مجمع البحرين‌ - ج1

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
491 /
9

الجزء الأول

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* و به نستعين

الحمد لمن خَلَقَ الْإِنْسٰانَ، و عَلَّمَهُ الْبَيٰانَ و التبيان، و أوضح له الهدى و الإيمان، و الصلاة على من خُصّ بالفرقان، و الآثار المحمودة الحسان، و آله حجج الرحمن، المطهرين عن الرجس بنص القرآن. أما بعد: فلما كان العلم باللغة العربية من الواجبات العقلية، لتوقف العلوم الدينية عليه، وجب على المكلفين معرفته و الالتفات إليه، و حيث لا طريق إلى معرفة غير المتواتر منها سوى الآحاد المستفادة من التتبع و الاستقراء مست الحاجة إلى ضبط ما هو بالغ في الاتفاق حدا يقرب من الإجماع و يوثق به في الانتفاع. و لما صنف في إيضاح غير الأحاديث المنسوبة إلى الآل كتب متعددة و دفاتر متبددة، و لم يكن لأحد من الأصحاب و لا لغيرهم من أولي الألباب مصنف مستقل موضح لأخبارنا مبين لآثارنا، و كان جمع الكتب في كل وقت متعبا و تحصيلها عن آخرها معجزا معجبا و وفق الله سبحانه المجاورة لبيته الحرام و للحضرة الرضوية على مشرفها السلام و ظفرت هناك و هنالك بعدد عديد من الكتب اللغوية كصحاح الجوهري، و الغريبين للهروي، و الدر النثير، و نهاية ابن الأثير، و شمس العلوم، و القاموس، و مجمع البحار المأنوس، و فائق اللغة، و أساسها، و المجمل من أجناسها، و المغرب‌

10

الغريب، و شرح النهج العجيب، و نحوها من الكتب المرضية و الشروح المطلعة على النكت الخفية حداني ذلك على الشروع في تأليف كتاب كاف شاف يرفع عن غريب أحاديثنا أستارها، و يدفع عن غير الجلي منها غبارها. ثم إني شفعته بالغرائب القرآنية و العجائب البرهانية ليتم الغرض من مجموعي الكتاب و السنة لمن رام الانتفاع بهما، و يتحصل المطلوب فيه من كل منهما، إذ لا يجد الجلم (1) كل واجد، و ليس العلم مخصوصا منهما بواحد. ثم إني اخترت لترتيبه من الكتب الملاح ما أعجبني ترتيبه من كتاب الصحاح، غير أني جعلت بابي الهمزة و الألف بابا واحدا ليكون التناول أسهل و الانتشار أقل. و حين تم التأليف صببته في قالب الترصيف، معلما لكل حرف من حروف الهجاء كتابا، و لكل كتاب أبوابا، باذلا فيه جهدي، مغنيا فيه كدي، طالبا فيه رضى ربي، إنه وليي و حسبي. و سميته ب‍ (مجمع البحرين و مطلع النيرين).

____________

(1). الجلم: آلة كالمقص لجز الصوف، و قد أخرجه هنا على مخرج المثال.

11

كتاب الألف

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

باب الألف المفردة

(أ) الألف المفردة على ضربين: ليِّنة و متحركة، و اللينة تسمى" ألفا" و المتحركة تسمى" همزة". و الألف قد تكون منقلبة عن الواو كغزا أو عن الياء كرمى (1)، و قد لا تكون كذلك كإلى و إذا و حتى، و قد تكون من حروف المد و اللين و الزيادات، و قد تكون في الأفعال ضمير الاثنين كفعلا و يفعلان، و تكون في الأسماء علامة الاثنين و دليلا على الرفع نحو" رجلان". و الهمزة قد ينادى بها تقول:" أ زيد أقبل" إلا أنها للقريب دون البعيد لأنها مقصورة، و قد تزاد في الكلام للاستفهام تقول:" أ زيد عندك أم عمرو". فإن اجتمعت همزتان فصلت بينهما بألف، قال ذو الرمة (2)

أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * * * و بين النقا آ أنت أم أم سالم

و الهمزة أصل أدوات الاستفهام و لهذا اختصت بأحكام: أحدها: جواز حذفها- سواء تقدمت على أم كقول عمر بن أبي ربيعة:

بسبع رمين الجمر أم بثمان (3)

أم لم تقدم كقوله:

أحيا و أيسر ما قاسيت قد قتلا

الثاني: أنها ترد لطلب التصور نحو‌

____________

(1). يذكر في" فعا" قلب الألف واوا في الوقف، و في" أحد" إبدال الهمزة واوا، و في" نجد" في همزة باب الإفعال، و في" يمن" في همزة الوصل- ز.

(2) <ذو الرمة>: هو أبو الحارث غيلان بن عقبة ينتهي نسبه إلى نزار، الشاعر المشهور، أحد فحول الشعراء. والرمة- بالضم: قطعة من حبل، و يكسر، و لقب بذلك لقوله:

" أشعث و باقي رمة القليد"

وأراد بالأشعث: المرتد، بحصول الشعث برأسه من كثرة الدق، وبرمة القليد من حبل: التي يقلد بها. و المعنى: رمة تقليده باقية- م.

(3). في ديوانه ص 59

" بسبع رميت الجمر أم بثمان"

.

14

" أ زيد قائم أم عمرو" و لطلب التصديق نحو" أ زيد قائم" و هل مختصة بطلب التصديق نحو" هل قام زيد" و بقية الأدوات مختصة بطلب التصور نحو" من جاءك" و" ما صنعت" و" كم مالك" و" أين بيتك" و" متى سفرك". الثالث: أنها تدخل على الإثبات- كما تقدم- و على النفي نحو أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. الرابع: تمام التصدير بها، و ذلك أنها إذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو بالفاء أو بثم قدمت على العاطف، تنبيها على أصالتها في التصدير نحو أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا، أَ فَلَمْ يَسِيرُوا*، أَ ثُمَّ إِذٰا مٰا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ و أما أخواتها فتتأخر عن العاطف- كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة- نحو: وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ، فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، فَأَنّٰى تُؤْفَكُونَ*، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفٰاسِقُونَ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، فَمٰا لَكُمْ فِي الْمُنٰافِقِينَ فِئَتَيْنِ- هذا هو مذهب سيبويه و عليه الجمهور. و زعم جماعة- منهم الزمخشري-: أن الهمزة في تلك المواضع في محلها الأصلي، و أن العطف على جملة مقدرة بينها و بين العاطف، و التقدير" أَ* مكثوا فَلَمْ يَسِيرُوا"*،" أَ نهملكم فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً"،" أَ تؤمنون به في حياته فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ"،" أَ نحن مخلدون فَمٰا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ". و هو تكلف بما لا حاجة إليه. و قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي. فتكون للتسوية نحو قوله تعالى: سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ. و للإنكار الإبطالي، فتقتضي بطلان ما بعدها و كذب مدعيه نحو أَ فَأَصْفٰاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ. و للإنكار التوبيخي، فيقتضي أن ما بعدها واقع و فاعله ملوم نحو: أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ. و للتقرير، و معناه حملك المخاطب على الإقرار و الاعتراف بأمر استقر ثبوته عنده أو نفيه، و يجب أن يليها الشي‌ء المقر‌

15

به، تقول في التقرير بالفعل:" أ ضربت زيدا" و بالفاعل:" أ أنت ضربت زيدا" و بالمفعول:" أ زيدا ضربت". و للتهكم نحو أَ صَلٰاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مٰا يَعْبُدُ آبٰاؤُنٰا. و للأمر نحو أَ أَسْلَمْتُمْ. و للتعجب نحو أَ لَمْ تَرَ إِلىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ. و للاستبطاء نحو أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا. و الهمزة على ضربين: ألف وصل و ألف قطع، فكل ما يثبت في الوصل فهو ألف القطع و ما لم يثبت فهو ألف الوصل. و ألف القطع قد تكون زائدة مثل ألف الاستفهام، و قد تكون أصلية مثل" أَخَذَ" و" أَمَرَ".

باب ما أوله الهمزة

(أبا)

قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ جعل إبراهيم أبا للأمة كلها، لأن العرب من ولد إسماعيل و أكثر العجم من ولد إسحاق، و لأنه أبو رسول الله (ص) و هو أب لأمته، فالأمة في حكم أولاده، و مثله قوله: وَ إِلٰهَ آبٰائِكَ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ أضيف الأب إليهما لأنه من نسلهما (1). و قد تجعل العرب العمّ أبا و الخالة أمّا، و منه قوله تعالى: وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ يعني الأب و الخالة، و كانت أمّه راحيل قد ماتت (2). قوله: أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ

____________

(1). و يذكر في" أزر" تسمية العم‌بالأب- ز.

(2). أي جعل إبراهيم و إسحاق أبا، لأن يعقوب من نسلهما، و أما إسماعيل فجعله‌أبا لكونه عما ليعقوب. و في بعض النسخ:" أضيف الأب إليه لأنه من نسله" و المراد من‌الأب هو الجنس- ن.

16

شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ قال الشيخ أبو علي (ره): أخبر سبحانه عن الكفار منكرا عليهم أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ أي يتبعون آباءهم فيما كانوا عليه من الشرك و عبادة الأوثان، و إن كان آباؤهم لٰا يَعْلَمُونَ شَيْئاً من الدين وَ لٰا يَهْتَدُونَ إليه. و في هذه الآية دلالة على فساد التقليد و أنه لا يجوز العمل به في شي‌ء من أمور الدين إلا بحجة، و فيها دلالة على وجوب المعرفة و أنها ليست ضرورية، لأنه سبحانه بيّن الحِجَاج عليهم ليعرفوا صحة ما دعاهم الرسولُ إليه، و لو كانوا يعرفون الحق ضرورة لم يكونوا مقلِّدين لآبائهم.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" كُلُّكُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا مِنْ

أَبَى

"

أي امتنع و ترك الطاعة التي يستوجب بها الجنة. و مثله:

" الْمَلَأُ

أَبَوْا

عَلَيْنَا"

أي امتنعوا من إجابتنا إلى الإسلام. و منه‌

حَدِيثٍ عَلِيٍّ (ع)

- وَ قَدْ جَمَعَ وُلْدِهِ لِلْوَصِيَّةِ وَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ذَكَراً-:" إِنْ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَبَى إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ فِيَّ سُنَّةً مِنْ يَعْقُوبَ".

و منه:

"

أَبَى

اللَّهُ أَنْ يُعْبَدَ إِلَّا سِرّاً"

أي كره ذلك في الدولة الظالمة دولة الشيطان، و ذلك لأن الدولة دولتان: دولة الشيطان و دولة الرحمن، فإذا كانت العبادة سرا فالدولة دولة الشيطان، و إذا كانت العبادة جهرا فالدولة دولة الرحمن. و" أبوت الصبي أبوا": غذوته. و بذلك سمي الأب أبا. و الأب لامه محذوفة و هي واو. و يطلق على الجد مجازا. و في لغة قليلة تشدد الباء عوضا عن المحذوف فيقال:" هو الأب". و في لغة يلزم التقصير مطلقا فيقال:" هذا أباه" و" رأيت أباه" و" مررت بأباه". و في لغة الأقل يلزمه النقص مطلقا، فيستعمل استعمال" يد" و" دم". و الأبوة: مصدر من الأب، مثل الأمومة و الإخوة و العمومة و الخؤولة. و الأبوان: الأب و الأم.

17

و إذا جمعت الأب بالواو و النون قلت:" أبون". قال الجوهري: و على هذا قرأ بعضهم: و إله أبيك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق يريد جمع" أب" أي أبينك، فحذفت النون للإضافة. و النسبة إلى أب" أبوي". و‌

فِي الْحَدِيثَ

:"

بِآبَائِنَا

وَ أُمَّهَاتِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ"

و هذه الباء يسمّيها بعض النحاة باء التفدية يحذف فعلها في الغالب، و التقدير:" نفديك بآبائنا و أمهاتنا". و هي في التحقيق باء العوض نحو" خذ هذا بهذا". قال بعض المحققين: و عُدَّ منه قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ثم قال: و يمكن جعل الباء في الحديث للمعية أيضا و المعنى:" نحن فداء مع آبائنا و أمهاتنا". و قولهم:" يا أبَةِ افعل" يجعلون علامة التأنيث عوضا عن ياء الإضافة، كقولهم في الأم:" يا أمة". قال الجوهري: تقف عليها بالهاء إلا في القرآن فإنك تقف بالياء. و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" لِلَّهِ

أَبُوكَ

".

قيل: الأصل فيه أنه إذا أضيف شي‌ء إلى عظيم اكتسي عظما كبيت الله، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه قيل:" لله أبوك" للمدح و التعجب، أي لله أبوك خالصا حيث أتى بمثلك. و مثله:" لله دَرُّهُمْ" فإنه دعاء لهم بالخير، بخلاف" لله أبُوهُمْ" فقيل: هو تهزُّؤ، و قيل: تعجُّب منهم و ليس بدعاء. و قولهم:" لا أبا لك" قد يكثر في المدح، أي لا كافي لك غير نفسك، و قد يذكر في الذم ك‍" لا أم لك"، و قد يذكر في التعجب، و بمعنى جد في الأمر و شمر، لأن من له أب اتَّكل عليه. و اللام زيدت لتأكيد الإضافة كما زيدت في قوله تعالى: يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ مؤكدة لإرادة التبيين. و قد يقال:" لا أباك" بترك اللام. و أُبَيّ- بضم الهمزة و تشديد الياء-:

18

اسم رجل من القراء، و منه:

" نَحْنُ نَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي"

و أنكروا قراءة ابن مسعود لأنه ضال (1). و الأَبْوَاء- بفتح أوله و سكون ثانيه و المد أخيرا-: مكان بين الحرمين عن المدينة نحوا من ثلاثين ميلا. نقل أنه مولد أبي الحسن موسى (عليه السلام)- (2) و فيه قبة آمنة أم النبي (ص). سمي بذلك لتبوء السيل و نزوله فيه.

