وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم‌) - ج1

- السيد علي الشهرستاني المزيد...
503 /
7

الجزء الأول

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

اتّبع المحقّقون في دراساتهم للنصوص التاريخيّة و الحديثية أسلوبين:

1- البحث الإسنادي 2- النقد الدلالي لكنا نرى غلبة الأسلوب الأول في كتابات علمائنا المعاصرين و فقهاء الإسلام، علما بأن نقد المتن و دراسته لم يكن بالشي‌ء الجديد الحادث و وليد العصور المتأخرة، بل هو نهج سار عليه الأقدمون، و عمل به الصحابة و التابعون، و كثير من فقهاء الإسلام.

روى الحاكم في «المستدرك» في كتاب العتق، بإسناده عن عروة بن الزبير، أنه قال: بلغ عائشة أنّ أبا هريرة يقول: إن رسول اللّٰه (ص) قال: «لأن أقنّع بسوط في سبيل اللّٰه أحبّ إليّ من أن أعتق ولد الزنى»، و إن رسول اللّٰه (ص) قال: «ولد الزنى شر الثلاثة»، و إنه قال: «الميت يعذّب ببكاء الحيّ».

فقالت عائشة: رحم اللّٰه أبا هريرة، أساء سمعا فأساء إجابة، أمّا قوله: «لأن أقنّع بسوط في سبيل اللّٰه أحبّ إلي من أن أعتق ولد الزنى»، فإنها لما نزلت فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ، قيل: يا رسول اللّٰه، ما عندنا ما نعتق، إلّا أن أحدنا له الجارية السوداء، تخدمه و تسعى عليه، فلو أمرناهنّ، فزنين، فجئن بأولاد فأعتقناهم، فقال رسول اللّٰه: «لأن أقنع بسوط في سبيل اللّٰه، أحبّ إلي من أن آمر بالزنى، ثم أعتق الولد».

و أمّا قوله: «ولد الزنى شر الثلاثة» فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول اللّٰه (ص)، فقال: «من يعذرني من فلان؟»، قيل:

يا رسول اللّٰه، إنه مع ما به ولد زنى، فقال: «هو شر الثلاثة» و اللّٰه تعالى يقول:

وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ.

8

و أما قوله: «إنّ الميت يعذّب ببكاء الحي» فلم يكن الحديث على هذا، و لكن رسول اللّٰه (ص) مرّ بدار رجل من اليهود، قد مات، و أهله يبكون عليه، فقال: «إنهم يبكون عليه و إنه ليعذّب». و اللّٰه يقول لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1).

كما أنّ عائشة قد نقدت أبا هريرة لما رواه عنه (ص) «من حمل ميتا فليتوضأ» فقالت: أو نجس موتى المسلمين؟ و ما على رجل لو حمل عودا؟ (2) و نراها تنقد أيضا عمر بن الخطاب، و ابنه عبد اللّٰه، و المغيرة بن شعبة، لروايتهم عن رسول اللّٰه حديث: «الميت يعذّب ببكاء أهله عليه» فقالت: يرحم اللّٰه عمر، لا و اللّٰه ما حدّث رسول اللّٰه «إنّ اللّٰه ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه» و لكنه قال: «إن اللّٰه يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» ثم قالت: حسبكم القرآن وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ. و قال ابن عباس عند ذلك: «و اللّٰه أضحك و أبكى» (3) أي إن الإبكاء لو كان من اللّٰه سبحانه و تعالى، فلما ذا يعذّب الميت ببكاء أهله عليه؟

ثم بيّنت عائشة سبب ورود الحديث عند نقدها لقول ابن عمر، فقالت:

رحم اللّٰه أبا عبد الرحمن، سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرّت على رسول اللّٰه (ص) جنازة يهودي و هم يبكون عليه. فقال: «أنتم تبكون و إنه ليعذّب» (4) و نراها تنتهج أسلوب النقد التعريضي في بعض الأحيان.

منها: أنها نقدت تلويحا حديثي أبي هريرة و ابن عمر: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير من أن يمتلئ شعرا» (5) بما روت عنه (ص) بأنه كان يضع لحسّان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول اللّٰه (ص)

____________

(1) المستدرك 2: 215 و مصدر آخر.

(2)- سنن البيهقي 1: 307.

(3)- صحيح مسلم 2: 642 ذيل الحديث 23.

(4)- صحيح مسلم 2: 642- 25.

(5)- مسند احمد 1: 177، صحيح البخاري 8: 45، سنن أبي داود 4: 302- 5009.

9

و قوله (ص): «إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول اللّٰه» (1) ثم احتملت في حديث آخر أن يكون الخبر هكذا «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا و دما خير من أن يمتلئ شعرا هجيت به» (2).

و خطّأت الخليفة عمر فيما رواه عن رسول اللّٰه من نهيه عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس و العصر حتى تغرب (3) بقولها: و هم عمر، إنما نهى رسول اللّٰه أن يتحرّى طلوع الشمس و غروبها (4).

و روي عن عبد اللّٰه بن عمر أنّه خطّأ أباه- تلويحا- بقوله: أصلّي كما رأيت أصحابي يصلّون، لا أنهى أحدا يصلّي بليل و لا نهار ما شاء، غير أن لا تحرّوا طلوع الشمس و غروبها (5).

و لم تنج هي من نقد الصحابة، فقد نقدتها نساء النبي (ص) لقولها برضاع الكبير [1] فقلن لها: فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة و لا رائينا، ما نرى هذه إلّا رخصة أرخصها رسول اللّٰه لسالم خاصة (6).

هذا و إنّا نرى علي بن أبي طالب ينقد حكم عمر بن الخطاب برجم المرأة التي ولدت لستة أشهر مستدلا بقوله تعالى وَ الْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلٰادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كٰامِلَيْنِ، و قوله وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلٰاثُونَ شَهْراً فستة أشهر حمله، و «حولين» تمام، فذلك ثلاثون شهرا، فخلّى سبيلها (7).

____________

[1]- أي أن رضاع الكبير بمثابة رضاع الصغير في المحرمية، و قد نقد البعض هذا القول بما صدر عنه (ص) لا رضاع بعد فصال و قوله (ص) «لا رضاع إلا ما شدّ العظم و أنبت اللحم».

____________

(1) سنن أبي داود 4: 304- 5015، المعجم الكبير 4: 37- 3580، الفردوس 1: 152- 550.

(2) فتح الباري 10: 452.

(3)- صحيح البخاري 1: 152، صحيح مسلم 1: 566- 567.

(4)- صحيح مسلم 1: 571- 295، و مسند أحمد 6: 124، و النسائي 1: 278- 279.

(5)- صحيح البخاري 1: 153.

(6)- سنن البيهقي 7: 459- 460.

(7)- سنن البيهقي 7: 442.

10

أو نرى تلك المرأة التي اعترضت على حكم الخليفة عمر بن الخطاب في المهر بقولها: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل اللّٰه في القرآن؟ قال: و أيّ ذلك؟ فقالت: قوله تعالى وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً؟ فقال: اللهم غفرانك، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع (1). الخبر.

كما أن علي بن أبي طالب قد نقد الخليفة عثمان في أكله صيد المحلّ و هو محرم. فجاء في الخبر:

إنّ عثمان حجّ، فحجّ معه عليّ، فأتي عثمان لحم صيد صاده حلال، فأكل منه و لم يأكله عليّ، فقال عثمان: و اللّٰه ما صدنا و لا أمرنا و لا أشرنا، فقال عليّ:

«قال سبحانه و تعالى وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (2).

و قد نقده (3) فيما أفتى به عن الرجل إذا جامع امرأته و لم يمن: بأن يتوضّأ كما يتوضّأ للصلاة و يغسل ذكره (4).

بقوله: «أ توجبون الحد و الرجم و لا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (5).

و ابن عباس نقد أبا هريرة لما رواه عن رسول اللّٰه: «توضئوا ممّا مسّت النار» بقوله «أتوضأ من الحميم» (6). أي لو وجب الوضوء ممّا مسّت النار لوجب الوضوء من استعمال الماء الساخن، و هذا ممّا لم يقل به أحد، و المعهود في الشريعة أنّ الوضوء ينتقض بالخارج النجس لا بالداخل الحلال الطاهر، و كيف يجعل الرسول (ص) الطعام الحلال الطاهر ناقضا للوضوء؟!!

____________

(1) سنن البيهقي 7: 233.

(2)- مسند أحمد 1: 100 بتفاوت يسير.

(3)- و كذا نقد بعض أصحاب الرأي، راجع مسند أحمد 5: 115.

(4)- البخاري 1: 56، صحيح مسلم 1: 270- 86.

(5)- تهذيب الأحكام 1: 119- 314.

(6)- سنن الترمذي 1: 52- 79.

11

هذا، و قد احتمل البعض أن يكون مسّ الفرج من نواقض الوضوء، و منهم ذلك الأعرابي الذي سأل رسول اللّٰه عنها فأجاب (ص): «و هل هي إلّا مضغة منه أو بضعة منه»؟!! هذه بعض النصوص ذكرناها للوقوف على نهج السلف في تعاملهم مع الأحكام و الروايات الصادرة عن الصحابة، و أنّهم كانوا يطرحون البعض منها لمخالفتها للأصول الثابتة في الشريعة و منافاتها للعقل و الفطرة، و كفى بها شاهدا على أصالة هذا النهج عند الأقدمين.

لكننا نتساءل: إنه هل يمكننا تعميم هذا للكتّاب المعاصرين و العمل على ضوئه، أم أنه كان رخصة للصحابة فقط، فلا يحقّ لنا خوض هذا الميدان؟! قال الأستاذ أحمد أمين- في معرض حديثه عن منهج علماء الحديث-:

«.. و قد وضع العلماء للجرح و التعديل قواعد، ليس هنا محل ذكرها، و لكنهم و الحقّ يقال عنوا بنقد الإسناد أكثر ممّا عنوا بنقد المتن، فقلّ أن تظفر منهم بنقد من ناحية أن ما نسب إلى النبي (ص) لا يتّفق و الظروف التي قيلت فيه، أو أن الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أنّ الحديث أشبه في شروطه و قيوده بمتون الفقه، و هكذا. و لم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال و تعديلهم، حتى نرى البخاري نفسه، على جليل قدره و دقيق بحثه، يثبت أحاديث دلّت الحوادث الزمنية، و المشاهد التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال» (1).

و قد لخص الدكتور صلاح الدين الأدلبي كلام الدكتور أحمد أمين في ضحى الإسلام بقوله:

«.. و لاحظ في كتابه ضحى الإسلام، أن المحدّثين عنوا عناية فائقة بالنقد الخارجي، و لم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي، فقد بلغوا الغاية في نقد الحديث من ناحية رواته جرحا و تعديلا، فنقدوا رواة الحديث في أنهم ثقات أو‌

____________

(1) فجر الإسلام ص 217- 218.

12

غير ثقات، و بيّنوا مقدار درجتهم في الثقة، و بحثوا هل تلاقى الراوي و المروي عنه أو لم يتلاقيا؟ و قسّموا الحديث باعتبار ذلك و نحوه، إلى حديث صحيح و حسن و ضعيف، و إلى مرسل و منقطع، و إلى شاذ و غريب، و غير ذلك، و لكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي، فلم يتعرضوا المتن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا؟!.

و يقول: إنّهم كذلك، لم يتعرضوا كثيرا لبحث الأسباب السياسية التي قد تحمل على الوضع، فلم نرهم شكّوا كثيرا في أحاديث لأنها تدعم الدولة الأموية أو العباسية أو العلوية، و لا درسوا دراسة وافية البيئة الاجتماعية في عهد النبي (ص) و الخلفاء الراشدين و الأمويين و العباسيين و ما طرأ عليها من خلاف، ليعرفوا هل الحديث يتمشى مع البيئة التي حكي أنّه قيل فيها أو لا؟ و لم يدرسوا كثيرا بيئة الراوي الشخصية و ما قد يحمله منها على الوضع و هكذا.

ثم يبيّن [الدكتور] أنهم لو اتجهوا كثيرا إلى نقد المتن و أوغلوا فيه إيغالهم في النوع الأول، لانكشفت أحاديث كثيرة و تبين وضعها مثل كثير من أحاديث الفضائل، و هي أحاديث رويت في مدح الأشخاص و القبائل، و الأمم، و الأماكن، تسابق المنتسبون لها إلى الوضع فيها، و شغلت حيزا كبيرا من كتب الحديث.

