعا واقعيا كلام آخر و الحق عدمه‌

و كيف كان فما لم ينكشف الخلاف لا إشكال في صحة المعاملة عليه ثم إنه لو كان منشأ الشك في المالية الشك في التذكية لتوقف المنفعة المحللة على طهارة الجلد مثلا فلو دل دليل على قابلية الحيوان للتذكية كالسباع مثلا بل المسوخ مثل الفيل فلا إشكال في جواز بيعه و بيع أجزائه كالعظم و الجلد بعد تذكيته‌

نعم لا يقبل الحشرات التذكية فإذا كانت لها نفس سائلة و توقف استيفاء منافعها على طهارة أجزائها بعد موتها فلا يجوز بيعها و كيف كان فتحصل مما ذكرنا أن جواز البيع منوط بأن يكون الشي‌ء مالا عرفا و شرعا و أن تكون نفس المعاملة جائزة شرعا سواء أحرز ذاك بالدليل أو الأصل‌

و على أي حال أصالة الفساد التي هي الأصل الأولي‌

15

المعول عليها في المعاملات محكومة بالدليل و أصالة الحل و الإباحة أما بالدليل فواضح و أما بالأصل فلأن به ينقح موضوع العمومات التي بها يرتفع الشك عن الصحة و الفساد هذا كله في تبديل الأموال بالأموال‌

و أما تبديل المنافع بها فحرمة الاكتساب به تارة راجعة إلى إجارة الأعيان و ما يلحق بالإجارة لمنافع محرمة كإجارة الدابة و السفينة لحمل الخمر عليها و إجارة الدكان لبيع الخمر أو حرزه فيه و أخرى راجعة إلى إجارة الأبدان و هذا على قسمين فتارة يقع الإجارة و الجعالة و نحوهما بإزاء عمل محرم في نفسه و أخرى بإزاء عمل واجب‌

و على أي حال حرمة الاكتساب في باب الإجارة و ما يلحق بهما تقتضي الفساد لخروج العمل أو منفعة الدار عن تحت سلطنة المالك إما لحرمته أو لوجوبه عليه كما سيجي‌ء توضيحه‌

ثم لما كان المقصود من التحرير بيان الضابط الكلي فلا تتعرض الصغريات الأبواب و أن القمار مثلا داخل في باب الإجارة و أنها معاملة مستقلة التي تسمى عند العرف بالمراهنة التي خرج السبق و الرماية عن تحتها شرعا و لا نتعرض للأعمال المحرمة و إن جرت عادة العلماء بذكر ما من شأنه الاكتساب به عرفا و هو كل عمل يبذل بإزائه المال كالتصوير و نحوه بل بذكر ما ليس من شأنه أن يبذل بإزائه مال كالغيبة و الكذب و نحوه فالمهم بيان منشأ بطلان الإجارة على المحرمات و الواجبات و توضيح ذلك في ضمن مقدمة و فصول‌

أما المقدمة

فهي أنه قد اعتبر في الإجارة و ما يلحق بها من الجعالة و إباحة المنفعة بالعوض بناء على كونها من المعاملات المتعارفة أمران‌

الأول أن يكون العمل الذي يأخذ الأجير أو العامل بإزائه الأجرة و الجعل ملكا له بأن لا يكون مسلوب الاختيار بإيجاب و تحريم شرعي عليه لأنه إذا كان واجبا عليه فلا يقدر على تركه و إذا كان محرما عليه فلا يقدر على فعله و يعتبر في صحة المعاملة على العمل كون فعله و تركه تحت سلطنته و اختياره أن يكون العمل ممكن الحصول للمستأجر فلو لم يكن كذلك كما إذا تعلق تكليف عليه مباشرة فلا يصح الإجارة عليه و إن انتفع به فإن مجرد انتفاع المستأجر لا يصحح الإجارة فإن الانتفاع أمر آخر يعتبر في كل معاملة و حاصله أن لا تكون المعاملة سفهية ثم إنه قد ينتفي كلا الشرطين كصوم شهر رمضان أو الحج في سنة الاستطاعة ممن يجب عليه بالمباشرة فإن الأجير ليس مالكا لعمله و المستأجر أيضا لا يملك عمل غيره إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تعيين الصغرى في ضمن مباحث‌

المبحث الأول المحرمات بأجمعها لا يمكن الإجارة عليها

لانتفاء الشرط الأول من غير فرق بين ما جرت العادة بجعل الأجرة و الجعل عليه كالتصوير و نحوه أو لم تجر كالكذب و نحوه فلا يجوز لشاهد الزور أخذ الأجرة على شهادته لخروج عمله عن تحت سلطنته بنهي الشارع فلا يقدر على فعله فأخذه الأجرة أكل المال بالباطل و مصداق لوهب الأمير ما لا يملك‌

الثاني الواجبات النظامية كلها يجوز أخذ الأجرة عليها

ما عدا القضاء سواء كانت كفائية أو عينية تعيينية كانت أو تخييرية و نحن استوفينا البحث عنها في كتاب القضاء و الغرض في المقام محض الإشارة إليه و وجه ذلك حصول كلا الشرطين فإن الأجير مالك لعمله و المستأجر يمكن الحصول له أما الثاني فواضح و أما الأول فلأن الواجب على الأجير هو بذل عمله أي تعلق التكليف أو الوضع بالمعنى المصدري لا بنتيجة عمله التي هي المعنى الاسم المصدري فإن الطبيب و إن وجب عليه الطبابة عينا إلا أنه مالك لعمله‌

16

و الأجرة تقع بإزاء العمل الذي هو مناط مالية المال إلا بإزاء قوله من حيث الإصدار و هما و إن لم يكونا أمرين خارجيين متمايزين إلا أنهما شيئان اعتبارا فللشارع التفكيك بين وجوب المصدر و ملكية اسم المصدر و ليس الطبيب و الصباغ و الخياط كالقاضي فإن في باب القضاء تعلق التكليف بنتيجة عمله و هو فصله الخصومة و هذا إذا خرج عن ملكه فلا يجوز له الأجرة عليه و أما الصباغ و نحوه فما وجب عليه هو بذل عمله لا أثره‌

و هذا الوجه و إن كان في النتيجة مشتركا مع ما يوجه به صحة الأجرة بأن الواجب النظامي لم يتعلق الوجوب به مجانا و لكنه لا يرجع إليه لأنه لم يقم دليل على أنه لم يجب مجانا و لا دليل في الواجبات الغير النظامية على أنها وجبت مجانا إلا في بعضها كالقضاء و نحوه بناء على عدم كونه نظاميا و إلا استثني منه بل الوجه الذي يوجه به صحة الأجرة عليه هو الموجب لاستفادة عدم المجانية‌

و كيف كان لو وجب بذل العمل و حرمة احتكاره فلا مانع من أخذ الأجرة عليه و إن جاز أن يعمله تبرعا بلا إشكال و لو وجب عليه نتيجة العمل فلا يجوز أخذ الأجرة لأن المعنى المصدري آلي و لا يقابل بالمال و اسم المصدري خارج عن ملكه و نظير الأعمال في كلا الشقين الأموال أيضا فإنه قد يتعلق تكليف أو وضع بنفس الملك كباب الخمس و الزكاة فلا يجوز أخذ العوض من مصرفه أو مستحقه و قد يتعلق تكليف بالتمليك و الإعطاء و البذل كوجوب بيع الطعام في المخمصة فإن التكليف المتعلق بصاحب الطعام هو حرمة حبسه و احتكاره الطعام و لم يتعلق بنفس المال‌

ثم إن جواز أخذ الأجرة عليه ليس لكونه توصليا مقابلا للعبادي لما سيجي‌ء أن التوصليات أيضا لا يجوز أخذ الأجرة عليها بل لكونه توصليا بمعنى آخر و هو أن جهة وجوبه معلومة‌

و بعبارة و أخرى ملاك وجوبه و منشأ تعلق الأمر به حفظ النظام و ما يتوقف عليه تعيش بني آدم و نظام العالم هو بذل عمله لا كون نتيجة عمله خارجا عن ملكه نعم لو توقف النظام في مورد على هذا كما لو توقف حفظ نفس محترمة لا ذمة لها كالطفل و المجنون الذي لا مال له و لا ولي على بذل النتيجة فلا يبقى محل لأخذ الأجرة عليه‌

الثالث في حكم الواجبات الغير النظامية

أي ما يجب على المكلف لغير ملاك توقف نظام العباد و البلاد عليه و هذا على قسمين قسم يعتبر قصد الأمر فيه و قسم توصلي و كل منهما إما عيني أو كفائي و بتقسيم آخر إما تعييني أو تخييري ثم إن الواجب تارة واجب على المستأجر دون الأجير و تارة بالعكس و أخرى يجب على كليهما فإذا كان واجبا على المستأجر دون الأجير فلو لم يعتبر في عمل المستأجر المباشرة يصح الإجارة مطلقا تعبديا كان أو توصليا كان واجبا عليه عينا أو كفاية كما إذا وجب القضاء عن الميّت على وليه فيستأجر غيره و كما إذا وجب الجهاد على شخص عينيا أو كفائيا دون غيره فيستأجر من لا يجب عليه ليجاهد عنه و لا إشكال في هذا القسم لأن الأجير مالك لعمله و المستأجر يملك عمل الأجير‌

نعم في التعبديات يتوهم تنافي أخذ الأجرة مع قصد القربة و سيجي‌ء دفعه و إذا وجب على الأجير دون المستأجر فلا يصح الإجارة عليه سواء كان عينيا أو كفائيا أما إذا كان عينيا كالصلاة اليومية فلانتفاء كلا الشرطين المعتبرين في صحة الإجارة فإن الأجير لا يملك عمله و المستأجر لا يملك أيضا عمل الأجير و أما إذا كان كفائيا فلانتفاء الشرط الثاني بل كل ما لا يملكه المستأجر لا يصح الإجازة عليه و إن لم يكن واجبا على الأجير بل كان مستحبا أو مباحا فلا يصح إجارته لقراءة القرآن لنفسه أو لإعادة صلاته ليقتدي به المستأجر و أما إذا وجب على كليهما فتارة يجب على‌

17

كل منهما عينيا و أخرى كفائيا أو تخييريا‌

فإذا وجب عينيا كصوم شهر رمضان فلا يصح الإجارة سواء استأجره لأن يصوم عن المستأجر أو عن نفسه لانتفاء كلا الشرطين لوجوبه على الأجير و عدم حصول الملك للمستأجر و لو آجره لأن يصوم نيابة عنه لأن اعتبار المباشرة على نفس المستأجر موجب لعدم حصول الملك له‌

و أما لو وجب على كل منهما كفائيا أو تخييريا فإذا لم يعتبر المباشرة في عمل المستأجر كالجهاد أو استأجره لأن يكون نائبا عنه فيصح لوجود كلا الشرطين فإن النائب حيث إنه يجب عليه كفائيا مالك لعمله و المستأجر أيضا يملك عمل الأجير و أما لو اعتبر المباشرة كالصلاة على الميّت أو استأجره لأن يجاهد الأجير لنفسه فلا يصح لانتفاء الشرط الثاني‌

و مجرد انتفاع المستأجر و هو سقوط الوجوب الكفائي عنه لا يصحح الإجارة بعد اعتبار إمكان حصول ملك المنفعة للمستأجر و عليك باستخراج حكم سائر الأقسام كما إذا كان على كل منهما تخييريا أو كان على أحدهما تخييريا و كان على الآخر عينيا تعيينيا مثل ما إذا وجب على الأجير إما الصوم أو إطعام ستين مسكينا و وجب على المستأجر قضاء صوم أبيه عينا تعيينا فإذا لم يعتبر المباشرة في عمل المستأجر يصح أن يستنيب غيره للصوم و لو كان واجبا عليه تخييرا بينه و بين الإطعام نعم لو تعذر عليه الإطعام و ضاق الوقت للصوم لا يجوز أن يصير نائبا فتدبر جيدا‌

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دفع ما يقال من أن أخذ الأجرة في الواجبات التي يعتبر قصد القربة فيها ينافي التقرب و لهم في التفصي عن هذا الإشكال وجوه‌

منها ما نسب إلى صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و هو أن تضاعف الوجوب بسبب الإجارة يؤكد الإخلاص و لا ينافيه و فيه أنه لو كان المقصود أن داعي الأجير على العمل يصير آكد لانضمام الأجرة إلى أمر اللّٰه سبحانه فهذا عين الالتزام بالإشكال لاعتبار الخلوص في داعي العامل و لو كان المقصود أن وجوب العمل على الأجير يوجب تأكد اشتراط الخلوص في العبادة فكان الشي‌ء يصير واجبا من قبل اللّٰه سبحانه بوجوبين الأول وجوب الوفاء بالإجارة بإتيان العمل و الثاني في إتيانه لأمر اللّٰه سبحانه‌

ففيه أن الأمر الإجاري لا يعتبر فيه القرينة فكيف يؤكد الإخلاص و لا يتحد مع الأمر العبادي حتى يكتسب العبادية منه كالأمر النذري فإنه يتعلق بعين ما تعلق به الأمر العبادي و لذا يكتسب كل من الأمر النذري و العبادي من الآخر ما هو فاقد له فإذا نذر صلاة الليل تصير بالنذر واجبة و يصير النذر قربيا و هذا بخلاف الأمر الإجاري فإنه يتعلق بالصلاة مع قصد القربة و الأمر العبادي يتعلق بذات العمل‌

و لذا لو تبرع متبرع عمن وجب عليه عبادة يجب عليه أن يقصد ما وجب على المنوب عنه مع أن أمره التبرعي استحبابي و كذا لو استوجر أحد لصلاة الليل لو فرض صحة الإجارة يجب أن يقصد الأمر الاستحبابي المتوجه إلى المنوب عنه لا الأمر الإجاري الذي يجب عليه وفاؤه نعم قد يجتمعان في الوجوب و الاستحباب و لكنهما على أي حال لا يتحدان‌

و منها أن أخذ الأجرة من قبيل الداعي على الداعي إذ ليس في عرض داعي الامتثال بل في طوله فالداعي على الامتثال هو أمر اللّٰه و المحرك بالإتيان الفعل بداعي أمر اللّٰه هو الأجرة‌

و فيه أنه لو كان هذا إشكالا لكان أولى و أحق من أن يكون جوابا فإنه لو لا الأجرة لما حصل للعامل الداعي إلى إتيان الفعل لله سبحانه فصار محركه إلى العمل بالأخرة هو الأجرة و لا يقاس الأجرة بالغايات المترتبة على العبادات بجعل إلهي فإنه مع الفارق لأن سلسلة العلل إذا انتهى إلى اللّٰه سبحانه فلا يخرج المعلول عن كونه عباديا و هذا بخلاف ما إذا انتهت إلى غيره فإنه ليس‌

18

من وظيفته جعل غاية للفعل بقصد الأمر‌

و بالجملة فرق بين أن يؤتي الصلاة لأمر اللّٰه سبحانه حتى يوسع رزقه و أن يؤتي لأمر اللّٰه حتى يأخذ الأجرة و الأول عبادة و إن لم تكن عبادة الأحرار و الثاني ليس عبادة و مجرد توسيط أمر اللّٰه سبحانه في العمل لا يصحح العبادة لأن حقيقة العبادة ليست صرف إخطار كون العمل لله أو التلفظ بهذا العنوان بل أن يكون محرك العامل هو أمر اللّٰه سبحانه و لو لغايتها المترتبة عليها منه سبحانه و أما إذا كان محركه الأجرة فهذا عين كونه غير قربي فإن من لا يكنس دار زيد أصلا و لا يعتني بأمره لو أمره عمرو بكنس دار زيد فكنسه داره لا يمكن أن يكون لأمر زيد و لو أمره عمرو بامتثال أمر زيد‌

و بالجملة لو وقع في سلسلة داعي العمل داع غير إلهي يخرج العمل عن كونه قربيا و القول بأنه لا يعتبر في العبادة أن يكون الداعي على الداعي قربيا مساوق للقول بعدم اعتبار قصد التقرب في العبادة‌

و منها أن فعل النائب فعل تسبيبي للمستأجر و قصد المستأجر التقريب في استيجاره كاف في العبادة و فيه أنه لا إشكال في صحة التبرع عن الغير مع أن المتبرع عنه غافل عن فعل المتبرع فكيف يكون فعل النائب فعل المندوب عنه و كيف يقصد المتبرع القربة الكافية من المنوب عنه و مجرد كون داعي العامل أمر المستأجر لا يجعل فعله مسببا توليديا فإن المسبب التوليدي هو الذي لا يكون بين فعل الفاعل و الأثر المترتب عليه واسطة اختيارية‌

نعم قد يطلق المسبب التوليدي على فعل البناء لأمر غيره به كقولهم فتح الأمير البلد و لكن هذا الإطلاق بالعناية و خارج عن باب المسبب التوليدي و لا يمكن أن يتعلق تكليف بالجامع بين فعله و فعل غيره بل ليس الجامع فيما لا يعتبر فيه المباشرة إلا الأعم من الفعل بنفسه أو الاستنابة و القربة في الاستنابة غير تقرب النائب و في باب العبادات تعتبر في نفس عمل العامل و لا يقاس المقام بوقف المسجد في عدم اعتبار قصد التقرب من البناء لأنه لم يقم دليل على اعتبار القربة إلا من الواقف و الواقف حيث إنه يملك هذه الهيئة الحاصلة من عمل البناء كما أنه يملك الجص و الأجر فيوقف هذه الهيئة مع موادها قربة إلى اللّٰه و لو فرض اعتبار القربة في عمل البناء لما كانت القربة الحاصلة للآمر في أمره بالبناء كافية لعمل البناء‌

فالصواب في الجواب هو ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) و حاصله أن متعلق عقد الإجارة غير متعلق الأمر العبادي فإن الأمر العبادي متوجه إلى المنوب عنه و الأمر الإجاري إلى النائب و لا يتحد متعلقهما و إن اجتمع العنوانان في الخارج في مصداق واحد و لا يقع الأجرة في سلسلة داعي المنوب عنه أصلا و إنما يقع الأجرة بإزاء قصد النائب النيابة في عمله بحيث لو قصد النائب إتيان العمل للأجرة أو قصد إتيان العمل بداعي أمره سبحانه بإزاء الأجرة يقع عمله باطلا و لا يقع للمنوب عنه بل لم يأت بما تعلق الإجارة به لأن الإجارة الحاصلة بينهما وقعت بأن يأتي العامل العمل للمنوب عنه و هذا من غير فرق بين التوصلي و التعبدي مثلا لو استأجره للجهاد و قلنا بعدم اعتبار قصد التقرب من المجاهد فلو جاهد الأجير لا عن المستأجر بل بلا عنوان لا يقع منه فلم يمتثل الأمر الإجاري بل يقع عمله إما لغوا أو عن نفسه‌

و يظهر توضيح ذلك بملاحظة حال المتبرع فإنه إذا قصد الأمر المتوجه إلى المتبرع عنه يقع عن المنوب عنه و لا إشكال في أن التبرع منه مستحب مع أن الأمر المتوجه إلى المنوب عنه قد يكون واجبا و لا يقع داعي المتبرع في سلسلة داعي المنوب عنه و لا ربط لأحدهما بالآخر فإن داعي المتبرع عنه هو أمر اللّٰه سبحانه المتوجه إليه إما ببدنه أو ببدنه التنزيلي و داعي المتبرع هو‌

19

تنزيل نفسه منزلة غيره و نيابته عنه‌

و التعبير بالتنزيل إنما هو لتقريب المطلب و توضيحه و إلا فما هو المعتبر في تفريغ ذمة الغير ليس إلا نيابته عنه فإذا صح نيابته عنه تبرعا و لم يتعلق الأمر التبرعي بما تعلق به الأمر العبادي فيصح أخذ الأجرة بإزاء قصد النيابة في العمل لأن الأجرة لم تقع بإزاء العمل القربي لأن التقرب يحصل للمنوب عنه و لا يعتبر في النيابة أصلا فداعيه إلى النيابة إذا كان الأجرة و أتى بالعمل القربي للمنوب عنه فيحصل من عمله أمران أحدهما تفريغ ذمة المنوب عنه و ثانيهما نيابته عنه‌

و العمل الخارجي و إن كان مجمع العنوانين إلا أن أحدهما في طول الآخر و لا شبهة أن نيابته عنه متقدم في الرتبة على حصول فراغ الذمة و التقرب للمنوب عنه فيترتب على فعله أثران أحدهما في طول الآخر و لا إشكال في ذلك أصلا‌

و بالجملة ما هو مناط العبادية لم تقع الأجرة بإزائه بل وقع الأجرة بإزاء مالكية المنوب عن العمل من الأجير و إيقاع العمل عنه الذي هو قوام النيابة من قبيل عناوين الأفعال التي تتحقق بقصدها في العمل كعنوان التعظيم و عنوان الظهرية و العصرية‌

