البلدان لليعقوبي‏

- أحمد بن إسحاق اليعقوبي المزيد...
218 /
3

المقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

إن من أمتع الكتب قراءة و فائدة تلك الكتب التي تحكي تاريخ البلدان، و المدن و نشأتها، و أسباب تسميتها، و عادات أهلها، و تقاليدهم، و لا سيما أن كثيرا منها ما زال حتى أيامنا هذه.

إن كتاب «البلدان» للمؤرخ الرحالة أحمد بن أبي يعقوب الشهير باليعقوبي غني جدا بسعة آفاقه و إطلالته التاريخية على أسباب نشوء و تسمية البلدان، و المدن، و الأمم و تاريخها.

و الجدير ذكره أن اليعقوبي في هذا الكتاب يذكر مشاهداته في تلك البلدان و المدن، و يذكر أيضا سؤاله أهلها عن بعض أمور فيها، ثم يورد رأيه فيما سمعه منهم هل كان منطقيا مقنعا أم هو محض خرافة تناقلها أهل ذلك المصر.

و في معرض حديثه يعلّق على ذلك مشيرا إلى بعد رواية أهل ذلك الزمان عن المنطق و العقل.

و ذكر من فتح البلاد من الخلفاء و الأمراء و مبلغ خراجها، فلم يدع صغيرة و لا كبيرة وقف عليها إلا و أحصاها في الكتاب، فجاء مصنفه «كتاب البلدان» أقدم مصدر جغرافي، و أوثقه لما تحمّله في تأليفه من جهد و عناء و عناية و حسن بلاء.

و لكن مهما يكن الأمر فقد جاء كتاب «البلدان» كتابا ممتعا، تاريخيا، و جغرافيا على يد رحالة عالم بالأسفار و بأخبار الأمم السالفة.

محمد أمين الضناوي‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

ترجمة المؤلف‏ (1)

هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب الأصبهاني الإخباري الشهير باليعقوبي، و بابن الواضح، و كان يقال له: مولى بني العباس، و مولى بني هاشم، لأنّ جده كان من موالي المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي، و كان هو بحّاثة في التأريخ، و أخبار البلدان، و لقد أعطى التنقيب حقّه في سياحته في البلاد شرقا و غربا، و دخل بلاد فارس و أطال المقام في بلاد أرمينية و كان فيها سنة 260 [ه]، و دخل الهند أيضا و الأقطار العربية، فالشام فالمغرب إلى الأندلس، و أغرق نزعا في البحث فطفق يسائل أهل الأمصار عنها و عنهم، و عن عاداتهم، و نحلهم، و حكوماتهم، و عن المسافات بين البلاد، فإذا وثق بنقلهم أثبته في كتابه.

و ذكر من فتح البلاد من الخلفاء و الأمراء و مبلغ خراجها، فلم يدع صغيرة و لا كبيرة وقف عليها إلا و أحصاها في الكتاب، فجاء مصنفه «كتاب البلدان» أقدم مصدر جغرافي، و أوثقه لما تحمّله في تأليفه من جهد و عناء و عناية و حسن بلاء.

و كان نبوغه في القرن الثالث لأنه كان حيا سنة 292 ه، ففي ليلة عيد الفطر منها تذكّر ما كان عليه بنو طولون في مثل هذه الليلة من بلهنية (2) العيش، و النعيم الرغيد، و الوفر السابغ و رثاهم بأبيات مطلعها: [الكامل‏]

إن كنت تسأل عن جلالة ملكهم‏* * * فارتع و عج‏ (3) بمراتع الميدان‏

إذا فلا يكاد يصح ما في معجم الأدباء عن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب المصري في تأريخه من أن اليعقوبي توفي سنة 284 [ه]، و لا ما ذكره الزركلي في‏

____________

(1) للاستزادة يراجع معجم الأدباء (5: 153). تاريخ اليعقوبي (مقدمة الجزء الأول). فتح العرب للمغرب (304).

(2) بلهنية: رخاء. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: تبلّه).

(3) عجّ: صاح و رفع صوته. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: عجّ).

6

الأعلام من أن وفاته كانت سنة 278 [ه]، و كأنّه تبع جرجي زيدان الذي صدّر ترجمته بهذا التأريخ، لكنه يقول في أثنائها في تأريخ آداب اللغة العربية (1): «و لكن يؤخذ من سياق كتبه أنه توفي بعد سنة 278 [ه]».

و المترجم له من معاصري أبي حنيفة الدينوري‏ (2) المتوفى سنة 282 [ه]؛ كما و أنه صحبه سعيد الطبيب‏ (3)، و أن حفيده محمد بن أحمد بن خليل التميمي المقدسي ابن سعيد المذكور يروي في كتابه «جيب العروس و ريحان النفوس» عن اليعقوبي بواسطة أبيه أحمد وجده خليل.

آثاره‏

ذكر ياقوت الحموي‏ (4) في معجم الأدباء من آثار المترجم له التأريخ الكبير الذي‏

____________

(1) تاريخ آداب اللغة العربيّة، ج 2/ ص 197.

(2) أبو حنيفة الدينوري: هو أحمد بن داود بن ونند الدينوري، أبو حنيفة، مهندس، مؤرّخ، نباتي، من نوابغ الدهر، قال أبو حيّان التوحيدي، جمع بين حكمة الفلاسفة و بيان العرب.

له تصانيف نافعة منها: «الأخبار الطوال»، و هو عبارة عن مختصر في التاريخ. و «الأنواء»، و هو كتاب كبير. و «النبات»، و قد طبع منه الجزء الثالث و نصف الخامس. و «تفسير القرآن»، و هو ثلاثة عشر مجلّدا. و «ما تلحن فيه العامة». و «الشعر و الشعراء». و «الفصاحة». و «البحث في حساب الهند». و «الجبر و المقابلة». و «البلدان». و «إصلاح المنطق». و للمؤرخين ثناء كبير عليه و على كتبه. للاستزادة يراجع: إرشاد الأريب (1: 123). و الجواهر المضية (1:

67). و إنباه الرواة (1: 41). خزانة الأدب للبغدادي (1: 25).

(3) سعيد الطبيب: هو سعيد بن البطريق، طبيب مؤرخ، من أهل مصر، ولد بالفسطاط، و أقيم بطريركا في الإسكندرية و سمّي أنتيشيوس سنة 321 ه، و هو أوّل من أطلق اسم «اليعاقبة» على السريان الذين اتبعوا تعاليم يعقوب البرادعي المتوفى سنة 578 م. له «نظم الجوهر» كتاب في التاريخ. و «الجدل بين المخالف و النصراني». و «علم و عمل». للاستزادة يراجع:

طبقات الأطباء (2: 86). و آداب اللغة (2: 200).

(4) ياقوت الحموي: هو ياقوت بن عبد اللّه الرومي الحموي، أبو عبد اللّه، شهاب الدين، مؤرخ ثقة، من أئمة الجغرافيين، و من العلماء باللغة و الأدب، أصله من الروم، أسر من بلاده صغيرا، و ابتاعه ببغداد تاجر اسمه عسكر بن إبراهيم الحموي، فربّاه و علّمه و شغّله بالأسفار في متاجره، ثم أعتقه سنة 596 ه و أبعده، فعاش من نسخ الكتب بالأجرة، و عطف عليه مولاه بعد ذلك، فأعطاه شيئا من المال و استخدمه في تجارته، فاستمر إلى أن توفي مولاه، فاستقل بعمله، و رحل رحلة واسعة انتهى بها إلى مرو بخراسان، و أقام بتجر، ثم انتقل إلى خوارزم. و بينما هو فيها خرج التتر سنة 616 ه فانهزم بنفسه تاركا ما يملك، و نزل‏

7

نشره المستشرق هو تسما في ليدن سنة 1883 [م‏]، في مجلدين الأول: «في التأريخ القديم على العموم من آدم فما بعده إلى ظهور الإسلام»، و تدخل فيه أخبار الإسرائيليين، و السريان، و الهنود، و اليونان، و الرومان، و الفرس، و النوبة، و البجة، و الزنج، و الحميريين، و الغساسنة، و المناذرة.

و الثاني: «في تأريخ الإسلام و ينتهي في زمن المعتمد على اللّه الخامس عشر من خلفاء بني العباس» أي إلى سنة 259 [ه]، و قد رتبه حسب الخلفاء، و من المزايا التي يمتاز بها عن سائر التواريخ العامة فضلا عن قدمه أن مؤلفه يأتي فيه بلباب التأريخ، و يتحرّى القضايا الصادقة مما لا يلتزم به إلا المؤرخ المتصف، فيملي عليك الوقايع و الحوادث الصحيحة حتى كأنك شاهدتها بنفسك و رأيتها بعينك ببيان سلس و أسلوب جذّاب.

و من آثاره أيضا «كتاب البلدان» في الجغرافية و هو هذا الكتاب الذي نزفه إلى القراء الكرام، و كان قد طبع أولا في ليدن سنة 1861 [م‏] بعناية المستشرق «جونبول»، و طبع أيضا في جملة المكتبة الجغرافية الذي طبع فيها ثمانية مجلدات من كتب الجغرافية العربية بعناية المستشرق «ديغويه» و قد أوقفناك على أهمية الكتاب و عناء صاحبه به و مقدار الثقة به.