ثم نقل الدكتور قول ابن خلدون: «و كثيرا ما وقع للمؤرخين و المفسّرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا و سمينا، و لم يعرضوها على أصولها، و لا قاسوها بأشباهها و لا سيّروها بمعيار الحكمة، و الوقوف على طبائع الكائنات، و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحقّ و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط» (1).

و جاء في ظهر الإسلام لأحمد أمين: كما يؤخذ عليهم أنهم عنوا بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن، فقد يكون السند مدلسا تدليسا متقنا، فيقبلونه مع ان العقل و الواقع يأبيانه، بل قد يعدّه بعض المحدثين صحيحا لأنّهم لم يجدوا فيه جرحا،

____________

(1) منهج نقد المتن ص 12 عن ضحى الإسلام 2: 130- 133، و مقدمة ابن خلدون ص 9.

13

و لم يسلم البخاري و لا مسلم من ذلك، و ربما لو امتحن الحديث بمحكّ أصول الإسلام لم يتّفق معها و إن صحّ سنده (1).

«و نخلص إلى القول أنّ النظر في سند الحديث فقط لا يكفي للتأكد من صحّته، بل لا بدّ لنا أيضا من النظر في متن الحديث حتى يسلم من كل ما يشوبه من علل و شوائب، فإذا صحّ السند و سلم المتن كان لنا الحديث الصحيح.

و يمكن أن نعطي مثلا واقعيا من حياتنا اليوميّة، فإذا أخبرك رجل عن آخر خبرا، كان أوّل ما يسبق إلى خاطرك، أن تستوثق من صدق المخبر بالنظر في حاله و أمانته و معاملته، و غير ذلك من الملاحظات التي تراها ضرورية لك للتأكد منه.

فإذا استوثقت من الرجل نظرت بعد ذلك في الخبر نفسه و عرضته على ما تعرف عن صاحبه من أقوال و أحوال، فإذا اتّفق مع ما تعلمه من ذلك، لم تشك بصدق المخبر و الاطمئنان إليه، و الا كان لك أن تتوقف في قبول الخبر لا لريبة في المخبر- فأنت واثق من صدقه- بل لشبهة رأيتها في المخبر نفسه، و يصحّ أن يكون مرجعها و هما أو نسيانا من المخبر، كما يصح أن ترجع الى سرّ فيه لأمر لم تتبينه، فلعلّ هذه الحالة علينا أن نتوقف عند الخبر لنطمئنّ إلى صحته، و لا نتسرع في حكمنا أنّه كاذب، و إذا فعلنا ذلك يكون منا إفتئاتا على من أخبرنا و نحن له مصدّقون و به واثقون.

إنّ هذا الموقف الذي عنه تحدثنا هو نفسه حدث للعلماء في أحاديث رسول اللّٰه» (2).

و بهذا فقد عرفنا ضرورة دراسة المتن، حيث إن الواقع سيكشف خطأ بعض النصوص، و الأجواء السياسية تكشف زيف الآخر منه، و لو تمّت مقايسة النص مع الظروف التي قيلت فيه، و بيئة الراوي، و بيان ملابسات الخبر السياسية و الاجتماعية الحاكمة آن ذلك، و دواعي ناقلي النص، و عرضها على أصول الإسلام و الفطرة البشرية بعيدا عن الرواسب الطائفية و النزعات الإقليمية، لدلّت‌

____________

(1) ظهر الإسلام 2: 48.

(2)- نقد الحديث 1: 431- 432 للدكتور حسين الحاج حسن ط مؤسسة الوفاء بيروت.

14

تلك النصوص بنفسها على نفسها، و لعرف القارئ بأنّ الكثير منها جاء تحت تأثيرات الحكّام و تبعا لآرائهم فقهيّا و سياسيا، و نرى بعض تلك الأحاديث و الأحكام باقية في مصنفات أعلامنا- و لحدّ اليوم- لم يناقشها الباحثون و لم ينقدها الناقدون.

علما بأن ظاهرة نقد المتن- و كما قلنا- كانت شائعة في العهد الأول، و عمل بها بعض التابعين، و نراها أيضا في كلمات فقهاء الإسلام و المحدثين، فمثلا حديث أبي هريرة «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، و ليضع يديه قبل ركبتيه» (1) نراه يخالف أوله آخره، لأنّ المصلّي لو وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، حيث إن البعير يضع يديه أولا و تبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولا و تبقى يداه على الأرض.

كما أن بعض المحدّثين يروي عن عائشة عن رسول اللّٰه أنّه قال: «إنّ الحيضة سلّطت على النساء عقوبة لهنّ»، في حين أن هذا الخبر يعارض المنقول عنها، و أنّ الحيضة مكتوبة على كل امرأة و لا علاقة لها بالعقوبة، فقد قال لها (ص) و هي معه في طريق الحج و قد رآها تبكي: «ما لك أنفست؟» قالت:

نعم، فقال (ص): «إن هذا أمر كتبه اللّٰه على بنات آدم فأقضي ما يقضي الحاج» (2).

و قال (ص) قريبا من هذا الحديث لأم سلمة (3).

كذلك نلاحظ أنّ أبا هريرة يحدّث عن رسول اللّٰه أنّه قال: «خلق اللّٰه التربة يوم السبت، و خلق فيها الجبال يوم الأحد، و خلق الشجر يوم .. حتى يعدّ خلق العالم في سبعة أيام» (4) و هو مخالف لصريح القرآن الذي جاء في سبع آيات من‌

____________

(1) سنن أبي داود 1: 222- 840، سنن الدارمي 1: 303 مسند احمد 2: 381.

(2)- صحيح البخاري 1: 81 و صحيح مسلم 2: 873- 119.

(3)- سنن الدارمي 1: 243، صحيح البخاري 1: 82، بتفاوت.

(4)- أخرج هذا الحديث مسلم و النسائي و أحمد و البخاري في التاريخ الكبير و غيرهم.

15

سبع سور منه بأنه سبحانه خلق العالم في ستة أيام (1).

و بناء على ذلك فقد عرفنا بأنّ مناقشة دلالة النص ظاهرة عمل بها السّلف و دعا إليها العقل، و هي سيرة الفقهاء و التابعين، و لم تختصّ بزمن دون أخر، و لم تكن رخصة للصحابة فقط، حيث إنّ الشريعة الإسلامية هي شريعة الفطرة و العقل، و إنّ الأوامر و النواهي فيها تابعة للمصالح و المفاسد، فلا يعقل أن لا يسمح الشرع بالاجتهاد في الأحكام.

نعم، إنّ إخضاع الأحاديث لأحكام العقول- مع عدم وجود ما يؤيّد ذلك من القرآن أو السنّة الشريفة- هو ممّا يأباه اللّٰه و لا يرضى به الشرع، لأن الأحكام الشرعية أمور توقيفية تعبدية، و بما أنّ القرآن قطعي الصدور فلا كلام فيه.

و أما السنة: فهي ظنيّة الصدور، فيجب التثبّت في أسانيدها، و مفاد دلالتها، و لحاظ الأجواء السياسية الحاكمة آن ذاك، و عرضها على الأصول الثابتة، و لا يمكن ترجيح جانب على آخر في مناقشاتنا للنصوص، بل يلزم لحاظ كلا الجانبين حتى يمكننا تمحيص الحجة فيها.

أما شيوع ظاهرة البحث السندي- طبق أصول مذهبية خاصة- بعيدا عن نقد المتن فهو لا يخدم الباحث العلمي، و لا يمكنه من الوصول إلى الفقه الإسلامي بشكله المطلوب.

مضافا إلى أن ناقدي المتن يعتقدون بأن عملهم يبتعد عن جانبي الإفراط و التفريط، و أنّ إخضاع الحديث لسلطان العقل يخرج الشريعة من التعبّد بأحكام اللّٰه، بل تكون من باب حكومة الهوى في الحديث لا الحديث في العقل (2).

و في الوقت نفسه لا يرتضون الأخذ بكل حديث ثبتت صحته في المجاميع الحديثية مع كونه مخالفا للأصول المسلمة الشرعية و الفطرة البشرية، حيث إن الاعتقاد بصحة تلك الأحاديث و البتّ في صدورها عن النبي (ص)- ستكون‌

____________

(1) الأعراف: 54، يونس: 3، هود: 7، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4، ق: 38.

(2)- انظر ضحى الإسلام لأحمد أمين 3: 85.

16

ذريعة بيد الطاعنين في الإسلام للنيل من الشريعة المقدّسة.

و قد دخل بعض الأعلام في مناقشات لفظية و تأويلات بعيدة لتصحيح بعض تلك الأحاديث- المخالفة للعقل و الفطرة- و قد صارت نفس تلك التأويلات ذريعة بيد المغرضين للنّيل من أصالة الفكر الإسلامي و الهجوم على السنة الشريفة.

فنحن لو لاحظنا الجانبين في دراساتنا لتعادلت كفتا الميزان، و لأمكن التعرّف على الحكم الإلهي الموافق للعقل و الفطرة، و لم يكن في الشريعة ما يأباه الوجدان.

و أمّا تخوّف البعض من شيوع هذه الظاهرة في الدراسات، بحجة أنها تؤدي إلى خروج بعض الأحاديث، فقد خاطبهم الدكتور الأدلبي في كتابه منهج نقد المتن بقوله:

و بالنسبة للذين يميلون إلى التضييق من شروط الصحيح، و عدم التشدّد فيها و يرون توسيع دائرة ما يشمله المقبول من صحيح و حسن، فهم إنما أداهم الورع إلى الخوف من أن يحكموا على نص بالضعف، و يكون في الحقيقة ثابتا عن رسول اللّٰه (ص) و ما درى هؤلاء بأن الأمر في الحديث ليس أمر تقليل و لا تكثير، بل هو تحرّ و تدقيق، بالإضافة إلى أن ما ثبت عن رسول اللّٰه (ص) فيه ما يهدينا إلى كل خير، و يباعدنا عن كل شر، و لا يحوجنا للاهتداء بأحد سواه.

أما موضوع الورع فهذا مهم جدا، و لكن هل نتورّع من أن نخرج من الحديث ما هو منه، و لا نتورع من أن ندخل فيه ما ليس منه؟! الحقيقة أنّ كلّا منهما خطير، لكن ما ذا يترتب على كل واحد لنرى أيهما أشد خطرا؟

أرى أن إدخال ما ليس من الحديث في نصوص الحديث فيه زيادة نص، و قد يؤدي إلى زيادة حكم، و يخشى معه من الدخول تحت الوعيد الشديد الوارد فيمن كذب عليه (ص)، و أن إخراج ما هو من الحديث من نصوص الحديث فيه نقص نص، و قد يؤدي إلى نقص حكم، و يخشى معه من الدخول تحت الوعيد الشديد الوارد فيمن كتم علما، لكن النقص من مجموعة كاملة‌

17

شاملة، غالبا ما يهتدي إليه و يستدل عليه، من نظائره في المجموعة الكاملة، فالخوف من النقص إن لم يكن أقل من الآخر خطرا فهو إن شاء اللّٰه ليس بأكثر منه و اللّٰه أعلم (1).

و عليه، فنحن لا نريد أن نميل إلى هذا القول أو ندحض ذلك، بل نؤكد على لزوم دراسة كلا الجانبين في البحوث العلمية، و أن لا يكتفي المؤرّخ أو الفقيه بأحدهما تاركا الآخر، و أنّ دراسة أسانيد الروايات دون معرفة ملابسات الحكم التاريخية و الجغرافية و السياسية لا تفيد الباحث العلمي كما قلنا، و أنّ وقوف المجتهد و حتى المكلف على تاريخ التشريع و تطور الحكم و ملابسات صدوره تعطيه رؤية جديدة و تفتح أمامه آفاقا واسعة.

و قد انتهجنا هذا الأسلوب في دراستنا و اتبعناه لا لشي‌ء، إلّا لتطوير و إشاعة مثل هذه الدراسات في معاهدنا العلمية و جامعاتنا الإسلامية، على أمل تعاون المعنيين معنا في ترسيخ هذه الفكرة و تطويرها، و أن لا يدرسوا الفقه دراسة إسنادية فقط دون معرفة ملابسات الحكم التاريخية و السياسية، و نرى في طرح مثل هذه الدراسات رقيّا للمستوى الفقهي و الأصولي عند المذاهب الإسلامية، و تقريب وجهات النظر بين المسلمين و ترسيخ روح الانفتاح فيهم، و محاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية و إبعادها عن مجالات البحث العلمي، و عدم السماح لتحكيم الخلفيات الطائفية، و الرواسب الذهنية في مثل هذه البحوث العلمية النظرية.

