الأزهر في ألف عام‏ - ج1

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
356 /
5

[الجزء الأول‏]

آراء المفكرين في الأزهر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

كتب عباس محمود العقاد عن الأزهر:

«يكفي تاريخ كل فترة من حياة هذا المعهد الخالد للتعريف بوظيفته التي استقر عليها، و بيان مكانته التي تبوأها من الأمة في أيام خضوعها لسلطان الدخلاء الواغلين عليها، فقد تقرر بحكم العرف و التقليد و حكم العقيدة و السمعة أنه صوت الأمة الذي يسمعه الحاكم الدخيل من المحكومين. و أنه ملاذ القوة الروحية في نفوس أبناء الأمة و في نفوس الحاكمين الذين يدينون بعقيدتها ..»

و كتب دائرة معارف كوليرز» Colliers «:

... و يفد إلى الأزهر الألوف من دول العالم الإسلامي و يعتبر أقدم جامعة في العالم تدرس علوم القرآن و الشريعة مع العلوم التطبيقية و الأكاديمية.

و قال د. ثروت عكاشة وزير الثقافة في مصر في الندوة الدولية للعيد الألفي للقاهرة المنعقدة في مارس 1969.

و لقد هيى‏ء لهذه المدينة منذ إنشائها أن تقوم فيها أقدم جامعة في العالم و هي جامعة الأزهر التي كانت منذ إنشائها منهلا للثقافة الدينية، مكنت القاهرة بذلك أن تحمي لواء الثقافة الدينية بين شعوب العالم الإسلامي. كما كانت تلك الجامعة الأزهرية مشعلا للفكر. فأيقظت‏

6

الرأي و أنارت الطريق أمام المفكرين. و كذلك كانت المنبعث للنهضة العربية في القرن الماضي. و أصبحت كعبة للقاصدين في الشرق و الغرب.

ثم قال: إن مما زاد من شأنها وقوعها في منطقة بين بحرين و بين قارتين و لقد مكن لها هذا الموقع أن تصبح حاضرة من حواضر العالم منذ زمن قديم و أن تتجمع فيها ثقافات فرعونية و أغريقية و لاتينية و بيزنطية و إسلامية و مسيحية. فاكتسبت بهذا مكانة و منزلة على مر السنين.

يقول الدكتور بيير دودج‏P .Dodge في كتابه عن «

الأزهر»: «إن الأزهر ظاهرة ظهرت مع الزمن شيئا فشيئا، عشرة قرون قام فيها حارسا أمينا على الدين الاسلامي و على اللغة العربية»:

و كتب الشيخ علي الطنطاوي من علماء سوريا:

«أولئكم علماء الأزهر، و هل في الدنيا معهد علم له قدم الأزهر، و عظمة الأزهر، و أثر الأزهر في الفكر البشري و في الحضارة الإنسانية؟

أي معهد يجر وراءه أمجاد الف سنة؟ فالأزهر درة الدهر تكسرت على جدرانه أمواج القرون و هو قائم ..»

و كتب الدكتور احمد زكي:

«إني أدعو كل مفكر أن يفكر في الأزهر، و كل كاتب أن يكتب في الأزهر مدرسة الإسلام الكبرى، ليتحقق للأزهر ما يبتغيه و ما ينبغي له على ضوء من الفكر هاد إن شاء اللّه».

و كتبت دائرة معارف القرن العشرين: إن الجامع الأزهر هو أقدم جامعة علمية في العالم، و يعتبر مركزا لنشر علوم القرآن عبر التاريخ.

7

تصدير

الأزهر هو النشيد الإسلامي الخالد، الذي تردده الأجيال، و تتناقله الألسن من جيل إلى جيل، على مر العصور ..

و الجامع الأزهر هو الدعامة الأولى التي استطاع الفاطميون من ألف سنة أن يحققوا بها أهدافهم الدينية و السياسية، و أن يهيمنوا بها على الشعوب الاسلامية؛ و لا يزال المحراب الرابع الذي يقدسه و يجله المسلمون كافة، في مشارق الأرض و مغاربها.

و الجامعة الأزهرية هي أقدم و أعرق الجامعات العلمية في العالم كله حتى اليوم.

و إن هذا التاريخ الخالد، و التراث العظيم، و المشاركة الجبارة، للأزهر الشريف، في الحياة المصرية و الإسلامية عامة .. لهي الدافع الأكبر لنا على إخراج هذا التاريخ الحافل للأزهر، في ذكرى بنائه الألفية.

و إنه لمن دواعي الفخر للأزهر الشريف أن ينظر إليه المسلمون كافة خلال العشرة القرون الماضية، نظرة مملوءة بالإكبار و الإجلال، و أن يعتبروه كعبتهم الثانية التي استبدت بشرف المحافظة على التراث الإسلامي المجيد.

8

و في هذه الدراسة تأريخ لحياة هذه الجامعة العريقة، من شتى جوانبها الروحية و العقلية و العلمية و التاريخية .. و اللّه ولي التوفيق، و واهب السداد، و ما توفيقي إلا باللّه ..

المؤلف‏

9

المقدّمة

الأزهر في مقدمة الجامعات العلمية التي سارت مع التاريخ أجيالا طوالا، فهو أطولها عمرا، و أجلها أثرا في تاريخ الفكر العربي و الإسلامي؛ و إن ألف سنة أو تزيد، قضاها الأزهر الجامعي، و شاهد أحداثها الضخمة، و اشترك فيها في هذه الأحداث مؤثرا و موجها و بانيا؛ لتاريخ ممعن في الطول، لا يمكن استيعاب حياة جامعة علمية لم تدون أخبارها فيه، إلا بمشقة و عسر و جهد و إرهاق شديد .. و لم تعمر في الشرق جامعات علمية غير الأزهر في القاهرة، و الزيتونة في تونس ..

و لكن الأزهر ينفرد بضخامة ما أحدث من آثار في تاريخ العرب و المسلمين، من شتى النواحي الروحية و الثقافية و الفكرية و السياسية و القومية و الاجتماعية، بل و الاقتصادية كذلك.

و الأزهر- طول عصور التاريخ- حارس التراث العربي، و مجدد الثقافة الإسلامية، و المشعل الذي يضي‏ء و لا يخبو، و الملاذ الذي تهوي إليه أفئدة المسلمين من كل مكان، و الضوء ينير لهم الطريق، و يبصرهم سواء السبيل ... و الأزهر اليوم يتدثر برداء هذا المجد الخالد، و ذلك التاريخ القديم المجيد، و إن كان قد أصبح وئيد الأثر و التأثير في حياة الناس، في المادية المظلمة التي يعش فيها عصرنا الحاضر، و سار وراء المتنافسين في ميدان التجديد و الابتكار و اليقظة الفكرية، و قيدته أغلال ثقيلة من الركود و فقدان الحيوية، و أساءت إلى سمعته بين الناس التيارات‏

10

السياسية التي كانت تدخل في العصور السابقة إلى أروقته و محاريبه و معاهده، هدامة، قاطعة ما بين الأزهر و الناس من أسباب، و استغلال بعض الناس له، حفاظا على منصب، أو تملقا لذي سلطان.

و لكن الأزهر- مع ما انتابه في بعض الأحايين من الحيرة و التردد- يسير اليوم منطلقا إلى غاياته و أهدافه و مثله، يتطلع في نظرة الواثق إلى المستقبل، و يحتقر هؤلاء المترددين و الحائرين و المعوقين، و تنظر مئذنته الشماء في سخرية و إشفاق و احتقار، إلى الذين يحاولون أن يبنوا و أن يهدموا، فلا يستطيعون هدما و لا بناء.

و الأزهر اليوم يأبى النوم و الحياة حوله صاخبة مضطربة متحركة، و هو يكره اللهو و قد خلقه اللّه و خلق الحياة للعمل و الجد و الحيوية و النشاط.

و إذا كانت أول خطوة لفهم الإنسان لنفسه و لرسالته في الحياة هي أن يعرف تاريخه، و يعي ماضيه، و يدرس ما يتصل به من مقومات و خصائص و تراث، فإن هذا الكتاب لمما يساعد على هذه الدراسة و تلك المعرفة و هذا الوعي؛ التي هي العنصر الأول في البعث و اليقظة و الإحياء (1) ..

و إني لأقدمه إلى القارى‏ء، معتزا بأني أقدم له ثمرة مجهود شاق، و بتوفيق اللّه الذي لا ينساني، و ما توفيقي إلا باللّه ...

المؤلف‏

____________

(1) راجع كتابات لي عن الأزهر في:

- ص 147 قصص من التاريخ- للمؤلف: قصة الأزهر الجامعي بعد عشرين عاما.

- ص 50 نداء الحياة- للمؤلف: الأزهر الخالد.

- ص 58 نداء الحياة- للمؤلف: الأزهر العظيم.

- ص 65 نداء الحياة- للمؤلف: رسالة الأزهر في القرن العشرين.

- ص 55 فصول من الثقافة المعاصرة- رسالة الأزهر في النصف الثاني من القرن العشرين.

11

الباب الأوّل الأزهر خلاك التاريخ‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الفصل الأوّل مصر الإسلاميّة قبل إنشاء الأزهر

- 1-

فتحت مصر في عهد عمر بن الخطاب عام 18 ه على يد عمرو بن العاص، و بنى بها مسجده الجامع المعروف اليوم باسم «جامع عمرو بن العاص» عام 21 ه (1)، و اختط الجيزة في هذه السنة أيضا، كما اختط مدينة الفسطاط حول مسجده الجامع، و اتخذها عاصمة مصر، و حفر خليج أمير المؤمنين الموصل للنيل بالبحر الأحمر (2).

و وفد كثير من القبائل العربية على مصر زرافات و وحدانا، و أقاموا بها، و ذاعت اللغة العربية بين أهليها، بسبب اتصال العرب بأهل مصر و اختلاطهم بهم.

و قد استقر بمصر كثير من الصحابة (3) و مشاهير التابعين‏ (4) و أتباع التابعين‏ (5)، و نشأت بها طبقة من المجتهدين كالليث بن سعد المتوفى‏ (6)

____________

(1) 133 ج 2 حسن المحاضرة.

(2) راجع الجزء الأول من حسن المحاضرة للسيوطي.

(3) راجع 72 ج 1 حسن المحاضرة و ما بعدها

(4) راجع 105 ج 1 حسن المحاضرة و ما بعدها

(5) راجع 112 ج 1 حسن المحاضرة و ما بعدها

(6) راجع ج 1 120 حسن المحاضرة و ما بعدها

14

عام 175 ه، و هاجر اليها الإمام الشافعي‏ (1) المتوفى عام 204 ه، و خلفه البويطي المصري المتوفى عام 231 ه (2).

و قد نمت الحركة العلمية في الفسطاط، و كثرت الحلقات في مسجد عمرو الذي كان مركزا علميا لنشر الدين الإسلامي و تعاليمه السمحة ..

و كبرت هذه الحركة العلمية و اتسعت، و نمت و ازدهرت، و أم هذا المسجد الجامع كثير من العلماء الأعلام، و الأئمة المجتهدين، ممن أفادوا العالم الإسلامي، و أدوا له خدمة صادقة في ميادين الدين و الشريعة، و اللغة و العلوم .. و أشهر هؤلاء: عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و عبد اللّه بن لهيعة، ثم الليث بن سعد .. و قد كان للإمام محمد بن إدريس الشافعي بمسجد عمرو زاوية يدرس فيها مذهبه، و يدون آراءه، و على يديه تخرج كثير من العلماء الفضلاء الذين دونوا مذهبه، و نشروا علمه: كالربيع بن سليمان، و المازني، و البويطي، و غيرهم .. و كان أبو تمام يسقي الماء في جامع عمرو، و فيه كانت دراسته الأولى.

و قد انتشر المذهب الشافعي في مصر على يدي الشافعي و تلاميذه، و من قبل كانت السيادة للمذهب المالكي، الذي كان أول من أدخله إلى مصر عثمان بن الحكم الجذامي‏ (3) المتوفى عام 163 ه. كما كان أول محاولة لنشر المذهب الحنفي فيها على يد القاضي إسماعيل بن سميع الكندي‏ (4)، الذي ولاه العباسيون قضاء مصر عام 164 ه، فعمل على نشر مذهب أبي حنيفة فيها، و كرهه المصريون من أجل ذلك كرها شديدا.