و من آثاره أيضا كتاب في «أخبار الأمم السالفة» صغير، و كتاب «مشاكلة الناس لزمانهم»، هذه الكتب الأربعة هي التي ذكرها ياقوت الحموي في المعجم، و يظهر من آخر النسخة المطبوعة من «كتاب البلدان» أن له كتابا آخر أسماه بكتاب «الممالك و المسالك»، و كان المترجم له شاعرا و نبوغه قبل الطبري، و المسعودي، و من بديع شعره قوله يصف سمرقند (1): [المنسرح‏]

____________

بالموصل و قد أعوزه القوت، ثم رحل إلى حلب و أقام في خان بظاهرها إلى أن توفي سنة 626 ه/ 1229 م. أما نسبته فانتقلت إليه من مولاه عسكر الحموي. من كتبه: «معجم البلدان»، و «إرشاد الأريب» و يعرف باسم «معجم الأدباء»، و «المشترك وضعا و المفترق صقعا»، و «المقتضب من كتاب جمهرة النسب»، و «المبدأ و المآل» و هو كتاب في التاريخ، و كتاب «الدول»، و «أخبار المتنبي»، و «معجم الشعراء». للاستزادة يراجع: و فيات الأعيان (2: 210). الإعلام لابن قاضي شهبة ص 123. آداب اللغة (3: 88). الرحالة المسلمون (102). مرآة الجنان (4: 59).

(1) سمرقند: يقال لها بالعربية سمران، بلد معروف مشهور، قيل: إنه من أبنية ذي القرنين بما وراء النهر، و هو في الإقليم الرابع. و قيل بناها شمر أبو كرب، فسميت شمر فأعربت فقيل:

8

علت سمرقند أن يقال لها* * * زين خراسان جنة الكور

أليس أبراجها معلقة* * * بحيث لا تستبين للنظر

و دون أبراجها خنادقها* * * عميقة ما ترام من ثغر

فكأنها و هي وسط حائطها* * * محفوفة بالظلال و الشجر

فبدر و أنهارها المجرة و ال* * * آطام مثل الكواكب الزهر

____________

سمرقند، (معجم البلدان ج 3/ ص 279).

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[خطبة الكتاب‏]

الحمد للّه الذي افتتح بالحمد كتابه، و جعل الحمد كفاء لنعمه، و آخر دعاء أهل جنته، خالق السماوات العلى و الأرضين السفلى، و ما بينهما و ما تحت الثرى، العالم بما خلق قبل كونه، و المدبر لما أحدث على غير مثال من غيره، أحاط بكل شي‏ء علما و أحصاه عددا، له الملك و السلطان و العزة و هو على كل شي‏ء قدير و صلى اللّه على محمد النبي و على آله و سلم.

قال أحمد بن أبي يعقوب: إني عنيت في عنفوان شبابي، و عند احتيال سني، و حدّة ذهني بعلم أخبار البلدان، و مسافة ما بين كل بلد و بلد، لأني سافرت حديث السن، و اتصلت أسفاري، و دام تغربي، فكنت متى لقيت رجلا من تلك البلدان سألته عن وطنه و مصره، فإذا ذكر لي محل داره و موضع قراره، سألته عن بلده ذلك في ...

لدته‏ (1) ما هي؟ و زرعه ما هو؟ و ساكنيه من هم من عرب أو عجم؟ ... شرب أهله حتى أسأل عن لباسهم ... و دياناتهم و مقالاتهم و الغالبين عليه و المنرا (2) ... مسافة ذلك البلد، و ما يقرب منه من البلدان .. و الرواحل، ثم أثبتّ كل ما يخبرني به من أثق بصدقه، و أستظهر بمسألة قوم بعد قوم، حتى سألت خلقا كثيرا، و عالما من الناس في الموسم و غير الموسم، من أهل المشرق و المغرب، و كتبت أخبارهم، و رويت أحاديثهم، و ذكرت من فتح بلدا بلدا، و جنّد مصرا مصرا (3) من الخلفاء و الأمراء، و مبلغ خراجه و ما يرتفع من أمواله، فلم أزل أكتب هذه الأخبار و أؤلّف هذا الكتاب دهرا طويلا، و أضيف كل خبر إلى بلده، و كل ما أسمع به من ثقات أهل الأمصار إلى ما تقدمت عندي معرفته.

____________

(1) لدته: لعلها ولادته.

(2) هكذا في الأصل و لم أقف على معناها.

(3) المصر: المدينة، الصقع. (القاموس المحيط، مادة: مصر).

10

و علمت أنه لا يحيط المخلوق بالغاية، و لا يبلغ البشر النهاية، و ليست شريعة لا بد من تمامها، و لا دين لا يكمل إلا بالإحاطة به، و قد يقول أهل العلم في علم أهل الدين الذين هو الفقه مختصر كتاب فلان الفقيه، و يقول أهل الآداب في كتب الآداب مثل اللغة، و النحو، و المغازي، و الأخبار، و السير مختصر كتاب كذا، فجعلنا هذا الكتاب مختصرا لأخبار البلدان، فإن وقف أحد من أخبار بلد مما ذكرنا على ما لم نضمّنه كتابنا هذا، فلم نقصد أن يحيط بكل شي‏ء.

و قد قال الحكيم: ليس طلبي للعلم طمعا في بلوغ قاصيته، و استيلاء على نهايته، و لكن معرفة ما لا يسع جهله، و لا يحسن بالعاقل خلافه، و قد ذكرت أسماء الأمصار، و الأجناد، و الكور، و ما في كل مصر من المدن و الأقاليم، و الطساسيج‏ (1)، و من يسكنه، و يغلب عليه، و يترأس فيه من قبائل العرب، و أجناس العجم، و مسافة ما بين البلد و البلد، و المصر و المصر، و من فتحه من قادة جيوش الإسلام، و تأريخ ذلك في سنته، و أوقاته، و مبلغ خراجه، و سهله، و جبله، و برّه، و بحره، و هوائه في شدة حرّه، و برده، و مياهه، و شربه.

____________

(1) الطساسيج: النواحي، الربع. (القاموس المحيط، مادة: الطسوج).

11

بغداد

و إنما ابتدأت بالعراق‏ (1) لأنها وسط الدنيا، و سرة الأرض، و ذكرت بغداد (2) لأنها وسط العراق، و المدينة العظمى، التي ليس لها نظير في مشارق الأرض و مغاربها سعة، و كبرا، و عمارة و كثرة مياه، و صحة، و هواء.

و لأنه سكنها من أصناف الناس، و أهل الأمصار، و الكور (3)، [و] (4) انتقل إليها من جميع البلدان القاصية و الدانية، و آثرها جميع أهل الآفاق على أوطانهم، فليس من أهل البلد إلا ولهم فيها محلة، و متجر، و متصرّف، فاجتمع بها ما ليس في مدينة في الدنيا.

____________

(1) العراق: بلد مشهور، سمّيت بذلك من عراق القربة، و هو الخرز المثنّي في أسفلها أي أنّها أسفل أرض العرب، و قيل: سمّي عراقا لأنه سفل عن نجد و دنا من البحر. و قيل: العراق شاطى‏ء البحر. و قيل: إنما سمي عراقا لأنه دنا من البحر و فيه سباخ و شجر. (معجم البلدان ج 4/ ص 105).

(2) بغداد: أم الدنيا و سيدة البلاد، و فيها أربع لغات: بغداد، بدالين مهملتين، و بغداذ معجمة الأخيرة (أي بذال)، و بغدان، و بالنون، و مغدان، بالميم بدلا من الباء، تذكّر و تؤنّث. و قيل:

أصل بغداد للأعاجم و العرب تختلف في لفظها إذا لم يكن أصلها من كلامهم و لا اشتقاقها من لغاتهم، قال بعض الأعاجم: تفسيره بستان رجل، فباغ تعني بستان، و داد اسم رجل، و بعضهم يقول: بغ هو اسم لصنم ذكر أنه أهدي إلى كسرى خصيّ من المشرق فأقطعه إيّاها، و كان الخصيّ من عباد الأصنام ببلده، فقال: بغ داد، أي الصنم أعطاني، و قيل: بغ هو البستان، و داد معناها أعطى، و كان كسرى قد وهب لهذا الخصيّ هذا البستان، فقال: بغ داد فسميت به، و قيل: هي اسم فارسي معرّب عن باغ داذويه لأنّ بعض رقعة مدينة المنصور كان باغا لرجل من الفرس اسمه داذويه، و بعضها أثر مدينة دارسة كان بعض ملوك الفرس اختطّها فاعتلّ، فقالوا: ما الذي يأمر الملك أن تسمّى به هذه المدينة؟ فقال: هلدوه وروزه، أي خلّوها بسلام، فحكي ذلك للمنصور، فقال: سمّيتها مدينة السّلام. و قيل: سميت مدينة السّلام: لأن نهر دجلة يقال له: وادي السّلام. (معجم البلدان ج 1/ ص 541).

(3) الكور: جمع كورة، بالضم، هي المدينة و الصقع، (القاموس المحيط، مادة: الكور).

