هدى الطالب في شرح المكاسب‌ - ج4

- السيد محمد جعفر المروج الجزائري المزيد...
669 /
5

الجزء الرابع

[تتمة كتاب البيع]

[شرائط المتعاقدين]

الكلام في شروط المتعاقدين (1)

____________

شرائط المتعاقدين

(1) و هي أمور، و المذكور منها في الكتاب البلوغ و القصد و الاختيار و ملك أمر البيع إمّا بملك العوضين- مع انتفاء الحجر- و إمّا بولاية التصرّف. و لا بأس بالإشارة إلى بعض الأمور قبل الشروع في توضيح العبارة.

الأمر الأوّل: أنّ شرائط البيع على قسمين:

أحدهما: ما يكون دخيلا في البيع عرفا، كمالية العوضين، و القصد إلى إنشائه.

و الآخر: ما يكون دخيلا فيه شرعا، من دون دخل له في البيع العرفي، كاعتبار البلوغ في المتعاقدين، فإنّه قيد زائد على ما اعتبره العرف في البيع، فاشتراطه فيه منوط بقيام دليل شرعي عليه. فإن نهض دليل عليه فهو المتّبع، و إلّا فإطلاق دليل إمضاء المعاملة واف بإثبات نفوذ معاملات الصبي المميّز المتمشّي منه قصد العنوان المعاملي، و لا يبقى مجال للتمسك بأصالة الفساد.

الأمر الثاني: أنّ الظاهر من الروايات كون البلوغ شرطا، لا كون الصبا مانعا.

و تظهر الثمرة في الشك في بلوغ العاقد. فعلى الأوّل يحكم بفساد العقد، لكونه مقتضى استصحاب عدم البلوغ، فيبطل الإنشاء. و على الثاني يصح، لاندفاع المانع بالأصل.

ثمّ إنّ ظاهر تعبير الفقهاء ب‍ «شروط المتعاقدين» دخل الأمور المذكورة بنحو‌

6

..........

____________

الشرط الذي يتمّ به تأثير العقد، لا كون أضدادها موانع الصحة، فمثل البلوغ و الاختيار متمّم تأثير الإنشاء في النقل و الانتقال، لا كون الصبا و الإكراه مانعين عن نفوذه. و يشهد له تعبيرهم «باشتراط الكمال بالبلوغ و العقل» و تفريعهم بطلان عقد الصبي عليه، من جهة فقد الشرط.

نعم تعبير المصنف (قدّس سرّه) ب‍ «بطلان عقد الصبي» قد يوهم مانعية الصبا عن الصحة.

لكن يندفع بأنّه متفرّع على اشتراط الكمال كما سيأتي في كلام الشهيد (قدّس سرّه).

مضافا إلى تداول إطلاق الشرط على الأمر الوجودي و عدم المانع، و الأمر سهل.

الأمر الثالث: أنّ الشرائط المذكورة معتبرة في البيع، سواء أنشئ بالقول أم بالفعل، بناء على ما تقرّر في باب المعاطاة من المكابرة في منع صدق البيع العرفي- الموجب للملك- عليها. و كذا الحال لو قيل بعدم الملك، و أنّها تفيد الإباحة تعبدا، و ذلك لما تقرّر في أوّل تنبيهات المعاطاة من أن المتيقن من المعاملة الفعليّة هي الجامعة لشرائط البيع القولي.

إذا عرفت ما ذكرناه من الأمور فلنشرع في توضيح المتن.

7

[الشرط الأوّل: البلوغ]

مسألة المشهور- كما عن (1) الدروس و الكفاية- بطلان عقد الصبي،

____________

الشرط الأوّل: البلوغ

(1) الحاكي هو السيّد المجاهد (قدّس سرّه) (1). و نسبة الشهرة إلى الفاضل السبزواري (قدّس سرّه) و إن كانت في محلها، إلّا أنّ نسبتها إلى الشهيد مسامحة، لقوله في الدروس: «و نعني بكمال المتعاقدين بلوغهما و عقلهما. فعقد الصبي باطل و إن أذن له الولي، أو أجازه، أو بلغ عشرا، على الأشهر» و تعبيره بالأشهر لتعدد الأقوال في المسألة كما يظهر بمراجعة مفتاح الكرامة (2)، و قد أنهاها الفقيه المامقاني (قدّس سرّه) (3) إلى سبعة أقوال، و يتجه التعبير بالأشهر بالنسبة إلى القول الثامن- و هو البطلان مطلقا- سواء أذن له الولي قبل العقد أم لا، و سواء أجاز عقده بعده أم لا، و سواء بلغ عشر سنين أم لا، و سواء أ كان مميّزا أم لا.

و هذا بخلاف ما لو عبّر الشهيد بالمشهور، فإنّه موهم بل ظاهر في ندرة القول بالصحة و شذوذه، مع أنّه ليس كذلك، كما سيظهر في مطاوي الأبحاث الآتية‌

____________

(1) المناهل، ص 286، الدروس الشرعية، ج 3، ص 192، كفاية الأحكام، ص 89.

(2) مفتاح الكرامة، ج 4، ص 170.

(3) غاية الآمال، ص 321 و 322.

8

[الوجوه المستدل بها على اعتبار البلوغ]

[أ: الإجماع]

بل (1) عن الغنية الإجماع عليه و إن (2) أجاز الولي.

و في كنز العرفان «نسبة عدم صحة عقد الصبي إلى أصحابنا» (3).

____________

إن شاء اللّه تعالى، لوجود المفصّل تارة بين عقد المميّز و غيره، و اخرى بين إذن الولي له و استقلاله فانتظر.

و كيف كان فغرض المصنف (قدّس سرّه) من حكاية الشهرة عن الدروس و الكفاية توهين القول بصحة معاملة الصبي، و ذلك لمخالفته للشهرة الفتوائية على البطلان.

و قد استدلّ على فساد عقده بالإجماع المتضافر نقله و بالنصوص، و سيأتي بيانها إن شاء اللّه تعالى.

الوجوه المستدل بها على اعتبار البلوغ أ: الإجماع

(1) غرضه الترقي عن مجرد اشتهار الفتوى بالبطلان إلى كون الحكم مجمعا عليه. قال السيد أبو المكارم (قدّس سرّه): «و يخرج عن ذلك أيضا- يعني كخروج بيع العبد الجاني عن دليل حلّ البيع- بيع من ليس بكامل العقل، و شراؤه، فإنّه لا ينعقد و إن أجازه الولي، بدليل ما قدّمناه من الإجماع، و نفي الدليل الشرعي على انعقاده.

و يحتج على المخالف بما رووه من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ..» (1).

(2) وصلية، و غرض السيّد (قدّس سرّه) تعميم البطلان لصورة إذن الوليّ له في البيع و الشراء، و أمّا بطلانه في صورة عدم الإذن فكأنّه من الواضحات.

(3) قال الفاضل المقداد (قدّس سرّه) في الأحكام المستفادة من آية وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ ما لفظه: «اختلف في معنى ابتلائهم، فقال أبو حنيفة: هو أن يدفع إليه ما يتصرف‌

____________

(1) غنية النزوع، ص 523، س 34، و الحاكي لكلامه هو السيّد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 4، ص 170.

9

و ظاهره (1) إرادة التعميم لصورة إذن الولي (2).

و عن التذكرة: «أنّ الصغير محجور عليه بالنصّ و الإجماع، سواء كان مميّزا أو لا، في جميع التصرّفات، إلّا ما استثني، كعباداته (3)

____________

فيه. و قال أصحابنا و الشافعي و مالك: هو تتبّع أحواله في ضبط أمواله، و حسن تصرفه، بأن يكل إليه مقدمات البيع، لكن العقد لو وقع منه كان باطلا، و يلزم على قول أبي حنيفة أن يكون العقد صحيحا» (1).

و الشاهد في نسبة بطلان عقد الصبي المميّز إلى أصحابنا.

(1) منشؤه إطلاق محجورية الصبي عن التصرف، بلا فرق بين استقلاله فيه و بين إذن الولي له.

(2) يعني: فيكون الصبي مسلوب العبارة كالبهائم، فلا عبرة بعبارته و إن اقترنت بإذن الولي أو إجازته. ففي المسألة أقوال، أهمّها اثنان:

أحدهما: اعتبار البلوغ في المتعاقدين، و عدم العبرة بعبارة الصبي و إن كانت مع إذن الولي أو إجازته. و هذا هو المشهور بين الأصحاب، بل المدّعى عليه الإجماع.

ثانيهما: اعتباره في نفوذ عقده من دون حاجة إلى مراجعة الولي.

و بعبارة أخرى: ما يثبت في البالغ- من استقلاله في أموره من عقوده و إيقاعاته- ينفى في الصبي، فليس الصبي مستقلّا في تصرفاته بحيث تنفذ عقوده و إيقاعاته بلا مراجعة الولي. فلا مانع من شمول إطلاق الأدلة الإمضائية لعقد الصبي مع إذن وليّه.

(3) لما ثبت في محلّه من شرعية عباداته، و إن كان محلّ الخلاف، و ظاهر كلام العلّامة التسالم على استثناء عبادات الصبي من أفعاله التي هو محجور عليها. و لكنه غير ظاهر.

____________

(1) كنز العرفان، ج 2، ص 102.

10

و إسلامه (1) و إحرامه و تدبيره و وصيّته و إيصال الهدية و إذنه في الدخول على خلاف في ذلك (2)» (1) انتهى.

و استثناء إيصال الهدية (3) و إذنه الهدية و اذنه في دخول الدار يكشف

____________

ثم إنّ الظاهر أنّ مورد البحث هو الصبي المميز الذي له قصد و إرادة. و أمّا غير المميّز الذي لا يميّز الصلاح عن الفساد و لا قصد له ففعله كعدمه، و لا يصلح أن يكون موردا للبحث و النزاع، لفقدان القصد المقوّم للأفعال القصدية الّتي منها البيع.

و من المعلوم أنّ الفعل الصادر بعنوانه المتقوّم بالقصد إذا صدر عن الصبي ينبغي أن يقع فيه البحث، و أنّه هل يكون موضوعا للآثار؟ أم لا بد في ترتيب الأثر عليه من صدوره عن البالغ، و أنّ الصادر عن الصبي ليس موضوعا للأثر. فدعوى «الإجماع على كون فعل الصبي كالعدم سواء أ كان مميزا أم لا» غير مسموعة، إذ لا مقتضي لصحة فعل غير المميّز، لعدم القصد إليه.

و بالجملة: فلا بدّ من جعل مورد البحث خصوص الصبي المميز القاصد للفعل، لتوقف العناوين القصدية على القصد.

(1) المراد بنفوذ إسلام الصبي هو خروجه به عن تبعية أبويه الكافرين، و هذا المورد منصوص، كصحة إحرامه و تدبيره و وصيته، و سيأتي في التعليقة التعرّض لها إن شاء اللّه تعالى.

(2) أي: في اعتبار إذن الصبي في الدخول، فقد يقال بجواز الدخول في الدار بمجرد إذن الصبي، و قد يقال بمنعه.

(3) غرض المصنف (قدّس سرّه) من هذه العبارة تقريب دلالة كلام العلّامة على ما نحن فيه، و هو حجر الصبي عن العقد و الإيقاع و عدم العبرة بإنشائه، و توضيحه: أنّه قد يتخيّل أجنبية عبارة التذكرة عن المقام، لظهور قوله: «الصغير محجور عليه في‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 73، س 25، و الحاكي عنه هو السيّد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 4، ص 170.

11

..........

____________

جميع التصرفات» في اختصاص الحجر بتصرّفه في ماله كبيعه و شرائه و صلحه و هبته و إجارته و نحوها من التصرف الاعتباري في أمواله الشخصية. و أمّا إذا لم يتصرّف الصبي في مال نفسه بل توكّل عن الغير في مجرّد الإنشاء فقد يشكل استظهار بطلانه من قول العلّامة: «جميع التصرفات» لعدم كون إجراء العقد و الإيقاع- بالوكالة عن الغير- تصرفا في مال الصبي حتى يكون محجورا عنه. و من المعلوم أخصيّة المنع- من التصرف في مال نفسه- من المدّعى، و هو عدم العبرة بأفعاله و أقواله مطلقا سواء تعلقت بماله أم بمال وليّه بإذنه، أم بمال الغير وكالة.

و قد زيّف المصنف (قدّس سرّه) هذا الوهم، لدلالة فحوى كلام العلامة على أنّ المراد من التصرف مطلق أقواله و أفعاله، و ذلك لأمرين مسلّمين:

أحدهما: أصالة الاتصال في الاستثناء، و عدم حمله على الانقطاع إلّا بقرينة.

ثانيهما: أولوية حجر الصبي عن تصرفه- الموضوع لحكم شرعيّ- من حجره عن تصرفه الذي لا يترتب عليه الأثر.

و توضيحه: أنّ العلّامة استثنى- من عموم حكمه بحجر الصغير عن التصرف- أمورا، منها: ما يترتب عليه الأثر كإسلامه و إحرامه و عتقه و نحوها ممّا حكم الشارع عليه بالصحة و النفوذ.

و منها: ما ليس موضوعا لحكم كإيصال الهدية و الإذن في الدخول. و الوجه في عدم موضوعيّتهما لحكم هو أنّ جواز تصرف المهدي إليه منوط بوصول الهدية إليه عن إذن المالك، و لا دخل لإيصال الصبي فيه أصلا، و إنّما هو آلة، كما لو حملها المهدي على حيوان أو أرسلها بالبريد.

و كذلك الحال في جواز الدخول في دار الغير، فإنّه مترتّب على إحراز رضا المالك، سواء أ كان الكاشف عنه إذن الصغير أم البالغ، فالعبرة بالمكشوف و هو الرضا المالكي، لا بالكاشف، فلو لم يحرز رضاه بإذن الكبير لم يجز للأجنبي الدخول.

12

بفحواه عن شمول المستثنى منه (1) لمطلق (2) أفعاله، لأنّ (3) الإيصال و الإذن ليسا من التصرفات (4) القولية و الفعلية. و إنّما الأوّل (5) آلة في إيصال الملك، كما لو حملها على حيوان و أرسلها (6).

