وجيزة الأحكام‌ - ج2

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
25 /
1

الجزء الثاني

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و له الحمد و المجد‌

بعد حمد اللّه على عظيم أفضاله و الصلاة و السلام على محمد و آله. نذكر أن هذا هو الجزء الثاني من وجيزة الأحكام في مسائل الحلال و الحرام يشتمل على أحكام ما تعم البلوى به من أصول العقود و المعاملات، و الصحيح منها و الفاسد و تميّز المكاسب المحرّمة من المحللة.

2

أسباب اكتساب المال

مقدمة‌

أسباب الكسب و تحصيل المال كثيرة، و حصرها بالأربعة في (مرسلة تحف العقول): الولايات و التجارات و الصناعات و الإجازات- اضافي- و إلَّا فهناك أسباب أخرى كثيرة كإحياء الموات، و إجراء القنوات، و حيازة المباحات، و التعرض للهدايا و الصدقات و نحو ذلك، و الكل على أصالة الإباحة إلَّا ما ثبت له أحد الأحكام الخمسة لذاته أو لمتعلقه و اكتساب المال في حد ذاته مضافاً إلى اباحته راجح عقلًا، مستحب شرعاً بل في بعض الأخبار أنه من أفضل العبادة، و قد يعرض له من العناوين ما يزيد في حسنه و استحبابه كما لو قصد به التوسعة على العيال و نفع المحاويج، وصلة الأرحام و نحو ذلك، و قد يزداد حتى يبلغ حد الوجوب كما لو توقف تحصيل الواجب من نفقته أو نفقة عياله الواجبي النفقة عليه، و قد يلحقه عنوان ذو مفسدة تزاحم حسنة فقد توازي مصلحته الذاتية فيكون مباحاً متساوي الطرفين، و قد ترجح فيكون مكروهاً كالإكتساب من الطرق الخسيسة كالتسول و التكدي و نحوهما و قد تنتهي المفسدة إلى كرامة كما لو أوجب تفويت واجب أو مزاحمة ذي حق كالبيع وقت النداء أو الدخول في السوم و نحوهما. هذا كله باعتبار ذاته و ما يلحقها من العناوين لا من حيث متعلقه.

و أما ما يلحقه باعتبار المتعلق بخصوصه عيناً أو منفعة فقد يحرم باعتبار تعلقه بعين خاصة أو منفعة كذلك كبيع الخمر و الخنزير أو صناعة الأصنام و نحوها، و قد يكره كبيع الأكفان و كالحجامة و القصابة صنعة، و قد يجب و لو بانطباق عنوان ثانوي عليه كما لو انحصر تحصيل نفقة عياله على بيع دابته مثلًا، و قد يكون مندوباً كالرعي و الزراعة فإنها مضافاً إلى استحبابها في ذاتها يستحب اكتساب المال بها و اتخاذها صنعة أيضاً، و قد يتعلق بالأعيان المباحة أيضاً فيباح.

فالاكتساب بذاته إلى الأحكام الخمسة كانقسامه باعتبار متعلقه و موضوعه إليها، إذاً فالكلام يقع في مقامين:

الأول: في أحكام الاكتساب.

الثاني: في الموضوعات المكتسب بها.

3

1- أحكام الاكتساب

ففيه مسائل:

1- يجب على البالغ القادر تحصيل ما يقوم بنفقته و نفقة عياله من زوجته و مماليكه و أطفاله له على حسب حالهم و حاله بل لا يبعد وجوب تحصيل نفقة أبويه و أولاده إذا كانوا عاجزين عن تحصيلها لأنفسهم و يحرم عليه التكسب بالسؤال مع قدرته على غيره و لا يجوز الدفع له من الحقوق و الكفارات و نحوهما، إلَّا إذا عصى فيجوز الدفع لمن وجبت نفقته عليه مع عجزه.

نعم، يجوز بل قد يجب على طالبي العلوم الدينية إذا كانوا فقراء و كان التكسب مزاحماً لتحصيلهم الأخذ من الحقوق بقدر كفايتهم بل مع عدم الحقوق أو عدم وفائها في قرية أو بلد يجب على القادرين كفاية القيام بنفقة من يحتاجون إليه في تعليم المسائل الدينية و حفظ من لا يستغنى عنه في نشر الأحكام الشرعية، و لو لا ذلك لانمحقت أعلام الشريعة و انطمست معالم الدين.

2- يجب على جميع الناس كفايةً- و مع الانحصار عيناً- القيام و لو تكسباً بجميع ما يحتاج البشر إليه في تعيشهم من الزراعات و الصناعات و التجارة و الإجارة، و كلما يتوقف صلاح نوع البشر عليه.

3- يجب على كل مكلف اكتساب كلّما يتوقف الواجب عليه مع تمكنه كالماء للوضوء و الغسل، و التراب للتيمم، و الزاد، و الراحلة للحج و هكذا، و لو بأضعاف قيمته ما لم يضر بحاله.

4- يحرم كل معاملة ربوية و تفسد سواء كانت بيعاً أو صلحاً أو معاطاتاً أو قرضاً أو غير ذلك، و المراد بالربا معاوضة المكيل أو الموزون بآخر من جنسه مع التفاضل مطلقاً.

و في القرض تحرم الزيادة مطلقاً، فلو أقرضه الليرة بمائة قران كان حراماً و فاسداً فلا يصح للمقترض التصرف فيما اقترضه بذلك النحو، و لا فرق في الزيادة بين الحكميّة و العينيّة و لا بين جعلها شرطاً أو عوضاً، و ستأتي بقية أحكامه إن شاء اللّه.

4

5- يحرم البيع و الشراء بل مطلق المعاملات على الأحوط إذا زاحمت واجباً مضيقاً كالصلاة في آخر وقتها أو أوله مع العلم بعدم التمكن منها لو أخّرها و هكذا، و لكن لو عصى و أوقع البيع أو غيره لا يبعد القول بالصحة و إن فعل حراماً.

6- يكره الاكتساب مطلقاً في أوقات الفضيلة للفرائض الخمس قبل ادائها بل لا يبعد كراهته قبل ادائها مطلقاً ككراهته بين الطلوعين مطلقاً.

نعم، يحرم في ظهر يوم الجمعة مع وجوب صلاتها باستجماع شرائطها بل و مع عدم وجوبها احتياطاً، فينبغي عدم التشاغل بشي‌ء من المعاملات في أول ظهر يوم الجمعة حتى يؤدي الظهر أو الجمعة، و لكن لو عصى و باع فالأقوى الصحة و إن فعل حراماً.