(أتا)

قوله: فَآتَتْ أُكُلَهٰا ضِعْفَيْنِ أي أعطت ثمرتها ضعفي غيرها من الأرضين. قوله: وَ آتُوا الزَّكٰاةَ* أي أعطوها، يقال:" آتَيْتُه" أي أعطيته. و أتَيْتُه- بغير مدّ- أي جئته. قوله: آتِنٰا غَدٰاءَنٰا أي ائتنا به. قوله: وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا أي أعطوا أزواجهن ما أنفقوا، أي ادفعوا إليهم المَهْر. قوله: وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ أي جازاهم. قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلّٰا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلٰائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أي ما ينظر هؤلاء إلا أن تأتيهم ملائكة الموت أو العذاب أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي كل آيات ربك، بدلالة قوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ يريد آيات القيامة و الهلاك الكلي، و بعض الآيات أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها و غير ذلك، يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ التي يزول التكليف عندها لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ أي لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا لم تقدم إيمانها من قبل ظهور الآيات- قاله الشيخ أبو علي (ره). قوله: حَتّٰى يَأْتِيَنٰا بِقُرْبٰانٍ تَأْكُلُهُ النّٰارُ أي تشرع لنا تقريب قربان تأكله النار. قوله: أَتىٰ أَمْرُ اللّٰهِ أي أتى وعدا فلا تستعجلوه وقوعا، فإن العرب تقول:

____________

(1). أبو الطفيل أبي بن كعب بن قيس الأنصاري، أحد القراء السبعة، و يستفاد من الحديث المذكور أن قراءته مرضية عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام)- انظر تنقيح المقال 1/ 44.

(2). الكافي 2/ 634.

19

" أتاك الأمر و هو متوقع". قوله: أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ أي جئنا طائعين، و قرأ ابن عباس بالمد فيكون المعنى:" أعطينا الطاعة". قال الشيخ محمد بن محمد بن النعمان (ره): هو سبحانه و تعالى لم يخاطب السماء بكلام و لا السماء قال قولا مسموعا، و إنما أراد أنه عمد إلى السماء فخلقها و لم يتعذر خلقها عليه، و كأنه لما خلقها قال لها و للأرض:" ائْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً" فلما فعلتا بقدرته كانتا كالقائلتين:" أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ"، و مثل ذلك كثير في محاورات العرب. قوله: فَأَتَى اللّٰهُ بُنْيٰانَهُمْ مِنَ الْقَوٰاعِدِ أي أتى مكرهم من أصله، و هو تمثيل لاستيصالهم، و المعنى أنهم فعلوا حيلا ليمكروا الله بها فجعل الله هلاكهم في تلك الحيل، كحال قوم بنوا بنيانا و عمدوه بالأساطين و أتى البنيان من الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا. و في التفسير: أراد صرح نمرود. قوله: لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ الضمير للقرآن، أي ليس فيه ما لا يطابق الواقع لا في الماضي و لا في الحال- كذا روي عن أهل البيت (عليهم السلام) (1). قوله: وَ أُتُوا بِهِ مُتَشٰابِهاً أي يشبه بعضه بعضا، فجائز أن يشتبه في اللون و الخلقة و يختلف بالطعم، و جائز أن يشتبه بالنبل و الجودة فلا يكون فيه ما يفضله غيره قوله حكاية عن الشيطان: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية، أي لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي العدو منها في الغالب، و هذا مثل لوسوسته إليهم على كل وجه يقدر عليه. و‌

عَنِ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ

:

لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ

يَعْنِي أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ أَمَرَ الْآخِرَةِ

وَ مِنْ خَلْفِهِمْ

آمُرُهُمْ بِجَمْعٍ الْأَمْوَالِ وَ الْبُخْلِ بِهَا عَنْ الْحُقُوقِ لتبقى لِوَرَثَتِهِمْ

وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ

أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ بتزيين الضَّلَالَةِ وَ تَحْسِينِ الشُّبْهَةِ

وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ

بتحبيب اللَّذَّاتِ إِلَيْهِمْ وَ تَغْلِيبٍ الشَّهَوَاتِ عَلَى قُلُوبُهُمْ

(2)

.

____________

(1). البرهان 4/ 112.

(2). البرهان 2/ 5.

20

و عن بعض المفسرين: إنما دخلت" من" في القدام و الخلف و" عن" في الشمال و اليمين لأن في القدام و الخلف معنى طلب النهاية و في اليمين و الشمال الانحراف عن الجهة. قوله: وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي يعطون ما أعطوا. و قرى‌ء يؤتون ما أتوا بغير مد، أي يفعلون ما فعلوا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي يعملون العمل و هم يخافونه و يخافون لقاء الله.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

:" مَا الَّذِي

أَتَوْا

بِهِ أَتَوْا وَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَ الْوَلَايَةِ وَ هُمْ مَعَ ذَلِكَ خَائِفُونَ أَنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَ لَيْسَ- وَ اللَّهِ- خَوْفُهُمْ خَوْفَ شَكٍّ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ إِصَابَةِ الدِّينِ وَ لَكِنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَكُونُوا مُقَصِّرِينَ فِي الْمَحَبَّةِ وَ الطَّاعَةِ"

(1)

.

و المَأْتِيّ: الآتِي (2). و منه قوله تعالى: كٰانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا. و‌

فِي حَدِيثِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

وَ آتُوهُمْ مِنْ مٰالِ اللّٰهِ الَّذِي آتٰاكُمْ

قَالَ:" تَضَعَ عَنْهُ مِنْ نُجُومِهِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ أَنْ تَنْقُصَهُ مِنْهَا ...

" الحديث (3).

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ

:" يَضَعُ عَنْهُ مِمَّا يَرَى أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَيْهِ".

و في كلام بعض المحقّقين: يجب على المولى إعانته من مال الزكاة لقوله تعالى: وَ آتُوهُمْ الآية، لأن مال الله هو الزكاة على ما هو المعروف ضد الإطلاق،

____________

(1). البرهان 3/ 114.

(2). جاء الفاعل في القرآن بمعنى المفعول في موضعين: الأول قوله تعالى: لا عاصم اليوم من أمر اللّه أي لا معصوم، الثاني قوله تعالى: ماء دافق بمعنى مدفوق. و جاء المفعول بمعنى الفاعل في ثلاث مواضع: الأول قوله تعالى: حجابا مستورا أي ساترا، الثاني قوله تعالى: كان وعده مأتيّا أي آتيا، الثالث قوله تعالى: جزاء موفورا أي وافرا- ه‍.

(3). المراد من النجوم الأقساط التي يضمن السيد أن يأخذها من المكاتب. و الحديث صحيح. الوسائل الباب التاسع من أبواب المكاتبة- ن

21

و الأمر للوجوب، و لا يضر تطرق الاحتمال، لأن الوجوب المستفاد من الأمر كالقرينة على إرادته ... انتهى. و في المسألة أقوال: الوجوب مطلقا، و العدم مطلقا، و الوجوب من الزكاة للمطلق دون المشروط. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ هَاهُنَا

أَتَيْتَ

"

أي من هاهنا دخل عليك البلاءُ- قاله المطرزي في المغرب. و فيه:" لَيَأْتِيَنَّ على الأمة كذا" أي ليغلبن عليهم ذلك، بقرينة" على" المشعرة بالغلبة المؤذنة بالهلاك. و أتَى الرجل يَأْتِي أَتْياً: جاء. و الإتْيَان الاسم منه. و" أَتَيْتُك في الحديث على وجهه" أي جئتك به على مساقه تاما من غير تغيير و لا حذف. و أَتَيْتُ تُستعمَل لازما و متعديا. و أتَا يَأتُو أَتْواً: لغة فيه. و" أَتَى عليه الدهرُ" أهلكه. و" تَأْتِي له الأمرُ" تسهل و تهيأ. و" أَتَى الرجُلُ أَمَةً" زنى بها، و الحائضَ: جامعها. و" جاءهم سَيْل أَتِيّ"- بفتح أوله و تشديد آخره-: و أَتَاوِيّ أيضا، أي سيل لم يُصبه مطره. و المُوَاتَاة: حسن المطاوعة و الموافقة، و أصله الهمزة و خفف و كثر حتى صار يقال بالواو الخالصة. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" خَيْرُ النِّسَاءِ

الْمُوَاتِيَةُ

لِزَوْجِهَا".

و" مَأْتَى الأمرِ"- بفتح ما قبل الآخر-: وجهه الذي يُؤْتَى منه. و‌

فِي حَدِيثٍ الدُّبُرِ

:" هُوَ أَحَدُ

الْمَأْتَيَيْنِ

فِيهِ الْغُسْلِ"

هو بفتح التاء الفوقانية و تخفيف الياء التحتانية.

(أخا)

قوله تعالى: يٰا أُخْتَ هٰارُونَ أي شبيهته في الزهد و الصلاح، و كان رجلا عظيم الذكر في زمانه. و‌

قِيلَ

: كَانَ لِمَرْيَمَ

أَخٍ

يُقَالُ لَهُ هَارُونَ.

قوله: أَخٰا عٰادٍ هو هود (ع).

22

قوله: أَخٰاهُمْ هُوداً* لأنهم يجتمعون إلى واحد، و منه" يا أخَا العرب" للواحد منهم. قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قٰالُوا لِإِخْوٰانِهِمْ الآية. قال الشيخ أبو علي (ره): وَ قٰالُوا لِإِخْوٰانِهِمْ أي لأجل إخوانهم، و قوله: لِيَجْعَلَ يتعلق ب‍ قٰالُوا أي قالوا ذلك و اعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم، و يكون اللام للعاقبة، كما في قوله: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً، و يجوز أن يكون المعنى" لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول و اعتقاده ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة و يصون منها قلوبكم"، و إنما أسند الفعل إلى الله لأنه سبحانه عند ذلك الاعتقاد الفاسد يضع الحسرة في قلوبهم و يضيق صدورهم، و هو قوله: يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً. قوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ يريد المشاكلة، لأن الأُخُوَّة إذا كانت في غير الوِلادة كانت للمُشاكلة و الاجتماع في الفعل، كقولك:" هذا الثوب أخُو هذا الثوب". و منه قوله تعالى: وَ مٰا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلّٰا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهٰا أي من التي تشبهها. و منه قوله:" لي إخْوَانٌ" أي أصدقاء.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:" الْمُؤْمِنِ

أَخُو

الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ"

(1)

و معناه كما جاءت به الرواية‌

عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع)، قَالَ

:" يَا سُلَيْمَانَ إِنْ اللَّهَ خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نُورِهِ، وَ صبغهم بِرَحْمَتِهِ، وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ، فَالْمُؤْمِنُ

أَخُو

الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ، أَبُوهُ النُّورِ وَ أُمِّهِ الرَّحْمَةِ" الْحَدِيثَ

(2)

.

و‌

فِيهِ

:" لَمْ

تَتَوَاخَوْا

عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَ لَكِنْ تَعَارَفْتُمْ عَلَيْهِ

(3)

"

و المعنى أن الأُخوَّة كانت بينكم في الأزل لا اليوم، و إنما التعارف اليوم.

وَ فِي الْخَبَرَ

:" أَكْرِمُوا

أَخَاكُمْ

"

و يعني به نفسه (عليه السلام) هضْما لها، أي أكرموا مَن‌

____________

(1). الكافي 2/ 168.

(2). يذكر في" روح" حديث في لقاء الإخوان- ز.

(3). الكافي 2/ 166.

23

هو بشر مثلكم. و الأخ محذوف اللام و هي واو، و ترد في التثنية على الأشهر، فيقال:" أخَوَان". و في لغة تستعمل منقوصا فيقال:" أخَان" و جمعه إخْوَة و إخْوَان- بالكسر فيهما. و ضم الهمزة لغة، و جمعه بالواو و النون، و على" إخَاء" كإباء أقل. و الأنثى" أُخْت" و جمعها" أخَوَات". و تقول:" هو أخُو الصدق" أي ملازم له. و" أخُو الغِنى" أي ذو الغنى. و" خُوَّةُ الإسلام" لغة في الأُخُوَّة. و" تَأَخَّيْتُ الشي‌ء" بمعنى قصدته و تحرّيته. و في المجمل: قال بعض أهل العلم: سمي الأَخَوان لتأخِّي كلّ واحد منهما ما يَتَأخَّاه الآخرُ. و" آخَى بين الرجلين" أي جعل بينهما أخوة. و" آخَيْتُ بين الشيئين"- بهمزة ممدودة و قد تقلب واوا على البدل- أي شابهت بينهما. و قالوا:" لا أخَا لك" و يريدون المدح أو الذم.

(أدا)

قوله تعالى: وَ أَدٰاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسٰانٍ أي إيصال إليه و قضاء. و منه" و أَدَّى دَيْنَه" و" أَدَّى الأمانة إلى أهلها" أي أوصلها. و الاسم الأَدَاء و التَّأدِيَة. قوله: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أي ظلما.

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" أَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ مَا

أُؤَدِّي

بِهِ أَمَانَتِي"

أي أقضي ما ائتمنتني عليه من الحقوق.

وَ فِي حَدِيثٍ الْمَيِّتِ مَعَ وُلْدِهِ

:"

نُؤَدِّيكَ

إِلَى حُفْرَتِكَ"

أي نوصلك إليها. و‌

فِيهِ

:" مِنْ غَسَّلَ مَيِّتاً وَ

أَدَّى

فِيهِ الْأَمَانَةَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"

و معناه كما جاءت به الرواية أن لا يخبر بما رآه منه.