____________

و على هذا فحيث إنّ العلّامة (قدّس سرّه) استثنى من موارد الحجر هذين الموردين اللّذين لا يترتب عليهما أثر شرعي كان مقتضى اتصال الاستثناء دخولهما في المستثنى منه- أعني به جميع التصرفات- لو لا الاستثناء. و لمّا كان المستثنى منه شاملا لهما اقتضت الأولوية القطعيّة اندراج فعل الصبي و قوله- الموضوعين للأثر الشرعي- فيه، كما إذا صار الصغير المميّز وكيلا عن غيره في إنشاء عقد أو إيقاع، فإنّ مقتضى عموم قوله: «جميع التصرفات» حجر الصبي عنه و عدم العبرة بعبارته، و لا يختص المنع بالتصرف في مال نفسه حتى يكون معقد الإجماع مختصا بتصرف الصبي في أمواله، كي يصير الدليل أخصّ من المدّعى، و هو عموم حجر الصبي و إلغاء إنشائه مطلقا سواء تعلق بماله أم بمال الغير.

(1) المراد بالمستثنى منه قول العلّامة: «جميع التصرّفات» و الوجه في الفحوى ما عرفته من أن إيصال الهدية ممّا ليس موضوعا لحكم شرعي لو توقّف تمشّيه من الصبي على الاستثناء كشف ذلك بالأولوية عن توقف الفعل و القول الموضوعين للحكم على الاستثناء.

(2) متعلق ب‍ «شمول».

(3) هذا تقريب الفحوى، و قد عرفته.

(4) المراد من التصرف هنا معناه الأخص، و هو القول و الفعل الموضوعان للأثر، كالإسلام و الإحرام و التدبير و الوصية، فإنّها موضوعات لأحكام. بخلاف إيصال الهدية.

(5) لو قال: «و إنّما الصبي في الأوّل آلة .. إلخ» كان أنسب، حتى يكون المراد بالأوّل مثال إيصال الهدية، و تتّجه آليّة الصغير فيه.

(6) أو أرسلها بالبريد أو بوسيلة أخرى، حيث إنّ المهمّ وصول الهدية عن إذن مالكها.

13

و الثاني (1) كاشف عن موضوع تعلّق عليه إباحة الدخول، و هو رضا المالك [1].

____________

(1) بالرفع معطوف على «الأوّل» و المراد بالثاني أذن الصغير في دخول الضيف في الدار، حيث إنّ العبرة بالمكشوف و هو إباحة الدخول من قبل المالك، لا إعلام الصبي و إذنه.

هذا كله في الدليل الأوّل على بطلان عقد الصبي، و هو الإجماع المنقول.

____________

[1] تعميم معقد الإجماع للصبي المميّز غير ظاهر. قال في الكفاية مفرّعا على ما ذكره بقوله: «يشترط أن يكون المتعاقدان عاقلين بالغين على المشهور» ما لفظه:

«فلا يصح بيع المجنون و لا الصبي، و كذا الشراء، و في المميّز إشكال».

و كذا يشكل شمول إجماع الغنية للصبي المميّز، لأنّ عبارتها المحكيّة هي هذه:

«لا ينفذ بيع من ليس بكامل العقل و شراؤه، فإنّه لا ينعقد و إن أجازه الولي، بدليل ما قدمناه من الإجماع، و نفي الدليل الشرعي». إذ الظاهر ممّن ليس بكامل العقل هو غير المميّز، لا مطلق الصبي، لأنّ من الواضح كون بعض أفراد غير البالغ كامل العقل بالوجدان، فلا يصدق عليه العنوان المزبور- و هو غير كامل العقل- فلا يشمل معقد الإجماع الصبي المميّز. و على تقدير الشمول لم يحرز كون الإجماع تعبديا، لاحتمال مدركيته، بأن يستند المجمعون إلى بعض الوجوه المحتج بها على مذهب المشهور.

و الحاصل: أنّه لا إجماع أوّلا، لكون المسألة خلافية، و أنّ معقده بعد تسليمه لا يشمل المميّز ثانيا، و أنّ احتمال مدركيته يسقطه عن الاعتبار ثالثا. فالإجماع لا يصلح لإثبات مدّعى المشهور.

و كذا دليلهم الثاني و هو حديث «رفع القلم عن الصبي» لما سيأتي في توضيح المتن.

و كذا دليلهم الثالث، و هو الروايات المتضمنة منطوقا و مفهوما لعدم جواز أمر الصبي، لما ذكره المصنف بقوله: «لكن الإنصاف أنّ جواز الأمر .. إلخ» فتلك الأخبار أيضا لا تفي بإثبات مذهب المشهور. و على تقدير دلالتها على نفي مطلق الجواز عن عقد الصبي لا ينافي النفوذ بعنوان كونه عقدا للولي، حيث إنّ إذنه تصحح نسبته إليه كعقد الفضولي المضاف إلى من بيده اعتباره بعد إجازته.

14

[ب: حديث رفع القلم عن ثلاثة]

و احتج (1) على الحكم في الغنية بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ».

____________

ب: حديث رفع القلم عن ثلاثة

(1) هذا شروع في النصوص المستدل بها على المدّعى، و لا يخفى أن السيّد لم يستدل بحديث رفع القلم، و إنما قال: «و يحتج على المخالف ..» فلاحظ كلامه في (ص 8).

و كيف كان فالاستدلال بحديث رفع القلم عن الصبي يقع في مقامين، أحدهما في السند، و الآخر في الدلالة.

أمّا الأوّل فقد روى في الوسائل عن الخصال عن الحسن بن محمّد السكوني عن الحضرمي عن إبراهيم بن أبي معاوية عن أبيه عن الأعمش، عن ابن ظبيان، قال:

«اتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت، فأمر برجمها. فقال علي (عليه السلام): أما علمت أن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ» (1).

و هذا الطريق لا يخلو من ضعف بالأعمش و غيره، إلّا أن أصل الحادثة و قضاء أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين ممّا يطمأن بصدوره. فالشيخ المفيد (قدّس سرّه) صدّر الفصل- الذي عقده لذكر قضائه (عليه السلام) في عهد إمرة الثاني- بقوله:

«فمن ذلك ما جاءت به العامة و الخاصة» (2) ثم ذكر هذه القصّة بعنوان: «و رووا [روي] أنّ مجنونة .. إلخ» و لعلّه يستفاد من تعبيره (قدّس سرّه) تسالمهم على روايته، و لا أقلّ من تضافر نقله، هذا.

مضافا إلى تلقّي الفقهاء لجملة «رفع القلم عن الثلاثة» بالقبول، و إسناده إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 1، ص 32، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات، ح 10.

(2) الإرشاد، ج 1، ص 203 و 204، نشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، و رواه العلّامة المجلسي في بحار الأنوار عن العامة، في ج 30، ص 680، و إن شئت الوقوف على مصادر القصّة عندهم فراجع هامش الإرشاد و البحار.

15

..........

____________

الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، حتى من لا يعمل منهم بالخبر الواحد العاري عن قرينة القطع كابن إدريس، فقال في باب الوصية: «و أيضا قوله (عليه السلام): رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يحتلم» (1). و قال في الحدود: «لقوله (عليه السلام) المجمع عليه رفع القلم عن ثلاثة» (2). و هذا المقدار كاف في حصول الوثوق بالصدور لو لم يوجب القطع به.

و أمّا المقام الثاني- و هو في الدلالة- فنقول: إنّ القلم المرفوع محتمل لأمرين قد شملت كلّا منهما عناية الجعل.

أحدهما: قلم التكليف، سواء أ كانت إلزامية أم غير إلزامية، بل قلم مطلق الأحكام حتى الوضعية بناء على تأصلها في الجعل. و أمّا بناء على الانتزاع يختصّ بالمجعول و هو التكليف. و هذا القلم مساوق لمثل قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (3) و قَدْ عَلِمْنٰا مٰا فَرَضْنٰا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوٰاجِهِمْ وَ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ (4) فالحكم المتعلق بفعل المكلف قلم مجعول شرعا في حقّه.

ثانيهما: قلم المؤاخذة، و هو قلم كتابة السيئات المترتب على عصيان الخطاب الإلزامي المنجّز، في قبال قلم الحسنات و المثوبات المترتّبة على فعل الطاعات.

و لا فرق في كتابة المؤاخذة و العقوبة شرعا بين كونها دنيوية أعم من كونها بدنيّة في النفس و الطرف كالحدود و القصاص و التعزيرات أم مالية كالديات، و بين كونها أخروية و هو كلّ ما توعّد به تعالى العصاة في تلك النشأة. و هذا القلم أي: المؤاخذة الفعلية- الّتي هي فعل الشارع أيضا- قابل لكلّ من الوضع و الرفع التشريعيّين و لو باعتبار منشئهما، و هو الحكم الإلزامي و نحوه.

إذا اتضح إطلاق «القلم» على كلّ من التكليف و ما يلحقه من العقوبة، فيقال في تقريب استدلال المشهور بحديث «رفع القلم»: إنّ المراد بالقلم المرفوع هو كافة‌

____________

(1) السرائر، ج 3، ص 207.

(2) السرائر، ج 3، ص 324.

(3) البقرة، الآية 183.

(4) الأحزاب، الآية 50.

16

و قد سبقه في ذلك (1) الشيخ في المبسوط في مسألة الإقرار، و قال: «إنّ مقتضى رفع القلم أن لا يكون لكلامه حكم (2)» (1). و نحوه الحلّي في السرائر في مسألة عدم جواز وصية البالغ عشرا. و تبعهم في الاستدلال به جماعة كالعلامة (2) و غيره (3).

[ج: عدم جواز أمر الصبي]

و استدلّوا أيضا بخبر (3) حمزة بن حمران عن مولانا الباقر (عليه السلام): «ان الجارية

____________

الأحكام المجعولة على الكبار، تكليفية كانت أم وضعيّة، فكما لا يتصف فعل الصبي بالوجوب و الحرمة، فكذا لا تثبت في حقّه الأحكام الوضعية كسببيّة عقده و إنشائه للبيع- مثلا- لحصول النقل و المبادلة في إضافة الملكية، فإنّ سببيّته له اعتبار وضعي إمضائي مرفوع عن الصغير، إمّا برفعها و إمّا برفع منشأ انتزاعها كوجوب الوفاء كرفعها عن إنشاء المجنون و النائم. و عليه فالحديث واف بالمدّعى و هو إلغاء أقوال الصبي و أفعاله عن الاعتبار و عدم موضوعيتها للآثار المترتّبة على ما إذا صدرت من الكبير. هذا تقريب الاستدلال، و سيأتي مناقشة المصنف فيه بوجوه ثلاثة.

(1) أي: في الاستدلال بحديث «رفع القلم» على عدم نفوذ إقرار الصبي.

(2) يعني: الحكم المترتب على كلام البالغ، و هو التأثير في النقل و الانتقال و وجوب الوفاء به، و غير ذلك من أحكام الإنشاء الممضى شرعا.

ج: عدم جواز أمر الصبي

(3) هذا دليل ثالث للمشهور، و هو جملة من الروايات الدالة منطوقا أو مفهوما على عدم جواز أمر الصبي في البيع و الشراء. بتقريب: أن إطلاق نفي الجواز يقتضي نفي الأثر عن عقده مطلقا، سواء استقل به أم أذن له الولي. و المستدل جماعة، منهم‌

____________

(1) المبسوط، ج 3، ص 3.

(2) تذكرة الفقهاء، ج 1، ص 200، س 36 و ج 2، ص 145، س 39 و ص 146، س 17.

(3) منهم فخر المحققين في إيضاح الفوائد، ج 2، ص 50، و المحقق الكركي في جامع المقاصد، ج 7، ص 83 و غيره، و المحقق الشوشتري في مقابس الأنوار، ص 3، كتاب البيع.

17

إذا زوّجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم، و دفع إليها مالها، و جاز أمرها في الشراء. و الغلام لا يجوز أمره في البيع و الشراء، و لا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمسة عشر سنة» الحديث (1).

و في رواية ابن سنان: «متى يجوز أمر اليتيم؟ قال: حتى يبلغ أشدّه. قال:

ما أشدّه؟ قال: احتلامه (1)» (2).

____________

أصحاب مفتاح الكرامة و الرياض و المستند و الجواهر و الحدائق (قدّس سرّهم). قال السيد العاملي: «و المراد بجواز أمره تصرفه بالبيع و الشراء و نحوهما، فالقول بأنّه لا منافاة بين صحة عقده و بين عدم دفع المال إليه- كما يظهر من مجمع البرهان- لا وجه له، فإنّ الخبر المذكور قد دلّ على عدم جواز أمره يعني تصرفه بجميع أنواع التصرفات.

و العقد الواقع منه إن كان صحيحا موجبا لنقل الملك فهو التصرف الذي دلّ الخبر على المنع منه، و إلّا فهو لغو» (3).

(1) الظاهر أنّ مراده ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي الحسين الخادم بيّاع اللّؤلؤ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «سأله أبي و أنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره؟ قال: حتى يبلغ أشدّه. قال: و ما أشدّه؟ قال احتلامه. قال: قلت:

قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقلّ أو أكثر و لم يحتلم؟ قال: إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء [و نبت عليه الشعر] جاز عليه أمره، إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا».

و نقله صاحب الوسائل- في كتاب الحجر- عن الخصال، عن بيّاع اللؤلؤ، لا عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 1، ص 3، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات، ح 2، و ج 13، ص 142 الباب 2 من أبواب الحجر، ح 1.

(2) الخصال، ج 2، ص 268، عنه في البحار، ج 103، ص 162، ح 5، وسائل الشيعة، ج 13، ص 143، الباب 2 من أحكام الحجر، ح 5.

(3) راجع مفتاح الكرامة، ج 4، ص 171، رياض المسائل، ج 1، ص 511، مستند الشيعة (الطبعة الحديثة) ج 14، ص 263، جواهر الكلام، ج 22، ص 261، الحدائق الناضرة، ج 18، ص 369، مقابس الأنوار، ص 3، كتاب البيع.

18

و في معناها (1) روايات أخر.

لكن الإنصاف (2) أنّ جواز الأمر في هذه الروايات ظاهر في استقلاله في

____________

ابن سنان، و الظاهر وقوع السهو فيه.

و روى في وصيّة الوسائل عن التهذيب رواية أخرى عن ابن سنان تتضمن سؤاله عن مدلول الآية المباركة و تفسير الأشدّ بالاحتلام، إلّا أن ذيله يختلف عما نقلناه، لتضمنه تحديد البلوغ- بالسنين- بثلاثة عشرة سنة، فراجع (1).

و كيف كان فالشاهد في عدم جواز أمر الصبي و سلب عبارته، و صدر الرواية دالّ عليه.

(1) ممّا يتضمّن الحجر قبل البلوغ، و توقف نفوذ المعاملة عليه، كما في معتبرة هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام، و هو أشدّه، و إن احتلم و لم يؤنس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليّه ماله» (2).