7- يكره ركوب البحر للتجارة و معاملة الظالمين بل و مطلق من لا يتورّع في أمواله و معاملة السفلة و الأداني يعني من خلع جلباب الحياء فلا يبالي بما قال و ما قيل فيه كما يكره معاملة المحارفين و هم الذين لا توفيق لهم و لا بركة في أعمالهم بل يستحب معاملة ذوي الحظوظ فإنها تزيد في الحظ كما في الخبر، و يكره أيضاً معاملة ذوي العاهات و من لا بصيرة لهم في الأمور المهمة.

5

2- الموضوعات المكتسب بها

و فيه مسائل:

1- ما يحرم الاكتساب به لنجاسة عينه

، فيحرم الاكتساب بكل نجس لا يقبل التطهير سواء كانت نجاسته ذاتية: كالخمر، و النبيذ، و الفقاع، و الدم، و الميتة، و الكلب و الخنزير البريين، و أبوال ما لا يؤكل لحمه و عذراته.

أو عرضية: كالدهن، و الدبس و نحوهما، إذا لم يقبل التطهير إلَّا بانقلاب حقيقته و استهلاك ذاته و المراد بالحرمة هنا فساد المعاملة و حرمة التصرف فيما يأخذه كل منهما من العوضين كما أنه لا ريب في حرمته التشريعية أيضاً.

أما حرمة إنشاء التمليك بالصيغة أو غيرها فغير معلوم و إن كان غير بعيد، كما لا يبعد حلية سائر أنواع الانتفاعات بها عدا الاكتساب سوى ما استثنى فيما لا يتوقف على طهارتها من الاستعمالات فيجوز التسميد بها و التداوي و اللقاح و إصلاح بعض الآلات و سقي البساتين بجلود الميتة و نحو ذلك و إن كان الأحوط في خصوص الميتة ترك الانتفاع بشي‌ء مما تحله الحياة منها مطلقاً، كما أنَّ الأقوى جواز بيع جميع الأعيان النجسة فضلًا عن المتنجسة إذا كان لها مالية عرفاً لوجود المنفعة المحللة فيها و لو نادراً عدا البول و العذرة و الميتة و كلب الهراش فلا يجوز بيع شي‌ء منها مطلقاً و إن جاز الانتفاع بها في غير الأكل و الشرب و الصلاة، فمثل الدهن المتنجس و نحوه، بل و الخمر و نحوه إذا كان مما ينتفع به في غير الأكل و الشرب، و يبذل العقلاء المال بإزائه في تلك الجهة يصح بيعه و شراؤه بالنظر إليها، و هذه هي الضابطة في صحة البيع و جوازه حتى في غير النجاسات كأبوال ما يؤكل لحمه و أرواثه و دم السمك و نحوه.

أما الخمر للتخليل و العصير العنبي مع الغليان و ميتة ما لا نفس له كالسمك و نحوه و كلب الزرع و الصيد و الماشية و الدهن المتنجس للاستصباح و غيره تحت السقف و غيره، فلا ريب في صحة بيعها و حليته.

نعم يلزم في بيع النجس أو المتنجس اعلام المشتري الجاهل به إلَّا مع العلم بأنه لا يستعمله في مشروط بالطهارة.

6

2- ما يحرم التكسب به لحرمة الغاية المقصودة منه

سواء كان الحرام هو الغرض المقصود منه المنحصر في أصل جعله و ايجاده كالأصنام و الصلبان و آلات اللهو و القمار و الأوتار و العود و المزمار و نحوها، فإن بيع كل ما هو من هذا القبيل حرام فاسد و ثمنه سحت.

نعم، إلَّا إذا زالت صورته النوعية فصار الصنم مثلًا خشباً أو حديد و الأوتار خيوطاً أو حبالًا فإنه يجوز بيعها بلا ريب، أو كان الحرام هو الغرض منه بقصد المتبايعين كما لو باعه العنب ليعمله المشتري خمراً أو السلاح ليقتل به مؤمناً أو الخشب ليجعله صنماً أو الذهب و الفضة ليصوغها آنية فكل معاملة مشتملة على شرط الحرام في الثمن أو المثمن منهما أو من أحدهما محرمة فاسدة، أما لو لم يكن ذلك على نحو الشرط فالأقوى الصحة سواء كان من قصدهما أو قصد أحدهما ذلك قبل العقد أم حدث القصد بعد العقد و سواءً تبايناً عليه قبل العقد أم لا و إن كان الأحوط مؤكداً الاجتناب في الجميع خصوصاً في صورة التباني على الحرام و التصريح به خارج العقد و خصوصاً في صورة تحقق الإعانة على الاثم كما في موارد الانحصار بحيث لولاه لما وقع في الحرام فإن حرمة البيع هنا قوية جداً.

و مثله الكلام في اجارة الحمولة و المساكن للخمر و الفواحش و نحوها، بل لا يبعد حرمة بيع كل ما يعلم البائع ترتّب مفسدة نوعيّة على مبيعه معلوم من الشرع أو العقل قبحها الملزم بالترك كبيع السلاح على المحاربين من اعداء الدين أو على اللصوص و قطّاع الطريق بل على مطلق المحاربين للمسلمين أو المتحاربين منهم لا ما يترتب عليه مفسدة شخصية كشرب الخمر أو سماع غناء أو نحو ذلك، إلَّا أن تكون مفسدة سارية إلى النوع بالفعل أو القوة القريبة منه.

3- ما يحرم الاكتساب به لعدم المنفعة النوعية فيه

، و ضابط هذا القسم ما خلا عن المنفعة المحللة المعتد بها عند العقلاء و هو ما لا يبذل المال بإزائه عندهم و إن كان مما قد يترتب عليه منفعة نادرة و ذلك كالحشرات، و الوحوش، و السباع، و سباع الطير، و الغربان دون ما يعد منها مالًا كالعلق، ودود القز، و الصقور، و كالعقاقير، و الحشائش ذوات الخوّاص و إن كانت منفعتها نادرة فليس المدار على ندرة المنفعة و عدمه بل على اعتداد العقلاء بمنفعته و عدم الاعتداد بها و من ذلك أكثر ما لا يؤكل من حيوانات البحر فإن بيعها بذلك الاعتبار صحيح جائز.

7

أما القسم الأول فالظاهر إنَّ حرمته ليست كالاكتساب بالخمر و الخنزير و نحوهما و إنما هي عبارة عن فساد المعاملة أو مع الحرمة التشريعية لا غير، و على هذا فالأرانب و الثعالب و نحوها من الوحوش البرية أو البحرية لو تعارف عند قوم أكلها أو المعاوضة عليها، لم ترتفع الحرمة و الفساد بذلك لأن الشارع بتحريم لحمه قد أسقط تلك المنفعة فصار كبيع ما لا منفعة فيه.

نعم، لو تعارف التعامل عليه باعتبار منفعة غير الأكل صحَّ بيعه و شراؤه و صار من الأموال شرعاً كما هو كذلك عرفاً.