و يذكر السيوطي في كتابه حسن المحاضرة كثيرا ممن كانوا بمصر من‏

____________

(1) راجع ج 121 ج 1 حسن المحاضرة و ما بعدها، 138 ج 1 ابن خلكان.

(2) راجع 123 ج 1 حسن المحاضرة و ما بعدها.

(3) 190 ج 1 حسن المحاضرة.

(4) 196 ج 1 المرجع‏

15

حفاظ الحديث و نقاده‏ (1)، و من المحدثين الذين لم يبلغوا درجة الحفظ (2)، كما يذكر من كان بها من الفقهاء الشافعية (3) و المالكية (4) و الحنفية (5) .. أما الحنابلة فكانوا قليلين فيها، و لم يسمع السيوطي كما يقول بخبرهم إلا في القرن السابع و ما بعده‏ (6) .. كما يذكر من كان بها من أئمة القراءات‏ (7)، و من الصلحاء و الزهاد و الصوفية (8) و أئمة النحو و اللغة (9)، و أرباب المعقولات و علوم الأوائل و الحكماء و الأطباء و المنجمين‏ (10)، و قد ظل التدريس في الجامع العتيق عامر الحلقات مدة طويلة.

خضعت مصر- أول ما خضعت للحكم لإسلامي- للخلفاء الراشدين، ثم لدولة بني أمية، ثم لدولة بني العباس، و كان يختار لها ولاة يثق بهم الخلفاء

- 2-

و استقل بمصر أحمد بن طولون و كان قد ولي الحكم فيها سنة 253 ه، ثم أضيفت إليه نيابة الشام و العواصم و الثغور و إفريقية، فأقام بها مدة طويلة، و بنى جامعه المشهور، و كان ميلاده في بغداد عام 214 و كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح السماني عامل بخاري إلى المأمون.

____________

(1) 145 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(2) 155 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(3) 167 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(4) 190 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(5) 197 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(6) 205 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(7) 207 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(8) 218 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(9) 228 و ما بعدها ج 1 حسن المحاضرة

(10) 232 ج 1 حسن المحاضرة و ما بعدها

16

و استمر ابن طولون أميرا على مصر حتى مات بها عام 270 ه (1)، و ولي بعده ابنه أبو الجيش خمارويه، و ظل أميرا على مصر حتى قتل عام 282 ه، و ولي بعده ابنه «جيش» فأقام تسعة أشهر قتل بعدها، و خلفه أخوه هارون بن خمارويه الذي ظل أميرا على مصر حتى قتل عام 292 ه، و ولى عمه أبو المغانم شيبان، فورد من قبل المكتفي بعد اثني عشر يوما من ولايته محمد بن سليمان الواثقي الذي سلم إليه شيبان الأمر، و استصفى أموال آل طولون، و انقضت الدولة الطولونية، و امحت أيامها من تاريخ مصر السياسي.

كان من البدهي أن تكون عاصمة الملك في أيام الدولة الطولونية هي مدينة أحمد بن طولون، و أصبح مسجده المشهور محط الرحال، و مجلس العلماء، و مستقرا للحلقات العلمية الكثيرة التي تدرس فيها علوم الدين و اللغة و الأدب .. و ظهر في مصر و في حلقات مسجد أحمد بن طولون كثير من العلماء و الأئمة و الأدباء و الشعراء.

و مع ذلك فقد ظل «مسجد عمرو» يؤدي رسالته بجانب المسجد الطولوني الكبير، بل ظل إلى أمد قريب يعج بالحلقات و العلماء، حتى لبروى أنه كان فيه قبل عام 749 ه بضع و أربعون حلقة، لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه‏ (2).

أسس جامع ابن طولون‏ (2) عام 263 ه، في مدينة أحمد بن طولون التي سماها «القطائع»، و فرغ من بنائه عام 266 ه. و صلى فيه القاضي بكار إماما و خطب فيه أبو يعقوب البلخي، و أملى فيه الحديث الربيع بن سليمان تلميذ الإمام الشافعي‏ (3)، و ظلت الحلقات العلمية فيه إلى أمد بعيد، فكانت فيه دروس للتفسير و الحديث و الفقه على‏

____________

(1) راجع 9 و 10 ج 2 حسن المحاضرة.

(2) 136 ج 2 حسن المحاضرة طبعة القاهرة 1327

(3) 137 ج 2 المرجع السابق‏

17

المذاهب الأربعة، و القراءات و الطب و الميقات‏ (1) .. و كان أعمر ما يكون في دولة بني طولون.

- 3-

و في عام 321 ه ولي على مصر من قبل خلفاء بني العباس محمد ابن طغج الإخشيدي الذي أقام الدولة الإخشيدية في مصر و الشام، و مات في ذي الحجة عام 334 ه، و خلفه ابنه أبو القاسم أنوجور و كان صغيرا، فأقيم أستاذه كافور الإخشيدي وصيا عليه، و حكم المملكة باسمه، و مات أنوجور عام 349 ه، فقام أخوه على مقامه حتى مات عام 355 ه، فاستقرت المملكة باسم كافور ودعي له على المنابر في مصر و الشام، و مات عام 357 ه، فولى المصريون بعده أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد، فأقام شهورا حتى فتح الفاطميون مصر، و انتزعها جوهر الصقلي منه عام 358 ه.

و في عهد الدولة الإخشيدية ظل المسجد العتيق و مسجد أحمد بن طولون يؤديان رسالتهما العلمية.

كانت الحلقات العلمية في هذين المسجدين حافلة بالعلماء و المتعلمين، و كانت تعقد حلقات خاصة في منازل أكابر العلماء و الفقهاء، حيث كانوا يجتمعون بتلامذتهم، يقرأون و يدرسون بعض شروح الفقه الإسلامي، و بعض كتب العبادات و التصوف و اللغة و الأدب، و من ذلك حلقة ببيت عبد اللّه بن الحكم الفقيه المالكي و ولديه عبد الرحمن و محمد، و كانوا من أنبغ الفقهاء المحدثين حتى أوائل القرن الثالث ... و هذه الأسرة هي التي أكرمت وفادة الإمام الشافعي في مصر .. و في القرن الرابع كان العلماء في المسجد العتيق و المسجد الطولوني عديدين، و كان من أشهرهم: أبو القاسم بن قديد، و تلميده الكندي صاحب الكتاب‏

____________

(1) 138 ج 2 المرجع السابق.

18

المشهور في تاريخ ولاة مصر و قضاتها، و أبو القاسم بن طباطبا الحسني الشاعر .. و كانت مجالس الدراسة و الحلقات الأدبية الخاصة من تقاليد الحياة المصرية العالية، و شجع الإخشيدي و خلفاؤه العلوم و الآداب و دراسة الشريعة، و كانت حلقة المتنبي الذي وفد إلى مصر عام 346 ه- 597 م من أحفل مجالس الأدب و الشعر و النقد.

و لقد كانت السيدة نفيسة بنت سيدى حسن الأنور تعتكف بمسجد عمرو.

19

الفصل الثاني مصر في ظلاك الدولة الفاطميّة

تمهيد:

إن شيعة علي (كرم اللّه وجهه) بعد قتل علي ظلت تتوارث الدعوة إلى خلافة آل البيت، لإعادة الملك و الخلافة للعلويين، و زعم الكثير منهم أن الخلافة لم تصح و لن تصح لغير أهل البيت من أولاد علي .. و لما عجز العلويون عن الاستحواذ على السلطة من طريق السياسة و القوة، لقتل من خرج من أئمتهم، التمسوها من طريق الدين، فقالوا: إن اللّه لا يترك خلقه بدون إمام حق، و اعتقدوا أن ذلك الإمام هو المهدي المنتظر، الذي يبيد المغتصبين، و يحيي مجد بيت رسول اللّه.

بدء الدعوة للفاطمية:

في عام 280 ه- 893 م ذهب أحد دعاة الشيعة، و اسمه «أبو عبد اللّه الشيعي» إلى بلاد البربر بشمالي إفريقية، داعيا لعبيد اللّه بن محمد من نسل جعفر الصادق، فنجح في دعوته «و طرد الأمير الأغلبي الحاكم لتلك البلاد التابع للدولة العباسية، و ذلك عام 296 ه- 908 م، و أعلن أن الخليفة الحقيقي للمسلمين و رئيس دينهم المنتظر هو إمامه «عبيد اللّه» الملقب بالمهدي، من نسل فاطمة بنت رسول اللّه، و لذلك سميت سلالته بالفاطميين.

20

قيام الدولة الفاطمية:

حضر عبيد اللّه إلى بلاد المغرب، و ظل ملكا عليها مدة كبيرة (297- 322 ه: 910- 934 م)، كان الأمر فيها كله بيده، و أخضع قبائل العرب، و البربر، و دان له الحاكم المسلم الوالي على جزيرة صقلية، و جاهد في سبيل نشر الدين و محاربة البدع في تلك البلاد، و كان من أكبر أمانيه فتح مصر، فأرسل لغزوها ثلاثة جيوش: اثنين منها بقيادة ابنه «أبي القاسم» فحال دون نجاحه عدة أمور، منها مجاعة في المغرب حدثت عام 316 ه، و وباء فشا في أحد هذه الجيوش، و فتكت عدواه بأهل المغرب .. و شغل عبد اللّه بالأمور الداخلية باقي حياته.

و في عام 322 ه- 934 م خلفه ابنه الأكبر «القائم بأمر اللّه أبو القاسم محمد»، فبذل غاية همته في توسيع نطاق ملكه، و أرسل أسطولا أغار على شواطى‏ء إيطاليا و فرنسا و الأندلس، و أرسل جيشا إلى مصر هزمه الإخشيد، و وطد ملكه في شمال إفريقية.

و خلفه «المنصور إسماعيل» سنة 333 ه- 945 م، فسار في الملك سيرة أبيه نحو سبع سنوات.

و لما مات خلفه ابنه «المعز لدين اللّه أبو تميم معد» سنة 341 ه- 953 م، فكانت أيامه مبدأ عصر جديد في تاريخ الفاطميين، و كان مثقفا ثقافة عالية، سياسيا داهية، وطد ملكه في بلاد المغرب، فدانت له جميع رؤساء القبائل المغربية، و خضعت له مراكش بأكملها حتى شواطى‏ء المحيط الأطلسي .. ثم صرف همه لفتح مصر، فحفر الآبار، و بنى أماكن للاستراحة في الطريق الموصل إليها، و كانت مصر وقتئذ في اضطراب لحقها عقب وفاة كافور، و لم يكن في وسع خلافة بغداد مساعدتها لاشتغالها بصد غارات القرامطة، و كان دعاة المعز ينشرون دعوتهم في أنحاء كثيرة من القطر المصري .. و وكل المعز قيادة الجيش الفاتح إلى أكبر قواده، و هو جوهر الصقلي الرومي الأصل، و كان تحت‏

21

إمرته مائة ألف مقاتل مزودين بالآلات الحربية، و بالمال الكثير.

جوهر الصقلي فاتح مصر:

ولد جوهر بجزيرة صقلية نحو عام 300 ه، و مع أنه رومي الأصل إلا أنه نشأ في صقلية نشأة إسلامية خالصة، فقد دخل الإسلام جزيرة صقلية سنة 212 ه، و يرجح المؤرخون ان أباه كان مسلما (1).

و اتصل جوهر ببلاط المعز، و يبدو أنه كان في حاشيته العسكرية، و قد قربه الخليفة الفاطمي، لما توسمه فيه من الإخلاص للدين، و لمواهبه الفذة و ثقافته الواسعة، و ظل يتدرج في سلك المناصب في دولة المعز، حتى اتخذه المعز كاتبا له عام 341 ه- 953 م، و هي السنة التي ولى المعز فيها الخلافة، ثم رقاه إلى منصب الوزارة سنة 347 ه، و ولاه قيادة جيش كثيف لتوسيع ملك المعز في شمالي إفريقية، و قد انتصر جوهر، و توغل في فتوحه حتى وصل إلى شاطى‏ء المحيط الأطلسي.