و لو اتّبعنا مثل هذا الأسلوب في جميع أبواب الفقه لوصلنا إلى حقيقة الفقه الإسلامي من أيسر طرقه و أسلمها و لو وقفنا على تاريخ التشريع و ملابساته، لاتّضحت لنا خلفيات صدور بعض الأحكام و عرفنا حكم اللّٰه الواحد و الذي ينشده الجميع.

نرجو أن لا نكون جدليين في بحوثنا، و من الذين لا يهمّهم معرفة الواقع بقدر ما يهمّهم الانتصار لآرائهم و مذاهبهم، و يبدو أن طرح مثل هذه الآراء‌

____________

(1) منهج نقد المتن ص 23.

18

بهدوء و موضوعية مع عرض مختلف وجهات النظر عند جميع المسلمين سيكون عاملا للتقريب بين المذاهب الإسلامية، و رفعة للمستوى العلمي بينهم، لأن الناس أعداء ما يجهلون، و باتّضاح نقاط الرأي قوة و ضعفا ربّما تتوقّف موجة تفسيق أو تكفير الآخرين.

و إن دراستنا لكيفية «وضوء النبي» جاء تحقيقا لهذا الهدف، و لا نبغي من ورائه إلّا الجانب العلمي، و توسيع أفق التفاهم البنّاء بين علماء المسلمين، و هو نقاش علمي نزيه، تطرح فيه الآراء بأناة و موضوعية، و لم يقصد به التشكيك بفقه مذهب أو المساس بعقيدة طائفة، بل إنّها نظرية علمية قد توصلنا إليها وفق شواهد تاريخية و فقهية، و لا ندّعي عدم الخطأ فيها مع اعتقادنا بصحتها.

و المأمول من إخواننا أن يتعاملوا مع الأطروحة كتعاملنا معها، و أن يجعلوا لصحة المدّعى نصيبا بإزاء ما يعتقدون فيها من الخطأ، و أن لا يرمونا بالبهتان أو التقوّل قبل مراجعتهم المصادر.

علما بأنّ محاكمة النص أو نقد كلام الصحابي لا يعني- بنظرنا- تفسيقه أو تكفيره، و خصوصا لو عضد بما يؤيده من القرآن أو السنّة الشريفة أو أكدته النصوص التاريخية و الأحداث السياسية الحاكمة وقت صدور النص، و كذا الأمر بالنسبة لنقلنا كلاما عن أحد فإنه لا يعني اعتقادنا بصحة جميع ما قاله و تبنّينا لآرائه و أفكاره.

هذا و إنّ ظاهرة الوضع في الحديث كانت منذ عهد النبي لكنها انتشرت أواخر عهد الخلفاء الراشدين بسبب الفتنة الكبرى و انقسام المسلمين إلى شيع و أحزاب، و إنّ دراسة نصوص هذه المرحلة و ما بعدها جديرة بالبحث، و خصوصا لو احتملنا تدخل الأهواء السياسية، أو إمكان اشتباه الصحابي أو الراوي في فهم الأحكام (1) و قد اتّضح لك بأن ذلك ما لا يستبعده أحد، و قد نقلنا سابقا نصوصا عن الصحابة يخطّئ البعض منهم الآخر فيها، و تراجع بعض المفتين عن آرائهم- لقوة دليل الناقد أو موافقتها للقرآن و العقل.

____________

(1) راجع كتاب (الإنصاف في بيان سبب اختلاف الصحابة) للدهلوي.

19

و هناك آراء كثيرة في الشريعة يلزم التحقيق في أطرافها و التثبّت في دلالتها، مع كون بعضها من المسلمات البديهية و التي لا يمكن التشكيك فيها، لكنا لو عرضناها على القرآن و قيست بحوادث تاريخية و روايات أخرى لدلت بنفسها على نفسها بأنها قابلة للتشكيك، و إنا على ثقة لو أنّ تلك الأدلة و الشواهد طرحت على صاحب الرأي أو ناقل الحديث لأمكن رجوعه عن رأيه كما فعل ذلك كبار الصحابة و التابعين، أما ترك مناقشة الروايات و دراستها بل إعطاء جميع الأحاديث الصحاح هالة من التقديس و لزوم التعبد بها، ثم اختلاق التأويلات لها، فهو مما يأباه الوجدان و لا يقبله الشرع و العقل.

و قد نقل الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين، أحد فضلاء التابعين- في معرض حديثه عن الفتنة: «. لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، و ينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (1).

قال الدكتور مصطفى سعيد الخن و هو بصدد بيان أسباب الخلاف بين المسلمين:

«.. و لقد كانت رقعة الخلاف في عهد الصاحبين أبي بكر و عمر ضيقه جدا، و سبب ذلك أن الصحابة لم يتفرقوا في الآفاق، و كانا يرجعان إليهم فيما جدّ من المسائل.

عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب اللّٰه تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، و إن لم يجد في كتاب اللّٰه نظر في سنة رسول اللّٰه (ص)، فإن وجد ما يقضى به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول اللّٰه (ص) قضى فيه بقضاء؟

فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا و كذا، و إن لم يجد سنة سنّها النبي (ص) جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شي‌ء قضى به، و كان عمر يفعل ذلك فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب و السنة سأل: هل‌

____________

(1) صحيح مسلم 1: 15.

20

كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، و إلّا جمع الناس و استشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شي‌ء قضى به (1).

ثم بدأت حلقة الخلاف تتّسع من بعدهما، و لقد ساعد على تفشي الخلاف انسياح أصحاب رسول اللّٰه في البلدان المفتوحة و اتخاذهم إياها وطنا، و تلقي أبنائها عنهم ما سمعوه عن رسول اللّٰه (ص) و قد يكون عند بعضهم ما لا يكون عند الآخر ..» (2)

و عليه فإن البحث الإسنادي- و كما قلنا- وحده لا يكفي في الدراسات التشريعية و خصوصا في النصوص الصادرة في أيام الفتنة الكبرى أو ما يتعلق و يرتبط بها، إلّا إذا قيست بأقرانها و لوحظت الظروف السياسية الحاكمة آن ذاك، و إن القارئ لو وقف على سلبيات بعض تلك الروايات لوافقنا في انتهاجنا مثل هذا الأسلوب لمعرفة الأحكام الشرعية و محاكمتنا للنصوص.

و ختاما أرجو من قرّائي الأعزاء أن لا يحكموا علينا بشي‌ء إلّا بعد انتهائهم من قراءة جميع فصول الكتاب، و وقوفهم على وجهات النظر فيها.

آملين منهم أن لا يكونوا من الذين يتعاملون مع الدراسات العلمية كتعاملهم مع كتب الفكاهة و القصص، فيأخذون بعض الشي‌ء من أوله و ينتقلون إلى الوسط، و أخيرا تراهم يطرحون الكتاب- و في بضع لحظات- كأنّهم قد أخذوا صورة عميقة عن الكتاب و وقفوا على آراء مؤلفه.

و كذا آمل منهم أن لا يكونوا كبعض رفاق السفر الذين يتركون أخاهم في نصف الطريق، بل الذي أرجوه منهم أن يواصلوا البحث معنا، و أن يتحملوا عناء الدرب و أن لا يتسرعوا، ثم فليقضوا بما يشاءون.

نرجو من سادتنا العلماء و إخواننا الفضلاء، و الذين يرافقوننا في هذه الرحلة، أن يتحفونا بآرائهم و يوقفونا على نقاط ضعف الدراسة، و نحن على أتمّ الاستعداد لتقبل كل نقد بنّاء يرد إلينا، شريطة أن تكون لغتهم، لغة المنطق و العلم‌

____________

(1) أعلام الموقعين 1: 61.

(2)- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: 36- 37.

21

لا الفحش و السباب، و أن لا يخرجوا من الموضوعية، إذ إن النقد البنّاء يبعد روح التباغض و يوقف القائل على نقاط ضعفه، و ينفي روح الكبرياء عنه، و بذلك تكون الأدلة في متناول الناس، و هم في الخيار بالأخذ بأيها شاءوا، و قد قيل عن المتعلمين أنهم أبناء الدليل يميلون حيثما يميل.

هذا و قد جعلت دراستي في مقدمة و ثلاثة فصول:

أما المقدمة فهو بحث تمهيدي، بمثابة المدخل للدراسة، بحثت فيه «تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء، أسبابه و دواعيه» و أشرت إلى ملابسات الأحكام الشرعية و أهم العوامل المؤثرة في اختلاف المسلمين، و حصر المذاهب بالأربعة! اما فصول الكتاب فهي ثلاثة:

1) الأوّل «الوضوء و السنة النبوية» 2) الثاني «الوضوء في الكتاب و اللغة» 1) الثالث «الوضوء في الميزان» أما الفصل الأول «الوضوء و السنّة النبوية» فقد درسنا فيه الروايات البيانية (1) و المتعارضة في الباب تحت ثلاث عناوين فرعية:

1- نسبة الخبر اليه 2- سنده 3- متنه مع تقديمنا بحثا لأسباب منع التدوين و كيفية حدوث اتّجاهين في الشريعة:

1- الرأي و الاجتهاد 2- التعبّد المحض مع الإشارة إلى أن «الناس» المتحدثين في الوضوء كانوا من دعاة التعبّد المحض و المعتقدين بلزوم نقل ما سمعوه عن رسول اللّٰه، في حين نرى خط‌

____________

(1) إشارة إلى المحكيّ من صفة وضوء رسول اللّٰه في الصحاح و المسانيد.

22

الاجتهاد لا يرتضى التحديث إلا بما عمل في عهد الشيخين.

و ختاما أعطينا صورة توفيقية للمنقول من صفة وضوء رسول اللّٰه في الصحاح و السنن و توحيد النقلين عنه (ص)- بقدر المستطاع- و بيان كيفية وضوئه أمام للناس.

أما الفصل الثاني «الوضوء في الكتاب و اللغة» فقد بيّنا فيه أهم سبب من أسباب اختلاف الفقهاء و هو: اختلافهم في الأخذ بالقراءات القرآنية، لأنّ المشارب الفقهية في هذا الشأن قد اختلفت باختلاف القراءة موضحا في أوّله سرّ تأكيد الخليفة عثمان بن عفان على الأخذ بقراءة مصحفه دون غيرها من القراءات، و سعيه لتوحيد المسلمين على تلك القراءة و حرقه للمصاحف و تنكيله بالصحابة من أمثال ابن مسعود.

ثم جئت لأحكّم القرآن و لغة العرب بين مدعيات الخليفة و غيره من «الناس» في الوضوء، مع عرضي لأقوال و أدلة فقهاء المذاهب عند بيان حكم كل عضو من أعضائه، مناقشا فيها الأدلة المطروحة، متخذا جانب الحياء في نقل الأقوال و عرض الآراء، داعما ما اختاره بالشواهد و الأدلة.

هذا و قد ناقشت أحاديث «ويل للأعقاب من النار» و غيره من الأدلة التعضيدية و المستفاد منها لغسل الأرجل- سندا و دلالة- و مدى حجّية تلك الأحاديث في إلزام المكلف بغسل الأرجل في هذا الفصل؟!! أما الفصل الثالث «الوضوء في الميزان» فنقدّم فيه خلاصة عما طرحناه في المدخل و الفصلين السابقين و موازنة الآراء فيها للخروج بنتيجة يقبلها كل ذي لبّ، مع الإشارة إلى أصول الاتجاهين الفكرية، و مدى حجية الأدلة المختلف فيها كفعل الصحابي و سنة أهل البيت، و الإشارة إلى القواعد المسببة لاختلاف فقهاء الإسلام.

و بذلك نكون فقد درسنا هذه المسألة الفقهية من جميع جوانبها التاريخية التشريعية، و ها هو بين أيديكم مدخل هذه الدراسة.

