مجمع البحرين‌ - ج3

- الشيخ فخر الدين الطريحي المزيد...
522 /
3

الجزء الثالث

كتاب الدال

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

باب ما أوله الألف

(أبد)

فِي حَدِيثِ الْحَجِّ

: قَالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ: أَ رَأَيْتَ مُتْعَتَنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ قَالَ: لَا بَلْ

لِأَبَدِ الْآبِدِ (1)

أي هذه لآخر الدهر، و الأَبَدُ: الدهر، و الجمع آبَادٌ مثل سبب و أسباب. و الأَبَدُ: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود. و إذا قلت" لَا أُكَلِّمُهُ أَبَداً" فَالْأَبَدُ هو من لدن تكلمت إلى آخر عمرك. و التَّأْبِيدُ: التخليد، و‌

مِنْهُ

" اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ

أَبَداً

"

أي مخلدا إلى آخر الدهر. و الأَبَدُ: الدوام، و منه يُجْزِي التَّحَرِّي أَبَداً: أي دائما. و أَبَدَ يَأْبِدُ بالكسر أُبُوداً: أقام به.

(أجد)

فِي الدُّعَاءِ

" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي

أَجَدَنِي

بَعْدَ ضَعْفٍ"

أي قَوَّاني بعده. و قولهم" نَاقَةٌ أُجُدٌ" أي قوية.

(أحد)

قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ [112/ 1] أي واحد، فأبدل الواو همزة و حذفت الثانية. و قيل أصل أحد وحد فأبدلت الهمزة من الواو المفتوحة كما أبدلت من المضمومة في قولهم وجوه و أجوه و من المكسورة كوشاح و إشاح، و لم يبدلوا من المفتوحة إلا في حرفين أحد و امرأة أناة من الونى و هو الفتور. و قيل أَحَد بمعنى أول كما يقال يوم الأحد.

قِيلَ

سَبَبُ نُزُولِ

قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ

هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى الرَّسُولِ ص فَقَالُوا لَهُ: مَا نِسْبَةُ رَبِّكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ

قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ

إِلَى

____________

(1). الكافي ج 4 ص 246.

6

آخِرِهَا

(1)

، فَأَحَدٌ في قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ بدل من الله لأن النكرة تبدل من المعرفة، كما في قوله تعالى لَنَسْفَعاً بِالنّٰاصِيَةِ نٰاصِيَةٍ كٰاذِبَةٍ و معنى أَحَدٍ أَحَدِيُّ النَّعْتِ كما‌

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص

" نُورٌ لَا ظَلَامَ فِيهِ وَ عِلْمٌ لَا جَهْلَ فِيهِ"

(2)

.

وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ

يَعْنِي غَيْرَ مُبَعَّضٍ وَ لَا مُجَزَّإٍ وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَدَدِ وَ لَا الزِّيَادَةُ وَ لَا النُّقْصَانُ.

و" الْأَحَدُ" من أسمائه تعالى، و هو الفرد الذي لم يزل وحده و لم يكن معه آخر، و هو اسم بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول" مَا جَاءَنِي أَحَدٌ". و الأَحَدُ بمعنى الواحد، و هو أول العدد، تقول أَحَدٌ و اثنان و أَحَدَ عشر و إِحْدَى عشرة. قال الجوهري: و أما قولهم ما في الدار أَحَدٌ فهو اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد و الجمع و المؤنث، قال تعالى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسٰاءِ و قال فَمٰا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حٰاجِزِينَ. و أَحَّدَهُ و وَحَدَّهُ كما يقال ثناه و ثلثه. و الأَحَدُ: أحد أيام الأسبوع، و جمعه الآحَادُ. و منه‌

الْحَدِيثُ

" اتَّقُوا أَخْذَ

الْأَحَدِ

"

أي شَرُّهُ. و" أُحُدٌ" بضمتين: جبل معروف على ظهر مدينة الرسول ص، و بقربه كانت الوقعة التي قتل فيها حمزة عم النبي ص و قبره هناك.

(أدد)

قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا [19/ 89] أي منكرا عظيما، من الإِدِّ و هو الشي‌ء المنكر العظيم.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ع

" رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا أَصَبْتُ مِنَ

الْإِدَدِ

وَ الْأَوَدِ"

الإِدَدُ بكسر همزة جمع إِدَّةٍ بكسرها و تشديدها: الدواهي العظام، و الأود العوج. و" أُدٌّ" أبو قبيلة، و هو أُدُّ بن طائحة ابن إلياس بن مضر. و" أُدَدُ" أبو قبيلة من اليمن، و هو‌

____________

(1). مجمع البيان ج 5 ص 564.

(2). البرهان ج 4 ص 526.

7

أُدَدُ بن زيد بن كهلان بن سبإ بن حمير- قاله الجوهري.

وَ فِي حَدِيثِ الْبَاقِرِ ع

" لَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وُلَاةَ الْبَيْتِ يُقِيمُونَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ يَتَوَارَثُونَهُ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ حَتَّى كَانَ زَمَنُ عَدْنَانَ بْنِ

أُدَدَ فَطٰالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ

وَ أَفْسَدُوا وَ أَحْدَثُوا فِي دِينِهِمْ وَ أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ كَرَاهِيَةَ الْقِتَالِ، وَ فِي أَيْدِيهِمْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ- يَعْنِي سُنَّةَ إِبْرَاهِيمَ- مِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَ الْبَنَاتِ وَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي النِّكَاحِ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ امْرَأَةَ الْأَبِ وَ ابْنَةَ الْأُخْتِ، وَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَ كَانَ فِيمَا بَيْنَ إِسْمَاعِيلَ وَ عَدْنَانَ بْنِ

أُدَدَ

مُوسَى (ع).

(أزد)

فِي حَدِيثِ السِّوَاكِ

" لَمَّا دَخَلَ النَّاسُ فِي الدِّينِ أَفْوَاجاً أَتَتْهُمُ

الْأَزْدُ

أَرَقُّهَا قُلُوباً وَ أَعْذَبُهَا أَفْوَاهاً".

و الأَزْدُ هم ولد الأَزْدِ بن الغوث أبو حي من اليمن. و الأَزْدُ أزد شنوة و عمان.

(أسد)

الأَسَدُ معروف، و سمي أَسَداً لقوته. من اسْتَأْسَدَ النبت: إذا قوي. و أَسَدٌ جد أمير المؤمنين (ع) لأمه فاطمة. و جمع أسد أُسُودٌ و أُسُدٌ و أُسْدٌ و آسُدٌ و آسَادٌ مثل أجبل و أجبال، و الأنثى أَسَدَةٌ. و للأسد أسماء كثيرة ذكرها في حياة الحيوان. و عن ابن خالويه للأسد خمسمائة اسم و صفة، و زاد عليه علي بن القاسم اللغوي مائة و ثلاثين اسما. قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن الأنثى لا تضع إلا جروا واحدا تضعه لحما ليس فيه حس و لا حركة، فتحرسه كذلك ثلاثة أيام ثم يأتي بعد ذلك أبوه فينفخ فيه المرة بعد المرة حتى يتحرك و يتنفس و تنفرج أعضاؤه و تتشكل صورته، ثم تأتي أمه فترضعه و لا تفتح عيناه إلا بعد سبعة أيام، فإذا مضت عليه ستة أشهر كلف الاكتساب لنفسه بالتعليم. قالوا: و للأسد من الصبر على الجوع و قلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، و لا‌

8

يأكل من فريسة غيره، و إذا شبع من فريسة تركها و لم يعد إليها، و لا يشرب من ماء ولغ فيه كلب- كذا في حياة الحيوان.

(أفد)

أَفِدَ كفرح: أسرع و أبطأ ضد- قاله في القاموس. و أَفِدَ أيضا: أزف و دنا كَاسْتَأْفَدَ، فهو أَفِدٌ على فَعِل. و الأَفَدُ محركة: الأجل و الأمد.

(أكد)

التَّأْكِيُد لغة في التوكيد، و معناه التقوية، و هو عند النحاة نوعان: لفظي و هو إعادة الأول بلفظه نحو" جاء زيد زيد"، و منه قول المؤذن" الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر"، و معنوي نحو" جاء زيد نفسه" و فائدته رفع توهم المجاز لاحتمال مجي‌ء غلامه.

(أمد)

قوله تعالى: فَطٰالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ [57/ 16] الأَمَدُ هو نهاية البلوغ، و جمعه آمَادٌ، يقال بلغ أَمَدَهُ: أي بلغ غايته. و عن الراغب الأَمَدُ و الأبد متقاربان، لكن الأَبَد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود و لا يتقيد فلا يقال أبدا كذا، و الأَمَدُ مدة مجهولة إذا أطلق و ينحصر نحو أن يقال أَمَدُ كذا، و الفرق بين الزمان و الأمد أن الأَمَدَ يقال باعتبار الغاية و الزَّمَان عام في المبدإ و الغاية، و لذلك قال بعضهم المدى و الغاية متقاربان. قوله: أَمَداً بَعِيداً [3/ 30] أي مسافة واسعة‌

وَ فِي حَدِيثِ وَصْفِهِ تَعَالَى

" لَا

أَمَدَ

لِكَوْنِهِ وَ لَا غَايَةَ لِبَقَائِهِ"

قيل أي لا أَوَّل.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" جَعَلْتَ لَهُ

أَمَداً

مَحْدُوداً"

أي منتهى ينتهي إليه. و أَمِدَ أَمَداً من باب لعب: غضب. و آمِدُ بلد في الثغور- قاله الجوهري.

(أود)

قوله تعالى: وَ لٰا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمٰا [2/ 255] أي لا يثقله و يشق عليه، من قولهم آدَنِي الشي‌ء أو الحمل يَئُودُنِي أَوْدًا: أي أثقلني.

9

و من كلامهم" و ما آدَكَ فهو لي آئِدٌ" أي ما أثقلك فهو لي مثقل. و الأَوَدُ بالفتح: القوة. و الأَوَدُ أيضا: العوج. و أَوِدَ الشي‌ء بالكسر يَأْوَدُ أَوَداً: أي اعوج. و تَأَوَّدَ: تعوج. و أقام أَوَدَهُ: أي عوجه، و منه" يقيم أَوَدَكُمْ" أي اعوجاجكم. و مثله" أقم بهم أَوَدِي" أي اعوجاجي. و المعنى أصلح بهم شأني و اكشف بهم غمي و نظائره.

(أيد)

قوله تعالى: وَ أَيَّدْنٰاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ* [2/ 87] أي قويناه به، و الأَيْدُ و الآدُ: القوة. قوله: ذَا الْأَيْدِ [38/ 17] بغير ياء فيمن قرأ بذلك، أي ذي القوة على العبادة، و قيل ذي القوة على الأعداء لأنه رمى بحجر من مقلاعه صدر رجل فأنفذه من ظهره فأصاب آخر فقتله. و مثله قوله تعالى: ذَا الْأَيْدِ في قراءة من قرأ بغير ياء، أي أولي القوة. و أَيَّدْتُهُ تَأْيِيداً: قويته، و الفاعل مُؤَيِّدٌ. و تَأَيَّدَ الشي‌ء: تقوى. و تقول أَيَّدْتُهُ تَأْيِيداً: قويته، و منه" أَيَّدَكَ الله تَأْيِيداً". و رجل أَيِّدٌ بالتشديد: أي قوي.

باب ما أوله الباء

(بجد)

" ذُو

الْبِجَادَيْنِ

" مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَ هَاجَرَ قَطَعَتْ أُمُّهُ

بِجَاداً

لَهَا قِطْعَتَيْنِ فَارْتَدَى بِإِحْدَاهُمَا وَ ائْتَزَرَ بِالْأُخْرَى

(1)

و البِجَادُ: الكساء من أكسية العرب‌

____________

(1). اسم ذي‌البجادين هو عبد الله بن عبد نهم- راجع الكنى و الألقاب ج 2 ص 220.

10

مخطط. و منه قوله:

كَبِيرُ أُنُاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلٍ

و بَجْدَةُ الأمر: باطنه و سرُّه، يقال هُوَ عَالِمٌ بِبَجْدَةِ أَمْرِكَ و بِبُجُدَةِ أمرك بضم الباء و الجيم، أي بدخلة أمرك و باطنه. و يقال للدليل الحاذق" هُوَ ابْنُ بَجْدَتِهَا" أي عالم بالأرض كأنه نشأ بها. و أبجد إلى قرشت و كلمن رئيسهم ملوك مدين، وضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم، هلكوا يوم الظلة فقالت ابنة كلمن شعرا:

كلمن هَدَّم ركني * * * هُلْكُه وَسْط المحلة

- قاله في القاموس.

وَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ص

أَنَّهُ قَالَ" تَعَلَّمُوا تَفْسِيرَ

أَبْجَدْ

فَإِنَّ فِيهِ الْأَعَاجِيبَ كُلَّهَا، وَيْلٌ لِعَالِمٍ جَهِلَ تَفْسِيرَهُ" فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ص مَا تَفْسِيرُ

أَبْجَدْ

؟ فَقَالَ:" أَمَّا الْأَلِفُ فَآلَاءُ اللَّهِ، وَ أَمَّا الْبَاءُ فَبَهَاءُ اللَّهِ، وَ أَمَّا الْجِيمُ فَجَنَّةُ اللَّهِ وَ جَلَالُ اللَّهِ وَ جَمَالُ اللَّهِ، وَ أَمَّا الدَّالُ فَدِينُ اللَّهِ، وَ أَمَّا هَوَّزْ فَالْهَاءُ الْهَاوِيَةُ فَوَيْلٌ لِمَنْ هَوَى فِي النَّارِ، وَ أَمَّا الْوَاوُ فَوَيْلٌ لِأَهْلِ النَّارِ، وَ أَمَّا الزَّاءُ فَزَاوِيَةٌ فِي النَّارِ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّا فِي الزَّاوِيَةِ يَعْنِي زَوَايَا جَهَنَّمَ، وَ أَمَّا حُطِّي فَالْحَاءُ حُطُوطُ الْخَطَايَا عَنِ الْمُسْتَغْفِرِينَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ مَا نَزَلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وَ أَمَّا الطَّاءُ فَطُوبَى بِهِمْ

وَ حُسْنُ مَآبٍ

وَ هِيَ شَجَرَةٌ غَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَ إِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ تُنْبِتُ الْحُلِيَّ وَ الْحُلَلَ مُتَدَلِّيَةً عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَ أَمَّا الْيَاءُ فَيَدُ اللَّهِ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَ أَمَّا كَلَمَنْ فَالْكَافُ كَلَامُ اللَّهِ

لٰا تَبْدِيلَ لِكَلِمٰاتِ اللّٰهِ

وَ

لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً

، وَ أَمَّا اللَّامُ فَإِلْمَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَيْنَهُمْ فِي الزِّيَارَةِ وَ التَّحِيَّةَ وَ السَّلَامِ وَ تَلَاوُمُ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَ أَمَّا الْمِيمُ فَمُلْكُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَزُولُ وَ دَوَامُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَفْنَى، وَ أَمَّا النُّونُ فَنُون

وَ الْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ

وَ الْقَلَمُ قَلَمٌ مِنْ نُورٍ وَ كِتَابٌ مِنْ نُورٍ وَ لَوْحٌ مِنْ نُورِ اللَّهِ مَحْفُوظٌ

يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ

وَ

كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً*

" ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ إِلَى قَوْلِهِ قَرَشَتْ فَقَالَ فِيهِ" قَرَشَهُمْ فَحَشَرَهُمْ وَ نَشَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَضَى

11

بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ*

"

(1)

و لعله اكتفى في تفسير باقي الحروف على ما فسر في حروف الهجاء. و الله أعلم.