و لما فكر المعز في فتح مصر أسند لجوهر قيادة الجيش الفاتح، و لما رحل جوهر من القيروان إلى مصر في يوم السبت 14 ربيع الثاني عام 358 ه- فبراير 969 م، خرج الخليفة لتوديعه بنفسه، و قال: و اللّه لو خرج جوهر وحده لفتح مصر و ليدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب، و لينزلن في خرابات ابن طولون، و يبني مدينة تقهر الدنيا، و انشد ابن هاني الأندلسي المعزّ قصيدته:

رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع‏* * * و قد راعني يوم من الحشر أروع‏

غداة كأن الأفق سد بمثله‏* * * فعاد غروب الشمس من حيث تطلع‏

فلم أدر إذ ودعت كيف أودع‏* * * و لم أدر إذ شيعت كيف أشيع‏

ألا إن هذا حشد من لم يذق له‏* * * غرار الكرى جفن و لا بات يهجع‏

إذا حل في أرض بناها مدائنا* * * و إن سار من أرض غدت و هي بلقع‏

____________

(1) تاريخ جوهر الصقلي لعلي إبراهيم حسن ط 1933.

22

تحل بيوت المال حيث محله‏* * * و جم العطايا و الرواق المرفع‏

و كبرت الفرسان للّه إذ بدا* * * و ظل السلاح المنتصى يتقعقع‏

و عب عباب الموكب الفخم حوله‏* * * ورق كما رق الصباح الملمع‏

رحلت إلى الفسطاط أول رحلة* * * بأيمن فأل بالذي أنت تجمع‏

فإن يك في مصر ظماء لمورد* * * فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع‏

و وصل جوهر إلى برقة، و منها سار حتى الإسكندرية في رجب 358 ه، ثم استمر في سيره فدخل مصر وقت الزوال من يوم الثلاثاء 17 شعبان عام 358 ه بناء على صلح عقد بين المصريين و الفاطميين، و جاء في وثيقة الصلح الرسمية (1): إنه يتعهد ب «نشر العدل، و بسط الحق، و حسم الظلم، و قطع العدوان، و نفي الأذى و رفع الحزن، و القيام في الحق، و إعانة المظلوم، مع الشفقة و الإحسان، و جميل النظر و كرم الصحبة، و لطف العشرة و افتقاد الأحوال، و حياطة أهل البلد في ليلهم و نهارهم الخ».

و اتصل نبأ الفتح بالمعز فسر سرورا عظيما، و نظم ابن هانى‏ء أمامه قصيدته:

تقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟* * * فقل لبني العباس: قد قضي الأمر

و أخذ جوهر يعمل على بث الدعوة للمعز الفاطمي في مصر خاصة و لأهل بيته من العلويين عامة، و اختط مدينة القاهرة المعزية، و بنى الأزهر الشريف، و صار جامع عمرو و جامع ابن طولون و الجامع الأرهر مراكز للدعاية لعقائد العلويين الفاطميين و دعوتهم، كما كانت الدعوة لهذا المذهب تذاع على يدي داعي الدعاة و من كان يعاونه من الدعاة.

خطب للمعز في جامع عمرو في التاسع عشر من شعبان سنة 358 ه- 969 م، و كان ذكر المعز في خطبة الجمعة بدل اسم الخليفة

____________

(1) 67- 80 اتعاظ الحنفا

23

العباسي حادثا خطيرا في تاريخ مصر، و في يوم الجمعة 18 من ذي القعدة سنة 358 ه دعا الخطيب لآل البيت و زاد في الخطبة: «اللهم صل على محمد المصطفى، و على علي المرتضى، و على فاطمة البتول، و على الحسن و الحسين سبطي الرسول الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، اللهم صل على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين» ... و في يوم الجمعة 8 جمادي الأولى 359 ه صلى جوهر بجامع ابن طولون و أذن المؤذنون: «حي على خير العمل» ..

أما الجامع الأزهر فقد كان أهم مركز للدعوة الفاطمية.

و لا ننسى أن نذكر أن جوهرا قد وضع أساس المدينة الجديدة «القاهرة المعزية» في الليلة التي دخل فيها مدينة الفسطاط، أي في 17 شعبان 358 ه- 17 يوليو 969 م و أقام فيها قصر الخليفة المعز، و وضع أساسه في اليوم التالي .. و تشمل القاهرة المعزية على ما رواه المقريزي أحياء: الجامع الأزهر و الجمالية و الحسينية و باب الشعرية و الموسكى و الغورية و باب الخلق، و قد أحيطت القاهرة بسور كبير من اللبن، و كانت بولاق هي ميناء القاهرة، و قد أصبحت بولاق بعد ذلك بمدة كبيرة مدينة تجارية منذ سنة 713 ه، عندما أمر الملك الناصر بعمارتها و بنى بها الدور على شاطى‏ء النيل فسكنها الناس و عمروها. و قد جعل جوهر للقاهرة أربعة أبواب هي بابا زويلة و باب النصر و باب الفتوح.

و بعد ذلك رحل المعز من مدينته المنصورية (1)، و دخل القاهرة في 7 رمضان سنة 362 ه نصف يونيو 973 م، و ظل ملكا على مصر حتى توفي عام 365 ه، و توفي بعده جوهر بمدة كبيرة، و ذلك عام 381 ه (20/ 1 ابن خلكان).

____________

(1) راجع الحديث عنها في كتاب «الموعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار» للمقريزي 1366 ج 1. و هذا الاسم أطلقه إسماعيل بن المنصور ثالث الخلفاء الفاطميين على مدينة «صبرة» و تتصل بالقيروان و قد بناها المنصور الفاطمي في سنة 337 ه و استوطنها و سماها المنصورية (ص 25 البكري).

24

المعز الملك الفاطمي:

هو الخليفة الفاطمي الرابع، ينتسب إلى رسول اللّه عن طريق ابنته فاطمة الزهراء و إلى علي بن أبي طالب ابن عم الرسول.

ولد بمدينة المهدية قرب القيروان، و هي عاصمة الفاطميين، و ذلك في 11 رمضان سنة 317 ه، و أمه أم ولد. و ربي تربية عالية، و كان ولي عهد أبيه المنصور، و ولي الخلافة عام 341 ه .. و في عام 348 فتحت جيوشه بقيادة جوهر مصر.

خرج المعز من المنصورية دار ملكه يوم الاثنين 21 شوال عام 361 ه: 5 أغسطس عام 972 .. و دخل الاسكندرية يوم السبت 23 شعبان 362 ه: 29 مايو 973 م.

و قد دخل القاهرة عام 362 ه- 973 م، و توفي في 14 ربيع الثاني 365 ه- 20 ديسمبر 975 م، بعد أن وسع دولته، و صبغها بصبغة عالية من الحضارة و الرقي و النهضة، و كانت القاهرة بعد إنشائها عاصمة ملكه الضخم.

كان نقش خاتم المعز يحمل شعار دولته و هو «لتوحيد الإله الصمد دعا الإمام معد، لتوحيد الإله العظيم دعا الامام أبو تميم».

و قد وضع على كل مصلحة من مصالح الحكومة موظفين: أحدهما مصري و الآخر مغربي .. و كان عهده على قصره من أزهى عصور مصر و أزهرها، و زادت فيه ثروة البلاد زيادة كبيرة. و كانت القاهرة إذ ذاك تسمى «المدينة»، و كانت في الحقيقة عبارة عن قصرين عظيمين و لواحقهما:

بهما من السكان 30000 نسمة، و كان بين القصرين ميدان عظيم يكفي لاستعراض 10000 جندي، و كان ثروة الأسرة المالكة زمن المعز و بعده فوق ما يتصور، فإن إحدى بناته ماتت و تركت وراءها ما يعادل 000، 000، 2 دينارا، و أخرى تركت خمسة أكياس من الزمرد و مقادير كثيرة من الأحجار الكريمة الأخرى علاوة على 3000 إناء فضي مطعم.

25

و قد بذل «المعز» غاية وسعه في استجلاب محبة الناس و احترامهم له، بعدله، و حسن إدارته و التفاته إلى جميع دقائق شؤونهم. فكان يرأس بنفسه حفلة قطع الخليج، و زاد من محبتهم له إرساله كسوة فاخرة للكعبة كل عام. و منع جنده من البقاء في المدينة بعد الغروب، اجتنابا لما عساه أن يحدث من الهياج، و ألغى نظام جباية الخراج بواسطة الملتزمين، للخسارة التي كانت تلحق البلاد من وراء أرباحهم الباهظة، و بذلك زاد الخراج بدون أن يضر بمصلحة المزارعين.

و كان للمعز عدة أبناء، و من بناته رشيدة بنت المعز، و عبدة بنت المعز (1).

و قد خلف المعز ابنه العزيز باللّه أبو منصور نزار (2) 365- 386 ه:

975- 966 م، و كان يعقوب بن كلس أكبر وزرائه.

و بعده تولى حكم مصر الحاكم بأمر اللّه أبو علي منصور 386- 411 ه: 996- 1021 م، و قد مات مقتولا.

و خلفه ابنه الظاهر لإعزاز دين اللّه أبو الحسن علي 411- 427 ه:

1021- 1036 م.

و تولى بعده ابنه المستنصر باللّه أبو تميم معد 427- 487 ه:

1036- 1094 م .. و ظل الفاطميون يتوارثون حكم مصر (3)، حتى انتهى ملكهم منها عام 567 ه.

____________

(1) 114 ج 5 التمدن الاسلامي لجورجي زيدان.

(2) ولد في المهدية عام 344 ه.

(3) و هم: المستعلى باللّه (487- 495 ه)، و الآمر بأحكام اللّه المنصور (495- 524 ه)، ثم الآمر بأحكام اللّه عبد المجيد (524- 544 ه)، ثم الظافر (544- 549 ه)، ثم الفائز (549- 555 ه)، ثم العاضد (555- 566 ه)

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

الفصل الثالث تأسيس الأزهر و بدء حياته الجامعيّة

الأزهر بيت العلم العتيق، و مثابة الثقافة الاسلامية، حمل لواء المعرفة في مصر و في الشرق الإسلامي قرونا متصلة، و حفظ التراث الإسلامي دينا و لغة من عاديات الزمن، و نشره على الآفاق، و لم يبخل به على أي طالب علم قصده من مشارق الأرض أو مغاربها. و قد ظل الأزهر طوال ألف سنة- و ما يزال حتى اليوم- كعبة العلم و الدين، و معقد آمال المسلمين، و قد تخرج فيه أفواج و أفواج من جلة العلماء انتشروا في بقاع الأرض، و حملوا معهم مشاعل المعرفة و الثقافة التي تزودوا بها في الأزهر، فأضاؤو جنبات الأرض علما و نورا و تقى.

أنشأ الجامع الأزهر جوهر الصقلي قائد الخليفة الفاطمي «المعز لدين اللّه»، و شرع في بنائه يوم السبت لست بقين من شهر جمادى الأول‏ (1) سنة 359 ه (970 م)، و كمل بناؤه لسبع خلون من شهر رمضان سنة 361 ه 22 يونيو 972 م، و كان الغرض من إنشائه أن يكون رمزا للسيادة الروحية للدولة الفاطمية، و منبرا للدعوة التي حملتها هذه الدولة الجديدة إلى مصر. و قد كتب بدائرة القبة التي في الرواق الأول و هي على يمين المحراب و المنبر ما نصه بعد البسملة: مما أمر ببنائه عبد اللّه‏

____________

(1) يذكر بعض المؤرخين انه شرع في بنائه في يوم السبت الرابع من شهر رمضان عام 359 ه (273 ج 2 المقريزي، 364 ج 3 القلقشندي).

28

و وليه أبو تميم معد الإمام المعز لدين اللّه أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الأكرمين)، على يد عبده جوهر الكاتب الصقلي، و ذلك في سنة ستين و ثلثمائة».

و قد أطلق على هذا المسجد اسم الأزهر، نسبة إلى فاطمة الزهراء التي ينتسب إليها الفاطميون، أو لأنه كان يحيط به قصور فخمة، تسمى بالقصور الزهراء، أو لأنه يظن أن هذا الجامع أكثر الجوامع فخامة ورواء، أو للتفاؤل بأنه سيكون أعظم المساجد ضياء و نورا.