4- ما يحرم الاكتساب به لكونه عملًا محرماً في نفسه،

فجميع الأعمال المحرمة في حد ذاتها شرعاً يحرم الاكتساب بها كالزنا و شرب الخمر و اللواط و القيادة عليهما و عليه و تهيئة المساكن و المنازل و الحوانيت لتلك الأمور، بل إجارتها لمن يقصد فيها ذلك كله حرام مؤكد و فسق مشدد، و التدليس مطلقاً و تدليس الماشطة خصوصاً و المراد به أن تزيّن المرأة بحمرة أو بياض أو سواد في الحواجب و العيون بحيث يحسب الرائي الذي يريد التزويج أو الشراء أنه طبيعي لها فيرغب فيها جهلًا بحالها، أما تزيّن المرأة لزوجها أو مطلقاً لا لذلك فلا بأس به كيفما شاءت من حفّ شعر أو وصل شعرها بغيره أو وشم موضع من بدنها إلى كثير من أمثال ذلك فإن جميعه حلال سائغ و يحل أخذ الأجرة عليه.

نعم، الأحوط اجتناب وشم الأطفال إذا كان فيه إيذاء لهم فضلًا عن مثل ثقب الأنف و الأذن و نحوهما. نعم، لا يبعد جواز ثقب الأذن في الأنثى لزينة خصوصاً مع أمن الضرر و عدم الأذى أو قلّته.

و أما الجب و الخصي فلا اشكال في حرمته في الإنسان مطلقاً حتى المملوك و جوازه في سائر الحيوان إذا كانت فيه فائدة مقصودة للعقلاء و إلَّا فلا.

و من الأعمال المحرمة في نفسها فيحرم الاكتساب بها أنواع السحر و الشعبذة و السيميا و التنجيم و الكهانة و القيافة، و الأقوى دوران الحرمة مدار صدق تلك الأسماء عرفاً أو العلم بتحقيق حقائقها واقعاً و مع الشك فالمرجع أصالة الاباحة.

8

و منها التغزّل بإنسان معيّن ذكر أو أنثى غير الزوجة و المملوكة بل مطلقاً على بعض الوجوه مع تعيينه في الكلام أو الشعر و لو ببعض القرائن أو الأوصاف، أما لو قصد معيّناً و لم يعيّنه فالأقوى عدم الحرمة، و لا فرق في الحرمة بين التغزّل بالبالغ و غيره إذا كان مصوناً بل مطلقاً على الأحوط مع التفات السامع إليه و عدمه.

و منها تزيّ الرجل بزي المرأة و بالعكس، و التطفيف في الكيل، و يلحق به كل ما يوجب اعطاء ما دون الحق أو أخذ ما زاد عليه في اللون و الذرع و العدّ و حفظ كتب الضلال عن الاندراس أو بالدرس أو التدريس أو على ظهر الغيب إلَّا للرد عليها. و القدر المتيقن من كتب الرد على الإسلام ما يشتمل على مطاعن القرآن أو النبي و الأئمة (ع).

و منها كتب الخوارج و النواصب و الغلاة و البابية المشتملة على الاستدلال لعقائدهم الباطلة، أما كتب الصوفية و الكشفية و الزيدية و أمثالهم من فرق الشيعة فتمييز كتب الضلال منها عن غيره موكول إلى نظر المجتهد الجامع و الأحوط اجتنابها إلَّا بعد مراجعته و أخذ الرخصة منه بالخصوص.

9

و منها أخذ الرشا في الأحكام ففي الخبر أنه هو الكفر بالله العظيم، و الظاهر حرمته و لو كان بعنوان الهدية إذا كان القصد منها استمالته و هي من أعظم الكبائر على الدافع و الأخذ بل لا يبعد حرمتها على الواسطة إلى الحاكم و المتشفع إليه و لا فرق في الحرمة بين كون الحاكم فقيراً أم لا، و بين حكمه بالحق أو بالباطل و بين دفعها قبل الحكم أو بعده مع التباني عليها قيل نعم له أن يأخذ بعد تبيّن الحق عنده جعلًا على كتابة الحكم أو على تسجيله إن كان محتاجاً على الأحوط كما أن للغير أن يكون وكيلًا عن أحد المتداعيين بجعالة فإن هذا و نظائره ليس من الرشوة في شي‌ء.

و منه عمل الصور المجسمة من ذوات الأرواح بل الأحوط اجتناب تصويرها مطلقاً أما مثل الشجر و الأبنية فلا اشكال في اباحته مطلقاً كما لا اشكال في عدم دخول ما يسمى اليوم بالعكس و الرسم في عنوان التصوير، أما اقتناء الصور مجسّمة كانت أم لا من ذوات الأرواح أم لا فالأقوى عدم حرمته على كراهة، و لكن لا يحل بيعها و شرائها و سائر أنواع الاكتساب بها، و يكفي في رفع الحرمة أو الكراهة قطع رءوسها أو محو وجوهها.

و منه الغش و المراد به خلط الجيد بالردي‌ء أو الجنس المطلوب بغيره كإدخال الماء في اللبن و التراب في الحنطة، و التدليس و هو اظهار صفة جيدة في الشي‌ء و هو فاقد لها أو اظهار الشي‌ء بجنس أعلى كالمموه على أنه ذهب أو مطلق ما يوجب التغرير و الخدع فيدخل فيه النجس و هو أن تزيد في السلعة و أنت لا تريد شرائها بل طلباً لزيادة الغير كي تزيد قيمتها و هو حرام مع مواطاة البائع و عدمها على الأصح‌

10

و منه الغناء و هو الأصوات المعدة لمجالس اللهو و الطرب الباعثة عندهم غالباً على الصفق و الرقص و نحوها من الحركات المنبعثة عن الخفة و الطيش و هيجان القوى الحيوانية و الضابطة إن الصوت إن علم أنه من الأصوات المعدة لتلك المجالس و لأرباب اللهو و الطرب و كان محدثاً للسامع تلك الخفة فلا اشكال في حرمته و إن لم يكن محدثاً لها و كان من شأنه ذلك عند أهله فلا ينبغي ترك الاحتياط أيضاً في اجتنابه و مع الشك في ذلك فهو على أصالة الحل و الإباحة.

نعم، لا فرق في المحرم منه بين أن يكون المقروءة قرآناً أو دعاءً أو شعراً حقاً أو باطلًا أو غير ذلك.

أما ترقيق الصوت و تخزينه و تحسينه و مدّه أو ترجيعه بالقرآن أو غيره فليس من الغناء المحرم أصلًا بل هو في القرآن مستحب جداً و مما يزيده حسناً، و في الخبر رجّع بالقرآن صوتك فإن اللّه يحب الصوت الحسن. و قد استثنى الفقهاء من الغناء المحرم الحداء للابل و غناء المغنية في الأعراس إذا لم يشتمل على محرم آخر من سماع الرجال أصواتهن أو استعمال آلات اللهو المحرّمة كالدف و العود و المزمار و التكلّم بالأباطيل و نحو ذلك.