(بدد)

فِي الْحَدِيثَ

" لَمْ نَجِدْ لَكَ

بُدّاً

مِنْ كَذَا"

أي لم نجد لك مخلصا منه بدون فعله، يقال‌لا بُدَّ لك من كذا: أي لا فراق لك منه و لا محيد عنه. و لا يعرف استعمال لها إلا مقرونا بالنفي. و بَدَدْتُ الشي‌ءَ بَدّاً- من باب قتل- فرقته، و استعمل مبالغة و تكثيرا. و بَدَّدَ الله عظامه يوم القيامة: فرقها.

وَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْكَافِرِينَ وَ الْمُنَافِقِينَ

" وَ اقْتُلْ أَعْدَاءَهُمْ

بِدَداً

"

بكسر الباء جمع بُدَّةٍ و هي الحصة و النصيب، أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد منهم حصته و نصيبه، و يروى بالفتح أي متفرقين بالقتل واحدا بعد واحد. و شَمْلٌ مُبَدَّدٌ: أي متفرق، من تَبَدَّدَ الشي‌ء: تفرق. و ما لك به بَدَدٌ و بَدَّةٌ: أي ما لك به طاقة. و اسْتَبَدَّ بالأمر: انفرد به من غير مشارك، و منه‌

يُقَالُ

" مَنِ

اسْتَبَدَّ

بِرَأْيِهِ ضَلَّ أَوْ هَلَكَ".

(برد)

قوله تعالى: مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ [24/ 43] قيل من هنا زائدة، و التقدير و تنزل من السماء من جبال فيها بَرَدٌ. و البَرَدُ: شي‌ء ينزل من السحاب يشبه الحصى، و يسمى حب الغمام و حب المزن، قيل و إنما سمي بَرَداً لأنه يبرد وجه الأرض.

قَوْلُهُ:

لٰا يَذُوقُونَ فِيهٰا بَرْداً وَ لٰا شَرٰاباً

[78/ 24] يُرِيدُ النَّوْمَ وَ الْمَاءَ-

قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

، و‌

قِيلَ لٰا يَذُوقُونَ

فِي جَهَنَّمَ

بَرْداً

يَنْفَعُهُمْ مِنْ حَرِّهَا

وَ لٰا شَرٰاباً

يَنْفَعُهُمْ مِنْ عَطَشِهَا

(2)

و البَرْدُ: خلاف الحَرِّ. كما أن البُرُودَةَ

____________

(1). معاني الأخبار ص 45- 47.

(2). هذا الكلام كله منقول من مجمع البيان ج 5 ص 246.

12

خلاف الحرارة. و بَرَدَ الماء كنَصَرَ و كَرُمَ بُرُودَةً: سكنت حرارته. و عيش بَارِدٌ: أي هني‌ء.

وَ فِي الْحَدِيثِ

"

أَبْرِدُوا

بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ"

(1)

قيل هو من الإِبْرَادِ الذي هو انكسار الوَهَج و الحر، أعني الدخول في البرد، و المعنى صَلُّوهَا في أول وقتها من بَرْدِ النهار أوله، و هو الأقرب لأن الصلاة مما أمر الإنسان بتعجيلها و المحافظة عليها. و مثله‌

الْحَدِيثُ

" إِنَّ الْمُؤَذِّنَ يَأْتِي النَّبِيَّ ص فِي الْحَرِّ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص

أَبْرِدْ

أَبْرِدْ"

(2)

يعني عَجِّلْ عَجِّلْ. قال الصدوق (ره): و أخذ ذلك من التَّبْرِيدِ يعني الدخول في البرد، لأن من عجل بصلاته في أول وقتها فقد سلم من الوهج و الحر، قيل و هذا أولى من حمل أَبْرِدْ أبرد على التأخير لمنافاته المحافظة على الصلاة و تعجيلها أول الوقت. و‌

فِيهِ

" أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ

إِبْرَادُ

كَبِدٍ حَرَّى"

(3)

أي تبريد وهجها و حرارتها. و‌

فِيهِ

" الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ

الْبَارِدَةُ

"

أي التي لا تعب فيها و لا نصب و العرب تصف سائر ما يستلذ بِالْبُرُودَةِ، و يشهد لذلك‌

قَوْلُهُ ع

" مَنْ وَجَدَ

بَرْدَ

حُبِّنَا عَلَى قَلْبِهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ"

أراد لذاذة حبنا، و المعنى أن الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن يمسه العطش أو تصيبه لذعة الجوع. و‌

فِيهِ

" إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ زَوْجَتَهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ

بَرْدَ

مَا فِي نَفْسِهِ"

روي بالموحدة من البرد، أي إنه يبرد له ما تحركت به نفسه من حد شهوة الجماع، أي يسكنه و يجعله باردا. و‌

فِيهِ

" لَا

تُبَرِّدْ

لِلْوَارِثِ عَلَى ظَهْرِكَ"

قيل معناه لا تشقى و يسعد غيرك، يفسره‌

قَوْلُهُ ع

" إِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ: إِمَّا رَجُلٍ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَيَسْعَدُ

____________

(1). سفينة البحار ج 1 ص 68.

(2). من لا يحضر ج 1 ص 144.

(3). الكافي ج 4 ص 56.

13

بِمَا شَقِيتَ، وَ إِمَّا رَجُلٍ يَعْمَلُ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ، وَ لَيْسَ مِنْ هَذَيْنِ أَحَدٌ [بِأَهْلٍ] بِأَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَ لَا تُبَرِّدْ لَهُ عَلَى ظَهْرِكَ.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ص فِي

بَرْدِ

الْعَيْشِ"

أي في طيب العيش. و بَرَّدْتُ الشي‌ءَ تَبْرِيداً، و لا يقال أَبْرَدْتُهُ إلَّا في لغة ردية قاله الجوهري. و" البُرْدُ" بالضم فالسكون: ثوب مخطط، و قد يقال لغير المخطط أيضا، و جمعه بُرُودٌ و أَبْرَادٌ، و منه‌

الْحَدِيثُ

" الْكَفَنُ يَكُونُ

بُرْداً

، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُرْداً فَاجْعَلْهُ كُلَّهُ قُطْناً"

(1)

و البُرْدَةُ: كساء أسود مربع فيه صغر يكتسيه الأعراب. و" أبو بُرْدَةَ" من كنى الرجال، و منه أبو بُرْدَةَ بن قيس الأشعري أخو موسى الأشعري اسمه عامر بن قيس بن سليم. و" بُرْدَةُ" اسم أحد الأوصياء الذي انتقلت منه الوصية إلى محمد ص. و بُرَيْدٌ مصغرا: اسم رجل. و" البَرِيدُ" بالفتح على فعيل أربعة فراسخ اثنا عشر ميلا، و روي فرسخين ستة أميال، و المشهور الذي عليه العمل خلافه.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّادِقِ ع

"

الْبَرِيدُ

مَا بَيْنَ ظِلِّ عَيْرٍ إِلَى فَيْ‌ءِ وُعَيْرٍ ذَرَعَتْهُ بَنُو أُمَيَّةَ ثُمَّ جَزَّءُوهُ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا فَكَانَ كُلُّ مِيلٍ أَلْفاً وَ خَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَ هُوَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ".

وَ فِي الْحَدِيثِ

" حَرَمُ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ الْمَدِينَةِ

بَرِيدٌ

فِي بَرِيدٍ"

(2)

و مثله‌

" الْحَرَمُ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ".

و حينئذ فيكون طول الحرم أربعة فراسخ و عرضه كذلك، و هو من جانب مكة الشرقي أكثر من الغربي، لأن إشراق نور الحجر كان أكثر إلى جانب المشرق. و البَرِيدُ: الرسول، و‌

مِنْهُ

" الْحُمَّى

بَرِيدُ

الْمَوْتِ".

و في الفائق و غيره: البَرِيدُ في الأصل‌

____________

(1). الكافي ج 3 ص 149.

(2). من لا يحضر ج 2 ص 336.

14

البغل، و هي كلمة فارسية و أصلها" بُرِيدَه‌دُمْ" أي محذوف الذنب، لأن بغال البَرِيدِ كانت محذوفة الأذناب، فأعربت الكلمة و خففت ثم سمي الرسول الذي يركبه بَرِيداً، ثم سميت المسافة به، و الجمع بُرُدٌ بضمتين.

وَ فِي الْحَدِيثِ

:" آخِرُ الْعَقِيقِ

بَرِيدُ

أَوْطَاسٍ"

لعله اسم موضع. و" البَرْدِيُّ" بالفتح فالسكون نبات معروف في العراق، و بالضم ضرب من أجود التمر. و" البَرَّادَةُ" بالتشديد: السقاية، و سمي المُبَرِّدُ النحوي بذلك لأنه كان يدرس بها، و كنية المُبَرِّدِ أبو العباس و كان في زمن المتوكل (1) و البَرْدَانِ: العصران، و هما الغداة و العشي، يعني طرفي النهار، و يقال ظِلَّاهما و" البَرَدَان" بالتحريك: موضع (2)

وَ فِي الْخَبَرِ

" الْبِطِّيخُ يَقْطَعُ

الْإِبْرِدَةَ

"

بكسر الهمزة: علة معروفة من غلبة البرد و الرطوبة تفتر عن الجماع- قاله في النهاية. و‌

فِيهِ

" كَانَ يَكْتَحِلُ

بِالْبَرُودِ

"

و هو بالفتح: كحل فيه أشياء باردة.

(برجد)

البُرْجُدُ: كساء غليظ- قاله الجوهري‌

وَ

البَرَاجِدُ

: الْحَوَائِطُ السَّبْعَةُ الَّتِي وَصَّتْ بِهَا فَاطِمَةُ ع.

(بعد)

قوله تعالى: بٰاعِدْ بَيْنَ أَسْفٰارِنٰا [34/ 19] هو المُبَاعَدَةُ نقيض المقاربة.

رُوِيَ هُوَ

أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانَ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ وَ أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ، فَكَفَرُوهَا وَ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ

عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ

فَفَرَّقَ قُرَاهُمْ وَ أَخْرَبَ دِيَارَهُمْ وَ أَذْهَبَ أَمْوَالَهُمْ.

قوله: بَعِدَتْ ثَمُودُ [11/ 95]

____________

(1). توفي المبرد في سنة 285 ه‍ ببغداد و دفن في مقبرة باب الكوفة في دار اشتريت له- انظر الكنى و الألقاب ج 3 ص 113.

(2). ذكر ياقوت في معجم البلدان ج 1 ص 375 مواضع كثيرة تعرف بالبردان.

15

أي هلكت، يقال بَعِدَ بالكسر يَبْعَدُ إذا هلك، و بَعُدَ يَبْعُدُ بالضم من البعد. قوله: رَجْعٌ بَعِيدٌ [50/ 3] قيل هذا البعيد يعنون البعث. قوله: يُنٰادَوْنَ مِنْ مَكٰانٍ بَعِيدٍ [41/ 44] قيل أي بعيد من قلوبهم و بَعْد: خلاف قَبْل. قال تعالى: لِلّٰهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [30/ 4] أي قبل الفتح و بعده، و قد يكون بمعنى مع مثل قوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِكَ زَنِيمٍ [68/ 13] أي مع ذلك. قوله: وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا أي مع ذلك، و قيل بَعْد على أصلها لما‌

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ

: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ فَ‍

قَدَّرَ فِيهٰا أَقْوٰاتَهٰا

وَ لَمْ يَدْحُهَا، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ

بَعْدِهَا

.

قوله: لَفِي شِقٰاقٍ بَعِيدٍ* [41/ 52] قيل أي يتباعد بعضهم في ميثاقه بعض.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" أَيُّ قَاضٍ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَخْطَأَ سَقَطَ

أَبْعَدَ

مِنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ"

(1)

قيل يعني سقط عن درجة أهل الثواب سقوطا أبعد مما بين السماء و الأرض، فأبعد صفة مصدر، أي سقوطا بعيد المبتدإ و المنتهى. و مثله‌

" يَهْوِي بِهِ

أَبْعَدَ

مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ".

وَ فِي الْحَدِيثِ

" مَنْ فَعَلَ كَذَا

تَبَاعَدَتْ

عَنْهُ النَّارُ مَسِيرَةَ سَنَةٍ"

قيل هو إشارة إلى يوم القيامة يوم العبور على الصراط و الورود على النار.

وَ فِي الدُّعَاءِ

"

بَاعِدْ

بَيْنِي وَ بَيْنَ خَطَايَايَ"

أي إذا قدرت لي ذنبا و خطيئة فَبَعِّدْ بيني و بينه و اغفر لي خطاياي السالفة مني.

وَ فِي حَدِيثِ الْخَلَاءِ

" إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ

أَبْعَدَ

"

يعني تباعد عن النظارة إليه. قال ابن قتيبة نقلا عنه: أَبْعَدَ يكون لازما و يكون متعديا، فاللازم أَبْعَدَ زيد عن المنزل بمعنى تباعد، و المتعدي أَبْعَدْتُهُ و الأَبْعَدُ خلاف الأَقْرَبِ، و البُعْدُ نقيض القُرْبِ. و البُعْدُ: المسافة. و التَّبَاعُدُ: نقيض التَّقَارُبِ.

____________

(1). الكافي ج 7 ص 408.