و كمرسلة الصدوق: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، و جاز أمرها في مالها، و أقيمت الحدود التامة لها و عليها» (3).

(2) ناقش المصنف (قدّس سرّه) في دلالة كلتا الطائفتين من الأخبار- و هما أحاديث رفع القلم و عدم جواز أمر الصبي- على مدّعى المشهور من سلب العبارة و عدم العبرة بإنشائه.

أمّا المناقشة في الطائفة الثانية المشتملة على عدم جواز أمر الصبي فتوضيحها:

أنّ عدم نفوذ الأمر يفترق عن سقوط عبارته بالكليّة، و ذلك لأنّ المثبت في البالغ منفيّ في الصبي، و من المعلوم أنّ المثبت في البالغ هو الاستقلال و النفوذ، من دون حاجة إلى إذن أحد، فلا بدّ أن يكون المنفي في الصبي هو ذاك المعنى المثبت في البالغ، لأنّه مقتضى قرينة المقابلة بين القضيتين الإيجابية و السلبية مع وحدة المحمول كالنفوذ‌

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 13، ص 430، الباب 44 من أحكام الوصايا، ح 8.

(2) وسائل الشيعة، ج 13، ص 430، الباب 44 من أحكام الوصايا، ح 9.

(3) وسائل الشيعة، ج 13، ص 143، الباب 2 من أحكام الحجر، ح 3.

19

التصرف لأنّ (1) الجواز مرادف للمضي، فلا ينافي عدمه ثبوت الوقوف على الإجازة. كما يقال: بيع الفضولي غير ماض (2)، بل موقوف.

و يشهد له (3) الاستثناء في بعض تلك الأخبار بقوله: «إلّا ان يكون سفيها». فلا (4) دلالة لها حينئذ على سلب عبارته، و أنّه (5)

____________

و عدمه. و عليه يكون إنشاء الصبي نظير عقد الفضول في عدم سقوطه عن قابلية الإمضاء بلحوق إجازة مالك الأمر.

و الشاهد على إرادة عدم الاستقلال من قوله (عليه السلام): «لا يجوز أمره» و عدم إرادة سلب العبارة كما يدعيه المشهور هو الاستثناء الوارد في رواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة: «إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا» حيث إنّ السفيه ليس مسلوب العبارة، و إنّما هو محجور عن الاستقلال في تصرفاته المالية، فيظهر من هذا الاستثناء نفي التصرف المستقل، إذ المراد بالجواز في البالغ هو النفوذ بالاستقلال، و هذا منفي في غير البالغ.

و بهذا ظهر أجنبية هذه الطائفة عن مدّعى المشهور.

و أما المناقشة في الطائفة المتضمنة لرفع القلم عن الصبي فبوجوه ثلاثة ستأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى.

(1) هذا تقريب ظهور «عدم جواز الأمر» في عدم الاستقلال، لا في مدّعى المشهور من سلب العبارة.

(2) يعني: أنّ عدم المضي لا ينافي صحة عقد الصبي معلّقا على إجازة وليّه، نظير توقف نفوذ عقد الفضول على إجازة وليّ العقد.

(3) يعني: و يشهد لظهور الروايات في نفي الاستقلال: الاستثناء الوارد في بعضها، على ما عرفته آنفا.

(4) هذا متفرع على ظهور الروايات في نفي الاستقلال، لا في سلب العبارة كلّيّة.

(5) معطوف على «سلب عبارته» و مفسّر له، يعني: إذا تصدّى الولي لمقدمة المعاملة من تعيين العوضين ثم أمر الصبي المميّز بإنشاء العقد، لم تدل الروايات‌

20

إذا ساوم (1) وليّه متاعا و عيّن له قيمته، و أمر الصبي بمجرّد إيقاع العقد مع الطرف الآخر كان باطلا. و كذا (2) لو أوقع إيجاب النكاح أو قبوله لغيره بإذن (3) وليّه.

و أمّا حديث (4) رفع القلم ففيه أولا: أنّ الظاهر منه قلم المؤاخذة [1]

____________

- المتضمنة لعدم جواز أمر الصبي- على بطلانه رأسا، هذا.

(1) المساومة هي المجاذبة بين البائع و المشتري على السلعة و فصل ثمنها.

(2) معطوف على «أنّه» يعني: لا دلالة لمثل خبر حمزة بن حمران على بطلان إنشاء إيجاب النكاح أو قبوله إذا كان بإذن وليّه. وجه عدم الدلالة ما تقدم آنفا من ظهور الرواية في نفي استقلال الصبي في التصرف، لا في سلب عبارته حتى يكون إنشاؤه لغوا كإنشاء الهازل و اللّاغي.

(3) متعلق ب‍ «أوقع» يعني: لو أذن الولي للطفل في أن يزوّج هندا من زيد، أو يقبل ذلك الإيجاب، لم تدل رواية حمزة بن حمران على بطلانه.

و الظاهر أنه لا فرق في صحة إنشاء الصبي بإذن وليّه بين كون التزويج لنفسه أو لغيره، و لم يظهر وجه تقييد الصحة بكون النكاح لغيره.

(4) أشرنا إلى أنّ المصنف (قدّس سرّه) ناقش في دلالة «رفع القلم عن الصبي» على سلب عبارته- و كون إنشائه كالعدم- بوجوه ثلاثة:

توضيح الوجه الأوّل: أنّ الاستدلال به منوط بكون المرفوع عن الصغير هو الأحكام المجعولة في حقّ البالغين، سواء أ كانت إلزامية أم غيرها، و سواء أ كانت تكليفية أم وضعية، فيقال حينئذ بخلوّ صفحة التشريع- بالنسبة إلى الصبيان- عن كلّ قلم مجعول في حق الكبار، كما تقدم في تقريب الاستظهار.

____________

[1] سيأتي في التعليقة ضعفه، و أنّ المراد قلم جعل الأحكام الإلزامية، يعني: أنّ قلم جعلها مرفوع عن الصبي، فالرواية أجنبية عن عقد الصبي، و غير شاملة له.

21

..........

____________

و لكن الظاهر من «رفع القلم» هو رفع المؤاخذة التي هي من خواص التكاليف الإلزامية. و الوجه في هذا الظهور تسالم المشهور على أمرين:

أحدهما: شرعية عبادات الصبي لا تمرينيتها، لوضوح إناطة التقرّب بوجود أمر مولوي استحبابي في حق الصغير المميّز ليتقرّب به إليه جلّ و علا. و من المعلوم توقف هذا الأمر الندبي على شمول إطلاق أدلة العبادات لكلّ من الصبي و البالغ، و إنّما يرتفع عن الصبي ما وضعه الشارع على البالغ، و هو خصوص المؤاخذة و العقوبة المترتبة على عصيان الحكم الإلزامي، فيكشف عن ارتفاع خصوص الإيجاب و التحريم امتنانا عن غير البالغ. و أمّا سائر الأحكام التكليفية من الاستحباب و الإباحة و الكراهة، و كذا الأحكام الوضعية، فإطلاق أدلتها شامل لكل من الصغير و الكبير على السواء، لعدم امتنان رافع لها.

ثانيهما: اشتراك الأحكام الوضعية بين الصبي و البالغ، فلو دلّ حديث «رفع القلم» على إلغاء سببية إنشاء الصبي و كونه بحكم العدم لكان منافيا لتسالمهم على الاشتراك المزبور. و لا مناص من جعل المرفوع قلم المؤاخذة المترتبة على عصيان الأحكام التكليفية الإلزامية- من الإيجاب و التحريم- خاصة، حتى يبقى قلم الأحكام الوضعية شاملا للصغار، فسببية الإنشاء للملكية و الضمان و الوصاية و نحوها حكم وضعي مشترك.

و بناء على هذين الأمرين يتعيّن جعل المرفوع المؤاخذة المخصوصة بالأحكام الإلزامية، دون غيرها، لكون الحديث في مقام الامتنان على الأمّة، فيختص المرفوع بما فيه ثقل عليهم، و لا ثقل في غير الإيجاب و التحريم حتى يرتفع بالحديث، فالأحكام التكليفية غير الإلزامية و كذا الاعتبارات الوضعية- الّتي منها سببية الإنشاء للأثر المترتب عليه- جارية في حق الصبي، و لا وجه لما التزم به المشهور من سلب عبارته اعتمادا على حديث رفع القلم عنه.

22

لا قلم جعل الاحكام، و لذا (1) بنينا كالمشهور على شرعية عبادات الصبي.

و ثانيا (2): أنّ المشهور على الألسنة أنّ الأحكام الوضعية ليست مختصة

____________

(1) يعني: و لكون المراد برفع القلم رفع المؤاخذة قلنا بشرعية عبادات الصبي.

(2) هذا ثاني وجوه المناقشة، و توضيحه: أنّه لو سلّمنا ظهور «رفع القلم» في نفي كافة الأحكام المجعولة على الكبار قلنا: لا بدّ من جعل المرفوع خصوص الأحكام التكليفية، حتى تكون الاعتبارات الوضعية جارية في حق الصغار، و ذلك لما اشتهر بينهم من عدم اختصاص الخطاب الوضعي بالبالغين، لحكمهم بضمان الصبي بالإتلاف، و بصحة عتقه و تدبيره و وصيّته و نحوها.

و على هذا فلا تلازم بين التكليف و الوضع، فيمكن تأثير عقد الصبي في النقل و الانتقال، و اتصاف إنشائه بالسببية فعلا و التأثير الفعلي، لكنه لا يخاطب بوجوب الوفاء بإنشائه إلّا بعد البلوغ، لكون وجوب الوفاء حكما إلزاميا معلّقا على البلوغ و كما العقل.

أو يقال: بأنّ إنشاء الصبي سبب لتوجه خطاب «ف بعقد الصبي المولّى عليه» إلى الولي الآذن له، فيجب فعلا عليه ترتيب الأثر على عقد الصبي المأذون له، و كذا لو أجاز عقده. و بهذا يتصف إنشاؤه بالسببية أيضا.

فإن قلت: كيف يتصف إنشاؤه بالسببية، مع عدم مخاطبته بوجوب الوفاء فعلا؟

و كيف يصير إنشاؤه سببا لتوجه الخطاب إلى الوليّ؟ مع دوران وجوب الوفاء مدار العقد، و لا عقد للوليّ حتى يجب وفاؤه به.

قلت: لا استيحاش في سببيّة إنشاء الصغير لخطاب غير فعليّ في حق نفسه، أو لخطاب فعلي في حق وليّه، و ذلك لوجود نظيره، و هو أنّه لو أجنب الصغير بمباشرة زوجته مثلا أثّرت جنابته في توجّه أحكام تكليفية، بعضها غير فعلية و هو ما يتعلق بنفسه، و بعضها فعلية خوطب به البالغون، فغير الفعلي وجوب الغسل عليه بمجرّد بلوغه. و الفعلي أنّه يحرم على الغير تمكين الصغير المجنب من مسّ المصحف الشريف،

23

بالبالغين، فلا مانع من أن يكون عقده سببا لوجوب الوفاء (1) بعد البلوغ، أو على الولي إذا وقع بإذنه أو إجازته. كما يكون جنابته سببا لوجوب غسله بعد البلوغ، و حرمة (2) تمكينه من مسّ المصحف.

و ثالثا (3): لو سلّمنا اختصاص الأحكام حتى الوضعية بالبالغين، لكن لا مانع من كون فعل غير البالغ موضوعا للأحكام المجعولة في حق البالغين، فيكون الفاعل كسائر غير البالغين خارجا عن ذلك الحكم إلى وقت البلوغ.

____________

و من دخوله في المسجد، و نحوهما من المحظورات على المحدث بالحدث الأكبر.

و الحاصل: أنّ مقتضى تسالمهم على شمول الأحكام الوضعية للصغار هو الالتزام بسببية عقده و إنشائه في ترتب الأثر عليه كالنقل و الانتقال في البيع، و الزوجية في النكاح، و البينونة في الطلاق، و بهذا يسقط استدلال المشهور بحديث «رفع القلم» على بطلان إنشاء الصبي.

(1) الأولى زيادة كلمة «عليه» ليرجع ضميره إلى الصبي، و ليتّجه عطف «أو على الولي» عليه.

(2) بالجرّ معطوف على «وجوب» يعني: يحرم فعلا على البالغين تمكين الصبيّ من مسّ المصحف. و حرمة التمكين مسبّبة عن جنابة الصغير.

(3) هذا ثالث وجوه المناقشة، و محصّله: منع استدلال المشهور بحديث «رفع القلم» على سلب عبارة الصبي و بطلان عقده حتّى مع تسليم اختصاص الخطاب الوضعي بالبالغين، و توضيحه: أنّ رفع قلم التكليف و الوضع عن الصغير يقتضي عدم ترتب أثر على عقده بالنسبة إلى نفسه، فلو باع شيئا من ماله لم يتملّك الثمن ما دام صبيّا، فإذا بلغ أثّر ذلك العقد أثره و وجب عليه الوفاء به. و أمّا الكبير الذي عقد مع الصبي فيجب عليه ترتيب الأثر و يحرم عليه نقض العقد و نكثه. و من المعلوم أنّ رفع قلم التكليف و الوضع عن الصبي أجنبي عن الأحكام الموضوعة على الكبير الذي عقد معه.

24

..........

____________

و الفارق بين هذا الاشكال و الاشكال الثاني: أنّ المصنف (قدّس سرّه) التزم هناك بسببية إنشاء الصبي للنقل و لوجوب الوفاء معلّقا على البلوغ، لما اشتهر من اشتراك الوضع بين البالغ و الصغير. و في الاشكال الثالث التزم باختصاص مطلق الأحكام بالبالغين، و لكنه فكّك بين طرفي العقد في موضوعيّته للآثار. هذا ما يناسب ذكره في التوضيح، و إن شئت تفصيل الفرق فلاحظ التعليقة [1].

____________

[1] قد يفرّق بين وجهي الإشكال تارة بما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) من: أنّ الثاني ناظر إلى سببيّة عقد الصبي فعلا لوجوب الوفاء به معلّقا على البلوغ، و الثالث ناظر إلى سببية عقده لوجوب الوفاء به بعد البلوغ بلا سببية فعلية للوجوب التعليقي. و لكن مع ذلك ليس للطرف الآخر نقض العقد، لأنّ العقد موضوع تام لوجوب الوفاء و إن لم يؤثر فعلا في الملكية، كما في العقد بين الفضول و الأصيل، فإنه يحرم عليه النقض مع عدم وجوب شي‌ء على الفضول (1).