و منه سباب المؤمن و هو أن يواجهه بما يوجب أهانته و نقصه كقوله، يا لعين، أو يا خبيث، أو يا حمار و ما أشبه ذلك و يدخل فيه تعيير المؤمن و عيبه مواجهةً بما هو فيه أولا و هو المراد بقوله تعالى: [وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ]، و قوله تعالى: [وَ لٰا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لٰا تَنٰابَزُوا بِالْأَلْقٰابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ]، و المراد باللمز العيب باللسان و بالهمز العيب بالإشارات و الحركات، و في قوله جلَّ شأنه أنفسكم إشارة إلى أنَّ المؤمنين جميعاً كنفس واحدة فإذا عاب المؤمن أخاه فقد عاب نفسه.

و النبز هو الطعن، قيل أتت صفية بنت حي بن أخطب إحدى زوجات النبي (ص) فقالت له: أن عائشة تقول لي أنتِ يهودية بنت يهوديين، فقال لها: (هلّا قلت لها أبي هارون و عمّي موسى و زوجي محمد) فنزلت الآية، و فيه تعليم للمؤمن في مقام الجواب إن اللازم أن يقف المؤمن موقف المدافع عن نفسه فيدفع المثلية و العار عنها لا ردّ العار على صاحبه فيكون من التسابب، فلم يقل لها: (هلّا قلت لها أنت مشركة بنت مشركين)، و يستثنى من ذلك سبّ المبتدع لقوله (ص): (إذا رأيتم أهل البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم). و المتجاهر بالفسق لأنه لا حرمة له و من لا يوجب قول ذلك الساب الخاص نقصاً في حقه و لا مهانة كقول الوالد لولده أو المولى لعبده أو الأستاذ لتلميذه: يا بليد أو نحو ذلك، و لا سيّما في مقام التأديب و التعليم، و لكن لا ريب أن الأولى بل اللازم سيّما مع تأثره تنزيه اللسان عن كل ما فيه أدنى شائبة من الفحش و البذاءة، و طريق التأديب و التعليم لا ينحصر بذلك و حسن القول أحسن، و هو بالتأثير و القبول أمكن.

11

في الغيبة و النميمة

و منه النميمة و هي أن تسمع من قائل سوءاً في حق آخر فتنقله إليه و هي من المحرمات المؤكدة و من أمهات الكبائر قيل و هي المرادة بقوله تعالى: [وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ]، و قوله تعالى: [وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ].

و منه غيبة المؤمن و المراد بها ذكر الغير في غيابه بعيب هو فيه في دينه أو خلقته أو أخلاقه أو نسبه أو عمله يوجب نقصه عرفاً و إن لم يكن بقصد نقصه و إذا غابه بحضوره فإن كان بما يوجب حداً كما لو قال له يا زاني أو يا شارب الخمر فهو قذف و لو كان بغير ما يوجب حداً و ليس فيه فهو بهتان و إلَّا فهو سبّ و تعيير. و لو قصد انتقاصه بما لا يوجب نقصه عرفاً كقوله فلان الشاعر أو الأديب أو كان منقصاً و لم يقصد انتقاصه به مما هو ظاهر مكشوف كالأعمش و الأعرج و نحوها، أو كالحجام أو الحائك و الجمّال و نظائرها، أو كان يكره ذكره به و إن لم يكن منقصاً كصاحب الأموال الكثيرة و الدواب الحسنة و أمثال ذلك، فالأقوى عدم الحرمة فقاهة و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في الاجتناب، تورّعاً في جميع تلك الصور و بالجملة فيمكن ضبط الغيبة بكلمتين و هي أن يقال: هي تنقيص المؤمن بسوء الذكر أو كشف ما حقّه الستر و من هنا يعلم أن المدار في الحرمة على اثبات النقص لا على نفي الكمال و يختلف هذا باختلاف اساليب الكلام فقولك مثلًا فلان بخيل غيبة، و قولك ليس بكريم ليس بغيبة، و قولك أنه جاهل غيبة دون قولك ليس بعالم و إن كان يتظاهر بالعلم و يسوءه نفيه عنه.

أما قولك ليس بفقيه أو ليس بمجتهد فهو خارج عن الغيبة قطعاً و مباح بل ربما يكون السكوت عن مدعيه و ليس من أهله من أعظم المآثم، و للغيبة عند الشارع هول عظيم، و تهديد و وعيد ما عليها من مزيد، و لقد صوّرها القرآن المجيد بأفظع صورة حيث قال جلَّ شأنه: [وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً].

فجعل المؤمن أخاً و جعل غيبته التي لا يستطيع معها دفعاً عن نفسه كونه و ذكره بالسوء كأكل لحمه و هي طعام كلاب أهل النار يعني أن المستغيب يصير كلباً من كلاب جهنم و تصير الغيبة بناءً على تجسّم الأعمال كما هو الحق طعاماً من الأطعمة المناسبة للكلاب من الجيفة و الفطائس، و في بعض الأخبار إنها أشد من الزنا و إن من أغتاب مسلماً لم يقبل اللّه منه صلاةً و لا صياماً أربعين صباحاً، ثمّ لا فرق في حرمة الغيبة بين ذكره باللسان أو الإشارة و بين القول و الكتابة، و بين الصريح أو الكناية و لا في المستغاب بين كونه رجلًا أو امرأة و بين كونه بالغاً أو غير بالغ على الأقوى.

12

نعم، ثبت بالنص و الإجماع جواز الغيبة في موارد بل ربما تجب في بعضها:

أحدها: المتجاهر بالفسق الذي لا يبالي بنسبة المعاصي إليه و لا يتستر بها، و لكن الأحوط الاقتصار على اغتيابه بخصوص ما يتجاهر به أو ما دونه لا بمساويه أو الأشد، فمن يتجاهر بالنهب يجوز اغتيابه بالسرقة إذا كان يسرق و يزني لا بالقتل و نحوه و هكذا دون العكس.

ثانيها: غيبة المظلوم لظالمه في مقام التظلم سواءً تستر الظالم له في ظلمه أو تجاهر لإطلاق قوله تعالى: [لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ]، و سواءً كان للمظلوم في غيبة ظالمه فائدة أم لا، و الميزان لظلم المسوّغ للغيبة أن يكون قد غصبك مالك أو ضربك أو شتمك لا مثل ما لو لم يكرمك أو لم يقض حاجتك أو نحو ذلك، فالمدار على تحقق الظلم و العدوان منه عليك لا على ترك الأولى، و إن كان يظهر من بعض الأخبار جواز الغيبة على ترك أي حق كان من حقوق المؤمن على أخيه، و لكن الأولى الاقتصار على ما ذكرناه.