16

و بَعَّدَهُ بالتشديد بمعنى أَبْعَدَهُ، و اسْتَبْعَدَهُ نقيض اسْتَقْرَبَهُ. و أمر بَعِيدٌ: لا يقع مثله لعظمه. و تنح غير بَعِيدٍ: أي كن قريبا. و" بَعْدُ" ظرف مبهم من ظروف الزمان لا يفهم معناه إلا بالإضافة لغيره، و هو زمان متراخ عن السابق، فإذا قرب منه قيل بُعَيْدَة بالتصغير، كما يقال قبل العصر فإذا قرب قيل قبيل العصر. و قد تكرر في كلام الفصحاء" أَمَّا بَعْدُ" و هي كلمة تسمى فصل الخطاب، يستعملها المتكلم إذا أراد الانتقال من كلام إلى آخر. قيل: أول من تكلم بها داود، و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ آتَيْنٰاهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطٰابِ يعني أَمَّا بَعْد، و‌

قِيلَ

أَرَادَ بِفَصْلِ الْخَطَّابِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ

، و قيل أول من قالها علي (ع) لأنها أول ما عرفت من كلامه و خطبه، و قيل قس بن ساعدة الإيادي حكيم العرب، لقوله:

لقد علم الحي اليمانون أنني * * * إذا قيل أما بَعْدُ أني خطيبها

أي خطيب أما بعد، و معناها مهما يكن من شي‌ء بعد كذا فكذا.

(بغدد)

" بَغْدَادُ" اسم البلدة المشهورة، تذكر و تؤنث، و الدال الأولى مهملة و في الثانية لغات ثلاث: دال مهملة و هو الأكثر، و نون، و ذال معجمة (1) قال في المصباح و هي إسلامية و بانيها المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس ثاني الخلفاء العباسيين، بناها لما تولى الخلافة بعد أخيه السفاح و كانت ولاية المنصور المذكور في ذي الحجة سنة ست و ثلاثين و مائة و توفي في ذي الحجة سنة ثمان و خمسين و مائة.

(بلد)

قوله تعالى: وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [7/ 58] الآية.

____________

(1). ذكر في معجم البلدان ج 1 ص 459 لبغداد سبع لغات: بغداد، بغدان، بغداذ، مغداد، مغداذ، مغدان.

17

قال المفسر: معناه و الأرض الطيب ترابه يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ أي زرعه خروجا حسنا ناميا زاكيا من غير كد و لا عناء بِإِذْنِ رَبِّهِ بأمر الله تعالى وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً أي الأرض السبخة التي خبث ترابها لا يخرج ريعها إلا شيئا قليلا (1) قوله: وَ هٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [95/ 3]

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ

: يَعْنِي مَكَّةَ

الْبَلَدَ

الْحَرَامَ يَأْمَنُ فِيهِ الْخَائِفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْإِسْلَامِ، فَالْأَمِينُ يَعْنِي الْمُؤَمَّنُ يُؤْمَنُ مَنْ يَدْخُلُهُ-

كَذَا رَوَاهُ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) (2)

و" البَلَدُ" يذكر و يؤنث، و الجمع بُلْدَانٌ. و البَلْدَةُ: البلد، و الجمع بِلَادٌ مثل كلبة و كلاب. و يطلق البَلْدَةُ و البِلَادُ على كل موضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، و منه قوله تعالى: إِلىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ [35/ 9] أي إلى أرض ليس فيها نبات و لا مرعى فيخرج ذلك بالمطر فترعاه أنعامهم، فأطلق الموت على عدم النبات و المراعي، و أطلق الحياة على وجودهما.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" أَعُوذُ بِكَ مِنْ سَاكِنِي الْبَلَدِ"

يريد بِالْبَلَدِ الأرض التي هي المأوى للحيوان و الجن و إن لم يكن فيها بناء، و أراد بالساكنين الجن لأنهم سكان الأرض و بَلُدَ الرَّجُلُ بالضم بَلَادَةً فهو بَلِيدٌ: إذا كان غير ذكي و لا فطن. و البَلَادَةُ: نقيض النفاذ و المضي في الأمر. و التَّبَلُّدُ: ضد التجلد. و منه‌

الْحَدِيثُ

" أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ التَّجَلُّدَ قَبْلَ

التَّبَلُّدِ

"

و لعل معناه أن الإنسان إذا تجلد و تصبر على الأمر وصل إلى الراحة التي هي عدم التبلد. و الله أعلم. و" إبراهيم بن أبي البِلَادِ" باللام المخففة و الباء الموحدة من رواة الحديث (3)

____________

(1). مجمع البيان ج 5 ص 432.

(2). مجمع البيان ج 2 ص 511.

(3). اسم أبي البلاد يحيى بن سليم و قيل ابن سليمان مولى بني عبد الله بن غطفان، و يكنى إبراهيم أبا يحيى، كان ثقة قارئا أديبا- انظر رجال النجاشي ص 18.

18

(بيد)

قوله تعالى: تَبِيدَ [18/ 35] أي تهلك، يقال بَادَ الشي‌ء يَبِيدُ بَيْداً و بُيُوداً: هلك. و منه" أَبَادَهُمُ الله" أي أهلكهم. و البَيْدَاءُ: المفازة لا شي‌ء بها. و" البِيدُ" بالكسر جمع البيداء. و" البَيْدَاءُ" أرض مخصوصة بين مكة و المدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكة، كأنها من الإِبَادَةِ و هي الإهلاك.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي

الْبَيْدَاءِ

"

(1)

و علل بأنها من الأماكن المغضوب عليها. و‌

فِيهِ

:" إِنَّ قَوْماً يَغْزُونَ الْبَيْتَ فَإِذَا نَزَلُوا فِي

الْبَيْدَاءِ

بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جَبْرَئِيلَ فَيَقُولُ

بَيْدَاءُ أَبِيدِيهِمْ

"

أي أهلكيهم فتخسف بهم. و‌

فِيهِ

"

الْبَيْدَاءُ

هِيَ ذَاتُ الْجَيْشِ"

. و‌

فِي آخَرَ

" قُلْتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ

الْبَيْدَاءِ

؟ قَالَ: كَانَ جَعْفَرٌ إِذَا بَلَغَ ذَاتَ الْجَيْشِ جَدَّ فِي السَّيْرِ ثُمَّ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَ مُعَرَّسَ النَّبِيِّ ص. قُلْتُ: وَ أَيْنَ حَدُّ ذَاتِ الْجَيْشِ؟ فَقَالَ: دُونَ الْحَفِيرَةِ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ"

. و بَيْدَ بمعنى غير- قاله الجوهري و غيره، و منه‌

قَوْلُهُ ص

" أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ

بَيْدَ

أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ"

(2)

و من كلامهم" هو كثير المال بَيْدَ أَنَّهُ بخيل".

باب ما أوله التاء

(تأد)

التُّؤَدَةُ: التأني و الرزانة ضد التسرع و‌

مِنْهُ

" صَلِّ عَلَى

تُؤَدَةٍ

"

أي من غير استعجال.

(تلد)

التَّالِدُ: المال القديم الأصلي الذي ولد عندك، و كذلك التِّلَادُ و الإِتْلَادُ،

____________

(1). الكافي ج 3 ص 389.

(2). سفينة البحار ج 2 ص 361.

19

يقال يَتْلِدُ المالُ من باب ضرب تُلُوداً قدم فهو تَالِدٌ. و منه‌

حَدِيثُ الْأَئِمَّةِ

أَئِمَّةٌ مِنَ اللَّهِ يَنْمُو بِبَرَكَتِهِمُ التِّلَادُ".

و التَّلِيدَةُ: من ولدت ببلاد العجم ثم حملت صغيرة فشبت ببلاد الإسلام. و منه‌

حَدِيثُ شُرَيْحٍ

فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً وَ شَرَطُوا أَنَّهَا مُوَلَّدَةٌ فَوَجَدُوهَا

تَلِيدَةً

فَرَدَّهَا.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" عَلَيْكَ

بِالتِّلَادِ

وَ إِيَّاكَ وَ كُلَّ مُحْدَثٍ لَا عَهْدَ لَهُ وَ لَا أَمَانَةَ وَ لَا ذِمَّةَ وَ لَا مِيثَاقَ"

قيل يريد بِالتِّلَادِ الصاحب القديم المجرب و بالمحدث المتجدد و لم يتصف بصفات الكمال.

باب ما أوله الثاء

(ثرد)

فِي حَدِيثِ الْأَطْعِمَةِ

" مَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ

الثَّرِيدِ

"

(1)

و‌

" بَارَكَ اللَّهُ لِأُمَّتِي فِي

الثَّرْدِ

وَ

الثَّرِيدِ

"

فعيل بمعنى مفعول، يقال ثَرَدْتُ الخبز ثَرْداً: أي فتته و كسرته، فهو ثَرِيدٌ، و الاسم الثُّرْدَةُ بالضم. قيل و يريد بِالثَّرْدِ هنا ما صغر و بِالثَّرِيدِ ما كبر (2).

(ثمد)

قوله تعالى: وَ إِلىٰ ثَمُودَ أَخٰاهُمْ صٰالِحاً* [7/ 73] ثَمُودُ قبيلة من العرب الاولى، و هم قوم صالح ع، و صالح من ولد ثمود سموا باسم أبيهم الأكبر ثَمُودُ بن عاثر بن آدم بن سام ابن نوح، يصرف و لا يصرف، فمن جعله اسم حي أو واد صرفه لأنه مذكر، و من جعله اسم قبيلة أو أرض لم يصرفه.

____________

(1). الكافي ج 6 ص 317.

(2). هذا المعنى مذكور في حديث عن الإمام الصادق ع- انظر الكافي ج 6 ص 317.

20

و" أرض ثَمُودَ" قريبة من تبوك.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" مَنْ لَمْ يَأْخُذِ الْعِلْمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص يَمُصُّونَ

الثِّمَادَ

وَ يَدَعُونَ النَّهَرَ الْعَظِيمَ"

الثِّمَادُ، هو الماء القليل الذي لا مادة له، و الكلام استعارة. و" الإِثْمِدُ" بكسر الهمزة و الميم: حجر يكتحل به، و يقال إنه معرب و معادنه بالمشرق. و منه‌

الْحَدِيثُ

" اكْتَحِلُوا

بِالْإِثْمِدِ

"

(1)

و عن بعض الفقهاء الإِثْمِدُ هو الأصفهاني، و لم يتحقق.

(ثند)

فِي وَصْفِهِ

" عَارِيَ الثُّنْدُوَتَيْنِ"

الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة، فمن ضم الثاء همز و من فتح لم يهمز، أراد أنه لم يكن على ذلك الموضع منه كثير لحم.

باب ما أوله الجيم

(جحد)

قوله تعالى: وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ [27/ 14] أي جحدوا بالآيات بألسنتهم و استيقنوها في قلوبهم. و الاستيقان أبلغ من الإيقان. و الجحود هو الإنكار مع العلم، يقال جحد حقه جحدا و جحودا: أي أنكره مع علمه بثبوته. قوله: يَجْحَدُونَ* [6/ 33] أي ينكرون ما تستيقنه قلوبهم.

(جدد)

قوله تعالى: جُدَدٌ بِيضٌ [35/ 27] جدد الجبال- بضم الجيم- طرائقها، واحدتها جدة بالضم أيضا. قوله تعالى: جَدُّ رَبِّنٰا [72/ 3] أي عظمة ربنا، من قولهم" جد الرجل في صدور الناس و في عيونهم" عظم. و عن أبي عبيدة جَدُّ رَبِّنٰا أي سلطانه يقال زال جد القوم: أي زال ملكهم.

____________

(1). مكارم الأخلاق ص 49.

21

وَ فِي الْحَدِيثَ

" تَبَارَكَ اسْمُكَ وَ تَعَالَى

جَدِّكَ

"

أي جلالك و عظمتك، و المعنى تعاليت بجلالك و عظمتك أن توصف بما لا يليق لك. و‌

فِيهِ

" لَا يَنْفَعُ ذَا

الْجَدِّ

مِنْكَ

الْجَدِّ

"

أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، و إنما ينفعه العمل بطاعتك، و" منك" معناه عندك، و قيل المراد بالجد الحظ، و هو الذي يسميه العامة البخت. و‌

مِنْهُ

" أتعس اللَّهِ

جدودكم

"

أي أهلك حظوظكم. و‌

مِثْلَهُ

" عَيْبِكَ مَسْتُورٌ مَا أَسْعَدَ

جَدِّكَ

"

(1)

أي بختك. و الجد: أب الأب و أب الأم و إن علا. و الجد بالسير: الإسراع فيه و الاهتمام بشأنه، يقال جد بسيره إذا اجتهد فيه. و" الجد" بالكسر هو الاجتهاد خلاف التقصير، يقال جد يجد من بابي ضرب و قتل، و الاسم الجد بالكسر. و منه‌

الْحَدِيثَ

" إِذَا مَاتَ الْمَيِّتِ

فَجِدَّ

فِي جَهَازِهِ وَ عَجَّلَ فِي تَجْهِيزَهُ وَ لَا تَقْصُرَ وَ لَا تُؤَخِّرْهُ".

و جد في الكلام يجد جدا- من بابي ضرب و قتل-: هزل، و الاسم منه" الجد" بالكسر أيضا. و فلان محسن جدا: أي نهاية و مبالغة.

وَ فِي دُعَاءً الِاسْتِسْقَاءِ

" اسْقِنَا مَطَراً جِدّاً طَبَقاً".

و فسر الجد بالمطر العام. و الجد- بالضم و التشديد-: شاطى‌ء النهر، و كذا الجدة. قيل و به سميت الجدة جدة أعني المدينة التي عند مكة لأنها ساحل البحر. و منه‌

الْخَبَرَ

" كَانَ يَخْتَارُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَدِّ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ".

و الجدة بالضم: الطريق، و الجمع جدد مثل غرفة و غرف. و الجادة: وسط الطريق و معظمه الذي يجمع الطرق، و لا بد من المرور عليه، و الجمع جواد مثل دابة و دواب. و طريق جدد: أي سهل. و الجدد: الأرض الصلبة التي يسهل المشي فيها.

____________

(1). نهج البلاغة ج 3 ص 163.

22

و الجدد بالتحريك: المستوي من الأرض. و‌

مِنْهُ

" أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُمْشَى بِهِ عَلَى جَدَدِ الْأَرْضِ".

و من أمثالهم" من سلك الجدد أمن من العثار" أي المستوي منها. و الجداد- بالفتح و الكسر- صرام النخل، و هو قطع ثمرتها، يقال جد الثمرة يجدها جدا من باب قتل: قطعها. و جد الشي‌ء: قطعه، فهو جديد فعيل بمعنى مفعول. و" هذا زمن الجداد" بالفتح و الكسر. و تجدد الضرع: يبس لبنه. و منه‌

الْخَبَرَ

" لَا تَصِحُّ

بجدا

"

و هي التي لا لبن لها من كل حلوبة لأنه أيبست ضرعها.

وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع

" مَنْ

جَدَّدَ

قَبْراً أَوْ مَثَّلَ مِثَالًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ"

قال الصدوق: و اختلف مشايخنا في معناه فقال محمد بن الحسن الصفار هو جدد بالجيم لا غير، و كان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد يحكى عنه أنه قال: لا يجوز تجديد القبر و لا تطيين جميعه بعد مرور الأيام و بعد ما طين في الأول، و ذكر عن سعد بن عبد الله أنه كان يقول: إنما هو‌

" مَنْ حَدَّدَ قَبْراً"

بالحاء المهملة يعني به من سنم قبرا، و ذكر عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي أنه قال: إنما هو‌

" مَنْ جَدَّثَ قَبْراً"

و تفسير الجدث القبر فلا ندري ما عنى به، و الذي أذهب إليه أنه جدد بالجيم و معناه نبش قبرا لأن من نبش قبرا فقد جدده و أحوج إلى تجديده، و قد جعله جدثا محضورا. ثم قال: أقول إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الصفار و التحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله و الذي قاله البرقي من أنه جدث كله داخل في معنى الحديث، و أن من خالف الإمام في التجديد و التسنيم و النبش و استحل شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام. و الذي أقول في‌

قَوْلِهِ ع

" مَنْ مَثَّلَ مِثَالًا"

يعني به من أبدع بدعة و دعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الإسلام- انتهى. و جديد الأرض: وجهه، و منه قولهم‌

23

" جلاه عن جديد الأرض" أي نفاه عنها. و الجديد: نقيض البالي. و جد الشي‌ء يجد بالكسر فهو جديد، و هو خلاف القديم. و جدد فلان الأمر و استجده: إذا أحدثه، فهو جديد و هو خلاف القديم. و الجديدان: الليل و النهار. و منه قول الدريدي:

إن الجديدين إذا ما استوليا * * * على جديد أسلماه للبلى

(جرد)

قوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدٰاثِ كَأَنَّهُمْ جَرٰادٌ مُنْتَشِرٌ [54/ 7] الجراد بالفتح مشهور، الواحدة جرادة بالفتح أيضا، تقع على الذكر و الأنثى كالجماعة، سمي بذلك لأنه يجرد الأرض، أي يأكل ما عليها، يقال إنه يتولد من الحيتان كالديدان فيرميه البحر إلى الساحل، يشهد له‌

حَدِيثٍ ابْنِ عَبَّاسٍ" الْجَرَادِ

نَثْرَةٌ حُوتٍ"

أي عطسته. قيل وجه التشبيه في الآية أنهم يخرجون حيارى فزعين لا يهتدون و لا جهة لأحد منهم يقصدونها، كالجراد لا جهة له، فيكون أبدا بعضه على بعض. قوله: فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمُ الطُّوفٰانَ وَ الْجَرٰادَ [7/ 133] فأكل عامة زروعهم و ثمارهم و أوراق الشجر حتى أكل الأبواب و سقوف البيوت و الخشب و الثياب و الأمتعة و مسامير الأبواب من الحديد حتى وقعت دورهم و ابتلوا بالجوع، فكانوا لا يشبعون و لم يصب بني إسرائيل شي‌ء من ذلك. و جردت الشي‌ء جردا من باب قتل: أزلت ما عليه. و جردته من ثيابه بالتثقيل: نزعتها عنه، و تجرد هو منها.

وَ فِي حَدِيثٍ حَمْزَةَ عَمٍّ النَّبِيِّ ص

" وَ قَدْ كُفِّنَ بَعْدَ قَتَلَهُ لِأَنَّهُ

جَرَّدَ

مِنْ ثِيَابِهِ"

أي سلبها. و المجرد: المسلوب الثياب.

وَ فِي وَصَفَهُ ع

" أَنَّهُ أَجْرَدَ ذُو مسربة"

الأجرد الذي لا شعر له على بدنه و لم يكن كذلك، و إنما أراد به أن الشعر كان في أماكن من جسده كالمسربة و الساعدين و الساقين، و الأشعر ضد‌

24

الأجرد. و التجرد: التعري، و منه" تجرد لإحرامه" أي تعرى عن المخيط.

وَ فِي وَصَفَهُ ع

" كَانَ أَبْيَضَ

المتجرد

"

معناه نير الجسد الذي تجرد منه الثياب.

وَ فِي حَدِيثٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ" جُرْدٌ

مَرَدَّ"

أي لا شعر في أجسادهم. و الشاب الأجرد: الذي لا شعر له. و الجريد: هو سعف النخل بلغة أهل الحجاز، الواحدة جريدة فعيلة بمعنى مفعولة، سميت بذلك لتجريد خوصها عنها. و منه‌

الْخَبَرَ

" كَتَبَ الْقُرْآنِ فِي جَرَائِدِ".

و فيه ذكر" الجارودية" و هم فرقة من الشيعة ينسبون إلى الزيدية و ليسوا منهم، نسبوا إلى رئيس لهم من أهل خراسان يقال له أبو الجارود زياد بن أبي زياد. و عن بعض الأفاضل هم فرقتان: فرقة زيدية و هم شيعة، و فرقة بترية و هم لا يجعلون الإمامة لعلي بالنص بل عندهم هي شورى، و يجوزون تقديم المفضول على الفاضل فلا يدخلون في الشيعة. و" الجارود العبدي" رجل من عبد القيس و اسمه بشر بن عمرو، و لقب بذلك لأنه أصاب إبله داء فخرج بها إلى أخواله ففشا ذلك الداء في إبلهم فأهلكها، فضربت به العرب في الشؤم. و انجرد الثوب: انسحق و لان، و منه‌

" كَانَ صَدَاقُ فَاطِمَةَ (ع)

جَرْدَ

بُرْدِ حِبَرَةٍ وَ دِرْعَ حُطَمِيَّةٍ"

(1)

و جرد قطيفة انجرد خملها و خلقت.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" السَّوِيقُ

يَجْرُدُ

الْمِرَّةَ وَ الْبَلْغَمَ مِنَ الْمَعِدَةِ

جَرْداً

"

(2)

أي يذهبها و لا يدع منهما شيئا. و سلامة بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز أم علي بن الحسين ع‌

(جسد)

قوله تعالى: وَ أَلْقَيْنٰا عَلىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً [38/ 34] الآية. اختلف في الجسد الذي ألقي على كرسيه على أقوال أجودها‌

أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ وُلِدَ فاسترضعه الْمُزْنِ

____________

(1). الكافي ج 5 ص 378.

(2). الكافي ج 6 ص 306.

25

إِشْفَاقاً عَلَيْهِ مِنْ كَيْدَ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ يُشْعِرُ إِلَّا وَ قَدْ وَضَعَ عَلَى كُرْسِيَّهُ مَيِّتاً تَنْبِيهاً عَلَى أَنْ الْحَذَرِ لَا يَدْفَعُ الْقَدْرِ.

قوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً* [7/ 148] أي ذا جسد، أي صورة لا روح فيها إنما هو جسد فقط، أو جسدا بدنا ذا لحم و دم. قوله: وَ مٰا جَعَلْنٰاهُمْ جَسَداً لٰا يَأْكُلُونَ الطَّعٰامَ [21/ 8] أي و ما جعلنا الأنبياء ذي جسد غير طاعمين، و هذا رد لقولهم: مٰا لِهٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعٰامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْوٰاقِ. و الجسد من الإنسان: بدنه و جثته، و الجمع أجساد. و في كتاب الخليل لا يقال لغير الإنسان من خلق الأرض جسد، و كل خلق لا يأكل و لا يشرب نحو الملائكة و الجن فهو جسد. و عن صاحب البارع لا يقال الجسد إلا للحيوان العاقل و هو الإنسان و الملائكة و الجن، و لا يقال لغيره جسد.

(جعد)

شعر جعد: بين الجعودة. و الجعودة في الشعر: ضد السبوطة، يقال جعد الشعر- بضم العين و كسرها- جعودة: إذا كان فيه التواء و تقبض، فهو جعد، و ذلك خلاف المسترسل. و جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي هي التي سمت الحسن ع، و أخوها محمد بن الأشعث شرك في دم الحسين ع، و الأشعث أبوهما شرك في دم أمير المؤمنين ع‌

(جلد)

قوله تعالى: وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لٰا أَبْصٰارُكُمْ وَ لٰا جُلُودُكُمْ [41/ 22] روي أن المراد بالجلود الفروج، و مثله في القاموس. و الجلد- بالكسر فالإسكان- واحد الجلود من الغنم و البقر و الإنسان و نحوها.

قَوْلِهِ

:" يَمْسَحُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ

جِلْدِهِ

"

أي جسده. و تجالد القوم بالسيوف و اجتلدوا: أي ضرب بعضهم بعضا. و جلدت الجاني جلدا- من باب ضرب- ضربته بالمجلد بكسر الميم، و هو السوط.

26

و يجتلدون على الأذان: يتضاربون عليه و يتقاتلون. و الجلاد هو الضرب بالسيف و السوط و نحوه إذا ضربته، و منه‌

قَوْلِهِ

" دَعَوْنِي أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلَادِ فَلِأُمِّهِمُ الْهَبَلُ".

و المجالدة: المضاربة. و الجلد: القوي الشديد و الجلد بالتحريك: الصلابة. و الجلد: الصلب من الأرض المستوي. و التجلد: تكلف الجلادة، و‌

مِنْهُ

" عَفَا عَنْكَ تَجَلُّدِي".

و الجليد: الماء الجامد من البرد، و منه‌

الْحَدِيثَ

" حُسْنِ الْخَلْقِ يَمِيثُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تَمِيثُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ"

(1)

و مكان جليد: صلب غير رخو. و" جلود" بإسكان اللام قرية بالأندلس. و" الجلودي" من الرواة منسوب إليها. و في القاموس جلود كقبول قرية بالأندلس، و الجلودي رواية مسلم بالضم لا عين، و وهم الجوهري في قوله" و لا تقل الجلودي" (2).

(جلمد)

الجلمد و الجلمود- كجعفر و عصفور- الصخر، ميمه زائدة.

(جمد)

" الجمد" بالفتح فالسكون: ما جمد من الماء و غيره، يقال جمد الماء و غيره جمدا من باب قتل و جمودا خلاف ذاب. و" الجمد" بالتحريك جمع جامد مثل خدم و خادم. و الجماد بالفتح: الأرض التي لم يصبها مطر. و سنة جماد: لا مطر فيها. و" جمدى" أحد فصول السنة سمي بذلك لمصادفته أيام الشتاء حين جمد الماء و كذا الثاني،

____________

(1). الكافي ج 2 ص 100.

(2). في معجم البلدان ج 2 ص 156: هي بلدة بإفريقية، و قال علي بن حمزة البصري: سألت أهل إفريقية عن جلود فلم يعرفها أحد من الشيوخ. قال: و الصحيح أن جلود قرية بالشام.

27

و يقال جمادى بما فيها، ثم قال: فإن جاء تذكير جمادى في الشعر فهو ذهاب إلى معنى الشهر كما قالوا هذه ألف درهم على معنى هذه الدراهم، و عن الزجاج جمادى غير مصروفة للتأنيث و العلمية، و جمع جمادى جماديات على لفظها و الأولى و الآخرة صفة لها. و الآخرة بمعنى المتأخرة. و جمدت عينه: قل ماؤها، كناية عن قسوة القلب. و" عين جمود" بالفتح: لا دمع لها. و جمد كفه: كناية عن البخل.

وَ فِي الْخَبَرِ

" إِذَا وَقَعَتْ

الجوامد

فَلَا شُفْعَةَ"

يريدون الحدود ما بين الملكين.

(جند)

قوله تعالى: وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّٰا هُوَ [74/ 31] أي خلق ربك الذي خلقهم. نقل عن الفخر الرازي في كتاب جواهر القرآن أنه قال: اعلم أن الملائكة في الكثرة أضعاف خلق الله من أصناف العالم،

فَقَدْ رُوِيَ

: أَنَّ بَنِي آدَمَ عَشَرَ الْجِنِّ، وَ الْجِنِّ وَ بَنِي آدَمَ عَشَرَ حيوانات الْبُحُورِ، وَ كُلِّهِمْ عَشَرَ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ الْمُوَكَّلِينَ فِيهَا، وَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَشَرَ مَلَائِكَةُ سَمَاءٍ الدُّنْيَا، وَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَشَرَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، وَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. ثُمَّ الْكُلَّ فِي مُقَابَلَةِ مَلَائِكَةُ الْكُرْسِيِّ قَلِيلٌ، ثُمَّ كُلِّ هَؤُلَاءِ عَشَرَ مَلَائِكَةُ سُرَادِقِ مِنْ سُرَادِقِ الْعَرْشِ الَّتِي عَدَدَهَا سِتَّمِائَةِ أَلْفَ سُرَادِقِ وَ عِرْضِهِ وَ سَمْكُهُ إِذَا قُوبِلَ بِالسَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَكُونُ شَيْئاً يَسِيراً وَ قَدْراً صَغِيراً، وَ مَا مَوْضِعٍ قَدِمَ إِلَّا وَ فِيهِ مَلَكٍ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَ التَّقْدِيسِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ كالقطرة فِي الْبَحْرِ لَا يَعْرِفُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ مَعَ مَلَائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هُمْ أشياع إِسْرَافِيلَ وَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ جُنُودَ جَبْرَئِيلُ (ع) قَلِيلٌ: سُبْحَانَهُ مَا أَعْظَمُ شَأْنِهِ فَ‍

مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّٰا هُوَ

.

ثُمَّ قَالَ الرَّازِيِّ أَيْضاً: رَأَيْتَ فِي بَعْضِ كَتَبَ التَّذْكِيرِ

أَنَّهُ حِينَ عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ص إِلَى السَّمَاءِ رَأْيِ الْمَلَائِكَةُ فِي مَوْضِعٍ بِمَنْزِلَةِ سُوقِ يَمْشِي بَعْضُهُمْ تُجَاهَ بَعْضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص:

28

إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ قَالَ جَبْرَئِيلُ: لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَرَاهُمْ مُنْذُ خَلَقْتُ وَ لَا أُرِيَ وَاحِداً مِنْهُمْ قَدْ رَأَيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ جَبْرَئِيلُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: مُنْذُ كَمْ خَلَقْتُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي غَيْرِ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقَ كَوْكَباً فِي كُلِّ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفَ سَنَةً. فَخَلَقَ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَوْكَبَ مُنْذُ خَلَقْتُ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفَ كَوْكَبٌ، فَسُبْحَانَهُ مِنْ آلِهِ مَا أَعْظَمُ قُدْرَتِهِ وَ أَجَلٍ سُلْطَانِهِ.

قوله: وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا [9/ 26] الجند الأنصار و الأعوان، و الجمع الجنود. قوله: وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ [26/ 95] أي ذريته من الشياطين.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" الْأَرْوَاحِ

جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ

فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ"

(1)

.