وَ فِي دُعَاءً الِاسْتِنْجَاءِ

:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَافِظِ

الْمُؤَدِّي

"

(1)

- بتخفيف الدال- كأنه من‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه 1/ 11

24

أداه كأعطاه: إذا قواه و أعانه. و الأدَاة: آلة الحرب من سلاح و نحوه. و في الحديث ذكر الإدَاوَة (1)- بالكسر- و هي المِطْهَرة، و الجمع الأَدَاوَى- بفتح الواو (2). و في المصباح و غيره: هي إناء صغير من جلد يتطهر به و يشرب. و الأدَاة- بالفتح-: الآلة، و أصلها الواو، و الجمع أَدَوَات.

(أذا)

قوله تعالى: قُلْ هُوَ أَذىً أي الحيض مستقذر يؤذي من يقربه نفرة منه، إذ الأذى هو ما يكره و يغتم به. قوله: أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كجراحة و قمل. قوله: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلّٰا أَذىً أي إلا ضررا يسيرا، كطعن و تهديد. قوله: كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسىٰ قيل: هو اتهامهم إياه بقتل هارون، و قد كان صعد الجبل فمات هارون فحملته الملائكة و مروا به على بني إسرائيل ميتا، و قيل: رموه بعيب في جسده من برص أو أدرة (3) فأطلعهم الله على أنه بري‌ء من ذلك (4). قوله: وَ الَّذٰانِ يَأْتِيٰانِهٰا مِنْكُمْ فَآذُوهُمٰا قيل: المراد اللواط، لإتيانه بلفظ التذكير، و أكثر المفسرين على أرادة الزنا، و التثنية للفاعل و المرأة، و غلب التذكير، و المراد بالإيذاء قيل: التعيير و التوبيخ و الاستخفاف، فعلى هذا لا يكون منسوخا، لأنه حكم ثابت مطلقا، بل المنسوخ الاقتصار عليه، و على الأول يعني اللواط، فالإِيذَاء هو القتل، و هو أبلغ مراتبه. قوله: يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أي‌

____________

(1). انظر التهذيب 1/ 355.

(2). و يذكرالإداوة في" سمد" أيضا- ز

(3). و يذكر الإداوة في" سمد" أيضا- ز

(4). الأدرة: انتفاخ الخصيين أو الانفتاق في أحدهما.

25

قالوا: اتَّخَذَ اللّٰهُ وَلَداً*، و قيل: أولياؤه. قوله: فَإِذٰا أُوذِيَ فِي اللّٰهِ أي في ذات الله و بسبب دين الله رجع عن الدين، و هو المراد ب‍ فِتْنَةَ النّٰاسِ يعني يصرفهم ما مسهم من أذاهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله يصرف المؤمنين عن الكفر.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" كُلِّ

مُؤْذٍ

فِي النَّارِ"

و هو وَعيد لمن يُؤذِي الناس في الدنيا بعقوبة النار في الآخرة (1).

وَ فِي حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ

:" أَمِيطُوا عَنْهُ

الْأَذَى

"

يريد به الشعر و النجاسة و ما يخرج على رأس الصبي حين يولد مما يؤذيه. و ما‌

رُوِيَ مِنْهُ

:" صِيَامُ

أَذَى

حَلْقِ الرَّأْسِ"

فالظاهر أن يراد به صيام أَذَى الشعر الموجب لحلق الرأس و ما قاربه. و" أَذَى الطريق" ما يؤذي فيها من شَوْك و نجاسة و نحو ذلك. و" أَذِيَ الرجل أَذًى" من باب تعب: وصل إليه المكروه، فهو" أذٍ" مثل عمٍ، و يعدّى بالهمزة فيقال:" آذَيْتُه إيذاءً" و الأَذِيَّة: اسم منه. و" إذا" الجوابية المبدلة نونها ألفا في الوقف في الأصح، عملها نصب المضارع بشرط تصديرها، و استقباله، و اتصالها، أو انفصالها بالقسم، أو بلاء النافية. و عن جماعة من النحويين: إذا وقعت بعد الواو و الفاء جاز الوجهان، نحو: وَ إِذاً لٰا يَلْبَثُونَ خِلٰافَكَ إِلّٰا قَلِيلًا، فَإِذاً لٰا يُؤْتُونَ النّٰاسَ نَقِيراً. و قرى‌ء شاذا بالنصب فيهما.

وَ فِي حَدِيثٍ شُرَيْحٍ

:"

إِذْنِ

لَمْ تَشْتَرِهَا بِدِرْهَمَيْنِ"

فإذن هي الجوابية. و الأكثر وقوعها بعد" إن" و" لو"، و لكن اختلف في كتابتها، و المشهور بالألف، و المازني بالنون، و الفراء كالجمهور إذا أعملت و كالمازني إذا أهملت. و أما" إذا" التي لا تنون فلها معان:

____________

(1). يذكر الأذى في" قذا" و يذكر في" جفا" حديث في كف الأذى- ز

26

تكون ظرفا يستقبل بها الزمان، و فيها معنى الشرط نحو" إذا جئت أكرمتك". و للوقت المجرد نحو" قم إذا احمر البسر" أي وقت احمراره. و مرادفة للفاء، فيجازى بها كقوله تعالى: وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذٰا هُمْ يَقْنَطُونَ. و تكون للشي‌ء توافقه في حال أنت فيها، و ذلك نحو" خرجت فإذا زيد قائم" المعنى: خرجت ففاجأني زيد في الوقت بقيام.

(تنبيه)

قال بعض الأعلام: إذا دلّت" إذَا" على الشرط فلا تدل على التكرار على الصحيح. و قيل: تدل ك‍" كلما". و اختاره ابن عصفور، قال: و كما لا تدل" إذا" على التكرار لا تدل على العموم على الصحيح، و قيل: تدل. و جعل من فروعه أن يكون له عبيد و نساء فيقول:" إذا ولدت امرأتي فعبد من عبيدي حر" و ولدت أربعا بالتوالي أو المعية فلا يعتق إلا عبد واحد و ينحل اليمين. و الخلاف في" متى" و" متى ما" في الدلالة على التكرار و عدمه كالخلاف في" إذا".

و أما" إذ" فكلمة تدل على ما مضى من الزمان، و لها استعمالات: تكون ظرفا- و هو الغالب- نحو قوله تعالى: فَقَدْ نَصَرَهُ اللّٰهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. و مفعولا به نحو قوله تعالى: وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ، وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰائِكَةِ*، وَ إِذْ فَرَقْنٰا بِكُمُ الْبَحْرَ. و بدلا من المفعول نحو: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتٰابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ فإذ بدل اشتمال من مريم. و مضافا إليها اسم زمان صالح للاستغناء عنه نحو" حينئذ" و" يومئذ"، و غير صالح له نحو: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنٰا. و تكون" إذ" حرف جزاء إلا أنه لا يجازى به إلا مع" ما". تقول:" إذ ما تأتني آتك" كما تقول:" إن تأتني‌

27

وقتا آتك". و للشي‌ء توافقه في حال أنت فيها، و لا يليها إلا الفعل تقول:" بينما أنا كذا إذ جاءني زيد". و اسما للزمن المستقبل نحو يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبٰارَهٰا. و للتعليل نحو وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أي لن ينفعكم اليوم إشراككم لأجل ظلمكم في الدنيا. و زائدة نحو قوله: وَ إِذْ وٰاعَدْنٰا.

(أرا)

الأرْوَى- على أفعل-: الذكر من الوعول. و الأُرْوِيَّة- بضم الهمزة و إسكان الراء و كسر الواو و تشديد الياء- الأنثى. و الجمع: أرَاوٍ.

وَ فِي الْخَبَرِ: (1)

" أَنْ يُونُسَ بْنَ مَتَى لِمَا طَرَحَ بالعراء وَ أَنْبَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ اليقطينة هَيَّأَ لَهُ

أروية

وَحْشِيَّةً تَرْعَى فِي الْبَرِيَّةِ وَ تَأْتِيهِ فترويه مِنْ لَبَنِهَا كُلِّ بُكْرَةٍ وَ عَشِيَّةَ حَتَّى نَبَتَ لَحْمُهُ".

(أزا)

فِي الْخَبَرَ

:" فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى

آزتا

شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ".

الإزاء- بالكسر-: المحاذاة و المقابلة، يقال:" آزَيْنَا العدوَّ و وَازَيْنَاهم" أي قابلناهم. و روي في صلاة الخوف بالواو، و أنكره الجوهري. و قولهم:" هو بإزائه" أي بحذائه. و‌

" هَاشِمِيٌّ لَا

يُوَازَى

"

أي لا يُحاذى و لا يُقابَل، لهَيْبته و عِظَم شأنه.

(أسا)

قوله تعالى: فَلٰا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفٰاسِقِينَ أي لا تحزن. قوله:" آسَى" أي أحزن، من قولهم: أسي أسى- من باب تعب: حزن، فهو آس أي حزين.

____________

(1). الإشارة بقولنا:" في الخبر" إلى ما روي عن النبي (ص)، و بقولنا:" في الحديث" إلى ما روي عن أحد الأئمة (ع)- م

28

قوله: أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ* هي بكسر الهمزة و ضمها: القدوة، أي ائتمام و اتباع. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" لَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ

أُسْوَةٌ

وَ بِعَلِيٍّ

أُسْوَةٌ

".

و منه قولهم:" تَأَسَّيْتُ و اتَّسَيْتُ". و" المال أُسْوَة بين الغُرَماء" أي شركة و مساهمة بين غرماء المفلس لا ينفرد به أحدهم دون الآخر.

وَ فِي الْحَدِيثَ

:"

مُوَاسَاةُ

الْإِخْوَانِ"

و هي مشاركتهم و مساهمتهم في الرزق و المعاش. قيل: و لا يكون إلا عن كفاف لا عن فضلة، و أصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا. و" تَآسَوْا" أي آسَى بعضُهم بعضا، قال الشاعر:

و إنّ الأُلى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشم * * * تَآسَوْا فَسَنُّوا للكرام تَآسِيا

و آسِيَة بنْتُ مُزاحِم: امرأة فرعون- عليها الرحمة-

رُوِيَ

:" أَنَّهَا لِمَا عَايَنْتَ الْمُعْجِزِ مِنْ عَصَا مُوسَى وَ غَلَبَتْهُ السَّحَرَةِ أَسْلَمَتْ، فَلَمَّا بَانَ لِفِرْعَوْنَ ذَلِكَ نَهَاهَا، فَأَبَتْ، فَأَوْتَدَ يَدَيْهَا وَ رِجْلَيْهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْتَادٌ وَ أَلْقَاهَا فِي الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تَلْقَى عَلَيْهَا صَخْرَةٍ عَظِيمَةٌ، فَلَمَّا قُرْبِ أَجَلُهَا قَالَتْ:

رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ

فَرَفَعَهَا اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْجَنَّةِ، فَهِيَ فِيهَا تَأْكُلْ وَ تَشْرَبَ"

(1)

.

وَ عَنِ الْحَسَنِ (ع)

:" هُوَ أَنْ

آسِيَةَ

امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ كُلَّمَا أَرَادَ فِرْعَوْنَ أَنْ يَمَسَّهَا تَمَثَّلْتُ لَهُ شيطانة يُقَارِبُهَا"

(2)

.

و كذلك في عمر مع أم كلثوم (3).

____________

(1). نقل ذلك عن الحسن و ابن كيسان- كما في مجمع البيان و روح البيان-، و أما ما رواه عن الحسن (ع) فيما بعد فإنما هو بيان لكيفية نجاة آسية من فرعون حينما دعت بقولها: و نجّني من فرعون و عمله و لكنني لم أظفر عليه في كتب الحديث- ن.

(2). يذكر في" مرأ" شيئا في آسية، و كذا في" خدج" و" ذرر"- ز.

(3). كما في البحار ج 9 ص 619- 620 نقلا عن كتاب الخرائج للراوندي- ن.

29

(ألا)

قوله تعالى: آلٰاءَ اللّٰهِ* أي نعمه، واحدها" ألَى" بالقصر و الفتح، و قد تكسر الهمزة. و في الغريب: واحدها" أُلى" بالحركات الثلاث. و قيل:" الآلَاء" هي النعم الظاهرة، و" النَّعْمَاء" هي النعم الباطنة. و منه‌

الْحَدِيثَ

:" تفكروا فِي

آلَاءِ

اللَّهِ وَ لَا تتفكروا فِي اللَّهِ".

قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ أي يحلفون على ترك وطء أزواجهم و كأن التعدية بمِن لتضمين معنى الانتفاع. و منه‌

الْحَدِيثَ

:"

آلَى

أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ لَا يَنُوحُوا عَلَى مَيِّتٍ حَتَّى يَبْدَءُوا بِحَمْزَةَ"

أي حَلَفوا. و قوله: وَ لٰا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ هو يفتعل من الأَلِيَّة، أي يحلف. و الأَلِيَّة- على فعيلة- اليمين، و الجمع" ألايَا". و" ألَّى الرجلُ" إذا قصر و ترك الجهد. و منه قوله تعالى: لٰا يَأْلُونَكُمْ خَبٰالًا أي لا يقصرون لكم في الفساد. و ألَاه يَألُوه- كغزاه- يغزوه-: استطاعه و عليه حُمل‌

قَوْلِ الْمَلَكَيْنِ لِلْمَيِّتِ- عِنْدَ قَوْلِ" لَا أَدْرِي"

-:" لَا دَرَيْتَ وَ لَا

ائتليت

"

أي لا استطعت. و الألْيَة: ألية الشاة، و لا تكسر الهمزة، و لا يقال" لِيَّة"، و الجمع" ألَيَات" كسجدة و سجدات، و التثنية" ألْيَان" بحذف التاء كسكران. و" إلْيا" نقل أنه اسم علي (ع) بالسريانية، و هي لغة اليهود (1). و إلى: حرف جر تكون لانتهاء الغاية، تقول:" خرجت من الكوفة إلى مكة". و جائز أن تكون بلغتها و لم تدخلها، لأن النهاية تشمل أول الحد و آخره، و إنما تمتنع مجاوزته. و للمعية نحو: مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اللّٰهِ*،

____________

(1). و قال في" سرى": إن اللغة السريانية هي لغة القس و الجاثليق- ن. و في الوافي ج 5/ 170 في حديث أمير المؤمنين (ع) مع يهودي" فأراه أمير المؤمنين اسمه في الصحيفة و قال: اسمي إليا".