ثالثها: الاستفتاء كأن يقول للمفتي فلان ظلمني أو غصبني فكيف تخلصي منه حيث تكون جهة تقتضي ذكر اسمه.

رابعها: نصح المستشير كما لو استشارك رجل في تزويج بنته لشخص أو أن يتزوّج بامرأة و أنت تعلم منه أو منها ما يمنعه لو علم به فإنه يجب أن تعلمه بالحال.

خامسها: قصد ردع من تستغيبه أو حسم مادة فساده أو الردع عنه كي لا يغترّ به أحد كالمبتدع الذي تخشى أن يضل الناس أو الفاسد الذي يكتم فساده، و ربما سرى إلى غيره، ففي الحديث السابق إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم و أكثروا من سبّهم و القول فيهم و الوقيعة بهم و باهتوهم كي لا يطمعوا في الفساد في الاسلام و تحذرهم الناس و لا تتعلموا من بدعهم يكتب اللّه لكم بذلك الحسنات و يرفع به الدرجات.

سادسها: جرح الشهود و الراوي.

13

سابعها: دفع الضرر عن المستغاب كما ورد من ذم الأئمة (ع) لبعض أعاظم أصحابهم حفظاً لهم من أمراء الجور و بقياً عليهم.

ثامنها: ذكر الشخص بعيبه الذي صار بمنزلة الصفة المميزة له التي لا يعرف إلَّا بها كالأعمش و الأعرج و الأشتر و نحو ذلك، و إنما يحلّ هذا حيث لا يقصد الانتقاص بل و إن لا يسوؤه ذلك على الأحوط و معه يخرج عن الغيبة موضوعاً.

تاسعها: ذكره بعيب عند من يعلم ذلك و هي كالسابقة.

عاشرها: القدح في مقالة باطلة فإنه يجوز و إن استلزم القدح في قائلها، و منه ردّ مدعي نسب ليس له.

و هذه هي الصور العشر التي ذكروا استثنائها من حرمة الغيبة و ما يذكر من غيرها يرجع إليها.

و الضابطة في المسوّغ حصول الغرض الصحيح الذي تكوّن رعايته أهم عقلًا أو شرعاً من رعاية حرمة المؤمن و إن لا يكون الغرض من الغيبة التفكّه و التلذذ بعرض أخيك المؤمن، فيجب على الإنسان المراقبة التامة على نفسه كي لا تخدعه فيضم إلى موبقة الغيبة كبيرة العجب و الكبرياء قاصداً بالغيبة الإيماء إلى تنزيه نفسه ثمّ أنه كما تحرم الغيبة، كذلك يحرم استماعها ففي الخبر السامع أحد المغتابين. و لا يكفي عدم الاستماع بل اللازم عدم السماع أيضاً و لا يكفي هو أيضاً بل الواجب معه الرد فإن عرض المؤمن كدمه و ماله يجب حفظه كما يحرم هتكه، فإن أمكن الرد وجب و إلَّا تشاغل بحيث لا يسمع فإن لم يمكن وجب عليه القيام، و لكن إنما يحرم سماع الغيبة المحرّمة فلو علم بوجود المسوّغ للمستغيب جاز الاستماع و إلَّا حرم، و يشكل الاعتماد هنا على الحمل على الصحة. نعم، لا يجب الردّ هنا على تأمل أيضاً و لكن يحرم السماع حتى يعلم بتحقق المسوّغ.

14

القمار

و منه مطلق المراهنة و المغالبة بالعوض سواءً كان بآلات القمار المعروفة المعدّة للعب بها أم بآلات مصطلحة بين المتلاعبين أما مطلق اللعب على نحو المغالبة بغير عوض فالأقوى عدم حرمته، و الأحوط اجتنابه و الضابطة أن اللعب على عوض حرام مطلقاً كما أن اللعب بآلات القمار المعدة لذلك حرام مطلقاً مع العوض أم بلا عوض كحرمة خصوص اللعب بالنرد و الشطرنج مطلقاً حرمة مؤكدة. أما اللعب بغير آلات القمار و من غير عوض فهو حلال و اجتنابه أحوط.

15

الكذب

و هو مما تطابق العقل و الشرع على قبحه و حرمته و خسّة فاعله في جدّ كان أو هزل، ففي الخبر لا يجد الرجل طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله و جدّه.

و حرمته مغلّطة فعن العسكري (ع): (جعلت الخبائث كلّها في بيت واحد و جعل مفتاحها الكذب)، و عن النبي (ص): (إن المؤمن إذا كذب بغير عذر لعنه سبعون ألف ملك و خرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش و كتب عليه سبعون زنية أهونها كمن يزني مع أمه)، و لا يبعد كونه من الكبائر فتزول العدالة بالكذبة الواحدة من غير مسوّغ حتى يستغفر و يتوب بعدها.

نعم، ليس منه المبالغة و الادعاء و الكناية و التورية بل سائر المعاني الانشائية و الوعد مع إضمار عدم الوفاء و إن لم يكن كذباً و لكنه مثله في الحرمة و يشمله المقت في قوله تعالى: [كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ].

16

و يستثنى من حرمة الكذب أمور يجمعها وجهان:

الأول: دفع الضرر عن النفوس و الأموال و الأعراض المحترمة سواءً كانت له أو لغيره و سواءً كان المخوف منه يسيراً أم كبيراً و سواءً أمكنت التورية أم لا.

نعم، الأولى مع امكانها التخلص بها فيقول ما عندي حق لفلان و لا يقل ليس عندي و هكذا.

الثاني: اصلاح ذات البين و هو من أفضل القرب و الطاعات بل أحب إلى اللّه و رسوله من عامة الصوم و الصلوات فإذا أردت أن تصلح بين متباغضين لكَ أن تقول في مقام الاصلاح لكل منهما أن فلاناً يحبّك و لا يسبك و هكذا لكَ أن تقول كلّما يتوقف عليه تراضيهما أوله مدخلية فيه و في اصلاحهما و إن كنت مخالفاً فيه للواقع و الكذب في هذين الموردين مستحب بل ربما يكون واجباً و من الثاني كذب الرجل لزوجته أو ولده وعداً أو خبراً.

و من الأول المكايد في الحرب و من الكذب المحرّم مدح من لا يستحق المدح إلَّا على سبيل المبالغة و الادعاء كما يصنعه الشعراء حيث يقولون فلان كالسحاب الماطر و هو الأم من مادر، أو كالعقاب الكاسر و هو أجبن من صافر. و هكذا فإن جميع ما هو من هذا القبيل جائز و ليس من الكذب. نعم، الظاهر أن النوح بالباطل محرّم مطلقاً.