(4) زيادة أثبتناها لسلامة المعنى و اتّساق الكلام.

12

ثم يجري في حافيتها النهران الأعظمان دجلة (1) و الفرات‏ (2) فتأتيها التجارات و المير (3) برا و بحرا بأيسر السعي حتى تكامل بها كل متجر يحمل من المشرق و المغرب من أرض الإسلام و غير أرض الإسلام فإنه يحمل إليها من الهند (4) و السند (5) و الصين‏ (6) و التبت‏ (7)

____________

(1) دجلة: نهر بغداد، لا تدخله الألف و اللام، قيل: دجلة معرّبة على ديلد، و لها اسمان آخران و هما: آرنك روز و كودك دريا أي البحر الصغير. و قيل: أول مخرج دجلة من موضوع يقال له عين دجلة على مسيرة يومين و نصف من آمد من موضع يعرف بهلورس من كهف مظلم.

روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: أوحى اللّه تعالى إلى دانيال (عليه السّلام)، و هو دانيال الأكبر، أن احفر لعبادي نهرين، و اجعل مفيضهما البحر فقد أمرت الأرض أن تطيعك، فأخذ خشبة و جعل يجرّها في الأرض و الماء يتبعه، و كلما مرّ بأرض يتيم، أو أرملة، أو شيخ كبير ناشدوه اللّه فيحيد عنهم، و قال في هذه الرواية: مبتدأ دجلة من أرمينية. (معجم البلدان ج 2/ ص 502).

(2) الفرات: بالضم ثم التخفيف، و آخره تاء مثناة من فوق، قيل: الفرات معرّب عن لفظه و له اسم آخر، و هو فالأذروذ لأنه بجانب دجلة كما بجانب الفرس الجنيبة، و الجنيبة تسمّى بالفارسية: فالاذ، و الفرات في أصل كلام العرب أعذب المياه، قال اللّه تعالى في محكم تنزيله: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ‏ [الفرقان: 53]. و قد فرت الماء إذا عذب، و مخرج الفرات فيما زعموا من أرمينية. (معجم البلدان ج 4/ ص 274).

(3) المير: الأطعمة التي يذّخرها الإنسان. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: مير).

(4) الهند: تقع في آسيا على المحيط الهندي، و خليج البنغال، و بحر العرب بين باكستان، و الصين، و التبت، و نيبال، و بوتان، و بنغلادش، و بورما. (معجم البلدان ج 3/ ص 303).

(5) السند: بكسر السين و سكون الثانية و آخره دال مهملة، هي بلاد بين بلاد الهند و كرمان و سجستان. قالوا: السند و الهند كانا أخوين من ولد بوقير بن يقطن بن حام بن نوح. فتحت أيام الحجّاج بن يوسف و أهلها على مذهب أبي حنيفة. (معجم البلدان ج 3/ ص 303).

(6) الصين: بالكسر، و آخره نون، بلاد في بحر المشرق مائلة إلى الجنوب و شماليها الترك، قيل: سميت الصين بصين، و صين و بغرابنا بغبر بن كماد بن يافث، و منه المثل: ما يدري شغر من بغر. و هما بالمشرق و أهلهما بين الترك و الهند، قيل: سميت بهذا الاسم لأن صين بن بغبر بن كماد أول من حلّها و سكنها. هي بلاد شاسعة و هي بلاد تشبه بلاد الهند يجلب منها العود، و الكافور، و السنبل، و القرنفل، و البسباسة، و العقاقير. (معجم البلدان ج 3/ ص 500).

(7) التبت: بلد بأرض الترك، قيل: هي في الإقليم الرابع المتاخم لبلاد الهند. و قيل: هي مملكة متاخمة لمملكة الصين، و متاخمة من إحدى جهاتها لأرض الهند. و لها مدن و عمائر كثيرة ذوات سعة و قوة لأهلها بدو و حضر، و هم في معظمهم من الترك. في بلاد التبت خواص في هوائها، و مائها، و سهلها، و جبلها، و لا يزال الإنسان ضاحكا مستبشرا و لا تعرض له الأحزان و الأخطار و الهموم و الغموم، يتساوى في ذلك شيوخهم، و كهولهم و شبّانهم، و لا تحصى‏

13

و الترك‏ (1) و الديلم‏ (2) و الخزر (3) و الحبشة (4)، و سائر البلدان، حتى يكون بها من‏

____________

عجاب ثمارها، و زهرها، و مروجها، و أنهارها، و في أهله رقّة طبع و بشاشة و أريحيّة تبعث على كثرة استعمال الملاهي و أنواع الرقص، حتى إن الميت إذا مات لا يداخل أهله كثير الحزن كما يلحق غيرهم، و لهم تحنّن بعضهم على بعض، و التبسّم فيهم عام. و إنما سميت تبّت ممن ثبّت فيها و ربّت من رجال حمير، ثم أبدلت الثاء تاء لأن التاء ليست في لغة العجم، و كان من حديث ذلك أن تبّع الأقرن سار من اليمن حتى عبر نهر جيحون و طوى مدينة بخارى و أتى سمرقند، و هي خراب، فبناها و أقام عليها، ثمّ سار نحو الصين في بلاد الترك شهرا حتى أتى بلادا واسعة كثيرة المياه و الكلأ فابتنى هناك مدينة عظيمة و أسكن فيها ثلاثين ألفا من أصحابه ممن لم يستطع السير معه إلى الصين و سمّاها تبّت. و أهلها فيما زعم بعضهم على زيّ العرب، و لهم فروسية، و بأس شديد، و قهروا من حولهم من أهل الترك.

و كانوا يسمون كلّ ملك من ملوكهم تبّعا اقتداء بأولهم. (معجم البلدان ج 1/ ص 11).

(1) الترك: بضم التاء و سكون الراء المهملة و كاف في الآخر، و هم من الأمم المشهورة الذين حكموا بلاد مصر، و هم من بني ترك بن كومر بن يافث بن نوح (عليه السّلام)، و قيل: من بني طيراش بن يافث. و نسبهم ابن سعيد إلى ترك بن عابر بن شمويل بن يافث، قال في العبر:

و يدخل في جنس الترك القفجاق، و هم الخفشاج، و الطغرغر و هم التتر. و يقال: التتار بزيادة ألف. و الخطا، و الخزلخية و الخزر و هم الغز الذين كان منهم ملوك السلاجقة، و الهياطلة و هم الصغدر، و الغور، و العلان، و يقال: اللان، و الشركس، و الأزكش، و الروس كلهم من جيل الترك و نسبهم داخل في نسبهم. و في الحديث أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «الترك أول من يسلب أمتي ما خوّلوا»، و عن ابن عباس أنه قال: «ليكونن الملك أو الخلافة في ولدي حتى يغلب على عزّهم الحمر الوجوه الذين كأن وجوههم المجانّ المطرقة». (صبح الأعشى ج 1/ ص 420، معجم البلدان ج 2/ ص 27).

(2) الديلم: بفتح الدال و سكون الياء و فتح اللام و هم الذين كان منهم ملوك بني بويه الخارجين على خلفاء بني العباس ببغداد، قال في العبر: هم من بني ماداي بن يافث بن نوح، و قال ابن سعيد: من بني باسل بن أشور بن سام بن نوح. و قيل: هم من العرب، و لعل هذا القول ضعيف. (صبح الأعشى ج 1/ ص 421).

(3) الخزر: بفتح الخاء و الزاي و هم التركمان. في الإسرائيليات أنهم من ولد توغربحا بن كومر بن يافث بن نوح، و قيل: هم من بني طيراش بن يافث، و قيل: نوع من الترك. (صبح لأعشى ج 1/ ص 421).

(4) الحبشة: بفتح الحاء المهملة و الباء المفتوحة و الشين المفتوحة، و هي مملكة عظيمة جليلة المقدار، متّسعة الأرجاء، فسيحة الجوانب. أرضها صعبة المسلك لكثرة جبالها الشامخة، و عظم أشجارها، و اشتباك بعضها ببعض، حتى إن ملكها إذا أراد الخروج إلى جبهة من جهاتها، تقدّمه قوم مرصدون لإصلاح الطرق بآلات لقطع الأشجار و إحراقها بالنار. و هم قوم كثير عددهم، لم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنساني، لأنهم أجبر بني حام، و أخبر بالتوغّل في القتال و الاقتحام، طول زمنهم في الأسفار و صيد الوحش، و قتالهم إنما يكون‏

14

تجارات البلدان أكثر مما في تلك البلدان التي خرجت التجارات منها، و يكون مع ذلك أوجد و أمكن، حتى كأنما سيقت إليها خيرات الأرض، و جمعت فيها ذخائر الدنيا، و تكاملت بها بركات العالم، و هي مع هذا مدينة بني هاشم‏ (1) و دار ملكهم، و محل سلطانهم، لم يبتد بها أحد قبلهم، و لم يسكنها ملوك سواهم.