و الحاصل انه يفكّك بين الحكم الوضعي و هو الملكية، و بين التكليفي و هو وجوب الوفاء، فعقد الصبي بالنسبة إلى نفسه لا يتصف بالسببية للملكية و لا لوجوب الوفاء، و بالنسبة إلى الكبير يتصف بالسببية لوجوب الوفاء خاصة لا للملكية، هذا.

و اخرى بما أفاده المحقق الايرواني (قدّس سرّه) من: أنّ الثاني متمحّض في سببيّة إنشاء الصبي بالاستقلال في حصول جميع آثار المعاملة، و الثالث ينفي استقلال تأثيره مع الالتزام بالتأثير الضمني، بأن يكون إنشاء الصبي جزء المؤثر، و الجزء الآخر بلوغه، أو بلوغ أرباب الأموال من الموكّلين للصبي. و هذا نظير عقد الوصية في كونه جزء المؤثر، و كون جزئه الآخر موت الموصى. و نظير عقد الصرف و السّلم في كونه جزء المؤثر، و كون جزئه الآخر هو القبض.

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 114.

25

____________

ثم اعترض هذا المحقق على المصنف (قدّس سرّهما) بالتناقض، لابتناء الوجه الثالث على نفي الوضع عن الصغير، فإثباته له و لو بعنوان جزء السبب يقتضي عموم الوضع للكبير و الصغير، إذ لا فرق في الشمول بين تمام السبب و جزئه (1).

و ثالثة بما يظهر من بعض من: أنّ الاشكال الثاني ناظر إلى جريان الحكم الوضعي بالنسبة إلى نفس الصبي، بخلاف الاشكال الثالث، لتمحضه في موضوعية إنشاء الصبي لحكم البالغ، كما إذا عقد على مال الولي بإذنه، أو توكّل عن الأجنبي في مجرّد إجراء العقد، فإنّ مقتضى صحّته ترتيب الأثر عليه من قبل الولي أو الموكّل، و هذا المقدار أجنبي عن رفع القلم عن الآثار المختصّة بالصبي، هذا.

أقول: ما أفاده المصنف في الاشكال الثاني واضح لا إجمال فيه و إن تطرّق إليه المنع بما سيأتي. و إنّما الكلام في الاشكال الثالث، فإنّه (قدّس سرّه) جمع فيه بين أمرين:

أحدهما: موضوعية عقد الصبي للآثار التي يجب على البالغين ترتيبها عليه، من دون توجّه خطاب إلى نفس الصبي.

ثانيهما: صيرورة الصبي مخاطبا بترتيب آثار المعاملة بمجرّد بلوغه، و هذا يستفاد من تحديد رفع الأحكام ببلوغه، لاقتضاء عدم لغويّة التحديد لزوم العمل بمقتضى العقد و وجوب الوفاء به بمجرد البلوغ، و من المعلوم توقف فعلية الآثار بالبلوغ على الالتزام بالصحة التأهّليّة في عقد الصبي في حقّ نفسه، حتى تتوقف سببيته الفعلية لكلّ من الوضع و التكليف- أعني بهما الملكية و وجوب الوفاء به- على بلوغه، و إلّا فلو قلنا باختصاص الأحكام الوضعية بالكبار و أسقطنا أقوال الصبي و أفعاله عن اقتضاء التأثير امتنع فعلية الحكم بالبلوغ.

و بهذا قد يشكل ما أفادوه من الفروق بين الإشكال الثاني و الثالث.

أمّا ما تقدم من المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) فلأنّ الاشكال الثالث ليس ناظرا إلى سببية عقد الصبي لخصوص وجوب الوفاء، و ذلك لما في ذيل كلام المصنف (قدّس سرّه) من صيرورة

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 106.

26

____________

الصبي مخاطبا حال البلوغ بترتيب الآثار، و من المعلوم توقف ترتيبها على اقتضاء عقد الصبي لتأثيره في كلّ من الملكية و وجوب الوفاء، لا في خصوص التكليف، إذ لو لم يلتزم بسببية ناقصة في إنشائه للنقل و الانتقال امتنعت سببيّته التامة بعد البلوغ الذي هو ليس ظرف الإنشاء، و كيف يجب الوفاء بعقد لم يؤثّر في الملكية أصلا؟

بل في الحقيقة يلغو مثل هذا الأمر الذي لا موضوع له (1).

و عليه فالتفكيك بين الوضع و التكليف هنا من الغوامض التي تقصر أفهامنا عن اكتناهها.

و أمّا تنظيره للمقام بعقد الفضول من حيث عدم مخاطبته بوجوب الوفاء، بخلاف الأصيل، فهو و إن كان صحيحا، لكنّ الوجه في حرمة النقض على الأصيل هو صحة عقده مع الفضول تأهّلا، و قابليته لفعلية التأثير بإجازة المالك، فالسببية الناقصة للمبادلة متحققة بذلك العهد، فلو أنكرنا هذا التأثير الناقص لم يجب على الأصيل الوفاء كما يلتزم به القائل ببطلان عقد الفضول رأسا، و عليه فلم يتحقق تفكيك بين الوضع و التكليف.

و الانصاف أن إشكال الميرزا النائيني على المصنف «من امتناع تفكيك الآثار بين البالغ و غيره فيما كان ذات الفعل موضوعا للأثر» (2) لا يندفع عنه بما أتعب به المحقق الأصفهاني نفسه الشريفة لتثبيته.

و أما ما أفيد «من كون الاشكال الثالث ناظرا إلى موضوعية إنشاء الصغير للبالغ كما في الوكيل» فيدفعه صراحة كلام المصنف من صيرورة الصغير مخاطبا بالوفاء بالبلوغ، و هذه قرينة على أنّ مراد المصنف من الموضوعية غير الوكالة، فالصبي يعقد على مال نفسه مع الكبير، فيكون هذا العقد موضوعا لوجوب الوفاء فعلا على الكبير، و معلّقا على البلوغ بالنسبة إلى الصغير.

و عليه فلعلّ الأقرب إلى مقصود المصنف (قدّس سرّه) من الفرق بين الإشكالين ما أفاده

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 106.

(2) منية الطالب، ج 1، ص 173.

27

____________

المحقق الايرواني (قدّس سرّه) من تمام المؤثر و جزء المؤثر. و يرد حينئذ على الماتن ما تقدم منه من التناقض.

و كيف كان فإشكالات المصنف الثلاثة على استدلال المشهور بحديث رفع القلم لا تخلو من مناقشة.

أمّا الأوّل- و هو تعلق الرفع بالمؤاخذة الكاشف عن نفي خصوص التكليف الإلزامي عن الصبي، و صحة العقد حكم وضعي لا ترفع بالحديث- فغير ظاهر، لوجوه:

أوّلها: أنّ الداعي إلى تقدير المؤاخذة أمران:

أحدهما: اقتضاء مادة الرفع لكون المرفوع ثقيلا، فلا يصدق عرفا على رفع ورقة و ان صدق عليها لغة.

و الآخر ورود الحديث مورد الامتنان.

و لكن الظاهر عدم اقتضائهما رفع المؤاخذة المترتبة على فعل البالغ، فيمكن تعلق الرفع بنفس الأحكام الإلزامية، و كذا الوضعية التي فيها ثقل و كلفة و مشقة كالقصاص. و لو دار الأمر بين أحد الأمرين لم يكن مرجح لتقدير المؤاخذة.

و دعوى «امتناع الحكم بشرعية عبادات الصبي لو كان المرفوع بالحديث نفس الأحكام الإلزاميّة، إذ بناء على المبنى المنصور من بساطة الأوامر و النواهي لا يبقى للفعل رجحان بعد رفع الإلزام، بخلاف ما لو تعلّق الرفع بالمؤاخذة المختصة بالتكاليف الإلزامية» ممنوعة، إذ لا فرق في هذا الاشكال بين رفع التكليف و المؤاخذة، لسقوط الإلزام على كلّ منهما، و به يسقط أصل الطلب.

لكن يندفع الإشكال بأنّ الدليل المقيّد محفوف بقرينة الامتنان الموجبة لرفع خصوص ما فيه الثقل و المشقة و هو الإلزام، بل رفع ما عدا الإلزام خلاف المنّة على الصغير، لحرمانه عن الحسنات التي يتفضل بها سبحانه و تعالى على فعل الخيرات.

ثانيها: أنّ تقدير المؤاخذة ممتنع في نفسه، لظهور رفع العقوبة في نفي فعليتها، و من المعلوم أنّها مترتبة على استحقاقها حتى يتعلّق به العفو، و المقطوع به عدم استحقاق الصبي للعقوبة حتى يتعقبه العفو. هذا في المميّز القابل للخطاب،

28

____________

فإنّ الضرورة الفقهية على نفي استحقاقه للمؤاخذة على أفعاله إلّا ما استثني كالتعزير في السرقة المتكررة. و أمّا غير المميّز فلقضاء العقل القطعي كالنائم و المجنون بقبح مؤاخذته.

هذا مضافا إلى أن نفي فعلية العقاب لا يستلزم نفي التكاليف الإلزامية عن الصغير، لأعميتها منه، فالظهار حرام معفوّ عنه كما قيل، و عليه فليس للمصنف (قدّس سرّه) استكشاف سقوط التكاليف الإلزامية من رفع المؤاخذة الفعلية.

هذا بناء على ظاهر المتن من رفع فعلية المؤاخذة. و إن أريد من رفع المؤاخذة رفع استحقاقها- كما قد يقال و إن كان خلاف الظاهر- ففيه: أنّ الاستحقاق حكم عقلي، فلا يكون موضوعا لرفع القلم التشريعي، و إن صحّ جعله بلحاظ منشئه و هو الحكم الشرعي موضوعا للرفع، كما في حديث رفع التسعة. و ذلك للفرق بينهما، حيث إنّ القلم يختص بما يكون شرعيا، فرفع القلم لا يتعلق بما ليس شرعيا و إن ترتب على حكم شرعي.

ثالثها: ما أفاده المحقق الإيرواني (قدّس سرّه)- في جملة ما أورده على رفع المؤاخذة- بما لفظه: «و رابعا: انّا لو سلّمنا عموم الحديث و شموله لرفع كل حكم تكليفي أو وضعي لا يجدي ذلك في صحة الاستدلال بالحديث لرفع التأثير عن إنشاء الصغير، و ذلك أنّ تأثير الإنشاء في حصول عنوان المنشأ- كعنوان النكاح و البيع و الهبة- تأثير تكويني في أمر اعتباري، فيكون كتأثير سيفه في القطع، و قلمه في الكتابة و هذا لا يرفعه حديث الرفع. و أمّا رفع الآثار المترتبة شرعا على العناوين المتولدة من إنشائه، على أن لا يكون البيع الحاصل بإنشائه محكوما بأحكام البيع، فذلك في البشاعة يساوق القول بعدم ترتيب أحكام الأموات على من مات بسيفه، أو أحكام المصحف على ما كتب بقلمه، و هكذا. و معلوم بالقطع أن حديث الرفع لا يرفع إلّا أحكاما مترتبة بلا واسطة على فعل الصغير، لا أحكاما مترتبة حتى مع الواسطة» (1).

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 106.

29

____________

و لكن يمكن أن يقال: بأنّ تنظير إنشاء الصبي بكتابة المصحف و القتل بالسيف غير ظاهر، فإنّ عقده و إيقاعه و إن فرض تأثيره في الأمر الاعتباري بنظر العقلاء، إلّا أنّ المهم إحراز إمضائه شرعا بمعنى أنه هل للشارع اعتبار مماثل لما أنشأه الصبي و اعتبره العقلاء أم لا، فلو لا حديث رفع القلم و نحوه كان مقتضى إطلاق أدلة الإمضاء تنفيذ ما أنشأه الصبي. و أمّا لو تمّت دلالة الحديث على سلب عبارة الصغير كان مفاده عدم ترتيب آثار المعاملة- التي يرتّبها العقلاء- على عقد الصبي.

و لأجله يتسامح في إطلاق السبب على الإنشاء، و المراد به هو الموضوع و الحكم، لا العلية و المعلولية التكوينيّتان. و هذا بخلاف كتابة المصحف، فإنّ الموضوع لحكم الشارع بحرمة المسّ هو النقوش الخاصة القرآنية سواء كتبها الكبير أم الصغير.

و الحاصل: أنّ جعل الإنشاء مؤثرا تكوينيا في أمر تكويني اعتباري- كما تكرّر في كلامه- لا يخلو من غموض. هذا بعض ما يتعلق بالإشكال الأوّل.

و أمّا الإشكال الثاني- و هو الالتزام بتأثير إنشاء الصبي، لاشتراك الحكم الوضعي بينه و بين البالغ- ففيه ما أفاده المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) أوّلا: منع أصل النسبة، فإنّ المشهور و إن التزموا بثبوت الحكم الوضعي- في الجملة- في حقّ الصغير كما في نفوذ وصيّته و تدبيره و عتقه و صدقته، إلّا أنّ المشهور أيضا على فساد عقوده و معاملاته كما تقدم في عبارة الدروس و الكفاية، بل ادّعي عليه الإجماع. و من المعلوم أنّ تلك الموجبة الجزئية لا تفي بإثبات محل البحث و هو صحة بيعه مطلقا حتى في صورة إذن الولي.

و ثانيا: لو سلّمنا صحة النسبة قلنا بمخالفته لمبنى المصنف في الأصول من انتزاع الحكم الوضعي من التكليف، و المفروض عدم كتابة التكليف عليه فعلا، و لا يعقل فعلية الأمر الانتزاعي و تعليقية منشئه، هذا (1).

____________

(1) حاشية المكاسب، ج 1، ص 114.

30

و بالجملة (1): فالتمسك بالرواية ينافي [1] ما اشتهر بينهم من شرعية عبادة الصبي، و ما (2) اشتهر بينهم من عدم اختصاص الأحكام الوضعية بالبالغين [2].

____________

(1) هذه نتيجة المناقشة الثانية و الثالثة، و محصلها: أن التمسك بحديث «رفع القلم» لإلغاء أقوال الصبي و أفعاله ينافي ما اشتهر بينهم من أمرين، أحدهما: شرعية عبادات الصبي، لا تمرينيتها. و الآخر: عدم اختصاص الأحكام الوضعية بالبالغين.

و عليه فيلزم إرادة رفع المؤاخذة المترتبة على أفعال البالغين و أقوالهم، و هذا لا ينافي موضوعية إنشاء الصبي المميّز- القاصد للأمر الاعتباري- للأثر.