و لا شبهة أن عنوان العمل لا يدخل في سلسلة الداعي فإن الداعي هو معلول الفعل الذي يوجد العامل العمل لأجل ترتبه عليه فإن كانت الأجرة واقعة بإزاء العمل و كان العمل لأجلها فهذا ينافي القربة و لا يمكن أن يكون توسيط قصد الامتثال بالخطرات القلبية مصححا له‌

و ما يحكى عن بعض الأعاظم من أنه كان يعطي الأجرة إلى الأكراد ليصلوا ليس من باب أنه (قدّس سرّه) يحدث لهم الداعي على إتيان العمل لله بل غرضه (قدّس سرّه) جعلهم متعودين بالعبادات حتى يحدث لهم بعد ذلك الداعي القربي و هكذا وجوب الأمر بالصلاة من باب الأمر بالمعروف ليس من قبيل الداعي على الداعي بل المدار هو عدم انمحاء شعائر اللّٰه سبحانه صورة و إلا كيف يقصد القربة من لا يخاف من اللّٰه سبحانه و يخاف من الآمر بالمعروف‌

و حاصل الكلام أن ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من أجود الأجوبة في هذا الباب لأنه بعد ما فرضنا عدم اعتبار المباشرة في فعل المنوب عنه و أن فعل النائب إذا قصد النيابة عنه يقع عنه كما لا إشكال في أنه يجوز للغير التبرع في إتيان الفعل بالنيابة عنه و لا يعتبر في الأمر التبرعي قصد القربة و لا يتحد الأمر التبرعي مع الأمر العبادي فكذا لا ينبغي الإشكال في أنه يجوز أن يأخذ الأجرة بأن يجعل إتيان العمل للغير واجبا على نفسه و هو إنما يخرج عن عهدة هذا التكليف إذا أتى ما وجب على الغير و ما وجب عليه هو الذات مع قصد التقرب و هذا متعلق الإجارة إلى ما ملكه المستأجر على الأجير فالأمر العبادي متعلق بذات العمل و الأمر الإجاري متعلق بإتيان العمل القربي نيابة عنه و التقريب معتبر في داعي المنوب عنه‌

و أما اعتبار التقرب في داعي الأجير على جعل عمل نفسه مملوكا للغير قربة إلى اللّٰه فلم يقم عليه دليل‌

و بالجملة الأجرة تقع بإزاء هذا العنوان و هو إتيانه عمل الغير نيابة عنه و هذا من غير فرق بين أن يكون عمل الغير تعبديا أو توصليا فإن وقوعه لم يتوقف على هذا العنوان و إلا لا يقع عنه و إن سقط عنه التكليف أحيانا كما لو غسل ثوبه بلا قصد عنه و على هذا فمتعلق الأمرين في كل واحد مباين مع الآخر و لا يبتني على مسألة الاجتماع و لا على أن الأجرة بإزاء نفس قصد النيابة بدون إيجاد العمل لما عرفت أن الفعل مجمع العنوانين و أحدهما في طول الآخر لا في عرضه و لا على الداعي على الداعي فإنها لا تنفع‌

و العجب من السيد (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب من قوله أولا و ثانيا فإنه‌

20

لم يدع شيخنا الأنصاري أن الأجرة بإزاء نفس قصد النيابة من دون العمل و لا أن الفعل من جهة واحدة قربي و يجوز أخذ الأجرة عليها لما عرفت أن له جهتين و الحامل على العمل على جهة النيابة و إن كان هو الأجرة إلا أن الحامل له على جهة المنوب عنه التي هي عبارة عن كونه بدلا تنزيليا له هو أمر اللّٰه سبحانه المتوجه إلى المنوب عنه‌

و ملخص الكلام أنه لو وقع الأجرة بإزاء إتيان ذات العمل بإزاء الأجرة أو بإزاء إتيان العمل بقصد القربة بإزاء الأجرة فهذه ينافي العبادية مضافا بأنه لا يسقط بهذا النحو من الإجارة ما هو الواجب على المستأجر لأنه لم يأت بداعي الأمر المتوجه إلى المنوب عنه بل بداعي الأمر الإجاري‌

و أما لو وقع الأجرة بإزاء إتيان العمل بأمره المتوجه إلى المنوب عنه بالأمر الأعم من المباشرة و الاستنابة فهذا لا ينافي القربة المعتبرة في العبادة لأنه لم يعتبر في الأمر الإجاري القربة و لا وقع الأجرة في طول داعي نفس العمل و ببيان أوضح لا إشكال في أن معنى عدم اعتبار المباشرة في فعل المنوب عنه مع أنه قد تعلق التكليف به هو أن الواجب عليه تحقق اسم المصدر عنه أي نتيجة الفعل واجبة عليه دون جهة الإصدار فلا يعتبر في جهة الإصدار المباشرة و لا شبهة أن هاتين الجهتين ممتازتان فإذا كانت القربة معتبرة في جهة اسم المصدري و وقعت الأجرة بإزاء الجهة المصدري فيجتمع الفعل القربي الذي به يتحقق ما وجب على المنوب عنه مع أخذ الأجرة بإزاء إصدار هذا الفعل القربي‌

و بعبارة أخرى الفعل إذا اعتبر فيه المباشرة فمعناه أنه يجب أن يصدر هذه النتيجة من نفس الفاعل الذي تعلق به التكليف و أما إذا لم يعتبر فيه المباشرة فمعناه أن الجامع بين إيجاد غيره نائبا تبرعيا و إجاريا و إيجاد نفسه متعلق للتكليف فإذا كان الجامع متعلقا للتكليف و لم يجب على الغير الجهة الإصداري فله أن يوجر نفسه بإزاء أجرة لتحصيل ما هو واجب على الغير فلا بد أن يقصد في إيجاده نتيجة الفعل بفعله وقوعه عن الغير ليستحق الأجرة و ليسقط عنه فيترتب على فعله أمران متغايران أحدهما وقوع متعلق الإجارة عنه و هذا لا يعتبر فيه القربة لأن إيجاده العمل من حيث فعل نفسه لا يعتبر فيه القربة و ثانيهما وقوع العمل عن الغير لكونه فردا من أفراد الجامع و به يحصل فراغ ذمته و به يحصل التقرب له و هذا معتبر فيه القربة و لكنه للمنوب عنه لا للنائب‌

ثم إنه ينبغي التنبيه على أمور

الأول مقتضى ما ذكرنا من اعتبار الشرطين في الإجارة عدم صحة إجارة من اشتغلت ذمته بعمل في وقت خاص

لهذا العمل و لغيره فمن وجب عليه حجة الإسلام أو المنذورة المضيقة أو الحجة المستأجرة بالمباشرة لا يصح أن يصير أجيرا لغيره في هذه السنة لا من باب أن الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن الضد كما في العروة بل لأن العمل خارج عن ملكه إما بالوجوب الشرعي أو النذري أو لكونه أجيرا لغيره‌

و بالجملة من لم يملك عمله لا يمكنه أن يملكه غيره و على هذا فلو كان العكام أجيرا لأحد حتى في المشي معه لا يمكنه أن يصير نائبا عن غيره لخروج أفعاله عن ملكه نعم لو كان أجيرا له في العمل في المنزل أو بالأعم من المباشرة فيصح أن يوجر نفسه للحج و هكذا في مسألة الطواف فمن كان واجبا عليه إطافة غيره لا يمكنه أن يحتسبه لنفسه لأن حركاته ملك للغير نعم لو كان أجيرا لحمله حال طواف نفسه فلا مانع‌

الثاني وردت روايات تدل على حرمة بيع المصحف و جواز شراء جلده و حديده و كاغذه

و على هذا فيشكل ما هو معمول في الخارج لأن نفس الجلد و الكاغذ و نحوهما لو كانت متعلقة للبيع دون النقوش و الكتابة فيقتضي بقاء الكتابة على ملك البائع‌

و لكن‌

21

يمكن التفصي عنه بأن يقال إن الكتابة في الأوراق نظير كتابة عبد الكاتب فكما أن كونه كاتبا يوجب زيادة قيمة العبد مع أن الثمن لا يقع بإزاء الكتابة فكذلك بعد ما نهى الشارع عن بيع نفس المنقوش ففي مقام المعاملة يوقع العقد على نفس الكاغذ الذي فيه الكلمات المباركة فتدخل الكلمات في ملك المشتري تبعا غاية الأمر أنه لو لا النهي لكانت النقوش جزءا للمبيع بل كانت هي المقصودة الأصلية من المعاملة و كانت غيرها تابعة و لكنه بملاحظة النهي ينعكس الأمر‌

و رعاية التبعية أمر ممكن قصدها من المتعارضين بل من التوابع ما يكون تابعا و إن لم تقصد تبعيته نظير دخول مفتاح الدار في المبيعة‌

الثالث قد وردت عدة روايات على جواز أخذ جوائز سلطان الجور و عماله

بل مطلق المال المأخوذ منهم مجانا أو عوضا و بعضها صريح في صحة الأخذ منهما و لو لم يكن لهما مال آخر حلال كصحيحة أبي ولاد قلت لأبي عبد اللّٰه ع ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان ليس له مكسب إلا من أعمالهم و أنا أمر به و أنزل عليه فيضيفني و يحسن إلي و ربما أمر لي بالدراهم و الكسوة قد ضاق صدري من ذلك فقال لي كل و خذ منها فلك المهنأ و عليه الوزر و‌

بعضها ظاهر في ذلك كصحيحة أبي المغراء قال سأل رجل أبا عبد اللّٰه ع و أنا عنده فقال أصلحك اللّٰه أمر بالعامل فيجبرني بالدراهم أخذها قال نعم و حج بها‌

و مثلها رواية محمد بن هشام و رواية محمد بن مسلم و زرارة ثم لا يخفى أن بمضمون هذه الأخبار أفتى الأصحاب و يستفاد من النص و الفتوى أنه لا يعمل قواعد العلم الإجمالي في المأخوذ من السلطان و عماله فإن حمل المأخوذ على خصوص ما أخذاه من الخراج و المقاسمة الذين وردت في الأخبار الكثيرة إباحتهما للشيعة بعيد جدا و حمله على ما إذا لم يكن بعض الأطراف مبتلى به أبعد‌

نعم لا بد من تقييد هذه الأخبار بما إذا لم يكن المأخوذ معلوم الحرمة تفصيلا كما أن الأصحاب أيضا أخرجوا هذه الصورة و يدل عليه موثقة إسحاق بن عمار قال سألته عن الرجل يشتري من العامل و هو يظلم فقال يشتري منه ما لم يعلم أنه ظلم فيه و يدل عليه أيضا رواية علي بن أبي حمزة في قضية صديق له من كتاب بني أمية حيث قال له الصادق (عليه السّلام) فمن عرفت منهم رددت عليه ماله فإنه يدل على أن جوائز بني أمية لا يجوز التصرف فيها فتأمل‌

و على هذا فإذا علم بكون هذا المأخوذ من غير الخراج و المقاسمة تفصيلا فيحرم التصرف فيه و أما لو لم يعلم ذلك فنتيجة هذه الأخبار تقييد المحرم بالمعلوم التفصيلي و لا مانع عنه لأن المعلوم بالإجمال إنما يكون كالمعلوم بالتفصيل في التنجز إذا لم يقيد الواقع بقيد يختص بمورد المعلوم التفصيلي‌

ثم إنه هل يلحق بجوائز السلطان و عماله جوائز مطلق من لا يتورع عن المحارم كالسارق و آكل الربا و نحوهما أم لا وجهان مقتضى إطلاق جملة من الروايات عدم الفرق بينهما‌

فعن أبي بصير قال سألت أحدهما ع عن شراء الخيانة و السرقة قال لا إلا أن يكون قد اختلط معه غيره و في صحيحة الحلبي لو أن رجلا ورث من أبيه مالا و قد عرف أن في ذلك المال ربا و لكن اختلط في التجارة بغيره حلالا كان حلالا طيبا فليأكله و إن عرف منه شيئا معزولا أنه ربا فليأخذ رأس ماله و ليرد الربا‌

و في صحيحته الأخرى و إن كان مختلطا فكله هنيئا فإن المال مالك و في ذيل مكاتبة الحميري إلى الحجة أرواحنا له الفداء إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فاقبل بره‌

و بهذا المضامين وردت أخبار كثيرة و لا شبهة أن ظاهر هذه الأخبار أن العلم الإجمالي غير مؤثر في التنجيز و إنما هو المؤثر خصوص العلم التفصيلي و لا إشكال أيضا أن منشأ‌

22

الحلية هو نفس الاشتباه لا لكونها مستندا إلى اليد و حمل تصرف ذي اليد على الصحيح و لا من جهة خروج بعض أطراف المعلوم بالإجمال عن محل الابتلاء من باب أن المتصرف لا يأذن في تصرف جميع أمواله فلا يكون جميع أمواله محلا للابتلاء بناء على كون المنع موجبا لخروجه عن محل الابتلاء و ذلك لأن الأخبار الواردة في الإرث ممن يأكل الربا ظاهرة في أن مجموع الأطراف محل الابتلاء و أن منشأ الجواز ليس تصرف ذي اليد بل الإرث من ذي اليد فلا معنى لحمله على الصحيح‌

و بالجملة ظاهر هذه الأخبار أيضا كالأخبار الواردة في جواز أخذ عطاء السلطان و عماله و الشراء منهما و لكن الذي ينبغي للفقيه التأمل فيه هو أن هذه الأخبار مضافا إلى معارضتهما بعدة أخبار أخر غير معمول بها فلا توجب تخصيصا لقواعد العلم الإجمالي بخلاف الأخبار الواردة في جوائز السلطان و عماله فإنها معمول بها‌

و كيف كان بناء على التعميم فالمسألة من واد واحد‌

و الصور المتصورة في هذه الأموال المأخوذة ممن لا يبالي بالحرام أربع

ذكرها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في مكاسبه بما لا مزيد عليه و نحن نذكرها إجمالا‌

الأولى ما إذا لم يعلم أن في جملة أموال هذا الظالم مال محرم يصلح لكون المأخوذ من ذلك المال و هذا لا إشكال في جواز أخذه و سائر أنحاء التصرفات فيه من المعاملة و نحوها لأن مجرد كون الشخص ظالما لا يوجب حرمة المعاملة معه و أخذ جوائزه‌

الثانية ما إذا علم أن في أمواله محرما و هذه على قسمين لأنه قد يكون جميع أمواله محللا لابتلاء الأخذ كما إذا أذن له في التصرف في جميع أمواله و قد لا يكون كذلك و على أي حال يجوز التصرف فيما أخذ منه و لا يراعى قاعدة المعلوم الإجمالي إما مطلقا أو فيما إذا كان المأخوذ منه سلطانا أو عاملا‌

الثالثة هذه الصورة مع علم الآخذ بأن هذا المأخوذ مما لا يجوز التصرف فيه بغير إذن مالكه على كل أحد تفصيلا كما إذا علم بأنه ليس من الخراج و المقاسمة أو علم بأنه مال الغير شخصا أو سرق‌

الرابعة هذه الصورة مع علمه إجمالا بأن في المأخوذ مال محرم‌

أما الصورة الثالثة

فلا إشكال في حرمته إنما البحث في أحكام الفروع المتصورة فيها فمنها أنه قد يكون الأخذ مع العلم بالحرمة ابتداء أو قد يكون مع الجهل بها ففي الأول تارة يكون مجبورا على الأخذ و أخرى يكون مختارا أما إذا كان مجبورا فإذا أخذه بقصد الرد إلى المالك مع التمكن فلا إشكال في عدم ضمانه لأنه حيث إنه مضطر إلى أخذه فأخذه من حيث الحدوث كالعدم و من حيث البقاء لا يقتضي الضمان مع قصد الرد إلى المالك بل يمكن يقال لو قصد التملك بعد الأخذ ثم ندم يرجع عدم الضمان نظير ما إذا قصد الودعي التملك في الوديعة ثم تاب أو فرط فيها بأن أخرجها من الحرز ثم أعادها إليه و لكن المسألة محل خلاف بين الأعلام و الأقوى هو الضمان إلا إذا حصل من المالك إذن جديد لأنه بعد أن استولى على مال الغير بغير إذنه فرافع ضمانه إما الأداء أو ما يلحق به كالإذن الجديد من المالك في التصرف و مجرد التوبة و الندم ليس رافعا له‌

و كيف كان لو كان مجبورا في الأخذ و لكنه أخذه لا بنية الرد فالأقوى كونه ضامنا لأنه و إن كان مضطرا في الأخذ إلا أن دفع الاضطرار يتحقق بمجرد الأخذ إلا أن يقال لا دليل على وجوب التفصي عن الإكراه و الاضطرار بالقصد و عدمه نعم لو أخذ بنية التملك فيكون ضامنا و أما لو لم يقصد التملك و لا الرد إلى المالك فلا موجب لضمانه لأن إطلاق على اليد ممنوع في مثل هذا الأخذ‌

و ما أفاده شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) و تبعه السيد‌

23

الطّباطبائي في حاشيته على المكاسب من أنّ أخذه بغير هذه النيّة تصرف لم يعلم رضا صاحبه به لا يفيد لإثبات الضمان لأن هذا التصرف بلحاظ كونه عن تقية و كره كالعدم‌

و أما في الثاني فحيث إنه قصد بالتملك من جهة جهله بكونه مال الغير فالأقوى فيه الضمان و إن قصد بعد علمه بأنه مال الغير و رده إلى مالكه لأن مجرد النية لا يرفع الضمان بل يتوقف دفع الضمان على الأداء أو ما بحكمه من إذن المالك في التصرف‌

و يظهر من المسالك في المقام عدم الضمان قال لأنه مع الجهل يده يد أمانة فبعد علمه به لو لم يقصد التملك لا موجب للضمان و يظهر منه التردد في الضمان أيضا حيث قال لو استودعه الغاصب مالا مغصوبا فلو أخذه منه قهرا ففي الضمان نظر و لكنه لا يخفى ما في كلاميه أما في الأول فلأن بمجرد الجهل لا يرتفع الضمان سيما على القول بأن مجرد وصول مال الغير بيد غيره بلا إذن منه و لا إذن من الشارع موجب للضمان كما هو كذلك على المشهور بل هو مختاره أيضا في غير المقام‌

نعم لو استشكل في أصل المبنى و قيل إن عموم على اليد يختص بما إذا كان الأخذ عن قهر و استيلاء على المالك لا مجرد الوصول و لو مع الجهل فله وجه إلا أن الظاهر أن الفتوى على خلافه و سيجي‌ء في قاعدة اليد إن شاء اللّٰه ما يمكن أن يكون مدركا للمشهور في استفادة الأعم من القهر و غيره‌

و على أي حال فهو (قدّس سرّه) في مسألة ترتب الأيدي على مال الغير يحكم بضمان كل من وضع يده عليه و لو مع الجهل بأنه مال الغير و مع تغرير غيره به غاية الأمر في مسألة الغرور يقول بأن المغرور يرجع إلى من غره إلا أن يقال كل مورد وقع التصرف في مال الغير جهلا فنفس وضع اليد على ماله لا يوجب الضمان إلا إذا دخل تحت عنوان آخر كالإتلاف أو قاعدة ما يضمن و نحوهما فإنه لو أتلف مال الغير يكون ضامنا غاية الأمر يستقر الضمان على الغار‌

و هكذا لو اشترى من الغاصب العين المغصوبة فإن الجاهل و إن أوقع العقد الموجب للضمان مع الغاصب إلا أن التضمين في الحقيقة يقع بين المالكين بتنزيل الغاصب مالكا فعلى هذا لو أعاره الغاصب أو أودعه فتلف عنده بتلف سماوي فلا موجب للضمان لأن نفس الأخذ من دون استيلاء و قهر من الآخذ على المالك لا يوجب الضمان و قاعدة ما يضمن غير جارية لإقدام الآخذ على المجانية فما ذكرنا من فتوى المشهور بالضمان في مورد الجهل إنما المسلم منها ما إذا دخل المورد في إحدى موجبات الضمان غير جهة اليد و المسألة محتاجة إلى المراجعة و أما في الثاني فلأن يد المقهور إذا كانت يد ضمان فلا موجب لرفع الضمان بمجرد قهر الغاصب لأن ارتفاعه لا يتحقق إلا بالأداء أو ما بحكمه فللمغصوب منه الرجوع إلى كل منهما غاية الأمر قرار الضمان على الغاصب القاهر‌

و منها أنه يجب على المجاز رد الجائزة إلى مالكها فورا و هل يتحقق الرد بمجرد التخلية بينها و بين المالك أو يجب إقباضها في المنقول وجهان و الأقوى كفاية التخلية فإن الأداء الواجب في الأمانات و مطلق مال الغير بمقتضى الآية الشريفة و قوله ص على اليد ما أخذت حتى تؤدي ليس إلا عبارة عن إدخاله تحت استيلاء صاحبه بل هذا هو الذي يعتبر فيما يجب قبضه و فيما يترتب الأثر على القبض كانتقال ضمان المبيع من البائع إلى المشتري بل لو قلنا بعدم انتقال الضمان في الأخير إلا بوصول المبيع إلى يد المشتري إلا أنه لا إشكال في أن الإقباض و الرد الذي يجب شرعا على الودعي و نحوه هو التخلية لأن الوجوب يتعلق بما هو مقدور من المكلف و ما هو مقدور من الغاصب و نحوه هو رفع‌