وضع يوم السبت 24 جمادى الأول سنة 359 ه الحجر الأساسي له «و ظل العمال و المهندسون يعملون في بنائه عامين تقريبا حتى جاءت أول جمعة رمضان سنة 361 ه، فجمعت فيه، باحتفال رسمي هائل، تجلت فيه أبهة الملك و سؤدده و عظمته، التي اشهر بها الفاطميون أكثر من سواهم. و المقريزي يصف لنا هذا الاحتفال و صفا شائقا يفيض روعة و جلالا.

و بعد أن استقر سلطان المعز، و تم بناء المعقل الذي أقامه للدعوة، أفرغ جهده في إحكام دولته و تنظيمها، و وفق في ذلك أكثر توفيق، و قطع المعز الفاطمي كل علاقة بينه و بين الخليفة العباسي، و قضى على كل صلة روحية له في مصر، فقصر التدريس في الأزهر على المذهب الفاطمي في الفقه، و تعاليم الفقه، و تعاليم الشيعة في الدين و الفلسفة و التوحيد، و استجلب لهذه الدراسة أكابر العلماء و فطاحل الفقهاء في عصره، و كان عددهم ثلاثين عالما، أجزل لهم العطاء و بنى لهم منازل فخمة ألحقت بالأزهر فيما بعد، و صارت من أروقته، و شرعوا يدرسون و يتفقهون في مذاهب الفاطميين و تعاليمهم و يهدمون بذلك المذاهب الأخرى التي كانت شائعة في بغداد مقر الخلافة و سائر البلاد الإسلامية، و كانت هذه النخبة الممتازة من الأساتذة و على رأسها كبير العلماء «أبو يعقوب قاضي الخندق» سببا من الأسباب التي جعلت الأزهر يصبح‏

29

قبل كل طالب من أقاصي الأرض بعد أن ذاع صيته في الآفاق. و ذكر المقريزي أن أول ما درس في الأزهر الفقه الفاطمي على مذهب الشيعة، فإنه في صفر سنة 365 ه جلس قاضي مصر «أبو الحسن علي بن النعمان ابن محمد بن حيون» و أملى مختصر أبيه في الفقه على أهل البيت، و يعرف هذا المختصر بالاقتصار، و كان جمعا عظيما أثبتت فيه أسماء الحاضرين .. فكان الأزهر على ذلك ظل معطلا منذ افتتاحه أربع سنوات من التدريس حتى جاء صفر سنة 365 ه و افتتحت الدراسة فيه باجتماع عظيم حضره كثيرون، و قيدوا أسماءهم.

و استوزر (المعز) و ابنه (العزيز) من بعده الوزير يعقوب بن كلس، و هو يهودي الأصل ثم أسلم، و لعل الخليفة تخيره لما اشتهر عن اليهود من الحذق في الدعاية و إتقانها، و قد نشط الوزير فألف كتابا في الفقه، يتضمن ما سمعه من الخليفة المعز و ابنه من بعده. و هذا الكتاب مبوب على أبواب الفقه الفاطمي، و كان يقرؤه على الناس، و كان يجلس بنفسه يوم الجمعة يقرأ على الناس في مجلس خاص به مصنفاته كما يجتمع يوم الثلاثاء بالفقهاء و جماعة المتكلمين و أهل الجدل.

قام المعز بتأسيس الأزهر إذن، و استوزر ابن كلس و عمل على استجلاب أكابر العلماء، و أوعز اليهم تدريس الفقه الفاطمي، و لم تقتصر هذه الدعوة في اتجاهها على هذه الناحية فقط، بل هناك ناحية سرية كان يقوم بها (داعي الدعاة) و أعوانه، من قبل الحكومة، ليبثوا تعاليم الشيعة و مبادئهم و دعوتهم من طريق السر و الخفاء أحيانا و من الجهر و العلانية في غالب الأحيان. و كان لهذا الداعي مجلس يفرده في الأزهر للنساء، و هذه الدعوة كما يقول المقريزي وضعوا فيها الكتب الكثيرة، و صارت علما من العلوم المدونة، ثم اضمحلت و ذهبت بذهاب أهلها.

سلك الفاطميون في دعوتهم طريق الجهر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، و سلكوا الخفاء و التستر إذا أعوزتهم الحاجة، و كانوا يدرسون الفقه‏

30

الفاطمي علانية لأنه الوسيلة المناسبة التي يستطيعون بها الدخول على سائر الشعب المصري، الذي كانت تهيمن عليه السنة و مذاهبها سيما المذهب الشافعي منها، و لأن حاجة الناس الى الفقه ماسة، ينظمون به شؤونهم و يحددون به أحوالهم الشخصية و ما يتبعها من حقوق و واجبات، سيما و أن هذا الفقه في قضاياه ليس بعيد الخلاف مع السنة، بعد مزج التعاليم الشيعية و فلسفتها مع مبادى‏ء التوحيد الإسلامي، و كان يقوم بكل هذا العلماء المعينون و أتباعهم و كانوا يمنحون مرتبات شهرية، و جعلوا ذلك بابا من أبواب الدعوة .. و كان القائم بهذه الدعوة هو داعي الدعاة، و هو من كبار الموظفين، و كان يلي قاضي القضاة في الرتبة و يتزيّا بزيه، و كانت وظيفة قاضي القضاة و داعي الدعاة تسندان في كثير من الأحيان إلى رجل واحد، و قد خصص لداعي الدعاة قسم كبير من قصر الخلفاء الفاطميين، و كان يساعده في نشر تعاليم الفاطمية اثنا عشر نقيبا، كما كان له نواب ينوبون عنه في البلاد بلغ عددهم مائة و واحدا و خمسين، و كان فقهاء الدولة البارزون في الشريعة الإسلامية تحت نفوذه و له مكان خاص بالقصر هو (دار العلم)، فكانوا يتصلون به و يتلقون عنه الأوامر و يقدمون إليه في يوم الاثنين و يوم الخميس ما أعدوه للمحاضرة في أصول المذهب الفاطمي و كانت المحاضرات تعرض قبل إلقائها على الخليفة فيقرؤها و يذيلها بإمضائه ثم تبلغ اليهم عن طريق (داعي الدعاة) و هو الذي يعرضها بنفسه على الخليفة. و كان الداعي فوق هذا يعقد المجالس و يقرأ على الناس من مصنفاته، و كان يجلس على كرسي الدعوة في الإيوان الكبير فيحاضر الناس، و يعقد للنساء مجلسا خاصا بالأزهر، و فيه يلقنهن أصول مذهب الإسماعيلية أو الفاطمية.

و لم يكن ذلك كل ما قام به الفاطميون في نشر مذهبهم، فكانت هناك مجالس تعرض على الناس كل على حسب طبقته، فكان لأهل البيت مجلس، و للخاصة مجلس. و شيوخ الدولة مجلس، و للعامة و الطارئين مجلس، و الوافدين من البلاد الأجنبية مجلس.

31

و كان عندما يفرغ داعي الدعاة من إلقاء محاضرته على المؤمنين و المؤمنات أقبلوا عليه فقبلوا يديه فيمسح على رؤوسهم بالجزء الذي عليه إمضاء الخليفة، و كان من اختصاص (داعي الدعاة) جمع النجوى و تدوين اسم من يدفع إليه أكثر من المال المقرر، و النجوى نوع من الصدقة مقدارها ثلاثة دراهم و ثلث درهم، أما السادة الإسماعيلية فكان الواحد منهم يدفع ثلاثة و ثلاثين دينارا و ثلثي دينار و يمتازون عن عامة الناس فيعطى الواحد منهم رقعة مذيلة بإمضاء الخليفة و فيها هذه العبارة (بارك اللّه فيك و في مالك و ولدك و دينك) .. و قد لاقت الدعوة الفاطمية السياسية و الدينية نجاحا عظيما في خلافة الحاكم بأمر اللّه، فقد بذل هذا الخليفة مجهودا كبيرا في نشرها حتى أرغم الناس عليها لقوانينه الجائرة و انضموا إليها مكرهين.

و أهم الكتب التي تبحث في هذه التعاليم كما يقول الأستاذ أحمد توفيق عياد: كتاب «أسرار الباطنية للباقلاني المتوفى سنة 403 ه» و «الملل و النحل» للشهرستاني و «رسائل إخوان الصفا»: و يجب أن يشار إلى وثيقة هامة في هذا الموضوع و هي المخطوط الموجود بدار الكتب بالقاهرة و عنوانها (رسائل الحاكم بأمر اللّه و القائمين بأمر دعوته). كما أنه يوجد مخطوط آخر في أربعة مجلدات بالمكتبة الأهلية بباريس عنوانه (المشاهد و الأسرار التوحيدية لمولانا الحاكم).

و منها يتبين أن الدعوة قد بنيت على آراء فلسفية مصدرها عقائد الباطنية و المعتزلة و الفلسفة و هي أساس الشريعة عن الفاطميين قد حلت في عهد الحاكم في محل القرآن و السنة، و منها يتضح كيف بلغت هذه الدعوة و عملت في عقول الأهالي حتى تجاسر الحاكم أن يدعي الألوهية و أن اللّه قد تجسم في شخصه. و هذه الدعوة تلخص لنا تعاليمهم، و الأصل فيها أنهم أخذوا مذهب الأفلاطونية الحديثة و طبقوه على مذهبهم الشيعي تطبيقا غريبا، و استخدموا ما نقله إخوان الصفا في رسائلهم من هذا المذهب الأفلاطوني.

32

و دعوتهم مرتبة على منازل، دعوة بعد دعوة، حتى تبلغ هذه الدعوات تسعا يبدأ الداعي أولا باستدراج المدعو بعد أن يكون قد وقف على هذه التعاليم و مبلغ إيمانه بدينه، و يستهويه إلى هالته العقلية، و يشرع يشككه في أفكاره بأسئلة إنكارية: ما معنى العدو بين الصفا و المروة؟ و لم كانت الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة و ما بال اللّه قد خلق الدنيا في ستة أيام؟ أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ و ما معنى الصراط المضروب في القرآن مثلا و الكاتبين و الحافظين؟ أخاف أن نكابره و نجاحده حتى أدلى العيون و أقام علينا الشهود و قيد ذلك في القرطاس بالكتابة؟

و هكذا يستمر يلقي الأسئلة سراعا و ينفث سموم الريب في النفس، ثم يعقب على هذه الأسئلة بأسئلة الغرض منها استهواء المدعو إلى حظيرة الفلسفة و الهرطقة التي كانوا يقولون بها: أين أرواحكم؟ و كيف صورها و أين مستقرها، و ما أول أمرها؟ و الإنسان ما هو؟ و ما حقيقته؟ و ما الفرق بين حياته و حياة البهائم؟ و ما معنى قول الفلاسفة: الانسان عالم صغير و العالم إنسان كبير؟ و أمثالها حتى إذا علم الداعي أن نفس المدعو قد تعلقت بما سأله عنه و طلب منه الجواب عنها، قال له حينئذ: لا تتعجل فإن دين اللّه أعلا و أجل من أن يبذل لغير أهله، ثم بعد حديث و إغواء يأخذ عليه عهدا ألا يفشي سرا، و لا يظاهر أحدا عليهم، و لا يطلب لهم غيلة، و لا يكتمهم نصحا! و لا يوالي عدوا لهم، فإذا أعطى العهد طلب منه جعلا من المال يجعله مقدمة أمام كشفه له الأمور و تعريفه إياها.

و ينتقل إلى الدعوة الثانية و مرماها إثبات ضرورة وجوب الإمام الذي ينصبه اللّه للناس، و إلى تقرير أن الأئمة السبعة آخرهم محمد بن إسماعيل ابن جعفر، و هو صاحب ذلك الزمان، و عنده علم المستورات و بواطن المعلومات التي لا يمكن أن توجد عند أحد غيره، و على جميع الكافة اتباعه و الخضوع له و الانقياد إليه و التسليم له، لأن الهداية في موافقته و اتباعه و الضلال و الحيرة في العدول عنه .. ثم ينتقل إلى تعليل اعتقادهم في الأئمة و النقباء الاثني عشر.

33

و هنا يكون الداعي قد تمكن من نفس المدعو فيعمل على تعمير منطقة العقل و يدعوه إلى النظر في كلام أفلاطون و أرسطو و فيثاغورس، و ينهاه عن قبول الأخبار و الاحتجاج بالسمعيات.