30

و حمل بعضهم عليه قوله تعالى: إِلَى الْمَرٰافِقِ فتدخل ضرورة، أما إذا كانت للانتهاء فقيل: تدخل بالأصالة لعدم تميز الغاية عن ذي الغاية بمحسوس، و قيل: تدخل بالتبعية لورودها تارة داخلة و أخرى خارجة. و تكون للتبيين، و هي المبينة فاعلية مجرورها، نحو رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ و مرادفة للام نحو وَ الْأَمْرُإِلَيْكِ، و قيل: هي هنا لانتهاء الغاية، أي مُنْتهٍ إليك. و بمعنى" في"- ذكره جماعة (1). و بمعنى" من" (2). و بمعنى" عند" نحو قوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي محل نحرها عند البيت العتيق. و تزاد للتأكيد، أثبته الفراء. قال الجوهري: قال سيبويه: ألف" إلى" و" على" منقلبتان من واوين، لأن الألفين لا تكون فيهما الإمالة. و إذا اتصل المضمر بهما قلبت ألفهما ياء، تقول:" إليك" و" عليك" و قل" إلاك" و" علاك".

وَ فِي الدُّعَاءِ

:" وَ الشَّرُّ لَيْسَ

إِلَيْكَ

"

أي ليس مما يتقرب به إليك. و‌

قَوْلُهُ

:" وَ أَنَا مِنْكَ وَ

إِلَيْكَ

"

أي التجائي و انتمائي إليك. و‌

قَوْلِهِ

:" اللَّهُمَّ

إِلَيْكَ

"

أي اقبِضْني أو خُذني أو أشكو [إليك] و" إليك إليك" كما يقال:" الطريقَ الطريقَ" أي تَنَحَّ و أبعِد، و التكرير للتأكيد. و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع)

:"

إِلَيْكَ

عَنِّي

(3)

"

أي تنحّي عني. قال بعض الشارحين: خاطَب الدنيا خِطابَ الزوجة المكروهة‌

____________

(1). قيل: منه قوله تعالى: ليجمعنّكم إلى يوم القيامة* أي في يوم القيامة.

(2). نحو قول الشاعر:

تقول و قد عاليت بالكوز فوقها * * * أ يسقى فلا يروى‌إلى ابن أحمرا

أي فلا يروى مني.

(3). نهج البلاغة 3/ 166.

31

منافرا لها، و هو أغرب و ألذّ. و ألا- بالفتح و التخفيف- تكون لمعان: للتنبيه، يفتتح بها الكلام (1). و للتوبيخ و الإنكار (2) نحو قوله:

ألا طِعَان ألا فُرْسان عادِيَة

و للتمني نحو قوله:

ألا عُمْر ولَّى مستطاع رجوعه

و للاستفهام عن النفي نحو قوله:

ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد

و التحضيض نحو قوله تعالى: أَلٰا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّٰهُ لَكُمْ. و منه‌

قَوْلُهُ (ع)

:" كَانَتِ الْخَيْلُ وُحُوشاً فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، فَصَعِدَ إِبْرَاهِيمُ وَ إِسْمَاعِيلَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَنَادَيَا:

أَلَا

هَلَا أَلَا هَلُمَّ، فَمَا بَقِيَ فَرَسٌ إِلَّا أَعْطَى بِقِيَادِهِ وَ أَمْكَنَ مِنْ نَاصِيَتُهُ"

فإن" ألا" و" هلا" كل منهما للحثّ و التحضيض، و كأنهما أرادا بذلك الحثّ و الإسراع، يعني إسراعهن بالطاعة. و أُولى- بضم الهمزة- قال الجوهري: هو جمع لا واحد له من لفظه (3)، واحده" ذا" للمذكر و" ذه" للمؤنث، يمد و يقصر، فإن قصرته كتبته بالياء و إن مددت بنيته على الكسر، و يستوي فيه المذكر و المؤنث، و تدخل عليه الهاء للتنبيه فيقال:" هؤلاء"، و تدخل عليه الكاف للخطاب تقول:" أولئك" و" أولاك". قال الكسائي: من قال:" أولئك" فواحده" ذلك"، و من قال:" أولاك" فواحده" ذاك"، و" أولالك" مثل‌

____________

(1). نحو قوله تعالى: ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم.

(2). المعروف عند أئمة العربية أن الذي يفيد التوبيخ و الإنكار هو الهمزة، و أن" لا" باقية الدلالة على النفي.

(3). و أما قولهم:" ذهبت العرب‌الألى" فهو مقلوب من الأول لأنه جمع أولى مثل أخرى و أخر- ه‍.

32

" أولئك"، و ربما قالوا:" أولئك" في غير العقلاء، قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا قال: و أما الأُولَى- بوزن العلى- فهو أيضا جمع لا واحد له من لفظه، واحده" الذي" ... انتهى. و إلَّا- بالكسر و التشديد- قال الجوهري: هو حرف استثناء، يستثنى بها على خمسة أوجه: بعد الإيجاب، و بعد النفي، و المفرغ، و المقدم، و المنقطع. فتكون في المنقطع بمعنى" لكن" لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه. و قد يوصف بإلا، فإن وصفت بها جعلتها و ما بعدها في موضع غير، و أتبعت الاسم بعدها ما قبله في الإعراب، فقلت:" جاءني القوم إلا زيدا" كقوله تعالى: لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلَّا اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا، و قال عمرو بن معديكرب:

و كل أخ مفارقه أخوه * * * لعمر أبيك إلا الفرقدان

كأنه قال:" غير الفرقدين". ثم قال: و أصل" إلا" الاستثناء و الصفة عارضة، و أصل" غير" صفة و الاستثناء عارض، و قد تكون" إلا" بمنزلة الواو في العطف ... انتهى. و قد جعلوا منه قوله تعالى: لِئَلّٰا يَكُونَ لِلنّٰاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا و قوله: لٰا يَخٰافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلّٰا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي و لا الذين ظلموا و لا من ظلم، و تأولهما الجمهور على الاستثناء المنقطع. و في التنزيل: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللّٰهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ أي لكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام و لم يظهر منهم نكث، كبني كنانة و بني ضمرة، فتربصوا أمرهم. و فيه: قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ قيل: إنها ليست للاستثناء، إذ لو كانت له كانت المودة مسئولة، و ليس كذلك، بل المعنى: و لكن افعلوا المودة في القربى.

33

و فيه: إِلّٰا مَنْ تَوَلّٰى وَ كَفَرَ قال الشيخ أبو علي (ره): قرى‌ء ألَا من تولى و كفر بالتخفيف، على أن" ألا" للافتتاح، و" من" شرط و جوابه فَيُعَذِّبُهُ.

(تنبيه)

الاستثناء من النفي إثبات و بالعكس في المشهور. نص عليه جماعة، و دل عليه كلمة التوحيد، و القول بأنها شرعية لا لغوية باطل و‌

قَوْلِهِ (ص)

:" لَا صَلَاةَ

إِلَّا

بِطَهُورٍ"

و‌

" لَا نِكَاحٍ

إِلَّا

بِوَلِيٍّ"

متأول: إما بأن المعنى: لا صلاة حاصلة إلا صلاة بطهور، أو لا صلاة تثبت بوجه من الوجوه إلا باقترانها بطهور.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" وَ

إِلَّا

كَانَتْ نَافِلَةً"

أي إنْ لم تصادف الأمر على ما قصدته كانت الصلاة لك نافلة.

و ألَّا- بالفتح و التشديد- حرف تحضيض، تختص بالجمل الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض (1). و أولو: جمع لا واحد له من لفظه، واحده" ذو". و أولات: للإناث، واحدها" ذات". تقول:" جاءني أولو الألباب و أولات الأحمال".

(أما)

قد تكرر في الحديث ذكر الأمة، قال الجوهري: الأَمَة خلاف الحرة، و الجمع" إمَاء" و" آم" و يجمع على" إمْوَان" كإخوان (2) و أصل" أمَة" أمو- بالتحريك- و النسبة إليها" أَمَوِيّ" بالفتح، و تصغيره على" أُمَيَّة". قال: و" أُمَيَّة" أيضا من قريش، و النسبة إليهم" أُمَوِيّ" بالضم و ربما فتحوا، و هو‌

____________

(1). يذكر في" حضض" شيئا في ألا التحضيضية- ز.

(2). يذكر في" فتى" النهي عن قول أمتي، و في" كسب" شيئا في الإماء، و في" خضخض" و" ملك" نكاح الإماء، و في" قين" شيئا في بيع الإماء- ز.

34

في الأصل اسم رجل ... انتهى. و في نقل آخر: أن بني أُمَيَّة ليسوا من قريش، بل كان لعبد شمس بن مناف عبد رومي يقال له:" أُمَيَّة" فنسب إلى عبد شمس، فقيل:" أمية بن عبد شمس" فنسبوا بني أمية إلى قريش لذلك، و أصلهم من الروم، و كان ذلك عند العرب جائزا أن يلحق بالنسب مثل ذلك،

وَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) بِزَيْدٍ بْنِ حَارِثَةَ الْكَلْبِيِّ مِثْلَ ذَلِكَ، حَيْثُ تبناه بَعْدَ أَسَرَّهُ وَ نَسَبُهُ إِلَيْهِ حِينَ تَبْرَأُ أَبُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ (ص):" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَ الْعَرَبِ زَيْدٍ ابْنِي وَ أَنَا أَبُوهُ" فَدَعِي بِزَيْدٍ بْنِ مُحَمَّدٍ

(1)

.

و إمّا المشددة المكسورة، قال الجوهري: هي بمنزلة" أو" في جميع أحكامها، إلا في وجه واحد و هو: أنك تبتدى‌ء في" أو" متيقنا ثم يدركك الشك، و" إمّا" تبتدى‌ء بها شاكا، و لا بد من تكريرها تقول:" جاءني؟ إما زيد و؟ إما عمرو" ... انتهى. و في التنزيل: فَإِمّٰا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً* قيل: هي شرط ذكرت بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب، كما ظنه أهل التعليم، و ضمت إليها" ما" لتأكيد معنى الشرط، و لذلك أكد فعلها بالنون.

وَ فِي حَدِيثٍ بَيْعِ الثَّمَرَةِ

:"

إِمَّا

لَا فَلَا تَبَايَعَ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُ الثَّمَرَةِ"

قيل: هي كلمة ترد في المحاورات كثيرا، و أصلها" إن" و" ما" و" لا" فأدغمت النون في الميم و" ما" زائدة في اللفظ لا حكم لها، و معناها: إن لم تفعل هذا فليكن هذا. و" أَمَّا" المشددة المفتوحة، قال الجوهري: هي لافتتاح الكلام، و لا بد‌

____________

(1). يذكر في" سلخ" أمية بن أبي الصلت، و في" شجر" شيئا في بني أمية، و كذا في" قهر" و" ركض" و" وزغ" و" رحم"، و في" ألف" شيئا في دولتهم، و في" خلف" خلفاءهم و مدة خلافتهم، و في" فرق" شيئا فيهم، و في" عبل" أمية الصغرى، و في" مرا" آخر ملوكهم- ز.

35

من الفاء في جوابه، تقول:" أَمَّا عبد الله فقائم"، و إنما احتيج إلى الفاء في جوابه لأن فيه تأويل الجزاء، كأنك قلت:" مهما يكن من شي‌ء فعبد الله قائم". ثم قال: و" أَمَا" مخففا لتحقيق الكلام الذي يتلوه، تقول:" أما إن زيدا عاقل" يعني أنه عاقل على الحقيقة دون المجاز ... انتهى. و قال الزمخشري: أما من مقدمات اليمين و طلائعها نحو:

أما و الذي لا يعلم الغيب غيره

أما و الذي أبكى و أضحك و الذي

و قد تحذف ألفها نحو" أم و الله زيد قائم".

(أنا)

قوله تعالى: إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ أي نضجه و إدراكه، من الإنا- بالكسر و القصر- النضج، و قيل: إناه: وقته، أي غير ناظرين إلى وقت الطعام و ساعة أكله. قال المفسر: هو حال من لٰا تَدْخُلُوا وقع الاستثناء على الحال و الوقت معا، كأنه قال:" لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، و لا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه".

رُوِيَ

:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ بِتَمْرٍ وَ سَوِيقٍ وَ ذَبَحَ شَاةٌ، فَأَمَرَ أُنْساً أَنْ يَدْعُوَ لَهُ الصَّحَابَةِ، فترادفوا أَفْوَاجاً أَفْوَاجاً، يَأْكُلُ كُلِّ فَوْجٌ فَيَخْرُجُ ثُمَّ يَدْخُلُ فَوْجٌ، إِلَى أَنْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَدْ دَعَوْتَ حَتَّى لَا أَجِدُ أَحَداً أَدْعُوَهُ. فَقَالَ: ارْفَعُوا طَعَامِكُمْ، وَ تَفَرَّقَ النَّاسُ وَ بَقِيَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ يَتَحَدَّثُونَ فَأَطَالُوا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ لْيَخْرُجُوا، فَطَافَ بالحجرات وَ رَجَعَ فَإِذَا الثَّلَاثَةِ جُلُوسٍ مَكَانِهِمْ، وَ كَانَ (ص) شَدِيدٌ الْحَيَاءُ فتولى عَنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ متوليا خَرَجُوا، فَنَزَلَتْ الْآيَةِ"

(1)

.