17

و من الأعمال المحرمة معونة الظالمين ففي الحديث (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الظلمة؟ و أين أعوان الظلمة؟ أين اشباه الظلمة؟ حتى من برا لهم قلماً أو لاقَ لهم دواةً فيجتمعون في تابوت من حديد فيرمى بهم في جهنم)، و لكن المحرّم منه أما ما يصدق عليه أنه من جلاوزة الظالم و أعوانه و سائر ذلك من أنحاء النسبة ككونه معماره أو خيّاطه و هكذا، و أما أعانته على عمل خاص هو ظالم فيه كغصب مال أو حبس بري‌ء فضلًا عن القتل و الجروح و نحوهما، و أما ما عدا ذلك من الأعمال كأن يتفق أن يبنى لهم أو يبيعهم أو يشتري لهم أو يتوكل عنهم فغير معلوم الحرمة، و لكن من أظهر مصاديق الإعانة للظالم الولاية من قبله، ففي الحديث (أهون ما يصنع اللّه بمن تولّى لهم عملًا أن يضرب اللّه عليه سرادقاً من نار إلى أن يفرغ من حساب الخلائق)، و الظاهر حرمة قبول الولاية من الظالم و إن آمن من نفسه الوقوع في الحرام.

نعم، لو آمن من نفسه ذلك و كان يرجوا إقامة العدل و دفع الظلم عن المؤمنين و قضاء حوائجهم و السعي في مصالحهم أستحب له قبول الولاية بل ربما تجب إذا توقف عليها الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قد ورد عن أئمة الهدى (ع) من الحث و الترغيب على قبول الولاية رجاء حصول تلك الغاية ما لا مزيد عليه و يكفي منه قول الإمام موسى بن جعفر (ع) لمحمد بن بزيع (أن لله في أبواب الظلمة من نور اللّه به البرهان و مكّن له في البلاد ليدفع اللّه بهم عن اوليائه في دار الظلم أولئك المؤمنون حقاً اولئك منار اللّه في أرضه اولئك نور اللّه في رعيته يزهر نورهم لأهل السماوات كما يزهر نور الكواكب الزهر لأهل الأرض أولئك من نورهم تضي‌ء القيامة، خلقوا و اللّه للجنة و خلقت الجنة لهم ما على أحدكم إن لو شاء لنال هذا كله، قلت: بما جعلت فداك؟ قال: يكون معهم فيسرّنا بإدخال السرور على شيعتنا فكن معهم يا محمد) انتهى. و كما تحل الولاية بل تستحب أو تجب بهذا، كذلك قد تحل أو تجب بالإكراه من الظالم عليها فيحل للمكره كلّما يتوقف دفع الضرر به عن نفسه أو ماله من الضرر الوارد على الغير عدا القتل فإنه لا تقية في الدماء. نعم، لو دار الأمر في الدماء بين الأقل و الأكثر و الأشد و الأضعف و الأهم و المهم جاز بل تعيّن الأدنى حفظاً للباقي.

هذه نبذة من الأعمال المحرمة التي يحرم الاكتساب بها.

18

5- مما يحرم الاكتساب به ما يجب على الانسان وجوباً

تعبدياً عينياً كان كفرائضه اليومية و نحوها أو كفائياً كتجهيز الميت من غسله و الصلاة عليه و نحو ذلك مما يعتبر فيه نية القربة.

أما التوصليات عينية كغسل الثوب و البدن أو كفائية كالصناعات و الزراعات و كلما يتوقف عليه نظام الخلق في معاشهم أو معادهم كتعليمهم مسائل الدين و القرآن و كباقي واجبات الميت فالأقوى صحة الاكتساب بها و أخذ الأجرة عليها إذا كانت فيها منفعة معتد بها تعود للمستأجر و إلَّا فلا كما أن الأقوى أيضاً صحة الاكتساب بالمستحبات مطلقاً مع تحقق المنفعة المصححة للإجارة و نحوها.

نعم، لو استأجره على العمل الصحيح و كان عبادياً و لم يتحقق منه قصد الاخلاص بطلت الإجارة و لم يستحق الأجرة كما لو أستأجره على اعادة صلاته الواجبة ليقتدي به على القول بجريان الجماعة في مثله فإن تحقق منه قصد الاخلاص صحَّ و استحق الأجرة و إلَّا فلا، هذا فيما وجب على الأجير أو أستحب، و أما أخذ الأجرة على واجبات الغير أو مستحباته حيث تصح النيابة فلا اشكال في صحة الأجرة عليها و الاكتساب بها، و لا منافاة في ذلك للاخلاص المعتبر في تحقق العبادة و تصح النيابة عن الميت فيما فاته من واجباته العبادية مطلقاً كصلاته و صومه و حجّه و نحو ذلك، و مستحباته، و في المستحبات مطلقاً يجوز اهداء الثواب عن الحي و الميت.

نعم، لا تصح النيابة عن الحي في شي‌ء من واجباته و لا مستحباته إلَّا ما ثبت بالدليل فلا يجوز أن يستنيب في صلاته الواجبة أو المستحبة و لو مع العذر، و لا في صومه و لا حجة إلَّا في المريض المستطيع مع يأسه من البرء على قول غير بعيد.

19

6- ما يحرم الاكتساب به لكونه عيناً مخصوصة ذات مزية ذاتية أو اضافية

فيحرم الاكتساب به أصلًا أو على وجه مخصوص كبيع المصحف مطلقاً على المشهور و ظاهر جملة من الأخبار لزوم جعل البيع على الورق و الجلد و نحوهما و كبيع المملوك المسلم على الكافر.

20

خاتمة و تشتمل على ذكر أمور:

(1) ذكروا حرمة الاكتساب بجملة من الواجبات و المستحبات كالامامة

واجبة كانت- كفائياً أو عينياً- كما في صلاة الجمعة و العيدين مع الانحصار و عدمه، أو مستحبة كما في غيرهما.

و كالقضاء مع الانحصار و عدم الحاجة أو مطلقاً أو مع عدم الحاجة مطلقاً و كالشهادة تحمّلًا و أداءً و جواز أخذ الأجرة في جميع ذلك مع تحقق الاخلاص فيما هو معتبر به سيّما مع الحاجة و إن كان لا يخلو من وجه، و لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بالاجتناب سيّما مع عدم الحاجة، أما أخذ الأجرة على تعليم القرآن أو المسائل الدينية أو الأذان أو الإقامة أو ايقاع عقد النكاح أو الطلاق و نحو ذلك، فمما لا ينبغي الاشكال في جوازه.

(2) الاحتكار

و المراد به حبس شي‌ء مما تحتاجه النفوس المحترمة و لا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس و حيث أن قبح هذا عقلي فلا يبعد شمول الحرمة لكل ما يحتاج نوع البشر إليه و لو من غير الثلاثة كالحمولات و المساكن و المناكح و نحوها.