و لأن سلفي كانوا القائمين بها، واحدهم تولى أمرها، و لها الاسم المشهور و الذكر الذائع، ثم هي وسط الدنيا، لأنها على ما أجمع عليه قول الحساب و تضمّنته كتب الأوائل من الحكماء في الإقليم الرابع، و هو الإقليم الأوسط الذي يعتدل فيه الهواء في جميع الأزمان و الفصول.

فيكون الحرّ بها شديدا في أيام القيظ، و البرد شديدا في أيام الشتاء، و يعتدل الفصلان الخريف و الربيع في أوقاتهما.

و يكون دخول الخريف إلى الشتاء غير متباين الهواء، و دخول الربيع إلى الصيف غير متباين الهواء، و كذلك كل فصل ينتقل من هواء إلى هواء، و من زمان إلى زمان، فلذلك اعتدل الهواء، و طاب الثوى‏ (2)، و عذب الماء، و زكت الأشجار، و طابت الثمار، و أخصبت الزروع، و كثرت الخيرات، و قرب مستنبط معينها (3).

و باعتدال الهواء، و طيب الثرى، و عذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها، و نضرت وجوههم، و انفتقت أذهانهم حتى فضلوا الناس في العلم، و الفهم، و الأدب، و النظر، و التمييز، و التجارات، و الصناعات، و المكاسب، و الحذق‏ (4) بكل مناظرة، و إحكام كل مهنة، و إتقان كل صناعة، فليس عالم أعلم من عالمهم، و لا أروى من روايتهم، و لا أجدل من متكلّمهم، و لا أعرب‏ (5) من نحويهم‏ (6)، و لا أصح من قارئهم، و لا أمهر من متطبّبهم، و لا أحذق من مغنّيهم، و لا ألطف من صانعهم، و لا أكتب من كاتبهم، و لا

____________

عريا من غير لأمة تدفع عنهم و لا عن خيلهم. (صبح الأعشى ج 5/ ص 289).

(1) بنو هاشم: و هم العباسيّون خلفاء الدولة العباسية و أتباعهم.

(2) الثوى: المكان. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: ثوي).

(3) المعين: بفتح الميم، هو الماء الجاري. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: معن).

(4) الحذق: الذكاء. (القاموس المحيط، مادة: حذق).

(5) أعرب: أي أعرب كلامه حسّنه و أفصح و لم يلحن. (القاموس المحيط، مادة: عرب).

(6) نحويهم: النحوي و هو العالم بعلم النحو و هو إعراب الكلام و أصول استعمالاته. (القاموس المحيط، مادة: النحو).

15

أبين من منطيقهم‏ (1)، و لا أعبد من عابدهم، و لا أورع من زاهدهم، و لا أفقه من حاكمهم، و لا أخطب من خطيبهم، و لا أشعر من شاعرهم، و لا أفتك من ماجنهم.

و لم تكن بغداد مدينة (2) في الأيام المتقدّمة، أعني أيام الأكاسرة (3) و الأعاجم‏ (4)، و إنما كانت قرية من قرى طسوج بادوريا (5).

و ذلك أن مدينة الأكاسرة التي خاروها (6) من مدن العراق المدائن‏ (7)، و هي من‏

____________

(1) المنطيق: البليغ. (القاموس المحيط، مادة: نطق).

(2) كان أوّل من مصرها و جعلها مدينة المنصور بالله أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء العباسيين، و انتقل إليها من الهاشميّة. كان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده فبلغه ذلك من فعلهم، فانتقل عنهم يرتاد موضعا، فرأى موضعا طيبا، فقال لجماعة منهم سليمان بن مجالد، و أيوب المرزباني، و عبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: طيب موافق، فقال: صدقتم، و لكن لا مرفق فيه للرعية، و قد مررت في طريقي بموضع تجلب إليه الميرة (الأطعمة) و الأمتعة في البر و البحر و أنا راجع إليه و بائت فيه فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي و للناس. فأتى بعد ذلك إلى الموضع و هو بغداد و عبر موضع قصر السّلام، ثم صلى العصر، و ذلك في صيف و حرّ شديد، فبات أطيب مبيت، و أقام يومه فلم ير إلّا خيرا، فقال: هذا موضع صالح للبناء، فإنّ المادة تأتيه من الفرات و دجلة و جماعة الأنهار، و لا يحمل الجند و الرعية إلّا مثله، فخطّ البناء و قدّر المدينة و وضع أوّل لبنة بيده، فقال: بسم اللّه و الحمد للّه و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة اللّه. قيل: إنه أنفق على بنائها ثمانية عشر ألف ألف دينار، و كان أوّل العمل فيها سنة 145 ه.

(معجم البلدان ج 1/ ص 543).

(3) الأكاسرة: مفردها كسرى، و هو اسم كلّ ملك من ملوك الفرس. (القاموس المحيط، مادة: كسر).

(4) الأعاجم: من ليس بعربي أو من كان جنسه من العجم الفرس أو الروم. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: عجم).

(5) بادوريا: بالواو و الراء، ناحية من كورة الأستان بالجانب الغربي من بغداد. قيل: من استقلّ من الكتّاب ببادوريا استقل بديوان الخراج، و من استقلّ بديوان الخراج استقل بالوزارة، و ذاك لأن معاملاتها مختلفة و قصبتها الحضرة، و المعاملة فيها مع الأمراء و الوزراء و القوّاد و الكتّاب و الأشراف و وجوه الناس. (معجم البلدان ج 1/ ص 377).

(6) خاروها: اختاروها.

(7) المدائن: قال يزدجرد: إن أنوشروان بن قباذ و كان أجلّ ملوك فارس حزما، و رأيا، و عقلا، و أدبا فإنه بنى المدائن، و أقام بها هو و من كان بعده من ملوك بني ساسان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و قد ذكر في سير الفرس أن أوّل من اختطّ مدينة في هذا الموضع أردشير بن بابك، قالوا: لما ملك البلاد سار حتى نزل في هذا الموضع فاستحسنه فاختطّ به مدينة، و لم نجد أحدا ذكر لم سمّيت بالجمع، لكن الثابت أنها مساكن ملوك الأكاسرة من‏

16

بغداد على سبعة فراسخ و بها إيوان‏ (1) كسرى أنوشروان‏ (2)، و لم يكن ببغداد إلا دير على موضع مصبّ الصراة (3) إلى دجلة الذي يقال له: قرن الصراة، و هو الدير الذي يسمى الدير العتيق، قائم بحاله إلى هذا الوقت، نزله الجاثليق‏ (4) رئيس النصارى النسطورية (5).

و لم تكن أيضا بغداد في أيام العرب لمّا جاء الإسلام لأن العرب اختطت البصرة، و الكوفة (6)، فاختط الكوفة سعد بن أبي وقاص الزهري‏ (7) في سنة سبع عشرة، و هو عامل عمر بن الخطاب‏ (8).

____________

ملوك الساسان. (معجم البلدان ج 5/ ص 88).

(1) إيوان: جمعها إيوانات و أواوين، و هو المكان المتّسع من البيت يحيط به ثلاثة حيطان، أو القصر و منه إيوان كسرى. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: ايو).

(2) أنو شروان: هو كسرى الأول أو خسرو أنوشروان، ملك ساساني، 531- 579 م، هو ابن قباذ، حارب يوستينيانوس و احتلّ أنطاكية. عقد هدنة مع البيزنطيين سنة 555 م. استولى على اليمن سنة 570 م، و اشتهر بعدله و إصلاحاته. (المنجد في اللغة و الأعلام 463).

(3) الصّراة: بالفتح، يقال للماء إذا كثر مكثه و استنقاعه، و هو موضع ماء ببغداد قرب نهر دجلة.

(معجم البلدان ج 3/ ص 453).

(4) الجاثليق: أو الجثليق و جمعها جثالقة: هو متقدّم الأساقفة النصارى. لفظ يوناني الأصل.

(5) النسطورية: أو الآشوريون طائفة من المسيحيين ينتسبون إلى نسطور بطريرك القسطنطينية.

سكنوا الموصل و أرمينيا، نشروا المسيحية في إيران، و الهند، و الصين. انضم قسم منهم إلى الكثلكة في القرن السادس عشر و هم الكلدان، تشتتوا بعد الحرب العالمية الأولى 1914 م.

(6) الكوفة: بالضم، المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق و يسمّيها قوم خدّ العذراء. قيل:

سمّيت الكوفة لاستدارتها أخذا من قول العرب: رأيت كوفانا للرميلة المستديرة. و قيل: سمّيت الكوفة كوفة لاجتماع الناس بها من قولهم: قد تكوّف الرمل. و قيل: كوفة أي قطعة من الأرض. أما تمصيرها و أوليته فكانت في أيام عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه في السنة التي مصرّت فيها البصرة و هي سنة 17 ه. و قيل: إنها مصرّت بعد البصرة بعامين في سنة 19 ه.

و كان عمر بن الخطاب قد أمر ببنائها و البصرة. قيل: لما فرغ سعد بن أبي وقاص من وقعة رستم بالقادسية. قال له ابن بقيلة: هل أدلّك على أرض انحدرت عن الفلاة و ارتفعت عن المبقّة؟ قال: نعم، فدلّه على موضع الكوفة اليوم، و كان يقال له سورستان فأعجبه فولى السائب بن الأقرع و أبا الهيّاج الأسدي خطط الكوفة. (معجم البلدان ج 4/ ص 557).