(2) منصوب محلّا عطفا على «ما اشتهر بينهم».

____________

و الظاهر ورود الإشكالين على المصنف (قدّس سرّه). و تقدم توضيح الثاني منهما في رسالة الحق، فراجع (1).

و أمّا الإشكال الثالث فقد تقدم بعض ما يتعلق به عند بيان الفارق بينه و بين الإشكال الثاني.

[1] لا منافاة أصلا بعد كون المراد من رفع القلم رفع التكاليف الإلزامية، الذي لا ينافي شرعية عبادات الصبي.

[2] قد عرفت في التعليقة أجنبيّة الرواية عن عقد الصبي، لاختصاصها بالأحكام الإلزامية الموجبة للعقوبة، و مجرّد إجراء الصبي الصيغة ليس من الأحكام الإلزامية و لا موضوعا لها حتى يرتفع بحديث الرفع. فالاستدلال بها لسلب عبارة الصبي- و لو مع إرادة نفي قلم الأحكام كما هو ظاهر كلام المصنّف- في غير محله.

و عليه فمقتضى العمومات صحة عقد الصبي، غايته مع إذن الولي أو إجازته،

____________

(1) راجع الجزء الأول من هذا الشرح، ص 125- 126.

31

فالعمدة في سلب عبارة الصبي هو الإجماع المحكي المعتضد بالشهرة العظيمة، و إلّا (1) فالمسألة محلّ إشكال. و لذا (2) تردّد المحقق في الشرائع في إجارة المميّز بإذن الولي بعد ما جزم بالصحة في العارية (3)، و استشكل (4) فيها في

____________

(1) يعني: و لو لا الإجماع المتضافر نقله- و المعتضد بالشهرة الفتوائية على سلب عبارة الصبي- يشكل الحكم ببطلان عقد الصبي.

(2) يعني: و لكون المسألة محل الاشكال تردّد المحقق .. إلخ.

(3) قال (قدّس سرّه) في كتاب العارية: «فلا يصح إعارة الصبي و لا المجنون. و لو أذن الولي جاز للصبي مع مراعاة المصلحة» (1). و قال في كتاب الإجارة: «فلو آجر المجنون لم ينعقد إجارته، و كذا الصبي غير المميّز، و كذا المميّز إلّا بإذن وليّه. و فيه تردد» (2).

و الغرض أنّ تردد المحقق (قدّس سرّه) في صحة إجارة الصبي، و جزمه بالصحة في عاريته- مع كونهما بإذن الولي- كاشف عن عدم وضوح بطلان عقد الصبي كلّيّة، فلو كان سلب عبارته مجمعا عليه متّضحا وجهه لكانت عاريته و إجارته فاسدتين.

(4) يعني: و استشكل العلّامة في إجارة الصبي في كتابي القواعد و التحرير (3).

لكنه جزم بالبطلان في التذكرة، فقال: «فلا تنعقد إجارة الصبي إيجابا و لا قبولا،

____________

للنصوص الدالة على «عدم نفوذ عقد الصبي حتى يبلغ» الظاهرة في نفي استقلاله في تصرفاته، المقيّدة للإطلاقات الحاكمة بنفوذ العقود، بما إذا لم يكن المتعاقدان بالغين. فما أفاده من كون المسألة محل إشكال غير ظاهر. و العجب منه (قدّس سرّه) أنّه تمسّك بالإجماع، مع عدم إجماع في المسألة، و كونه على تقديره إجماعا منقولا. مضافا إلى: أنّ في إطلاق معقده للصبي المميّز الذي هو مورد البحث تأملا، بل منعا كما تقدم في التعليقة، فلاحظ.

____________

(1) شرائع الإسلام، ج 2، ص 171.

(2) شرائع الإسلام، ج 2، ص 180.

(3) قواعد الأحكام، ج 2، ص 281، تحرير الأحكام، ج 1، ص 244.

32

القواعد و التحرير، و قال في القواعد: «و في صحة بيع المميّز بإذن الوليّ نظر» (1).

بل (2) عن الفخر في شرحه: «أنّ الأقوى الصحة» مستدلّا بأنّ العقد إذا وقع بإذن الولي كان كما لو صدر عنه. و لكن لم أجده فيه.

و قوّاه (3) المحقق الأردبيلي- على ما حكي عنه-

____________

سواء كان مميزا أو لا، و سواء أذن له الولي أم لا، إذ لا عبرة بعبارة الصبي» (1).

(1) يعني: أنّ العلّامة تنظّر في كتاب القواعد في صحة بيع الصبي كما استشكل في صحّة إجارته، و لم يجزم ببطلانهما.

(2) الوجه في الإتيان بحرف الإضراب واضح، فإنّ فخر المحققين رجّح الصحة- بناء على صحة النسبة- لكن الموجود في الإيضاح و حكاه عنه في مفتاح الكرامة (2) هو تقوية عدم صحة إجارة الصبي، قال في الإيضاح في بيان وجهي الإشكال: «أقول:

ينشأ من أنّ البلوغ شرط إجماعا قيل في اعتبار الصيغة و صلاحيّتها، لترتب الحكم عليها، لمساواته النائم و المجنون في رفع القلم، كما في الحديث، و هو نفي نكرة، فيعمّ.

و من وقوعها بإذن الولي، فصار كما لو صدر منه. و الأقوى عدم الصحة» فالحقّ مع المصنف في قوله: «و لكن لم أجده فيه» و لعلّ الناسب لم يلاحظ عبارة الإيضاح بكاملها.

(3) يعني: أنّ المحقق الأردبيلي قوّى صحة عقد الصبي، حيث قال: «و بالجملة:

إذا جوّز عتقه و وصيّته و صدقته بالمعروف و غيرها من القربات- كما هو ظاهر الروايات الكثيرة- لا يبعد جواز بيعه و شرائه و سائر معاملاته إذا كان بصيرا مميّزا رشيدا .. خصوصا مع إذن الولي ..» (3).

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 290، س 24.

(2) إيضاح الفوائد، ج 2، ص 55، مفتاح الكرامة، ج 7، ص 73.

(3) مجمع الفائدة و البرهان، ج 8، ص 152 و 153، و الحاكي عنه هو السيّد العاملي في مفتاح الكرامة، ج 7، ص 73.

33

و يظهر (1) من التذكرة عدم ثبوت الإجماع عنده، حيث قال: «و هل يصح بيع المميّز و شراؤه؟ الوجه عندي أنّه لا يصح» (1).

و اختار (2) في التحرير صحة بيع الصبي في مقام اختبار رشده (2).

و ذكر المحقق الثاني: «أنّه لا يبعد بناء المسألة على أنّ أفعال الصبي و أقواله شرعية أم لا؟» ثم حكم بأنّها غير شرعية و أنّ الأصح (3) بطلان العقد (3).

و عن المختلف: «أنّه حكى في باب المزارعة عن القاضي كلاما يدلّ على صحة بيع الصبي» (4).

____________

(1) لعلّ وجه الظهور تعبيره بقوله: «عندي» المشعر بالخلاف، و لو كان البطلان إجماعيا لقال: «عندنا».

(2) و هذا الاختيار شاهد على عدم تحقق الاتفاق على سلب عبارة الصبي مطلقا.

(3) و من المعلوم أنّ التعبير بالأصح- بعد تفريع المسألة على الشرعية و التمرينية المختلف فيها- شاهد على عدم كون بطلان عقد الصبي من واضحات الفقه.

(4) يعني: مع إذن أبيه لا مطلقا. و الظاهر أنّ عبارة المختلف الحاكية لكلام القاضي هي قوله: «مسألة: مزارعة الصبي باطلة على الأشهر. و قال ابن البرّاج: إذا اشترى الصبي التاجر أرضا، و حجر أبوه عليه، فدفعها مزارعة بالنصف إلى غيره يزرعها ببذره و عمله فعمل على ذلك .. و الوجه أنّ شراءه باطل. فإن سوّغناه مع الإذن بطلت المزارعة .. و لو كان البذر من الدافع- و هو الصبي- كان الحاصل له» (4)

____________

(1) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 80، س 16.

(2) تحرير الأحكام، ج 1، ص 218، س 29.

(3) جامع المقاصد، ج 5، ص 194.

(4) مختلف الشيعة، ج 6، ص 188، المهذب للقاضي ابن البرّاج، ج 2، ص 20.

34

و بالجملة: فالمسألة (1) لا تخلو عن إشكال، و إن أطنب بعض المعاصرين (2) في توضيحه حتى ألحقه بالبديهيات في ظاهر كلامه.

فالإنصاف (3) [1] أنّ الحجة في المسألة هي الشهرة المحقّقة و الإجماع

____________

و عبارة المهذّب صدرا و ذيلا ظاهرة في صحة شراء الصبي للأرض و دفعها مزارعة للغير، و إن قيّده بصورة إذن الولي و بكونه تاجرا، الدال على رشده. فالمهم عدم إلغاء إنشاء الصبي و معاملته شرعا.

(1) و هي بطلان عقد الصبي مطلقا حتى المميّز و لو بإذن وليه.

(2) و هو صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، حيث قال- بعد كون بطلان عقد الصبي أشهر بل مشهورا، بل عدم وجدان الخلاف فيه- ما لفظه: «بل صحّ له دعوى تحصيل الإجماع على ذلك كما وقع من بعضهم، بل ربّما كان كالضروري، و خصوصا بعد ملاحظة كلام الأصحاب، و إرسالهم لذلك إرسال المسلّمات، حتّى ترك جماعة منهم الاستدلال عليه اتّكالا على معلوميته» (1).

(3) بعد قصور النصوص عن إثبات سلب عبارة الصبي و تنزيل إنشائه منزلة العدم- حتى مع إذن وليّه في المعاملة- ينحصر دليل بطلان عقده في الإجماع و الشهرة الفتوائية. لكن الإجماع قد يتوهّم اختصاص معقده باستقلال الصبي في المعاملة و عدم إذن وليّه فيها، فيكون أخصّ من المدّعى، و هو عدم العبرة بإنشائه مطلقا حتى مع إذن الولي أو إجازته.

و توضيح التوهم: أنّه يمكن أن يكون نظر السيد أبي المكارم و العلامة (قدّس سرّهما) في دعوى الإجماع على حجر الصبي إلى صورة استقلاله في التصرف، فلا دليل حينئذ على شمول معقد الإجماع لصورة إذن وليه في المعاملة، فلا بدّ من‌

____________

[1] كيف يقتضي الانصاف ذلك مع بناء المصنف في الأصول على عدم حجية الإجماع المنقول و الشهرة. فالإنصاف أنه لا حجة على سلب عبارة الصبي.

____________

(1) جواهر الكلام، ج 22، ص 260 و 261.

35

المحكي عن التذكرة بناء (1) على أنّ استثناء الإحرام الذي لا يجوز إلّا بإذن الولي شاهد على أنّ مراده بالحجر ما يشمل سلب العبارة، لا نفي الاستقلال في

____________

اختصاص البطلان بصورة استقلاله في التصرف.

و قد دفع المصنف (قدّس سرّه) هذا التوهم بوجود قرينة الإطلاق في كلامي السيد و العلّامة. أمّا في عبارة التذكرة فلاستثناء الإحرام من موارد الحجر عن التصرف، و حيث إنّ صحة إحرام الصبي منوطة بإذن وليه، فإمّا أن يكون مراده من «التصرف» ما هو أعم من صورة الاستقلال و الإذن. و إمّا أن يكون خصوص صورة الاستقلال- كما يدّعيه المتوهم- فيكون استثناء الإحرام حينئذ عن التصرف المحجور عنه منقطعا، لا متصلا، لما عرفت من عدم العبرة بإحرام الصبي مستقلّا، و لكن لمّا كان الأصل في الاستثناء هو الاتصال تعيّن إرادة مطلق التصرف في المستثنى منه، يعني سواء أ كان مستقلا أم مأذونا من قبل وليّه. و بهذا ينعقد الإطلاق في إجماع التذكرة على بطلان عقده و إيقاعه، أي سلب العبارة.

و أمّا في عبارة الغنية فلأنّه (قدّس سرّه) و إن قال: «و إن أجاز الولي» و لكن منعه من صحة عقد الصبي مع إجازة وليه ليس من جهة عدم نفوذ تصرفه بإذن الولي، بل من جهة بطلان عقد الفضول، فربّما يصح عقده بإذنه السابق، هذا.

لكن مراد السيد عدم الصحة مطلقا حتى مع الإذن، بشهادة استدلاله بحديث رفع القلم، و هو كاشف عن إرادة التعميم، إذ المرفوع عن الصبي مطلق الحكم، سواء التكليفي و الوضعي، و سواء أ كان مستقلا في التصرف أم مأذونا أم مجازا، و هذا الإطلاق يساوق سلب العبارة، و هو المدّعى.

(1) هذا البناء مبني على أصالة الاتصال في الاستثناء، و توقف الانقطاع على قرينة، لظهور الإخراج في دخول الخارج في المخرج عنه. و حيث إنّ الإحرام لا يجوز إلّا بإذن الولي فلا بدّ من شمول المستثنى منه- و هو التصرف المحجور عنه- لمطلق أفعال الصبي و أقواله، حتى لو وقعت بإذن وليّه.

36

التصرف (1).

و كذا (2) إجماع الغنية بناء على أنّ استدلاله بعد الإجماع بحديث رفع القلم دليل على شمول معقده للبيع بإذن الولي.

و ليس المراد (3) نفي صحة البيع المتعقب بالإجازة حتى يقال: إنّ الإجازة عند السيد غير مجدية في تصحيح مطلق العقد الصادر من غير المستقلّ، و لو كان غير مسلوب العبارة كالبائع الفضولي.

و يؤيّد الإجماعين (4) ما تقدّم عن كنز العرفان.

____________

(1) كما يدّعيه المتوهم.

(2) معطوف على «الإجماع المحكي عن التذكرة».

(3) يعني: لو اقتصر السيّد (قدّس سرّه) في إثبات بطلان بيع الصبي على الإجماع لكان قوله: «و إن أجاز الولي» موهما لكون وجه البطلان عدم استقلاله في التصرف، بناء على ما ذهب إليه السيد من بطلان عقد من ليس مستقلا في التصرف، سواء أ كان كبيرا غير مالك لأمر العقد، أم صبيّا مسلوب العبارة، فالمهمّ قصور الإجازة اللاحقة عن تصحيح عقد غير المستقل، و هذا بخلاف ما لو أذن له الولي قبل العقد، فيصحّ حينئذ، لعدم افتقاره إلى الإجازة اللاحقة كي يبطل.