قوله" مجندة" أي مجموعة كما يقال ألوف مؤلفة و قناطر مقنطرة، و معناه الإخبار عن مبدإ كون الأرواح و تقدمها الأجساد، أي أنها خلقت أول خلقها من ائتلاف و اختلاف كالجنود، و المجموعة إذا تقابلت و تواجهت، و معنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة و الشقاوة و الاختلاف في مبدإ الخلق، يقال إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف و يختلف على حسب ما خلقت عليه، و لهذا ترى الخير يحب الأخيار و يميل إليهم و الشرير يحب الأشرار و يميل إليهم. و عن الشيخ المفيد المعنى فيه أن الأرواح التي هي البسائط تتناظر بالجنس و تتجادل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي و الهوى ائتلف، و ما تناكر منها بمباينة في الرأي و الهوى اختلف، و هذا موجود حسا و مشاهدة، و ليس يعني بذلك ما تعارف منها في الذر ائتلف كما يذهب إليه الحشوية، لما بيناه من أنه لا علم للإنسان بحال كان يعلمها قبل ظهوره في هذا العالم- انتهى كلامه، و فيه نظر.

(جود)

قوله تعالى وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [11/ 44] بتشديد الياء، و قرى‌ء بإرسالها‌

____________

(1). سفينة البحار ج 1 ص 536

29

تخفيفا، اسم للجبل الذي وضعت عليه سفينة نوح، قيل هو بناحية الشام أو آمد، و قيل بالموصل، و قيل بالجزيرة ما بين الدجلة و الفرات.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" هُوَ فُرَاتُ الْكُوفَةِ"

(1)

و هو الأصح. قوله و: الصّٰافِنٰاتُ الْجِيٰادُ [38/ 31] كأنها جمع جيد على فيعل، و هو خلاف الردي‌ء، و سيأتي معنى الصافنات.

وَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ حَفَرَ زَمْزَمَ

" فَرَأَى رَجُلًا يَقُولُ احْفِرْ تَغْنَمْ وَ جِدَّ تَسْلَمْ وَ لَا تَدَّخِرْهَا لِلْمَقْسَمِ"

يعني الميراث، كان المعنى جد في حفر البئر تسلم من الآفات و لا يصيبك في حفرها ضرر. و الجواد: الجيد للعدو، يقال جاد الفرس جودة- بالضم و الفتح- فهو جواد، و الجمع جياد، و سمي بذلك لأنه يجود بجريه، و الأنثى جواد أيضا. و" الجواد" من أسمائه تعالى‌

وَ فِي الْحَدِيثَ

سَأَلَ رَجُلٌ [أَبَا] الْحَسَنِ (ع) وَ هُوَ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ

الْجَوَادِ

؟ فَقَالَ ع: إِنْ لِكَلَامِكَ وَجْهَيْنِ، فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ

الْجَوَادَ

الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ، وَ الْبَخِيلُ الَّذِي يَبْخَلُ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَ إِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْخَالِقِ فَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ أَعْطَى وَ هُوَ الْجَوَادُ إِنْ مَنَعَ، لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى أَعْطَى عَبْداً أَعْطَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَ إِنْ مَنَعَ مَنَعَ مَا لَيْسَ لَهُ.

و الجواد: الذي لا يبخل بعطائه، و منه‌

الدُّعَاءِ

" أَنْتَ

الْجَوَادِ

الَّذِي لَا يَبْخَلُ".

وَ

" الْجَوَادِ

" مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) أَحَدٌ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وُلِدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَ تِسْعِينَ وَ مِائَةٍ، وَ قُبِضَ سَنَةً عِشْرِينَ وَ مِائَتَيْنِ وَ هُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً وَ شَهْرَيْنِ وَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً وَ دُفِنَ عِنْدَ جَدِّهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع، وَ مِنْ خَوَاصِّهِ (ع) أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الشِّيعَةِ فَسَأَلُوهُ عَنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ عَنْهَا وَ هُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، عَاشَ بَعْدَ أَبِيهِ تِسْعَةً عَشَرَ سَنَةً إِلَّا خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ يَوْماً.

و جاد الرجل يجود جودا بالضم من باب قال: تكرم، فهو جواد، و الجمع‌

____________

(1). البرهان ج 2 ص 218.

30

أجواد. و جاد بماله: بذله. و جاد بنفسه: سمح بها عند الموت، فكأنه يدفعها كما يدفع الإنسان ماله. و جاد و أجاد: أتى بالجيد من فعل أو قول. و جادت السماء علينا: أي أمطرت. و" الجود" بالفتح فالسكون: المطر الغزير أو ما لا مطر فوقه. و منه‌

الدُّعَاءِ

" وَ أَخْلَفَتْنَا مَخَائِلُ الْجَوْدِ".

و المخائل من أخالته السحاب و أخيلت و خايلت: إذا كانت ترجى المطر- قاله الجوهري.

(جهد)

قوله تعالى: وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ [22/ 78] أي في عبادة الله. قيل الجهاد بمعنى رتبة الإحسان. و هو أنك تعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، و لذلك قال حَقَّ جِهٰادِهِ أي جهادا حقا كما ينبغي بجذب النفس و خلوصها عن شوائب الرياء و السمعة مع الخشوع و الخضوع، و الجهاد مع النفس الأمارة و اللوامة في نصرة النفس العاقلة المطمئنة، و هو الجهاد الأكبر، و لذلك‌

وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ص

أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَقَالَ:" رَجَعْنَا مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ".

قوله: وَ الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ إِلّٰا جُهْدَهُمْ [9/ 79] قرى‌ء بفتح الجيم و ضمها: أي وسعهم و طاقتهم، و قيل المضموم الطاقة و المفتوح المشقة. قوله: جَهْدَ أَيْمٰانِهِمْ* [5/ 35] أي بالغوا في اليمين و اجتهدوا. قوله: وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا [29/ 69] قال الشيخ أبو علي: أي جاهدوا الكفار ابتغاء مرضاتنا و طاعة لنا و جاهدوا أنفسهم في هواها خوفا منا، و قيل معناه اجتهدوا في عبادتنا رغبة في ثوابنا و رهبة من عقابنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا أي لنهدينهم السبل الموصلة إلى ثوابنا، و قيل لنوفقنهم لازدياد الطاعات ليزداد ثوابهم، و قيل معناه و الذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة، و قيل‌

31

معناه و الذين يعلمون بما يعملون لنهدينهم إلى ما لا يعلمون (1) قوله: وَ جٰاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [5/ 35] أي في طريق دينه مع أعدائه، قيل أمر الله بالجهاد في دين الله لأنه وصلة إلى ثوابه. قوله: فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقٰاعِدِينَ دَرَجَةً [4/ 95] معناه- على ما ذكر في التفاسير- هو أن الله فضل المجاهدين على القاعدين عن الجهاد من أولي الضرر- أعني المرض و العاهة من عمى و عرج أو زمانة أو نحوها- درجة و كل فريق من المجاهدين و القاعدين وَعَدَ اللّٰهُ الْحُسْنىٰ أي المثوبة و هي الجنة، وَ فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ من غير أولي الضرر أَجْراً عَظِيماً دَرَجٰاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً، فدرجة انتصب لوقوعها موقع المرة، كأنه قال فضلهم تفضيلة، نحو" ضربه سوطا" بمعنى ضربه، و انتصب أَجْراً بفعل أيضا لأنه في معنى أجر لهم أجرا و دَرَجٰاتٍ و مَغْفِرَةً و رَحْمَةً بدل من أَجْراً. و" الجهاد" بكسر الجيم مصدر جاهد يجاهد جهادا و مجاهدة، و بفتح الجيم: الأرض الصلبة، و شرعا بذل المال و النفس لإعلاء كلمة الإسلام و إقامة شعائر الإيمان.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ"

هو بفتح الجيم مصدر قولك" اجهد جهدك في هذا الأمر" أي أبلغ غايتك. و" جهد البلاء" الحالة التي يختار عليها الموت، و قيل هي قلة المال و كثرة العيال.

وَ فِي الْخَبَرِ عَنْهُ ص" جَهْدٍ

الْبَلَاءِ هُوَ أَنْ يُقَدَّمَ الرَّجُلِ فَيُضْرَبُ عُنُقِهِ صَبْراً، وَ الْأَسِيرُ مَا دَامَ فِي وَثَاقِ الْعَدُوِّ وَ الرَّجُلُ يَجِدُ عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِهِ رَجُلًا".

و‌

فِيهِ

" رَبِّ

لَا تُجْهِدْ

بَلَائِي"

أي لا توصله إلى ذلك المقدار. و جهده الأمر: أي بلغ منه المشقة. و قولهم" لا أجهدك" أي لا أبلغك غاية، أو لا أشق عليك و لا أشدد.

قَوْلِهِ

" وَ الْوَصِيَّةُ بِالرُّبُعِ

جَهْدٍ

"

أي غاية و نهاية.

____________

(1). مجمع البيان ج 4 ص 293.

32

وَ

" اجْهَدْ

أَنْ تَبُولُ"

أي لك الجهد في ذلك. و‌

قَوْلُهُ

" مِنْ غَيْرِ أَنْ

تُجْهِدَ

نَفْسِكَ"

أي من غير مبالغة و مشقة فيما تفعل.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ

جَهْدٍ

الْمُقِلِّ"

أي ما بلغه وسعه، و ربما عورض‌

بِقَوْلِهِ ع

" خَيْرٌ الصَّدَقَةِ مَا كَانَتْ عَنْ ظَهْرِ غِنًى"

يعني ما فضل عن العيال، و قد يقال المراد بالغنى سخاوة النفس و قوة العزيمة ثقة بالله، كما‌

رُوِيَ

" أَنْ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ"

يدل على ذلك‌

قَوْلِهِ

" يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُهُ وَ يُقَالُ هَذِهِ صَدَقَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسِ"

أي يأخذ ببطن يده، و هو كناية عن التصدي للسؤال فكره له ذلك. و‌

فِيهِ

" أَفْضَلُ الْجِهَادِ

جِهَادِ

النَّفْسِ"

و هو قهرها و بعثها على ملازمة الطاعات و مجانبة المنهيات. و مراقبتها على مرور الأوقات، و محاسبتها على ما ربحته و خسرته في دار المعاملة من السعادات، و كسر قوتها البهيمية و السبعية بالرياضات، كما قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا. وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا. قال بعض الأفاضل في‌

قَوْلِهِ ع

" أَفْضَلُ

الْجِهَادِ

مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ"

قد يظن أن فيه دلالة على عدم تجرد النفس، و الحق أنه لا دلالة فيه على ذلك بل هو كناية عن كمال القرب، فإن تجرد النفس مما لا ينبغي أن يرتاب فيه .. إلى أن قال: و يمكن أن يراد بالنفس هنا القوى الحيوانية من الشهوة و الغضب و أمثالهما، و إطلاق النفس على هذه القوى شائع. ثم حكى كلام الغزالي تطلق النفس على الجامع للصفات المذمومة أي القوى الحيوانية المضادة للقوى العقلية و هو المفهوم عند إطلاق الصوفية و إليه الإشارة‌

بِقَوْلِهِ ع

" أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسِكَ الَّتِي بَيْنَ جنبيك"

و يتم البحث في نفس إن شاء الله. و اجتهد يمينه: أي بذل وسعه في اليمين و بالغ فيها. و الاجتهاد: المبالغة في الجهد، و نقل في الاصطلاح إلى استفراغ الوسع فيما فيه مشقة لتحصل ظن شرعي.

33

و" المجتهد" اسم فاعل منه، و هو العالم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالقوة القريبة من الفعل. و مجهود الرجل: ما بلغه وسعه، و منه‌

الدُّعَاءِ

" قَدْ وَ عِزَّتِكَ بَلَغَ مَجْهُودِي".

و المجهود: الذي وقع في تعب و مشقة.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" الْمِسْكِينُ

أَجْهَدُ

مِنْ الْفَقِيرِ"

أي أسوأ حالا منه.

(جيد)

قوله تعالى: فِي جِيدِهٰا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [111/ 5] الجيد بالكسر فالسكون العنق، و الجمع أجياد مثل حمل و أحمال. و قوله: فِي جِيدِهٰا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي في عنقها حبل من ليف، و إنما وصفها بهذا الوصف تخسيسا لها و تحقيرا، و قيل هو حبل يكون له خشونة الليف و حرارة النار و ثقل الحديد يجعل في عنقها زيادة في عذابها.

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

فِي عُنُقِهَا سِلْسِلَةٍ مِنْ حَدِيدٍ طُولُهَا

سَبْعُونَ ذِرٰاعاً

تَدْخُلُ مِنْ فِيهَا وَ تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهَا وَ تدار عَلَى عُنُقِهَا فِي النَّارِ

(1)

و" الجيد" بالتحريك: طول العنق و حسنه.

باب ما أوله الحاء

(حتد)

حتد بالمكان يحتد: أقام به. و المحتد بالفتح و كسر العين: الأصل و الطبع، و منه‌

فِي وَصَفَهُ ص

" فِي دَوْمَةِ الْكَرَمِ

مَحْتِدُهُ

"

أي أصله و طبعه و مثله" أزكاهم محتدا" أي أطهرهم أصلا و طبعا. و يقال" ما أجد منه محتدا" أي بدا‌

. (حدد)

قوله تعالى: يُحَادُّونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ* [58/ 5] أي يحاربون الله و رسوله و يعادونهما أن يتجاوزوهما، و قيل يجانبون الله و رسوله، أي يكونون في حد و الله و رسوله في حد قوله حَادَّ اللّٰهَ

____________

(1). مجمع البيان ج 5 ص 559.

34

[58/ 22] أي شاق الله، أي عادى الله و خالفه. و قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلٰا تَعْتَدُوهٰا [2/ 229] حدود الله محارمه و مناهيه لأنه ممنوع منها. و مثله تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلٰا تَقْرَبُوهٰا [2/ 187] قال الشيخ أبو علي في قوله تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ إشارة إلى الأحكام المذكورة في اليتامى و المواريث، و سماها حدودا لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها. قوله: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [50/ 22] أي حاد، و صيغ للمبالغة.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" إِنْ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ حَدّاً وَ جَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى الْحَدَّ

حَدّاً

"

أي عذابا، و ذلك كحد القاذف و الزاني، و سمي حدا لمنعه من المعاودة، و أصله مصدر. و‌

فِيهِ

" إِقَامَةِ الْحَدَّ أَنْفَعُ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْمَطَرِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً".