(7) سعد بن أبي وقاص. مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، من أخوال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فهو من بني زهرة أهل آمنة بنت وهب أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعتزّ بهذه الخؤولة، أبو إسحاق، هو أحد العشرة المبشّرين بالجنة، و أوّل من رمى بسهم في سبيل اللّه، و أحد الستة الذين عيّنهم عمر بن الخطاب للخلافة، و يقال له: فارس الإسلام.

(8) عمر بن الخطّاب بن نفيل القرشي العدوي المولود سنة 40 ق. ه/ 584 م، أبو حفص، ثاني‏

17

و اختط البصرة عتبة بن غزوان المازني‏ (1)- مازن قيس- في سنة سبع عشرة و هو يومئذ عامل عمر بن الخطاب.

____________

الخلفاء الراشدين، و أول من لقّب بأمير المؤمنين، الصحابي الجليل، الشجاع الحازم، صاحب الفتوحات، يضرب بعدله المثل. كان في الجاهلية من أبطال قريش و أشرافهم، و له السفارة فيهم، ينافر عنهم و ينذر من أرادوا إنذاره. و هو أحد العمرين اللذين كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدعو ربه أن يعزّ الإسلام بأحدهما، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، و شهد الوقائع. قال ابن مسعود: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر. و قال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر، و كانت له تجارة بين الشام و الحجاز. بويع بالخلافة يوم وفاة أبي بكر سنة 13 ه بعهد منه، في أيامه تمّ فتح الشام و العراق، و افتتحت القدس، و المدائن، و مصر، و الجزيرة، حتى قيل: انتصب في مدته اثنا عشر ألف منبر في الإسلام.

و هو أول من وضع للعرب التاريخ الهجري، و كانوا يؤرّخون بالوقائع، و اتخذ بيت مال للمسلمين، و أمر ببناء الكوفة، و البصرة فبنيتا، و أول من دوّن الدواوين في الإسلام، جعلها على الطريقة الفارسيّة، لإحصاء أصحاب الأعطيات و توزيع المرتّبات عليهم. و كان يطوف في الأسواق منفردا. و يقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم. و كتب إلى عماله: إذا كتبتم لي فابدأوا بأنفسكم. و روى الزهري: كان عمر إذا نزل به الأمر المعضل دعا الشبّان فاستشارهم يبتغي حدّة عقولهم. و له خطب و رسائل غاية في البلاغة. و كان لا يكاد يعرض له أمر إلّا أنشد فيه بيت شعر. و كان أول ما فعله حين ولي أن ردّ سبايا أهل الردّة إلى عشائرهن.

و قال: كرهت أن يصير السبي سبة على العرب. و كانت الدراهم في أيامه على نقش الكسروية، و زاد في بعضها: «الحمد للّه» و في بعضها: «لا إله إلا اللّه وحده» و في بعضها «محمد رسول اللّه»، له في كتب الحديث 537 حديثا. و كان نقش خاتمه: «كفى بالموت واعظا يا عمر». و في الحديث: «اتقوا غضب عمر، فإنّ اللّه يغضب لغضبه» لقّبه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالفاروق، و كنّاه بأبي حفص، و كان يقضي على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). قالوا في صفته: كان أبيض عاجي اللون، طوالا مشرفا على الناس، كثّ اللحية، أنزع (منحسر الشعر من جانبي الجبهة) يصبغ لحيته بالحناء و الكتم. قتله أبو لؤلؤة فيروز الفارسي غلام المغيرة بن شعبة، غيلة بخنجر في خاصرته و هو في صلاة الصبح، عاش بعد الطعنة ثلاث ليال. و كانت وفاته سنة 23 ه/ 644 م.

(1) عتبة بن غزوان بن جابر بن وهيب الحارثي المازني، المولود سنة 40 ق. ه/ 584 م، أبو عبد اللّه، باني مدينة البصرة، صحابي، قديم الإسلام. هاجر إلى الحبشة، و شهد بدرا، ثم شهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص، و وجهه عمر إلى أرض البصرة واليا عليها و كانت تسمّى «الأبلّة» أو «أرض الهند» فاختطها عتبة و مصّرها، و سار إلى ميسان و أبزقباذ فافتتحهما، و قدم المدينة لأمر خاطب به أمير المؤمنين عمر، ثم عاد فمات في الطريق سنة 17 ه/ 638 م، و كان طويلا جميلا من الرماة المعدودين. روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعة أحاديث.

18

و اختطت العرب في هاتين المدينتين خططها إلا أن القوم جميعا قد انتقل وجوههم وجلتهم و مياسير تجارهم‏ (1) إلى بغداد.

و لم ينزل بنو أمية العراق لأنهم كانوا نزولا بالشام، و كان معاوية بن أبي سفيان‏ (2) عامل الشام لعمر بن الخطاب، ثم لعثمان بن عفان‏ (3) عشرين سنة، و كان ينزل مدينة

____________

(1) مياسير تجارهم: التجار الأغنياء الموسرين.

(2) معاوية بن «أبي سفيان» صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي المولود سنة 20 ق. ه/ 603 م، مؤسس الدولة الأموية في الشام، أحد دهاة العرب المتميزين الكبار. كان فصيحا حليما و قورا. ولد بمكة، و أسلم يوم فتحها سنة 8 ه، و تعلّم الكتابة و الحساب فجعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في عداد كتّابه، و لما ولي أبو بكر ولّاه قيادة جيش تحت إمرة أخيه يزيد بن أبي سفيان، فكان على مقدمته في فتح مدينة صيداء، و عرقة، و جبيل، و بيروت. و لما ولي عمر جعله واليا على الأردن، و رأى فيه حزما و علما فولّاه دمشق بعد موت أميرها يزيد (أخيه) و جاء عثمان فجمع له الديار الشامية كلها و جعل ولاة أمصارها تابعين له. قتل عثمان فولي علي بن أبي طالب فوجّه لفوره بعزل معاوية، علم معاوية بالأمر قبل وصول البريد، فنادى بثأر عثمان و اتّهم علي بن أبي طالب بدمه، و نشبت الحروب الطاحنة بينه و بين علي. و انتهى الأمر بإمامة معاوية في الشام، و إمامة علي بن أبي طالب في العراق، ثم قتل علي بن أبي طالب و بويع بعده ابنه الحسن بن علي بن أبي طالب، فسلّم الخلافة إلى معاوية سنة 41 ه. و دامت لمعاوية الخلافة إلى أن بلغ سنّ الشيخوخة، فعهد بها إلى ابنه يزيد و مات في دمشق سنة 60 ه/ 680 م، له 130 حديثا. و هو أحد الفاتحين في الإسلام.

(3) عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، من قريش، أمير المؤمنين، ذو النورين، ثالث الخلفاء الراشدين، و أحد العشرة المبشرين. من كبار الرجال الذين اعتز بهم الإسلام في عهد ظهوره. ولد بمكة سنة 47 ق. ه/ 577 م، و أسلم بعد البعثة بقليل. و كان غنيا شريفا في الجاهلية. و من أعظم أعماله في الإسلام تجهيزه نصف جيش العسرة بماله، فبذل ثلاثمائة بعير بأقتابها و أحلاسها و تبرع بألف دينار، و صارت إليه الخلافة بعد وفاة عمر بن الخطاب سنة 23 ه، فافتتحت في أيامه أرمينية، و القوقاز، و خراسان، و كرمان، و سجستان، و إفريقيا، و قبرس، و أتمّ جمع القرآن، و كان أبو بكر قد جمعه و أبقى ما بأيدي الناس من الرقاع و القراطيس، فلما ولي عثمان طلب مصحف أبي بكر و أمر بالنسخ عنه و أحرق كلّ ما عداه. و هو أول من زاد في المسجد الحرام و مسجد الرسول، و قدم الخطبة في العيد على الصلاة، و أمر بالأذان الأول يوم الجمعة، و اتخذ الشرطة و أمر بكل أرض جلا عنها أهلها أن يستعمرها العرب المسلمون و تكون لهم. و اتخذ دارا للقضاء بين الناس، و كان أبو بكر و عمر يجلسان للقضاء في المسجد، روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) 146 حديثا. نقم عليه الناس اختصاصه أقاربه من بني أميّة بالولايات و الأعمال، فجاءته الوفود من الكوفة، و البصرة، و مصر، فطلبوا منه عزل أقاربه، فامتنع، فحصروه في داره يراودونه على أن يخلع نفسه، فلم يفعل،

19

دمشق و أهله معه، فلمّا غلب على الأمر و صار إليه السلطان‏ (1) جعل منزله و داره دمشق التي بها كان سلطانه، و أنصاره، و شيعته.

ثم نزل بها ملوك بني أمية بعد معاوية لأنهم بها نشأوا لا يعرفون غيرها، و لا يميل إليهم إلا أهلها، فلمّا أفضت الخلافة إلى بني عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ولد العباس بن عبد المطلب‏ (2) عرفوا بحسن تمييزهم، و صحة عقولهم، و كمال آرائهم فضل العراق، و جلالتها، و سعتها، و وسطها للدنيا، و أنها ليست كالشام الوبيئة الهواء، الضيقة المنازل، الحزنة الأرض، المتصلة الطواعين، الجافية الأهل.