24

موانع استيلاء صاحب المال على ماله لا وصوله إلى يده و سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في حكم القبض مزيد توضيح لذلك‌

و منها أنه لو جهل صاحبه وجب الفحص مع الإمكان لتوقف أداء الواجب عليه و يدل عليه عدة من الأخبار كصحيح معاوية المروي في الفقيه عن أبي عبد اللّٰه ع في رجل كان له على رجل حق ففقده و لا يدري أين يطلبه و لا يدري أ حي هو أم ميت و لا يعرف له وارثا و لا نسبا و ولدا قال ع اطلب قال إن ذلك قد طال فأتصدق به قال ع اطلب و كالأخبار الواردة في الأمر بطلب الأجير الذي بقي أجرة عمله عند المستأجر إذا فقد‌

ثم إنه يتفرع ذلك على فروع

الأول لو توقف الفحص على أجرة

فهل هي على من وجب عليه الفحص أو على مالكه بأن يباع مقدار من المال و يصرف فيها أو يستقرض على المالك أو يراعى الأصلح منهما أو من بيت المال وجوه و الأقوى عدم وجوبه عليه لمنع إطلاق الواجب على حد يجب عليه صرف مال فيه هذا مع أن قاعدة لا ضرر حاكم على الوجوب بناء على ثبوته‌

الثاني هل يجب الفحص سنة أو لا يتقيد بمقدار

فيه وجهان قد يقال بأن حكم مجهول المالك كلية حكم اللقطة و يستفاد هذه المعنى من رواية حفص بن غياث قال سألت أبا عبد اللّٰه ع عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا و اللص مسلم هل يرده عليه قال لا يرده فإن أمكنه أن يرد على صاحبه فعل و إلا كان في يده بمنزلة اللقطة بعينها يعرفها حولا فإن أصاب صاحبها ردها عليه و إلا تصدق بها فإن جاء بعد ذلك خيره بين الأجر و الغرم فإن اختار الأجر فله و إن اختار الغرم غرم له و كان الأجر له‌

و لكن الأقوى عدم الإلحاق أما أولا فلأن غاية الأمر التعدي من اللص إلى كل غاصب لا إلى كل مورد حتى المال المجهول كأجرة الأجير المفقود و نحوه و أما ثانيا فلأن التعدي عن مورد اللص إلى غيره أيضا لا موجب له أصلا هذا مع أن في باب اللقطة و في مسألة اللص و إن كان ظاهر الأخبار هو التعبد في وجوب التعريف سنة إلا أن الظاهر أنه ليس حكما تعبديا حتى في مورد اليأس عن المالك و لذا حمل صاحب الوسائل الخبر الدال على كفاية الفحص ثلاثة أيام على مورد اليأس‌

و كيف كان يمكن أن يدعى عدم وجوب الفحص رأسا إلا بمقدار تحقق هذا العنوان و هو كونه مجهول المالك و عليه يحمل قوله ع اطلب في صحيح معاوية و في باب الأجير و على هذا بنينا في الأصول في الشبهات الموضوعية و قلنا إن عدم وجوب الفحص فيها إجماعا ليس على إطلاقه حتى فيما إذا توقف رفعها على النظر و نحوه ففي المقام إذا توقف معرفة مالك المال على السؤال عن جماعة و التفحص عن عدة فيجب لعدم صدق عنوان مجهول المالك على مثل هذا المال و أما لو توقف على أزيد من ذلك كأجرة المنادي فلا دليل عليه هذا مضافا إلى ما يدل على أن مجرد تحقق هذا العنوان يوجب التصدق به أو دفعه إلى الإمام بلا تقييد بالفحص عن مالكه و ما دل على الطلب قد عرفت أنه يمكن أن يكون بيانا لتحقق عنوان مجهول المالك بل لعل الإمام (عليه السّلام) كان مطلعا على خصوصية في المورد و هي أن قصد ذي اليد كان التصرف في مال الغير فقال ع له اطلب و بالجملة مقتضى الإطلاقات عدم وجوب الفحص زائدا على تحقق عنوان الموضوع فتدبر‌

الثالث في بيان مصرف هذا المال بعد اليأس عن صاحبه

فقيل بأنه يمسكه حتى يتبين صاحبه و يوصي به عند وفاته و قيل بأنه مال الإمام (عليه السّلام) فهو بمنزلة مال من لا وارث له و قيل بأنه يتصدق به و قيل بالفرق بين الأمانات المالكية من العارية و الوديعة و نحوهما و بين غيرها من المجهول المالك ففي الأمانات يجب حفظها و لا يجوز دفعها إلى‌

25

الحاكم أو الإمام و قال المفيد في باب الوديعة إن لم يعرف صاحبها أخرج منها الخمس و صرف البقيّة على فقراء المؤمنين‌

و يدل على الأوّل ما ورد عن أبي إبراهيم ع في أجرة الأجير المفقود قال ع اطلب و اجهد فإن قدرت عليه و إلّا فكسبيل مالك حتّى يجي‌ء له طالب فإن حدث بك حدث فأوص به و ما ورد عن أبي عبد اللّٰه ع حيث قال ع توصي بها فإن جاء طالبها و إلّا فهي كسبيل مالك‌

و يدلّ على الثّاني رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبد اللّٰه ع حيث قال له رجل إنّي قد أصبت مالا فكيف أتخلّص عنه قال ع و اللّٰه ما له صاحب غيري ثم إنّه ع استحلفه أن يدفعه إلى من يأمره فحلف قال فاذهب و قسّمه بين إخوانك و لك الأمن ممّا خفته‌

و يدلّ على الثّالث الأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصّباغ من أجزاء النقدين و ما ورد من التصدق بغلّة الواقف المجهول أربابه و ما ورد من التصدّق بما حازه عامل بين أميّة و ما ورد من التصدق بأجرة الأجير المفقود و نحو ذلك كمصحّحة يونس الواردة فيمن بقي عنده بعض متاع رفيقه و لا يعرف صاحبه فقال ع بعه و أعط ثمنه أصحابك قلت جعلت فداك أهل الولاية قال نعم و ما ورد في اللّقطة و ما ورد فيما أودعه رجل من اللّصوص دراهم و لم نظفر من الأخبار ما يكون دليلا لغير هذه الأقوال‌

و لكن الأقوى بمقتضى الجمع بين الأخبار بل الاحتياط هو تسليمه إلى الحاكم الشّرعي في عصر الغيبة ليتصدق به أو الإذن منه في التصدّق عن مالكه لأنّ صريح رواية داود كون المال المجهول المالك مطلقا مال الإمام و الأدلّة الواردة في التصدق لا تدلّ على أنّه ع في مقام بيان الحكم الكلّي أو في مقام الإذن في التصدّق من حيث إنّه ماله (عليه السّلام) بل لا يبعد الأخير كما يدلّ عليه رواية داود فإنّه (عليه السّلام) بعد أن حلف بأنّه ماله أمره بالتقسيم‌

و يشهد لهذا الأخبار الواردة في الأجير فإنّ في جملة منها فرض السّائل عدم وجود وارث له فقال ع تصدق و أوص أو هو كسبيل مالك فإنّ مع فرض كون الإمام ع وارث من لا وارث له قال ع تدفع إلى المساكين و لا ينافيه قوله ع اطلب لإمكان أن يكون المراد منه اطلب مالكه الّذي هو له في هذا الحال و هو نفسه ع و لا يبين له للتقيّة و لا قوله ع أوص به أو كسبيل مالك لأنّ له (عليه السّلام) أن يأذن له في التصرّف أو في الإيصاء به هذا بالنّسبة إلى العين و أمّا بالنّسبة إلى الدّين فالأمر أظهر و الاحتياط فيه أقوى لأن الكلي لا يتشخّص إلّا بقبض الحاكم الّذي هو ولي الغريم‌

و كيف كان فمقتضى الاحتياط بناء على حرمة الصدقة على الهاشمي و إن لم تكن من زكاة الأموال و الأبدان هو أن يصرفه الحاكم أو من بيده بإذن الحاكم فيما ينطبق على كونه مال الإمام ع و كونه صدقة كإعطائه إلى العالم الغير الهاشمي هذا و لكن الظاهر أنّ الفقهاء لا يفتون برواية داود بن أبي يزيد و لا يلتزمون بأن مجهول المالك مطلقا مال الإمام ع بل هنا عناوين ثلاثة الأوّل المجهول المالك و الثاني اللّقطة و الثالث ميراث من لا وارث له‌

و في القسم الثّالث يعتبر فيه أن يكون صاحب المال ميّتا لا وارث له غاية الأمر يقع الكلام في أنّه لو شكّ في وجود الوارث فهل يكفي استصحاب عدم وجود من يرثه بالعدم المحمولي لكون الحكم مرتبا على نفس عدم الوارث أو لا يكفي ذلك بل لا بدّ من إحرازه كما عليه صاحب الجواهر (قدّس سرّه) و كيف كان لم يعلم من الأصحاب الفتوى بمضمون هذه الرّواية فالأقوى بناء عليه هو التصدق بمقتضى الأخبار الكثيرة و بناء عليه مصرفه الفقراء و الأحوط أن لا يكون هاشميّا‌

الرابع في حكم الضّمان لو ظهر المالك

و الكلام تارة بناء على كونه مال الإمام و أخرى بناء على عدمه ثم على الثّاني تارة‌

26

يقع البحث بناء على كون يد من كان المال عنده يد أماني و أخرى بناء على كونه يد ضمان‌

أما على الأول فالظاهر أنه لا ينبغي التأمل في أن مجرد عدم العلم بمالكه لا ينقلب الواقع عما هو عليه بل كونه للإمام حكم ظاهري فإذا وجد مالكه فهو له بل لو قلنا بالانقلاب كما هو الظاهر في أخبار إرث من لا وارث له إلا أنه كذلك ما لم يوجد مالكه فإذا وجد الوارث فينقلب الأمر و يخرج عن موضوع من لا وارث له‌

و على هذا فلو كان المال موجودا عند الحاكم الذي هو نائب الإمام ع يجب رده إلى مالكه بلا إشكال إنما الكلام في أنه لو تصدق به الحاكم فتارة العين باقية عند الفقير و أخرى غير باقية و على أي حال لا يمكن الحكم بالضمان لا على الحاكم و لا على الفقير أما على الحاكم فلرواية أصبغ الواردة في أن الحاكم لا يضمن فيما أخطأ في دم أو قطع و الرواية و إن كانت مخصوصة بباب القطع و الدم و لا يشمل المال إلا أن الظاهر اتحاد المناط‌

نعم في باب الدم و القطع قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين و أما في باب المال فلم يدل دليل على أنه على بيت المال فمع كون الحاكم غير مقصر في التصدق لا وجه لكونه ضامنا و أما على الفقير فادعى شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) أنه لم يقل أحد برجوع المالك إلى الفقير مع بقاء العين‌

ثم على هذا لا فرق بين أن يتصدى الحاكم بنفسه للتصدق أو يوكل غيره و يشهد لهذا رواية داود فإن ظاهرها أنه لا ضمان على المباشر أيضا فإن قوله ع و لك الأمن مما خفته ظاهر في أنه لا شي‌ء عليه بعد تقسيمه‌

و أما على الثاني بأن لا يكون مجهول المالك مال الإمام و كان اليد يد أماني فالأقوى أيضا أنه لو كان المال باقيا عنده أو عند الحاكم يجب رده إلى المالك و أما لو كان تالفا أو كان باقيا عند الفقير فلا ضمان على أحد سواء تصدق به بنفسه أو أعطاه إلى الحاكم و هو تصدق به و لا يمكن قياسه بباب اللقطة و لا بما أودعه اللص و لا يمكن إدراجه في قاعدة من أتلف‌

أما عدم إمكان قياسه بباب اللقطة فلأن فيها لم يرد الأمر بالتصدق المطلق بل الملتقط مختار في التملك أو الحفظ أو التصدق مع التعهد بالضمان و أما باب اللص فلما عرفت من عدم التعدي منه إلى مطلق مجهول المالك مع أنه لم يرد فيه الأمر بالتصدق المطلق‌

و أما في المقام فقد ورد الأمر به مطلقا من دون تعرض لتعهد الضمان كما في رواية داود و رواية علي بن أبي حمزة الواردة في صديق له كما تقدم الإشارة إليهما فعلى هذا لا يمكن إدراجه في قاعدة من أتلف لأن مجرد الإذن في الإتلاف و إن لم يقض المجانية لإمكان كونه إذنا به مع التعهد بالضمان إلا أنه لو كان في مقام البيان و سكت عن الضمان فيستكشف منه المجانية كما لو أذن صاحب الطعام لغيره في الأكل من دون تقييده بالضمان فإن الظاهر منه هو الإباحة مجانا إلا أن يكون قرينة على الضمان كالمطابخ المعدة لبيع الأطعمة و حيث إن في المقام ورد الأمر من الشارع بالإتلاف مع ظهوره في عدم الضمان فلا وجه للضمان‌

و بالجملة نفس هذه الأدلة حاكمة على قاعدة من أتلف مع أنه لو شك فيه و لم يستظهر من الأخبار المجانية مع عدم عموم في قاعدة من أتلف يشمل المقام أي مقام الإحسان إلى المالك لا الإتلاف عليه فمقتضى القاعدة البراءة من الضمان و لا وجه لما عن شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) من عدم القول بالفصل بين هذه الصورة و الصورة التي يستصحب الضمان فيها لكون اليد مسبوقة به و لا للتمسك بمرسلة السرائر‌

أما عدم القول بالفصل ففيه أولا يمكن العكس بأن يقال عدم اقتضاء الضمان في هذه الصورة‌

27

يقتضي عدمه لو كانت اليد يد ضمان و ثانيا أن عدم القول بالفصل إنما يتم في الأحكام الواقعية لا في مجاري الأصول فاقتضاء الاستصحاب الضمان في مورد لا يقتضي ثبوته فيما لا يجري فيه الاستصحاب و أما مرسلة السرائر فالظاهر أنها رواية حفص الواردة فيمن أودعه رجل من اللصوص دراهم‌

و قد تقدم منه (قدّس سرّه) أنه لا وجه للتعدي منها إلى غير مورد السرقة ثم إن في هذه الصورة لا فرق بين أن يتصدق هو بنفسه أو يدفعه إلى الحاكم فيتصدق به لأنه على أي حال لا ضمان سواء كان الحاكم متصرفا بعنوان الولاية بناء على وجوب الدفع إليه أو كان من جهة الوكالة من باب أنه أعرف بموارد الصدقة بناء على أن من كان المال عنده هو المكلف بالصدقة كما هو المشهور في الوديعة و العارية و نحوهما حيث قالوا بأن وجوب رد الأمانة إلى أهلها يقتضي تعلقه بمن وقع المال عنده و لو لم يجده فيحفظه له أو يتصدق به و كيف كان لا موجب للضمان في هذه الصورة أصلا‌

و أما على الثالث و هو ما لو كان اليد مسبوقة بالضمان كما إذا تملك من الغاصب بعنوان الجائزة ثم علم بأنه مغصوب بناء على عدم الفرق في ضمان اليد بين العلم و الجمال أو تملك منه مع علمه بأنه مال الغير ثم ندم و تاب كما في مثل كاتب بني أمية فالحق أيضا عدم الضمان لو تصدق به لأن الرد و الأداء المعتبر في باب الأمانات و اليد يتحقق بالرد إلى الفقير أو الحاكم بناء على كونه وليا لأن الأدلة الدالة على وجوب التصدق المطلق مع سكوتها عن الضمان حاكمة على قوله حتى تؤدي فتجعل الأداء أعمّ من الأداء إلى المالك أو من هو بمنزلته كالحاكم أو الفقير‌

ثم بناء عليه لا فرق بين أن يتصدق هو بنفسه أو يدفع إلى الحاكم فيتصدق به كما أنه بناء على الضمان لو قلنا بأن ولاية هذا المال للحاكم فلو دفعه إليه يخرج عن الضمان لأن الدفع إلى الولي بمنزلة الدفع إلى المولى عليه فلا هو ضامن و لا الحاكم نعم لو قلنا بالضمان و قلنا بعدم الولاية للحاكم لكن يجوز الدفع إليه لأعرفيته بموارد الصدقة فلو تصدق الحاكم فالضمان على من كان المال في يده لأن الحاكم بمنزلة الوكيل له و إتلاف الوكيل لا يوجب ضمانا عليه بل على الموكل‌

ثم بناء على ما اخترناه من عدم الضمان مطلقا فلا موقع للبحث عن الفروع الثلاثة التي فرعها شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) على الضمان أولها هل يثبت الضمان بمجرد التصدق و إجازة المالك رافعة له أو يثبت بالرد من حينه أو من حين التصدق و ثانيها أنه لو مات المالك فهل لورثته الإجازة و الرد أو لا و ثالثها أنه لو مات المتصدق و رد المالك فهل يتعلق المال بذمة الدافع و يخرج من تركته أو لا فإنه لا محل لهذه الفروع لما عرفت من أنه لا يقاس المقام بباب اللقطة و وديعة اللص‌

نعم بناء على الضمان في المقام مطلقا أو على التفصيل أو جعل موضوع البحث باب اللقطة و ما يلحق بها فللنزاع في هذه الفروع مجال و الأقوى في الأول منها هو الضمان بمجرد التصدق إذا كان يده يد أماني لأن به يتحقق الإتلاف غاية الأمر أن إجازته بمنزلة الإبراء‌

و أما إذا كان يده يد ضمان فالأمر أوضح لأنه كان ضامنا قبل التصدق و التصدق موجب لفعلية تأثير الضمان بناء على أن الضمان في القيميات بيوم التلف و أما بناء على كونه بيوم الغصب فالمدار على قيمة ذلك اليوم‌

و بالجملة مع فرض الضمان قبل التصدق فالتصدق أو الرد لا يتحقق به الضمان كما أنه ليس موجبا لضمان مستقل و أما في باب اللقطة فلا إشكال في ضمان الملتقط سواء قصد تملكه بعد تعريفه حولا أو تصدق به و اختلفوا في وقت الضمان فبعضهم جعل في مورد قصد التملك‌

28

الضّمان بنفس هذا القصد و بعضهم بظهور المالك و بعضهم بمطالبته ثم إنّهم اختلفوا في مورد بقاء العين في أنّ للمالك مطالبتها أو ليس له إلّا المثل أو القيمة‌

و أما الضّمان في مورد الصّدقة فالاحتمالات الثلاثة في المقام جارية فيه أي الضّمان بمجرّد التصدّق أو بردّ المالك نقلا أو كشفا و لكن الأقوى فيما إذا كان التصدّق مستلزما للضّمان أن يكون الضّمان حاصلا به لا بردّ المالك كشفا أو نقلا و فيما إذا كان نيّة التملّك مستلزما له أن يكون هو العلّة له و لا ينافي ذلك كون المالك مستحقّا لمطالبة نفس العين لأنّ الناوي يملكها ما دام‌

و الأقوى في الفرع الثّاني أن يكون الوارث قائما مقام مورثه سواء قلنا بتحقّق الضّمان بالتصدّق أو بردّ المالك كشفا أو نقلا أمّا على الأوّل فواضح لأنّ كون الإتلاف موجبا للضّمان يقتضي أن يشتغل ذمّة المتلف بالمثل أو القيمة للمتلف عليه سواء قلنا بانتقال التّالف في ملك المتلف أما ما لو قلنا بأنّ الضّمان غرامة شرعيّة وجبت عليه و لو مع بقاء التّالف في ملك صاحبه و أمّا على الثّاني فلأن تحقّقه بالرّد معناه أنّ للمالك حقّ التّضمين كما اختار هذا المعنى صاحب الجواهر في ضمان اللّقط بالتصدّق فقال (قدّس سرّه) أمّا الضّمان بالصّدقة به فلا يبعد كون المراد به استحقاقا عليه بمجي‌ء المالك و عدم إرادته الأجر إلى آخره و ذلك لأنّ الحقوق المالكيّة ممّا يرثه الوارث‌

و احتمال أن يكون الضّمان حكما شرعيّا لا حقّا مالكيّا فلا يرثه الوارث احتمال لا يعتنى به لأنه لا شبهة في قابليته للإسقاط و جعل العوض له و الأقوى في الثّالث إخراج الغرامة من تركته لأنّه متعلّق بذمّته سواء باشر التصدّق بنفسه أو بوكيله نعم بناء على أنّ له التصدّق و الدّفع إلى الحاكم لكونه وليّا فلو دفعه إلى الحاكم يبرأ ذمّته و لتوضيح هذه الفروع محلّ آخر و الغرض الإشارة إلى الوجوه المحتملة و مداركها و عليك بالمراجعة إلى محالها هذا كله حكم الصّورة الثالثة‌