قوله تعالى: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا من أنى الأمر: إذا جاء أناه، أي وقته، و المعنى: ألم يحن للمؤمنين أن تلين قلوبهم، أي ألم يأت وقت ذلك.

____________

(1). أسباب النزول للواحدي ص 270.

36

قوله تعالى: وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ أي ساخن منتهي الحرارة، من قولهم:" أنى الماء" إذا سخن و انتهى حره. و منه: عَيْنٍ آنِيَةٍ أي قد انتهى حرها. و‌

فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ره)

: أَيُّ لَهَا أَنِينَ مِنْ شِدَّةِ حَرَّهَا

(1)

.

قوله تعالى: آنٰاءَ اللَّيْلِ* أي ساعاته، واحدها" أنى" بحركات الهمزة.

وَ فِي حَدِيثِ زُرَارَةَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

- وَ قَدْ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:

أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ

-" قَالَ: يَعْنِي صَلَاةَ اللَّيْلِ. قَالَ: قُلْتُ:

وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ لَعَلَّكَ تَرْضىٰ

؟ قَالَ: يَعْنِي مِنْ تَطَوُّعٌ بِالنَّهَارِ. قَالَ: قُلْتُ:

وَ إِدْبٰارَ النُّجُومِ

؟ قَالَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ. قُلْتُ:

وَ أَدْبٰارَ السُّجُودِ

؟ قَالَ: رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ"

(2)

.

و" تأنى له في الأمر" ترفق و تنظر، و الاسم" الأناة" كقناة- قاله الجوهري و غيره (3).

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" وَ الرَّأْيِ مَعَ الْأَنَاةُ"

و ذلك لأنها مظنة الفكر في الاهتداء إلى وجوه المصالح. و" الإناء" معروف، و جمعه الآنية (4) و جمع الآنية أواني، مثل سقاء و أسقية و أساقي. و" أنا" (5) ضمير متكلم، و أصله على ما ذكره البعض" أن" بسكون النون، و الأكثرون على فتحها وصلا و الإتيان بالألف وقفا، تقول:" أن فعلت" و" فعلت أنا".

(أوا)

قوله: آوىٰ إِلَيْهِ أَخٰاهُ أي ضم إليه أخاه بنيامين. قوله: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ أي‌

____________

(1). تفسير علي بن إبراهيم 2/ 418.

(2). البرهان 4/ 69.

(3). يذكر في" دار" شيئا في التأني- ز.

(4). يذكر في" كفى" و" وكى" و" نجم" حديث في الآنية- ز.

(5). يذكر في" أ" و" نحن" شيئا في‌أنا ضمير المتكلم- ز.

37

انضموا إليه. قوله: آوِي إِلىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ أي انضم إلى عشيرة منيعة. و مثله قوله: سَآوِي إِلىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمٰاءِ. قوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ فَلَهُمْ جَنّٰاتُ الْمَأْوىٰ نُزُلًا جنات المأوى: نوع من الجنان. و‌

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

: تَأْوِي إِلَيْهَا أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ.

و‌

قِيلَ

: هِيَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ

، و نُزُلًا عطاء بأعمالهم- كذا ذكره الشيخ ابو علي (ره). و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ تَطَهَّرَ ثُمَّ

آوَى

إِلَى فِرَاشِهِ"

أي رجع و انضم إليه‌

" بَاتَ وَ فِرَاشُهُ كَمَسْجِدِهِ"

أي يحصل له ثواب المتعبد في ليلته. و" آوى إلى الله فآواه" أي انضم إلى مجلسه فجازاه بمثله، بأن ضمه إلى رحمته. قال في المجمع: آوى- بالمد و القصر- بمعنى، و المقصور لازم و متعد، قال: و أنكر بعضهم المقصور المتعدي.

وَ فِي حَدِيثٍ الدُّعَاءِ

:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَ

آوَانَا

"

أي ردنا إلى مأوى لنا و لم يجعلنا منتشرين كالبهائم. و آويته إيواء- بالمد- و أويته أيضا- بالقصر-: إذا أنزلته بك. و‌

فِيهِ

:" مِنْ

آوَى

مُحْدِثاً"

(1)

إلى آخره، هو بكسر الدال، و هو الذي جنى على غيره جناية. و إيواه: إجارته من خصمه، و الحيلولة بينه و بين ما يستحق استيفاءه منه، قيل: و يدخل في ذلك الجاني على الإسلام بإحداث بدعة إذا حماه عن التعرض له و الأخذ على يده، لدفع عاديته. و يجوز أوى بالقصر، يعني ضمه. و‌

مِنْهُ

:" لَا

يَأْوِي

الضَّالَّةِ إِلَّا ضَالٌّ".

و" أويت" في‌

قَوْلِهِ تَعَالَى

:" إِنِّي

اويت

عَلَى نَفْسِي أَنْ أَذْكُرَ مَنْ ذَكَرَنِي"

قال القتيبي نقلا عنه: هذا من المقلوب و الصحيح" وأيت" من الوأي: الوعد، يقول: جعلته وعدا على نفسي. و الإيواء بالمد: العهد.

____________

(1). الكافي 4/ 565.

38

و منه‌

حَدِيثٍ الدُّعَاءِ

:" اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ

بِإِيوَائِكَ

عَلَى نَفْسِكَ"

أي بعهدك على نفسك و وعدك الذي وعدته أهل طاعتك فيكون أيضا من باب القلب- كما نبه عليه القتيبي سابقا. و المأوى: المنزل. و" مأوى الشياطين" موضع اجتماعهم كالأسواق و الحمامات و نحوها. و" ابن آوى" (1) بمد في أوله: حيوان معروف، و قال الجوهري: يسمى بالفارسية شغال. و الجمع" بنات آوى". و" آوى" لا ينصرف، لأنه أفعل، و هو معرفة. و" أو" قال الجوهري: هي حرف إذا دخلت على الخبر دلت على الشك و الإبهام و إذا دخلت على الأمر أو النهي دلت على التخيير و الإباحة (2). و قد تكون بمعنى" إلى" تقول:" لأضربنك" أو تتوب". و قد تكون بمعنى" بل" في توسع الكلام، قال تعالى: وَ أَرْسَلْنٰاهُ إِلىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ و يقال: معناه إلى مائة ألف عند الناس أو يزيدون عند الناس، لأن الشك عليه تعالى محال. و في المغني: و تكون" أو" للتقسيم نحو" الكلمة اسم أو فعل أو حرف". و بمعنى" إلا" في الاستثناء كقوله:

كسرت كعوبها أو تستقيما

و للتقريب نحو" لا أدري أسلم أو ودع" و للشرطية نحو" لأضربنه عاش أو مات" و للتبعيض نحو قٰالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ ... انتهى. و في التنزيل أَ وَ لَمّٰا أَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهٰا قال بعض المفسرين: الهمزة في" أَ وَ لَمّٰا" للتقرير و التقريع، دخلت على الواو العاطفة على محذوف، تقديره: أ فعلتم كذا من الفشل و التنازع وَ لَمّٰا أَصٰابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ بأحد، الآية‌

____________

(1). يذكر في" فنك" اسم لفرخ ابن‌آوى- ز.

(2). قد وردت رواية صحيحة أن" أو" في القرآن للتخيير حيثما وقعت- و م.

39

و أما قوله تعالى: وَ إِنّٰا أَوْ إِيّٰاكُمْ لَعَلىٰ هُدىً أَوْ فِي ضَلٰالٍ مُبِينٍ فقيل: هو من باب التعريض كما يقول أحدنا:" أنا كاذب" و أنت تعلم أنه صادق. و مثله‌

حَدِيثٍ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ لِفُلَانٍ

:" أَشْهَدُ أَنْ النَّبِيَّ (ص) قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي

أَوْ

إِيَّاكَ لِفِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأَمَةِ"

يريد أنك و لكنه ألقاه إليه تعريضا.

(أيا)

قوله: لَقَدْ كٰانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيٰاتٌ لِلسّٰائِلِينَ هي جمع" آية" و هي العبرة. و الآيات: العلامات و العجائب. قوله: ثُمَّ بَدٰا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا رَأَوُا الْآيٰاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّٰى حِينٍ قيل: هي شهادة الصبي، و القميص المخرق من دبر، و استباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب، فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتى حبسه. قوله: فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ أي علامات واضحات، و هي- على ما جاءت به الرواية- أثر قدمي إبراهيم (ع) و الحجر الأسود و منزل إسماعيل (ع). قوله: لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰاتِنٰا

قَالَ الشَّيْخُ إبو عَلِيِّ (1)

:

الْآيَاتِ

الَّتِي أَرَاهَا اللَّهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ (ص) حِينَ أَسْرَى بِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنْ حَشَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ، ثُمَّ أَمَرَ جَبْرَئِيلَ فَأَذَّنَ شَفْعاً وَ أَقَامَ شَفْعاً، وَ قَالَ فِي أَذَانِهِ:" حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ" ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِالْقَوْمِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُمْ:" عَلَى مَ تَشْهَدُونَ وَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ" قَالُوا:" نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَنَّكَ رَسُولِهِ أَخَذَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَ مِيثَاقِنَا"

انتهى، و منه يعلم جواب من يقول: كيف قال‌

____________

(1). المراد به فيما مضى و يأتي كثيرا هو الشيخ أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، توفي سنة 548 ه‍ في سبزوار و حملت جنازته إلى مشهد الرضا (ع) له تأليف قيمة كثيرة أشهرها تفسيره (مجمع البيان في تفسير القرآن) طبع في إيران و صيدا و بيروت.

40

تعالى: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنٰا و النبي (ص) لم يدركهم. قوله: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ في الآفاق مثل الكسوف و الزلازل و ما يعرض في السماء من الآيات، و في أنفسهم مرة بالجوع و مرة بالعطش و مرة يشبع و مرة يروى و مرة يمرض و مرة يصح و مرة يفتقر و مرة يستغني و مرة يرضى و مرة يغضب و مرة يخاف و مرة يأمن، فهذا من عظيم دلالة الله على التوحيد. قوله: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً لم يقل" آيتين" لأن قصتهما واحدة، و قيل: لأن الآية فيهما معا، و هي الولادة بغير فحل. قوله: وَ لَقَدْ تَرَكْنٰاهٰا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

نَقْلِ

:" أَنَّهُ أَبْقَى اللَّهِ سَفِينَةٍ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلِ هَذِهِ الْأَمَةِ"

أي شيئا من أجزائها إلى زمان بعثة النبي (ص). و‌

فِي الْخَبَرَ

:" بَلَغُوا عَنِّي وَ لَوْ آيَةَ"

الآية هنا: الكلام المفيد نحو‌

" مِنْ سَكَتَ نَجَا"

أي بلغوا عني أحاديث و لو قليلة.

وَ فِي حَدِيثٍ

مَدَحَ الْإِسْلَامِ وَ جَعَلَهُ آيَةَ لِمَنْ تُوسَمَ.

التوسم: التفرس، أي من تفرس الخير في الإسلام كان علامة له عليه. و الآية من القرآن، قيل: كل كلام متصل إلى انقطاعه، و قيل: ما يحسن السكوت عليه، و قيل: هي جماعة حروف، من قولهم:" خرج القوم بآيتهم" أي بجماعتهم. و قال الجوهري:" الآية" العلامة، و الأصل" أوية" بالتحريك، و جمع الآية" آي" و" آيات" ... انتهى و منه الحديث:" نزل جبرئيل بآي من القرآن" أي آيات منه (1). و" أي" في الكلام اسم معرب‌

____________

(1). يذكر في" لوك" آيات تقرأ في وقتين، و في" أول" حديث في الآيات، و في" وجه" آية يقرؤها المسافر، و في" رضا" أرجى آية في كتاب الله تعالى، و في" عقب" آية يقرؤها المسافر- ز.

41

يستفهم به و يجازى فيمن يعقل و فيمن لا يعقل (1). قال الجوهري: و هو معرفة للإضافة، و قد يتعجب به. قال الفراء:" أي" يعمل فيه ما بعده و لا يعمل فيه ما قبله كقوله تعالى: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصىٰ فرفع. و إذا ناديت اسما فيه الألف و اللام أدخلت بينه و بين حرف النداء" أيها" فتقول:" يا أيها الرجل" و" يا أيتها المرأة" فأي اسم مبهم مفرد معرفة بالنداء مبني على الضم، و" ها" حرف تنبيه، و هي عوض مما كانت" أي" تضاف إليه، و ترفع الرجل لأنه صفة" أي". قال في المغني: و قد تزاد" ما" على" أي" مثل:" أيما إهاب دبغ فقد طهر". و قد تكون" أي" خبرا بمعنى" كم" للعدد كقوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ* و كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ أصله" أي" دخلت الكاف عليها فصارت بمعنى" كم" التي للتكثير ... انتهى. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" وَ أَيُّ شَيْ‌ءٍ الدُّنْيَا"

و لعل" أي" للاستفهام الذي يراد به النفي لقصد التحقير، كقولك لمن ادعى إكرامك:" أي يوم أكرمتني". و" إيا" بكسر الهمزة و التشديد، قال الجوهري: هو اسم مبهم و يتصل به جميع المضمرات المتصلة للنصب نحو" إياي" و" إياك" و" إياه" و" إيانا" و جعلت الياء و الكاف و الهاء و النون بيانا عن المقصود، ليعلم المخاطب من الغائب، و لا موضع لها من الإعراب، فهي كالكاف في" ذلك" قال: و قد تكون للتحذير تقول:" إياك و الأسد" و هو بدل من فعل، كأنك قلت:" باعد". قال: و أما" أيا" مخففة فهي من حروف النداء، ينادى بها القريب و البعيد و" أي" مثال" كي" ينادى بها القريب دون البعيد، و هي أيضا كلمة تتقدم التفسير تقول:" أي كذا" كما أن" إي"

____________

(1). يذكر أي الاستفهامية في" فهم" أيضا- ز.