ثم ينتقل إلى اثبات معجزة النبي الصادق و الوحي على طريقة تعاليمهم الشيعية. و قد ظلت الدعوة قائمة الى هذه المبادى‏ء، و كان من زعمائها في القرن الخامس الهجري «الحسن بن محمد الصباح».

و هذه التعاليم تظهر بجلاء في رسائل إخوان الصفا، و توهم أن الروح التي أملتها روح عالية تتسع آفاقها لاستيعاب حيز كبير من حقائق هذا الوجود، و أن العقلية التي أخرجتها عقلية حرة جريئة. و الواقع ربما خالف هذا فإن الفاطميين و إن كان يشم من كلامهم الدعوة إلى وحدة الوجود، و النظر إلى هذا العالم بعين الحكمة و الاعتبار و التفلسف، إلا أنهم أفسدوا هذه النظرة السامية بحجرهم على العقول في الاعتقاد بأئمتهم، و أفسدوا كل شي‏ء حينما حاولوا أن يستغلوا ما في هذه التعاليم من طرافة و طلاوة لمصلحتهم الخاصة، بمحاولة تطبيقها على ما تبتغي أهواؤهم السياسية، و أنهم حاولوا فرض شي‏ء كثير من الاستبداد على عقول الناس و مشاعرهم لحد يكاد يبلغ الجمود، و آية ذلك ظاهرة في الفقه في هذا العصر، و توقف التفكير فيه عند حد التقليد و عجزه عن الابتكار و الرأي و القياس. و آية ذلك ظاهرة في بعض شعراء هذا العصر الذين أفسدت عليهم شاعريتهم حتى صاروا يؤلهون الحاكم و يعتقدون أن اللّه قد يتجسم في شخص الأئمة و الخلفاء: من ذلك ما قاله ابن هانى‏ء الأندلسي في المعز:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار* * * فاحكم فأنت الواحد القهار

و كأنما أنت النبي محمد* * * و كأنما أنصارك الأنصار

و هو الذي تجدي شفاعته غدا* * * حقا و تخمد إذ تراه النار

إنهم استمدوا تعاليمهم من الأفلاطونية الحديثة و أخذوا ما نقله‏

34

إخوان الصفا عنها و عن الفلسفة اليونانية فأفسدوها حينما أرادوا تطبيقها على الناس، يبتغون من وراء ذلك تشكيل عقائدهم بأسلوب يضمن لهم السلطان و الإمامة. و مثل هذا الأسلوب في التفكير و الاعتقاد أقرب الى أن يكون فارسيا منه إلى أي شي‏ء آخر، و قد كان للشيعة أكبر عضد في فارس، و لعل المذهب تأثر كثيرا بعقلية الفرس الواقعية و اعتقادهم في الحلول و تأليه الأكاسرة. و مثل هذا الأسلوب بعدما يكون عن النفسية المصرية فقد صعب تمثيله و هضمه فنبذته و لو أنها أكرهت عليه مدة طويلة.

«و لا يمكننا أن نقدر مقدار النجاح في شيوع المذهب الإسماعيلي بمصر و قدر الذين انتحلوه من خاصة الأمة، إلا أنا نعلم أن أثره في العامة كان قليلا جدا لما يروى من أخبار نفورهم من مظاهر الاسماعيلية و من عقائدهم، و يظهر أن بيئة الفقهاء لم تتقبله، و وسموه بميسم الكفر و الإلحاد، فنفر الجمهور منه، و زاد نفرته السرية التي كانت تحيط بالدعوة، فزاد ذلك في تأييد اعتقادهم أنه خارج عن الدين توارثوه عن أئمتهم و عن علمائهم».

و هذه العبودية التي فرضها الفاطميون على العلماء بنشر تعاليمهم وحدها و تأييد مذهبهم الفاطمي في الفقه و محاجتهم الناس، أثرت أثرا بليغا في تطور التشريع الإسلامي، فقد سار التشريع في هذا العهد في دور التقليد و عدم الاجتهاد. فإن الجو، لا يساعد العلماء على الابتكار و التجديد.

و لكن نلاحظ من ناحية أخرى أن نشاطهم في بث الدعوة أدى إلى خلق هذا النوع الجديد من العلوم الذي أطلق عليها «أدب البحث» و ألفت في قواعدها الكتب، و كثرت مجالس النظر و شاعت المناظرات و المجادلات شيوعا.

و بقي مذهب الشيعة منتشرا في مصر قضاء و في الأزهر دراسة، إلى أن انقرضت دولة الفاطميين.

35

و عادت لمصر حينئذ السنة المحمدية، و أول مذهب سني درس بالأزهر المذهب الشافعي و انقرض من ذلك الحين المذهب الشيعي، و لم يبق له أثر بالأزهر سوى الجراية، تعطى لمن هو متمذهب بهذا المذهب، و هذا الجراية كانت تصرف لأصحابها لوقت قريب. هذا و تعاليم الشيعة الآن معمول بها في فارس و بمصر متحف خاص (بالبهائية) التي تعمل على حد هذه التعاليم، و يقرر الأستاذ (بيرم) في رسالة وضعها عن الأزهر و قدمها لمؤتمر المستشرقين المنعقد بمدينة (هامبورج) في أوائل سبتمبر سنة 1902 أن العلوم الرياضية كانت تدرس بالأزهر، كالعلوم الفلكية و الطبيعية و الجغرافية، و لكنه استند في تقريره هذا إلى أنه استنتج ذلك من عناية الفاطميين بهذه العلوم و عنايتهم بالكتب و جمعها و استبعد ألا تكون هذه العلوم قد درست بالأزهر، و الأزهر كان متأثرا في حياته بكثير من العوامل السياسية التي ظهرت و قتذاك. و إن ما كان يدرس فيه في عهد الفاطميين هو التعاليم الشيعية الإسماعيلية و الدعوة إليها، و المذهب الفاطمي في الفقه .. و كان لهذه التعاليم أثر واضح في الحياة الخلقية في ذلك العصر، و قد عدد آفاتها الغزالي و آفات عقلية أوقفت التشريع الإسلامي عند حد التقليد و عدم الاجتهاد، و أصبح التشريع الإسلامي في هذا العصر هو المرحلة الأخيرة لتطوره. و لم يكن للعقول في ذلك الوقت سبيل الى الاجتهاد و القياس، و احتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق و تفرقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة و صار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على هذا النوع من التنظير و التفرقة.

و من هذا كله نعلن أن الأزهر اتخذ أول ما أنشى‏ء مسجدا لعبادة اللّه و الدعاية للفاطميين و دولتهم، ثم عقدت في جنباته حلقات الدروس العامة، فكان الأساتذة من فقهاء الشيعة يجلسون لإلقاء دروسهم على كل من يحضرها في الفقه و اللغة و الأدب و المنطق و الطبيعيات و الرياضيات.

و أول كتاب قرى‏ء في الأزهر على ما ذكرناه هو «الإقتصار» في فقه آل البيت لأبي حنيفة النعمان بن أبي عبد اللّه بن محمد القيرواني قاضي‏

36

المعز لدين اللّه، و كان مالكي المذهب ثم انتحل المذهب الإسماعيلي فأخلص له، و كان من دعائم الدعوة الفاطمية. و كتابه «الدعائم» من أصول المذهب الإسماعيلي، و نهج على منهاجه الوزير يعقوب بن كلس في كتابه «مصنف الوزير» و له كتاب اسمه «مختصر الآثار فيما روي عن الائمة الأطهار» (1)، و من كتبه أيضا: «الينبوع» «و المجالس و المسايرات». و توفي النعمان هذا في شهر جمادى الآخرة عام 363 ه، و صلى عليه المعز لدين اللّه.

و كان يتولى درسة كتاب «الاقتصار» في الأزهر ابن النعمان و اسمه أبو الحسن علي بن النعمان‏ (2) .. و كتبه الأخرى كان بعضها يقرأ في‏

____________

(1) منه نسخة خطية في الفاتيكان رقم 5- 1104

(2) كان علي شيعيا غاليا، و شاعرا مجودا (84 ج 3 شذرات الذهب) و توفي أبو الحسن هذا عام 374 ه- فولي القضاء بعده أخوه أبو عبد اللّه محمد و توفي عام 389 ه (55 ج 4 ابن خلدون).

و لأبي الحسن علي بن النعمان شعر في اليتيمة (384 و 385 ج 1) .. و كذلك لأخيه القاضي أبي عبد اللّه محمد بن النعمان شعر (385 و 386 ج 1 اليتيمة).

و كان أبو الحسن علي بن النعمان أول من لقب بقاضي القضاة في يمصر (91 ج 2 حسن المحاضرة).

و كان علي بن النعمان محل عطف و ثقة العزيز باللّه ثاني خلفاء دولة هذا المذهب بمصر إلى أن قلد القضاء بالديار المصرية، و الشام، و الحرمين، و المغرب، و جميع مملكته، و الخطابة و الإمامة، و دار الضرب. و قرى‏ء مرسوم توليته هذه الأشياء بالجامع الأزهر و بجامع عمرو، و كان أمرهما إليه. و كان من عادة الدولة و قتئذ أن من يقلد هذه الوظيفة يخلع عليه الخلع المذهبة، و يقلد السيف، و يتم له ذلك بلا طبل و لا بوق، إلا إذا ولي أمر الدعوة مع الحكم، فلقد كان للدعوة في خلعها الطبل، و اليوق و البنود، و لا تزال الطبول و البنود موجودة بمصر حتى الساعة عند أرباب الطرق الصوفية، و هي بقية أو أثر من آثار هذه الدولة بمصر.

و كانت رتبة قاضي القضاة و قتئذ أجل رتب أرباب العمائم بمصر. و يكون في بعض الأوقات داعيا فيقال له حينئذ: قاضي القضاة و داعي الدعاة. و كانت العادة ألا يحضر لاملاك و لا جنازة إلا بإذن. و كان داعي الدعاة يلي قاضي القضاة في الرتبة و يتزيا بزيه في اللباس و غيره.

37

الأزهر، و البعض الآخر يقرأ في حلقات خاصة للذين يريدون التخصص في فقه الشيعة و الدعوة الفاطمية.

و ظل الجامع الأزهر مثابة لحلقات الدروس يلقيها بنو النعمان حتى سنة 369 ه، إذ بدأت حلقات الأزهر تتحول إلى دراسة جامعية منظمة مستقرة، فقد بدأ يعقوب بن كلس‏

قل لأمير المؤمنين الذي‏* * * له العلا و المثل الثاقب‏

طائرك السابق لكنه‏* * * جاء و في خدمته حاجب‏

(1) وزير المعز لدين اللّه يقرأ بانتظام فيه كتابه المعروف بالرسالة الوزيرية في الفقه الشيعي، و كان يجلس بنفسه لقراءته في الناس خاصتهم و عامتهم، و يهرع لسماعه سائر الفقهاء و القضاة و الأدباء و أكابر القصر و رجالات الدولة و الدعوة، و كانت تمتاز حلقات ابن كلس بتحررها من القيود الرسمية، و اتجاهها نحو الأهداف العلمية، و بذلك كانت أول مجالس جامعية عقدت بالجامع الأزهر.

و في عام 378- 988 استأذن ابن كلس الخليفة العزيز باللّه في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة و الدرس يحضرون مجلسه و يلازمونه و يعقدون مجالسهم بالأزهر في كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر، و كان عددهم سبعة و ثلاثين فقيها، و كان رئيسهم و منظم حلقاتهم هو الفقيه أبو يعقوب قاضي الخندق، و قد رتب لهم العزيز أرزاقا و جرايات شهرية

____________

(1) كان يعقوب يهوديا، ولد في بغداد، وجاء إلى مصر سنة 334 ه، و اتصل بكافور، و أسلم في شعبان 356 ه، ثم سار إلى بلاد المغرب و اتصل بالمعز و كان رائدا لجيشه في فتح مصر، و حضر مع المعز إلى مصر عام 362 ه، و لما توفي رثاه مائة شاعر (391- 397 ج 3 ابن خلكان).