و أمّا الصورة الرّابعة

و هي ما علم إجمالا باشتمال ما دخل تحت يده على الحرام فإمّا أن يكون الاشتباه موجبا لحصول الإشاعة و الاشتراك أو لا يكون كذلك و على الأوّل فالقدر المأخوذ و المالك إمّا معلومان أو مجهولان أو مختلفان فلو كان القدر و المالك معلومين فيجب دفع حصّته إليه سواء كان الإشاعة حاصلة من أوّل الأمر كما إذا كان ثوب أو دار مشتركا بين اثنين و دفع الغاصب أو غيره مجموع المال إليه أو طرأ الإشاعة كما إذا امتزج مائع بمائع بفعل الدافع أو بفعل المدفوع إليه أو اختلط حنطة مع مثلها اتّفاقا أو بفعل أحدهما فالحكم في جميع الصّور دفع حصّة المالك إليه غاية الأمر قد يحصل النّقص بسبب المزج أو الخلط و قد لا يحصل فإذا حصل النّقص و كان المزج بفعل شخص فالضّمان عليه إلّا أن لا يكون يده يد ضمان‌

ثم المزج قد يلحق بالتّلف كمزج ماء الورد بالنّفط و قد يتبدّل صورة الممتزجين إلى صورة ثالثة و قد يبقى الممزوجان على حالهما و تفصيل الأقسام مع حكم كلّ واحد منها سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى في خيار الغبن و لو لم يعلم المالك و لا المقدار فالمعروف إخراج الخمس و لا إشكال فيه بمقتضى الأخبار إنّما الكلام في أنّه هل يؤخذ بإطلاق الأخبار و يطهر المال بالخمس سواء علم بزيادة المحرّم على الخمس أو نقيصته منه فيجب إخراج الخمس و لو علم بنقص الحرام عنه و لا يجب دفع الزّائد عن الخمس و لو علم بزيادة الحرام منه أو يختصّ بما إذا كان القدر مجهولا و الأقوى هو الأخير لانصراف الأخبار إليه لاختصاصها به‌

و توضيح ما يتعلّق به من الأحكام من كون مصرفه هو مصرف الخمس المعهود أو لا و أن الحكم ظاهريّ أو واقعيّ بحيث إنّه‌

29

لو ظهر المالك لا يجب دفع القيمة إليه في محلّه و أمّا إذا كان القدر معلوما و المالك مجهولا فقد تقدّم في الصورة الثالثة حكمه و أمّا إذا كان المالك معلوما و المقدار مجهولا فيجب التخلّص عنه بالمصالحة أو يحكم بالتّنصيف بينهما قهرا‌

و يدلّ عليه صحيحة عبد اللّٰه بن المغيرة عن أبي عبد اللّٰه ع في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما الدّرهمان لي و قال الآخر هما بيني و بينك قال فقال أبو عبد اللّٰه ع أما الذي قال هما بيني و بينك فقد أقرّ بأن أحد الدّرهمين ليس له فيه شي‌ء و أنّه لصاحبه و يقسّم الدّرهم الثّاني بينهما نصفين فإنّ من هذا الخبر يستفاد أن كلّ مال كان مشاعا بين شريكين و لم يعلم مقدار حقهما فالحكم التّنصيف و مورده و إن كان مورد التّنازع إلّا أنّ المناط مطّرد في مقامنا أيضا‌

و على أيّ حال فالمصالحة لو أمكنت فهي مقتضى الاحتياط بلا إشكال و أمّا على الثّاني و هو ما لو كان المال مفروزا و اشتبه الحرام بالحلال فيتعيّن بالقرعة أو يباع المجموع و يشتركان في الثمن و يستفاد الوجه الثاني من خبر إسحاق بن عمّار عن الصادق ع في الرّجل يبضعه الرّجل ثلاثين درهما في ثوب و آخر عشرين درهما في ثوب فبعث الثّوبين فلم يعرف هذا ثوبه و لا هذا ثوبه قال ع يباع الثوبان فيعطى صاحب الثّلاثين ثلاثة أخماس الثمن و للآخر خمسا الثّمن‌

ثم لو كان المالك معلوما فيعطى ما تعيّن بالقرعة أو قيمة ما بيع بنسبة ماله و لو كان مجهولا فحكمه ما تقدم هذا بناء على عدم شمول أخبار الخمس للمقام و إلّا فلو قيل بأنّ مجرّد الاشتباه و لو لم يكن بالخلط و الامتزاج يوجب إخراج خمسه إذا كان مالكه مجهولا فالحكم هو التّخميس في المقام على التّفصيل المتقدم و تمام الكلام موكول إلى باب الخمس الأمر‌

الرابع قد استفاضت النّصوص بأنّ ما يأخذه السّلطان باسم الخراج و المقاسمة

و ما يأخذه باسم الزّكاة و ما يأخذه باسم جزية الرّءوس الموضوعة على الذّميّ يجوز شراؤه بل مطلق التقلب فيه من قبول اتّهابه و نحو ذلك و يظهر ذلك بالمراجعة إلى الأخبار الواردة في هذا الباب فإنّ النصوص في كلّ واحد من هذه العناوين الأربعة و إن لم تكن مستفيضة إلّا أنّها مستفيضة في المجموع بل فوق حدّ الاستفاضة و ادعى جماعة من الأعيان الإجماع في المسألة و المناقشة في دلالة الأخبار من الشّيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي (قدّس سرّهما) ليست إلّا كسراب بقيعة و مباحثاته مع المحقّق الثاني معروفة و رسالته في ردّ قاطعة اللّجاج في حلّ الخراج مصداق لما يقال قد أرعد و أبرق و ترنّم و لم يأت بشي‌ء‌

و كيف كان فالاعتماد في الفتوى بذلك على الأخبار فإن من ظاهر الأسئلة و الأجوبة يستكشف أنّ الحكم كان مفروغا عنه و أمّا الإجماع فالمناقشة فيه واضحة و قاعدة الضّرر و الحرج إنّما تفيدان لرفع الأحكام الثّابتة لا لاستفادة ملاك الجعل منهما فليس للفقيه وضع حكم أو رفعه إذا استلزم من عدمهما الضرر أو الحرج النّوعي فالتمسّك بهما في المقام ممّا لا أساس له‌

و بالجملة أصل الجواز في الجملة لا إشكال فيه إنّما الكلام في تنقيح موضوعه و أن حكم السّلطان حكم الإمام العادل بحيث يحرم عدم دفع ما يضعه على الأراضي و الرّءوس و أنّه هل يختصّ بالسّلطان الّذي يدعي الخلافة أو يعمّ غيره و غير ذلك ممّا يتفرّع عليه و توضيح ذلك على سبيل الإجمال في ضمن مسائل‌

الأولى قال في المسالك المقاسمة حصّة السّلطان من حاصل الأرض

يؤخذ عوضا عن زراعتها و الخراج مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشّجر‌

و قال المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) في رسالته الخراجيّة الخراج على ما فهم من كلامهم أنّه كالأجرة المضروبة على الأرض الّتي فتحت عنوة و كانت عامرة حين الفتح و في معناه‌

30

المقاسمة سواء كانت عين حاصل الأرض كالثلث أو من النقد بل غيره أيضا و قيل إنه مختص بالقسم الثاني و المقاسمة بالأوّل و قد يفرق بالمضروب على الأرض و المواشي‌

و قال في المستند المراد بالمقاسمة الحصّة المعيّنة من حاصل الأرض يؤخذ عوضا عن زراعتها و بالخراج المال المضروب عليها أو على البحر حينما يراه الحاكم و في المجمع و قيل يقع اسم الخراج على الضّريبة و الفي‌ء و الجزية و الغلّة و منه خراج العراقين إلى آخره و الظّاهر أنّ الخراج هو الأعمّ ممّا يؤخذ من حاصل الأرض و ممّا يؤخذ ضريبة المعروف في إيران بالماليات و في العراق بالميري و كيف كان مورد السؤال في الأخبار يشمل كلّ ما يؤخذ من الأرض جنسا أو نقدا‌

الثّانية أن الأراضي الّتي هي موضوع البحث هي الأراضي المأخوذة من الكفّار بالصّلح

بأن تكون الأرض للمسلمين و لهم السّكنى و الأراضي المفتوحة عنوة و المسلّم منها هي أراضي العراق و أمّا أرض مكة المعظمة فالأقوال فيها مختلفة و إن كان الظّاهر أنّها فتحت عنوة لصراحة جملة من التواريخ عليه مع دلالة عدّة من الأخبار على ذلك أيضا و أمّا بلاد إيران فالرّي و نهاوند فتحت عنوة و أما باقي الأمصار فالتّواريخ مختلفة فيها سيّما أصفهان و خراسان و آذربايجان و أمّا بلاد الشام و نواحيه فكذلك‌

و كيف كان فما هو متعلق للخراج هو الأرض المعمورة حال الفتح و أمّا الموات منها محكومة بحكم ما لم يوجب عليه بخيل و لا ركاب مخصوصة بالإمام (عليه السّلام) و على هذا فيشكل إثبات الموضوع فعلا لاحتمال أن يكون ما هو معمور فعلا مواتا حال الفتح و مقتضى ذلك عدم ترتيب آثار المفتوحة عنوة على الأملاك الفعليّة في العراق بل يحكم بملكيّة من بيده لظاهر اليد و عدم أصل محرز لحال اليد و أمّا في عصرنا هذا فموضوع البحث ساقط كما لا يخفى‌

الثّالثة ظاهر جماعة من الأصحاب وجوب دفع حصّة السّلطان إليه

و حرمة منعه عنها و تناولها بغير إذنه و بعضهم خصّ حرمة المنع بالخراج و المقاسمة دون الزكاة و الجزية و لكن الأقوى عدم وجوب الدّفع إليه مع التمكّن ففي ذيل صحيحة العيص و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم إلّا أن يقال يستفاد من ظواهر الأخبار أنّ حكم تصرّف الجائر في الأراضي الخراجيّة حكم تصرّف الإمام العادل و صحيحة عيص و ما يقرب منها كصحيحة هشام أنّ هؤلاء المصدّقين يأتونا فيأخذون منا الصّدقة فنعطيهم إياها يجزي عنّا فقال لا إنّما هؤلاء قوم عصوكم أو قال ظلموكم أموالكم و إنّما الصّدقة لأهلها مخصوصة بالصدقات و لم يدل دليل على منع الخراج‌

و لكن الأقوى أنّهم (عليهم السّلام) أباحوها لمواليهم و شيعتهم كما في الأخبار الواردة في الخمس و لم يجعلوا السّلطان واليا منصوبا من قبلهم حتّى يحرم مع المذكورات عنه بل لا إشكال أنّه ظالم و غاصب حقّ الإمام ع و حق من كان منصوبا من قبله نصبا خاصّا أو عامّا‌

فما عن ظاهر المسالك و المحقّق الثّاني و كاشف الغطاء قدس أسرارهم من حرمة سرقة الحصّة و خيانتها و الامتناع من تسليم ثمنها إلى الجائر لا بدّ من حمله على حرمة المنع مطلقا بحيث لا يصرفه في مصالح المسلمين أصلا و لا يدفعه إلى الوالي عليهم شرعا لا أنّه يجب دفعه إلى السّلطان مع تمكّنه من دفعه إلى الحاكم الشّرعي من دون ضرر و حرج‌

و بالجملة يستفاد من مجموع الأخبار الواردة في المقام و الأخبار الواردة في حلّ جوائز السّلطان و الأخبار الواردة في تحليل الأنفال للشّيعة و حرمة إعانة الظّلمة بأيّ وجه كان أمور لا ينبغي التأمّل فيها‌

الأوّل أنّ سلاطين الجور ليسوا منصوبين من الأئمّة (عليهم السّلام) و ليسوا مستحقّين للولاية بحيث يجوز‌

31

التولّي من قبلهم و يحرم منع ما يصنعونه على الأراضي و المواشي‌

الثّاني خروج من أخذ منه الزكاة و الخراج عن عهدة ما يجب عليه إذا لم يتمكّن من دفعه إلى مستحقّه و صرفه في مصالح المسلمين ففي صدر صحيحة العيص ما أخذ منكم بنو أميّة فاحتسبوا به و في خبر أبي كهمش عن الصّادق ع من أخذ منه السّلطان الخراج فلا زكاة عليه‌

الثالث عدم اختصاص جواز الأخذ بمن كان مستحقّا له أو كان مصرفا له فإنّ بعض الأخبار و إن كان ظاهره الاختصاص كقوله ع ما منع ابن أبي سماك أن يبعث إليك بعطاك أ ما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا‌

إلّا أنّ ظاهر جملة من الأخبار هو الإطلاق ففي صحيحة الحذاء عن الباقر ع سألته عن الرّجل منّا يشتري من إبل الصّدقة و غنمها و هو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحقّ الذي يجب عليهم قال فقال ما الإبل و الغنم إلّا مثل الحنطة و الشّعير و غير ذلك لا بأس به حتى يعرف الحرام بعينه فيجتنب قيل له فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منّا صدقات أغنامنا فنقول بعناها فيبيعناها فما تقول في شرائها منه فقال إن كان قد أخذها و عزلها فلا بأس قيل له فما ترى في الحنطة و الشّعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظّنا و يأخذ حظّه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه فقال إن كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل‌

و في نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى عن أبيه قال سئل أبو عبد اللّٰه ع عن شراء الخيانة و السّرقة قال إذا عرفت ذلك فلا تشتره إلّا من العمّال و في صحيحة إسماعيل بن فضل أيضا ما يدلّ على ذلك فراجع و تدبّر‌

الرابعة لا فرق في الجواز بين ما أخذه السّلطان و وضعه في بيت المال و ما لم يأخذه

فيصحّ الأخذ ممّن في ذمّته الخراج بأمر السّلطان و الحوالة عليه و يدلّ على كليهما الأخبار الواردة في باب قبالة الأرض و تقبل الخرج أو استيجار أرض الخراج من السّلطان ثم إجارتها للزارع بأزيد من ذلك فعن العيص بن المختار قال قلت لأبي عبد اللّٰه ع جعلت فداك ما تقول في الأرض أتقبلها من السّلطان ثم أؤاجرها أكرتي على أنّ ما أخرج اللّٰه تعالى عزّ و جلّ منها من شي‌ء كان لي من ذلك النّصف أو الثلث بعد حقّ السّلطان قال لا بأس به كذلك أعامل أكرتي‌

و عن إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد اللّٰه ع قال سألته عن رجل يتقبّل خراج الرجال و جزية رءوسهم و خراج النّخل و الشّجر و الآجام و المصايد و السّمك و الطّير و هو لا يدري لعلّ هذا لا يكون أبدا أو يكون أ يشتريه و في أيّ زمان يشتريه و يتقبّل منه فقال إذا علمت أنّ من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره و تقبّل منه‌

فما عن السّيد عميد الدّين على ما نقل عنه المقدّس الأردبيلي (قدّس سرّه) من أنّه يحلّ بعد قبض السّلطان و نائبه لا وجه له لأنّه لو جوّز خصوص ما أخذه السّلطان فيرده كلتا الطّائفتين و لو التزم بصحّة تقبّل الأرض الخراجيّة من السّلطان فيرده كلتا الطّائفتين و لو التزم بصحّة تقبّل الأرض الخراجيّة من السّلطان و لكن مع من تقبّل نفس الخراج فيرده الطّائفة الثّانية فإن قوله يتقبّل خراج الرّجال إلى آخره صريح في جواز المعاملة بنفس المال قبل أخذ السّلطان و عامله‌

و كيف كان إطلاق كلمات بعض الأصحاب في الصّحة في نفس المأخوذ ليس ناظرا إلى الاختصاص فالأقوى عدم الفرق‌

الخامسة هل المراد من السّلطان الوارد في هذه الرّوايات هو السّلطان الّذي يرى نفسه خليفة

أو يشمل كلّ سلطان مسلم أو يشمل مطلق السلاطين و لو لم يكونوا مسلمين يظهر من جماعة الاختصاص و يظهر من جملة منهم‌

32

التّعميم و لا يخفى ما في استدلال الطّرفين فالقائل بالاختصاص مثل صاحب المسالك وجهه بأنّه يباح الأخذ منه نظرا إلى معتقده‌

و فيه أنّه إذا كان منشأ الجواز اعتقاد السّلطان باستحقاقه فلا يكفي معتقد موحده بل يشترط أن يكون دافع الخراج أيضا يعتقد استحقاق السّلطان فلو كان مؤمنا أو كافرا فلا يجوز أخذ خراجه من السّلطان و على هذا فمرجع توجيهه إلى أنّ المورد من صغريات قاعدة ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم و الحال أنّ هذا خلاف منصرف الأخبار و صريح كلمات الأخبار‌

و القائل بالتّعميم مثل صاحب الجواهر و شيخنا الأنصاري (قدّس سرّهما) تمسّكا بمثل قاعدتي الحرج و الضّرر و إطلاق الأخبار و زاد الأوّل بأنّ وجه الإذن منهم ع هو توسّل الشّيعة إلى حقوقهم الثابتة في بيت مال المسلمين كما أشعر به الحسنة السّابقة و غرضه من الحسنة قوله ع أ ما علم أنّ لك في بيت المال نصيبا و لا يخفى ما فيه‌

أمّا أوّلا فلأنّ القاعدتين حاكمتان على الأحكام الثّابتة و لا يمكن إثبات الحكم بهما كما أشرنا إليه و ظهر في محلّه‌

و أمّا ثانيا فلأنّه لو كان المدار في الجواز على استحقاق الأخذ لكونه مصرفا لما أعدّ لمصالح المسلمين فيجب الاقتصار على مثله و موضوع البحث جواز الأخذ مجّانا أو بالمعاملة لمطلق الشّيعة‌

و أمّا ثالثا فلأنّه لو كان المدار على الحراج و الاستحقاق فلا وجه لإخراج من لا يكون له سلطنة عامّة مستقلّة كالسّلطان الّذي تحت سطوة سلطان آخر و من خرج على السّلطان و تسلّط على قرية أو بلدة فالأولى التمسّك بإطلاق الأخبار و كون المناط في الحليّة هو إذن من له الأمر ع لمطلق شيعتهم نعم لو ادّعي انصراف الأخبار إلى الجائر الّذي يرى نفسه مستحقا فله وجه فمقتضى الاحتياط عدم جواز الأخذ ممّن لا يرى نفسه مستحقّا للخلافة أو كان سلطنته باستظهار غير المسلم‌

و بالجملة لا يمكن الجزم بالتّعميم و إن كانت الأخبار مطلقة فتدبّر‌

السّادسة قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ موضوع البحث هو ما كان فيئا للمسلمين و يصرف في مصالحهم بضميمة الزّكوات و جزية الرّءوس فإنّ الزكاة و إن كان لها مصرف خاصّ و لا تدخل في مصالح المسلمين إلّا بعض مصارفها إلّا أنّ مقتضى النّصوص دخولها في الخراج و المقاسمة حكما و هذا لا إشكال فيه إنّما الكلام في أنّه هل للخراج حدّ معيّن بحيث لو زاد أو نقص منه لا يدخل تحت العنوان أو لا حدّ له الأقوى كونه موقوفا على تراضي السّلطان و المأخوذ منه‌

قال أبو الحسن ع و الأرض الّتي أخذت عنوة بخيل و ركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمّرها و يحييها على صلح ما يصالحهم عليه الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النّصف و الثّلث و الثلثان و على قدر ما يكون لهم صالحا و لا يضرّ بهم و على هذا فإذا زاد الجائر ظلما حرم تناوله كما أنّه لو خفف لا لمصلحة راجعة إلى المسلمين بل تشهّيا و صداقة مع المتقبّل و نحو ذلك يجب ردّ مقدار النّقص إلى الحاكم الشّرعي‌

و بالجملة في‌ء المسلمين يجب أن يرجع إليهم إلّا أنّ الشارع حكم بأن تصرّف الجائر فيه كتصرف الإمام العادل و مقتضى ذلك اختصاص الإذن بما يتصرف به الإمام العادل فالزّائد و الناقص غير نافذ منه و كيف كان فاختصاص الموضوع بالخراج و المقاسمة دون الزّكاة و الجزية كما عن بعض لا وجه له‌

و على أي حال قد عرفت أنّ البحث عنه في هذه الأزمنة قليل الجدوى و إنّما تعرضنا تبعا لما هو المعمول بين الفقهاء فلنرجع إلى تحرير ما أفاده مدّ ظلّه في كتاب البيع و لمّا كان عنوان بحثه كتاب المكاسب لعلم التّقى و خاتم الفقهاء الحاج الشّيخ مرتضى الأنصاري التّستري أعلى اللّٰه مقامه‌