23

المدخل تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء أسبابه و دواعيه

و هو في بابين‌

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

الباب الأوّل الوضوء في عهد النبيّ (ص) و الخلفاء

1- هل في الوضوء تشريعان؟

2- بدايات الخلاف الوضوئي:

متى حدث الخلاف؟

كيف؟

من هو البادئ؟

3- ما هي منزلة المختلفين؟

4- اتّفق الاتجاهان أم لا؟

5- ما هي مفردات الخلاف الوضوئيّ؟

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم‌

توطئة:

كثيرا ما يتساءل البعض عن سبب الاختلاف بين المذاهب الإسلاميّة في الأحكام الشرعيّة، على الرغم من كون مصادر الحكم الشرعيّ- الكتاب، السنّة، الإجماع- واحدة عند الجميع.

فهل يا ترى أنّ منشأه يرجع إلى اختلافهم في تعريف هذه الأدلّة و نحو دلالتها؟ أم إلى الترديد في حجّيّة القياس و الاستحسان و الاستصلاح و العرف و ..؟ أم مردّه إلى تشعّب مشاربهم في معطيات الأصل العمليّ و الدليل اللفظيّ؟ أم مرجعه إلى النزعات الفرديّة و الضغوط السياسيّة و ..؟

لا شكّ أنّ لكلّ ما ذكر دورا في حصول الاختلاف، و أنّه بعض العلّة لا تمامها، لسنا بصدد وضع أجوبة لهذه التساؤلات، بل الذي يهمنا و ندعو المعنيّين إليه هو دراسة الفقه وفق المناهج الحديثة، و أن لا يقتصر التحقيق عندهم على مناقشة النصوص الشرعيّة و دلالاتها بعيدا عن دراسة جذور المسألة و ما يحيط بها من ملابسات شتّى، إذ أنّ دراسة الفقه مع ملاحظة ظروفه التاريخيّة و السياسيّة و الاجتماعيّة هي الطريقة التي تخدم البحث العلميّ و توصل إلى معرفة الحقيقة.

كما أنّ الجديّة في البحث و الأمانة العلميّة تستلزم متابعة مختلف الآراء و الأقوال عند جميع الأطراف، كي نتجاوز النظرة من زاوية محدودة و ننطلق من‌

28

الإطار المقيّد إلى عالم أرحب، إذ أنّ النظرة الضيّقة و عدم الانفتاح يوصدان أبواب التفاهم و تلاقح الأفكار، و بالنتيجة تحرمنا من قطف ثمار الاتصال بالآخرين و الحوار معهم.

و الآن بين أيدينا أمر عبادي مهم سنسلّط الضوء عليه ليتّضح لنا مدى عمق جذور الاختلاف و ماهيّته في مصداق واحد، و من خلاله ربّما تظهر ملامح صورة الاختلاف: و هي دراسة عن كيفيّة (وضوء النبيّ (ص)).

فكيف وقع الخلاف بين المسلمين في هذا الأمر المهم؟! و لم اختلف في مثل الوضوء، ذلك الفعل الذي كان يؤدّيه النبيّ (ص) لعدّة مرّات في اليوم على مدى ثلاث و عشرين سنة، بمرأى من المسلمين.

الوضوء الذي أكّد عليه النبيّ و جعله شرطا للصلاة التي هي عمود الدين، فقال: ( (لا صلاة إلّا بطهور)) (1)، و قال أيضا: ( (الوضوء شطر الإيمان)) (2)؟! إذن فالوضوء أمر عباديّ، مارسه الرسول بمحضر المسلمين ثمّ اتبعوه بعد التعلّم العمليّ و البيان القوليّ منه، و هو لم يكن بالأمر الخفيّ، و لا بالتشريع المؤقّت المختصّ بفترة زمنيّة دون أخرى، حتّى تطمس معالمه، أو تخفى ملامحه بحيث يصل الحال إلى الاختلاف فيه.

فإن كان الأمر كذلك، فما هي دواعي الاختلاف فيه؟ و ما هي حقيقة البيان النبويّ الشريف لهذه المسألة المهمّة؟

للإجابة عن هذين السؤالين و غيرهما، نقول: لا بدّ من تنقيح البحث بشكل دقيق يخضع للمنهج العلميّ الحديث، و إخضاع جميع ما ورد بهذا الشأن للدقّة و التمحيص، و هذا ما سنحاول القيام به في دراستنا للكشف عن أمور غامضة‌

____________

(1) سنن أبي داود 1: 16- 59، سنن ابن ماجة 1: 100- 271- 274، صحيح مسلم 1: 204 ب 2، مسند الإمام زيد: 68.

(2) كنز العمّال 9: 288- 26044، و ص 316- 26200، و في صحيح مسلم 1: 203- 1، و مسند أحمد 4: 260 بتفاوت يسير.

29

تداخلت في هذه العبادة، و جعلتها مثارا للأخذ و الردّ، فنقول:

اختلف المسلمون تبعا لاختلاف الصحابة في نقل و بيان وضوء رسول اللّٰه (ص) على نحوين و نهجين رئيسيّين (1)، و كان لكلّ منهما- على ما وصل إلينا من السلف- أتباع و أنصار، من صحابة و تابعين لهم يذودون عمّا يرتئون، و يقيمون الأدلّة و البراهين على ما يذهبون إليه.

و لكن قبل الخوض في غمار البحث، و مناقشة الأدلّة و مدى حجّيّتها، لا بدّ من التمهيد للموضوع بمقدّمة نبحث فيها عن تاريخ الاختلاف و أسبابه و دواعيه، بادئين ذلك بوضوء المسلمين في الصدر الإسلاميّ الأوّل.

____________

(1) يتلخّص النهجان في وضوء المذاهب الأربعة، و وضوء الشيعة الإماميّة و الذي ستقف عليهما في 414 إلى 442.

30

الوضوء في العهد النبويّ

ممّا لا شكّ و لا ريب فيه أنّ المسلمين في الصدر الأوّل كانوا يتوضّئون كما كان النبيّ (ص) يتوضّأ بكيفيّة واحدة، و لم يقع بينهم أيّ اختلاف يذكر، و أنّه لو وجد لوصل إلينا ما يشير إليه، و لتناقلته كتب الحديث و السير و الأخبار، إذ أنّ المشرّع كان بين ظهراني الأمّة، و هو بصدد التعليم و الإرشاد- لأمّته الحديثة العهد بالإسلام- فمن البعيد حدوث الخلاف بينهم مع كون الجميع يرجعون إلى شخص واحد للأخذ منه و قد قال سبحانه فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ، أضف إلى ذلك مشاهدتهم لفعله (ص) الذي هو السنّة و الرافع لكلّ لبس و إبهام قد يخالطان البعض، هذا من جهة.

و من جهة أخرى: إنّ الخلاف في كثير من الأمور بين الأمّة إنّما هو وليد العصور المتأخّرة التي جاءت بعد عهده الشريف.

نعم، قد يقال: إنّ سبب اختلاف الأمّة في الوضوء وجود تشريعين، كان النبيّ (ص) يفعلهما على نحو التخيير، دون الإشارة إلى ذلك!! أي أنّه (ص): كان تارة يتوضّأ حسب ما رواه عثمان (1) و عبد اللّٰه بن زيد بن عاصم (2) و الربيع بنت المعوّذ (3) و عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص (4) عنه (ص)، و أخرى مثلما نقله عليّ ابن أبي طالب (5) و رفاعة بن رافع (6) و أوس بن أبي أوس (7) و عباد بن تميم بن‌

____________

(1) سنن النسائيّ 1: 80، صحيح مسلم 1: 204- 3، سنن البيهقي 1: 53، 68.

(2) سنن النسائيّ 1: 71، صحيح مسلم 1: 210- 18، سنن البيهقيّ 1: 50، 59.

(3) سنن الدارقطنيّ 1: 96- 5، سنن البيهقي 1: 64.

(4) سنن البيهقيّ 1: 68.

(5) شرح معاني الآثار 1: 34- 156.

(6) سنن ابن ماجة 1: 156- 460، سنن البيهقيّ 1: 44، شرح معاني الآثار 1: 35- 161.

(7) كنز العمّال 9: 476- 27042.

31

عاصم (1) و .. عنه (ص).

فلو ثبت ذلك .. لصحّت كلتا الكيفيّتين، و لتخيّر المكلّف في الأخذ بأيّهما شاء مع ترك الآخر، فتكون حاله كبقيّة الأحكام التخييريّة.

لكنّ هذا الاحتمال في غاية البعد، لأنّنا نعلم بأنّ الحكم الشرعيّ- سواء التعيينيّ أو التخييريّ- إنّما يأخذ مشروعيّته من الكتاب و السنّة، فكفّارة اليمين- مثلا- دلّ عليها دليل من القرآن و هو قوله تعالى فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (2) فعرفنا على ضوء الآية بأنّ الحكم في كفّارة اليمين إمّا إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.

و كفّارة صوم شهر رمضان، قد دلّ عليها حديث الأعرابيّ (3)، و رواية أبي هريرة (4)، و هكذا الأمر بالنسبة إلى غيرهما من الأحكام التخييريّة ..

أمّا فيما نحن فيه، فلا دلالة قرآنيّة، و لا نصّ من السنّة النبويّة، و لا نقل من صحابيّ بأنّه (ص) فعلها على نحو التخيير، و ليس بأيدينا و لا رواية واحدة- و إن كانت من ضعاف المرويّات- مرويّة عن أيّ من الفريقين تدلّ على التخيير، بل الموجود هو التأكيد على صدور الفعل الواحد عنه (ص) و قد اختلفوا في ذلك، فذهب بعض إلى أنّه (ص) غسل رجله، و ذهب البعض الآخر إلى أنّه (ص) مسح رجله، و استنصر كلّ منهما بالقرآن و السنّة على ما ذهب إليه (5).

و إذا ما تتبّع الباحث أقوال علماء الإسلام فسوف يقف على أنّ الوضوء‌

____________

(1) كنز العمّال 9: 429- 26822، شرح معاني الآثار 1: 35- 162.

(2) سورة المائدة: 89.

(3) موطإ مالك 1: 297- 29.

(4) موطإ مالك 1: 296- 28، صحيح البخاريّ 3: 41، صحيح مسلم 2: 781- 81.

(5) ستقف عزيزي القارئ على حقيقة وضوء رسول اللّٰه (ص) في الفصل الأوّل من هذه الدراسة إن شاء اللّٰه تعالى.

32

عندهم تعيينيّ لا تخييريّ، فغالب أتباع المذاهب الأربعة يقولون بلزوم الغسل في الأرجل لا غير، أمّا الشيعة الإماميّة فإنّهم لا يقولون إلّا بالمسح وحده، و إنّ كلّا منهما ينسب قوله- مضافا إلى دعوى استظهاره من الكتاب- إلى فعل رسول اللّٰه (ص)، و هو ما جاء في صحاح مرويّاتهم.

أمّا القائلون بالجمع (1) أو التخيير (2)، فإنّهم إنّما يقولون بذلك لا على أساس أنّ النبيّ (ص) جمع أو خيّر، بل إنّ القائل بالجمع إنّما يقول به لكونه مطابقا للاحتياط، و أنّه طريق النجاة، إذ الثابت عنده أنّ الكتاب ورد بالمسح، و أنّ السنّة وردت بالغسل، فأوجبوا العمل بهما معا رعاية للاحتياط، لا على أساس أنّ النبيّ (ص) جمع بينهما، و أنّ ذلك هو المرويّ عنه (ص).

و كذا الحال بالنسبة للقائل بالتخيير، فإنّه إنّما ذهب إلى ذلك لتكافؤ الخبر عنده في الفعلين (المسح و الغسل)، فالمكلّف لو أتى بأيّهما كان معذورا، إذ لم يرجح عنده أحد الفعلين حتّى يلزمه الأخذ به، و عليه فدعوى التخيير مجرد رأي جماعة قليلة من فقهائنا السابقين، فلا يمكن به نقص الإجماع المركّب بين المسلمين على أنّ الوضوء إمّا مسحيّ أو غسليّ، بل هناك أدلّة ستقف عليها لا حقا ترجح أحد الطرفين و بها يثبت أن لا معنى للتخيير!

____________

(1) كالناصر للحقّ من أئمّة الزيديّة، و داود بن عليّ الظاهري و غيرهما.

(2) كالحسن البصريّ، و أبي علي الجبائيّ، و ابن جرير الطبريّ و غيرهم.