و لكن الدافع لهذا الوهم استدلال السيد بحديث رفع القلم، و هو ظاهر في سلب العبارة، و عدم ترتب الأثر على إنشاء الصبي مطلقا، سواء أ كان باذن وليه أم لا.

(4) أي: إجماعي الغنية و التذكرة. و غرضه بقوله: «ما تقدم عن كنز العرفان» ما أفاده في صدر المسألة بقوله (قدّس سرّه): «و في كنز العرفان نسبة عدم صحة عقد الصبي إلى أصحابنا».

و لعلّ التعبير بالتأييد دون الدلالة لأجل احتمال اعتماده في دعوى الإجماع على عبارة التذكرة و عدم تحصيل اتفاق الفتاوى بنفسه.

37

نعم (1) لقائل أن يقول: إنّ ما عرفت (2) من المحقق و العلّامة و ولده و القاضي و غيرهم- خصوصا (3) المحقق الثاني الذي بنى المسألة على شرعية أفعال الصبي- يدلّ على عدم تحقق الإجماع.

و كيف كان (4) فالعمل على المشهور.

[د: حديث «عمد الصبي خطأ»]

و يمكن أن يستأنس له (5)

____________

(1) غرضه التشكيك في ثبوت الإجماع- على بطلان عقد الصبي- بنحو يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام) أو عن حجة معتبرة.

(2) من تردّد المحقق في إجارة المميّز بإذن الولي، و استشكال العلّامة فيها.

(3) وجه الخصوصية: أنّ تردّد المحقق و العلّامة و إن كان موهنا للإجماع التعبدي، إلّا أنّ ابتناء المسألة- عند المحقق الثاني- على شرعية عباداته و تمرينيتها أقوى دليل على عدم انعقاد الإجماع الكاشف عن رأى المعصوم (عليه السلام)- مع وجود القائل بكلّ منهما- و معه لا وجه لدعوى الاتفاق على سلب العبارة عن الصبي.

(4) يعني: سواء تحقّق الإجماع التعبدي على بطلان عقد الصبي أم لم يتحقق، فالمتّبع فتوى المشهور بالبطلان.

د: حديث «عمد الصبي خطأ»

(5) أي: للمشهور، و هذا وجه رابع لإثبات عدم موضوعية أقوال الصبي و أفعاله لأثر شرعي. و التعبير بالاستيناس- دون الدلالة التي عبّر عنها المصنف في حديث رفع القلم و عدم جواز الأمر- لأجل أنّ استظهار سلب الاعتبار عن عبارة الصبي من هذه الطائفة لا يخلو من شي‌ء، لتطرق احتمال ظهورها في رفع خصوص الأحكام المترتبة على عنوان العمد، و ذلك بقرينة مقابلته للخطإ، يعني: أنّ الأحكام المترتبة على عنوان العمد ترفع عن عمد الصبي، و أنّ عمده موضوع لحكم الخطأ المترتب على الفعل الصادر خطأ من البالغ.

38

أيضا (1) بما ورد في الأخبار المستفيضة من «أن عمد الصبي و خطأه واحد» (1)

____________

و عليه ففرق بين أن يقال: «قصد الصبي كلا قصد» و بين «عمد الصبي محكوم بحكم خطأ البالغ» و المجدي في المقام هو المفاد الأوّل، مع أنه يحتمل إرادة الثاني.

و كيف كان فتقريب دلالة هذه الأخبار المستفيضة- التي سيأتي التعرض لها في التعليقة إن شاء اللّه تعالى- أنّ قوله (عليه السلام): «عمد الصبي و خطأه واحد» ظاهر في كون عمد الصبي كالعدم، و قصده كلا قصد. فلو ترتب الحكم الشرعي على الفعل الإرادي الصادر من البالغ لم يترتب عليه لو صدر من الصبي القاصد. مثلا موضوع الوفاء بالعقد هو العقد المقصود، فلو أنشأه الصبي المميّز- و لو بإذن وليه- كان بمنزلة إنشاء البالغ الهازل أو النائم في عدم موضوعيته لوجوب الوفاء به.

فان قلت: إنّ هذه الأخبار- لو سلّم ظهورها في سلب عبارة الصبي- لم يتجه الاستدلال بها على بطلان عقده، و ذلك لما ورد في بعضها من قرينة الاختصاص بجناية الصبيان، كقوله (عليه السلام) في معتبرة إسحاق بن عمار: «عمد الصبي خطأ يحمل على العاقلة» و عليه فليست في مقام تنزيل عقد الصبي منزلة العدم، و إنما هو حكم مخصوص ببابي القصاص و الديات. مضافا إلى أن صاحب الوسائل رواها في البابين المذكورين.

قلت: هذه الطائفة مشتملة على مضامين ثلاثة، و محطّ النظر هو معتبرة محمّد بن مسلم المذكورة في المتن، و هي مطلقة و لا قرينة فيها على الاختصاص بباب الجناية. و ليس المقام من موارد حمل المطلق على المقيد، خصوصا بعد استظهار إطلاق تنزيل عمد الصبي منزلة خطأ البالغ في كلمات شيخ الطائفة و ابن إدريس كما سيأتي التعرض له. و أمّا ذكر هذه الأخبار في باب الديات لمناسبة فليس دليلا على الاختصاص كما لا يخفى.

(1) يعني: كما استدلّ بحديث رفع القلم، و عدم جواز أمر الصبي، و إن كانت الدلالة ممنوعة.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 19، ص 307، الباب 11 من أبواب العاقلة، ح 2.

39

كما في صحيحة ابن مسلم و غيرها (1). و الأصحاب (2) و إن ذكروها في باب الجنايات، إلّا أنّه لا إشعار في نفس الصحيحة بل و غيرها (3) بالاختصاص (4) بالجنايات.

____________

(1) كمعتبرة إسحاق بن عمّار (1) و خبر أبي البختري الآتي (2) في المتن.

(2) يعني: أرباب الجوامع الروائية، و إلّا فاستدلّ بها الفقهاء في غير باب الجناية، ككفارات الإحرام، و عبارة المتن دفع دخل تقدم توضيحهما بقولنا: «فان قلت .. قلت ..».

(3) المراد بغير الصحيحة هو معتبرة إسحاق بن عمّار، و لم يظهر الوجه في عدم إشعارها بالاختصاص بباب الجنايات.

إلّا أن يدّعى: أن قوله (عليه السلام): «عمد الصبي خطأ يحمل على العاقلة» يتضمّن أمرين:

أحدهما: تنزيل موضوع- و هو عمد الصبي- منزلة موضوع آخر و هو خطاؤه.

و الآخر: حكم، و هو كون دية جنايته على عاقلته، و ليس هذا الحكم قرينة على تقيّد الأوّل بباب الجنايات، فلذا يحكم بإطلاق تنزيل عمده منزلة خطائه، و كون قصده كلا قصد، هذا.

و لكن الظاهر قرينية «تحمّل العاقلة للدية» على تنزيل عمد الصبي في خصوص باب الجناية منزلة خطأ البالغ في تحمل العاقلة، إذ لم يثبت هذا الحكم في غير الجناية الخطائية في البالغ حتى يثبت في حق الصبي.

و عليه فالأولى في دعوى عدم الإشعار- بالاختصاص بالجناية- الاعتماد على خصوص صحيحة محمد بن مسلم غير المذيّلة بتحمل العاقلة للدية.

(4) متعلق ب‍ «لا إشعار».

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 19، ص 307، الباب 11 من أبواب العاقلة، ح 3.

(2) وسائل الشيعة، ج 19، ص 66، الباب 36 من كتاب القصاص، ح 2.

40

و لذا (1) تمسّك بها الشيخ في المبسوط و الحلّي (1) في السرائر على أنّ إخلال الصبي المحرم بمحظورات الإحرام- التي (2) يختص حرمتها الموجبة للكفارة فيها بحال التعمد- لا يوجب (3) كفارة على الصبي، و لا على الولي، لأنّ عمده خطاء.

و حينئذ (4) فكل حكم شرعي تعلّق بالأفعال التي يعتبر في ترتب الحكم

____________

(1) أي: و لعدم إشعار الصحيحة بالاختصاص بالجنايات تمسّك بها الشيخ (رحمه اللّه) و الحلّي على عدم كون إخلال الصبي بمحرّمات الإحرام موجبا للكفارة، لأنّ عمده خطاء، و من المعلوم عدم ترتب الكفارة على ارتكابها خطأ، فكل حكم شرعي يترتب على الفعل القصدي للبالغ لا يترتّب على الفعل الصادر عمدا عن الصبي، لأنّ قصده نزّل منزلة العدم، و عمده بمنزلة الخطاء.

(2) صفة ل‍ «المحظورات» و قوله: «الموجبة» صفة للحرمة، يعني: أنّ محرّمات الإحرام على قسمين، منها: ما لا يستلزم كفارة في غير حال العمد كلبس المخيط و الطيب و حلق الشعر و تقليم الأظفار و نحوها نسيانا. و منها: ما يستلزمها حتى لو ارتكبها المحرم نسيانا كالصيد، على ما حكاه في المبسوط.

و كلام شيخ الطائفة و ابن إدريس (قدّس سرّهما) ناظر إلى القسم الأوّل، يعني: لو تعمّد الصبي المحرم لبس المخيط مثلا لم يجب عليه التكفير، لكون عمده بمنزلة خطأ البالغ.

و استدلّا على ذلك بما روي عنهم (عليهم السلام) من: أنّ عمد الصبي و خطأه سواء، فراجع.

(3) خبر قوله: «ان إخلال».

(4) أي: و حين لم تكن صحيحة محمّد بن مسلم- و لا غيرها- ظاهرة و لا مشعرة بالاختصاص بجناية الصبي، فكل حكم .. إلخ. و هذا تقريب الاستيناس بهذه الطائفة على سلب عبارة الصبي، و حاصله: أنّ ترتب الأثر على الإنشاء سواء في العقد و الإيقاع منوط بقصد الأمر الاعتباري، و لمّا كان قصد الصبي المميّز بمنزلة عدم قصده كان إنشاؤه لغوا، كإنشاء البالغ الهازل أو الغالط.

____________

(1) المبسوط، ج 1، ص 329، السرائر، ج 1، ص 636 و 637.

41

الشرعي عليها القصد، بحيث لا عبرة بها (1) إذا وقعت بغير القصد، فما (2) يصدر منها عن الصبي قصدا بمنزلة (3) الصادر عن غيره بلا قصد، فعقد (4) الصبي و إيقاعه مع القصد كعقد الهازل و الغالط و الخاطي و إيقاعاتهم.

بل (5) يمكن بملاحظة بعض ما ورد من هذه الأخبار في قتل المجنون و الصبي استظهار المطلب من حديث رفع القلم، و هو ما عن قرب الاسناد بسنده عن أبي البختري: «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام): انّه كان يقول:

المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ عمدهما خطأ يحمله العاقلة، و قد رفع عنهما القلم» (1).

____________

(1) أي: بالأفعال، و المراد بها المعاملات. و قوله: «القصد» نائب فاعل: «يعتبر».

(2) جواب الشرط المستفاد من قوله: «فكل حكم» مثل قولك: كلّ من يزورني فله درهم.

(3) خبر قوله: «فما يصدر».

(4) هذا متفرّع على عموم إلغاء قصد الصبي، و عدم موضوعيّته لحكم شرعي.

(5) هذا إضراب عن قوله: «و يمكن أن يستأنس له» و غرضه أنّ ما ورد من «أن عمد الصبي خطأ» ليس مجرّد استيناس للحكم بسلب عبارة الصبي، بل بملاحظة رواية أبي البختري يمكن استظهار الحكم- و هو إلغاء قصد الصبي مطلقا، لا في خصوص باب الجنايات- من قوله (عليه السلام): «عمد الصبي خطأ».

و تقريب الاستظهار: أنّ رواية أبي البختري تكفّلت مطالب ثلاثة: أوّلها: أن جناية المعتوه و الصبي بالقتل العمدي تكون بمنزلة جنايتهما خطأ، فلا مجال للاقتصاص منهما، الذي هو حكم ارتكاب القتل العمدي من البالغ.

ثانيهما: أنّ الدية تستقر على عاقلتهما، و لا تخرج من مال المعتوه و الصبي، و هذا حكم الخطأ المحض، و إلّا فالدية في الجناية شبه العمد تكون في مال الجاني.

ثالثها: رفع القلم عن المعتوه و الصبي.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 19، ص 66، الباب 36 من أبواب قصاص النفس، ح 2.

42

فإنّ (1) ذكر «رفع القلم» في الذيل ليس له وجه ارتباط إلّا (2) بأن تكون علّة لأصل الحكم و هو ثبوت الدية على العاقلة، أو بأن تكون معلولة لقوله:

____________

و بما أنّ قوله (عليه السلام): «و قد رفع عنهما القلم» ليست جملة مستأنفة، بل هي مرتبطة بكون الدية على العاقلة، فلا بد من استكشاف وجه الربط، و هو أحد أمرين.

فإمّا أن يكون رفع القلم علّة لوجوب الدية على العاقلة، و معناه: أنّ رفع قلم المؤاخذة الدنيوية- سواء المالية كالدية و النفسية كالقصاص- عن المعتوه و الصبي كارتفاع المؤاخذة الأخروية صار منشأ لوجوب الدية على العاقلة.

و إمّا أن يكون رفع القلم معلولا لتنزيل الشارع عمد المعتوه و الصبي منزلة خطأهما، و معناه حينئذ: أنّ عمدهما لمّا كان في وعاء التشريع بمنزلة الخطأ و قصدهما كلا قصد، فلذا ارتفعت المؤاخذة الأخروية و الدنيوية- من القصاص و الغرامة الماليّة- عنهما شرعا.

و هذان الاحتمالان يشتركان في نفي موضوعية إنشاء الصبي للأثر، و يفترقان في ضمانه بالإتلاف.

أمّا الجهة المشتركة فلأنّ الإنشاء أمر قصدي، و لا يتحقق بدونه، و لذا لا يترتب أثر على إنشاء الهازل و النائم و الغالط و نحوهم ممّن لا يكون داعيه إلى الإنشاء تحقق الأمر الاعتباري في وعاء الاعتبار كالملكيّة و الزوجيّة و الحريّة.

و لا فرق في لغويّة إنشاء الصبي بين كونه لأجل تنزيل قصده منزلة عدم القصد، و بين رفع قلم المؤاخذة عنه شرعا. كما لا فرق بين كونه مستقلّا في التصرف في ماله، و بين كونه وكيلا عن الغير أو مأذونا عن وليّه.