33

فلنحرّر ما أفاده مد ظلّه بطريق الحاشية على الكتاب‌

كتاب البيع

قال (قدّس سرّه) كتاب البيع

و قبل الخوض في مسائله ينبغي التّنبيه على أمر ربما يكون له دخل في بعض مقاصد الكتاب و هو أنّ الفقهاء (رضوان اللّٰه عليهم) قسموا مسائل الفقه إلى أقسام أربعة عبادات و عقود و إيقاعات و أحكام و قد يعبّر عنها بعبادات و عادات و معاملات و سياسات‌

و العبادات تطلق على معان ثلاثة أوّلها ما يعتبر فيه قصد التقرّب و هي العبادات بالمعنى الأخص و ثانيها ما يمكن فيه قصد التقرّب و هي العبادات بالمعنى الأعم و ثالثها الوظيفة الّتي شرعت على أشخاص خاصّة و يندرج في هذا القسم باب الجهاد و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر و باب الولايات و القضاء و الشهادات و المعنى الثّالث متوسط بين المعنيين الأوّلين فإنّه أعمّ من الأوّل و أخصّ من الثّاني و وجه إدراج المحقّق باب الجهاد و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر في العبادات بلحاظ هذا المعنى أو المجرد مناسبة ما كما أدرج أحكام المياه في هذا القسم أيضا‌

و أمّا المعاملات فلها أيضا معان ثلاثة أوّلها ما لا يعتبر فيه قصد التقرب و هذا المعنى عام يشمل ما يتوقّف على الإنشاء و ما لا يتوقّف و ثانيها خصوص باب العقود أي ما يكون قوامه بإنشاء طرفين و ثالثها المتوسط بين الأوّلين أي ما يحصل بالإنشاء سواء كان بين الطّرفين كالعقود أو لا كالإيقاعات ثم إنّه قد يشكّ في كون شي‌ء عقدا أو إيقاعا و سيجي‌ء تفصيل ذلك إن شاء اللّٰه في محلّه‌

و كيف كان فالقسم الثّاني من مسائل الفقه هو الّذي يتوقّف على إنشاء الطّرفين و يسمّى بالعقد و العقود على أقسام ثلاثة عقود إذنيّة و عهدية و هي على قسمين تعليقيّة و تنجيزيّة أمّا الإذنيّة فهي عقود باصطلاح الفقهاء لا بالمعنى اللّغوي و العرفي لأنّ معنى العقد لغة و عرفا هو العهد المؤكّد و ما يكون فيه إلزام و التزام و أمّا العقود الإذنيّة فتسمّى عقودا لأنّها ترتبط بشخصين لا أنّ فيها عهدا و عقدا فقوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يشمل هذه العقود لخروجها عنه تخصّصا‌

و بالجملة ما كان قوامه بالإذن و مجرّد رضاء ولي الأمر و مالكه لا يكون فيه عهد و التزام و هذه كالوديعة و العارية بناء على أن يكون مفادها الإباحة المجانية و أمّا بناء على كونها مقيدة للتّمليك المجّاني فتدخل في العهديّة و كالوكالة على أحد القسمين فيها فإنّها بنوعها و إن كانت تفيد إباحة التصرّف للوكيل إلّا أنّ قسما منها عهدي و هو الّذي يتوقّف على الإيجاب و القبول مع شرائط خاصّة مذكورة في محلّه و من أحكام هذا القسم أنّه لو تصرّف الوكيل بشرائط التصرّف و لم يعلم بعزل الموكل لا يبطل تصرّفه و قسما منها إذني و هو عبارة عن مجرّد الإذن في التصرّف بل مطلق الرّضا به و من أحكامه أنه يبطل تصرف الوكيل بمجرّد رجوع الموكل عن إذنه و لو لم يطّلع عليه الوكيل ثم إنّه قد يكون العقد مركبا من عهدي و إذني باعتبار مدلوله المطابقي و الالتزاميّ كالإجارة فإنّها تدخل من جهة تمليك المنفعة بالعوض في العهديّة و من جهة تصرف المستأجر في العين في باب الأمانات المالكيّة التي ترجع جميع العقود الإذنيّة إليها‌

و أمّا التّعليقية فهي الّتي يكون المنشأ فيها معلّقا على شي‌ء كالسّبق و الرّماية و الجعالة بناء على كونها عقدا و متوقفا على القبول و لو كان فعلا نعم بناء على كونه إيقاعا‌

34

يخرج عن هذا الباب و كيف كان إذا كان المنشأ معلّقا بإن و أخواتها فيكون من العهديّة التعليقيّة‌

و أمّا العهديّة التنجيزيّة فهي عبارة عن البيع و الإجارة و نحوهما ممّا كان المنشأ منجّزا و متحقّقا بإنشاء الطّرفين سواء كان تمليكا للعين أو المنفعة و سواء كان بعوض أو بلا عوض فتمليك العين بالعوض بيع و بلا عوض هبة و تمليك المنفعة بالعوض إجارة و بلا عوض عارية بناء على كونها مفيدة للتّمليك لا بناء على ما هو الحقّ من أنّها مفيدة للإباحة‌

ثم إنّ الصّلح أيضا عنوان مستقلّ و يكون المنشأ به هو التّسالم على أمر نعم قد يكون نتيجة التّسالم هو تمليك العين بعوض أو بلا عوض أو تمليك المنفعة بعوض أو بلا عوض لا أن يكون تابعا لأحد هذه العناوين الأربعة بأن يكون إمّا بيعا أو هبة أو إجارة أو عارية كما عليه الجمهور و تبعهم من الخاصّة جماعة و ذلك لأنّ المناط في الاستقلاليّة أو التبعيّة هو لحاظ المنشأ بالعقد بالمدلول المطابقي لا الالتزامي‌

فكون نتيجة الصّلح أحد هذا الأمور لا يوجب إرجاعه إليها بل لا شبهة أن مدلوله المطابقي إنشاء التّسالم على أمر فقد يكون هذا الذي تسالما عليه أحد هذه الأمور و قد يكون إسقاطا لحق غير قابل للبيع كما في بعض الحقوق و قد يكون إسقاطا لحقّ الدّعوى الّذي قد لا يكون المدعى به ثابتا في الواقع‌

و حيث إنّ المنشأ به هو التّسالم فيجب أن يتعدى بعلى لا بالباء فلو قال صالحتك هذا بهذا فإمّا يكون بيعا فاسدا بناء على بطلان إنشاء عناوين العقود بالألفاظ المجازيّة و إمّا يكون بيعا صحيحا بناء على صحة إنشائها بغير ألفاظها و على أيّ حال لا يكون صلحا لأنّ المنشأ به هو التباني على أمر و التسالم عليه فيجب أن يقال صالحتك على هذا بهذا أو تصالحنا على هذا و بهذا نعم في صلح الدّين و نحوه يصحّ تعديته بعن فيقال صالحتك عما علم بما علم لكونه بمعنى التّجاوز بل في صلح حق الدعوى تعديته بعن أولى‌

ثم إن مما ذكر في معنى الهبة علم أنّه لا يصحّ أن يقال وهبتك هذا بهذا حتّى في الهبة المعوضة لأنّ التمليك بالعوض إمّا بيع أو إجارة فقوله في تمليك الأعيان وهبتك هذا بهذا و في تمليك المنافع أيضا كذلك إمّا بيع فاسد و إجارة فاسد لو لم نقل بكفاية كل لفظ لإنشاء عنوانهما به أو صحيحتان لو قلنا بها لأنّ في حقيقة الهبة اعتبرت المجانيّة فإنّها عبارة عن تمليك مال منجّزا من غير عوض‌

و العوض في الهبة المعوّضة ليس في مقابل المال الموهوب سواء اشترط التعويض أو لم يشترطه و لكن المتّهب عوّض عنها فإنّ في الأوّل أيضا ليس العوض مقابلا للمال الموهوب بل إنّما اشترط في التّمليك المجّاني أن يملّكه شيئا مجانا‌

[معنى البيع]

قوله (قدّس سرّه) البيع و هو في الأصل كما عن المصباح مبادلة مال بمال

لا يخفى أنّ تعريفات القوم كلّها تقريبية لا سيما في البسائط فإنّها ليست مركبة من جنس و فصل و التّعريف الحقيقي بحيث يكون جامعا و مانعا على فرض إمكانه إنّما يصحّ في المركبات‌

و على أيّ حال هذا التعريف و تعريفه بأنّه تمليك العين بالعوض لا يرجع إلى معنى واحد فإنّ ظاهر التّعريف الأوّل أنّ المعاملة تقع بين المملوكين و التعريف الثّاني أنّ المقابلة تقع بين السّلطنتين و لا إشكال أنّ في مقام الخارج و ما هو المتعارف بين النّاس و من أعظم ما يتوقف عليه عيش بني آدم و هو تبديل الأموال لا تبديل الملكيّة الّتي هي عبارة عن السّلطنة على المال فإنّ النّاس مسلّطون على أموالهم و ليس لهم السّلطنة على سلطنتهم و سيجي‌ء في محلّه أن جواز الإعراض عن الملك و نفوذه و‌

35

ليس من جهة شمول الناس مسلطون على أموالهم له فإن الإعراض إذهاب موضوع السلطنة و ليس مندرجا في عموم السلطنة‌

و بالجملة قد أشرنا في أول المكاسب المحرمة أن باب المعاوضات مقابل لباب الإرث فإن في الإرث يتبدل المالكان دون المملوكين و باب المعاوضات بعكس ذلك فيتبدل بها المملوكان‌

و حاصله أن في عالم الاعتبار كل من صاحب الطعام و صاحب الدراهم واجد لإضافة و أحد طرفي الإضافة قائم بالمالك و طرفها الآخر بالمملوك و التبديل عبارة عن حل الإضافة القائمة بالطعام و جعلها قائمة بالدراهم و هذا الحل من آثار واجدية الإضافة لا أن الإضافة بتمامها تتبدل بإضافة أخرى فإن الإضافة عبارة عن السلطنة على المال و إذا كان التبديل واقعا بين السلطنتين فيتوقف صحته على أن يكون ذو السلطنة له السلطنة على السلطنة و هكذا و على هذا فالحق أن البيع هو مبادلة مال بمال أو تبديل مال بمال و ليس عبارة عن تمليك العين بعوض إلا أن يكون المقصود من هذه العبارة التعريف باللازم فإن لازم تبديل العين تحقق الملكية للمشتري‌

و حاصل الكلام أن الملكية عبارة من إضافة حاصلة بين المالك و المملوك و هي عبارة أخرى عن الجدة غاية الأمر أن الجدة الحقيقية و الواجدية الواقعية هي مخصوصة بمن له ملك السماوات و الأرض فإنه هو الذي يقدر على الإيجاد و الإعدام فهو الواجد الحقيقي و التعبير عن هذه الجدة بالإضافة الإشراقية يرجع إلى هذا المعنى‌

و كيف كان لا شبهة أن من أعلى مراتب الجدة هذه الواجدية و نظيره في المخلوقات واجدية النفس للصور العلمية فإنها توجد بنفس إنشاء النفس لها و تنعدم في هذا الصقع بنفس إعدامها فإحاطتنا بمنشئات أنفسنا نظير ملكية اللّٰه سبحانه و قدرته و علمه‌

و أما الملكية الاصطلاحية التي هي من إحدى المقولات فهي أضعف رتبة و أنزل درجة من الجدة الحقيقية و أما الجدة الاعتبارية فهي أضعف من المرتبتين السابقتين و لكن لها نحو تحقق في عالم الاعتبار و تكون منشأ للآثار و بها يتبدل الأموال و أما هي بنفسها فليست قابلة للتبديل ابتداء لأنه ليس للمالك ملكية على الملكية من غير فرق بين باب البيع و غيره حتى في مثل الهبة المجانية فإن الواهب لا يملك المتهب ابتداء بل يعطيه المال فإذا أعطاه إياه ينخلع عنه الإضافة و يلبسها الآخر فهو يصير واجدا‌

و لا مانع عن تعريف البيع بأنه تمليك عين بعوض و عن الهبة بأنها تمليك مجاني إذا كان المقصود منه تبديل المال أو إعطاءه فإن مقصودنا أن ما هو الواقع خارجا و الثابت في عالم الاعتبار هو أن صاحب المال له إضافة و جدة كان المالك في شرق العالم و المملوك في غربه أو كان تحت يده و بلحاظ مالكيته لهذه الإضافة مسلط على تبديل ماله و هكذا لو كان ذا حق أيضا فله إسقاط حقه أو تبديله بأمر آخر من جهة سلطنته عليه لا تبديل نفس السلطنة‌

فعلى هذا بين تعريف المصباح بأن البيع مبادلة مال بمال و سائر التعاريف تفاوت معنوي و لكن جميع هذه التعاريف ليس مطردا و منعكسا سيما تعريف المصباح فإن شأن اللغويين هو التسامح في بيان حقيقة معنى الشي‌ء فالإشكال عليه بأن البيع تبديل لا مبادلة و أن المبادلة تصدق في غير البيع أيضا إنما يتوجه لو كان بصدد بيان حد الشي‌ء و بعد ما عرفت من أن هذه التعاريف تقريبية فلا يرد عليها إشكال نعم من كان بصدد بيان حقيقة البيع فينبغي تعريفه بما يكون جامعا و مانعا و لا يهمنا ذكر تعاريف القوم‌

36

و ما يرد عليها و لعله سيجي‌ء إجماله بعد ذلك‌

إنّما المهم بيان أمور ينبغي التّنبيه عليها

الأوّل أنّ مقتضى ما ذكرنا في حقيقة المعاوضة أنّ البيع و نحوه من مقولة المعنى

لا بمعنى أنّه من الكلام النّفسي الّذي توهّمه بعض المحشين تبعا لأستاده المحقّق بل بمعنى أن المنشأ باللّفظ هو البيع لا قول بعت و لا المجموع المركّب من بعت و اشتريت الّذي يسمّى عقدا‌

و بعبارة أخرى البيع هو تبديل العين بالمال أو تمليكها به غاية الأمر تحقّق هذا المعنى خارجا موقوف على قبول المشتري و إن شئت قلت البيع هو التّمليك المتعقّب بالقبول و لكن الظّاهر أنّ عنوان التعقّب ليس جزءا من مدلول البيع بل البيع هو نفس التّمليك بالعوض في ظرف حصول القبول فكون البيع هذا المعنى لا ينافي مع تبادر البيع المؤثّر و هو المتعقّب بالقبول من قوله باع فلان داره فإنّ الظّاهر من هذا الكلام وقوع عقد البيع و لا شبهة أنّ عقد البيع مركّب من الإيجاب و القبول و لكن الّذي هو من فعل البائع هو الإيجاب لا المركب فإنّ القبول من فعل المشتري‌

و بالجملة البيع هو فعل البائع لا المركّب من فعله و فعل المشتري و فعله لا ينفكّ عن تحقّق اسم المصدر منه و إن لم يترتّب عليه الأثر خارجا فهو مثل الكسر الّذي لا ينفكّ عنه الانكسار و إن كان من جهة ترتّب الأثر مثل الإيجاب الّذي لا يكون منشأ للآثار إلّا إذا صدر ممّن له الأهليّة له و الذي يدلّ على أنّ البيع من فعل البائع أنّه لو وقع شرطا في ضمن العقد أو نذره فمرجعه إلى إقدامه على البيع و جعل المبيع معرضا له لا إيجاد ما هو منشأ للآثار و إلّا يكون شرطا و نذرا غير مقدور ففرق بين أن يكون المجموع من الفعلين أو الفعل المتعقب بالقبول بيعا و أن يكون البيع هو فعل البائع في ظرف حصول القبول من المشتري‌

و بالجملة البيع أمر بسيط قائم بفعل شخصين بحيث لو لم يتحقّق القبول لا يحصل هذا المعنى و لكن لا يدخل ما هو من فعل المشتري في فعل البائع لا بوجوده الخارجي و لا بعنوانه الانتزاعي بل فعل البائع إيجاب له و فعل المشتري قبول له فحيث إنّه قائم بشخصين لا يمكن أن يقال البيع يحصل بإيجاب البائع سواء حصل القبول أم لا‌

و على أيّ حال إطلاق البيع على العقد المركّب من الإيجاب و القبول مبنيّ على عناية و رعاية علاقة غير خالية من الاعتساف فإن علاقة السّببيّة و المسبّبيّة حاصلة بين العقد و ما يحصل من الإيجاب و القبول و من الإيجاب المتعقّب بالقبول و إلّا ليس العقد سببا لما يحصل من فعل البائع فإنّ التّمليك منه يحصل بنفس إنشائه و إن لم يكن منشأ للأثر إلّا إذا تعقّبه القبول‌

ثم إنّ جملة من الأعلام على ما في الجواهر و المتن عرفوا البيع بالأثر الحاصل من الإيجاب و القبول فقالوا بأنّه انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي فعلى هذا يستفاد من مجموع الكلمات إطلاق البيع على معان ثلاثة‌

الأوّل ما هو الحاصل من فعل البائع و عبّروا عن هذا المعنى بتعبيرات مختلفة فمنهم من عرفه بأنّه مبادلة مال بمال و منهم بأنّه نقل عين بعوض و منهم بأنه تمليك عين بعوض و منهم من عرفه بأنّه نقل العين بالصّيغة المخصوصة إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى هذا المعنى‌

الثاني هو الحاصل من فعل الموجب و القابل كما في تعريف المبسوط و من تبعه فعرفوه بأنّه انتقال عين من شخص إلى غيره بعوض‌

الثّالث هو العقد المشتمل على الإيجاب و القبول كما في الوسيلة و المختلف و هذا الإطلاق هو المتعارف عن الفقهاء في أبواب العقود فقولهم كتاب البيع و نحوه المقصود منه هو العقد‌

الأمر الثاني قد اشتهر بين الفقهاء

37

أنّ باب ألفاظ العقود و ما ينشأ بها باب الأسباب و المسبّبات فيريدون أنّ مثل بعت و اشتريت سبب لحصول النّقل و الانتقال‌

ثم إنّ من الشّهيدين (قدّس سرّهما) يظهر أنّ عقد البيع و غيره حقيقة في الصّحيح و مجاز في الفاسد فعلى هذا يتولّد هنا إشكالان الأول أنّ كون العقد حقيقة في الصّحيح معناه أنّ الشّارع وضعه للصّحيح مع أنّ المعاملات بأجمعها إمضائيّة الثاني عدم صحّة التمسّك الإطلاق عند الشكّ في الصّحة و الفساد كما لا يصحّ التمسّك به في العبادات نعم لو قلنا كما قيل بأن الإمضاء الشّرعي ورد على الأسباب فلا إشكال و أما بناء على ورود الإمضاء على المسببات كما هو الظاهر من قوله عزّ من قائل وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ فالتمسّك به مشكل لأنه لا ملازمة بين إمضاء المسبّب و إمضاء السبب فلو شكّ في صحّة العقد الفارسي فكيف يمكن القول بصحّته من جهة إطلاق قوله أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ

و قد أجيب عن الأوّل بأن معنى وضعه لصحيح أنّ الشّارع أمضى المعاملات العرفية و العرف يسمّى ما هو المؤثر لأثر كذا بيعا لا غيره فيصير البيع شرعا هو البيع عرفا أي المؤثر للنّقل غاية الأمر قد يقع اختلاف بين الشّرع و العرف في المصداق كالبيع الربوي مثلا فإنّ الشّارع يخطئ العرف في تخيّلهم بأنّه أيضا مؤثر في النّقل و‌

بتعبير آخر قد يسقط الشارع فردا عن الفرديّة حيث إنّه ممن ينفذ اعتباره و الأمر الاعتباري إسقاطه التّشريعي هو إسقاطه التّكويني و بتعبير المصنف قد يكون الاختلاف بين النّظرين فإن ما هو بنظر العرف بيع ليس بنظر الشّارع بيعا لا أنّ معنى البيع عند العرف و الشّرع يختلف‌

و بالجملة البيع عند الشرع و العرف واحد مفهوما و إن اختلف بينهما في بعض المصاديق فعلى هذا يصحّ دعوى كون العقد موضوعا للصّحيح مع كونه إمضائيا و أجيب عن الثّاني بأن ألفاظ المعاملات و إن كانت موضوعة للصّحيح إلّا أنّ إطلاقها لو كان مسوقا في مقام البيان ينزل على أن المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف لأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات الشّرعيّة على ما هو الصّحيح المؤثّر عند العرف‌

و لا يخفى ما في هذا الجواب لأنّه بعد ما عرفت بأنّ الخطابات الشرعيّة واردة في مقام إمضاء المسبّبات و فرضنا أنّه لم يدلّ دليل على صحّة العقد الفارسي و لا صحة الفصل بين الإيجاب و القبول فعند العرف هذا العقد صحيحا لا أثر له و لا اتّحاد بين المسبّب و السّبب لا حقيقة و لا عرفا حتى يقال إمضاء المسبّب إمضاء للسبب كما لا يخفى‌