و الحدود الشرعية عبارة عن الأحكام الشرعية مثل حد الغائط كذا و حد الوضوء كذا و حد الصلاة كذا، و منه‌

قَوْلُهُ ع

" لِلصَّلَاةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدٍّ".

و قد حصرها الشهيد الأول (ره) في رسالته الفرضية و النفلية بما يبلغ العدد المذكور، فمن أراد ذلك وقف عليه. و‌

مِنْهُ

" أَقَمْتُمُ

حُدُودَهُ

"

أي أحكامه و شرائعه.

وَ" يُضْرَبُ الْحُدُودَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ"

أي يقيمها. و الحد: الذنب، و منه‌

" أَصَبْتَ

حَدّاً

"

أي ذنبا يوجب الحد. و يحد لي حدا: أي يعين لي شيئا و يبينه لي. و حد السيف و غيره من باب ضرب و المحادة المعاداة، و‌

مِنْهُ

" إِنْ قَوْماً

حادونا

لِمَا صَدَّقْنَا"

أي عادونا و خالفونا.

وَ

" الْحَادُّ

" اسْمُ مُحَمَّدٍ ص فِي تَوْرَاةِ مُوسَى ع

لأنه يحاد من حاد دينه قريبا كان أو بعيدا‌

وَ فِي الْحَدِيثِ

" لَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ فِي

حَدِّ

الطَّائِفِ مَا فَعَلَ كَذَا"

يعني ثوابه ثواب الطائف فيما فعل.

وَ فِي حَدِيثِ وَصَفَهُ تَعَالَى

" مَنْفِيٌّ عَنْهُ

35

الْأَقْطَارُ مُبَعَّدٌ عَنْهُ الْحُدُودِ"

أي لا يوصف بحد يتميز به عن غيره.

وَ فِي كَلَامِهِمْ ع

" هُوَ الْخَالِقُ لِلْأَشْيَاءِ لَا لِحَاجَةٍ، فَإِذَا كَانَ لَا لِحَاجَةٍ اسْتَحَالَ الْحَدَّ، لِأَنَّهُ إِذَا نَسَبٍ إِلَيْهِ الْحَدَّ فَقَدْ ثَبَتَ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً".

و الحد: الحاجز بين الشيئين. و منه" حد عرفات" و هو من المأزمين إلى أقصى الموقف.

وَ عَنِ الصَّادِقِ ع" حَدُّ

عَرَفَةَ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَ ثَوِيَّةَ وَ نَمِرَةَ إِلَى ذِي الْمَجَازِ وَ خَلْفَ الْجَبَلِ مَوْقِفٌ إِلَى وَرَاءِ الْجَبَلِ"

(1)

و جمع الحد حدود. و‌

مِنْهُ" حُدُودِ

الْأَيْمَانِ وَ يَجْمَعُهَا الشَّهَادَتَانِ وَ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ص مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ صَلَاةُ الْخَمْسِ وَ الزَّكَاةِ وَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ حِجُّ الْبَيْتِ وَ الْوَلَايَةِ"

و الحداد: ترك الزينة. و منه‌

الْحَدِيثَ

" الْحَدَّادِ لِلْمَرْأَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا".

و منه حدت المرأة على زوجها تحد حدادا بالكسر، فهي حاد بغير هاء: إذا حزنت عليه و لبست ثياب الحزن و تركت الزينة، و كذا أحدت إحدادا فهي محد و محدة، و أنكر الأصمعي الثلاثي و اقتصر على الرباعي.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى يُقْضَى عِدَّتُهَا".

و الحدة: ما يعترى الإنسان من النزق و الغضب، يقال حد يحد حدا: إذا غضب.

وَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع)

قَالَ وَ قَدْ ذَكَرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَ فِيهِ

حِدَةٍ

، فَقَالَ:" إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي وَقْتِ مَا ذَرَأَهُمْ أَمَرَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ ائتمرهم أَنْ يَدْخُلُوا النَّارِ فَدَخَلُوهَا فَأَصَابَهُمْ وهجها فالحدة مِنْ ذَلِكَ الْوَهَجُ، وَ أَمَرَ أَصْحَابِ الشِّمَالِ وَ هُمْ مُخَالِفُونَا أَنْ يَدْخُلُوا النَّارِ فَلَمْ يَفْعَلُوا فَمَنْ ذَلِكَ لَهُمْ سَمَّتِ وَقَارٍ".

وَ عَنِ الْبَاقِرِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ

____________

(1). الكافي ج 4 ص 462، و ليس فيه" إلى وراء الجبل".

36

مَا بَالُ الْمُؤْمِنِ أَحَدُّ شَيْ‌ءٍ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ عِزَّ الْقُرْآنِ فِي قَلْبِهِ وَ مَحْضَ الْإِيمَانِ فِي صَدْرِهِ، وَ هُوَ عَبْدٌ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ مُصَدِّقِ"

- انتهى. و ربما كانت حدته على ما خالف المشروع و لم يمتثل أمر الشارع لا مطلقا. و" الحديد" معروف، و منه" خاتم حديد". و اسم الصناعة الحدادة بالكسر. و" ابن أبي الحديد" في الأصل معتزلي يستند إلى المعتزلة مدعيا أنهم يستندون إلى شيخهم أمير المؤمنين (ع) في العدل و التوحيد. و من كلامه في أول شرح النهج" الحمد لله الذي قدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف". قال بعض الأفاضل: كان ذلك قبل رجوعه إلى الحق لأنا نشهد من كلامه الإقرار له (ع) و التبري من غيره ممن تقدم عليه، و ذلك قرينة واضحة على ما قلناه- انتهى، و هو جيد.

(حرد)

قوله تعالى: وَ غَدَوْا عَلىٰ حَرْدٍ قٰادِرِينَ [68/ 25]، أي على قصد، و قيل على منع، و قيل على غضب و حقد. و حرد حردا مثل غضب غضبا وزنا و معنى، و قد يسكن المصدر. و عن ابن الأعرابي السكون أكثر." حرد على قومه" أي تنحى عنهم و تحول و نزل منفردا و لم يخالطهم.

وَ مِنْ كَلَامٍ الْحَقِّ فِيمَنْ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ

" وَ الَّذِينَ يَغْضَبُونَ لِمَحَارِمِي إِذَا اسْتَحَلَّتْ كالنمر إِذَا

حردت

"

نقل أنها لا تملك نفسها عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبها أن تقتل نفسها.

(حسد)

قوله تعالى: مِنْ شَرِّ حٰاسِدٍ إِذٰا حَسَدَ [113/ 5] قال الشيخ أبو علي: الحاسد الذي يتمنى زوال النعمة عن صاحبها و إن لم يردها لنفسه، فالحسد مذموم و الغبطة محمودة، و هي أن يريد من‌

37

النعمة لنفسه مثل ما لصاحبه و لم يرد زوالها عنه- انتهى (1) و من هنا قيل الحسد على الشجاعة و نحو ذلك هو الغبطة، و فيه معنى التعجب و ليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود، فإن تمناه دخل في القسم الأول المحرم. قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ [4/ 54] المراد بالناس الأئمة، لما‌

رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا

" نَحْنُ الْمَحْسُودُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ" (2)

و يقال حسده يحسده و يحسده بالكسر حسودا و حسدا بالتحريك أكثر من سكونها. و تحاسد القوم و هم قوم حسدة كحامل و حملة‌

. (حشد)

فِي الْحَدِيثَ

" فَلَمَّا

حَشَدَ

النَّاسُ قَامَ خَطِيباً"

أي جمع، من قولهم" حشدت القوم" من باب قتل، و في لغة من باب ضرب: إذا جمعتهم. و منه" احتشد القوم لفلان" إذا اجتمعوا و تأهبوا. و جاء فلان حاشدا: أي مستعدا متأهبا. و" رجل محشود" لمن كان الناس يسرعون لخدمته لأنه مطاع‌

. (حصد)

قوله تعالى: جَعَلْنٰاهُمْ حَصِيداً خٰامِدِينَ [21/ 15] قيل- و الله أعلم- إنهم حصدوا بالسيف أو الموت كما يحصد الزرع فلم يبق منهم بقية. قوله: مِنْهٰا قٰائِمٌ وَ حَصِيدٌ [11/ 100] يعني القرى التي هلكت مِنْهٰا قٰائِمٌ أي بقيت حيطانها و منها حَصِيدٌ أي قد انمحى أثره كالزرع القائم على ساقه. قوله: وَ حَبَّ الْحَصِيدِ أراد الحب الحصيد، و هما مما أضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، و قيل حب الزرع الحصيد.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" وَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ"

و قد مر شرحه في" كبب".

____________

(1). مجمع البيان ج 5 ص 568.

(2). البرهان ج 1 ص 376.

38

و حصدت الزرع و غيره حصدا من بابي ضرب و قتل فهو محصود و حصيد، و‌

مِنْهُ

" يَأْكُلُونَ

حصيدها

"

أي محصودها. و المحصد: المنجل. و استحصد الزرع: حان له أن يحصد. و حصدهم بالسيف: استأصلهم. و الحصاد بالفتح و الكسر قطع الزرع.

وَ فِي الْخَبَرَ

" نَهَى عَنْ حَصَادٍ اللَّيْلِ"

و إنما نهى عنه لمكان المساكين أن يحضروه، و قيل كي لا يصيب الناس الهوام.

(حفد)

قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً [16/ 72] الحفدة بالتحريك جمع حافد، مثل كافر و كفرة، قيل هم الأعوان و الخدم، و قيل أختان، و قيل أصهار، و قيل بنو المرأة من الزوج الأول و قيل ولد الولد لأنهم كالخدام في الصغر، و لعله الأصح كما يشهد له‌

قَوْلِهِ ص

" تُقْتَلُ حَفَدَتِي بِأَرْضِ خُرَاسَانَ"

يعني علي بن موسى الرضا ع. و الحفيد: صاحب المال. و المحفود: المخدوم.

وَ فِي الدُّعَاءِ

" إِلَيْكَ نَسْعَى وَ

نَحْفِدُ

"

أي نسرع إلى الطاعة. و الحفد: السرعة. و أحفدته: حملته على الحفد و الإسراع و حفد حفدا من باب ضرب: أسرع.

(حقد)

الحقد: الانطواء على العداوة و البغضاء و حقد عليه- من باب ضرب و في لغة من باب تعب-: إذا ضغن، و الجمع أحقاد.

(حمد)

قوله تعالى: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ [40/ 65] قال الفراء نقلا عنه: هو خبر و فيه إضمار، و كأنه قال ادعوه و احمدوا على هذه النعم و قولوا الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ- انتهى. و العبد إذا حمد الله فقد ظفر بأربعة أشياء: قضى حق الله فأدى شكر النعمة الماضية، و تقرب من استحقاق ثواب الله، و استحق المزيد من نعمائه.

39

و" الحمد" هو الثناء بالجميل على قصد التعظيم و التبجيل للممدوح سواء النعمة و غيرها، و الشكر فعل ينبى‌ء عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان، و عليه قول القائل:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة * * * يدي و لساني و الضمير المحجبا

فالحمد أعم من جهة المتعلق و أخص من جهة المورد، و الشكر بالعكس.

وَ فِي الْحَدِيثَ" الْحَمْدُ

رَأْسِ الشُّكْرِ"

و إنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان و الثناء على موليها أشيع لها و أدل على مكانها من الاعتقاد لخفاء عمل القلب و ما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان الذي هو النطق المفصح عن كل خفي- كذا في الكشاف. و‌

فِيهِ

" الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلَ

الْحَمْدُ

بِالنِّعَمِ وَ النِّعَمِ بِالشُّكْرِ"

(1)

قال بعض الشارحين: يعني أنه تعالى أنعم على سبيل التفضل أولا ثم أمر المكلفين أن يحمدوه على نعمه، كما هو مركوز في بداية العقول، ثم زادهم على حمدهم نعما أخرى كما قال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. و يمكن أن يقال إنه تعالى تفضل بالنعم أولا ثم أوصل ذلك بنعمة الحمد بأن ألهم عباده الحمد عليها ثم أوصل النعم بالشكر، حيث قال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

وَ فِي كِتَابٍ لَهُ ص

" أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي

أَحْمَدَ

اللَّهِ إِلَيْكَ"

أي أحمد معك، فأقام إلى مقام مع، و قيل أحمد الله إليك نعمة الله بتحديثك إياها. و حمده: بالغ في تحميده مثل فرجه. و" الْحَمِيدُ*" من أسمائه تعالى، فعيل بمعنى مفعول، أي المحمود على كل حال.

وَ" ابْعَثْهُ الْمَقَامَ

الْمَحْمُودِ

"

الضمير للنبي ص، أي الذي يحمده فيه جميع الخلائق كتعجيل الحساب و الإراحة من طول الوقوف، و قيل هو الشفاعة.

وَ فِي الْحَدِيثَ" حماديات

النِّسَاءِ غَضَّ الْأَطْرَافِ"

أي غاياتهن و منتهى ما يحمد منهن غض الأطراف عما حرم الله تعالى.

____________

(1). نهج البلاغة ج 1 ص 222.

40

و الحميد من الأباريق: الكبير في الغاية. و منه‌

حَدِيثٍ الْمَيِّتِ

" يَبْدَأُ بِيَدَيْهِ فَيَغْسِلُهُمَا بِثَلَاثِ

حَمِيدِيَّاتٍ

بِمَاءِ السِّدْرِ"

الحديث (1) و" حميدة البربر" أم موسى الكاظم ع، و تسمى المصفاة. و" أحمد" اسم نبينا ص في الإنجيل لحسن ثناء الله عليه في الكتاب بما حمد من أفعاله، و ذكر ابن الأعرابي أن لله تعالى ألف اسم و للنبي ص ألف اسم، و من أحسنها محمد و محمود و أحمد. و المحمد: كثير الخصال المحمودة، قيل لم يسم به أحد قبل نبينا ص، ألهم الله أهله أن يسموه به. و" محمد" اسمه ص في القرآن سمي به لأن الله و ملائكته و جميع أنبيائه و رسله و جميع أممهم يحمدونه و يصلون عليه.

وَ

مُحَمَّدٍ

الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) وُلِدَ سَنَةً سَبْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ قُبِضَ سَنَةً أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَ مِائَةٍ وَ لَهُ سَبْعٌ وَ خَمْسُونَ سَنَةً، وَ أُمِّهِ كَانَتْ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ع.