و يروى أنه تسابق العزيز باللّه الفاطمي مع وزيره يعقوب بن كلس بالحمام، فسبق حمام الوزير، فعز ذلك على العزيز، و وجد أعداء يعقوب إلى الطعن فيه سبيلا فقالوا للعزيز: إنه قد اختار من كل صنف أجوده و أعلاه، و لم يبق منه إلا أدناه حتى الحمام، و راموا بذلك أن يغروه به حسدا منهم لعله يتغير عليه، فاتصل ذلك بالوزير فكتب الى العزيز:

قل لأمير المؤمنين الذي‏* * * له العلا و المثل الثاقب‏

طائرك السابق لكنه‏* * * جاء و في خدمته حاجب‏

فأعجبه ذلك منه، و سكن غضبه.

38

و أنشأ لهم دارا للسكنى بجوار الأزهر، و خلع عليهم في يوم الفطر، و أجرى عليهم ابن كلس أيضا رزقا من ماله الخاص‏ (1).

و في عام 380 ه رتب المتصدون لقراءة العلم بالأزهر، و بذلك صار الأزهر معهدا جامعيا للعلم و التعليم و الدراسة، و كان هؤلاء الأساتذة الذي رتبهم ابن كلس للقراءة و الدرس بالأزهر و أقرهم العزيز باللّه أول الأساتذة المدرسين الذين عينوا بالجامع الأزهر الشريف، و من هذا التاريخ يبدأ الأزهر حياته الجامعية العلمية الصحيحة .. و في الحق أن هذا يدل على أن ابن كلس كان وزيرا عظيما و عالما جليلا و أديبا كبيرا.

و كان يعقد بداره مجالس علمية و أدبية دورية ينتظم في سلكها أكابر الفقهاء و الأدباء و الشعراء (2)، و كان يشرف بنفسه على هذه المجالس، و يشترك في أعمالها، و يغدق العطاء على روادها. و قد أخذ ابن كلس بقسط حسن في التأليف و الكتابة فوضع كتابا في القراءات، و كتابا في الفقه، و كتابا في آداب رسول اللّه، و كتابا في علم الأبدان و الصحة، و مختصرا في فقه الشيعة مما سمعه من المعز لدين اللّه. و هو المعروف بالرسالة الوزيرية. و كان يقرأ كتبه على الناس تارة بالجامع الأزهر و تارة بداره، و يجتمع لديه الكتاب و النحاة و الشعراء فيناظرهم و يصلهم، و كانت موائدة دائما منصوبة معدة للوافدين، و كان كثير الصلات و الإحسان، و بالجملة فقد كان هذا الوزير و العالم الأديب مفخرة في جبين عصره، و قد أشاد شعراء العصر بجلاله وجوده، و من ذلك ما قاله أحدهم حين أصابت الوزير علة في يده:

يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت‏* * * رأيت في كل شي‏ء ذلك الألما

تأمل الملك و انظر فرط علته‏* * * من أجله و اسأل القرطاس و القلما

و مرض ابن كلس في شوال سنة 380 ه، فجزع عليه العزيز أيما

____________

(1) صبح الأعشي عن المسبحي 367 ج 3، و خطط المقريزي ص 49 ج 4.

(2) 47 تاريخ الأزهر لعنان.

39

جزع، و لبث يعوده و يرعاه، حتى توفي في الخامس من ذي الحجة، فحزن عليه حزنا شديدا، و أمر بتجهيزه تجهيز الأمراء و الملوك، و خرج من القصر إلى داره في موكب صامت محزن، و شهد تجهيزه و صلى عليه بنفسه، و وقف حتى تم دفنه و هو يبكي بدمع غزير و احتجب في داره ثلاثا لا يأكل على مائدته، و الحزن يشمل الخاصة و القصر كله، و أفاض الشعراء في رثاء الوزير الراحل و مديحه، فوصلهم العزيز جميعا، و على الجملة فقد سما ابن كلس في ظل الدولة الفاطمية إلى أرفع مكانة ..

و مهما كان فإن تلك الخطوة الأولى في ترتيب الأساتذة و الدروس بالأزهر بطريقة منظمة مستقرة، كان لها أثر كبير في تطور الغاية التي علقتها الخلافة الفاطمية بادى‏ء ذي بدء على إنشاء الجامع الأزهر، فقد كانت هذه الغاية كما رأينا أن يكون المسجد الجامع الجديد رمز الخلافة الجديدة و منبرا لدعوتها (1).

ابتدأ الأزهر حياته العلمية المنظمة بخمسة و ثلاثين طالبا. و لم يشجع هؤلاء بما رأينا فحسب، بل كان هناك لون آخر من ألوان التشجيع، فيحدثنا المقريزي أن العزيز باللّه «خلع عليهم في يوم عيد فطر و حملهم على بغلات». و لم يكن الأزهر في ذلك العهد مقصورا على الرجال فحسب، بل كان للمرأة فيه نصيب فكن يفردن فيه بمجلس خاص‏ (2).

و هكذا آلت تلك الحركة العلمية الميمونة إلى الأزهر، و ازدهرت فيه و ترعرعت حتى تخرج فيه أئمة فضلاء، و شيوخ أجلاء، خدموا الإسلام و المسلمين بالتأليف تارة، و بالتدريس أخرى، حتى أصبح مفخرة العالم الإسلامي عامة، و مصر خاصة.

____________

(1) راجع في هذا البحث و ما يتعلق به: خطط المقريزي (الطبعة الأهلية) ج 4 ص 49، 156، 157، ج 3 ص 7- 10، و ابن خلكان ج 2 ص 441.

(2) خطط المقريزي ج- 2 ص 226

40

و لقد عالجت هذه الجامعة الكبرى علوم الدين، فيسرت سبلها، و أكثرت كتبها و اهتمت بشؤون اللغة العربية، فهذبت طرقها، و أصلحت شأنها، و بقيت على مدى الأجيال و القرون قائمة بعملها، مضطلعة بمهمتها، حتى نبه ذكرها و ذاع صيتها، و أمّها الطلاب من كل فج، ليغترفوا من منهلها، و يستضيئوا بنورها، و انحدر اليها العلماء من كل صوب، ليسهموا في النفع بها، و نشر آثارها، فازدهرت فيها أنواع العلوم و الفنون، و أمدت العالم الإسلامي بما هو في حاجة إليه.

و لقد كان الأزهر الشريف منذ نشأته موضع عناية الخلفاء الفاطميين:

يتعهدونه بالعناية و الرعاية، و يغدقون على من به من العلماء و الطلبة العطايا و الهبات، و يذهبون إليه بأنفسهم للصلاة و الوقوف على حاله، مما كان له الأثر البالغ في حفز همم الشيوخ و الطلبة إلى التفرغ للعلم.

41

الفصل الرابع الأزهر في ظلاك الفاطميين‏

تمهيد:

مما تقدم نعلم أن الأزهر بدى‏ء في بنائه في 24 جمادى الأولى عام 359 ه- إبريل 970 م، و افتتح للصلاة في يوم الجمعة 7 رمضان 361 ه: 972 م، و بدأ نظام الحلقات العلمية فيه من عام 365 ه: 976 م، و صار جامعة إسلامية كبيرة من عام 378 ه: 988 م.

و إن الفضل في ذلك يرجع الى المعز و قائده جوهر، ثم إلى أسرة القاضي النعمان الشيعي، ثم إلى الوزير يعقوب بن كلس.

و كان المسجد منذ نشأته يسمى جامع القاهرة باسم العاصمة الجديدة، و قد تكون تسميته بالجامع الأزهر قد تأخرت قليلا عن التسمية الأولى، و يرجح عنان‏ (1) أن اسم «الجامع الأزهر» أطلق عليه بعد إنشاء القصور الفاطمية في عصر العزيز باللّه، فقد كان يطلق عليها اسم القصور الزاهرة، و منها أطلق على جامع القاهرة و هو مسجد الدولة الرسمي اسم الجامع الأزهر، و استمر مسجد القاهرة الجامع يعرف باسم جامع القاهرة (2) أو الجامع الأزهر حتى عصر المقريزي في أوائل القرن التاسع، ثم تقلص الاسم‏

____________

(1) 20 تاريخ الجامع الأزهر لعنان‏

(2) ورد في اخبار العزيز باللّه انه أقام طعاما في جامع القاهرة- و هو الأزهر الشريف- لمن يحضر في رجب و شعبان و رمضان.

42

القديم- جامع القاهرة- شيئا فشيئا و غلب عليه اسم الجامع الأزهر، أو جامع الأزهر حتى عصرنا.

و لا بد أن يكون الأزهر قد أسهم في الحركة العقلية و العلمية في عصر المعز و العزيز باللّه، و أن يكون أعلام الدين و اللغة و الأدب قد اتخذوا منه حلقة علمية منظمة.

فلقد جاء قوم من علماء المغاربة في ركب المعز، و من أشهرهم النعمان بن محمد الذي تولى القضاء في مصر هو و أولاده و أسرته عهدا طويلا في ظلال الحكم الفاطمي، و كانت هذه الأسرة تقوم بالقضاء و بالدعوة و التأليف في المذهب الشيعي، و تتخذ من الأزهر مكانا مختارا لنشاطها العلمي، و كذلك ابن كلس الذي أشرف على تنظيم الأزهر تنظيما جامعيا علميا عاليا.

و من أشهر العلماء الذين شهدوا عصر المعز و العزيز: ابن زولاق المصري المؤرخ‏ (1) (306- 387 ه)، و عبد الغنى المصري (332- 409 ه) و كان حافظ مصر في عصره‏ (2)، و الحسن بن الهيثم المصري الفيلسوف‏ (3) و اشتهر بعد عصر العزيز و توفي عام 430 ه و ابن يونس المصري المنجم المتوفى عام 399 ه (4) و الجوفى النحوى المتوفى عام 430 ه (5) .. و لا شك أن هؤلاء العلماء و غيرهم قد كانت لهم حلقات في الأزهر.

و من الأدباء و الشعراء في هذا العهد أبو الرقعمق المتوفى عام‏

____________

(1) 238 ج 1 ابن خلكان، 225- 230 ج 7 معجم الأدباء .. و له كتاب في سيرة المعز و آخر في سيرة العزيز.

(2) 547 ج 1 ابن خلكان‏

(3) 114 و 115 إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي.

(4) 85 و 86 ج 2 ابن خلكان.

(5) 6 ج 2 المرجع نفسه.

43

399 ه الشاعر (1) و ابن وكيع الشاعر المتوفى عام 393 ه (2)، و التهامي الشاعر المتوفى عام 416 ه (3) و المسبحي المصري الكاتب (366- 420 ه) (4)، و أبو القاسم‏ (5) عبد الغفار شاعر دولة العزيز و الحاكم و قتله الحاكم عام 395 ه .. و لا شك أن هؤلاء الأدباء و الشعراء كانوا يحفلون بإلقاء ثمرات قرائحهم على تلاميذهم في حلقات الأزهر العلمية الحافلة (6).

الأزهر في عصر الحاكم:

و في عصر الحاكم‏ (7) استمر الأزهر يؤدي مهمته العلمية، و إن كان الأزهر فوجى‏ء بإقامة الخليفة جامعة جديدة سماها «دار الحكمة» أو دار العلم الشهيرة في سنة 395 ه- 1005 م.

و لكن الأزهر كان يومئذ بفعل الظروف و التطورات التي أشرنا إليها قد بدأ حياته الجامعية، و مع أن دار الحكمة لبثت مدى حين تنافس الأزهر و تستأثر دونه بالدراسة المتصلة المنظمة، فإنها لم تلبث لصرامة نظمها و إغراق برامجها في الشؤون المذهبية، أن اضطربت أحوالها و ضعف نفوذها العلمي، هذا بينما كان الأزهر يسير في سبيل حياته الجامعية الوليدة بخطى بطيئة و لكن محققة، و يسير في نفس الوقت إلى التحرر من أغلال تلك الصبغة المذهبية العميقة التي كادت في البداية أن تقضي على صبغته الجامعية الصحيحة.

و قد وقف الحاكم وقفية على الأزهر و دار الحكمة و غيرها من‏

____________

(1) 70 و 71 ج 1 المرجع نفسه، 310- 334 ج 1 اليتيمة

(2) 243، 244، ج 1 المرجع نفسه 356- 384 ج 1 اليتمية.

(3) 53- 55 ج 2 المرجع نفسه‏

(4) 342- 343 ج 2 المرجع نفسه.

(5) 396 ج 3 المرجع نفسه.