فتنزيل ما هو المؤثر عند الشّارع على ما هو المؤثّر عند العرف لو كان إطلاق الخطابات الشرعيّة مسوقا في مقام البيان إنّما يصحّ لو كان الشكّ راجعا إلى المفهوم العرفي الّذي أمضاه الشارع لا ما إذا كان الشكّ راجعا إلى المصداق فإنّ نظر العرف في تطبيق المفاهيم على المصاديق غير متّبع فلو فرضنا أنّ العرف يرى مفهوم البيع هو المؤثّر في النّقل فتطبيقهم هذا المعنى على العقد الفارسي لا عبرة به إلّا إذا رجع إلى توسعة في المفهوم‌

و بالجملة إذا فرضنا أنّ البيع موضوع لما هو المؤثر في النّقل حقيقة و أنّ الشّارع أمضى هذا المعنى فتخيّل العرف بأنّ العقد الفارسي مؤثر في النّقل لا أثر له‌

و لا يقال إنّ الشّارع إذا أمضى الأثر الحاصل ممّا هو المؤثر واقعا فلا محالة لا ينفكّ عن إمضاء المؤثر و لو في الجملة و المفروض أنّ العرف يرون جميع هذه العقود مؤثرا فلو لم يكن هذه مؤثرا عند الشّارع لوجب عليه التّنبيه فقوله عزّ من قائل أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ مع‌

38

بناء العرف على أنّ العقد الفارسي بيع و عدمه تخطئة الشارع لهم يقتضي أن يكون هذا سببا أيضا عند الشّارع لأنا نقول مقتضى كون البيع موضوعا للصّحيح أن يكون كلّ ما هو سبب له معنونا بعنوان ما يترتّب عليه المسبّب بحيث لو تعلّق الوضع أو التكليف به لكان تحصيله لازما‌

و بعبارة أخرى لو لا حكم العقل بأنّ في مورد الشكّ في المحصّل يجب الاحتياط لكان مقتضى جعل المسبّب و عدم التّنبيه على سبب خاصّ هو أنّ كل ما يعدّه العرف سببا كان سببا عند الشّارع و أمّا بعد معلوميّة أسباب متيقّنة عند العرف و الخارج ففي مورد الشكّ يجب الاحتياط و التمسّك بالإطلاق يتمّ لو كان الشكّ في أمر زائد على المسمّى‌

و بالجملة غير خفي على النّاقد أنّه لو كان باب العقود و ما ينشأ بها من باب الأسباب و المسببات لكان الأدلّة الواردة في إمضاء المسبّبات غير كافية لرفع الشك في تحقّقها من الأسباب المشكوكة سببيّتها و اتّحاد السبب و المسبّب ليس بحد يكون أحدهما عين الآخر و لا ملازمة بين إمضاء المسبّب و إمضاء مشكوك السببيّة و لا أثر لعدّ العرف مشكوك السببية سببا‌

و حاصل الكلام أنّ التمسّك بالإطلاق يصحّ في مقامين الأوّل ما إذا كان مصداق داخلا تحت الطبيعي يقينا و شكّ في اعتبار قيد زائد فيه كالشكّ في اعتبار الإيمان في الرقبة مع العلم بانطباق المفهوم على الكافرة و أمّا إذا لم يكن شي‌ء تحت هذا العنوان فعد العرف من باب المسامحة شيئا من أفراد هذه الطّبيعة لا يفيد في صحّة التمسك بالإطلاق فإذا كان موضوع الحكم ثمانية فراسخ فمسامحة العرف و عد ثمانية إلّا ربع الفرسخ ثمانية فراسخ لا أثر لها و الثّاني ما إذا كان ثبوت الحكم لعنوان ملازما لثبوته لأمر آخر كما إذا قلنا بأن قوله عزّ من قائل كلوا ممّا أمسكن في مقام بيان حلّ أكل ما اصطاده الكلب المعلّم فعلا فلازمه طهارة موضع عضّه و لا يبعد أن يكون نظر المصنف (قدّس سرّه) و من تبعه في التمسّك بمطلقات أبواب المسبّبات لصحّة ما شكّ في كونه سببا راجعا إلى الوجه الثّاني بل هو المتعيّن فإنّ قوله (قدّس سرّه) فلأنّ الخطابات الشّرعية لما وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع على ما هو الصّحيح المؤثر عند العرف ظاهر في أن إمضاء المسبّب إمضاء للسبب لا أنّ المصداق المسامحي العرفي مندرج تحت الإطلاق‌

و على أي حال فلو كان مبنى التمسّك بالإطلاق هو الوجه الأوّل فهو مما لا كبرى له لأن تطبيق العرف لا أثر له إلّا إذا رجع إلى المفهوم و لو كان هو الثاني فالصّغرى ممنوعة لأنّه لا ملازمة بينهما مع التّباين بينهما خارجا نعم إمضاء السّبب إمضاء للمسبّب و لكن العكس لا يبتني على أساس إلّا إذا عدّا واحدا خارجا فتأمل جيدا‌

فالصّواب في الجواب هو أنّ المنشئات بالعقود ليست من باب المسبّبات بل هي أفعال من الموجب و القابل و ذلك لأنّ المسبّب إمّا يكون أمرا مترتبا على فعل إعدادي من شخص بحيث لا يكون بين هذا الفعل و الأثر المترتّب عليه فعل فاعل مختار و إن كان بين الفعل و هذا الأثر وسائط كثيرة كالوقوع في البئر المترتب على حفر الحافر في الطّريق العام فإنّ وقوع الأعمى فيه مستند إلى الحافر و إن لم يوجد إلّا فعلا إعداديّا‌

و إمّا يكون فعلا توليديا من إيجاد الفاعل الجزء الأخير من العلّة التّامّة كالإحراق المترتب على الإلقاء في النّار و الملكيّة المترتّبة على الحيازة و لا خفاء في أنّ المنشأ بالعقد لا يكون من كلا القسمين بل هو من قبيل الإيلام الحاصل بالضّرب و عنوان ثانوي لفعل الفاعل و الفاعل ابتداء يوجد هذا العنوان و يتعلّق إرادته به أوّلا لكونه تحت قدرته بلا واسطة‌

39

فإن المتكلّم ابتداء يوجد المعنى و اللّفظ ليس بمنزلة السّبب و المعنى بمنزلة المسبّب بل حال المنشأ بالعقد حال الكتابة الّتي هي ابتداء فعل الكاتب و حال النّجارة الّتي هي فعل النّجار و كما أن خلق الصّور الذهنيّة فعل من النّفس كذلك كتابتها و تكلّمها و تجارتها و نجارتها أفعال منها غاية الفرق أنّ خلق الصور لا يحتاج إلى آلة و التكلّم يحتاج إلى تحريك اللسان و الكتابة إلى القلم و النّجارة إلى القدوم فإذا كان تلفّظه بهذه الألفاظ فعلا له فالأثر الحاصل منها فعل له أيضا بلا واسطة لأنّ في جميع المصادر اسم المصدر الحاصل منه لا يباينه إلّا اعتبارا فهو هو وجودا و إن اختلفا اعتبارا فأثر الفعل لو انتسب إلى الفاعل يسمّى تأثيرا و مصدرا و لو انتسب إلى المفعول يسمّى اسم المصدر و تأثرا‌

و بعبارة أخرى لا تفاوت بين الإيجاد و الوجود فلو قلنا بتعلّق الإمضاء بنفس الإيجاد كما هو المتعيّن في نحو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ الإمضاء تعلّق بالعقد الّذي هو آلة إيجاد عنوان المعاملة و هو الظاهر من أحلّ اللّٰه البيع لو كان المراد من الحليّة الحليّة التكليفيّة الراجعة إلى الأفعال فلا إشكال فيه فإنّه لو تعلّق الإمضاء بنفس هذه الإيجاديات الواقعة من أهل العرف فيقتضي صحّة جميع ما يوجده العرف بحيث لو ردع عن إيجاد خاصّ فهو تخصيص و خارج عن الإيجاديات حكما و إن دخل فيها موضوعا‌

و لو تعلّق الإمضاء بالأثر الحاصل من الأفعال كما يمكن أن يكون هو المراد من أحلّ اللّٰه البيع بناء على ظهوره في الحليّة الوضعيّة فكذلك أيضا لاتّحاد الأثر مع التّأثير فإمضاء الأثر إمضاء للمصدر الحاصل منه هذا الأثر لعدم الفرق بينهما خارجا‌

و بالجملة فرق بين السّبب و المسبب و بين المصدر و اسم المصدر فإنّ السّبب و المسبّب إذا تعلّق الجعل بالمسبّب ابتداء أو إمضاء فلا يكفي جعله كذلك لجعل السّبب و هذا بخلاف إمضاء اسم المصدر فإنّ إمضاءه ملازمة لإمضاء المصدر بل هو عينه على وجه فتدبّر جيدا‌

الأمر الثالث لا إشكال و لا خلاف في اعتبار كون المبيع عينا

فلا يعم المنافع و لا يبعد أن يكون منشأ الاتفاق انصراف الأدلّة إلى ما هو المعهود خارجا من جعل المعوّض في البيع عينا و لا أقلّ من الشكّ في شمول المطلقات لغير العين و ادعي التّبادر و صحّة سلب البيع عن تمليك المنفعة بعوض‌

و كيف كان لا خلاف في ذلك و عليه استقر اصطلاح الفقهاء و إطلاق البيع في نقل غيرها في عدّة من الأخبار كالخبر الدالّ على جواز بيع خدمة المدبّر و بيع سكنى الدّار و بيع الأراضي الخراجيّة الّتي لا يجوز فيها إلّا نقل منافعها مبني على رعاية علاقة كما أن الإجارة التي جعلت شرعا بل عرفا لنقل المنافع قد تستعمل لنقل الأعيان بل في عصرنا هذا يطلق الضّمان و يراد منه الإجارة و هو مبني على المسامحة فإنّ الضّمان يمكن أن يطلق على مطلق تعهد الشي‌ء أو كونه في عهدته و لو من دون تعهد عقدي‌

ثم إن المراد من العين في المقام ليس خصوص العين الخارجيّة المملوكة فعلا بل المراد منها ما يقابل المنفعة و الحقّ فتشمل العين الشّخصية و الكلّي المشاع كثلث الدّار و الكلي في المعيّن كصاع من هذه الصبرة و الكلّي في الذمة كمن من الحنطة سلما أو حالا و الكلّي المستقر في الذمّة كالدّين سواء باعه على غير من هو في ذمّته أو باعه عليه لأنّ ذلك كله من الأعيان و لا إشكال في شي‌ء من ذلك إلّا في بيع الكلّي فإنّه قد يتوهّم أنّ المبيع يجب أن يكون مالا للبائع قبل البيع‌

40

حتى ينتقل منه إلى المشتري ففي غير هذه الصّورة المبيع ملك للبائع فعلا فيصحّ نقله بالبيع إلى المشتري و هذا بخلاف هذه الصّورة‌

بل قد يستشكل في بيع الدّين أيضا بأن الدّين ليس ملكا لأنه معدوم و الملك من الأعراض يتوقّف وجوده على محلّ موجود و لكنّه لا يخفى عدم ورود هذين الإشكالين أمّا إشكال عدم وجود المعروض في باب الدّين و السّلم فلما عرفت أنّ الملكية من الجدة الاعتباريّة فلا تحتاج إلى معروض خارجي و لم يدل دليل على اعتبار الملكيّة في المبيع‌

و أمّا إشكال اعتبار الماليّة للبائع ففيه أنّ الماليّة معتبرة في المبيع و أمّا كون المبيع قبل البيع مالا للبائع فلا دليل عليه و لا شبهة أنّ منّا من الحنطة مال عرفا و يبذل بإزائه المال و إن لم يكن ملكا فإنّ بينهما بحسب المورد عموما من وجه فإنّ المباحات الأصليّة و منّا من الحنطة بعنوان الكلّي مال و إن لم يكن ملكا و حبّة من الحنطة ملك و إن لم تكن مالا و ليس البيع إلّا تبديل المال بالعوض لا الملك‌

و بالجملة و إن لم يكن في ذمّة البائع شي‌ء و بنفس العقد يستقر مال على عهدته إلّا أنّ هذا كاف لتحقّق المعاوضة و تبديل طرف الإضافة الاعتباريّة فإنّ العقلاء يعتبرون مالية هذا المال و عمل الحرّ إذا صار عوضا يدخل في الأموال بهذا المعنى فلا يستشكل بأنّ الحرّ ليس مالكا على نفسه و ليس له على ذمّة نفسه مال و ذلك لكفاية هذا المعنى و هو جعله عوضا عرفا و كونه مالا اعتبارا في جعله عوضا عن المبيع شرعا‌

نعم بين عمل الحرّ و العبد فرق من غير هذه الجهة كما إذا حبس العبد فإنّه يضمن منفعته دون ما إذا حبس الحر فإنّه لا يضمن إلّا إذا كان أجيرا و غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه هذا مع أنّه لو لم يكن عمله قابلا لصحة جعله عوضا لما صحّ إجارة الحر نفسه فإنّ الإجارة لا بدّ و إن تتعلّق بالمال‌

و بالجملة لا ينبغي الإشكال في صحّة بيع الكلي سلما أو حالا و جعل عمل الحر عوضا لا من باب أنه شبهة في مقابل البداهة بل لعدم كونه شبهة أصلا فإنّ قوله ع لا بيع إلّا في ملك و نحوه ليس المقصود منه أنّه يعتبر أن يكون المبيع مملوكا قبل البيع بل المراد منه أنّه لا يجوز بيع مال الغير أو لا يجوز بيع ما لا يقبل التملّك كالخمر و نحوه‌

إن قلت مقتضى ما ذكر في تعريف البيع من أنّه تبديل طرف الإضافة بمثله أن يكون كلّ من المضاف إليهما موجودا فعلا حتّى يتبدّل أحدهما بالآخر و المن من الحنطة الّتي يبيعها البائع حين البيع ليس مالا للبائع و بعده مال للمشتري قلت كما أنّ نفس الإضافة ليس إلّا اعتباريا فكذلك المضاف إليه و التبديل يقع بين الحنطة و الثّمن فالحنطة التي هي مال عرفا و تقابل بالمال تنتقل إلى المشتري و الثمن إلى البائع‌

و بالجملة المنّ من الحنطة مال يبذل بإزائه مال فيجعله البائع معوّضا و يملكه المشتري بإزاء الثمن و لم يقم برهان على لزوم كون الحنطة ملكا للبائع أو مالا له قبل البيع فلا إشكال في ذلك رأسا‌

و لا يقال لو كان عمل الحر من الأموال لكان حابسه ضامنا كما أفاده العلّامة في حبس الدّار و العبد و لم يفرق (قدّس سرّه) بين استيفاء المنفعة أو فواتها تحت اليد و لزم كونه مستطيعا إذا كان قادرا على عمل يكون عوضه ممّا يتحقّق به الاستطاعة و لزم حجره عن عمله كحجره عن ماله لأنّا نقول الضّمان في مسألة الدار و العبد إنّما هو من جهة أن منفعتهما يكون تابعا للاستيلاء عليهما و أمّا الحر فلا يدخل تحت استيلاء غيره حتّى يستولي على منفعته تبعا‌

و بالجملة المدار في الضّمان هو دخول المضمون به تحت اليد فمجرد كون‌

41

منافع العبد مالا لا يوجب الضّمان بل لكونها تحت الاستيلاء و أمّا مسألة الاستطاعة فالمدار فيها هو الماليّة الفعلية لا القوّة و لذا لا نقول باستطاعة من عنده أملاك لو آجرها من غيره سنين عديدة لاستطاع فالمدار في الاستطاعة هو الواجدية الفعليّة نعم الاستطاعة الشّأنيّة موجبة لعدم استحقاقه الزكاة و إن قيل في هذا الباب أيضا إنّه لو لم يشتغل الصّانع بصنعته يجوز إعطاؤه الزكاة و أمّا مسألة الحجر فالظاهر عدم التزام الأصحاب بحجر الشخص عن منافع أمواله و لا يؤاجرون أراضي المفلس فيدخلون منافعها فيما يتعلّق به حقّ الغرماء‌

و كيف كان لا يعتبر في المعاملة إلّا انتقال أحد المالين بدلا عما ينتقل إلى الآخر أي لا يعتبر التبادل في مقام الخروج بل يكفي التّبادل في مقام الدّخول فيصحّ بيع الكلّي بالكلّي كما يصحّ في الشّخصيين هذا كله حال المعوّض و أمّا العوض فيصحّ كونه عينا و منفعة و ما يقال إنّ البيع لنقل الأعيان فالمقصود هو المبيع فإنّ هذا الكلام في مقابل الإجارة الّتي هي النقل المنافع‌

ثم إنّ العين الّتي تجعل عوضا لا فرق بين كونها شخصيّا أو كليّا بجميع أقسامه كما أنّ المنفعة التي تجعل عوضا للمبيع لا فرق بين كونها منفعة الأموال أو عمل الحرّ و لا إشكال في ذلك كلّه إنّما الكلام في أنّه هل يصحّ جعل الحقوق عوضا أو يعتبر أن يكون العوض عينا أو منفعة‌

و تحقيق الأمر مع توضيح عبارة الكتاب في ضمن أمور الأوّل أنّ قول المصنف و أمّا الحقوق الآخر فالتقييد بالآخر لو كان موجودا في نسخة الأصل إنّما هو لإخراج العين و المنفعة فإنّ الحق يطلق على عنوان عام يشمل كلّ ما وضعه الشّارع و جعله فالحكم و العين و المنفعة و الحقّ بالمعنى الأخص داخل تحت هذا العنوان فإن الحق معناه اللّغوي هو الثبوت و حقّ الجار على الجار و الوالد على الولد و نحوهما من الأحكام عبارة عن ثبوته و هكذا ملكية العين أو المنفعة من الحقوق و الأمور الثّابتة كحق الخيار و حقّ الشّفعة‌

و بعبارة أخرى إطلاق الحقّ على العين و المنفعة إطلاق شائع كإطلاقه على الحكم نعم الحق بالمعنى الأخص مقابل لذلك كله فإنه عبارة عن إضافة ضعيفة حاصلة لذي الحقّ و أقواها إضافة مالكية العين و أوسطها إضافة مالكيّة المنفعة و بتعبير آخر الحق سلطنة ضعيفة على المال و السّلطنة على المنفعة أقوى منها و الأقوى منهما السّلطنة على العين فالجامع بين الملك و الحقّ هو الإضافة الحاصلة من جعل المالك الحقيقي لذي الإضافة المعبّر عنها بالواجديّة و كون زمام أمر الشي‌ء بيده من جعل له و كونه ذا سلطنة و قدرة و هذه الإضافة لو كانت من حيث نفسها و من حيث متعلّقها تامّة بأن تكون قابلة الأنحاء التقلبات فتسمّى ملكا‌

و لو كانت ضعيفة إمّا لقصور نفس الإضافة كحقّ المرتهن بالنّسبة إلى العين المرهونة و إمّا لقصور في متعلّقه كحقّ التحجير و حقّ الخيار بناء على تعلّقه بالعقد الغير القابل لما عدا الفسخ و الإجارة و حقّ الاختصاص بالنسبة إلى الأشياء الغير المتموّلة كالخمر القابل للتخليل فتسمّى حقا و على هذا فلو لم يكن المجعول الشّرعي مستتبعا للإضافة و السّلطنة فليس إلا حكما و تسميته بالحقّ إنّما هو بلحاظ معناه اللّغوي و أمّا الاصطلاحي فالفرق بينه و بين الحكم واضح جدّا فإنّ الحكم الشّرعي هو المجعول المتعلّق بعمل المكلّفين اقتضاء أو تخييرا و هو و إن اشترك مع الحقّ في بعض الآثار كجواز رجوع الواهب عن الهبة و جواز فسخ ذي الخيار إلّا أنّهما متباينان سنخا فإنّ الجواز في الأوّل حكم شرعيّ بخلاف الثّاني فإنّه ملك و إضافة‌

و بالجملة الجواز في الهبة كاللّزوم‌

42

في النكاح من الأحكام الشرعيّة و هذا بخلاف الجواز في البيع الخياري و اللّزوم في البيع الغير الخياري فإنّما من الحقوق و سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في المعاطاة و في أحكام الخيار ما يوضح الفرق بين البابين‌

و كيف كان فإذا كان الحقّ عبارة عن اعتبار خاصّ الّذي أثره السّلطنة الضّعيفة على شي‌ء و مرتبة ضعيفة من الملك فهو بجميع أقسامه و أنحائه قابل للإسقاط كما أفاده شيخنا السّعيد الشّهيد و جعل هذا هو الضابط التّام في الفرق بين الحقّ و الحكم‌