33

عهد أبي بكر (11- 13 ه‍)

لم ينقل التاريخ في هذا العهد خلافا بين المسلمين في الوضوء، ذلك لقرب عهدهم بالنبيّ (ص)، و أنّه لو كان لبان، بل التحقيق عدمه، إذ أنّ حكم الوضوء لم يكن كغيره من الأحكام الشرعيّة، كالعارية، الشفعة، العتق،. و غيرها من الأحكام ممّا يمكن تجاهلها أو التغاضي عن فهم حكمها، لعدم الابتلاء بها كثيرا، و عدم تلك الأهميّة الموجودة في مثل الوضوء، إذ أنّ الوضوء فعل يمارسه المسلم عدّة مرّات في اليوم الواحد، و تتوقّف عليه أهم الأمور العباديّة، و أنّ الاختلاف في أمر كهذا مثار للدهشة و الاستغراب، و تزداد الغرابة إذا ما تصوّرنا وقوعه مع عدم وجود دليل أو نصّ روائيّ شرعيّ يدلّ عليه.

و هنا نؤكّد و نقول: إنّه من الأمور التي تنطبق عليها قاعدة (لو كان لبان)، فعدم ورود نصّ ينبئ عن وجود الخلاف، و عدم وجود ردود فعل للصحابة في أمر الوضوء، أو ما شابه ذلك، دليل على استقرار الوضع بين المسلمين فيه، و على تعبّدهم بسيرة الرسول (ص).

و إنّنا رغم استقصائنا الدقيق في كتب التاريخ بحثا عن مؤشّر واحد يدلّنا على اختلاف المسلمين في حكم من أحكام الوضوء في ذلك العهد، لم نعثر على أثر يذكر.

ثمّ إنّ عدم وجود بيان لصفة وضوء رسول اللّٰه (ص) من الخليفة الأوّل دليل آخر على استقرار الأمّة على الوضوء النبويّ، إذ أنّ الوضوء أصبح من البديهيات التي لا تحتاج إلى تعليم، بل كان معروفا واضحا متداولا ممّا لا يحتاج إلى تأكيد الخليفة على تعليمه و ذكر كيفيته و تكراره، و لو كان هناك خلاف أو ما يستوجب البيان و التوضيح لبيّن صفة وضوء رسول اللّٰه للناس قطعا لدابر الاختلاف.

علما بأنّ الخليفة قد حارب أهل الردّة، معلّلا بأنّهم قد فرّقوا بين الصلاة‌

34

و الزكاة، فكيف به لا يجابه الذي يحرّف الوضوء؟! و هذا مؤيّد آخر على عدم وجود الخلاف في زمانه، إذ لو كان لو ردت مؤشّرات عليه في المصادر المعتبرة، كما رأيناه فيما يماثلها.

35

عهد عمر بن الخطّاب (13- 23 ه‍)

على الرغم من استقرائنا، و تتبّعنا الدقيق في تاريخ اختلاف المسلمين في الوضوء- في هذا العهد- لم نعثر على ما يشير إلى وجود اختلاف جوهري بين المسلمين فيه. اللّٰهم في مسألة يسيرة و في حالة من حالات الوضوء، هي جواز المسح على الخفّين، أو عدمه.

و إليك بعضا من النصوص الواردة بهذا الشأن:

جاء في تفسير العياشيّ، عن زرارة بن أعين، و أبي حنيفة، عن أبي بكر ابن حزم، قال: توضّأ رجل، فمسح على خفّيه، فدخل المسجد فصلّى، فجاء عليّ فوطأ على رقبته، فقال: ويلك! تصلّي على غير وضوء؟

فقال [الرجل]: أمرني عمر بن الخطّاب.

قال [الراوي]: فأخذه بيده، فانتهى به إليه.

فقال [عليّ]: انظر ما يروي هذا عليك؟- و رفع صوته.

فقال [عمر]: نعم، أنا أمرته، إنّ رسول اللّٰه (ص) مسح.

قال [عليّ]: قبل المائدة، أو بعدها؟

قال [عمر]: لا أدري! قال [عليّ]: فلم تفتي و أنت لا تدري؟! سبق الكتاب الخفّين (1).

و في النصّ إشارات جمّة، يهمّنا منها- في هذا المقام-: عبارة (ما يروي هذا عليك) بدلا من (.. عنك)، فالذي يظهر من قول الإمام عليّ أنّه قد اتّهم الماسح على الخفّين بالتقوّل على عمر، و ذلك لبداهة كون المسح على القدمين هو السنّة المنصوص عليها، دون المسح على الخفّين، و يمكننا أن نفهم من ظاهر قول‌

____________

(1) تفسير العياشيّ 1: 297- 46.

36

الإمام عليّ كون المسح على القدمين في غاية الوضوح عند الجميع، و إلّا لما صحّ الإنكار، و ادّعاء التقوّل.

و بعد تثبّت الإمام عليّ من أنّ عمر هو الراوي المجيز للمسح على الخفّين، قام بمناقشة ذلك الرأي و بيّن أنّ المسح على الخفّين غير جائز، و أنّ المسح على القدمين هو المشروع لا غير، بدليل آية من سورة المائدة التي أحكمت كلّ شي‌ء، حيث أمرت بالمسح على الرجلين وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1)، علما بأنّ سورة المائدة كانت آخر ما نزل من القرآن- إلّا براءة- باتّفاق جميع المسلمين.

و قد حصل هذا الالتباس لصحابة آخرين غير عمر، فقد روى العيّاشيّ أنّه:

أتى أمير المؤمنين رجل، فسأله عن المسح على الخفّين، فأطرق في الأرض مليّا، ثمّ رفع رأسه فقال: ( (يا هذا إنّ اللّٰه تبارك و تعالى أمر عباده بالطهارة، و قسّمها على الجوارح، فجعل للوجه منه نصيبا، و جعل لليدين منه نصيبا، و جعل للرأس منه نصيبا، و جعل للرجلين منه نصيبا، فإن كانت خفّاك من هذه الأجزاء، فامسح عليهما) (2).

و ما ذكر الإمام عليّ هذا الاستدلال إلّا لرفع اللبس عن القائلين بجواز المسح على الخفّين، و الخليفة عمر بن الخطّاب من أولئك القائلين.

و أخرج السيوطيّ بسنده، عن ابن عبّاس، أنّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر، سعد و عبد اللّٰه بن عمر.

فقال عمر [لعبد اللّٰه]: سعد أفقه منك! فقال [عبد اللّٰه بن] عمر: يا سعد، إنّا لا ننكر أنّ رسول اللّٰه مسح، و لكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة؟ فإنّها أحكمت كلّ شي‌ء، و كانت آخر سورة‌

____________

(1) المائدة: 6.

(2) تفسير العيّاشيّ 1: 301- 59.

37

من القرآن، إلّا براءة (1).

نحن لسنا بصدد تنقيح البحث في جواز المسح على الخفّين أو عدمه، بل الذي نقوله هو: إنّ الخلاف لم يشكّل مدرسة وضوئيّة كاملة، بل إنّ أغلب الروايات الواردة عن الخليفة في الوضوء كانت تدور حول نقطة واحدة و بيان حالة معيّنة من حالات الوضوء، و لم نعثر على اختلافات أخرى بين الصحابة آن ذاك، كما هو مختلف فيه بين فرق المسلمين بعد ذلك، مثل حكم غسل اليدين، هل هو من الأصابع إلى المرافق أو العكس؟

أو كمسح الرأس، هل يجب كلّه، أو يجوز بعضه، أو أنّ الماء المأخوذ للمسح، هل هو واجب أو جائز، أو أنّ الوضوء يبطل به؟

و ما هو حكم مسح الرقبة، هل هو من مسنونات الوضوء، أم ما ذا؟ و ما إلى ذلك من المسائل المطروحة.

إنّ عدم نقل وضوء بيانيّ عن الخليفة، و عدم تأكيده على تعليم الوضوء للمسلمين لدليل على أنّ الاختلاف بينهم لم يكن إلّا جزئيّا، و أنّه لم يشكّل بعد عند المسلمين نهجين و كيفيّتين كما هو المشاهد اليوم، إذ لو كان ذلك لسعي الخليفة في إرشاد الناس و دعوتهم إلى وضوء رسول اللّٰه (ص)، و قد تناقلت كتب السير و التاريخ اهتمامه بجزئيّات الشريعة مدّة خلافته الطويلة، و منها:

ما روي من أنّ النبيّ (ص) رخّص لعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير- لحكّة كانت به- فأقبل عبد الرحمن ذات يوم على عمر و معه فتى من بنيه قد لبس قميصا من حرير، فنظر عمر إليه و قال: ما هذا؟! ثمّ أدخل يده في جيب القميص فشقّه إلى أسفله، فقال له عبد الرحمن: ألم تعلم أنّ رسول اللّٰه قد رخّص‌

____________

(1) الدرّ المنثور 2: 263.

38

لي لبس الحرير؟ قال عمر: بلى، لشكوى شكوتها، فأمّا بنيك فلا (1).

و نقل عنه: إنّ أبا عبيدة- واليه على الشام- قد كتب إليه: إنّ نفرا من المسلمين قد شربوا الخمر في دمشق بعد فتحها، فكتب إليه عمر أن يسأل هؤلاء النفر عن رأيهم في الخمر، إحلال هي أم حرام؟ فإن استحلّوها ضرب أعناقهم، لأنّهم جحدوا نصّا من القرآن الكريم، و إن اعترفوا بأنّها محرّمة و فسقوا فيها، أقام عليهم الحدّ (2).

و قصّته مع ابنه عبد الرحمن الأوسط (أبي شحمة) معروفة، و قد تحدّث بها الرواة، فقد شرب أبو شحمة الخمر بمصر، فأقام عليه والي عمر الحدّ في صحن الدار، و ليس في جمع المسلمين- و ذلك لقربه من الخليفة- و ما أن بلغ عمر ذلك أمر بأن يرسل إليه على قتب، ليكون السفر أكثر مشقّة عليه، و لمّا وصل المدينة كان مريضا، فجي‌ء به إلى عمر و هو على تلك الحال- مريضا مكدودا- فأقام عليه الحدّ فورا بمحضر جماعة من المسلمين، و لم يلتفت الأب الخليفة لاستغاثة فتاة حتى مات تحت السياط (3).

و منها: قضيّة نصر بن حجّاج و المرأة التي قالت فيه أبياتا من الشعر، مطلعها:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها * * *أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج

فلمّا سمع عمر الأبيات، أرسل إلى نصر بن حجّاج فرآه شابّا جميلا حسنا، فجزّ شعره و غرّبه و نفاه إلى بلد آخر، و قال: و اللّٰه، لا يساكنني رجل تهتف به العواتق في الخدور (4)،. و ما إلى ذلك كثير.

فإذا كان الاهتمام بالأحكام إلى هذا المدى، فلم لا نرى للخليفة وضوءا‌

____________

(1) راجع صحيح مسلم 3: 1646- 24، و النصّ السابق أخذ عن مجموعة طه حسين.

(2) مجموعة طه حسين 4: 51 و 164.

(3) مجموعة طه حسين 4: 165.

(4) حلية الأولياء 4: 322.

39

بيانيّا لو كان الاختلاف في الوضوء قد شجر بين المسلمين؟! و إذا كان يفعل بشابّ ما فعل به لقول قائلة متغزّلة، و الولاة يهتمّون بنقل الأخبار من الأمصار إلى الخليفة، فلما ذا لا نرى نقل خبر عنهم في الوضوء؟! و إذا صحّ وقوع الخلاف في الوضوء في هذا العهد، فكيف يصحّ السكوت من عمر- على وسع اهتماماته- عن الاختلاف في الوضوء؟! ذلك الفرض الذي تتوقّف عليه كثير من العبادات من صلاة و حجّ! بناء على ما تقدّم، نستبعد حصول اتّجاه وضوئيّ مخالف لسنّة رسول اللّٰه (ص) و فعله، إذ لو كان لتناقلته الكتب، فعدم توجّه الخليفة إلى هذه المسألة المهمّة الحسّاسة، دليل على استقرار المسلمين على وضوء رسول اللّٰه (ص).

40

عهد عثمان بن عفّان (23- 35 ه‍)

كان الخليفة عثمان بن عفّان الوحيد بين الخلفاء الثلاث الأوائل قد حكى صفة وضوء رسول اللّٰه، و روى لنا وضوءا بيانيا عنه (ص).