(6) و يروى أن النساء كن يحضرن في الجامع الأزهر (226 ج 2 الخطط للمقريزي).

(7) ولد بالقاهرة عام 375 ه و تولى الخلافة عام 386 ه و قتل عام 411 ه.

44

المساجد، و جامع الحاكم، و جامع المقس، و جامع راشدة، لإقامة الشعائر الدينية فيها، و صيانة مبانيها و هذا هو نص الاشهاد الشرعي على هذه الوقفية:

«هذا كتاب أشهد قاضي القضاة مالك بن سعيد بن مالك الفارقي على جميع ما نسب اليه مما ذكر، و وصف فيه، من حضر من الشهود في مجلس حكمه و قضائه بفسطاط مصر في شهر رمضان سنة اربعمائة، أشهدهم و هو يومئذ قاضي عبد اللّه و وليه المنصور أبي علي الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين ابن الامام العزيز باللّه (صلوات اللّه عليهما)، على القاهرة المعزية و مصر و الاسكندرية و الحرمين حرسهما اللّه، و أجناد الشام و الرقة و الرحبة و نواحي المغرب و سائر أعمالهن، و ما فتحه اللّه و يفتحه لأمير المؤمنين من بلاد الشرق و الغرب، بمحضر رجل متكلم- أنه صحت عنده معرفة المواضع الكاملة و الحصص الشائعة التي يذكر جميع ذلك و يحدد هذا الكتاب، و أنها كانت من أملاك الحاكم إلى أن حبسها على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، و الجامع براشدة و الجامع بالمقس، اللذين أمر بإنشائهما و تأسيس بنائهما، و على دار الحكمة بالقاهرة المحروسة التي وقفها، و الكتب التي فيها قبل تاريخ هذا الكتاب، منها ما يخص الجامع الأزهر و الجامع براشدة و دار الحكمة بالقاهرة المحروسة مشاعا جميع ذلك غير مقسوم: و منها ما يخص الجامع بالمقس على شرائط يجري ذكرها. فمن ذلك ما تصدق به على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، و الجامع براشدة و دار الحكمة بالقاهرة المحروسة، جميع الدار المعروفة بدار الضرب و جميع القيسارية المعروفة بقيسارية الصوف و جميع الدار المعروفة بدار الخرق الجديدة الذي كله بفسطاط مصر. و من ذلك ما تصدق به على جامع المقس جميع أربعة الحوانيت و المنازل التي علوها و المخزنين الذي ذلك كله بفسطاط مصر بالراية، في جانب العرب من الدار المعروفة كانت بدار الخرق، و هاتان الداران المعروفتان بدار الخرق في الموضع المعروف بحمام الفار. و من ذلك جميع الحصص‏

45

الشائعة من أربعة الحوانيت المتلاصقة التي بفسطاط مصر بالراية أيضا بالموضع المعروف بحمام الفار، و تعرف هذه الحوانيت بحصص القيسي بحدود ذلك كله و أرضه، و بنائه و سفله و علوه و غرفه و مرتفقاته و حوانيته و ساحاته و طرقه و ممراته، و مجاري مياهه، و كل حق هو له داخل فيه و خارج عنه، و جعل ذلك كله صدقة موقوفة محرمة محبسة بتة، لا يجوز بيعها و لا هبتها و لا تمليكها، باقية على شروطها، جارية على سبلها المعروفة في هذا الكتاب، لا يوهنها تقادم السنين و لا تغير بحدوث حدث، و لا يستثنى فيها و لا يتأول، و لا يستفتى بتجدد تحبيسها مدى الأوقات، و تستمر شروطها على اختلاف الحالات حتى يرث اللّه الأرض و السماوات، على أن يؤجر ذلك في كل عصر من ينتهي اليه ولايتها و يرجع إليه أمرها بعد مراقبة اللّه و اجتلاب ما يوفر منفعتها من إشهارها عند ذوي الرغبة في إجارة أمثالها؛ فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك على حسب المصلحة و بقاء العين و مرمته، من غير إجحاف بما حبس ذلك عليه، و ما فضل كان مقسوما على ستين سهما.

من ذلك الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة المذكور في هذا الاشهاد الخمس و الثمن و نصف السدس و نصف التسع، يصرف ذلك فيما فيه عمارته و مصلحته، و هو من العين المعزى الوازن ألف دينار واحدة و سبعة و ستون دينارا و نصف دينار و ثمن دينار، و من ذلك للخطيب بهذا الجامع أربعة و ثمانون دينارا، و من ذلك لثمن ألف ذراع حصر عبدانية تكون عدة له بحيث لا ينقطع من حصره عند الحاجة إلى ذلك، و من ذلك لثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مظفورة لكسوة هذا الجامع في كل سنة عند الحاجة إليها مائة دينار واحدة و ثمانية دنانير، و من ذلك لثمن ثلاثة قناطير زجاج و فراخها اثنا عشر دينارا و نصف و ربع دينار، و من ذلك لثمن عود هندي للبخور في شهر رمضان و أيام الجمع مع ثمن الكافور و المسك و أجرة الصانع خمسة عشر دينارا، و من ذلك لنصف قنطار شمع بالفلفلي سبعة دنانير، و من ذلك لكنس هذا الجامع و نقل التراب و خياطة الحصر و ثمن الخيط و أجرة

46

الخياطة خمسة دنانير و من ذلك لثمن مشاقة لسرج القناديل عن خمسة و عشرين رطلا بالرطل الفلفلي دينار واحد، و من ذلك لثمن فحم للبخور عن قنطار واحد بالفلفلي نصف دينار، و من ذلك لثمن إردبين ملحا للقناديل ربع دينار و من ذلك ما قدر لمؤنة الناس و السلاسل و التنانير و القباب التي فوق سطح الجامع أربعة و عشرون دينارا، و من ذلك لثمن سلب ليف و أربعة أحبل وست دلاء أدم نصف دينار، و من ذلك لثمن قنطارين خرقا لمسح القناديل نصف دينار، و من ذلك لثمن عشر قفاف للخدمة و عشرة أرطال قنب لتعليق القناديل، و لثمن مائتي مكنسة لكنس هذا الجامع دينار واحد و ربع دينار، و من ذلك لثمن أزيار فخار تنصب على المصنع و يصب فيها الماء مع أجرة حملها ثلاثة دنانير، و من ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع راتب السنة ألف رطل و مائتا رطل مع أجرة الحمل سبعة و ثلاثون دينارا و نصف، و من ذلك لأرزاق المصلين يعنى الأئمة و هم ثلاثة و أربعة قومة، و خمسة عشر مؤذنا خمسمائة دينار و ستة و خمسون دينارا و نصف، منها للمصلين، و لكل رجل منهم ديناران و ثلثا دينار في كل شهر من شهور السنة، و المؤذنون و القومة و لكل رجل منهم ديناران في كل شهر، و من ذلك للمشرف على هذا الجامع في كل سنة أربعة و عشرون دينارا. و من ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع و نقل ما يخرج منه من الطين و الوسخ دينار واحد، و من ذلك لمرمة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه و أترابه و حياطته و غير ذلك مما قدر لكل سنة ستون دينارا، و من ذلك لثمن مائة و ثمانين حمل تبن و نصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دانانير و نصف و ثلث دينار، و من ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير، و من ذلك لثمن فدانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة سبعة دنانير، و من ذلك لأجرة متولي العلف و أجرة السقا و الحبال و القواديس و ما يجري مجرى ذلك خمسة عشر دينارا و نصف، و من ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اثنا عشر دينارا».

47

و إلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر، و أخذ في ذكر الجامع براشدة، و دار العلم، و جامع المقس، ثم ذكر أن تنانير الفضة ثلاثة تنانير و تسعة و ثلاثون قنديلا من الفضة، فللجامع الأزهر تنوران و سبعة و عشرون قنديلا، و منها لجامع راشدة تنور و اثنا عشر قنديلا، و شرط أن تعلق في شهر رمضان، و تعاد إلى مكان جرت العادة أن تحفظ فيه .. و شرط بعد ذلك في الوقف شروطا كثيرة ليس هنا مقام ذكرها و قد أسس الحاكم جامعه المشهور عام 393 ه، و خطب فيه و صلى فيه بالناس الجمعة و كانت دار الحكمة التي أنشأها يدرس فيها علوم القرآن و اللغة و الفلك و الطب و الرياضة و التنجيم و غيرها. و اجتذبت الجامعة الجديدة إليها كثيرا من أعلام المشرق كالرحالة الفارسي ناصرى خسرو، و لبثت دار الحكمة تنافس الأزهر مدى قرن من الزمان، حتى أغلقت.

48

مشاركة الأزهر في الحياة العقليّة في عصر الفاطميين‏

كان للأزهر نشاط ضخم في الحياة العقلية و العلمية في العصر الفاطمي كله حتى نهايته عام 567 ه.

و لقد جاءت الدولة الفاطمية الى مصر مع نفوذها السياسي بحركة علمية قوية فقدمت حركة العلم و الأدب و الفن في مصر و الشام خطوات، حتى لا يعد شيئا بجانبها ما كان في العهد الطولوني و الأخشيدي، و يصح أن توازن بما كان في العراق و لا سيما العلوم العقلية و الفلسفية، فقد ازدهرت في مصر و سارت شوطا بعيدا .. نعم نشطت الحركة العقلية في مصر و الشام في هذا العصر نشاطا كبيرا، و ذلك بفضل الأزهر و دار العلم و حلقاتهما العلمية؛ و عنيت الدولة بدور الكتب و نشر العلم، و تشجيع العلماء، فظهر الكثير من المؤرخين و الفلاسفة و العلماء و الرياضيين و اللغويين و النحويين و الأدباء، و منهم الأدفوي تلميذ أبي جعفر النحاس‏ (1) المصري؛ الذي توفي عام 388 ه، و ابن بابشاذ (2)، و ابن القطاع النحوي م 515 ه (2) المتوفي عام 469 ه و سواهم.

و يقول المقريزي: «ان أول ما درس بالأزهر الفقه الفاطمي على مذهب الشيعة» و لقد كان ممن القى محاضراته في الأزهر المؤيد

____________

(1) توفي ابو جعفر النحاس عام 338 ه (228 ج 1 حسن المحاضرة).

(2) 228 ج 1 حسن المحاضرة.

49

الشيرازي داعي الدعاة الذي ناظر فيها المعري في عهد المستنصر الخليفة الفاطمي، و كان الشيرازي شاعرا كتب إلى المستنصر لما حسده الحساد باحتجاب الخليفة عنه بعد قدوم الشيرازي إلى مصر: كتب المؤيد الشيرازي:

أقسم لو أنك توجتني‏* * * بتاج كسرى ملك المشرق‏

و أنلتني كل أمور الورى‏* * * من قد مضى منهم و من قد بقي‏

و قلت ان لا نلتقي ساعة* * * أجبت يا مولاي أن نلتقي‏

لأن إبعادك لي ساعة* * * شيب فودىّ مع المفرق‏

فأجاب المستنصر باللّه بخطه:

يا حجة مشهورة في الورى‏* * * و طود علم أعجز المرتقى‏

ما غلفت دونك أبوابنا* * * إلا لأمر مؤلم مقلق‏

و لا حجبناك ملالا فثق‏* * * بودنا و ارجع الى الأليق‏

خفنا على قلبك من سمعه‏* * * فصدنا صد أب مشفق‏

شيعتنا قد عدموا رشدهم‏* * * في الغرب يا صاح و في المشرق‏

فانشر لهم ما شئت من علمنا* * * و كن لهم كالوالد المشفق‏

إن كنت في دعوتنا آخرا* * * فقد تجاوزت مدى السبق‏

مثلك لا يوجد فيمن مضى‏* * * من سائر الناس و لا من بقى‏

و للشيرازي محاضراته التي ألقاها في الأزهر مناظرا أبا العلاء المعري.

و له مؤلفات أخرى عدا سيرته و ديوانه و محاضراته، منها: كتاب الابتداء و الانتهاء، و كتاب المسألة و الجواب، و كتاب نهج العبادة، و شرح المعاد، و المسائل السبعون، و نهج الهداية للمهتدين، و أساس التأويل بالفارسية، و السبح السبع، و الإيضاح و التبصير في فضل يوم القدير، و تأويل الأرواح، و المجالس المستنصرية. و قد لاحظنا أن هذه المحاضرات القصيرة، إنما كانت ملخصا لدروس طويلة فيما يظهر فلعله‏

50

كان يكتبها بعد إلقاء الدرس و تفهيمه على سبيل التسجيل و الحفظ، لنكت هامة لينتفع القارى‏ء، كما استفاد السامع.