42

بالكسر تتقدم القسم، و معناها" بلى" تقول:" إي و ربي إي و الله". و في المغني: إذا وقعت" أي" للتفسير بعد" تقول" و قبل فعل مسند للضمير حكي الضمير، أي أتيت به على الحكاية نحو" تقول استكتمته الحديث أي سألته كتمانه" يقال ذلك بضم التاء، و لو جئت بإذا مكان أي فتحت، فقلت:" إذا سألته" لأن إذا ظرف لتقول، و قد نظم بعضهم ذلك فقال:

إذا كنيت بأي فعلا تفسره * * * فضم تاءك فيه ضم معترف

و إن تكن بإذا يوما تفسره * * * ففتحة التاء أمر غير مختلف

باب ما أوله الباء

(با)

قال الجوهري: الباء من حروف الشفة بنيت على الكسر لاستحالة الابتداء بالموقوف. و قال غيره: الباء المفردة لمعان: الإلصاق (1). و التعدية (2). و الاستعانة (3). و السببية كقوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ الْعِجْلَ. و المصاحبة كقوله تعالى: اهْبِطْ بِسَلٰامٍ. و الظرفية كقوله: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّٰهُ بِبَدْرٍ. و البدل نحو قول الشاعر:

فليت لي بهم قوما إذا ركبوا * * * شنوا الإغارة فرسانا و ركبانا

____________

(1). و هو حقيقي و مجازي، فالحقيقي نحو" أمسكت بزيد" و المجازي نحو" مررت بزيد"

(2). نحو قوله تعالى: ذهب اللّه بنورهم.

(3). نحو" كتبت بالقلم".

43

و المقابلة (1). و المجاوزة- كعن- كقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً و قوله: يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ و قوله: يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمٰاءُ بِالْغَمٰامِ و قيل: الباء هنا للحال، أي و عليها الغمام، كما تقول:" ركب الأمير بسلاحه" أي و عليه سلاحه و الاستعلاء- كعلى- كقوله تعالى: وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطٰارٍ أي على قنطار. و القسم (2). و الغاية كقوله تعالى: وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي أي إلي. و التوكيد- و هي الزائدة- كقوله تعالى وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً*. و للدلالة على التكرير و الدوام" كأخذت بالخطام". و في المغني: اختلف النحويون في الباء من قوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ* فقيل: للمصاحبة و" الحمد" مضاف إلى المفعول أي سبحه حامدا، أي نزهه عما لا يليق به و أثبت له ما يليق به، و قيل: للاستعانة و" الحمد" مضاف إلى الفاعل، أي سبحه بما حمد به نفسه. قال: و اختلف أيضا في" سبحانك اللهم و بحمدك" فقيل: جملة واحدة، و الواو زائدة، و قيل: جملتان و الواو عاطفة و متعلق الباء محذوف، ثم قال: و تكون الباء للتبعيض- أثبت ذلك الأصمعي و الفارسي و الثعلبي و ابن مالك، قيل و الكوفيون و جعلوا منه قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ قيل: و منه قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ انتهى و مجيئها للتبعيض و كونها في الآية له مما لا شك فيه، كما عليه الإمامية و نطق به الخبر الصحيح عن زرارة عن الباقر (ع) (3) و يتم الكلام في بعض إن شاء الله تعالى (4)

____________

(1). نحو قوله تعالى: ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون.

(2). نحو" بالله لأصادقنك".

(3). انظر الكافي 3/ 30.

(4). تقدم في" أبا" كلام في الباء، و سيأتي في" سبح" بعض كلام فيها، و في" بسم" شي‌ء في باب البسملة- ز.

44

(بأبأ)

رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْخَاصَّةِ وَ الْعَامَّةِ

:" أَنْ النَّبِيَّ (ص) بأبأ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ" وَ كَذَا عَلِيِّ

، و ذلك من" بأبأت الصبي" إذا قلت له:" بأبي أنت و أمي" أي أنت مفدى بهما أو فديتك بهما.

(بدأ)

قوله تعالى: كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (1) هو من بدأت الشي‌ء: فعلته ابتداء، و يقال:" بديت بالشي‌ء" بكسر الدال: بدأت به، فلما خففت الهمزة كسرت الدال و انقلبت ياء. قوله: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ أي بتفتيشها قَبْلَ وِعٰاءِ أَخِيهِ بنيامين لنفي التهمة. قوله تعالى: بٰادِيَ الرَّأْيِ أي في أول رأي رآه و ابتدائه. و بٰادِيَ الرَّأْيِ- غير مهموز- من البدو و الظهور، أي في ظاهر الرأي و النظر. قيل: و كلهم قرأ بغير همزة غير أبي عمرو قوله: بَدَتْ لَهُمٰا سَوْآتُهُمٰا* أي ظهرت لهما عوراتهما، و ظهرت لكل واحد منهما عورة صاحبه وَ طَفِقٰا يَخْصِفٰانِ عَلَيْهِمٰا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ* قال المفسر: و هذا إنما كان لأن المصلحة اقتضت إخراجهما من الجنة و إهباطهما إلى الأرض لا على وجه العقوبة فإن الأنبياء لا يستحقون العقوبة.

قَوْلِهِ

:

وَ لٰا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّٰا مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا

هِيَ الثِّيَابِ وَ الْكُحْلِ وَ الْخَاتَمُ وَ خِضَابُ الْكَفِّ وَ السِّوَارُ. قَالَ عَلِيُّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ره): وَ الزِّينَةُ ثَلَاثٌ: زِينَةٌ لِلنَّاسِ وَ زِينَةٌ لِلْمَحْرَمِ وَ زِينَةٌ لِلزَّوْجِ، فَأَمَّا زِينَةُ النَّاسِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَ أَمَّا زِينَةُ الْمَحْرَمِ فَمَوْضِعُ الْقِلَادَةِ فَمَا فَوْقَهَا وَ الدُّمْلُجِ فَمَا دُونَهُ وَ الْخَلْخَالُ وَ مَا أَسْفَلَ مِنْهُ، وَ أَمَّا زِينَةُ الزَّوْجِ فَالْجَسَدُ كُلُّهُ

(2)

.

قوله: وَ مٰا يُبْدِئُ الْبٰاطِلُ وَ مٰا يُعِيدُ قال الشيخ أبو علي (ره): الحي إما أن يبدأ فعلا أو يعيده، فإذا هلك لم يكن منه إبداء و لا إعادة، فجعلوا قولهم" لا يبدى‌ء‌

____________

(1). سيأتي في" دخن" أول ما خلق الله تعالى- ز.

(2). تفسير علي بن إبراهيم 2/ 110.

45

و لا يعيد" مثلا للهلاك، و المعنى جاء الحق و هلك الباطل. و" أبدى الشي‌ء" أظهره. و منه سميت البادية لظهورها. و البدو- على فعول-: الظهور، و منه‌

الْحَدِيثُ

:" نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ

بُدُوِّ

صَلَاحُهَا"

أي قبل ظهوره، و هو أن يحمر البسر أو يصفر. قوله: سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ أي الذي من أهل البدو. و البدو- كفلس-: خلاف الحضر. قوله: بٰادُونَ فِي الْأَعْرٰابِ: خارجون إلى البدو، و أراد البداوة أي الخروج إلى البادية، و تفتح باؤها و تكسر و‌

فِي الْحَدِيثَ

:" أَتَى أَهْلُ الْبَادِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ"

أي جماعة من الأعراب سكان البادية. و البدوي: نسبة إلى البادية على غير القياس. و‌

فِي الْخَبَرَ

:" كَرِهَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيُّ عَلَى صَاحِبُ قَرْيَةٍ"

قيل: لما فيه من الجفاء في الدين و الجهالة بأحكام الشرع، و لأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. و" فلان ذو بداوة" أي لا يزال يبدو له رأي جديد. و منه" بدا له في الأمر" إذا ظهر له استصواب شي‌ء غير الأول. و الاسم منه البداء- كسلام- و هو بهذا المعنى مستحيل على الله تعالى، كما‌

جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ (ع)

:" بِأَنْ اللَّهِ لَمْ يَبْدُ لَهُ مِنْ جَهِلَ".

و‌

قَوْلُهُ (ع)

:" مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلَّا كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ".

و قد تكثرت الأحاديث من الفريقين في البداء، مثل:

" مَا عَظَّمَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْبَدَاءُ"

(1)

و‌

قَوْلِهِ

:" مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً حَتَّى يُقِرَّ لَهُ

بِالْبَدَاءِ

"

(2)

أي يقر له بقضاء مجدد في كل يوم بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا عندهم، و كان الإقرار عليهم بذلك للرد على من زعم أنه تعالى فرغ من الأمر، و هم اليهود، لأنهم يقولون:

____________

(1). الكافي 1/ 146.

(2). الكافي 8/ 165.

46

" إن الله عالم في الأزل بمقتضيات الأشياء فقدر كل شي‌ء على وفق علمه". و‌

فِي الْخَبَرَ

:" الْأَقْرَعِ وَ الْأَبْرَصُ وَ الْأَعْمَى

بَدَا

لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَبْتَلِيهِمْ"

أي قضى بذلك، و هو معنى البداء هاهنا لأن القضاء سابق. و مثله‌

فِي الْيَهُودِ

:"

بَدَا

لِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيهِمْ"

أي ظهر له إرادة و قضاء مجدد بذلك عند المخلوقين. و‌

فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

:" مَا

بَدَا

لِلَّهِ فِي شَيْ‌ءٌ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي"

يعني ما ظهر له سبحانه أمر في شي‌ء كما ظهر له في إسماعيل ابني، إذ اخترمه قبلي ليعلم أنه ليس بإمام بعدي- كذا قرره الصدوق (ره). و‌

فِي حَدِيثٍ الْعَالِمِ (ع)

:" الْمُبْرَمَ مِنَ الْمَفْعُولَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْسَامِ الْمُدْرَكَاتِ بِالْحَوَاسِّ مِنْ ذَوِي لَوْنٍ وَ رِيحٌ وَ وَزْنٍ وَ كَيْلٍ، وَ مَا دَبَّ وَ دَرَجَ مِنْ إِنْسٍ وَ جِنٍّ وَ طَيْرٍ وَ سِبَاعٍ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ فَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِيهِ الْبَدَاءُ مِمَّا لَا عَيْنَ لَهُ، فَإِذَا وَقَعَ الْعَيْنُ الْمَفْهُومُ الْمُدْرَكُ فَلَا بَدَاءَ وَ

اللّٰهُ يَفْعَلُ مٰا يَشٰاءُ

".

و فيه من توضيح معنى البداء ما لا يخفى (1). و قال الشيخ في العدة: و أما البداء فحقيقته في اللغة: الظهور، و لذلك يقال:" بدا لنا سور المدينة" و" بدا لنا وجه الرأي" قال تعالى: وَ بَدٰا لَهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا عَمِلُوا، وَ بَدٰا لَهُمْ سَيِّئٰاتُ مٰا كَسَبُوا و يراد بذلك كله: ظهر. و قد يستعمل ذلك في العلم بالشي‌ء بعد أن لم يكن حاصلا، و كذلك في الظن، فأما‌

____________

(1). قد ثبت في الأحاديث الصحاح أن لله علما مكنونا يكون منه البداء و له علم مبذول يكون فيه البداء، و هو المكتوب في اللوح، و هو المراد من" المبرم من المفعولات" و قد ظهر أن في القول بالبداء انقطاعا للعبد إلى الله في كل حال، و فيه وقوف للعبد في مقام العبودية، و لذا ما عظم الله بشي‌ء مثل البداء كما ذكره. و قد صححنا الحديث على الكافي كتاب التوحيد باب البداء- ن

47

إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه و منه ما لا يجوز، فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه، و يكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع، و على هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين (ع) من الأخبار المتضمنة لأضافة البداء إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن، و يكون وجه إطلاق ذلك عليه و التشبيه هو: أنه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا و يحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا و أطلق على ذلك لفظ البداء. قال: و ذكر سيدنا المرتضى- قدس روحه- وجها آخر في ذلك، و هو أن قال: يمكن حمل ذلك على حقيقته، بأن يقال:" بدا لله" بمعنى أنه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهرا له، و بدا له من النهي ما لم يكن ظاهرا له، لأن قبل وجود الأمر و النهي لا يكونان ظاهرين مدركين، و إنما يعلم أنه يأمر أو ينهى في المستقبل، فأما كونه آمرا و ناهيا فلا يصح أن يعلمه إلا إذا وجد الأمر و النهي، و جرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّٰى نَعْلَمَ الْمُجٰاهِدِينَ مِنْكُمْ بأن تحمله على أن المراد به: حتى نعلم جهادكم موجودا، لأن قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا، و إنما يعلم كذلك بعد حصوله، فكذلك القول في البداء (1) ثم قال: و هذا وجه حسن جدا. و" ابتداء بدء الأمور بيده"- بمفتوحة ثم ساكنة و همزة- أي ابتداء أوائل الأمور بقدرته. و البديّ- بالتشديد-: الأول، و منه:" الحمد لله بديا". و قولهم:" أفعل ذلك بديا" أي أول كل شي‌ء. و البدي: البئر التي حفرت في الإسلام و ليست بعادية. و منه:" حريم البئر البدي خمسة و عشرون ذراعا".