فقد أخرج البخاريّ و مسلم بسندهما عن ابن شهاب: انّ عطاء بن يزيد الليثيّ أخبره أنّ حمران مولى عثمان أخبره، أنّ عثمان بن عفّان (رضي اللّٰه عنه) دعا بوضوء- فتوضّأ- فغسل كفّيه ثلاث مرّات، ثمّ مضمض و استنثر، ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّات، ثمّ غسل يده اليمنى إلى المرافق ثلاث مرّات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثمّ مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات ثمّ غسل اليسرى مثل ذلك، ثمّ قال: رأيت رسول اللّٰه (ص) توضّأ نحو وضوئي هذا.

ثمّ قال رسول اللّٰه: من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثمّ قام فركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه (1).

نصّان أساسيّان

1- أخرج المتّقي الهنديّ، عن أبي مالك الدمشقيّ، قوله: حدّثت أنّ عثمان بن عفّان اختلف في خلافته في الوضوء (2).

2- أخرج مسلم في صحيحة، عن قتيبة بن سعيد، و أحمد بن عبدة الضّبّي، قالا: حدّثنا عبد العزيز و هو الدراوردي عن زيد بن أسلم، عن حمران مولى عثمان: قال: أتيت عثمان بن عفّان بوضوء، فتوضّأ ثمّ قال: إنّ ناسا‌

____________

(1) صحيح البخاريّ 1: 52، صحيح مسلم 1: 204- 3.

(2) كنز العمال 9: 443- 26890.

41

يتحدّثون عن رسول اللّٰه (ص) بأحاديث، لا أدري ما هي! ألا إنّي رأيت رسول اللّٰه توضّأ مثل وضوئي هذا ثمّ قال: «من توضّأ هكذا غفر له ما تقدّم من ذنبه (1).

حدوث الخلاف في الوضوء

يوقفنا هذان النصّان على أمور:

الأوّل: ينبئ النّص الأوّل و كذا الثاني عن حدوث اختلاف بين المسلمين في الوضوء و انشقاقهم إلى خطين:

1- وضوء الخليفة عثمان بن عفّان.

2- وضوء ناس من المسلمين.

و كلّ واحد منهما يكتسب مشروعيّة عمله بانتساب فعله إلى رسول اللّٰه، فهؤلاء الناس كما قال الخليفة يتحدّثون عن رسول اللّٰه (ص) لقوله (انّ ناسا يتحدّثون عن رسول اللّٰه بأحاديث)، أمّا الخليفة فنراه يقول: ألا إنّي رأيت رسول اللّٰه توضّأ مثل وضوئي هذا!! الثاني: يؤكّد النصّ الأوّل على أنّ الخلاف في الوضوء قد حدث في عهد الخليفة عثمان، لقول أبي مالك «حدّثت أنّ عثمان بن عفّان اختلف في خلافته في الوضوء»، و أنّ ذلك يتضمّن الإشارة إلى عدم وجود الاختلاف قبل عهده و يقوّي ما سقناه سابقا، و ستقف لاحقا على أنّ الخليفة قد توضّأ وضوء الناس شطرا من خلافته كما نقل عنه في الصلاة بمنى و أنّه أتمّ الصلاة فيها بعد أن كان قد قصر فيها شطرا من خلافته و كذا في الأذان الثالث يوم الجمعة، و تقديم الخطبة على الصلاة يوم العيدين. و غيرها.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 207- 8، كنز العمّال 9: 423- 26797.

42

الثالث: إنّ عبارة الخليفة «إنّ ناسا يتحدّثون» تؤكّد مشروعيّة فعل هؤلاء الناس باعتباره مرويّا عن رسول اللّٰه (ص)، و لم يكذّب الخليفة روايتهم لصفة وضوء رسول اللّٰه، و بذلك يكون وضوؤهم هو وضوء رسول اللّٰه، حيث لا يعقل أن يتحدّثوا بشي‌ء و لا يفعلونه، و خصوصا أنّهم في خلاف مع خليفة المسلمين فيه، أمّا «الناس» فكانوا لا يقبلون بوضوء الخليفة و لا يعتبرون ذلك هو وضوء رسول اللّٰه!! الرابع: إنّ جملة «إنّ ناسا» أو «لا أدري ما هي» ظاهرة في استنقاص الخليفة ل‍ «الناس» و أنّهم صحابة مجهولون. فهل حقّا كانوا كذلك؟ أم أنّ الخليفة قال بمثل هذا لمعارضتهم إيّاه، و أنّ طبيعة المعارضة تستوجب الاستنقاص؟! كانت هذه بعض النقاط. و لنواصل الحديث بطرح تساؤلات أخرى:

لما ذا وقع الاختلاف في هذا العهد مع عدم ملاحظته- بصورة واضحة- في زمن الشيخين؟

و لما ذا نرى الصحابة ينسبون إلى عثمان البدعة و الإحداث- كما ستقف عليه لاحقا (1) في حين لم ينسبوا ذلك إلى أبي بكر و عمر؟

فلو قلنا بأنّ الخليفة هو المبدع لهذا الوضوء الجديد، فما هو السبب و الداعي لسلوكه هذا السلوك، مع علمه بأنّ ذلك يسبب معارضة الصحابة له؟

و هل الوضوء من الأمور الماليّة أو السياسيّة أو الحكوميّة. حتّى يمكن التعامل معها وفق مصلحة الحكم و البلاد؟

أم كيف يمكن لهؤلاء «الناس» الاجتراء و التعدّي على شعور المسلمين و إحداث وضوء يخالف وضوء الخليفة و ما عمله المسلمون مدّة من الزمن؟

و إذا كانوا هم البادئين بشقّ الصفّ الإسلاميّ، أ يعقل أن تتجاهلهم كتب السير و التاريخ و لم تنوّه بأسمائهم؟

____________

(1) انظر الصفحة 84 من هذا الكتاب.

43

و لم لا نرى مواجهة من كبار الصحابة لهم، و ظهور وضوءات بيانيّة منهم لإفشال ذلك الخطّ المبتدع الجديد؟

و لما ذا نرى الخليفة يقول: لا أدري. و هل أنّه لا يدري حقّا؟

و كيف لا يدري و هو من المسلمين الأوائل، و خليفتهم القائم؟

و إن كان يدري، فكيف يجوّز لنفسه تجاهل أحاديث من يروي و يتحدّث عن رسول اللّٰه؟ و إن كان الناس قد كذبوا على رسول اللّٰه و نسبوا إليه ما لم يصحّ فلما ذا لم يشهّر بهم و لم يودعهم السجون؟

هذه التساؤلات مع جملة أخرى، سنجيب عنها في مطاوي البحث إن شاء اللّٰه تعالى.

لكنّ اللافت للنظر في هذا المجال أنّ الخليفة هو الذي تصدّى بنفسه لمسألة الوضوء! فما سبب ذلك؟

و لما ذا اعتبرت روايته للوضوء هي أكثر و أصحّ ما يعتمد عليه في حكاية وضوء النبيّ في أبواب الفقه؟ مع العلم بأنّ صورة الوضوء لم تنقل عن كبار الصحابة الملازمين للرسول، و هم مئات عددا و كانوا يحيطون به (ص) و يعايشونه، أضف إلى ذلك كون كثير منهم من أهل الفقه، و حملة الآثار، و من العلماء، المهتمين بدقائق الأمور، و هم الذين نقلوا لنا رأي الإسلام في مختلف مجالات الحياة.

فكيف لم تنقل عن أولئك كيفيّة الوضوء؟ و هل من المعقول أن يسكت المقرّبون المكثرون عن بيان كيفيّة الوضوء، إن كان فيها ما يستوجب البيان و التوضيح؟! و لما ذا هذا التأكيد من عثمان على الوضوء بالذات؟. مع كونه يعاني من مشاكل و أزمات حادّة في إدارته السياسيّة، و سياسته الماليّة، و نهجه الفقهيّ. بل حتّى في طور تفكيره و سائر شئونه الأخرى.

44

قد يكون لزاما علينا أن نقول: إنّ الحالة الطبيعيّة كانت تقتضي أن تصدر النصوص البيانيّة الحاكية لوضوء رسول اللّٰه (ص) عن صحابة من أمثال: أنس بن مالك، سعد بن أبي وقّاص، عبد اللّٰه بن مسعود، عمّار بن ياسر، أبي ذرّ الغفاريّ، جابر بن عبد اللّٰه الأنصاريّ، طلحة، الزبير، المقداد، عبد الرحمن بن عوف، زوجات النبيّ، موالي النبيّ، و غيرهم الكثير من الذين ما انفكوا عن ملازمته (ص). لا أن يقتصر النقل و يختصّ بفئة محدودة، كعثمان، و عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، و الرّبيع بنت معوّذ، و ..

فلما ذا تصدر عن المقلّين في رواية الحديث، لا المكثرين الملازمين للنبيّ (ص) مع أنّ طبيعة الأشياء تقتضي الإفاضة في أحاديث الوضوء في روايات المكثرين؟! يبدو أنّ وراء المسألة أمرا خفيّا، خصوصا بعد أن لا نرى للشيخين وضوءا بيانيّا في الباب! أو لم يكن الشيخان من كبار أقطاب الرواية و أساطينها، و من السابقين في الإسلام ..؟؟

ثمّ. ألم يكونا أفقه من عثمان، و أشمل رؤية، و أضبط رواية منه؟

فإن كان الأمر كذلك. فكيف يصحّ منهما أن يتركا موضوعا عباديّا في غاية الأهميّة، مع ما قيل عن شدّتهما في إيصال و تعليم الأحكام الشرعيّة إلى كلّ المسلمين؟! و إذا سلّمنا أنّ حروب الردّة، و فتح العراق و البحرين و غيرها قد شغلت أبا بكر عن الاهتمام ببعض مسائل الشريعة، فهذا ما لا يمكن التسليم به بالنسبة إلى الخليفة الثاني، الذي نقل عنه بأنّه كان يحمل درّته و يدور في الأسواق و الشوارع و الأزقّة، ليصلح ما قد يرى من فساد اجتماعيّ، و ليعلّم الناس ما يفترض أن يتعلموه من أحكام و آداب و سنن، و كان يهتمّ أيّما اهتمام بمسائل الفقه فيحلّها، و إذا استعصت عليه بعض المسائل، نراه يجمع كبار الصحابة و يستشيرهم،

45

و يبحث معهم تلك المسألة، ثمّ يخرج بالنتيجة الفقهيّة المتوخاة من البحث، فتراه يطرح البحوث العلميّة الفقهيّة على الصحابة ممّن عاصروه، أمثال: عليّ بن أبي طالب، و عبد اللّٰه بن عبّاس، و الزبير، و طلحة، و عبد اللّٰه بن مسعود، و غيرهم من كبار الصحابة.

فإذا كان ثمّة اختلاف أو إبهام في الوضوء في الصدر الأوّل .. فلم لم تطرق هذه المسألة المهمّة مجالس أولئك الصحابة؟! إنّ هذا ليؤكّد بوضوح استقرار المسلمين في الوضوء أثناء تلك المرحلة الزمنيّة من الإسلام. بل المسألة كانت من البداهة و الشيوع بحيث أصبحت من أوّليّات الرسالة المحمّديّة و مسلّماتها التي عرفها الجميع بما ينبغي، دون أدنى شكّ أو ترديد أو التباس.

و من الواضح أنّ الصحابي الذي لا يعرف الوضوء، أو تراه يسأل عن كيفيّته، يعدّ متهاونا و متساهلا في الدين، بل و يكشف سؤاله عن التشكيك في صلاته و عباداته، و أنّه مدّع للصحبة ليس إلّا، إذ كيف يعقل أن يصاحب رجل النبيّ، و هو لا يعرف وضوءه و لا حيثيّاته و لا أصول دينه و فروعه و آدابه و سننه و واجباته مع كون النبيّ قد عاش بين ظهرانيهم ثلاثا و عشرين سنة! و إذا قيل لنا: إنّ فقيها من فقهاء المسلمين في زماننا الحاضر لا يعرف تفاصيل الوضوء، أو أنّه يسأل عنها. فإنّنا و الحال هذه: إمّا أن لا نصدّق ما قيل عنه، أو أن نرميه بالجهل و عدم الفقاهة، على الرغم من بعده عن عصر الرسالة بأربعة عشر قرنا.