و هذه هي المحاضرة الأولى من محاضراته:

الحمد للّه الذي نظم بين الانسان و البهائم أن خلقهم من طين، ثم جعل نسلهما من ماء مهين، ثم اقتضت العناية الإلهية أن رمى في أخلاط الصورة الإنسانية من إكسير العقل بلغة أهل صنعة الكيمياء، ما عرج به أعلا المعارج من الفضل و العلياء، فصار ممن قال اللّه سبحانه فيه- و من أصدق منه قيلا- وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ* وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا، فاستنزل بتدبيره الطير من الهواء و استخلص الحدث من لج الماء، و استعبد أجناس الحيوان طيرا و بهائم و سباعا، فمنها ما انتفع بلحومها، و منها ما استمتع بجلودها و أصوافها و أوبارها استمتاعا، و جعل الفلك المحيط على عظم فضائه محصورا في سرادق فكره، بدل كون جسمه بالكون و الفساد محصورا في سرادق ملكته و أسره، فهذا منفوعه الذي نفعه اللّه به في الدار الأولى، ثم جعله سلما يرتقي به إلى دائم البقاء في الدار الأخرى. فلولا نور استبصاره بالعقل، لما كانت رسالة عن مرسل تقبل، و لا أمر عن مرسل يؤخذ و يتحمل، و لا نفس بمعرفة توحيد اللّه سبحانه ترتسم و تنير، و لا لسان بمعارف الآخرة بين اللهوات يدور. و صلى اللّه على محمد خير رسول، استنار بنور سراجه، و سار على واضح منهاجه، و على وصيه الذي عرج به من أفق المجد إلى أعلا معراجه، و على آله الداعين إلى عذب المشرب و فراته، الناهين عن ملحه و أجاجه.

معشر المؤمنين: جعلكم اللّه ممن استنارت بنور العقل قلوبهم، و تجافت عن مضاجع الجهل جنوبهم، إن قوما من الآخذين الدين بالعادات، و الجارين فيه على آثار الوالدين و الوالدات، زعموا أن شرائع الأنبياء (عليهم السلام) التي هي أسباب النجاة، و الطريق إلى دائم الحياة على غير العقل موضوعها. و في سوى موقعه وقوعها فلو أنهم أنعموا

51

النظر، و جردوا من شوب العصبية و الهوى الفكر، لعلموا أن أحدهم لو قيل له في شي‏ء من خاصة أعماله، و ما يصدر عنه من أقواله و أفعاله، إن فعلك هذا على غير أساس العقل موضوعه، و لا من مطالعه طلوعه، لاستشاط من ذلك غضبا، و لقام له مكذبا، و في مثل هذه المواجهة مستذنبا، فكيف يرضون للأنبياء الذين هم سادات دينهم، و الوسائط بينهم و بين ربهم ما لو قابلهم بمثله مقابل لكرهوه، أم كيف لا يعتبرون أن الخطاب في كتاب اللّه كله مع أولي الألباب بقوله اللّه تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ* و قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِأُولِي الْأَلْبابِ‏، و ما يجري مجراه مما كثر و تكرر، و ليس يخلو من كون هذه الأوضاع الشرعية ليس لها برهان من العقل عند الرسول (عليه السلام)، الآتي بها نفسه أو كون البرهان عنده فلم يشعر به، فإن كان لا برهان لها عنده فهو فحش، فلو أن سائلا سأله عن العلة التي اقتضت أن يجعل الصلاة خمسا، و لا يجعلها ستا، فكان يقول لا أدري، لكفاه طعنا أن يأتي بشي‏ء لا يدري العلة فيه إذا سئل عنها، و إن كان لها برهان عند نفسه عقلى- و البرهان مما يجمل الأقوال و الأفعال- ثم لم يظهره فلم يقم إذن بحق البلاغ، و هذا منتف عن الرسول (عليه السلام)، لأنه بلغ و قال في النادي: «اللهم اشهد أني بلغت» و سوى هذا فمعلوم أن الرسول عليه الصلاة و السلام لم يكلف تكليف الشريعة إلا ذا عقل، فكيف يكلف ذا عقل ما كان موضوعه على غير عقل، لأن ما كان موضوعه على غير عقل، فهو بغير ذي عقل أولى منه بذي عقل، و ما السبب في تولية العقل أولا و عزله آخرا؟ و لما لا تكون التولية آخرا ككونها أولا، أو العزل أولا ككونه آخرا؟ و هذا مما لا خفاء به على منصف.

و المعلوم أن الفلاسفة يدعون العلوم العقلية و الأمور الحقيقية، و أن المسلمين يكفرونهم مع ذلك، لانقطاعهم عن سبب الرسالة، و قولهم أنهم غنوا عن الأنبياء في معرفة معالم نجاتهم، و أن الحاجة إليهم لسياسة أمور الدنيا فقط، بتحصين الدماء و الأموال، و منع القوي عن الضعيف.

52

و اعتقاد المحققين أن العلوم كلها التي منها العقليات التي يدعونها في علوم الأنبياء اجتمعت، و منها تشعبت و تفرعت، و تصديقهم قول اللّه سبحانه‏ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ و قوله جل جلاله‏ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ، فلو أن أحد الفلاسفة قدم على الرسول عليه الصلاة و السلام، يسأله عن الملائكة، و العرش، و الكرسي، و الجنة، و النار، و أوضاع شريعته: من صلاتها، و زكاتها، و صومها، و حجها، و جهادها، من حيث يدل عليه البرهان العقلي، أكان يقول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، لا قبل لي ببرهان ذلك! حاشا للّه .. و قول آخر مأثور عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أنه قال «أول ما خلق اللّه تعالى العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا أجل منك، بك أثيب، و بك أعاقب» .. فإن كانت الشرائع على غير العقل موضوعها، فلا ثواب لها و لا عقاب على مقتضى الخبر، «بك أثيب و بك أعاقب».

معشر المؤمنين: دعو أهل الفرقة و الخلاف، فإنهم أشياع غي بقول اللّه تعالى لنبيه (صلى اللّه عليه و سلّم): إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ: و تمسكوا في دينكم بالأدلة، و اعرفوا المواقيت بالأهلة، و أصلحوا أموالكم، و طهروا سربالكم و احمدوا اللّه تعالى الذي فتح لكم إلى الحقائق أبصارا و الناس عنها عمون، و كشف لكم حجبا فأنتم في رياضها تتنعمون. و اجروا في مضمار التائبين العابدين و استشعروا شعار الراكعين الساجدين. و كونوا دعاة إلى أئمتكم بحسن الأفعال صامتين و قوموا آناء الليل قانتين. جعلكم اللّه من الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، و أوزعكم شكر عارفيه. إذ ألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. و الحمد للّه القاهر سلطانه. الباهر برهانه. العظيم شانه.

الواسع إحسانه. و صلى اللّه على محمد المنزل عليه فرقانه. المزلزل للشرك بنيانه. و على وصيه مستودع علمه و ترجمانه علي بن أبي طالب بيده يد الحق. و الناطق بلسانه لسانه. و على الأئمة من ذريته المحفوظة بهم حدود الدين و أركانه .. و سلم تسليما، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

53

و لقد أصيبت الحياة العقلية في مصر الإسلامية بكثير من الاضطراب و الضعف في أواسط القرن الخامس الهجري كما يقول عنان، أي منذ اضطربت شؤون الخلافة الفاطمية في عهد المستنصر باللّه، و نكبت مصر بالشدة العظمى، و عانت عسف القحط و الوباء أعواما طويلة (446- 464 ه)، و شغل المجتمع المصري حينا بما توالى عليه من الأرزاء و المحن، و شغل الخلفاء و رجال الدولة بالتنازع على السلطان و تدبير الانقلابات السياسية العنيفة عن تعهد الحركة الفكرية، و قترت الدولة على معاهد التعليم لنضوب مواردها، و بددت خزائن الكتب أثناء الفتنة و كانت من أنفس و أعظم ما عرف العالم الإسلامي‏ (1) .. و كان لهذا الاضطراب أثره في الأزهر و دار الحكمة فركدت حركة الدرس و التحصيل تبعا لركود الحياة العامة و اضطراب الحياة الخاصة. و في أواخر القرن الخامس في عصر أمير الجيوش بدر الجمالي المتغلب على الدولة (465- 487 ه) و ولده الأفضل شاهنشاه (487- 515 ه) عاد النظام و الأمن و الرخاء الى البلاد، و انتظمت الحياة العامة، و استعادت الحياة الفكرية نشاطها بما أسبغ عليها من الرعاية، و ما بذل للإنفاق على معاهد الدرس من الأموال و الأرزاق.

و يقول عنان: كان نظام الحلقات العلمية وقت إنشاء الجامع الأزهر هو نظام الدراسة الممتازة في مصر الإسلامية و في معظم الأقطار الإسلامية الأخرى، و كان قوام الحياة الجامعية و الفكرية في العالم الاسلامي ..

و كان طبيعيا أن الأزهر حينما أتيح له أن يدخل هذا الميدان الدراسي، أن تقوم الدراسة فيه وفقا لهذا النظام التقليدي المتوارث. و لم يك ثمة نظام آخر يمكن التفكير فيه في عصر لم تكن قد عرفت فيه المدارس بعد ..

و هكذا بدأت الدراسة في الأزهر في حلقات علمية و أدبية؛ و استمرت كذلك على مر العصور. و عقدت أول حلقة للدرس بالأزهر في صفر

____________

(1) الخطط ج 2 ص 354.

54

سنة 365 ه كما تقدم، و عقدها قاضي القضاة علي بن النعمان و قرأ فيها مختصر أبيه في فقه آل البيت و هو الكتاب المسمى «الاقتصار» في جمع حافل أثبتت فيه أسماء الحاضرين. و في سنة 378 ه أذن العزيز باللّه لوزيره ابن كلس أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للدرس و القراءة، و كانوا يعقدون «حلقاتهم» الدراسية بالجامع يوم الجمعة من بعد الصلاة إلى العصر، و هم أول أساتذة أجريت عليهم من الدولة رواتب خاصة حسبما قدمنا. و في هذين النصين القديمين ما يوضح لنا نظم الدراسة الأساسية بالأزهر، و هي نظم كان قوامها الحلقة الدراسية، فيجلس الأستاذ ليقرأ درسه في حلقة من تلاميذه و المستمعين اليه، و تنظم الحلقات في الزمان و المكان طبقا للمواد التي تدرس، و يجلس أستاذ المادة من فقه أو حديث أو تفسير أو نحو أو بيان أو منطق أو غيرها في المكان المخصص لذلك من أروقة الجامع أو أبهائه، و أمامه للطلبة و المستمعون يصغون إليه و يناقشونه.

و كان الأزهر مذ بدأت فيه الدراسة مفتوح الباب لكل مسلم يقصد إليه الطلاب من مشارق الأرض و مغاربها، و كان يضم بين طلبته دائما إلى جانب الطلاب المصريين عددا كبيرا من أبناء الأمم الاسلامية يتلقون الدراسة، و تجري عليهم الأرزاق، و تقيم كل جماعة منهم في مكان خاص بها. و هذا هو نظام الأروقة الشهير الذي نعتقد أنه بدأ في عصر مبكر جدا (1)، و الذي استمر قائما حتى العصر الأخير، و ما زالت منه إلى اليوم بقية بالجامع الأزهر. و معظم سكان الأروقة الباقية اليوم من الطلبة الغرباء. و يذكر المقريزي أن عدد الطلبة الغرباء الذين كانوا يلازمون الإقامة بالأزهر في الأروقة الخاصة بهم في عصره- أعني في أوائل القرن التاسع- بلغ سبعمائة و خمسين، ما بين «عجم و زيالعة و من أهل ريف‏

____________

(1) يستفاد من أقوال المقريزي أن نظام الأروقة قد بدأ بالأزهر منذ بناء الجامع ذاته (الخطط ج 4 ص 54)