نعم، يحرّم شرعاً حرمة مؤكدة حبس خصوص الحنطة و التمر و الزبيب و السمن مع تعذّر باذل آخر يفي الحاجة، و يشترط في الحرمة أن يكون حبسها طلباً للزيادة و الغلاء لا لقوته و قوت عياله أو لبذر أرضه و نحوها، و حينئذٍ فيجبره الحاكم على البيع بقيمة عادلة و لو أمتنع باعه الحاكم أو عدول المؤمنين قهراً عليه.

(3) ذكروا كراهة تلقي الركبان للشراء منهم أو البيع عليهم،

وحده إلى أربعة فراسخ فلو زاد كان سفراً للتجارة لا كراهة فيه و لا كراهة لو لم يكن قاصداً بل وقع اتفاقاً و تزول أيضاً بأخباره بسعر البلد.

(4) ذكروا كراهة الاكتساب بأشياء مخصوصة

يعني اتخاذها حرفةً أو صنعة كبيع الأكفان و الطعام و الدقيق و الذبح و النحر و الحياكة و النساجة و الحجامة مع الشرط و أجرة القابلة و الضراب و معاملة الصبيان و من لا يتورع عن الحرام و أجرة تعليم القرآن و الصباغة و القصابة، و مع كون أكثر هذه الأمور أو كلها واجبة كفائية يشكل تصور الكراهة فيها إلَّا في مورد قيام من به الكفاية أو التحصيل الزائد على الكفاية فلا كراهة حينئذٍ فيما عدا ذلك و ترتفع الكراهة بالتساهل في بيعه خصوصاً في الطعام.

21

(5) جوائز الظالم و عمّاله بل مطلق ما بأيديهم يجوز أخذه

و المعاملة عليه بالبيع و الشراء و سائر المعاوضات كالأموال التي في يد غيرهم محكومة بالإباحة و إنها لهم ما لم يعلم تفصيلًا أو اجمالًا بأنه غصب كما لو علم بوجود غصب في يد الظالم مردد بين أطراف محصورة يكون المأخوذ أحد تلك الأطراف، أما لو علم تفصيلًا و إجمالًا حرم أخذه و المعاوضة عليه إلَّا بنية الرد سواءً كان العلم قبل الأخذ أو بعده فإن أخذه بنية الرد و تلف من غير تفريط لم يضمن و إلَّا ضمن مطلقاً ثمّ إن عرف صاحبه و العين أو المقدار ردّه عليه أو على وكيله أو ورثته و إن علم المالك دون المقدار وجب التخلّص منه بصلح و نحوه أو من ورثته، و إن كانت العين موجودة و جهل المالك وجب دفعها إلى حاكم الشرع من باب مجهول المالك، و إن كانت تالفة دفع إليه المثل أو القيمة من باب رد المظالم و إن جهل المقدار و المالك وجب دفع خمس المجموع الذي يعلم بوجود الحرام فيه من باب الحلال المختلط بالحرام.

نعم لو لم يعلم بكونه حراماً أو من أطرافه المحصورة و احتمل ذلك أستحب له التورّع عنه بالاجتناب، و في صورة العلم بالغصب يستحب أخذه بنيّة الرد، بل قد يجب من باب الاستنقاذ إذا علم بإمكان ردّه إلى صاحبه، و لا يجوز الرد إلى الظالم اختياراً حتى مع عدم معرفة المالك فلو ردّها إليه فعل حراماً و كان ضامناً و ما يأخذه الجائر من الأموال باسم الخراج و المقاسمة يعني الحصة التي يأخذها من العائد عوض تقبيل الأرض و تفويضها كالخمس أو العشر و هو المقاسمة أو ما يضربه من المال في كل سنة على تلك الأرض كألف درهم أو مائة دينار أو نحو ذلك و هو الخرّاج، كل ذلك حلال اتّهابه و شراؤه و سائر المعاوضات عليه من السلطان و يلزم على المالك أو الزارع دفعه إلى السلطان أو وكيله و لا يحل خيانته فيه و لا السرقة منه، و لكن الأحوط مع ذلك الاستئذان من حاكم الشرع و التقبل منه أيضاً في الأرض مطلقاً.

22

و لا يجوز دفع الزكاة إلى الظالم اختياراً، فلو أخذها قهراً من الطعام أو الأنعام لم يحل شراؤها و اتهابها منه، نعم، لو دفعها إلى مستحقيها ملكوا و جاز الشراء منهم، أما المالك إذا أخذت منه قهراً فإن علم بوصولها إلى مستحقيها برئت ذمته و إلَّا وجب عليه إخراجها ثانياً و دفعها إلى أربابها أو إلى حاكم الشرع.

و الحقوق المالية و المظالم كلها كمجهول المالك تخرج من الأصل كالديون بل لا يبعد ذلك حتى في الحقوق البدنية كالصوم و الصلاة فضلًا عن مثل الحج و الكفارة. نعم، لو أوصى بإخراجها من الثلث أو رأى الحاكم أو الوصي ذلك تعيّن.

(6) في أقسام الأرضين و أحكامها،

ما بأيدي المسلمين من الأرض:

أما أن يكون مما قد فتحوه عنوة أي استولوا عليه بالحرب و الغلبة كأكثر أراضي الشام و العراق، و هذا القسم أما عامرة حال الفتح فهو لعامة المسلمين و لمصالح الاسلام في جميع البطون و الطبقات على مدى الدهور و الأعصار و أمره راجع إلى ولي المسلمين من الإمام أو نائبه العام أو السلطان، و لا يجوز التصرف فيه لأحد إلَّا بأذن واحد منهم. و إذا وجد ولي الأمر مصلحة في بيع شي‌ء منه صحَّ و ملكه المشتري و لا يملك بدون ذلك.

نعم، لو عمّر أو غرس بأذن الإمام ملك الأرض تبعاً للآثار فإذا زالت، زالت ملكيته، و لكنه أحق بها لو أراد تعميرها، و يجوز تقبّلها منه مدة معينة أو مطلقاً بحصة من غلّتها ربعاً أو ثمناً أو نحو ذلك مقاسمة أو بمقدار من المال خراجاً على ما يراه ولي الأمر من المصلحة و يكن أحق بها من غيره، فلا يجوز مزاحمته و هذا الحق يباع و يوهب و يورث كسائر الحقوق المالية.

و أما غامره أي الخراب فهو للإمام و أمره راجع إليه أو إلى نائبه العام. و أما أن يكون قد فتح صلحاً أو أسلم عليه أهله طوعاً كالمدينة المنورة و كثير من بلاد اليمن فهذا ملك لأربابه ليس عليه إلَّا الزكاة في غلته بشروطها. و ما لا يد لأحد عليه فهو للإمام أيضاً أو نائبه.