فكيف يا ترى يمكننا تصوّر ذلك في صحابي، بل في صحابة قد عاشوا مع النبيّ و ترعرعوا بين يديه و رأوه بأمّ أعينهم و هو يمارس عباداته و طقوسه التي فرضها اللّٰه عليه و عليهم؟! نعم، نحن لا ننكر أن يكون نقل الراوي لصفة وضوء رسول اللّٰه، أو سؤاله عن بعض خصوصيّات الأحكام جاء لتعليم الآخرين، لكنّنا نعاود السؤال و نقول: لما ذا‌

46

لا يروي عنه (ص) الأحاديث الوضوئيّة الصحابة المكثرون؟

و من هنا- و طبقا لما ذكرناه- نقول قانعين: إنّ الاختلاف لم يدبّ بين المسلمين في تلك الحقبة من عصر الإسلام، بل نشأ في عهد الخليفة الثالث، الذي وردت عنه نصوص بيانيّة- تتجاوز الآحاد- في صفة وضوء النبيّ (ص). و لو دقّق الباحث اللبيب النظر فيها لرآها تتضمّن الكثير من الإشارات الدالّة على حدوث الاختلاف في زمنه.

أضف إلى ذلك أنّ عثمان كان يستغلّ كلّ الفرص المؤاتية ليري الناس وضوءه، و يحاول التأكيد عليه بشتى الأساليب- كما سترى (1).

و الآن لنتعرّف على البادئ بالخلاف، و هل أنّ وضوءه هو وضوء رسول اللّٰه؟

و كيف بدأ الشقّ في الصفّ الإسلاميّ، و لم؟

من هو البادئ بالخلاف؟

نرجع إلى بعض التساؤلات السابقة لتقريرها فنقول:

يفترض مبدئيّا كون الميل و الانحراف أو الخطأ في التفكير المستتبع للخطإ في السلوك العمليّ، إنّما ينتج عن هفوات و زلّات عامّة الناس، و يكون دور الحاكم في هذه الحال دور المقوّم و المصحّح لما يصدر من خطأ أو شذوذ في التفكير أو في المنهج العمليّ، حيث نرى الأمم في شتى مراحل تطوّرها تؤمّر على نفسها أو يتأمّر عليها من يتوخّى منه أن يقيم الأود و يشدّ العمد، و يحافظ على مسار الأمّة، و يدافع عن أفكارها و آرائها.

لكنّ الدلائل و المؤشّرات في نزاع الوضوء تقودنا إلى غير ذلك، لأنّ «الناس» المخالفين هذه المرّة هم من أعاظم الصحابة و فقهاء الإسلام (2)، و ليس فيهم من‌

____________

(1) في الصفحات 58- 66 من هذا الكتاب.

(2) ستقف على أسمائهم في الصفحات 115 إلى 140.

47

هو أقلّ من الخليفة الثالث من حيث الفقه، و العلم، و الحرص على تقويم المجتمع و المحافظة على معالم الدين الإسلاميّ من أيدي التحريف و التخليط و اللبس. كما أنّهم ليسوا من عامّة الناس المكثرين من الأغلاط و غير المتفقهين في الدين، و هم ليسوا من متأخّري الإسلام من الصحابة الذين لم يعيشوا طويلا مع النبيّ (ص)، بل العكس هو الصحيح، إذ انّهم على قدر من الجلالة و العظمة، يجلّون معها عن أن يحتاجوا إلى من يقوّمهم و يشرف على ما رأوه و رووه عن النبيّ (ص). و سنفصّل لك لاحقا أسماءهم و أحوالهم لتطّلع عليها.

و من الأمور التي تزيد المدعى وضوحا و تؤكّد على أنّ الخليفة عثمان بن عفّان وراء مسألة الوضوء هو الجرد الإحصائيّ، الذي توصلنا من خلاله إلى أنّ مرويّات الوضوء الثلاثيّ الغسليّ [1] الصحيحة السند، إنّما تنحصر في:

1- عثمان بن عفّان.

2- عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص.

3- عبد اللّٰه بن زيد بن عاصم.

4- الرّبيع بنت معوّذ.

علما أنّ المروي عن عبد اللّٰه بن زيد بن عاصم هنا يعارض ما أخرجه ابن أبي شيبة عنه، بأنّ رسول اللّٰه مسح رأسه و رجليه مرتين (2).

و كذا الحال بالنسبة للربيّع بنت معوّذ، فإنّ ابن عبّاس ناقشها في وضوئها‌

____________

[1] سيمرّ بك من الآن فصاعدا مصطلحان:

الأوّل: الوضوء الثلاثيّ الغسليّ- وضوء الخليفة عثمان.

الثاني: الوضوء الثنائيّ المسحيّ- وضوء الناس المخالفين لعثمان.

و إنّا قد انتزعنا هذين المصطلحين من إشهاد الخليفة للصحابة عليهما، و ستقف على تفاصيله في آخر الباب الأوّل من هذا المدخل.

____________

(2) المصنّف 1: 18- 4.

48

الغسليّ، و قال: يأبى الناس إلّا الغسل، و لا نجد في كتاب اللّٰه إلّا المسح (1).

بهذا انحصر الوضوء الثلاثيّ الغسليّ في عثمان بن عفّان، و عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص.

هذا بالنسبة إلى الروايات الصحيحة، و ثمّة روايات ضعيفة سندا و نسبة، يلزم مناقشتها. منها: ما روي عن عليّ و ابن عبّاس، فإنّها على الرغم من سقوط أسانيدها عن الاعتبار، تتعارض مع ما تواتر عنهما بصحاح المرويّات الدالّة على تبنيهما الوضوء الثنائيّ المسحيّ، و المؤكّدة على اعتراضهما على من ينسب الوضوء الثلاثيّ الغسليّ إلى النبيّ (ص)، كما فعله ابن عبّاس مع الربيع بنت معوّذ، و قد مرّ قبل قليل.

علما بأنّ أصحاب الاتجاه الوضوئيّ الجديد ينسبون كلّ آرائهم في الوضوء إلى عليّ بن أبي طالب، و طلحة، و الزبير، و غيرهم من الصحابة المعارضين!! و سنتعرّض لبعض النماذج من ذلك في الصفحات القادمة، إن شاء اللّٰه تعالى (2).

هذا و قد عدّ الترمذي أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول اللّٰه وضوءا بيانيّا، في باب [ما جاء في وضوء النبيّ كيف كان] فقال- بعد نقله حديثا عن عليّ-:

و في الباب عن عثمان، و عبد اللّٰه بن زيد، و ابن عبّاس، و عبد اللّٰه بن عمرو، و الربيع، و عبد اللّٰه بن أنيس، و عائشة (رضوان اللّٰه عليهم) (3).

و قد عرفت أخي المطالع حال ستّة من المذكورين آنفا، فلم يبق من العدد الذي ذكره الترمذي إذن سوى:

____________

(1) كنز العمّال 9: 432- 26837.

(2) منها ما جاء في الصفحة 137 من هذا الكتاب.

(3) سنن الترمذيّ 1: 34 ذيل حديث 48.

49

1- عبد اللّٰه بن أنيس.

2- عائشة.

فقد قال المباركفوريّ في شرحه على الترمذيّ، بعد إرجاعه أحاديث الباب إلى مصادرها في الصحاح و السنن: و أمّا حديث عبد اللّٰه بن أنيس، فلينظر من أخرجه، و أمّا حديث عائشة، فلم أقف عليه (1).

و بذلك أمكننا التعرّف إجمالا على أحاديث الباب (2) و أنّه ينحصر في عثمان بن عفّان و عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، و ستقف على دور عثمان في الوضوء و روايته لها، مع أنّ المفروض أو المحتمل القريب- كما هو في غالب أحكام الدين- أن يروي الوضوء أصحاب النصيب الأوفر و المكثرون من الرواة و الصحابة الأقدمون و المقرّبون من النبيّ (ص)، لا أن يختصّ بعثمان و ذلك النفر القليل جدّا! نعم. لو كان البادئ بالخلاف الوضوئيّ هم الناس من الصحابة لاقتضى السير الطبيعيّ أن يقف رواة الحديث- من كبار الصحابة و فقهائهم- بوجههم فيروون ما رأوه من النبيّ (ص) و ما سمعوه. في حين لا نرى من مرويّات ذلك الرهط من الصحابة إلّا ما تخالف مرويّات عثمان أو لا تؤيّدها، و هي بمجموعها لا تعادل عشر ما رواه عثمان بمفرده في الوضوء! إذن في الأمر شي‌ء!. فما عساه أن يكون؟

و هذه قائمة بأسماء الصحابة المكثرين من الرواية، و عدد مرويّاتهم في الوضوء البيانيّ و وصفهم لصفة وضوء رسول اللّٰه (ص):

____________

(1) تحفة الاحوذيّ لشرح الترمذي 1: 136.

(2) و لنا وقفة أخرى في الفصل الأوّل (الوضوء و السنّة النبويّة). نتعرّض لكلّ تلك المرويّات سندا و دلالة و نسبة.

50

التسلسل- اسم الصحابيّ- مجموع الأحاديث المرويّة عنه (ص)- مرويّاته في الوضوء البيانيّ للنبيّ (ص)- الملاحظات.

1- أبو هريرة الدوسيّ- 5374- (1)- 2- عبد اللّٰه بن عمر بن الخطّاب- 2630- 3- أنس بن مالك- 2286- 4- عائشة- 1210- نسبوا لها وضوءا، أنكر المباركفوري كون المحكي وضوءا بيانيّا.

5- عبد اللّٰه بن العبّاس- 1660* * *- له عدّة أحاديث بعضها مسحيّ، و الباقية ضعيفة السند، و ملصقة به (2) 6- أبو سعيد الخدري- 1170- 7- جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري- 1540- 8- عبد اللّٰه بن مسعود- 848- 9- عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص- 700- 1- 10- علي بن أبي طالب- 537* * *- له عدّة أحاديث في الوضوء، الصحاح منها مسحيّة ثنائيّة الغسلات، و البواقي منسوبة إليه ضعيفة السند (3).

11- عمر بن الخطّاب- 527* * * 12- أمّ سلمة أمّ المؤمنين- 378* * * 13- أبو موسى الأشعريّ- 360* * * 14- البراء بن عازب- 305* * * 15- أبو ذرّ الغفاريّ- 281* * *

____________

(1) تشير العلامة (-) إلى معنى: لا يوجد.

(2) ندرسها في الفصل الأوّل من هذه الدراسة (الوضوء و السنّة النبويّة) إن شاء اللّٰه تعالى.

(3) سنبحث عنها في الفصل الأوّل أيضا.

51

التسلسل- اسم الصحابي- مجموع الأحاديث المرويّة عنه (ص)- مرويّاته في الوضوء البيانيّ للنبيّ (ص)- الملاحظات.

16- سعد بن أبي وقّاص- 271* * * 17- أبو أمامة الباهليّ- 250* * * 18- حذيفة بن اليمان- 200* * * 19- سهل بن سعد- 188* * * 20- عبادة بن الصامت- 181* * * 21- عمران بن الحصين- 180* * * 22- أبو الدرداء- 179* * * 23- أبو قتادة- 170* * * 24- بريدة الأسلميّ- 167* * * 25- أبي بن كعب- 164* * * 26- معاوية بن أبي سفيان- 163* * * 27- معاذ بن جبل- 155* * * 28- عثمان بن عفّان- 146* * *- له أكثر من عشرين حديثا في الوضوء.

29- جابر بن سمرة الأنصاريّ- 146* * * 30 [1]- أبو بكر- 142* * * الملاحظ في الجدول الإحصائيّ المذكور أنّ أحدا من المكثرين من الصحابة، و الخلفاء الثلاثة- أبي بكر و عمر و عليّ- و أمّهات المؤمنين، و موالي النبيّ. لم يرو في الوضوء البيانيّ، إلّا عليّ بن أبي طالب، و عبد اللّٰه بن عبّاس.

____________

[1] التسلسل المذكور، عن كتاب: أسماء الصحابة الرواة و ما لكلّ واحد منهم من العدد، لابن حزم الأندلسيّ، أمّا مرويّاتهم في الوضوء البيانيّ فتابع لجردنا.