____________

(1). يذكر في" سلط" حديثا في البداء- ز.

48

(بذا)

فِي الْحَدِيثِ

:" إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ فَحَّاشٍ

بَذِيٍّ

"

(1)

الْبَذِيُّ- على فعيل-: السفيه، من قولهم:" بَذَا على القوم يَبْذُو بَذَاءً" بالفتح و المد: سفه عليهم و أفحش في منطقه، و إن كان صادقا فيه، و لعلهما في الحديث واحد مفسر بالآخر. قيل: و ربما كان التحريم زمانا طويلا لا تحريما مؤبدا، و المراد بالجنة جنة خاصة معدة لغير الفحاش، و إلا فظاهره مشكل و‌

فِي الْخَبَرَ

:"

الْبَذَاءُ

مِنَ الْجَفَاءِ"

يعني الفحش من القول. و قد جاء أَبْذَى يُبْذِي بالألف، و بَذِيَ يَبْذُو من بابي تعب و قرب.

(برأ)

قوله تعالى: هُوَ اللّٰهُ الْخٰالِقُ الْبٰارِئُ الْمُصَوِّرُ قيل: الخَالِق المقدِّر لما يُوجِده، و البَارِئُ: المميِّز بعضهم عن بعض بالأشكال المختلفة، و المُصَوِّر: الممثّل. و يتم الكلام في خلق إن شاء الله تعالى. و البَارِئُ (2): اسم من أسمائه تعالى، و فسّر بالذي خلق الخلق من غير مثال. قيل: و لهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، و قلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال:" بَرَأَ الله النَّسَمَة و خلق السموات و الأرض". قوله: مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا الضمير في نَبْرَأَهٰا للنفس أو المصيبة، و المراد بالمصيبة في الأرض مثل القحط و نقص الثمار، و في الأنفس مثل الأمراض و الثَّكْل بالأولاد، و المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ثم بين تعالى وجه الحكم في ذلك بقوله: لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ أي لِكَيْلٰا تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ من نعيم الدنيا، وَ لٰا تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ الله عز و جل، يعني إذا علمتم أن كل شي‌ء مقدر مكتوب قلّ حزنكم على الفائت‌

____________

(1). تحف العقول ص 44.

(2). يذكر" الباري" في" خلق" أيضا- ز.

49

و فرحكم على الآتي، و كذا إذا علمتم أن شيئا منها لا يبقى لم تهتمّوا لأجله و اهتَمَمْتُم لأمور الآخرة التي تدوم و لا تبيد. قوله: إِنّٰا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمّٰا تَعْبُدُونَ بُرَاءَةٌ- بالضم- أي بريئون، و قرئ" بَرَاءٌ" بالفتح وزن" سلام" (1). قوله: بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ أي هذه الآيات براءة و" من" لابتداء الغاية.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ (ره)

: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) حِينَ نَزَلَتْ

بَرَاءَةٌ

دَفَعَهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ وَ دَفَعَهَا إِلَى عَلِيٍّ (ع)

و إن اختلفوا في تفصيله (2). قوله تعالى: أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي هم خير الخلق، من" بَرَأَ الله الخلق" أي خلقهم، فتركت همزتها، و منهم من يجعلها من" البرء [البرى]" و هو التراب لخلق آدم منه. قال الشيخ أبو علي (ره): قرأ نافع و ذَكْوان الْبَرِيئَةَ مهموزا و الباقون بغير همز، و المعنى: أولئك هم خير الخليقة، قال: و‌

رُوِيَ مَرْفُوعاً إِلَى يَزِيدَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْأَنْصَارِيِّ كَاتَبِ عَلِيٍّ (ع) قَالَ:" سَمِعْتُ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ

: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَ أَنَا مُسْنِدُهُ إِلَى صَدْرِي فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

وَ هُمْ شِيعَتُكَ وَ مَوْعِدِي وَ مَوْعِدُكَ الْحَوْضُ إِذَا اجْتَمَعَتِ الْأُمَمُ لِلْحِسَابِ، يُدْعَوْنَ غُرّاً مُحَجَّلِينَ"

، و‌

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

قَالَ:" نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ (ع) وَ أَهْلِ بَيْتِهِ".

قوله: وَ مٰا أُبَرِّئُ نَفْسِي الآية. قال الشيخ أبو علي (ره): ثم تواضع لله- يعني يوسف- و بين أن ما به من الأمانة إنما هو بتوفيق الله و عصمته وَ مٰا أُبَرِّئُ نَفْسِي من الزلل لأنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ أراد الجنس إِلّٰا مٰا رَحِمَ رَبِّي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة. و قيل: من كلام امرأة العزيز،

____________

(1). و هذا لا يثنى و لا يجمع، لأنه في الأصل مصدر مثل" سمع سماعا" بخلاف ما إذا قلت:" أنا بري‌ء منه" فإنه يثنى و يجمع، كما يأتي تفصيله- م.

(2). انظر البرهان 2/ 100، و الدر المنثور 3/ 209.

50

أي ذلك قلت ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة و صدقت فيما سئلت عنه، وَ مٰا أُبَرِّئُ نَفْسِي مع ذلك من الخيانة، فإني خنته حين فرقته و سجنته، تريد الاعتذار مما كان. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مِنْ نَامَ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ فَقَدْ

بَرِئَتْ

مِنْهُ الذِّمَّةُ"

و معناه: أن لكل أحد من الله عهدا بالحفظ و الكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة أو فعل ما حرم أو خالف ما أمر به خذلته ذمة الله. و‌

فِيهِ

:" مَنْ يُطِيقُكَ وَ أَنْتَ

تُبَارِي

الرِّيحَ"

أي تسابقه، من قولهم:" فلان يُبَارِي الريح سماحة" أي يسابقه فيها، أو من المعارضة من قولهم:" فلان يُبَارِي فلانا" إذا صنع كصنعه ليعجزه. و‌

فِي الْخَبَرِ

:" نُهِيَ عَنْ طَعَامِ

الْمُتَبَارِيَيْنِ

"

أي يفعلهما ليعجز أحدهما الآخر، و إنما كرهه لما فيه من المباهات و الرياء. و" بَرَأْتُ من المرض أَبْرَأُ بَرَاءً" بالفتح، و يقال:" بَرِئْتُ" بالكسر" بُرَءاً" بالضم، و" و أَبْرَأَهُ الله من المرض". و" بَرِئَ فلان من دينه" من باب تعب: سقط عنه طلبه. و" بَرِئَ فلان من فلان" إذا تَبَرَّأَ منه و" الله منه بَرِي‌ءٌ" أي مُتَبَرِّئٌ، و هو من باب الوعيد. و إذا قلت:" أنا بَرِي‌ءٌ منه" قلت في الجمع:" نحن منه بُرَآءُ" مثل فقيه و فقهاء، و" بِرَاءٌ" مثل كريم و كرام، و" أَبْرَاءٌ" مثل شريف و أشراف، و" أَبْرِيَاءٌ" مثل نصيب و أنصباء، و" بَرِيئُونَ"- كذا قاله الجوهري. و" أنا منه بَرَاءٌ" أي بَرِي‌ءٌ عن مساواته في الحكم و أن أقاس به، و لم يرد بَرَاءَةَ الإيمان و الولاية. و‌

فِي حَدِيثِ الطِّبِّ وَ التَّطَيُّرِ

:" فَلْيَطْلُبْ مِنْ وَلِيِّهِ

الْبَرَاءَ

"

كأنه يريد الْبَرَاءَةَ من الضمان عند عروض التلف. و" أَبْرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" أي أمتنع. و" اسْتَبْرَأْتُ الشي‌ء" طلبت آخره‌

51

لقطع الشبهة عنه. و منه" اسْتِبْرَاءُ الخبر". و الِاسْتِبْرَاءُ من البول (1): أن يستفرغ بقيته و ينقي موضعه و مجراه حتى يُبَرِّئَهُمَا منه، و من الحيض: هو طلب نقاوة الرحم من الدم، و كيفيته- على ما ذكر في الفقيه- هو أن تلصق المرأة بطنها بالحائط و ترفع رجلها اليسرى- كما ترى الكلب إذا بال- و تدخل قطنة فإن خرج الدم فهو حيض. و من الجلل: هو ربط الجلال و حبسه عن أكل النجاسات مدة مقدرة من الشرع، و في كمية القدر خلاف، و محصله- على ما ذكره بعض المحققين-: اسْتِبْرَاءُ الناقة بأربعين يوما، و البقرة بعشرين- و قيل بثلاثين- و الشاة بعشرة و البطة و شبهها بخمسة- و في الفقيه بثلاثة أيام و روي ستة أيام-، و الدجاجة و شبهها بثلاثة أيام، و السمك، بيوم و ليلة، و ما عدا هذه المذكورات بما يزيل حكم الجلل، و مرجعه إلى العرف. و" اسْتَبْرَأَ لدينه و عرضه" أي طلب الَبْرَاءَ لأجل دينه من الذم الشرعي و من الإثم و لعرضه من الطعن فيه. و" بَارَى الرجل امرأته" إذا فارقها. و الْمُبَارَاةُ: أن تقول المرأة لزوجها:" لك ما عليك و اتركني" (2) فيتركها. إلا أنه يقول لها:" إن ارتجعت في شي‌ء فأنا أملك ببضعك" إلى غير ذلك من الشروط المذكورة في محالها. و الْبَرَى: التراب، و‌

مِنْهُ

" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ عَدَدِ الثَّرَى وَ

البرى

".

و الْبَرَاءُ:- بالمد و التخفيف- يقال لابن معرور الذي هو من النقباء ليلة العقبة، و لابن عازب الذي‌

نُقِلَ

أَنَّهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ (ص) ثَلَاثَمِائَةٍ وَ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ، وَ أَنَّهُ حَضَرَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ (ع) وَ لَمْ يَنْصُرْهُ، وَ كَانَ يُطِيلُ الْحَسْرَةَ وَ النَّدَمَ عَلَى ذَلِكَ

، و لابن مالك أخو أنس بن مالك الذي‌

____________

(1). يذكر في" نتر" كيفية الاستبراء من البول، و في" سوق" حديثا فيه- ز.

(2). و قد صححنا الحديث على ما في الوسائل الباب الثامن من أبواب الخلع و المباراة- ن

52

شهد أحُدا و الخندق. و الْبُرَةُ- بالضم و خفّة الراء-: الحلقة التي توضع في أنف البعير، و هي الخزامة، و ربما كانت من شعر (1). و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" كَانَتْ

بُرَةُ

رَسُولِ اللَّهِ (ص) مِنْ فِضَّةٍ"

(2)

.

و نهي عن بَرْيِ النبل في المساجد، أي نحته و عمله فيها. يقال:" بَرَيْتُ النبل و القلم بَرْياً" من باب رمى، و" بَرَوْتُهُ" لغة، و اسم الفعل الْبِرَايَةُ بالكسر. و الْبَارِيَّةُ الحصير الخشن، و هو المعروف في الاستعمال، و قال المطرزي: الْبَارِيّ الحصير، و يقال له بالفارسية: الْبُورِيَا (3).

(بزا)

فِي حَدِيثِ أَبِي طَالِبٍ

يُعَاتِبُ قُرَيْشاً فِي أَمْرِ النَّبِيِّ (ص):

كَذَبْتُمْ وَ بَيْتِ اللَّهِ يُبْزَى مُحَمَّدٌ * * * وَ لَمَّا نُطَاعِنُ دُونَهُ وَ نُنَاضِلُ

يُبْزَى: أي يُقهَر، و المعنى: لا يُبْزَى، بحذف" لا" أي لا يقهر و لم نقاتل عنه و ندافع. و الْبَازِي- وزان القاضي- واحد الْبُزَاةُ التي تصيد، و يجمع أيضا على" أَبْوَازٍ" و" بِيزَانٍ" مثل أبواب و نيران. و في حياة الحيوان: أفصح اللغات الْبَازِي مخففة، و الثانية" بَاز" و الثالثة" بَازِيّ" بتشديد الياء، و يقال في التثنية:" بَازِيَانِ" و في الجمع" بُزَاةٌ". و يقال لِلْبُزَاةِ و الشواهين و غيرها مما يصيد" صقورة" و كنيته أبو الأشعث و أبو بهلول و أبو لاحق، و هو من أشد الحيوان تكبرا و أضيقها خلقا. قال القزويني في عجائب المخلوقات: قالوا: إنه لا يكون إلا أنثى و ذكرها من نوع آخر من الحدأة و الشواهين، و لهذا اختلفت‌

____________

(1). يذكر البرة في" خشش" أيضا- ز.

(2). يذكر في" جفس" البرة من الأوصياء- ز.

(3). يذكر الباري و البوريا في" بور" أيضا- ز.

53

أشكالها ... انتهى. و‌

عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ

:

الْبَازِيُّ

يَقُولُ:" سُبْحَانَ رَبِّي وَ بِحَمْدِهِ"

. (بطا)

قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ من التَّبْطِئَةِ، و هو التأخر عن الأمر. و الْمُبَطِّئُونَ: المنافقون، تثاقلوا و تخلفوا عن الجهاد، من" بَطَّأَ" بمعنى" أَبْطَأَ". و منه‌

الْخَبَرَ

:" مِنْ

بطأ

بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَنْفَعُهُ نَسَبُهُ"

أي من أخره عمله السي‌ء و تفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخرة شرف النسب. قال الجوهري: اللام الأولى في الآية للتأكيد، و الثانية جواب، لأن القسم جملة توصل بأخرى و هي المقسم عليه لتوكيد الثانية بالأولى، و يربطون بين الجملتين بحروف يسميها النحويون جواب القسم. و" أَبْطَأَ الرجل" تأخر مجيئه. و يقال:" بَطُؤَ مجيئه بُطْأً" من باب قرب فهو بَطي‌ءٌ على فعيل. و في الصحاح: بَطُؤَ مجيئك و أَبْطَأْتَ، و لا يقال أَبْطَيْتَ. و في القاموس: بَطُؤَ ككرم بُطْأً بالضم، و بِطَاءً ككتاب، و أَبْطَأَ: ضد أسرع. و بَامْطِي بن شرجيل السامري: رجل عالم، أعلم الناس باليهودية. و الْبَاطِيَةُ: الإناء، قال الجوهري: و أظنه معربا (1).