و لا كمصر المتغيرة الهواء، الكثيرة الوباء، التي إنّما هي بين بحر رطب عفن‏ (3) كثير البخارات الرديئة التي تولد الأدواء و تفسد الغذاء، و بين الجبل اليابس‏ (4) الصلد الذي ليبسه، و ملوحته، و فساده لا ينبت فيه خضر و لا ينفجر منه عين ماء.

و لا كأفريقية (5) البعيدة عن جزيرة الإسلام و عن بيت اللّه الحرام، الجافية الأهل، الكثيرة العدو.

____________

فحاصروه أربعين يوما، و تسوّر عليه بعضهم الجدار فقتلوه صبيحة عيد الأضحى و هو يقرأ القرآن في بيته بالمدينة. و لقب بذي النورين لأنه تزوج بنتي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رقية ثم أم كلثوم.

(1) السلطان: الحكم.

(2) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو الفضل، من أكابر قريش في الجاهلية و الإسلام، ولد سنة 51 ق. ه/ 573 م، وجد الخلفاء العباسيين، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في وصفه: «أجود قريش كفّار و أوصلها، هذا بقيّة آبائي» و هو عمه، كان محسنا لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، و مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق، اشترى 70 عبدا و أعتقهم. كانت له سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام (و هي أن لا يدع أحدا يسب أحدا في المسجد و لا يقول فيه هجرا). أسلم قبل الهجرة و كتم إسلامه، و أقام بمكة يكتب إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبار المشركين، ثم هاجر إلى المدينة، و شهد وقعة «حنين» فكان ممن ثبت حين انهزم الناس.

و شهد فتح مكة، و عمي في آخر عمره، و كان إذا مرّ بعمر أيام خلافته ترجّل عمر إجلالا له، و كذلك عثمان. أحصي ولده في سنة 200 ه، فبلغوا 33000، و كانت وفاته في المدينة سنة 32 ه/ 653 م عن عشرة أولاد ذكور سوى الإناث و له في كتب الحديث 35 حديثا.

(3) لعله البحر الأحمر.

(4) لعله جبل المقطّم.

(5) إفريقيا: و هي القارة المعروفة اليوم و هي بعيدة عن الجزيرة العربية معظم سكانها من السودان و كان فيها البربر و كانوا على عداء مع العرب. (معجم البلدان ج 1/ ص 270).

20

و لا كأرمينية، النائية الباردة، الصردة (1) الحزنة التي يحيط بها الأعداء، و لا مثل كور الجبل، الحزنة، الخشنة، المثلجة، دار الأكراد (2)، الغيلظي الأكباد.

و لا كأرض خراسان، الطاعنة في مشرق الشمس، التي يحيط بها من جميع أطرافها عدوّ كلب، و محارب حرب.

و لا كالحجاز (3)، النكدة المعاش، الضيقة المكسب، التي قوت أهلها من غيرها، و قد أنبأنا اللّه عز و جل في كتابه عن إبراهيم خليله (عليه السّلام) فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ‏ [إبراهيم: 37].

و لا كالتبت، التي بفساد هوائها، و غذائها تغيرت ألوان أهلها، و صغرت أبدانهم، و تجعّدت شعورهم، فلما علموا أنها أفضل البلدان نزلوا مختارين لها، فنزل أبو العباس أمير المؤمنين و هو عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الكوفة أول مرة، ثم انتقل إلى الأنبار (4)، فبنى مدينة على شاطى‏ء الفرات، و سماها

____________

(1) الصردة: المرتفعة الجبال الباردة. (المنجد في اللغة و الإعلام، مادة: صرد).

(2) الأكراد: و هم الذين كان منهم بنو أيوب ملوك مصر بعد الفاطميين. قال في العبر: هم من بني إيران بن أشور بن سام بن نوح (عليه السّلام)، قال المقر الشهابي بن فضل اللّه في كتابه «التعريف» و يقال في المسلمين الكرد، و في الكفار الكرج، و حينئذ فيكون الكرد و الكرج نسبا واحدا. (صبح الأعشى ج 1/ ص 424).

(3) الحجاز: بالكسر و آخره زاي، قيل: في الحجاز و جهان: يجوز أن يكون مأخوذا من قول العرب حجز الرجل بعيره يحجره إذا شدّه شدّا يقيّده به، و يقال للحبل حجاز، و يجوز أن يكون سمّي حجازا لأنه يحتجز بالجبال. و الحجاز جبل يمتدّ حالّ بين الغور غور تهامة و نجد فكأنه منع كلّ واحد منهما أن يختلط بالآخر فهو حاجز بينهما، و هذه حكاية أقوال العلماء.

(معجم البلدان ج 2/ ص 252).

(4) الأنبار: بفتح أوله، مدينة قرب بلخ و هي قصبة ناحية جوزجان و بها كان مقام السلطان، و هي على الجبل، و هي أكبر من مرو الروذ بالقرب منها، و لها مياه و كروم و بساتين كثيرة، و بناؤهم طين، و بينها و بين شبورقان مرحلة من ناحية الجنوب، و الأنبار: مدينة على الفرات في غربي بغداد- و لعلها هي المذكورة في متن هذا الكتاب- بينهما عشرة فراسخ، و كانت الفرس تسمّيها فيروز سابور، و كان أوّل من عمّرها سابور بن هرمز ذو الأكتاف، ثم جدّدها أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس، و بني لها قصورا و أقام بها إلى أن مات، و قيل سميت الأنبار لأن بخت نصّر لما حارب العرب الذين لا خلاق لهم حبس الأسرى فيها.

و قيل: الأنبار حدّ بابل سميت به لأنه كان يجمع بها أنابير الحنطة، و الشعير، و القت، و التبن، و كانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها، و كان يقال لها: الأهراء، فلما دخلت العرب‏

21

الهاشمية (1)، و توفي أبو العباس رضي اللّه عنه قبل أن يستتم المدينة. فلما ولي أبو جعفر المنصور (2) الخلافة، و هو أيضا عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس ابن عبد المطلب بنى مدينة بين الكوفة، و الحيرة (3) سماها الهاشمية، و أقام بها مدة، إلى أن‏

____________

عرّبتها، فقالت: الأنبار، و الأنبار: أهراء الطعام، واحدها نبر، و يجمع على أنابير و هو جمع الجمع. (معجم البلدان ج 1/ ص 305).

(1) الهاشميّة: مدينة بناها السفاح بالكوفة و ذلك أنه لما ولي الخلافة نزل بقصر ابن هبيرة و استتم بناؤه و جعله مدينة و سمّاها الهاشمية و كان الناس ينسبونها إلى ابن هبيرة على العادة، فقال:

ما أرى ذكر ابن هبيرة يسقط عنها، فرفضها و بنى حيالها مدينة سمّاها الهاشمية و نزلها، ثم اختار نزول الأنبار فبنى مدينتها المعروفة فلما توفي دفن بها، و استخلف المنصور فنزلها أيضا و استتمّ بناء كان بقي فيها و زاد على ما أراد، ثم تحوّل عنها فبنى مدينة بغداد و سمّاها مدينة السّلام. (معجم البلدان ج 5/ ص 447).

(2) أبو جعفر المنصور: هو عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، أبو العباس، أول خلفاء الدولة العباسية، و أحد الجبارين الدهاة من ملوك العرب. يقال له «المرتضى»، «و القائم». ولد سنة 104 ه/ 722 م و نشأ بالشراة بين الشام و المدينة. قام بدعوته أبو مسلم الخراساني مقوّض عرش الدولة الأموية، فبويع له بالخلافة جهرا في الكوفة سنة 132 ه. صفا له الملك بعد مقتل مروان بن محمد آخر ملوك الأمويين في الشام، و كافأ أبا مسلم بأن و لاه خراسان. و كان شديد العقوبة، عظيم الانتقام، تتبّع بقايا الأمويين بالقتل و الصلب و الإحراق حتى لم يبق منهم غير الأطفال و الجالين إلى الأندلس. و لقّب بالسفّاح لكثرة ما سفح من دمائهم، و كانت إقامته بالأنبار، حيث بنى مدينة سمّاها «الهاشمية» و جعلها مقرّ خلافته، و هو أول من أحدث الوزارة في الإسلام، و كان الأمويون يتّخذون رجالا من الخاصّة يستشيرونهم في بعض شؤونهم، و كان سخيا جدا، و هو أول من وصل بمليوني درهم من خلفاء الإسلام، و كان يلبس خاتمه باليمين و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يختتم في يمينه، و كذلك الخلفاء الراشدون، فلما ولي معاوية جعله في يساره، و اقتدى به من بعده من بني أمية، فلما استولى السفاح أعاده إلى اليمين، فظلّ إلى خلافة الرشيد، فنقله إلى اليسار و تابعه من جاء بعده من الخلفاء. و كان يوصف بالفصاحة و العلم و الأدب، و له كلمات مأثورة. كانت في أيامه ثورات قمعتها القوة و فتوة الملك. و مرض بالجدري فتوفي شابا بالأنبار. للاستزادة يراجع: ابن الأثير (5: 152). الطبري (9: 154).