23

و القسم الثالث من الأرضين: الأراضي الخربة التي باد أهلها أو انجلوا عنها و سلّموها من غير قتال و هذه كلها من الأنفال كرءوس الجبال و بطون الأودية و سيف البحار و شطوط الأنهار للإمام (عجل اللّه فرجه) و أمرها في غيبته راجع إلى نائبه.

و كل من أحيا أرضاً ميتة بأذن الإمام أو نائبه أو السلطان فهي له، فإن كان لها ارباب معلومون دفع المحيى طسقها أي أجرتها كما أن كل من عجز عن تعمير أرض من المفتوح عنوةً أو مما هو للإمام، فللإمام أن يقبلها من غيره و شروط الأحياء موكول إلى باب أحياء الموات فالأحوط في جميع أقسام الأرضين المراجعة لحاكم الشرع.

(7) الظاهر أنَّ ما ينثر في الأعراس و الأعياد

و ما يعرف عند العوام اليوم (بالراية و يهليه) و ما أشبه هذا كل ذلك ظاهر في تمليك أخذه و لاقطه فيصح بيعه و شراؤه و سائر المعاوضات عليه بل لا يجوز لمالكه الأول استرجاعه فهو نحو من التمليك المجاني يملك بالقبض فلو وضع اثنان يدهما عليه كان لهما و لو سبق أحدهما فهو له.

أما ما يبذل في الولائم و الأعراس و تسبيل الماء و ما يبذل للأضياف من الماء و الطعام و ما يبذل في المآتم و مجالس الغراء لسيد الشهداء (صلوات اللّه و سلامه عليه) أو لغيره من القهوة و التتن و الجاي و نحوها، فكل ذلك إباحة صرفة و إذن في اتلافه على النحو الخاص فلا يصح بيعه و لا هبته و لا نقله إلى بيته و لا التناول منه زائداً على المتعارف، و بالجملة فكل ذلك باقٍ على ملك صاحبه لا يجوز التصرف فيه إلَّا بمقدار ما يحصل القطع برضا المالك و مع الشك فالأصل المنع بخلاف القسم الأول.

24

و أما النذورات فتتبع قصد الناذر و كيفية النذر فإن نذره لشخص أو جماعة كان من الأول و إن نذر انفاقه عليهم و بذله لهم بإطعام و نحوه كان من الثاني.

(8) في آداب التجارة،

و أهم آدابها التفقه فيها و معرفة أحكام البيع و الشراء و ما يصح الاكتساب به مما لا يصح و يكون على علم من شرائط المعاملات و موانعها فقد ورد عنهم (ع): (الفقه ثمّ المتجر و أنه من أتجر بغير علمٍ فقد ارتطم في الربا ثمّ ارتطم). فلو قصّر في السؤال أو التعلم و أوقع معاملة فاسدة فعل حراماً و أستحق العقوبة و كانت تصرفاته فاسدة، و يستحب إقالة المستقيل و إعطاء الراجح و أخذ الناقص و التسوية بين المعاملين و الأرجح ترجيح أهل الدين و ترك الربح على المؤمن إلَّا يسيراً و على الموعود بالإحسان و التسامح في البيع و الشراء فيعطي الزائد و يأخذ الناقص و في تحقق هذا من الجانبين في معاملة واحدة نظر ظاهر. و الدعاء عند دخول السوق و سؤال البركة من اللّه سبحانه. و التكبير و الشهادتان عند الشراء و الإجمال في الطلب، و المبادرة إلى البيع عند حصول الربح، و التكبير في طلب الرزق ففي الخبر (اللهم بارك لأمتي في بكورها) و قوله (ع): (إذا صليتم الصبح فبكّروا في طلب الرزق). و مشاركة أرباب الحظوظ فإنها تزيد في الحظ. و اتخاذ الحرف الرفيعة كالتجارة فإنها تزيد في العقل، و فيها تسعة أعشار الرزق و الزراعة و الغرس و الضرع فإنها خير المكاسب، و روى أن الزراعة هي الكيمياء الأكبر. و يحافظ على التعقيب إلى طلوع الشمس فإنها أجلب للرزق من الضرب في الأرض و يجعل آخر دعائه إذا فرغ من صلاة الفجر (أستغفر اللّه و أتوب إليه و أسأله من فضله) عشر مرات، و يخبر إخوانه إذا أعسر ليعينوه و لو بالدعاء.

25

و من المستحب قبول الهدية و تعجيل ردّ ظروفها و أن يشتري لأكله و قوت عياله الحنطة دون الطحين و الخبز فإنه فقر و ذل كما في الخبر، و أن يحرز قوت سنته لقوله (ع): (إن النملة إذا أحرزت قوتها استقرت)، و يكره مدح البائع سلعته و ذم المشتري لها و كتمان العيب إذا لم يكن غشاً أو تدليساً و إلّا حرم. و استعمال الأيمان، و السوم بين الطلوعين بل مطلق الاكتساب و البيع في الظلمة، و الاستحطاط بعد العقد، و الدخول في سوم المؤمن بعد التراضي و قبل العقد بل الأحوط تركه حتى مع اشتغال المتعاملين بالمساومة و إن لم يحصل التراضي إلَّا أن يكون موضوعاً للمزايدة عليه، و يكره بذل الزائد لذي الخيار ليفسخ فيأخذه بل الأحوط الاجتناب. و أن يتوكل حاضر لبادي بل مطلق العالم عن مطلق الجاهل، ففي الخبر (دع الناس على غفلاتها يرتزق بعضهم من بعض)، و تعاطي المعاملات الدنيّة المنافية للمروءة بل قد تحرم، و بيع الأمهات دون أولادها.

و من أشد المكروهات البطالة و الكسل و الدوران في المجالس و الأسواق بل لا يبعد تحريمها، ففي عدة أخبار إنَّ فيها خسران الدنيا و الآخرة. و ذكروا من المكروهات الاكتساب بالسؤال و الأقوى حرمته مع القدرة على الاكتساب بغيره، أما واجد قوته مدة يعتد بها فضلًا عن الغني فلا ينبغي الاشكال في حرمته إلَّا لغرض مشروع كوفاء دين أو نحوه، و يكره ردّ الهدايا خصوصاً الطيب و الحلوى و طلب الحاجة من مستجدّ النعمة و أكل الحجّام من أجرته المأخوذة بالشرط و الحرص و الانهماك في طلب توفير المال بحيث يوجب السهر و المشقة، ففي الخبر (ملعون، ملعون من لم يعطِ العين حظّها) و الرجوع في الهبة فإنه كالراجع في قيئه إلى غير ذلك من المكروهات و المستحبات، و أهم الآداب في باب التجارة بل في جميع الأحوال التوكل على اللّه جلَّ شأنه و الاعتماد عليه و الثقة به مع السعي المعتدل بين طرفي التفريط و الافراط و خير الأمور الأوساط.

و اللّه الموفق و به المستعان.