(بغا)

قوله تعالى: وَ مٰا كٰانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا الْبَغِيّ: المرأة الفاجرة، يقال:" بَغَتِ المرأة تَبْغِي بِغَاءً"- بالكسر و المد- فجرت، فهي بَغِيٌّ، و الجمع" الْبَغَايَا"، و هو وصف يختص بالمرأة الفاجرة و لا يقال للرجل بَغِيّ (2). و" الْبِغَاءُ"- بالكسر و المد- الزنا." و بَغَيْتُ الشي‌ء أَبْغِيهِ بُغْياً" طلبته، و ابْتَغَيْتُهُ مثله، و الاسم: الْبُغَاءُ- بالضم- كغراب. قال تعالى: أَ فَغَيْرَ دِينِ اللّٰهِ يَبْغُونَ

____________

(1). الظاهر أنه معرب" بادية"، و هي الإناء بالفارسية.

(2). يذكر في" عنق" أول بغي على وجه الأرض، و في" خبر" حديثا في البغي- ز

54

أي يطلبون. و بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّٰهُ أي طلبا أن ينزل الله. قوله: وَ مٰا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ اللّٰهِ قيل: هو نفي و يراد به النهي، مثل‌

" لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَ خَالَتِهَا"

و مراده لا ينفقون شيئا إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ اللّٰهِ، أي طلب وجه الله، و فيه نهي عن الرياء و طلب السمعة بالإنفاق، و أمر بالإخلاص لما في الكلام من النفي و الإثبات. قوله: وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ قيل: هو في محل النصب مفعول له، و المفعول محذوف: أي أحل لكم ما وراء ذلكم لأن تطلبوا النساء. قوله: غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ* أن لا يَبْغِي الميتة و لا يطلبها و هو يجد غيرها، و لا عاد يعدو شبعه. قوله: وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ أي رزقه أو علمه، و‌

وَرَدَ

أَنَّهُ عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَ حُضُورُ جَنَازَةٍ وَ زِيَارَةُ أَخٍ

، قوله: وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ الوسيلة فعيلة من قولهم:" توسلت إليه" أي تقربت، و الضمير راجع إلى الله تعالى، أي اطلبوا التقرب إلى الله تعالى بأعمالكم. قوله: إِنَّمٰا بَغْيُكُمْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أي فسادكم على أنفسكم. و الْبَغْيُ: الفساد، و أصل الْبَغْيِ: الحسد ثم سمي الظالم بَغِيّاً، لأن الحاسد ظالم. و منه قوله تعالى: فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ أي ترفع و جاوز المقدار. و قوله تعالى: وَ مَنْ عٰاقَبَ بِمِثْلِ مٰا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللّٰهُ

فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ره)

: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) لَمَّا أَخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ وَ هَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى الْغَارِ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُتِلَ عُتْبَةُ وَ شَيْبَةُ وَ الْوَلِيدُ وَ أَبُو جَهْلٍ وَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَ غَيْرُهُمْ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) طَلَبَ بِدِمَائِهِمْ، فَقُتِلَ الْحُسَيْنُ (ع) وَ آلُ مُحَمَّدٍ

بَغْياً

وَ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً، وَ هُوَ قَوْلُ يَزِيدَ:

55

لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا * * *

وَقْعَةَ الْخَزْرَجِ مَعَ وَقْعِ الْأَسَلِ

إِلَى قَوْلِهِ:

قَدْ قَتَلْنَا الْقَوْمَ مِنْ سَادَاتِهِمْ * * *

وَ عَدَلْنَاهُ بِبَدْرٍ فَاعْتَدَلَ

(1)

فَقَوْلُهُ:

وَ مَنْ عٰاقَبَ

يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ (ص)

بِمِثْلِ مٰا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ

يَعْنِي بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ (ع)

بَغْياً

وَ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً

لَيَنْصُرَنَّهُ اللّٰهُ

يَعْنِي بِالْقَائِمِ مِنْ وُلْدِهِ.

قوله: وَ مٰا يَنْبَغِي لِلرَّحْمٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً أي ما يتأتى للرحمن اتخاذ الولد، و لا يصلح له ذلك. يقال:" ما يَنْبَغِي لك أن تفعل كذا" أي ما يصلح لك ذلك. و في المصباح: حكي عن الكسائي أنه سمع من العرب:" و ما يَنْبَغِي أن يكون كذا" أي ما يستقيم و ما يحسن، قال:" و يَنْبَغِي أن يكون كذا" معناه يندب ندبا مؤكدا لا يحسن تركه، ثم قال: و استعمال ماضيه مهجور، و قيل: عدوا" ينبغي" من الأفعال التي لا تتصرف و لا يقال" انبغى" قال: و قيل في وجهه أن ينبغي مطاوع" بغى" و لا يستعمل انفعل إلا إذا كان فيه علاج و انفعال، و هو لا علاج فيه، و أجازه بعضهم ... انتهى. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

بُغَاةَ

الْعِلْمِ

(2)

"

بضم موحده، أي طلبته، جمع" بَاغٍ" بمعنى طالب و الجمع" بُغْيَانٌ" كراع و رعيان يقال: بَغَيْتُ الشي‌ء بغاء و بغية إذا طلبته قال الحاجبي: الصفة من نحو" جاهل" على" جهل" و" جهال" غالبا و" فسقة" كثيرا و على قضاة. و" الْبُغَاةُ" أيضا جمع" بَاغٍ" و هم الخارجون على إمام معصوم- كما في الجمل و صفين- سموا بذلك لقوله تعالى: فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِي‌ءَ" و الفئة الْبَاغِيَةُ" الخارجة عن طاعة الإمام من" الْبَغْيِ" الذي هو مجاوزة الحد. و منه‌

حَدِيثُ عَمَّارٍ

:" تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ

الْبَاغِيَةُ

".

و‌

فِيهِ

:" إِيَّاكَ أَنْ يُسْمَعَ مِنْكَ كَلِمَةُ

بَغْيٍ

"

أي ظلم و فساد.

____________

(1). تفسير علي بن إبراهيم 2/ 76.

(2). الكافي 1/ 31.

56

و" بَغَى على الناس" ظلم و اعتدى، فهو" باغ". و" بَغَى" سعى في الفساد. قيل: و منه" الفئة الْبَاغِيَةُ" لأنها عدلت عن القصد. و" الْبِغْيَةُ"- بالكسر مثل الجلسة- الحال التي تبغيها. و" الْبُغْيَةُ"- بضم الموحدة- الحاجة نفسها. عن الأصمعي:" و بَغَى ضالته" طلبها، و كل طلبة" بُغَاءٌ"- بالضم- و" بُغَايَةٌ" أيضا- قاله الجوهري. و‌

فِي الْحَدِيثِ

فِي رَجُلٍ أَعَارَ جَارِيَةً" لَمْ

يَبْغِهَا

غَائِلَةً"

أي لا يقصد اغتيالها، فقضى أن لا يغرمها. و" ابْغِنِي كذا"- بهمزة الوصل- اطلب لي، و بهمزة القطع أعني على الطلب قاله في الدر.

(بقا)

قوله تعالى: فَهَلْ تَرىٰ لَهُمْ مِنْ بٰاقِيَةٍ أي من بقية، أو من بقاء مصدر كالعافية. قوله: وَ اللّٰهُ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ أي أكثر بقاء. قوله: وَ الْبٰاقِيٰاتُ الصّٰالِحٰاتُ*

قِيلَ

: هِيَ الْأَعْمَالُ

يَبْقَى

ثَوَابُهَا، وَ قِيلَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَ قِيلَ:" سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ"

. و عن بعض المفسرين من الخاصة و العامة في قوله تعالى: الْمٰالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ الْبٰاقِيٰاتُ الصّٰالِحٰاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوٰاباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا: المراد بها أعمال الخير، فإن ثمرتها تَبْقَى أبد الآبدين، فهي بَاقِيَاتٌ، و معنى كونها خيرا أملا أن فاعلها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا. و ما جاء‌

فِي الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِهِ

:" هُنَّ مِنَ

الْبَاقِيَاتِ

الصَّالِحَاتِ"

، فمعناه- على ما ذكر-: أن تلك الكلمات من جملة ما ذكره الله سبحانه في القرآن المجيد و عبر عنه بِالْبَاقِيَاتِ الصالحات و جعل ثوابه و أمله خيرا من المال و البنين. قوله: بَقِيَّتُ اللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ أي ما أبْقَى‌

57

الله لكم من الحلال و لم يحرمه عليكم، فيه مقنع و رضى فذلك خير لكم. قوله: وَ بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ آلُ مُوسىٰ وَ آلُ هٰارُونَ أي في التابوت مما تكسر من الألواح التي كتب الله لموسى، و عصا موسى و ثيابه، و عمامة هارون. و يقال:" بَقِيَّةٌ مِمّٰا تَرَكَ" رُضَاض قَطْعِ الألواح. قوله: أُولُوا بَقِيَّةٍ أي أولوا تمييز و طاعة، يقال:" فلان بَقِيَّةٌ" أي فضل مما يمدح به. و الْبَقِيَّةُ: الرحمة، و منه‌

حَدِيثُ وَصْفِهِمْ (ع)

:" أَنْتُمْ

بَقِيَّةُ

اللَّهِ فِي عِبَادِهِ"

أي رحمة الله التي من الله بها على عباده. و جمع الْبَقِيَّةِ" بَقَايَا" و" بَقِيَّاتٌ" مثل عطية و عطايا و عطيات. و‌

فِي حَدِيثِ النَّارِ

:" لَا

تُبْقِي

عَلَى مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيْهَا"

أي لا ترحمه، من أَبْقَيْتُ عليه إِبْقَاءً: إذا رحمته و أشفقت عليه. و الاسم الْبُقْيَا. و بَقِيَ الشي‌ء يَبْقَى- من باب تعب- دام و ثبت. و يتعدى بالألف فيقال:" أَبْقَيْتُهُ". و الاسم:" الْبَقْوَى" بالفتح مع الواو و" الْبُقْيَا" بالضم مع الياء. قال في المصباح: و مثله الفتوى و الفتيا و الثنوى و الثنيا، قال: و طي تبدل الكسرة فتحة فتقلب الياء ألفا، و كذلك كل فعل ثلاثي مثل بَقِيَ و نسي و فتي ... انتهى و" بَقِيَ من الدين كذا" فضل و تأخر و" تَبَقَّى" مثله. و الاسم: الْبَقِيَّةُ. و‌

فِي حَدِيثِ مَلَكِ الْمَوْتِ لِبَنِي آدَمَ

:" إِنَّ لَنَا فِيكُمْ

بَقِيَّةً

"

يريد ما يبقى من الشي‌ء و يفضل." و لأربع بَقِينَ من كذا" أي بقيت منه، و كذا" خلون" أي خلون منه. و‌

فِي الْحَدِيثِ

:" مَا مِنْ نَبِيٍّ وَ لَا وَصِيٍّ

يَبْقَى

فِي الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى يُرْفَعَ بِرُوحِهِ وَ عَظْمِهِ وَ لَحْمِهِ إِلَى السَّمَاءِ"

58

و فيه تأويل (1). و" الْبَاقِي" من صفاته تعالى، و هو من لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر ينتهي إليه.

(بكا)

قوله تعالى: بُكِيًّا هو جمع" بَاكٍ" و أصله" بُكُوي" على فعول، فأدغمت الواو في الياء. و يقال:" الْبَكِيّ" على فعيل: الكثير البكاء، و" الْبُكِيُّ" على فعول جمع" بَاكٍ". قوله: فَمٰا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمٰاءُ وَ الْأَرْضُ

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ

يَبْكِي

عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ مُصَلَّاهُ وَ بَابُ ارْتِفَاعِ عَمَلِهِ

، و قيل: معناه أهل السماء، فحذف، و قيل: العرب تقول إذا هلك العظيم فيها:" بَكَتْ عليه السماء و كسفت لموته الشمس". و‌

فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ لِلْحَسَنِ (ع)

:" وَ

ابْكِ

عَلَى خَطِيئَتِكَ"

قال بعض أهل التحقيق: و هذا لا يستقيم على ظاهره على قواعد الإمامية القائلين بالعصمة، و قد ورد مثله كثيرا في الأدعية المروية عن أئمتنا (ع) و قد‌

رَوَى فِي الْكَافِي فِي بَابِ الِاسْتِغْفَارِ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

: أَنَّ" رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً"

(2)

و أمثال ذلك من طريق الخاصة و العامة كثير، ثم قال: و أحسن ما تضمحل به الشبهة ما أفاده الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الإربلي في كتاب كشف الغمة، قال: إن الأنبياء و الأئمة (ع) تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله تعالى،

____________

(1). و إلا لورد عليه أن نوحا نقل عظام آدم (ع) من سرنديب إلى النجف، و موسى نقل عظام يوسف من مصر إلى بيت المقدس، و نقل رأس الحسين (ع) من كربلا إلى الشام إلى النجف، و التأويل فيه: أنها ترفع ثم ترجع إلى الأرض لحكمة اقتضت ذلك، و لما فيه من قطع طمع الأعداء و المنافقين الذين يسبقونهم في قبورهم، فإذا علموا ذلك انقطع الطلب و كفوا عن ذلك- م.

(2). الكافي 2/ 438.