و أمّا الجهة الفارقة- و هي الضمان بالإتلاف بناء على المعلوليّة، و عدمه بناء على العلّيّة- فسيأتي توضيحها في ص 146.

(1) هذا تقريب استظهار سلب عبارة الصبي من رواية أبي البختري، و قد عرفته آنفا.

(2) وجه الحصر في العلية و المعلولية عدم تطرّق احتمال آخر ككون الجملتين متلازمتين، أو كونهما معلولي أمر ثالث.

43

«عمدهما خطاء» يعني: (1) أنّه لمّا كان قصدهما بمنزلة العدم في نظر الشارع و في الواقع رفع القلم عنهما.

و لا يخفى أنّ (2) ارتباطها بالكلام على وجه العليّة و المعلولية للحكم المذكور في الرواية- أعني: عدم مؤاخذة الصبي و المجنون بمقتضى جناية العمد، و هو القصاص، و لا بمقتضى شبه العمد و هو الدية في مالهما- لا يستقيم (3) إلّا بأن يراد من رفع القلم ارتفاع المؤاخذة عنهما شرعا من حيث العقوبة الأخروية (4) و الدنيوية (5) المتعلقة بالنفس كالقصاص أو المال كغرامة الدية.

و عدم (6) ترتّب ذلك على أفعالهما المقصودة المتعمّد إليها ممّا لو وقع من

____________

(1) هذا تقريب معلوليّة رفع القلم، و عليّة تنزيل عمدهما منزلة خطائهما.

(2) غرضه من هذه الجملة أنّ ربط جملة «عمدهما خطأ» بجملة «رفع القلم» بالعلية أو المعلولية منوط بكون المرفوع قلم المؤاخذة مطلقا- كما هو مورد الرواية- لا قلم الأحكام التكليفيّة خاصّة، إذ بناء عليه تكون المؤاخذة الدنيوية- و هي الغرامة الماليّة بأداء الدية- في مالي المعتوه و الصبي، مع أنّ الرواية صريحة في كون الدية على العاقلة، و هذا يتوقّف على كون المرفوع عنهما مطلق المؤاخذة حتى الدنيويّة و لو الماليّة.

(3) خبر قوله: «أنّ ارتباطها» و قد عرفت تقريب عدم الاستقامة إلّا برفع المؤاخذة.

(4) فالعقوبة الأخرويّة لمن قتل مؤمنا عمدا هو الخلود في العذاب، و هذه مرفوعة عن قتل الصبي و المجنون عمدا.

(5) و هي إحدى ثلاث، فإمّا في النفس و إمّا في الطرف- بالقصاص في حق البالغ القاتل أو الجارح عمدا- و إمّا في المال بأداء الدية في الجناية شبه العمد.

(6) بالرفع معطوف على «ارتفاع المؤاخذة» و المراد ب‍ «ذلك» هو المؤاخذة، و التذكير بلحاظ قوله: «للحكم المذكور».

44

غيرهما (1) مع القصد و التعمد لترتب عليه غرامة أخروية أو دنيوية.

و على هذا (2) فإذا التزم على نفسه مالا بإقرار (3) أو معاوضة (4) و لو (5) بإذن الولي فلا (6) أثر له في إلزامه بالمال و مؤاخذته به و لو (7) بعد البلوغ، فإذا (8)

____________

(1) أي: غير الصبي و المجنون، و المراد بالغير هو البالغ العاقل.

(2) المشار إليه هو رفع المؤاخذة عن أفعال المعتوه و الصبي المقصودة المتعمّد إليها. و غرضه (قدّس سرّه) من هذا التفريع إلغاء إقرارهما و إنشائهما عن الأثر، فلو أقرّ الصبي المميّز بمال على ذمّته لم يؤاخذ به مطلقا و لو بعد بلوغه، سواء أ كان بإذن وليّه أم لا.

و الوجه فيه ما استفيد من الحديث من سلب قصده، و المفروض أنّ الإقرار و المعاملات أمور قصديّة.

و ليس الوجه في إلغاء إقراره المزبور كونه محجورا عن التصرف، إذ بناء عليه يلزم مؤاخذته بإقراره لو كان بإذن الولي، مع أنّ الحديث دال على سلب قصد الصبي مطلقا حتى بإذن وليّه.

(3) كما لو قال: «لزيد عليّ دينار» فهو إخبار باشتغال ذمّته بدينار لزيد.

(4) كما لو أنشأ القبول بقوله: «اشتريت هذا بدينار في ذمّتي».

(5) وصليّة، و هذا تصريح بإطلاق سلب الأثر عن التزام الصبي مالا على ذمته.

و كان الأولى تأخيره عن قوله: «فلا أثر له».

(6) جواب «فإذا التزم» أي: ليس التزام الصبي مؤثّرا في إلزامه بالمال في الحكم باشتغال ذمته به.

(7) وصلية، و هذا تصريح بإطلاق سلب مؤاخذة الصبي بالمال، فلا يؤاخذ به حتى بعد بلوغه.

(8) هذا وجه عدم إلزام الصبي بما التزم به على نفسه بإقرار أو معاوضة.

و محصّله كما تقدم آنفا هو كون قصده تكوينا خطأ تشريعا، و ليس الوجه فيه مجرّد حجره عن التصرف في ماله، لما عرفت من ارتفاع الحجر عنه بإذن وليّه، فيلزم نفوذ‌

45

لم يلزمه شي‌ء بالتزاماته- و لو كانت بإذن الولي- فليس (1) ذلك إلّا لسلب قصده و عدم العبرة بإنشائه، إذ لو كان ذلك لأجل عدم استقلاله و حجره عن الالتزامات على نفسه لم يكن (2) عدم المؤاخذة شاملا لصورة إذن الولي. و قد فرضنا الحكم (3) مطلقا (4)، فيدل (5) بالالتزام على كون قصده في إنشاءاته و إخباراته مسلوب الأثر.

ثمّ (6) إنّ مقتضى عموم هذه الفقرة

____________

إقراره و تصرفه لو أذن له وليّه، مع أنّ الظاهر سقوط إنشاءاته و إخباراته عن الاعتبار مطلقا و لو كانت بإذن وليّه، و هذا السقوط كاشف عن أنّ الدليل عليه هو سلب عبارته و كون قصده كلا قصد.

(1) جواب قوله: «فإذا لم يلزمه».

(2) جواب قوله: «لو كان ذلك».

(3) يعني: الحكم بعدم مؤاخذة الصبي بإقراره و معاوضته.

(4) أي: حتّى في صورة إذن الوليّ.

(5) يعني: فيدلّ رفع قلم المؤاخذة عن الصبي- بالالتزام- على سلب الأثر عن قصده. و عليه فدلالة «رفع القلم عن الصبي» على سلب العبارة و إن لم تكن بالمطابقة، لكنها تكون بالالتزام- إذ لو كان قصده كقصد البالغ العاقل موضوعا للأثر جازت مؤاخذته به- و من المعلوم كفاية الدلالة الالتزاميّة في مقام الاستدلال.

هذا كله في أصل دلالة رواية أبي البختري على دعوى المشهور من سلب عبارة الصبي، و يتفرّع عليها أمران نبّه عليهما المصنف (قدّس سرّه).

(6) هذا هو الأمر الأوّل، و حاصله: أنّ جملة «و قد رفع عنهما القلم» إمّا علة للحكم باستقرار الدية على العاقلة، و إمّا معلولة لتنزيل العمد منزلة الخطأ.

فإن كانت الجملة علّة اقتضت عدم مؤاخذة الصبي و المعتوه بشي‌ء من الأفعال‌

46

- بناء (1) على كونها علّة للحكم- عدم (2) مؤاخذتهما بالإتلاف الحاصل منهما،

____________

سواء صدرت عنهما عمدا أم خطأ، فلو أتلفا مالا محترما لم يضمناه، لفرض رفع قلم المؤاخذة عنهما مطلقا. و ضمان المتلف مؤاخذة، فهي مرفوعة عنهما.

فإن قلت: لا ريب في كون الإتلاف مضمّنا مطلقا حتى في حال الغفلة و النوم، و حيث إنّ «رفع القلم» من العمومات الشرعية القابلة للتخصيص فلذا يخصّص بما دلّ على الضمان بالتضييع و الإتلاف، و لا إشكال، هذا.

قلت: عموم «رفع القلم» و إن كان شرعيا، لكنّه آب عن التخصيص، لوروده مورد الامتنان على المعتوه و الصبي، و هو يقتضي رفع كلّ مؤاخذة عنهما سواء أ كانت في النفس أم في الطرف أم في المال. و عليه فإشكال الضمان بالإتلاف باق بناء على العلية.

و إن كانت الجملة معلولة لقوله (عليه السلام): «عمدهما خطأ» لم يلزم إشكال أصلا، لاختصاص المؤاخذة المرفوعة عنهما بما إذا ترتبت على خصوص فعل البالغ العمدي حتى يترتب عليه حكم فعله الخطائي، و حيث إن ضمان البالغ بالإتلاف مطلق و يثبت لحال خطائه أيضا، فلذا يخرج هذا الضمان عن مورد قوله (عليه السلام): «و قد رفع عنهما القلم» لتبعية المعلول لعلّته سعة و ضيقا، و لمّا كان الضمان بالإتلاف خارجا عن العلّة موضوعا امتنع أن يكون مشمولا للمعلول، و هو رفع القلم.

فالمتحصل: أنّ دلالة جملة «عمد الصبي خطأ» على سلب عبارته و إلغاء إنشائه و إخباره عن الأثر تامّة، و لا يقدح فيها ضمانه بالإتلاف مطلقا على تقدير عليّة «رفع القلم» لوجوب الدية على العاقلة.

(1) و أمّا بناء على كون «رفع القلم» معلولا لقوله: «عمد الصبي خطأ» فقد عرفت خروج ضمان الإتلاف تخصّصا عن العلّة. فالإشكال إنّما يتجه لو كان رفع القلم علّة لاستقرار دية الجناية على العاقلة، كما عرفت توضيحه آنفا.

(2) خبر «ان مقتضى» و ضميرا «مؤاخذتهما، منهما» راجعان إلى المعتوه و الصبي.

47

كما هو ظاهر المحكي عن بعض، إلّا أن يلتزم (1) بخروج ذلك عن عموم رفع القلم. و لا يخلو من بعد (2).

و لكن (3) هذا غير وارد على الاستدلال، لأنّه (4) ليس مبنيّا على كون «رفع القلم» علّة للحكم، لما (5) عرفت من احتمال كونه معلولا لسلب اعتبار قصد الصبي و المجنون، فيختص (6) رفع قلم المؤاخذة بالأفعال الّتي يعتبر في المؤاخذة عليها قصد الفاعل، فيخرج مثل الإتلاف (7)،

____________

(1) أي: إلّا أن يلتزم بخروج إتلاف الصبي و المجنون عن عموم رفع القلم تخصيصا.

(2) لأنّ سوقه آب عن التخصيص بعد وروده في مقام الامتنان.

(3) يعني: أنّ إشكال ضمانهما بالإتلاف و إن كان لازما بناء على علّية رفع القلم، إلّا أنّ الاستدلال بحديث أبي البختري على سلب عبارة الصبي سليم عن الإيراد، إذ ليس الاستدلال منوطا بعلية رفع القلم، بل المهمّ ظهور جملة «عمد الصبي خطأ» في إلغاء أفعاله و أقواله القصدية. و يكفي احتمال معلولية «رفع القلم» لتنزيل عمده منزلة خطأ البالغ شرعا، و لا ينتقض بضمان الإتلاف أصلا، كما أوضحناه قبل أسطر.

(4) أي: لأنّ الاستدلال على سلب عبارة الصبي ليس مبنيا على خصوص علّية رفع القلم حتى يستشكل فيه بضمان الإتلاف. وجه عدم الابتناء ما عرفت من أنّ جملة «عمد الصبي خطأ» وافية بإسقاط أفعاله و أقواله عن الأثر، سواء أ كانت علّة لرفع القلم أم معلولة له.

(5) تعليل لقوله: «ليس مبنيّا».

(6) هذه نتيجة احتمال كون رفع القلم معلولا لجعل قصد الصبي بمنزلة العدم.

(7) خروجا موضوعيا، بأحد وجهين:

الأوّل: أنّ حديث الرفع- بمناسبة الحكم و الموضوع- ينفي الآثار الثابتة للأفعال التي يعتبر فيها قصد الفاعلين، فيخرج مثل الإتلاف الذي لا يعتبر القصد في‌

48

فافهم و اغتنم (1).

ثم إنّ (2) القلم المرفوع هو قلم المؤاخذة الموضوع

____________

سببيته للضمان، لأنّ ذات الإتلاف مع الغضّ عن العمد سبب الضمان، و لذا يترتب على إتلاف فاقد العقل كالمجنون، و على فعل النائم الذي لا يشعر بما يفعله.

فسببيّة الإتلاف نظير نواقض الوضوء، فإنّ ناقضية البول مثلا للوضوء غير منوطة بالقصد و الاختيار، فلا ترتفع بحديث رفع القلم عن الثلاثة.

الثاني: أنّ الحديث وارد في مقام الامتنان على الأمّة الذين هم على السّواء بنظر الشارع، فرفع قلم الضمان عن إتلاف الصبي و إن كان منّة عليه قطعا، إلّا أنّه خلاف الامتنان على الكبير الذي تلف ماله، و من المعلوم أنّه لا ترجيح للصغير على الكبير حتى يقال بعدم سببيّة إتلاف الصبي للضمان.

و بهذا يقال أيضا بعدم شمول «رفع الخطأ» في مثل حديث رفع التسعة لإتلاف البالغ خطأ، ضرورة استلزام عدم ضمانه خلاف الامتنان على المالك، هذا.

(1) الأمر بالفهم و الاغتنام إشارة ظاهرا إلى دقة المطلب و تمامية الاستدلال بالحديث على مسلك المشهور.

(2) هذا إشارة إلى الأمر الثاني، و محصله: عدم التنافي بين كون المرفوع عن الصبي مطلق المؤاخذة المترتّبة على فعل البالغ، و بين تشريع بعض التعزيرات عليه كإدماء أنامله و قطعها في السرقة المتكررة. وجه عدم التنافي: أنّ المؤاخذة المرفوعة عنه هي الثابتة في حق البالغين سواء أ كانت دنيوية- بأن كانت في النفس كالقصاص أم في المال كالدية- أم أخروية. و هذا لا ينافي تأديبه ببعض العقوبات الدنيوية التي تخفّ عن عقوبة البالغ كمّا و كيفا.