(3) الحيرة: بالكسر ثم السكون وراء، مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتّصل به، و بالحيرة الخورنق بقرب منها مما يلي الشرق على نحو ميل، و السدير في وسط البرية التي بينها و بين الشام، كانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية من زمن نضر، ثم من لخم النعمان و آبائه. و صفوها بالبياض فإنما أرادوا حسن العمارة، و قيل: سميت الحيرة لأن تبعا الأكبر لما قصد خراسان خلّف ضعفة جنده بذلك الموضع و قال لهم: حيّروا به، أي أقيموا به. (معجم البلدان ج 2/ ص 376).

22

عزم على توجيه ابنه محمد المهدي‏ (1) لغزو الصقالبة (2) في سنة أربعين و مائة، فصار إلى بغداد، فوقف بها و قال: ما اسم هذا الموضع؟ قيل له: بغداد. قال:

و اللّه المدينة التي أعلمني أبي محمد بن علي أني أبنيها و أنزلها و ينزلها ولدي من بعدي.

و لقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية و الإسلام حتى يتم تدبير اللّه، إليّ و حكمه فيّ، و تصح الروايات، و تبين الدلائل و العلامات، و إلا فجزيرة بين دجلة و الفرات، دجلة شرقيها، و الفرات غربيها، مشرعة للدنيا.

كل ما يأتي في دجلة من واسط (3) و البصرة و الأبلة (4) و الأهواز، و فارس‏ (5)

____________

(1) محمد المهدي: هو محمد بن عبد اللّه المنصور بن محمد بن علي العباسي، أبو عبد اللّه، المهدي بالله من خلفاء الدولة العباسية في العراق، ولد سنة 127 ه/ 744 م بإيذج من كور الأهواز، ولي بعد وفاة أبيه و بعهد منه سنة 158 ه، و أقام في الخلافة عشر سنين و شهرا، و مات في ماسبذان، صريعا عن دابته في الصيد سنة 169 ه/ 785 م، و قيل: مسموما.

كان محمود العهد و السيرة، محببا إلى الرعية، حسن الخلق و الخلق، جوادا، يقال: إنه أجاز شاعرا بخمسين ألف دينار، و كان يجلس للمظالم، و يقول: أدخلوا عليّ القضاة فلو لم يكن ردّي للمظالم إلّا حياء منهم لكفى. و هو أول من مشي بين يديه بالقوس و النشّاب و العمد، و أول من لعب الصوالجة في الإسلام. و هو الذي بني جامع الرصافة، و تربته بها، و انمحى أثر الجامع و التربة بعد ذلك.

(2) الصقالبة: بفتح الصاد المهملة و فتح القاف و ألف بعدها لام مكسورة و باء مفتوحة، و هم عند الإسرائيليين من بني بازان بن يافث بن نوح (عليه السّلام)، و قيل: هم من بني أشكتاز بن توغرما بن كومر بن يافث. (صبح الأعشى ج 1/ ص 422).

(3) واسط: سميت واسط لأنها متوسطة بين البصرة و الكوفة لأن منها إلى كل واحد منهما خمسين فرسخا، لا قول فيه غير ذلك إلّا ما ذهب إليه بعض أهل اللغة حكاية عن الكلبي أنه كان قبل عمارة واسط هناك موضع يسمى واسط قصب، فلما عمّر الحجاج مدينة سمّاها باسمها و اللّه أعلم. (معجم البلدان ج 5/ ص 400).

(4) الأبلة: اسم بلد كانت فيه امرأة خمّارة تعرف بهوب في زمن النبط، فطلبها قوم من النبط، فقيل لهم: هوب لّاكا، بتشديد اللام أي ليست هوب هنا، فجاءت الفرس فغلّظت، فقالت:

هوبلّت، فعرّبتها العرب، فقالت: الأبلّة. (معجم البلدان ج 1/ ص 98).

(5) فارس: ولاية واسعة و إقليم فسيح، أول حدودها من جهة العراق أرّجان، و من جهة كرمان السيرجان، و من جهة ساحل بحر الهند سيراف، و من جهة السند مكران، قيل: فارس اسم البلد و ليس باسم الرجل و لا ينصرف لأنه غلب عليه التأنيث كنعمان و ليس أصله بعربي، بل هو فارسي معرّب أصله بارس و هو غير مرتضى، فعرّب فقيل: فارس. (معجم البلدان ج 4/ ص 256).

23

و عمان‏ (1) و اليمامة (2) و البحرين‏ (3) و ما يتصل بذلك، فإليها ترقى، و بها ترسى.

و كذلك ما يأتي من الموصل‏ (4) و ديار ربيعة (5) و آذربيجان و أرمينية مما يحمل في السفن في دجلة.

____________

(1) عمان: بضم أوله و تخفيف الثانية و آخره نون، اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن و الهند، و عمان في الإقليم الأول في شرقي هجر، تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل و زروع إلّا أنّ حرّها يضرب به المثل، و أكثر أهلها من الإباضية و هم لا يخفون ذلك. (معجم البلدان ج 4/ ص 169).

(2) اليمامة: منقول عن اسم طائر يقال له اليمام واحده يمامة و اختلف فيه فقيل: اليمام من الحمام التي تكون في البيوت و الحمام البري.

و قيل: اليمام ضرب من الحمام البري، كان فتحها في عهد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه و قتل مسيلمة الكذاب سنة 12 للهجرة، و فتحها خالد بن الوليد عنوة ثم صولحوا، و بين اليمامة و البحرين عشرة أيام، و هي معدودة من نجد و قاعدتها حجر، و قيل: تسمى اليمامة جوّا و العروض، بفتح العين، و كان اسمها قديما جوّا فسمّيت اليمامة تيمّنا باليمامة بنت سهم بن طسم. قال بعض أهل السير: كانت منازل طسم و جديس باليمامة، و كانت تدعى جوّا، و ما حولها إلى البحرين و منازل عاد الأولى الأحقاف. (معجم البلدان ج 5/ ص 505).

(3) البحرين: هكذا يتلفّظ بها في حال الرفع و النصب و الجر، و لم يسمع على لفظ المرفوع من أحد منهم، هو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة و عمان، قيل: هي قصبة هجر، و قيل: هجر قصبة البحرين، و قد عدّها قوم من اليمن، و جعلها آخر من قصبة برأسها.

و فيها عيون و مياه و بلاد واسعة. (معجم البلدان ج 1/ ص 411).

(4) الموصل: بالفتح، و كسر الصاد، المدينة المشهورة العظيمة إحدى قواعد بلاد الإسلام قليلة النظير كبرا، و عظما، و كثرة خلق، و سعة رقعة، فهي محطّ رحال الركبان و منها يقصد إلى جميع البلدان، فهي باب العراق و مفتاح خراسان و منها يقصد ألى أذربيجان، و كثيرا ما سمع أن بلاد الدنيا العظام ثلاثة: نيسابور لأنها باب الشرق، و دمشق لأنها باب الغرب، و الموصل لأن القاصد إلى الجهتين قلّ ما لا يمرّ بها. قالوا: و سميت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة و العراق، و قيل: وصلت بين دجلة و فرات، و قيل: لأنها وصلت بين بلد سنجار و الحديثة، و قيل: بل الملك الذي أحدثها كان يسمى الموصل. و هي مدينة قديمة على طرف دجلة، و مقابلها من الجانب الشرقي نينوى، و في وسط مدينة الموصل قبر جرجس النبي. (معجم البلدان ج 5/ ص

258).

(5) ديار ربيعة: بين الموصل إلى رأس عين نحو بقعاء الموصل، و نصيبين، و رأس عين، و دنيسر، و الخابور جميعه، و ما بين ذلك من المدن و القرى، و ربما جمع بين ديار بكر، و ديار ربيعة و سمّيت كلها ديار ربيعة لأنهم كلهم ربيعة، و هذا اسم لهذه البلاد قديم، كانت العرب تحله قبل الإسلام في بواديه، و اسم الجزيرة يشمل الكل. (معجم البلدان ج 2/ ص 562).

24

و ما يأتي من ديار مصر، و الرقة (1) و الشام‏ (2) و الثغر (3) و مصر و المغرب‏ (4) مما يحمل في السفن في الفرات.