وَ

مُحَمَّدِ

بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَتَلَ بَعْدَ وَقْعَةٍ صِفِّينَ قَتَلَهُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَ حشى جُثَّتَهُ فِي جَوْفِ حِمَارٌ مَيِّتٍ وَ أَحْرَقَهُ، وَ كَانَ

مُحَمَّدٌ

هَذَا حَبِيباً لِعَلِيٍّ رَبَّاهْ فِي حَجْرِهِ صَغِيراً حِينَ تَزَوَّجَ أُمِّهِ أَسْمَاءِ بِنْتَ عُمَيْسٍ، فَكَانَ (ع) يَقُولُ هُوَ ابْنِي مِنْ ظَهَرَ أَبِي بَكْرٍ، وَ كَانَ قَتَلَهُ بِمِصْرَ لِمَا وَلَّاهُ عَلِيِّ (ع) عَلَيْهَا فملكت عَلَيْهِ.

وَ عَنِ ابْنِ الطَّيَّارِ قَالَ

: ذَكَرْنَا

مُحَمَّدِ

بْنِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع: (رحمه الله) وَ صَلَّى عَلَيْهِ قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَوْماً مِنَ الْأَيَّامِ" ابْسُطْ يَدَكَ لأبايعك" فَقَالَ: أَ وَ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: بَلَى، فَبَسَطَ يَدَهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامٍ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ وَ أَنْ أَبِي فِي النَّارِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع: كَانَ النجابة مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ أَسْمَاءِ بِنْتَ عُمَيْسٍ لَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ

(2)

____________

(1). من لا يحضر ج 1 ص 90.

(2). رجال الكشي ص 60.

41

وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع)

أَنَّ

مُحَمَّدَ

بْنِ أَبِي بَكْرٍ بَايَعَ عَلِيّاً (ع) عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَبِيهِ

(1)

و‌

نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَفَاضِلِ

أَنَّهُ أَنْشَدَ أَبَاهُ عِنْدَ مَا لحاه عَنْ وَلَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) هَذِهِ الْأَبْيَاتَ:

يَا أَبَانَا قَدْ وَجَدْنَا مَا صَلَحَ * * *

خَابَ مِنْ أَنْتَ أَبُوهُ وَ افْتَضَحَ

إِنَّمَا أَنْقَذَنِي مِنْكَ الَّذِي

* * *

يُنْقِذُ الدُّرِّ مِنْ الْمَاءِ الْمِلْحِ

يَا بَنِي الزَّهْرَاءِ أَنْتُمْ عُدَّتِي

* * *

وَ بِكُمْ فِي الْحَشْرِ مِيزَانِي رَجَحَ

أَنَا قَدْ صَحَّ ولائي فِيكُمْ

* * *

لَا أُبَالِي أَيُّ كَلْبٌ قَدْ نبح

و محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي (ع) المسمى بالنفس الزكية كان يدعي الإمامة و قد تبعه كثير من الزيدية و المعتزلة على الضلالة.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ إِنْ الزَّيْدِيَّةَ وَ الْمُعْتَزِلَةَ قَدْ أَطَافُوا بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهَلْ لَهُ سُلْطَانٌ؟ فَقَالَ: وَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي كِتَابَيْنِ فِيهَا تَسْمِيَةِ كُلِّ نَبِيٍّ وَ كُلِّ مَلِكٍ يَمْلِكُ الْأَرْضَ، لَا وَ اللَّهِ مَا مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَ فِي الْحَدِيثِ

أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ قَالَ لَهُ: بَايَعَ تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ وَ مَالِكَ وَ وُلْدَكَ وَ لَا تَكَلَّفَ حَرْباً، فَاعْتَذَرَ عِنْدَهُ فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ تَبَايَعَ، فَأَمَرَ بِهِ إِلَى الْحَبْسِ وَ شُدِّدَ عَلَيْهِ.

و" حماد" بتشديد الميم ابن عيسى الجهني نسبة إلى جهينة بضم الجيم قبيلة، و هو من ثقاة رواة الحديث، لقي الصادق و الكاظم و الرضا، دعا له الكاظم ع، و لما أراد أن يحج الحجة الحادية و الخمسين غرق في الجحفة حين أراد غسل الإحرام، و كان عمره نيفا و سبعين سنة، و حديثه في الصلاة مشهور‌

. (حيد)

قوله تعالى: ذٰلِكَ مٰا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [50/ 19] أي تنفر و تهرب، يقال حاد عن الشي‌ء يحيد: مال عنه و عدل.

____________

(1). رجال الكشي ص 61.

42

و يحيد عنه: ينهزم عنه. و حمار حيدى: أي يحيد عن ظله لنشاطه.

وَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ (ع) فِي ذَمَّ قَوْمِهِ

" فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالِ قُلْتُمْ حيدي حياد"

(1)

أي إذا كان قتال تكرهون و تقولون أيها الحرب حيدي حياد، أي جانبي منا، من حايده محايدة جانبه. قال بعض شراح الحديث:" حيدي حياد" مثل فيحي فياح، و حياد و فياح كلاهما اسم للفأرة، و فيحي أي اتسعي، و هذا من كلام الجاهلية كانوا يتكلمون به، أي أعرضى عنها أيتها الحرب- انتهى.

وَ فِي حَدِيثِهِ أَيْضاً مَعَ قَوْمِهِ

" فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالِ كُنْتُمْ

حيدى

"

أي ميلى. و حادت الدابة: نفرت و تركت الجادة و الحائدين عن دين الله: العادلين‌

. باب ما أوله الخاء

(خدد)

قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحٰابُ الْأُخْدُودِ [85/ 4] الأخدود: شقق في الأرض مستطيل، جمعه أخاديد، و أصحاب الأخدود هو أخدود بنجران خده الملك ذو نواس الحميري و أحرق فيه نصارى نجران و كان على دين اليهود، فمن لم يرجع عن دين النصارى إلى دين اليهود أحرقه. و خد الأرض- من باب مد-: شقها و منه‌

حَدِيثٍ الْمَيِّتِ

" أَتَاهُ مَلَكَا الْقَبْرِ

يَخُدَّانِ

الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمَا"

أي يشقانها شقا. و منه‌

الْخَبَرَ

" أَنْهَارٍ الْجَنَّةِ تَجْرِي فِي غَيْرِ أخدود".

وَ فِي الْحَدِيثِ

" لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهَهُ- يَعْنِي إِبْلِيسَ- مُضْغَةُ لَحْمٍ إِلَّا

تخددت

"

أي تشققت. و يقال أيضا تخدد لحمه: هزل و نقص.

____________

(1). نهج البلاغة ج 1 ص 70.

43

و الخدان: ما جاوز مؤخر العين إلى منتهى الشدق يكتنفان الأنف عن يمين و شمال. و" المخدة" بالكسر: الوسادة لأنها توضع تحت الخد، و الجمع مخاد كدواب.

(خرد)

الخريدة من النساء: هي الحيية، و الجمع خرائد و خرد و خرد‌

. (خضد)

قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ [56/ 28] أي لا شوك فيه كأنه خضد شوكة، أي قطع. و منه‌

الْحَدِيثَ

" تُقْطَعُ بِهِ دابرهم وَ تخضد بِهِ شوكتهم".

(خلد)

قوله تعالى: خٰالِدِينَ فِيهٰا إِلّٰا مٰا شٰاءَ اللّٰهُ [6/ 128] قيل الاستثناء إنما هو من يوم القيامة، لأن قوله وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً* هو يوم القيامة، فقال خٰالِدِينَ فِيهٰا من يوم يبعثون إِلّٰا مٰا شٰاءَ اللّٰهُ من مقدار حشرهم من قبورهم و مقدار عذابهم في محاسبتهم، و جائز أن يكون إِلّٰا مٰا شٰاءَ اللّٰهُ أن يعذبهم من أصناف العذاب و أن الاستثناء راجع إلى غير الكفار من عصاة المسلمين الذين هم في مشية الله إن شاء عذبهم بذنوبهم و إن شاء عفا عنهم فضلا. قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّٰارِ لَهُمْ فِيهٰا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ. خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ إِلّٰا مٰا شٰاءَ رَبُّكَ الآية وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ إِلّٰا مٰا شٰاءَ رَبُّكَ [11/ 106- 108] قال الشيخ أبو علي: ما دامت سماوات الآخرة و أرضها و هي مخلوقة للأبد، و كل ما علاك و أظلك فهو سماء، و لا بد لأهل الآخرة مما يظلهم و يقلهم، و قيل إن ذلك عبارة عن التأبيد كقول العرب" ما لاح كوكب و أقام ثبير و رضوى" و غير ذلك من كلمات التأييد إِلّٰا مٰا شٰاءَ رَبُّكَ هو استثناء من الخلود في عذاب النار و من الخلود في نعيم الجنة، و ذلك لأن أهل النار لا يعذبون بالنار وحدها بل يعذبون بأنواع من العذاب و بما هو‌

44

أغلظ من الجميع و هو سخط الله عليهم و إهانتهم، و كذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة مما هو أكبر منها و هو رضوان الله و إكرامه و تبجيله، فهو المراد بالاستثناء. و قيل المراد بالاستثناء من الذين شقوا و خلودهم من شاء الله أن يخرجه من النار بتوحيده و إيمانه لإيصال الثواب الذي استحقوه بطاعتهم إليهم، فيكون" ما" بمعنى من، و المراد بالاستثناء من الذين سعدوا و خلودهم في الجنة أيضا هؤلاء الذين ينقلون إلى الجنة من النار، و المعنى خالدين فيها إلا ما شاء ربك من الوقت الذي أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم إلى الجنة، فما هاهنا على بابه و الاستثناء الثاني من الزمان و الأول في الأعيان انتهى (1) و أنت خبير بأن الآيات الدالة على عقاب العصاة و خلودهم في النار المراد به المكث الطويل، و استعماله بهذا المعنى. قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [7/ 176] أي مال و ركن إلى الدنيا و شهواتها وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ في إيثار الدنيا. قوله: وَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ [2/ 25] أي باقون. قوله: وِلْدٰانٌ مُخَلَّدُونَ* [56/ 17] أي مبقون ولدانا لا يهرمون و لا يتغيرون قوله: يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ [104/ 3] من الخلود، و هو دوام البقاء يقال خلد الرجل يخلد خلودا، و أخلده الله تخليدا. و أخلد بالمكان: أقام به، و خلد أيضا و بابه قعد. و منه" جَنَّةُ الْخُلْدِ" أي دار الإقامة. و الخلد بالتحريك: البال، يقال وقع ذلك في خلدي أي في روعي و قلبي. و المخلد إلى الشي‌ء: المستند إليه. و أخلد إلى الدنيا: ركن إليها و لزمها. و منه‌

حَدِيثٍ عَلِيٍّ (ع) فِي ذَمِّ الدُّنْيَا

" مِنْ دَانَ لَهَا وَ آثَرَهَا وَ أُخْلِدَ إِلَيْهَا فَكَذَا"

(2)

و" مخلد" وزان جعفر من أسماء‌

____________

(1). مجمع البيان ج 3 ص 164- 165

(2). نهج البلاغة ج 1 ص 218.

45

الرجال‌

. (خمد)

قوله تعالى: فَإِذٰا هُمْ خٰامِدُونَ [36/ 29] أي ميتون. و خمود الإنسان: موته. و خمدت النار تخمد خمودا من باب قعد: سكن لهبها و لم يطفأ جمرها، و همدت: إذا طفى‌ء جمرها. و خمد المريض: أغمي عليه أو مات. و خمدت الحمى: سكنت.

باب ما أوله الدال

(درد)

فِي الْحَدِيثِ

" مَا زَالَ جَبْرَئِيلُ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَحْفَى أَوْ أَدْرَدَ"

(1)

هو من الدرد و هو سقوط الأسنان، يقال درد دردا- من باب تعب-: سقطت أسنانه و بقيت أصولها، فهو أدرد، و الأنثى درداء مثل أحمر و حمراء. و به كني أبو الدرداء و قوله" أو أدرد" التشكيك من الراوي. و‌

فِيهِ

" رَجُلٍ اشْتَرَى زِقَّ زَيْتٍ وَ وَجَدَ فِيهِ دُرْدِيّاً"

الدردي من الزيت و غيره ما يبقى في أسفله. و" دريد" تصغير أدرد‌

. (دود)

قوله تعالى: وَ ظَنَّ دٰاوُدُ [38/ 24] و قد تقدم ذكر الآية في" عصا" (2) و داود اسم أعجمي لا يهمز، و معناه أنه داوى جرحه فود، و قيل داوى وده بالطاعة- كذا في معاني الأخبار (3)

وَ فِي الْحَدِيثِ

" إِذَا ظَهَرَ أَمَرَ الْأَئِمَّةِ حَكَمُوا بِحُكْمِ دَاوُدَ"

أي لا يسألون البينة. و فيه ذكر الديدان، و هي جمع الدود، و الدود جمع دودة، و التصغير دويد، و القياس‌

____________

(1). مكارم الأخلاق ص 51.

(2). أنظر هذا الكتاب ج 1 ص 294.

(3). معاني الأخبار ص 50.

46

دويدة. و داد الطعام و أداد و دود كله بمعنى: إذا وقع فيه السوس. و أنواع الدود كثير يدخل فيه الحلم و الأرضة و دود الفواكه و دود القز و دود الأخضر، و منه ما يتولد من حيوان الإنسان‌

. باب ما أوله الذال

(ذود)

قوله تعالى: وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودٰانِ [28/ 23] أي تطردان و يكفان عنهما، و أكثر ما يستعمل الذود في الغنم و الإبل، و ربما استعمل في غيرهما. و لا تذودوه عنا: لا تطردوه. و رجل ذائد: أي حام لحقيقته دفاع. و منه" الذادة الحماة" و الذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، و قيل ما بين الخمس إلى التسع. و‌

مِنْهُ

" لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ".

و اللقطة مؤنثة و لا واحد لها من لفظها كالنعم، و الجمع أذواد مثل سبب و أسباب. و" المذود" كمنبر: معلف الدابة. و المذود: اللسان‌

. باب ما أوله الراء

(راد)

الراد و الرءود من النساء: الشابة الحسنة‌

. (ربد)

فِي الْحَدِيثَ

" فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ص حَتَّى

تَرَبَّدَ

وَجْهَهُ"

أي تغير‌

47

من الغضب. و ربد بالمكان ربودا: أقام به. و" الأربد" ضرب من الحيات تعض فيتربد منه الوجه‌

. (رثد)

" الرثد" بالتحريك: متاع البيت المنضود بعضه على بعض. و" مرثد بن أبي مرثد الغنوي" هو بالفتح على صيغة اسم المكان: رجل من رواه الحديث. و الغنوي بفتح الغين و فتح النون منسوب إلى غني حي من غطفان‌

. (ردد)

قوله تعالى: فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ [4/ 59]

فالرد

إِلَى اللَّهِ الرَّدِّ إِلَى مُحْكَمِ كِتَابِهِ وَ

الرَّدُّ

إِلَى الرَّسُولِ ص الْأَخْذِ بِسَنَةٍ الْجَامِعَةِ-

كَذَا عَنْ عَلِيٍّ ع

.