قال شيخ الطائفة (قدّس سرّه): «و متى سرق من ليس بكامل العقل بأن يكون مجنونا أو صبيّا لم يبلغ- و إن نقب و كسر القفل- لم يكن عليه قطع. فإن كان صبيا عفي عنه مرّة، فإن عاد أدّب، فإن عاد ثالثة حكّت أصابعه حتى تدمى، فإن عاد قطعت أنامله،

49

على البالغين (1)، فلا ينافي (2) ثبوت بعض العقوبات للصبي كالتعزير (3) [1].

____________

فإن عاد بعد ذلك قطع أسفل من ذلك، كما يقطع الرّجل سواء» (1). و قطع أصابعه في المرحلة الخامسة و إن كان عقوبة البالغ، إلّا أنّه عقوبته في سرقته الاولى، و هذا فارق بين تعزير الصبي و حدّ البالغ. و قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): «و مستند هذا القول أخبار كثيرة صحيحة، و عليه الأكثر» (2).

(1) وجهه تقييد الرفع بغاية البلوغ، لقوله (عليه السلام): «حتى يحتلم»، فالمرفوع عن الصبي هو الثابت على البالغ.

(2) ضمير الفاعل راجع إلى قلم المؤاخذة المرفوع.

(3) يعني: بما يراه الامام من التأديب بما دون الحد الثابت على البالغ، فيمكن ثبوته على الصبي.

____________

[1] يقع الكلام في تحقيق رابع أدلة المشهور من الروايات المتضمنة لكون عمد الصبي و خطائه واحدا، و هي على ثلاثة مضامين:

الأوّل: ما يدلّ على ذلك مطلقا من دون تقييد بشي‌ء، كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: عمد الصبي و خطؤه واحد» (3).

الثاني: ما يدلّ على ذلك مقيّدا بكون دية الجناية الصادرة عن الصبي خطأ على عاقلته، كخبر إسحاق بن عمار «عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) انّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: عمد الصبيان خطأ تحمل على العاقلة» (4).

____________

(1) النهاية و نكتها، ج 3، ص 325.

(2) الروضة البهية، ج 9، ص 222، و راجع أخبار الباب في الوسائل، ج 18، ص 522 الى 526، الباب 28 من أبواب حد السرقة «باب حكم الصبيان إذا سرقوا».

(3) وسائل الشيعة، ج 19، ص 307، الباب 11 من أبواب العاقلة، ح 2.

(4) المصدر، ح 1.

50

____________

و عن علي (عليه السلام): «ليس بين الصبيان قصاص عملهم خطأ يكون فيه العقل» (1).

و عن دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام): «انّه ما قتل المجنون المغلوب على عقله و الصبي، فعمدهما خطأ على عاقلتهما» (2) و غير ذلك من الروايات.

الثالث: ما يدلّ على هذا الحكم مع قيد آخر، و هو رفع القلم عن الصبي، كرواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «أنّه كان يقول في المجنون المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة، و قد رفع عنهما القلم» (3).

قد يقال: ان الطائفة الأولى تدلّ على عدم الاعتناء بأقوال الصبي و أفعاله، و أنّ وجود ما يصدر عنه كالعدم، في عدم ترتب أثر عليه، فلا يترتب على عقود الصبي و إيقاعاته أثر و إن أذن له الولي أو أجازه، لأنّها كالصادرة من البالغين نسيانا، أو في حال النوم. فكأنّه قيل: عمد الصبي كالعدم، و قصده كلا قصد.

و لا تنافي بين هذه الطائفة و بين الطائفتين الأخريين حتى يحمل المطلق على المقيّد، ضرورة عدم التنافي بين كون عمد الصبي بمنزلة الخطاء في الجنايات، و بين كون عمده بمنزلة الخطاء في غير موارد الجنايات، فلا وجه لحمل المطلق على المقيّد.

هذا ملخص ما يقال في تقريب الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات على سلب عبارة الصبي حتى مع إذن الوليّ كما نسب إلى المشهور.

لكن فيه أوّلا: القطع بعدم إمكان إرادة الإطلاق، و إلّا يلزم تأسيس فقه جديد أو يلزم عدم مانعيّة مبطلات الصلاة و مفطرات الصوم، فإذا أكل أو شرب عمدا و هو صائم، أو أحدث كذلك و هو في الصلاة لزم عدم بطلان صومه و صلاته. و كذا لو زاد عمدا في صلاته، أو سافر قاصدا لقطع المسافة، فإنّه يلزم عدم بطلان صلاته في الأوّل، و عدم

____________

(1) مستدرك الوسائل، ج 18، ص 418، الباب 8 من أبواب العاقلة، ح 2

(2) المصدر، ح 4.

(3) وسائل الشيعة، ج 19، ص 66، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، ح 2.

51

____________

ثبوت القصر في الثاني، بل يلزم عدم مشروعية عبادات الصبي طرّا، لأنّها قصدية، و المفروض أنّ قصد الصبي كلا قصد على ما استظهره المستدل.

و ثانيا: انّ الاستظهار المزبور منوط بأن تكون العبارة دالة على نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، «كلا ربا بين الوالد و الولد» حتى يراد عدم ترتب حكم على عمد الصبي كعدمه على خطائه، و يكون المراد أنّ قصده كلا قصد في عدم ترتب أثر عليه.

و ليس الأمر كذلك، لأنّ المقام من تنزيل أحد الأمرين الوجوديّين منزلة صاحبه، و ذلك يتوقف على وجود الأثر شرعا للمنزّل عليه، فلا بد أن يكون للخطاء أثر حتى يصح تنزيل العمد منزلته، كتنزيل الطواف منزلة الصلاة. و من المعلوم أنّه لا مصداق لهذه الكبرى، و هي كون عمد الصبي منزلة خطائه إلّا الجنايات، لأنّ الجناية الصادرة منه عمدا بمنزلة الجناية الصادرة منه خطأ في كون الدية على العاقلة، فيصح حينئذ تنزيل جناية الصبي عمدا منزلة جنايته خطأ في كون ديتها على العاقلة، و لا مورد لهذا التنزيل في غير الجنايات.

لا يقال: إنّه قد ثبت أثر خاص لكل من العمد و الخطاء في الصلاة، و في تروك الإحرام، حيث إنّ ترك جزء من الصلاة عمدا موجب لبطلان الصلاة، و تركه خطأ غير موجب له، بل موجب لسجدة السهو إن لم يكن المتروك ركنا. و المحرم إذا صاد حيوانا عمدا وجبت عليه الكفارة زائدة على ما إذا صاده خطأ، فلا تختص أخبار تنزيل عمد الصبي منزلة الخطأ بالجنايات.

فإنه يقال: إنّ تنزيل عمد الصبي منزلة خطائه متقوم بأمرين:

أحدهما: ثبوت الأثر لكلّ من العمد و الخطاء.

ثانيهما: كون أثر الخطاء ثابتا لغير الفاعل، كما في الجناية الخطائية، فإنّ أثرها- و هو الدية في جناية البالغ خطاء- ثابت على غير الجاني أعني العاقلة. و من المعلوم أنّ مصداقه منحصر بباب الجنايات، لفقدان الأمر الثاني- و هو ثبوت أثر الخطاء على غير

52

____________

الفاعل- في الموارد المزبورة، ضرورة أنّ حكم الخطاء فيها كوجوب سجدتي السهو و وجوب الكفارة الثابتين على المخطئ البالغ منتف عن الصبي بحديث الرفع، و على فرض ثبوته على الصبي ليس ثابتا على العاقلة.

لكن عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) جريان الحديث أعنى عمد الصبي خطأ في كفارات الحج، حيث إنّ ارتكاب محرمات الإحرام عمدا يوجب الكفارة، دون ارتكابها خطأ إلّا الصيد. فلكلّ من العمد و الخطاء أثر، فلا يختص الحديث بالجنايات (1).

و فيه: أنّ عدم وجوب الكفارة في الخطأ إنّما هو لعدم الموضوع و هو العمد، بخلاف الجنايات، فإنّها على ثلاثة أقسام: العمدية و الخطائية المحضة و الشبيهة بالعمد.

فتلخص: أنّ الاستدلال بالمطلقات المتقدّمة لإثبات كون الصبي مسلوب العبارة في غير محله.

بقي الكلام فيما يستفاد من قوله (عليه السلام) في ذيل رواية أبي البختري: «عمدهما خطاء تحمله العاقلة، و قد رفع عنهما القلم» فانّ المصنف (قدّس سرّه) استظهر من هذه الجملة دلالتها على كون الصبي مسلوب العبارة، و أنّ عقده و إيقاعه مع القصد ليسا موضوعين للآثار الشرعية، بل هما كعقد الخاطى و الهازل و إيقاعهما، فلا يختص ما دلّ على كون عمد الصبي خطاء بالجنايات.

و تقريب استظهاره: أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و قد رفع عنهما القلم» إمّا علة لثبوت الدية على العاقلة، يعني: أنّ علة ثبوت الدية على العاقلة لا على نفس الصبي هي رفع القلم عنه إذ لو كان القلم موضوعا عليه كان نفس الصبي مطالبا بالدية. و إمّا معلول لقوله: «عمدهما خطأ» بمعنى أنّ علّة رفع القلم عن الصبي و المجنون هو كون قصدهما بمنزلة عدم القصد في نظر الشارع. فالرواية و إن كان موردها الجناية، إلّا أنّ العبرة بعموم العلّة لا بخصوصية المورد، فلا يعتد بشي‌ء من الأفعال و الأقوال الصادرة من الصبي

____________

(1) منية الطالب، ج 1، ص 173.

53

____________

و المجنون، لأنّهما مسلوبا العبارة في وعاء التشريع، فلا محذور في الأخذ بعموم العلة في سائر الموارد، هذا.

لكن الظاهر عدم تمامية شي‌ء من التقريبين.

أمّا كونه علّة لثبوت الدية على العاقلة، ففيه: عدم الملازمة بينهما فضلا عن العليّة.

نعم ثبت في الشريعة المقدسة أنّ دم المسلم لا يذهب هدرا، لكنه لا يلازم ثبوت الدية على العاقلة، لإمكان أن تكون الدية على جميع المسلمين، أو بيت المال، أو غير ذلك.

و أمّا كونه معلولا لقوله: «عمده خطأ».

ففيه:- مضافا إلى عدم اقترانه بما يفيد العلية في مقام الإثبات كلفظة «لأنّ» أو «فان»- أنّه إن أريد كون العمد خطاء تكوينا فلا بأس بعليّته لرفع القلم، لأنّه بعد فرض عدم صدور الفعل العمدي عن الصبي لا يصلح فعله لأن يكون موضوعا شرعا للأثر.

لكن الأمر ليس كذلك، لكونه كذبا.

فلا بد أن يكون عمده خطاء تنزيلا لا تكوينا، بمعنى: أنّ الشارع نزّل عمد الصبي منزلة الخطاء، بأن يراد من التنزيل نفي آثار العمد كالقصاص و شبه العمد كالدية الثابتة في مال الجاني خطأ، و ترتيب آثار الخطاء المحض بالنسبة إلى غير الفاعل. و ذلك منحصر بالجنايات، لأنّها هي التي تترتب على أقسامها الثلاثة- من العمد و شبهه و الخطأ المحض- أحكام خاصة.

و إن شئت فقل: إنّ وجه المناسبة بين قوله (عليه السلام): «رفع عنهما القلم» و بين قوله (عليه السلام): «عمدهما خطاء» هو أنّ تنزيل عمد الصبي منزلة خطائه متقوم بأمرين:

أحدهما: حكم سلبي، و هو عدم ترتب أحكام العمد- من القصاص و الدية في ماله- على فعله، و عدم إلزام الصبي بشي‌ء من أفعاله.

و الآخر: حكم إيجابي، و هو ترتب أحكام الفعل الخطائي على فعله في خصوص ما إذا كان متوجّها إلى الغير كالعاقلة، لا إلى الصبي.

54

____________

و المتكفل لبيان الأمر الأوّل هو: «رفع القلم عن الصبي» و لبيان الأمر الثاني هو قوله: «تحمله العاقلة» و هذا معنى رفع القلم، يعني: أنّ قلم التكاليف الإلزامية الثابتة للأفعال العمدية على البالغين مرفوع عن الصبي، فعمد الصبي عمد تكوينا و خطاء تشريعا. فالقصاص مرفوع عن الجناية الصادرة عنه عمدا، فرفع القلم عن الصبي متمم لقوله: «عمد الصبي خطاء» لا معلول له.

و على هذا فمفاد رواية أبي البختري موافق لما يستفاد من سائر الروايات المتضمنة لكون الصبي مرفوع القلم.

هذا مضافا الى ضعف سندها بأبي البختري الذي اسمه وهب بن وهب بن عبد اللّه بن رمعة بن الأسود، لأنّه كان كذّابا عامي المذهب. فلا تكون الرواية حجة.

فتلخص من جميع ما تقدم: أنّه لا دليل على كون الصبي مسلوب العبارة، بحيث لا يترتب على إنشاءاته العقدية و الإيقاعية أثر أصلا و لو كانت بإذن الولي أو إجازته. مع أنّ الإذن و الإجازة يوجبان إضافة ما أنشأه الصبي إلى الولي كعقد الفضولي.

ثمّ إنّ المصنف (قدّس سرّه) أشار إلى فروع:

منها: مسألة إتلاف الصبي و سببيّته للضمان و عدمها، فإنّه قد يتوهم عدم الضمان، لأنّ عمد الصبي خطاء، و لأنّ قلم التكليف مرفوع عنه حتى يحتلم.

لكن فساد هذا التوهم ظاهر. أمّا الأوّل فلأنّ تنزيل عمد الصبي منزلة خطائه إنّما هو في خصوص الأفعال التي لا تكون موضوعة للأحكام الشرعية، إلّا إذا صدرت عن فاعليها بالقصد و الاختيار، فلو كان الحكم الشرعي مترتبا على نفس الفعل و إن صدر بلا قصد و عمد كالجنابة الموجبة للغسل و إن حصلت في النوم، و كمباشرة النجاسات الموجبة لنجاسة البدن، و إن كانت المباشرة بغير إرادة و اختيار، و كالإحداث الناقصة للطهارة، فإنّها ناقصة لها و إن صدرت جهلا أو غفلة و بغير اختيار، فإنّ موضوعية هذه الأمور لأحكامها لا تتوقف على صدورها عن قصد و عمد. و من المعلوم أنّ الإتلاف من