فما أفاده السيد (قدّس سرّه) في حاشيته على المتن من تقسيم الحقوق أوّلا إلى ما يقبل الإسقاط و ما لا يقبل و جعل من الثاني حقّ الأبوة و حق الولاية للحاكم و حقّ الاستمتاع بالزوجة و حق السّبق في الرماية قبل تمام النضال و حقّ الوصاية لا وجه له فإنّ كون الشي‌ء حقا و غير قابل للإسقاط لا يعقل و إطلاق الحقّ على ما ذكره من الأمثلة مثل إطلاق الحقّ على سائر الأحكام كحقّ المؤمن على المؤمن و حق الجار على الجار فإنّ الأبوّة و الولاية و نحوهما من الأمثلة ليس لعلاقة حاصلة للأب و الحاكم إذ لم يجعل للولي إضافة أثرها السّلطنة على المولى عليه أو على ماله فلا يكون من مقولة الجدة بل من الأحكام الشّرعية كما هو (قدّس سرّه) أيضا يحتمل هذا المعنى حيث قال و يمكن أن يقال إنّها أو جملة منها من الأحكام لا من الحقوق‌

و العجب أنّه (قدّس سرّه) في صدر المسألة يعرف الحقّ بأنّه نوع من السّلطنة و مرتبة ضعيفة من الملك بل نوع منه و صاحبه مالك لشي‌ء يكون أمره إليه و مع هذا يقسّم الحقوق إلى ما يقبل الإسقاط و ما لا يقبل فإنه لو لم يقبل الإسقاط فكيف يكون له السّلطنة و كيف يكون زمام أمره بيده‌

و بالجملة قوام الحقّ بقابليّته للإسقاط و هذا بخلاف الحكم فإنّه بعكس ذلك ثم إنّه لو شك في شي‌ء أنه من الحق أو الحكم فليس هنا أصل يعيّن كونه من أي منهما فالمرجع هو الأصول العمليّة و الأصل يقتضي عدم سقوطه لاستصحاب بقاء ما كان قبل الإسقاط‌

الثّاني بعد ما عرفت أنّ الحقّ بجميع أقسامه قابل للإسقاط فيقع البحث عن قابليته للنّقل أو الانتقال إلى الغير أم لا فنقول منها ما لا يقبل لغير الإسقاط كحق القذف و منها ما يقبل النقل إلى الغير إمّا بلا عوض كحقّ القسم على ما ذكره جماعة فإنّه قابل للنّقل إلى من هو مثله كالضرة و لكن لا يجوز أخذ العوض عليه و إمّا مع العوض كحقّ التّحجير ثم ما كان قابلا للنّقل إمّا يجوز نقله إلى كلّ أحد كحقّ التّحجير أو لا يكون كذلك كحقّ القسم على ما عرفت من أنّه لا يجوز نقله إلّا إلى الضرّة‌

ثم إن منها ما يكون قابلا للانتقال إلى الغير و لا يكون قابلا للنّقل إذ لا تلازم بينهما فإنّ الخيار ينتقل إلى الوارث و لا يصحّ نقله إلى الغير فإنّ المدار في قابليّته للنّقل على عدم تقوّمه بشخص خاص و المدار في انتقال الحقّ إلى الوارث على دخوله تحت ما تركه الميّت ثم إنّ كونه حقّ الخيار عبارة عن السّلطنة على إمضاء الحقّ و فسخه لا ينافي كونه قابلا للإسقاط و إن كانت نتيجة الإسقاط موافقة لإمضاء العقد الّذي هو أحد طرفي السّلطنة إلّا أنّ الإمضاء عبارة عن إعمال الحقّ و الإسقاط عبارة عن التّجاوز عن الحقّ‌

و بالجملة كل ما كان حقا فهو قابل للإسقاط و إن كان موافقا في النّتيجة مع إعمال أحد طرفي السّلطنة‌

الثّالث أنّ كل حق كان قابلا للنّقل إلى الغير كحق القسم مثلا لا يقبل نقله إلى من عليه الحقّ لأنّ الحق لما كان نحوا من السّلطنة على من عليه الحقّ فلا يعقل نقله إلى نفس من عليه الحقّ سواء نقله مجّانا‌

43

أو بالعوض بالبيع و الصلح و غيرهما لأنّه لا يمكن أن يكون للإنسان سلطنة على نفسه بالنّحو الّذي كان لطرفه عليه هذا مع أنّ في بعض الحقوق خصوصيّة تمنع من نقلها إلى من عليه الحقّ كحقّ الرهانة و الشّفعة و الخيار‌

فإنّ حقّ الرهانة عبارة عن سلطنة للمرتهن بها يستوفي دينه من الرّاهن لأنّ نتيجة الرهانة جعل العين المرهونة مخرجا لدين المرتهن و هذا المعنى لا يمكن أن يستحقّه الرّاهن و كذلك حق الشّفعة سلطنة بها يقدر الشريك على أخذ الشّقص من المشتري بالقيمة الّتي دفعها إلى البائع و هذا المعنى لا يعقل أن يتقوّم بالمشتري و هكذا الخيار فإنّه لو كان للبائع فله سلطنة على فسخ العقد و استرجاع المبيع إلى ملكه و هذا المعنى لا يمكن أن يتسلّط عليه المشتري فإنّه لو كان ذا خيار يتسلّط على استرجاع الثّمن‌

و بالجملة لا يمكن نقل الحقّ إلى من هو عليه لأنّ الإنسان لا يمكن أن يتسلّط على نفسه فعلى هذا مراد المصنف (قدّس سرّه) من قوله و السّر أنّ الحقّ سلطنة فعليّة لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد أنّ من له الحقّ و من عليه الحق لا يمكن أن يكون واحدا و ليس مقصوده أنّ الحق دائما قائم بشخصين و إلّا لانتقض عليه بحق التّحجير فإنّه ليس هناك شخص كان الحقّ عليه و على هذا فمراده من قوله و لا ينتقض بيع الدّين على من هو عليه أيضا واضح‌

و حاصله أن امتناع نقل الحقّ إلى من هو عليه لعدم معقوليّة تسلّط الإنسان على نفسه لا يرد عليه النّقض ببيع الدين على من هو عليه فإنّه و إن استلزم تسلّط الإنسان على من هو عليه فإنّه و إن استلزم تسلّط الإنسان على ما في ذمّته إلّا أنّه فرق بين الملك و الحقّ فإنّه يمكن أن يكون الإنسان مالكا لما في ذمّته و لا يمكن أن يكون مسلّطان على نفسه و لكنه لا يخفى عدم قابليّة ما في الذمّة لأن يكون مملوكا لمن هو عليه و عدم قابليّة نقل الغير إليه و لو آنا ما فصيرورة الإنسان مالكا على نفسه آنا ما حتى يسقط عنه و يبرأ ذمته مستحيل أيضا‌

فالصواب أن يقال بيع الدّين على من هو عليه و إن كان صحيحا إلّا أنّ البيع لم يقع على ما في الذمّة بقيد كونه في الذمّة ليكون من قبيل مالكية الشخص لما في ذمته و ذلك لأنّه بهذا القيد لا يمكن تحقّقه في الخارج و لا شبهة أنّه يعتبر في المبيع أن يكون من الأعيان الخارجيّة بل يقع البيع على الكلّي و هو من من الحنطة مثلا فيصير المشتري أعني المديون مالكا لذلك الكلّي على البائع و حيث إنّ البائع كان مالكا لمنّ من الحنطة على ذمّة المديون و هو المشتري فينطبق ما على البائع على ما كان له على المديون المشتري فيوجب سقوط ذمّة كليهما و هذا و إن لم يكن من التّهاتر حقيقة إلّا أنّه أشبه شي‌ء به‌

أو يقال إنّ المبيع هو الكلّي في المعيّن و هو ما في ذمّة المديون لا بقيد أن يكون في الذمّة حتّى يرد عليه إشكال عدم الانطباق على ما في الخارج و إشكال عدم معقوليّة مالكيّة الإنسان لما في ذمّته بل بمعنى أنّ ظرفه الذمّة و بالبيع ممّن هو عليه يسقط ما في ذمّته فتأمل‌

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى إمكان جعل الحقّ ثمنا في المبيع فنقول قد ظهر أن بعض الحقوق يمكن نقله إلى الغير بالعوض و لكن بعد الفراغ من عدم إمكان جعل الحق مبيعا لما ظهر من اعتبار كونه من الأعيان فلا يصحّ جعله منفعة فضلا عن كونه حقا فيقع البحث في أنه هل ينحصر المعاوضة عليه بالصّلح و نحوه أو يمكن جعله ثمنا للمبيع وجهان بل قولان و الأقوى عدم قابليّة الحقّ لوقوعه ثمنا في المبيع كعدم قابليّة وقوعه مثمنا سواء جعل نفس الإسقاط و السّقوط ثمنا أو جعل نفس الحق‌

أمّا الأوّل‌

44

فلأنّ الثمن لا بد من دخوله في ملك البائع و الإسقاط بما أنّه فعل من الأفعال و السّقوط بما أنّه اسم المصدر ليس كالخياطة و سائر أفعال الحرّ و العبد ممّا يملكه البائع و يكون طرفا لإضافة ملكيّة البائع و يقوم مقام المبيع في الملكيّة فإنّ هذا المعنى معنى حرفي غير قابل لأن يتموّل إلّا باعتبار نفس الحقّ و سيجي‌ء ما فيه‌

و بالجملة نفس الإسقاط بما أنّه فعل و أثره بما أنّه اسم المصدر لا يقبل الدّخول في ملك الغير بحيث يتحقّق بالنّسبة إليه الخروج عن ملك المشتري إلى ملك البائع و يكون البائع مالكا لهذا العمل و لا يقاس بشرط الإسقاط في ضمن عقد لازم لأنّ في باب الشّرط يملك المشروط له على المشروط عليه إسقاط الحقّ أو سقوطه و لا ملازمة بين قابليته للدّخول تحت الشرط و بين قابليّة وقوعه ثمنا لأنّ إسقاط الحقّ يصير بالشرط مملوكا للغير على صاحب الحقّ و لكنّه لا يمكن أن يكون بنفسه مملوكا و يحل محلّ المبيع في الملكيّة‌

و أمّا الثاني و هو جعل نفس الحقّ ثمنا بعد فرض كونه قابلا للنّقل إلى الغير كحقّ التّحجير فلما عرفت أنّ في باب البيع يعتبر أن يكون كلّ من الثمن و المثمن داخلا في ملك مالك الآخر و لا شبهة أنّ الحق لا يكون قابلا لذلك فإنه مباين مع الملك سنخا و إن كان من أنحاء السلطنة بالمعنى الأعم و من المراتب الضّعيفة للملك و لكن كونه كذلك غير كاف لوقوعه عوضا لأنه لا بد من حلول الثّمن محل المثمن في الملكيّة فلا بدّ أن يكون كلّ منهما من سنخ الآخر‌

خاتمة قد ظهر إجمالا أنّ الفقهاء عرّفوا البيع بتعاريف مختلفة

فمنهم من عرّفه بأنّه انتقال عين من شخص إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التّراضي و لا يخفى ما فيه فإنّ الانتقال أثر البيع و الشراء لا أنّه هو البيع و منهم من عرّفه بالإيجاب و القبول الدالّين على الانتقال و فيه أيضا أنّ البيع هو المنشأ باللّفظ لا أنّه نفس اللّفظ مع أنّ القبول الّذي هو من فعل المشتري ليس داخلا في حقيقة البيع الّذي هو من فعل البائع و عرّفه المحقق الثاني بنقل العين بالصّيغة المخصوصة‌

و أورد عليه المصنف (قدّس سرّه) أوّلا بأنّ النّقل ليس مرادفا للبيع و لذا لا يقع بلفظ نقلت و ثانيا أنّ المعاطاة عند المحقّق الثّاني بيع مع عدم اشتمالها على الصّيغة و ثالثا أنه لو كان معنى البيع هو نقل العين بالصّيغة لزم أن تكون الصّيغة منشأ أيضا بالصّيغة كما ينشأ النّقل بصيغة خاصّة لأنّ البيع من مقولة المعنى فلا بدّ أن ينشأ بلفظ يكون آلة لإنشائه فلو كان نفس الصيغة أيضا جزءا من مدلول البيع فلا محيص إلّا عن إنشائها باللّفظ و لو لم تكن الصّيغة جزءا من مدلول البيع بل كان البيع هو نفس النّقل الّذي ينشأ بصيغة خاصّة فالصّيغة الّتي تنشأ بها هذا القسم من النّقل ليس إلّا لفظ بعت فيلزم الدور لأنّه في مقام تعريف البيع جعل من أجزاء الحدّ لفظ بعت فكأنّه قال البيع هو نقل العين بلفظ بعت و لو قيل إنّ الصّيغة الّتي ينشأ بها هذا النّقل الخاص ليس خصوص بعت بل يمكن إنشاؤه بملّكت‌

فلا دور يجاب عنه بأنّه وجب الاقتصار على مجرّد التّمليك و النّقل و لكنّه لا يخفى عليك أنه بعد ما ظهر أن هذه التّعاريف تقريبيّة لا يرد عليه هذه الإشكالات مع أنّ الإشكال الأوّل و الثّالث لا يردان عليه‌

أمّا الأوّل فلأنّ النّقل و إن لم يكن مرادفا للبيع إلّا أنّه ليس مباينا له بل هو أعمّ من البيع لشموله النّقل المكانيّ دونه و عدم صحّة إنشاء البيع بلفظ نقلت لا يكشف عن تباين معناهما فإنّ عدم إمكان إنشاء المعنى الخاص باللّفظ العام إنّما هو لأنّ المعنى أمر بسيط و ليس له جنس و فصل حتّى يمكن إنشاء جنسه أولا ثم فصله‌

و بعبارة أخرى إنشاء الأمر البسيط لا يعقل تحقّقه تدريجا فلا يمكن إنشاء النّقل‌

45

الّذي هو بمنزلة الجنس ثم إنشاء ما هو المميّز بين البيع و غيره بل لا محيص عن إنشاء المعنى الخاص باللفظ الموضوع لهذا المعنى‌

ثم لا يخفى عليك ما في حاشية السيد (قدّس سرّه) في هذا المقام من توهم إمكان التّمليك بدون النّقل و لذا بنى على مغايرتهما و بالجملة حقيقة البيع هو الأمر الاعتباري و تبديل المالين في أحد طرفي الإضافتين‌

و أمّا الثالث فليس مقصود المحقّق إلّا بيان امتياز هذا النّقل عن النّقل المكاني و أن البيع ليس مجرّد تبديل المالين في المكان بل التبديل في عالم الاعتبار الّذي يتوقّف على إنشاء من بيده هذا الأمر الاعتباري و ليس مقصوده أنّ النقل بالصيغة داخل في مفهوم البيع حتّى يتوقف الصيغة على الإنشاء أيضا و إلّا لورد هذا الإشكال على المصنف أيضا فإنّه في مقام التّعريف قال إنه إنشاء تمليك عين بمال فيرد عليه أنّ الإنشاء أيضا يتوقّف حصوله على الإنشاء و أمّا ما أفاده من أنّه لو كان مراده أنّ البيع نفس النّقل الّذي هو مدلول الصّيغة فجعله مدلول الصّيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النّقل لا أنّه مأخوذ في مفهومه فيرد عليه إشكال الدّور فمندفع أوّلا بأنّه ليس في مقام التعريف الحقيقي و ثانيا المراد من الصّيغة هو لفظ بعت فكأنّه قال البيع هو النّقل بلفظ بعت و لا يلزم العلم بمعنى بعت كما لا يخفى‌

و كيف كان فتعريف المصنف (قدّس سرّه) بأنّه إنشاء تمليك عين بمال يرد عليه ما أورده على المحقّق الثّاني من أنّ الإنشاء مستدرك و لو كان غرضه التعريف بما يشمل البيع الفاسد أي تعريفه بأنّه التّمليك الإنشائي سواء تحقّق التّمليك أم لا ففيه ما عرفت من أنّ المقصود لو كان التعريف بالحدّ فلا وجه للتعريف بما لا يدخل في حقيقة المعرف ثم إنّه ظهر ممّا تقدم أن حقيقة الصّلح و الهبة المعوضة غير حقيقة البيع و ليس المنشأ بهما تمليك العين بالمال نعم شبهة شمول هذا التّعريف للقرض متطرّقة و لكن دفعها واضح فإنّ القرض و إن كان مفيدا للتّمليك إلّا أنّ العوض فيه ليس عوض المسمّى بل العوض الواقعيّ فكأنه مركّب من تمليك و ضمان‌

و بالجملة الأولى في تعريف البيع أن يقال هو تمليك العين بالعوض في ظرف تملّك المشتري و أمّا تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال فيرد عليه أولا ما أورد على المحقّق الثاني من أنّ الإنشاء أيضا لا بدّ من إنشائه و ثانيا يقتضي كون البيع إيقاعا و غير متوقّف على القبول و ثالثا يلزم أنّه لو أقرّ ببيع داره ثم قال قصدت الإيجاب وحده أن يسمع قوله‌

[الكلام في المعاطاة]

قوله (قدّس سرّه) الكلام في المعاطاة إلى آخره

لا يخفى أنّه بعد الفراغ عن صحّة إنشاء عناوين العقود بالقول وقع البحث في صحّة إنشائها بالفعل و حيث إنّ محلّ الأقوال و تنقيح البحث عنها يتوقّف على بيان ما يتصوّر من قصد كلّ واحد من المتعاطيين على طبق ما قصده الآخر فقدمه المصنف عليها و نحن نتبعه على ما رتبه فنقول ينحصر قصدهما كذلك في وجهين أحدهما أن يقصد كل منهما إباحة التصرف للآخر و ثانيهما أن يتعاطيا على وجه التّمليك‌

و أمّا وقوع الدفع من غير قصد التّمليك و لا الإباحة و لا سائر العناوين الخاصّة فغير متصوّر لأنّ الإعطاء أو الأخذ من دون قصد عنوان من العناوين لا يتصوّر إلّا من العابث و اللّاعب كما أنّ قصد التّمليك المطلق مع العوض المسمّى ليس إلّا قصد البيع لما عرفت أنّ البيع عبارة عن تبديل العين بالعوض‌

و أمّا الأقوال فعمدتها أربعة فإنّ القول بأنّ الفعل حكمه حكم المقبوض بالعقد الفاسد لا يترتب عليه الملكيّة و لا الإباحة إلّا إذا أباح التصرف من دون ابتناء على الفعل فشاذ الأوّل إفادته الملك اللّازم الثّاني إفادته‌

46

الملك الجائز الثّالث إفادته الإباحة المطلقة الرّابع إفادته إباحة التصرّفات الغير المتوقّفة على الملك‌

ثم إنّه وقع البحث في أنّ مورد هذه الأقوال هو ما إذا قصدا بالفعل التّمليك أو ما إذا قصدا به الإباحة أو بعضها مبنيّ على الأوّل و بعضها مبني على الثاني ينسب إلى المشهور إفادة التّعاطي الإباحة و لو قصدا به التمليك و حيث إنّ هذا المعنى مناف ظاهرا لما هو المسلّم عندهم من أنّ العقود تابعة للقصود و أنّ ما لم يقصد لا يقع حمل المحقّق الثّاني الإباحة في كلامهم على الملك الجائز فقال مقصودهم من أنّه لو قصد التّمليك يفيد الإباحة أنّه يفيد الملك الجائز‌

و حمل صاحب الجواهر مورد كلامهم في إفادته الإباحة على ما إذا قصد الإباحة و تعجّب ممّن جعل محل الكلام ما إذا قصد التّمليك و لا يخفى بعد هذين التّوجهين أمّا الأوّل فلأن حمل الإباحة على الملك الجائز خلاف الظاهر مع أنّه لا يقبل هذا الحمل جملة من عبارات الأساطين كعبارة الخلاف و نحوها فإن نفي البيعيّة و إثبات الإباحة لا يلائم القول بأنّ المقصود من الإباحة هو الملك الجائز و أمّا الثاني فأبعد وجها من الأوّل أمّا أوّلا فلأنّه لا يمكن أن يكون مورد قصد الإباحة محلا للنزاع في إفادته الإباحة أم لا بل إفادة الإباحة في صورة قصدها من الأمور الواضحة و أمّا ثانيا فلأنّ بعض عباراتهم صريح في أنّه إذا قصدا التّمليك يتحقق الإباحة كعبارة الغنية و السّرائر‌

و على هذا فتوجيه السيد (قدّس سرّه) في حاشيته على المتن عبارة الجواهر من أنّه (قدّس سرّه) لا ينكر أن محلّ النّزاع هو مورد قصد التّمليك إلّا أنّه يقول إنّ مرادهم من قولهم إنّها تفيد الإباحة أنّها تفيدها في صورة قصدها فغير مفيد لأنّ ما هو محل النّزاع الّذي هو مورد قصد التمليك هو محلّ الأقوال الأربعة أو أزيد‌