قوله تعالى: يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [14/ 43] أي لا يطرفون و لكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك الأجفان. و مثله قوله: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [27/ 40] و قيل قبل أن يأتيك الشي‌ء من مد بصرك. قوله: فَارْتَدّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمٰا قَصَصاً [18/ 64] أي رجعا يقصان الأثر الذي جاء فيه. و مثله قوله: فَارْتَدَّ بَصِيراً [12/ 96] أي رجع بصيرا كالأول قوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوٰاهِهِمْ [14/ 9] أي عضوا أناملهم حنقا و غيظا مما آتاهم به الرسل، كقوله تعالى وَ إِذٰا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنٰامِلَ مِنَ الْغَيْظِ و قيل أوموا إلى الرسل أي أسكنوا. قوله تعالى: وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّٰارِ فَقٰالُوا يٰا لَيْتَنٰا نُرَدُّ وَ لٰا نُكَذِّبَ بِآيٰاتِ رَبِّنٰا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [6/ 27] قال الشيخ أبو علي: فَقٰالُوا يٰا لَيْتَنٰا نُرَدُّ تم هاهنا تمنيهم ثم ابتدوا وَ لٰا نُكَذِّبَ أي و نحن لا نكذب بِآيٰاتِ رَبِّنٰا و نؤمن، و يجوز أن يكون معطوفا على نُرَدُّ أو حالا على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين و كائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني. و قرى‌ء لٰا نُكَذِّبَ و نَكُونَ بالنصب بإضمار أن على جواز التمني، و معناه إن‌

48

ترددنا لم نكذب و نكن من المؤمنين. قوله: إِنَّ هٰذٰا لَشَيْ‌ءٌ يُرٰادُ [38/ 6] أي هذا الأمر من نوائب الدهر يراد بنا فلا مرد له، أو أن ما قصده محمد من الرئاسة و الترفع على العرب و العجم شي‌ء يريده كل أحد. قوله: فَلٰا مَرَدَّ لَهُ* [30/ 43] أي لا مصرف له، من قولهم رد الشي‌ء عن وجهه يرده ردا و مردا: صرفه و الرديدى: الرد، و منه‌

الْخَبَرَ

" لَا

رديدى

فِي الصَّدَقَةِ"

أي لا رد فيها.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" لَا

يَرُدُّ

الْقَضَاءِ أَلَا الدُّعَاءِ"

أي لا يصرفه و يدفعه و يهونه إلا الدعاء. و‌

فِيهِ

" لَا

تَرُدُّوا

السَّائِلَ وَ لَوْ بِظِلْفٍ"

(1)

أي لا تردوه رد حرمان بلا شي‌ء و لو أنه ظلف. و رد عليه الشي‌ء: إذا لم يقبله. و أمر رد: أي مردود. و ترد بها الفتى: أي تجمع ما ألفته من الأهل و الوطن و الأليف الصاحب‌

وَ" رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ مَرَّتَيْنِ" قِيلَ رُدَّتْ لَهُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ وَ فِي الْخَنْدَقِ، وَ رُدَّتْ عَلَى عَلِيِّ مَرَّتَيْنِ أَيْضاً

و هو مشهور متواتر. و التردد في الأمر معلوم.

وَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

" مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْ‌ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ، إِنَّنِي لَأُحِبُّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ"

و حيث أن التردد في الأمر من الله محال لأنه من صفات المخلوقين احتيج في الحديث إلى التأويل، و أحسن ما قيل فيه هو أن التردد و سائر صفات المخلوقين كالغضب و الحياء و المكر إذا أسندت إليه تعالى يراد منها الغايات لا المبادى‌ء، فيكون المراد من معنى التردد في هذا الحديث إزالة كراهة الموت عنه، و هذه الحالة يتقدمها أحوال كثيرة من مرض و هرم و زمانة و فاقة و شدة بلاء تهون على العبد مفارقة الدنيا و يقطع عنها علاقته، حتى إذا أيس منها تحقق رجاؤه بما عند الله فاشتاق إلى دار الكرامة فأخذ المؤمن عما تشبث به من حب الدنيا شيئا فشيئا بالأسباب التي أشرنا إليها فضاهى‌

____________

(1). الكافي ج 4 ص 15.

49

فعل التردد من حيث الصفة فعبر به عنه.

وَ فِي حَدِيثِ الْفِطْرَةِ

" يُعْطِي بَعْضَ عِيَالِهِ ثُمَّ يُعْطِي الْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ

يُرَدِّدُونَهَا

بَيْنَهُمْ"

(1)

أي يكررونها على هذه الصفة. و" يردد عليه قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ" أي يكررها. و لم يرد عليه شيئا: أي لم يرد عليه جوابا. و استرده الشي‌ء: سأله أن يرده عليه. و" المرتد" من ارتد عن الإسلام إلى الكفر، و هو نوعان فطري و ملي.

وَ فِي الْحَدِيثِ

" كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ جَحَدَ مُحَمَّداً ص نُبُوَّتَهُ وَ كَذَّبَهُ فَإِنَّ دَمَهُ مُبَاحٌ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَ امْرَأَتَهُ بَائِنَةٌ مِنْهُ، فَلَا تَقْرَبْهُ، وَ يُقْسَمُ مَالُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ، وَ تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ أُتِيَ بِهِ إِلَيْهِ وَ لَا يَسْتَتِيبَهُ".

و فيه‌

عَنِ الْبَاقِرِ ع

" إِنْ الْمُرْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ تُعْزَلُ عَنْهُ امْرَأَتُهُ وَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَ يُسْتَتَابُ ثَلَاثاً فَإِنْ رَجَعَ وَ إِلَّا قُتِلَ"

قال الصدوق (رحمه الله): يعني ذلك المرتد الذي ليس بابن مسلمين.

وَ عَنِ الصَّادِقِ (ع)

فِي الْمُرْتَدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ:" لَا تُقْتَلُ وَ تُسْتَخْدَمُ خِدْمَةً شَدِيدَةً وَ تُمْنَعُ مِنَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ إِلَّا مَا تُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهَا وَ تُلْبَسُ أَخْشَنَ الثِّيَابِ وَ تُضْرَبُ عَلَى الصَّلَوَاتِ".

و‌

فِي حَدِيثٍ آخَرَ

" لَمْ تُقْتَلْ وَ لَكِنْ تُحْبَسُ أَبَداً".

و" الردة" بالكسر و التشديد: اسم من الارتداد. و أصحاب الردة على ما نقل كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين و كانوا طائفتين: إحداهما أصحاب مسيلمة، و الأخرى ارتدوا عن الإسلام و عادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية و اتفقت الصحابة على قتالهم و سبيهم و استولد علي منهم الحنفية، و الصنف الثاني لم يرتدوا عن الإيمان و لكن أنكروا فرض الزكاة و زعموا أن خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ خطاب خاص بزمانه ص‌

.

____________

(1). الكافي ج 4 ص 172.

50

(رشد)

قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ [4/ 6] الرشد هو خلاف العمى و الضلال، و فسر بإصابة الحق.

وَ فِي حَدِيثٍ الصَّادِقِ (ع)

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ" إيناس

الرُّشْدِ

هُوَ حِفْظُ الْمَالِ"

(1)

و عن بعض أهل التحقيق يعلم رشد الصبي باختباره بما يلائمه من التصرفات، و يثبت بشهادة رجلين في الرجال و شهادة الرجال و النساء. قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2/ 186] أي لعلهم يصيبون الحق و يهتدون إليه. و الرشد: الصلاح، و هو إصابة الحق و أمر بين رشده: أي صوابه.

وَ" اسْتَخِيرُوا اللَّهِ يَعْزِمَ لَكُمْ عَلَى

رُشْدِكُمْ

"

أي على ما هو الصالح لكم. و قد رشد يرشد- بالضم من باب قتل رشدا، و رشد بالكسر يرشد بالفتح رشدا بالتحريك فهو راشد، و الاسم الرشاد. و أرشده الله: هداه الله. و إرشاد الضال: هدايته الطريق و تعريفه له. و الطريق الأرشد نحو الأقصد. و ارشدهما: أي أصوبهما و أقربهما إلى الحق. و الأئمة الراشدون: أي الهادون إلى طريق الحق و الصواب. و" الرشيد" من أسمائه تعالى، و هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، أي هداهم و دلهم عليها، فعيل بمعنى مفعل. و قيل الذي تنساق تدبيراته إلى غايتها على سنن السداد من غير إشارة مشير و لا تسديد مسدد. و" الرشيد" هارون بن محمد المهدي أحد خلفاء بني العباس، و كانت خلافته بعد خلافة أخيه موسى الهادي، و كانت مدة خلافته ثلاثا و عشرين سنة و شهرا، و قيل ثلاثة و عشرين فقط. و" رشيد الهجري" كان يعلم علم المنايا و البلايا قال:

حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ

____________

(1). البرهان ج 1 ص 343.

51

ع

فَقَالَ: يَا رُشَيْدُ كَيْفَ صَبْرُكَ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْكَ دَعِيُّ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَطَعَ يَدَيْكَ وَ رِجْلَيْكَ وَ لِسَانَكَ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آخِرُ ذَلِكَ الْجَنَّةُ؟ قَالَ عَلِيٌّ ع: يَا رُشَيْدُ أَنْتَ مِعَى فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ. قَالَ: وَ اللَّهِ مَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامِ وَ اللَّيَالِي حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْهِ الدَّعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَدَعَاهُ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَبَى فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَدْ أَلْقَى إِلَيْهِ عَلِمَ الْبَلَايَا وَ الْمَنَايَا، فَكَانَ فِي حَيَاتِهِ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلِ قَالَ لَهُ: يَا فُلَانٍ تَمُوتُ بِمَيِّتَةٍ كَذَا وَ كَذَا وَ تُقْتَلُ أَنْتَ يَا فُلَانٍ بقتلة كَذَا وَ كَذَا، فَيَكُونُ كَمَا يَقُولُ رُشَيْدٍ. وَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ رُشَيْدٍ الْبَلَايَا

(1)

و هو لرشدة- بكسر الراء و الفتح لغة- أي صحيح النسب، و لغير رشدة بخلافه، و عن الأزهري و الفتح في لرشدة و لزنية أفصح من الكسر.

(رصد)

قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصٰادِ [89/ 14] قال الشيخ أبو علي: أي على طريق العباد، فلا يفوته شي‌ء من أعمالهم لأنه يسمع و يرى جميع أحوالهم و أفعالهم.

وَ عَنِ الصَّادِقِ ع

" هِيَ قَنْطَرَةِ عَلَى الصِّرَاطِ لَا يَجُوزُهَا عَبْدٌ بِمَظْلِمَةٍ"

(2)

ثم قال: و قيل لأعرابي أين ربك: قال: بالمرصاد، و ليس يريد به المكان.

وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ سَبْعَ محابس يَسْأَلُ اللَّهَ الْعَبْدِ عَنْهَا: أَوَّلُهَا عَنْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا جَاءَ بِهَا تَامَّةٌ جَازَ إِلَى الثَّانِي، فَيَسْأَلُ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا جَاءَ بِهَا تَامَّةٌ جَازَ إِلَى الثَّالِثِ، فَيَسْأَلُ عَنْ الزَّكَاةِ فَإِذَا جَاءَ بِهَا تَامَّةٌ جَازَ إِلَى الرَّابِعُ، فَيَسْأَلُ عَنْ الْحَجِّ فَإِنْ جَاءَ بِهِ تَامّاً جَازَ إِلَى السَّادِسُ فَيَسْأَلُ عَنْ الْعُمْرَةِ فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةٌ جَازَ إِلَى السَّابِعِ، فَيَسْأَلُ عَنْ الْمَظَالِمِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا وَ إِلَّا يُقَالُ انْظُرُوا فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أَكْمَلَ بِهِ أَعْمَالِهِ، فَإِذَا فَرَغَ انْطَلِقْ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ

(3)

____________

(1). رجال الكشي ص 71- 72.

(2). البرهان ج 2 ص 458.

(3). مجمع البيان ج 5 ص 487.

52

قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كٰانَتْ مِرْصٰاداً [78/ 21] أي معدة لهم يرصد بها خزنتها الكفار، و قيل مِرْصٰاداً محبسا يحبس فيه الناس، و قيل طريقا منصوبا للعاصين فهو مرورهم و منهلهم. قوله: مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [72/ 27] أي حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم و يعصمونه من وساوسهم. و" الرصد" مثل الحرس اسم جمع للمراصد. قال تعالى: يَجِدْ لَهُ شِهٰاباً رَصَداً [72/ 9] يعني نجما أرصد به للرجم، يقال رصدته رصدا من باب قتل: إذا قعدت له على طريقه تترقبه. و الرصد: الطريق، و الجمع أرصاد مثل سبب و أسباب. قوله: وَ إِرْصٰاداً لِمَنْ حٰارَبَ اللّٰهَ [9/ 107] أي ترقبا، يقال أرصدت له الشي‌ء: إذا جعلت له عدة. و الإرصاد في الشر. و عن ابن الأعرابي رصدت و أرصدت في الخير و الشر جميعا. قوله: وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [9/ 5] هو كجعفر موضع الرصد و الترقب، و جمعه مراصد، أي كونوا لهم رصدا.

وَ" أَخَذَ عَلَيْنَا

بالرصد

"

أي الترقب و هو جمع راصد.

وَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ

" مِنْ حَارَبَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ

أَرْصَدَ

لِمُحَارَبَتِي"

أي استند لمحاربتي. و‌

فِيهِ

" يَرْصُدَ بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ".

و فيه أيضا و قد ضربه على أذنه قال" يترصد" أي يترقب. و الترصد: الترقب. و‌

فِيهِ

:" لَا تَكُنْ ظَالِماً فَإِنْ الظَّالِمِ

رَصِيدٌ

حَتَّى أُدِيلَ مِنْهُ الْمَظْلُومِ"

أي مرصود. و الراصد: الحافظ، و منه‌

قَوْلُهُ ع

" ثَلَاثُمِائَةٍ دِرْهَمٍ

أرصدها

لِشِرَاءِ خَادِمٌ"

أي حفظها‌

. (رعد)

قوله تعالى: فِيهِ ظُلُمٰاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ [2/ 19] الرعد صوت الملك، و البرق سوطه.

وَ فِي الْحَدِيثَ

" الْبَرْقِ مَخَارِيقُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ حَدِيدٍ تُضْرَبُ السَّحَابَ فتسوقه إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَدْرِ اللَّهِ فِيهِ الْمَطَرَ".