52

و أمّا عثمان صاحب ال‍ [146] حديثا، فيتصدّر ب‍ (أكثر من عشرين رواية) (1) في الوضوء البيانيّ! نعم. يتصدّر القائمة بتلك النسبة الهائلة، مع قلّة مرويّاته بالنسبة لكبار الصحابة و فقهائهم، الذين خالفوه في اتجاهه، و بذلك يرجح أن يكون عثمان هو المتبني و المروّج لفكرة الوضوء الثلاثيّ الغسليّ دون بقيّة الصحابة و الفقهاء.

و ممّا يزيد المرء حيرة و دهشة هو زيادة روايات عثمان في الوضوء البيانيّ حتّى على أبي هريرة صاحب الرقم الأعلى في المرويّات [5374] (2)، و المعروف بأنّه لم يترك شاردة و لا واردة- صغيرة كانت أم كبيرة- إلّا و رواها عن النبيّ الأكرم (ص)، و زاد على ابن عمر، صاحب ل‍ [2630] رواية، و جابر بن عبد اللّٰه الأنصاريّ، صاحب ل‍ [1540] رواية، و عائشة، صاحبة ل‍ [1210] رواية، و أنس، صاحب ل‍ [2286] رواية، و أبي سعيد الخدريّ، صاحب ل‍ [1170] رواية، و عبد اللّٰه بن مسعود، صاحب ل‍ [848] رواية، و عمر بن الخطّاب، صاحب ل‍ [527] رواية .. إلخ! و لا نفهم من هذه الظاهرة إلّا التأكيد لما قلناه، المتلخّص في: تأسيس عثمان لاتجاه وضوئيّ ما كان متعارفا عليه قبله، و صار من بعد ذلك مدرسة وضوئيّة مستقلّة تخالف ما كانت عليه سيرة المسلمين باتّباعهم وضوء النبيّ (ص).

و قد حاول الإمام عليّ أثناء خلافته بكلّ ما يمكن بيان الوضوء الصحيح رواية، و عملا، و كتابة إلى عمّاله في الأمصار (3)، لكنّه، مع كلّ ذلك- لم يصل في رواياته الوضوئيّة لذلك العدد الذي اختصّ به عثمان دون غيره! نرجع قليلا. فنقول: لو أنّ «الناس» كانوا هم البادئين بالخلاف، لاندفع‌

____________

(1) سنفصّل ذلك في الفصل الأوّل من هذه الدراسة.

(2) سنذكر حديثه في مبلغ حلية المؤمن و كيفيّة وضوئه في الفصل الثاني من هذه الدراسة (الوضوء في الكتاب و اللغة).

(3) بحثنا هذه الأمور في الصفحات 143 إلى 165 من هذا الكتاب.

53

الرواة المكثرون- بدافع الحرص على الدين- لتبيان وضوء النبيّ، كما فعلوا ذلك من قبل مع مانعي الزكاة. و لأسقطوا به التكليف عن الخليفة في مواجهتهم.

فقد وردت روايات كثيرة عن كبار الصحابة في ذكر عقوبة مانع الزكاة و حرمة منعه، منهم: عليّ بن أبي طالب، أبو هريرة الدوسيّ، عبد اللّٰه بن مسعود، جابر بن عبد اللّٰه الأنصاريّ، أبو ذرّ الغفاريّ، أنس بن مالك، و غيرهم من مشاهير الصحابة. و هي الحالة الطبيعيّة المتّبعة في جميع الديانات و المذاهب على مرّ العصور، و سارت عليها سيرة المسلمين في شتّى مجالات الدين، و بالخصوص في أبواب الفقه و مسائله الشرعيّة، فلما ذا نجد شذوذا عن هذه القاعدة المتعارف عليها هنا؟. أ لا تجعلنا نتّخذ موقف الشكّ و الريبة و عدم الاطمئنان بمرويّات الخليفة و أنصاره و تدعونا بدافع الحرص و الأمانة للوصول إلى حقيقة الحال.

فنقول: لو كان غيره البادئ بالخلاف، لكان بوسع الخليفة بما له من قوّة تشريعيّة و تنفيذيّة أن يحسم النزاع بأحد طرق ثلاث:

الأولى: استعمال أسلوب الردع الحاسم.

فقد ثبت بين المسلمين أنّ من حقّ الإمام: ردع المخالفين، و تأديب الخاطئين، و تعزير المنحرفين بما يراه صلاحا في الدنيا و الدين.

الثانية: طلب النصرة.

بأن يستنصر المسلمين استنصارا عامّا ليقضي على ما أدخله أولئك في الدين، و إعلان ذلك على منبر النبوّة، كما فعل ذلك أبو بكر بأهل الردّة و مدّعي النبوّة، و أن لا يختصّ بجماعات صغيرة في الإشهاد، أي يلزم على الخليفة الاستفادة من الفهم العرفي العام عند المسلمين لنبذ البدعة.

الثالثة: المطالبة بالدليل (المحاجّة).

بأن يطالب الخليفة «الناس» بأدلّتهم، ليبيّن بذلك زيف ادّعائهم، لأنّها- على فرض كونها بدعة- سيعوزها الدليل و يقف الجميع على عدم صلتها بالدين و بعدها عن جذور الشريعة، و بذلك سوف يعيا أربابها أمام ما يدّعيه المسلمون‌

54

عامّة و ستصبح أضحوكة و ستمحى، لتظافر السلطة مع عامّة الصحابة ضدّها.

و المثير للدهشة هنا، أنّ الخليفة الثالث لم يتّخذ أيّة من هذه الإجراءات الثلاثة، بل و الإغراب من ذلك. نراه يلتجئ إلى طريقة معاكسة لما يفترض لعلاج مثل هذه المسألة، فقد تصرّف و كأنّه متّهم مشار إليه، و ذلك باتّخاذه موقف الدفاع، و التشبّث بكلّ صغيرة و كبيرة لدعم فكرته. و كأنّ الوضوء ليس من العبادات الواضحة في الشريعة، كما سترى لاحقا!! نعم، قد اتّجه الخليفة إلى الطريقة الأولى، و لكن لا كما تتطلّبه مصلحة الدين و الملّة، بل لتحصين فكرته الخاصّة به، فقد كانت القوّة طريقته المثلي باطّراد لتثبيت أفكاره و إسكات معارضيه طيلة سني حكمه الاثنتي عشرة، لأنّه يرى في القوّة الأسلوب الأنجح و الأكثر ترويضا، و لذا نراه قد استخدمه حتّى في أبسط و أقلّ المسائل أهميّة، و سخّره بنطاق واسع في قمع معارضيه الفكريين، مع احتمال كونهم أقرب منه إلى الحقّ، و هو أبعد عنه بمسافات شاسعة! لو قلنا: إنّ كلا الفكرتين متوازيتان، أو إنّ فكرة الخليفة هي الأرجح، فأين وجه الصواب باستخدام القوّة بذلك النطاق الواسع، مع وجود باب الحوار و النقاش مفتوحا على مصراعيه؟! و نحن لا نريد بهذه العجالة أن نقدّم جردا إحصائيّا عن سياسة العنف التي اتّبعها الخليفة مع الصحابة، بل ننوّه إلى بعض المواقف:

منها: ما جاء في الكامل و غيره: بأنّ عثمان لمّا ولي الخلافة عفى عن عبيد اللّٰه بن عمر لقتله الهرمزان، و قد احتجّ عليه بعض الصحابة و منهم، زياد بن لبيد البياضيّ الأنصاريّ.

و الأخير أنشد عبيد اللّٰه بعض الأبيات، فشكاه إلى عثمان، فدعا عثمان زيادا فنهاه و شذّبه (1).

____________

(1) تاريخ الطبريّ 4: 240، الكامل في التاريخ 3: 76.

55

و جاء في حوادث سنة (26 ه‍) بأنّ عثمان زاد في المسجد الحرام و وسّعه و اشترى الزيادة من قوم، و أبى الآخرون. فهدم عليهم، و وضع الأثمان في بيت المال، فصاحوا بعثمان، فأمر بهم إلى الحبس (1).

و لم تقف سياسة العنف عنده بهذا الحدّ، فقد سيّر في سنة (33 ه‍) نفرا من أهل الكوفة إلى الشام، و ذلك لاعتراضهم على سياسة سعيد بن العاص في تفضيل قريش و جعله السواد بستانا لقريش (2).

و سيّر قبلها أبا ذرّ إلى الربذة، و منع ابن مسعود من القراءة، و ضرب عمّار بن ياسر و داس في بطنه حتّى أصابه الفتق (3).

و قيل: بأنّ عثمان- لمّا بلغه موت أبي ذرّ- قال: (رحمه اللّٰه)! فقال عمّار بن ياسر: نعم، ف(رحمه اللّٰه) من كلّ أنفسنا.

فقال عثمان: يا عاضّ أير أبيه، أ تراني ندمت على تسييره؟! و أمر، فدفع في قفاه، و قال: الحق بمكانه! فلمّا تهيّأ للخروج، جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان فيه.

فقال له عليّ: يا عثمان! اتّق اللّٰه فإنّك سيّرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفى نظيره؟! و جرى بينهما كلام .. حتّى قال عثمان: أنت أحقّ بالنفي منه! فقال عليّ: رم ذلك إن شئت. و اجتمع المهاجرون، فقالوا: إن كنت كلّما كلمك رجل سيّرته و نفيته! فإنّ هذا شي‌ء لا يسوغ. فكفّ عن عمّار (4).

نعم، لو لا مخالفة الإمام عليّ و المهاجرين لسياسته الضاغطة، لما كفّ عن عمّار بن ياسر، لأنّه قد اتّخذ من تلك السياسة طريقا لفرض آرائه، فإنّ كلّ تلك‌

____________

(1) تاريخ الطبريّ 4: 251، الكامل في التاريخ 3: 87، المنتظم 4: 360.

(2) تاريخ الطبريّ 4: 318، الكامل في التاريخ 3: 137، البداية و النهاية 7: 173.

(3) أنساب الأشراف 5: 48- 49، شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 47 و 49 و 50.

(4) أنساب الأشراف 5: 55.

56

الشدّة و الصرامة التي مارسها عثمان ضدّ كبار الصحابة و فقهائهم و عبّادهم و زهّادهم و متّقيهم، إنّما جاءت لكونهم خالفوه في قضيّة قراءة القرآن- كما لوحظ في قضيّة ابن مسعود و كسر أضلاعه-، أو في كيفيّة توزيع الأموال و الفي‌ء- كما هو المشاهد مع أبي ذرّ و غيره-، أو لأنّ أحدهم خالف فتوى كعب الأحبار الموافقة لرأي الخليفة- كما جاء في ردّ أبي ذرّ لكعب و قوله له: يا ابن اليهوديّة ما أنت و ما .. (1)-، أو لأنّ أحدهم لا يرى فضلا لبني العاص، ناهيك عمّن ينال منهم أو يروى حديثا ضدّهم. و ما إلى ذلك الكثير.

و بعد هذا. لا نجد أحدا يشكّ بسياسة العنف التي مارسها عثمان ضدّ عظماء الصحابة و فضلائهم دفاعا عن آرائه، فإذ ثبت ذلك. نتساءل:

لما ذا لا نرى أيّة بادرة عنف من الخليفة تجاه مخالفيه في مسألة الوضوء، على الرغم من ادّعائه أنّ وضوءه هو وضوء رسول اللّٰه (ص)؟! فلو صحّ. للزم أن يكون وضوء المسلمين هو وضوء الخليفة، و بذلك لاندحر الناس بوضوئهم، و لكفى المسلمون الخليفة مئونة الصراع معهم، و لما تكلّف ما تكلّف.

و يزيد الاستنتاج وضوحا ما نقل عن الخليفة من مراقبته لجزئيّات الوضع- فضلا عن كلّيّاته- و معاقبة الظالمين و المنحرفين. و من ذلك، أنّه:

كان أوّل منكر ظهر بالمدينة حين غصّت الدنيا بطيران الحمام و الرمي على الجلاهقات- و هي قوس البندق- و استعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته، فقصّ الطيور و كسر الجلاهقات (2).

و ذات مرّة. استخفّ رجل بالعبّاس بن عبد المطّلب، فضربه عثمان،

____________

(1) انظر: تاريخ الطبريّ 4: 284، الكامل في التاريخ 3: 115، و شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 54.

(2) تاريخ الطبريّ 4: 398، الكامل في التاريخ 3: 181، البداية و النهاية 7: 224، المنتظم 4: 338.