و بالجملة استبعاد هذا المعنى و هو أنّه كيف يقع ما لم يقصد دعاهما إلى توجيه أحدهما الإباحة بالملك المتزلزل و توجيه ثانيهما إفادة التعاطي للإباحة بما إذا قصداها بل قال الثّاني أنّ القول بالإباحة الخالية عن الملك مع قصد الملك ممّا لا ينسب إلى أصاغر الطلبة فضلا عن أعاظم الأصحاب‌

و لكنّه لا يخفى أنّ الالتزام بإفادة التّعاطي الإباحة في صورة قصد التّمليك لا استبعاد فيه و توجيه ذلك بوجوه الأوّل ما يظهر من بعض من أنّ الشّارع رتّب تعبدا الإباحة على الفعل الذي أوجد بقصد التبديل في طرفي الإضافتين و هذا نظير ما يقال من أنّ الشارع رتب على النّكاح بقصد التمتع إذا نسيا ذكر الأجل النّكاح الدائمي الثّاني أن تحقّق التّمليك مشروط و بشرط متأخّر و هو تحقّق أحد الملزمات نظير توقّفه في بيع الصرف على القبض و إنّما يباح التصرف في باب المعاطاة و لم يجز في باب الصّرف للسيرة الّتي هي العمدة في الباب دون باب الصّرف و السّلم‌

و بعبارة أخرى هذا القائل يلتزم بحصول الملك من جهة قصد التّمليك و إيجاد ما هو مصداق للبيع غاية الأمر مشروطا بأمر متأخّر على نحو صحيح فيئول إلى البيع و يجوز التصرف قبل حصول الملك لتضمّن التّمليك الإباحة أيضا أو للسيرة‌

الثالث ما وجهه به شيخنا الأستاذ مد ظله على نحو لا ينافي تبعية العقود للقصود و توضيح ذلك يتوقّف على بيان أمور‌

الأوّل أنّ عناوين الأفعال تارة تكون عنوانا أوّليا لها كعنوان الضرب و القتل و القيام و القعود و أخرى تكون عنوانا ثانويّا توليديا كانت أو لم تكن كالاحتراق المترتّب على الإلقاء فإنّه مسبّب توليدي و التألّم المترتّب على الضرب و التّعظيم أو الإهانة‌

47

المترتّب على القيام و القعود و التّمليك و التملك المترتّبين على التّعاطي و نحو ذلك من العناوين الثّانوية المترتّبة على الأفعال كالرّجوع في الطّلاق الرجعي الحاصل بالوطي و كالإجازة في العقد الفضولي و الفسخ أو الرد في العقد الخياري الحاصل بالتصرّفات الفعليّة‌

ثم العنوان الثّانوي تارة يترتّب على الفعل قهرا و أخرى مع القصد و على كلا التّقديرين تارة يكون من الأمور الخارجيّة و أخرى من الأمور الاعتباريّة ثمّ لا يخفى أنّ العنوان الثّانوي القصدي سواء كان تأصّليا أو اعتباريّا لا يترتّب على الفعل إلّا إذا قصد هذا العنوان الثّانوي‌

و أمّا إذا كان قهريّا فلا يعتبر قصده بل نفس قصد الفعل كاف لصدور هذا العنوان عن قصد و اختيار من الفاعل فإن من قصد الضرب و لو لم يقصد الإيلام يترتّب عليه قهرا و يصدر عنه اختيارا بل عمدا و لو قصد خلافه و سيجي‌ء إن شاء اللّٰه في باب خيار الحيوان أنّ التصرّفات المالكيّة موجبة لتحقّق الإجازة و لو لم يقصد منها عنوان الإجازة و يشهد له قوله ع و ذلك رضى منه أي ذلك اختيار منه و تحقّق في محلّه أنّ وطي الزّوجة المطلّقة الرجعية يترتب عليه الرّجوع و إن قصد به الزّنا‌

الثاني أنّ العناوين المنشأة بالقول أو الفعل لا بدّ أن يكون القول أو الفعل فيها مصداقا لهذا العنوان بالحمل الشّائع الصّناعي بحيث يحمل هذا العنوان عليه كحمل الطّبيعيّ على مصاديقه فإذا لم يكن الفعل مصداقا لعنوان خاصّ فلا يكاد يتحقّق هذا العنوان و لو قصد تحقّقه منه فلو ضرب الرجعيّة بالعصا لا يتحقّق الرّجوع و لو قصد بضربها الرّجوع فقصد عنوان من الفعل الّذي لا يكون مصداقا لهذا العنوان لا محالة يكون من الدّواعي لإيجاد الفعل فإنّ فعل الفاعل لو لم يترتّب عليه هذا الدّاعي لا بلا واسطة و لا مع الواسطة فلا يمكنه قصده من الفعل بل لا محالة يكون الفعل من العلل الإعداديّة لهذا الدّاعي بل لو أخطأ الفاعل و تخيّل ترتّبه على الفعل فلا يكون الفعل أيضا مصداقا لهذا الّذي تخيّل ترتّبه عليه بل يكون داعيا لا محالة و بالجملة الدّواعي هي الّتي توجب إيجاد الأفعال الّتي يترتّب عليها عنوان آخر و يكون هذا العنوان علة إعداديّة لتحقّق الدّاعي كالسّقي و الحرث و الزّرع لحصول الحنطة و نحوها‌

الثّالث أنّ تخلّف الدّواعي و غايات الأفعال لا يضرّ بتحقّق عناوينها و لو قصد من إصدار الفعل هذه الغاية و لا يخرج الفعل عن كونه قصديّا و إراديا لأنّه إذا فرضنا أنّ عنوانا قصديّا قصد من الفعل لأجل غاية و لم يترتّب عليه هذه الغاية كما إذا اشترى شيئا لأجل الضّيف و لم يجئ الضّيف فهذا العنوان القصدي كالتملّك يحصل من الشّراء و هكذا العنوان الثّانوي القهريّ أيضا يترتّب على الفعل و لو لم يترتّب عليه غايته و ذلك واضح‌

إذا عرفت ذلك فيمكن أن يوجّه ما أفاده المشهور من أنّه و لو قصدا بالتّعاطي التّمليك لا يترتّب عليه إلّا الإباحة بأن الفعل حيث لم يكن بالحمل الشّائع الصناعي مصداقا للبيع فقصده و إيجاد ما هو غير مصداقه لا يفيد الملك و ذلك لأنّ البيع على ما عرفت هو التّبديل و حيث إن التّبديل ليس تبديلا خارجيّا بل تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله و هذا أمر اعتباري من سنخ المعاني و ما هو موجده و آلة إيجاده هو القول فقط فإنّ الفعل الماضي مثلا هو آلة لإنشاء ما جعل مادّة لهيئته و الفعل ليس مصداقا لهذا العنوان بالحمل الشائع الصّناعي فقصد عنوان التّمليك و إيجاد ما ليس مصداقا له لا أثر له و أمّا ترتّب الإباحة عليه مع عدم قصدها فلما عرفت من أنّه‌

48

إذا كان عنوان ثانوي مترتّبا على الفعل قهرا فقصد العنوان الثّانوي غير لازم بل قصد خلافه أيضا لا يضرّ‌

و لا إشكال أنّ الإباحة المالكيّة ليست إلّا التّسليط الخارجي و إدخال العين من مالكها تحت استيلاء الغير و الفعل هو بنفسه مصداق للتّسليط الخارجي فقصد التّمليك منه لا يخرجه عن التّسليط الخارجي فلا يقال إن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد لأن عدم وقوع ما قصد إنّما يضرّ إذا لم يكن ما قصد من دواعي الفعل و وقوع ما لم يقصد إنّما لا يصحّ إذا كان الواقع من العناوين القصدية و أمّا إذا كان من العناوين القهريّة فنفس قصد الفعل كاف لوقوع العنوان الثّانوي القهريّ هذا غاية ما يوجّه به كلام المشهور‌

و لكن لا يخفى ما فيه أما أوّلا فلأنه يلزم على هذا أن يكون المقبوض بالعقد الفاسد أيضا مفيدا للإباحة لا سيّما إذا كان المعطي عالما بالفساد فإنّ بين المقبوض بالعقد الفاسد و المقام و إن كان فرق إذ القبض هناك لا ينشأ به الإباحة بل يقع مبنيا على العقد و وفاء به و أمّا القبض في المقام فينشأ به التّسليط و يقع نفس الفعل مصداقا للتسليط المالكي و لكن هذا الفرق غير فارق لأنّ قصد الوفاء في ذلك الباب كقصد التّمليك في المقام فإذا كان قصد التّمليك لغوا لكونه من الدّواعي فكذلك قصد الوفاء فإذا كان نفس الفعل مصداقا للتّسليط و كان نفس قصده الفعل كافيا لتحقّق عنوان الإباحة فلا بدّ أن يكون كافيا في باب المقبوض بالعقد الفاسد مع أنّه ادّعي الإجماع على أن المقبوض بالعقد الفاسد حكمه حكم المغصوب في عدم جواز التصرّف فيه و أمّا ثانيا فلأن الفعل بنفسه لا يفيد التّسليط التمليكي و لا الإباحة و لذا قلنا إنّ المتعاطيين لو لم يقصدا عنوانا من العناوين يقع الفعل لغوا فإفادته النّقل و الإباحة و نحوهما إنّما هو بالقصد فالفعل بمنزلة المادة المشتركة قابلة لقصد أحد العناوين به و ما قلنا من أنّ الفعل لا بدّ أن يكون بالحمل الشّائعي مصداقا لعنوان ينشأ به لا ينافي أن يكون الفعل مع القصد مصداقا لذلك العنوان‌

و بعبارة أخرى لم نقل أنّ الفعل المجرّد عن القصد لا بدّ أن يكون مصداقا لعنوان ما ينشأ فإذا كان مصداقيّته لعنوان بقصد ذلك العنوان فكلّ عنوان كان الفعل مع قصد هذا العنوان مصداقا له ينشأ به إلّا إذا كان هذا العنوان من العناوين الّتي لا يمكن أن ينشأ بالفعل كالصّلح و النّكاح مثلا فإنّ الصّلح الّذي هو التّسالم على أمر لا يكون الفعل مصداقا له و لا يمكن أن يكون ممّا ينشأ به و هكذا النّكاح فإنّ الفعل سفاح و مصداق لضدّ النّكاح‌

و بالجملة دعوى أنّ الفعل مصداق للتّسليط المالكيّ المفيد للإباحة دون التّمليك لا تبتني على أساس بل الفعل المشترك بين هذين العنوانين و القرض و العارية و نحو ذلك و يتميّز كل عن غيره بالقصد فإذا قصد به التّمليك يتحقّق به الملكيّة نعم التّمليك الحاصل به ليس لازما كما سيظهر وجهه و لكن هذا غير عدم إفادته التمليك فقياس التّمليك بالصّلح و النّكاح مع الفارق هذا مع أنّه لو قلنا بأن الفعل مع قصد التّمليك أيضا ليس مصداقا لعنوان البيع فإن الفعل ليس من سنخ الألفاظ الّتي ينشأ بها المعاني بل هو مصداق للتّسليط المالكي ليس إلّا إلّا أنّه لا شبهة أنّ تسليط المالك على جميع أنحاء التصرفات المتوقّفة على الملك لازم مساو للبيع و سيجي‌ء إن شاء اللّٰه أن عناوين العقود و الإيقاعات يصحّ إنشاؤها بما يكون لازما مساويا لها و لا يقاس باب اللّازم المساوي بباب الكنايات و المجازات‌

49

و الأجناس و الفصول‌

إن قلت فعلى هذا يصحّ إنشاء البيع بلفظ سلّطتك على جميع أنحاء التصرّفات قلت الفرق بين الفعل و لفظ سلّطتك أنّه قامت السيرة على الفعل و لم تقم على هذا اللّفظ و مجرّد اشتراكهما في المنشأ ما لم يقم دليل على صحّته لا يفيد فتأمل جيّدا و ثالثا إفادة الفعل الإباحة إنّما يستقيم لو كان المقصود منها الإباحة بالعوض الواقعي فإنّ التّسليط لو لم يقصد به المجانيّة لا يقتضي إلّا ضمان المتسلّط بالمثل أو القيمة و أمّا ضمانه بالمسمّى فهذا خلاف ما يقتضيه الإباحة لأن الضّمان بالمسمّى من آثار التّمليك فتأمل و رابعا المشهور القائلون بالإباحة في مورد قصد التّمليك لا يفرقون بين إباحة التصرفات الغير المتوقفة على الملك و المتوقفة عليه مع أن اقتضاء الإباحة جواز التصرفات المالكيّة متوقّف على دليل و لذا استبعد الشّيخ الكبير هذا المعنى‌

و كيف كان القول بأن قصد التّمليك من الدّواعي و الإباحة من العناوين القهريّة لا يرجع إلى محصّل فالأقوى أن يقال إنّ التّعاطي بقصد التّمليك يفيد الملك الجائز و لكن لا من جهة حمل الإباحة في كلام المشهور على ذلك بل لأنّ هذا مقتضى القواعد الشرعيّة و الأدلّة المأثورة أمّا إفادته الجواز فلما سيجي‌ء توضيحه و إجماله أن اقتضاءه الجواز من جهة عدم تحقّق موجب اللزوم فإنّ موجبه إمّا الحكم الشّرعيّ التعبدي كما في النّكاح و الضّمان و إمّا من جهة التزام المتعاقدين به مع الإمضاء الشّرعي كما في البيع العقدي و المعاطاة فاقدة لكلّ منهما‌

و الحاصل أنّ الجواز على أقسام ثلاثة أحدها الجواز الحكمي كالجواز في الهبة مقابل اللزوم في النّكاح ثانيها الجواز الحقي كالعقد الخياري سواء كان الخيار بجعل شرعيّ كخيار المجلس و نحوه أو بجعل من المتعاقدين كخيار الشّرط فإنّ الجواز على كلا التّقديرين حقّ مالكيّ في مقابل اللّزوم العقدي بمعنى أنّ الالتزام العقدي يملكه أحدهما أو كلاهما على ما سيجي‌ء في مبحث الخيار و يظهر في محلّه أنّ حقيقة الخيار هو ملك كلا الالتزامين‌

و ثالثها الجواز لعدم تحقّق منشأ اللّزوم كما في المعاطاة فإنّ الفعل بقصد تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله لا يقتضي إلّا نفس هذا التبديل و لا يدلّ إلّا على التزام كل من المتعاقدين بما التزما به فلا التزام فيه فلا موجب للزوم و هذا بخلاف القول فإنّ قوله بعت ينشأ به معنيان أحدهما بالمطابقة و هو تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله الّذي يحصل بالفعل أيضا و ثانيهما بالالتزام و هو التزام كلّ من المتعاقدين بما أوجداه من التبديل و من هذه الجهة يسمّى التّبديل القولي عقدا و عهدا مؤكّدا و هذا المعنى لا يمكن أن يتحقّق بالفعل الّذي يحصل به التبديل لأنه ليس للفعل دلالة الالتزام‌

نعم قد يوجد هذا المعنى بفعل آخر كالمصافقة كما هو المتعارف بين الدّلالين أو بين المالك و المشتري و أمّا إفادته الملكيّة فلأنّ تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله كما يتحقق بالقول كذلك يتحقّق بالفعل غاية الأمر يتوقّف تحقّقه به على قصد التّمليك منه و الدّليل عليه صدق البيع عليه عرفا فيدلّ على صحّته جميع الأدلة الدالّة على صحّة البيع بالقول عدا قوله عزّ من قائل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لاختصاصه بما يتضمن العهد المؤكّد و ما يكون فيه عقدة و شدّ بل لو نوقش في صدق البيع عليه فيكفي في إفادته التّمليك قوله عزّ من قائل إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ

و منع كونه تجارة مكابرة محضة فإن التّجارة عبارة عن التكسّب و يكفي أيضا السيرة القطعيّة من زماننا هذا إلى زمان الخاتم بل إلى هبوط آدم على نبيّنا و آله و (عليه السّلام) فإنّ الناس يعاملون في المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك‌

و لكنّه لا يخفى أنّه لو نوقش في صدق البيع عليه فالسيرة و آية التجارة لا تفيدان لإثبات المدّعى‌

50

لأنّه بناء على جواز التصرّفات المتوقّفة على الملك على الإباحة أيضا فغاية ما تفيده السيرة و آية التّجارة هو جواز التصرفات المالكية و هو لازم أعمّ إلا أن يقال إنّ السيرة قائمة على إفادته الملك أو أنّه لا معنى للإباحة بالعوض المسمّى كما أشرنا إليه و سيجي‌ء وجهه‌

و كيف كان منع صدق البيع عليه مكابرة واضحة و دعوى الإجماع في كلام بعضهم على عدم كونه بيعا فمؤوّل على البيع اللّازم لا على أصل البيع فإذا صدق عليه البيع يكفي لصحّته قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فإنّ المستثنى المنقطع يفيد عموم نفوذ كل تجارة عن تراض لخروجها عن أكل المال بالباطل و قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ بناء على تعلق الحليّة بالحاصل من المصدر ظاهر في الحليّة الوضعيّة كسائر الأحكام المتعلّقة بالموضوعات الخارجيّة‌

و لكنّ المصنف (قدّس سرّه) متأمّل في ذلك و وجه تأمّله مقابلة الحليّة في الآية مع الحرمة الظّاهرة في الحكم التّكليفي فإنّ حرمة الربا يراد منها ما يستحقّ على مخالفتها العقاب لا الفساد و لكنّه يمكن أن يجاب عنه بأنّ الربا هنا بمعنى الزيادة و هي المال المأخوذ زائدا على أحد العوضين فالحرمة فيها أيضا وضعيّة‌

و بالجملة فالحقّ في المقام أن يقال إنّ الفعل الواقع من المتعاطيين بقصد التّمليك و التملّك مصداق للجدة الاعتباريّة و يتحقّق به تبديل أحد طرفي الإضافة بمثله كما يتحقّق به الجدة الاصطلاحيّة و يكشف عنه السيرة المستمرّة بين أهل الشّرائع في إنشاء التّمليك و التملّك به و تصرّف المتعاطيين فيما انتقل إليهما حتى ما يتوقّف على الملك فمنع صدق البيع عليه لا وجه له أصلا فإذا صدق عليه البيع يكون من أفراد التّجارة عن تراض و من مصاديق قوله عز من قائل وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ من غير فرق بين أن يجعل الاستثناء في الآية الأولى من الاستثناء المنقطع أو من المتّصل بأن يكون الاستثناء راجعا إلى مطلق الأكل و يكون معنى الآية لا تتصرفوا في أموالكم بنحو من الأنحاء فإنّه باطل إلّا التّجارة عن تراض لأنّه على أي حال يدلّ على نفوذ التّجارة عن تراض و أنّها ممّا يجوز و من غير فرق في الآية الثانية بين أن يراد من الحليّة الحليّة الوضعيّة أو التّكليفيّة‌

أمّا على الأوّل فواضح فإنّ تعلّق الحلّ و الحرمة بالأعيان الخارجيّة بلحاظ تعلّق فعل المكلّف بها ظاهر في صحّتها و نفوذها بالمطابقة و أمّا على الثّاني فلأن متعلّق الحلّ هو المسبّب أي نفس التّمليك و التملّك فإذا كان التمليك حلالا فمعناه أنه يتحقّق كما لو قيل إن بيع المصحف من الكافر حرام فإن معناه أنه لا يقع لأنّ معنى حليّة التملّك و حرمته أن إيجاد المسبب بيد موجده أو ليس بيده فعلى هذا يرد على المصنف (قدّس سرّه)

أوّلا بأنه لا وجه للتأمّل في كون الحل في الآية ظاهرا في الحلية الوضعيّة و ثانيا أن الحليّة التّكليفيّة أيضا تفيد الصّحة و تحقّق البيع لأنّه لا وجه لأن يجعل متعلّق الحليّة التصرفات التي هي من آثار تحقّق البيع بل نفس المسبّب الّذي هو عنوان ثانوي لفعل المكلّف أو أمر توليدي منه متعلّق الحلّ‌

فلا يرد على الآيتين ما أفاده (قدّس سرّه) في قوله اللّٰهمّ إلّا أن يقال إنّهما لا تدلان على الملك و إنما تدلّان على إباحة جميع التصرّفات حتى المتوقّفة على الملك و ثالثا أنّ إباحة التصرّفات فإذا اقتضت الملك في سائر المقامات يقتضيه في المقام أيضا و ما أفاده من أنّ الاقتضاء في سائر المقامات بالإجماع و هو مفقود في المقام ففيه أن اقتضاءها له في سائر المقامات أيضا يوجب الاقتضاء بالمقدار اللّازم و هو الملكيّة آنا ما لا من أوّل الأمر‌

و بالجملة لو قلنا إنّ الآيتين لا تدلّان إلّا على جواز مطلق التصرّفات حتّى المتوقفة على الملك فالالتزام بأنّ في البيع بالصّيغة يستلزم جواز مطلق التصرّف الملك من أوّل الأمر‌