فيها يحطّ و ينزل و مدرجة أهل الجبل أصبهان و كور خراسان، فالحمد للّه الذي ذخرها لي، و أغفل عنها كل من تقدّمني، و اللّه لأبنيها ثم أسكنها أيام حياتي، و يسكنها ولدي من بعد، ثم لتكونن أعمر مدينة في الأرض، ثم لأبنين بعدها أربع مدن لا تخرب واحدة منهن أبدا، فبناها، و هي الرافقة (5) و لم يسمها، و بنى ملطية المصيصة، و بنى المنصورة (6) بالسند، ثم وجه في إحضار المهندسين و أهل المعرفة بالبناء، و العلم‏

____________

(1) الرّقّة: بفتح أوله و ثانيه و تشديده، و أصله كل أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء، و جمعها رقاق، و قيل: الرقاق الأرض اللينة التراب، و قيل: الرقاق الأرض اللينة من غير رمل. و هي مدينة مشهورة على الفرات، بينها و بين حرّان ثلاثة أيام، معدودة في بلاد الجزيرة لأنها من جانب الفرات الشرقي و يقال لها: الرّقّة البيضاء. أرسل سعد بن أبي وقاص والي الكوفة في سنة 17 ه. جيشا عليه عياض بن غنم، فقدم الجزيرة فبلغ أهل الرّقّة خبره، فقالوا: أنتم بين العراق و الشام، و قد استولى عليها المسلمون فما بقاؤكم مع هؤلاء، فبعثوا إلى عياض بن غنم في الصلح فقبله منهم. (معجم البلدان ج 3/ ص 67).

(2) الشام: الشّأم بفتح أوله، و فتح همزته، و فيها لغة ثانية و هي الشام، بغير همز، كذا يزعم اللغويّون، و قد تذكّر و تؤنّث، قيل: سمّيت الشام شاما لكثرة قراها، و تداني بعضها من بعض فشبّهت بالشامات، و قيل: سميت بذلك لأن قوما من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق فتشاءموا إليها أي أخذوا ذات الشمال فسميت بالشام لذلك. و قيل: سميت الشام بسام بن نوح (عليه السّلام)، و ذلك لأنه أول من نزلها فجعلت السين شينا لتغيّر اللفظ العجمي. (معجم البلدان ج 3/ ص 353).

(3) الثغر: بالفتح ثم السكون، كل موضع قريب من أرض العدو يسمى ثغرا، كأنه مأخوذ من الثغرة، و هي الفرجة في الحائط، و هو في مواضع كثيرة، منها ثغر الشام، و جمعه ثغور، و هذا الاسم يشمل بلادا كثيرة. (معجم البلدان ج 2/ ص 93).

(4) المغرب: بالفتح، ضد المشرق، و هي بلاد واسعة كثيرة و وعثاء شاسعة، قال بعضهم: حدّها من مدينة مليانة و هي آخر حدود إفريقية إلى آخر جبال السوس التي وراءها البحر المحيط و تدخل فيه جزيرة الأندلس، و إن كانت إلى الشمال أقرب ما هي، و طول هذا في البر مسيرة شهرين. (معجم البلدان ج 5/ ص 188).

(5) الرافقة: بلد متّصل البناء بالرّقّة و هما على ضفة الفرات و بينهما مقدار ثلاثمائة ذراع، و على الرافقة سوران بينهما فصيل، و هي على هيئة مدينة السّلام، و لها ربض بينها و بين الرّقّة و به أسواقها. (معجم البلدان ج 3/ ص 17).

(6) المنصورة: مفعولة من النصر في مواضع عدة، و منها: المنصورة بأرض السند و هي قصبتها، مدينة كبيرة كثيرة الخيرات ذات جامع كبير سواريه ساج و لهم خليج من نهر مهران. قيل:

25

بالذرع، و المساحة، و قسمة الأرضين حتى اختط مدينته المعروفة بمدينة أبي جعفر (1)، و أحضر البنائين و الفعلة و الصناع من النجارين، و الحدادين، و الحفارين، فلما اجتمعوا و تكاملوا أجرى عليهم الأرزاق، و أقام لهم الأجرة، و كتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئا من البناء فحضره مائة ألف من أصناف المهن و الصناعات.

خبّر بهذا جماعة من المشايخ أن أبا جعفر المنصور لم يبتد البناء حتى تكامل له من الفعلة و أهل المهن مائة ألف.

ثم اختطها في شهر ربيع الأول سنة إحدى و أربعين و مائة، و جعلها مدورة، و لا تعرف في جميع أقطار الدنيا مدينة مدورة (2) غيرها.

و وضع أساس المدينة في وقت اختاره نوبخت المنجم، و ما شاء اللّه بن سارية، و قبل وضع الأساس ما ضرب اللبن العظام.

و كان في اللبنة التامة المربعة ذراع في ذراع، وزنها مائتا رطل، و اللبنة المنصفة طولها ذراع، و عرضها نصف ذراع، و وزنها مائة رطل، و حفرت الآبار للماء و عملت القناة التي تأخذ من نهر كرخابا (3)، و هو النهر الآخذ من الفرات فأتقنت القناة و أجريت إلى داخل المدينة للشرب، و لضرب اللبن، و بلّ الطين، و جعل للمدينة أربعة أبواب، بابا سماه باب الكوفة، و بابا سماه باب البصرة، و بابا سماه باب خراسان، و بابا سماه باب الشام، و بين كل باب منها إلى الآخر خمسة آلاف ذراع بالذراع السوداء (4) من خارج الخندق، و على كل باب منها بابا حديد عظيمان جليلان، و لا يغلق الباب الواحد منها، و لا يفتحه إلا جماعة رجال.

____________

سميت المنصورة بمنصور بن جمهور عامل بني أمية. و قيل: سميت المنصورة لأن المنصور بن جمهور الكلبي، بناها فسميت به و كان خرج مخالفا لهارون و أقام بالسند.

و قيل: سميت المنصورة لأن عمرو بن حفص الهزارمرد المهلبي بناها في أيام المنصور من بني العباس فسميت به، و للمنصورة من النهر مهران يحيط بالبلد فهي منه في شبه الجزيرة، و في أهلها مروّة، و صلاح، و دين، و تجارات، و شربهم من نهر يقال له: مهران، و هي شديدة الحرّ كثيرة البقّ. (معجم البلدان ج 5/ ص 244).

(1) مدينة أبي جعفر: بغداد.

(2) مدينة بغداد.

(3) نهر كرخابا: هو أحد روافد نهر الفرات.

(4) الذراع السوداء: لعل المقصود بها قياس ذراع الزنوج من العبيد.

26

يدخل الفارس بالعلم، و الرامح بالرمح الطويل من غير أن يميل العلم، و لا يثني الرمح، و جعل سورها باللبن العظام التي لم ير مثلها قط على ما وصفنا من مقدارها و الطين.

و جعل أساس السور تسعين ذراعا بالسوداء، ثم ينحطّ حتى يصير في أعلاه على خمس و عشرين ذراعا، و ارتفاعه ستون ذراعا مع الشرفات، و حول السور فصيل‏ (1) جليل عظيم، بين حائط السور و حائط الفصيل مائة ذراع بالسوداء.

و للفصيل أبرجة عظام و عليه الشرفات المدوّرة، و خارج الفصيل، كما يدور، مسناة (2) بالآجر (3) و الصاروج‏ (4) متقنة محكمة عالية، و الخندق بعد المسناة قد أجري فيه الماء من القناة التي تأخذ من نهر كرخابا، و خلف الخندق الشوارع العظماء.

و جعل لأبواب المدينة أربعة دهاليز عظاما آزاجا (5) كلها، حول كل دهليز ثمانون ذراعا كلها معقودا بالآجر و الجص.

فإذا دخل من الدّهليز الذي على الفصيل وافى رحبة مفروشة بالصخر، ثم دهليزا على السور الأعظم عليه بابا حديد جليلان عظيمان، لا يغلق كل باب و لا يفتحه إلا جماعة رجال، و الأبواب الأربعة كلها على ذلك، فإذا دخل من دهليز السور الأعظم سار في رحبة إلى طاقات معقودة بالآجر و الجص، فيها كواء رومية (6) يدخل منها الشمس و الضوء، و لا يدخل منها المطر و فيها منازل الغلمان، و لكل باب من الأبواب الأربعة طاقات و على كل باب من أبواب المدينة التي على السور الأعظم قبة معقودة عظيمة مذهبة، و حولها مجالس، و مرتفعات يجلس فيها فيشرف على كل ما يعمل به، يصعد إلى هذه القباب على عقود مبنية بعضها بالجص و الآجر، و بعضا باللبن العظام.

قد عملت آزاجا بعضها أعلى من بعض فداخل الآزاج للرابطة و الحرس،

____________

(1) الفصيل: جمعها فصلان و فصال و فصلان، حائط قصير دون سور المدينة و قدّامه. (القاموس المحيط، مادة: فصل).

(2) مسناة: لها حواف مسنّنة. (القاموس المحيط، مادة: سنن).

(3) الآجر: الطين. (القاموس المحيط، مادة: أجر).

(4) الصاروج: الكلس و أخلاطه و هي لفظة فارسية الأصل. (المنجد في اللغة و الأعلام، مادة:

صرج).

(5) آزاجا: بنيت طولا. (القاموس المحيط، مادة: أزج).

(6) كواء رومية: فتحات في الحائط. (القاموس المحيط، مادة: كوي).

27

و ظهورها عليها المصعد إلى القباب التي على الأبواب على الدواب، و على المصعد أبواب تغلق فإذا خرج الخارج من الطاقات خرج إلى رحبة، ثم إلى دهليز عظيم أزج معقود بالآجر و الجص عليه بابا حديد يخرج من الباب إلى الرحبة العظمى، و كذلك للطاقات الأربعة على مثال واحد.

و في وسط الرحبة القصر الذي سمي بابه باب الذهب، و إلى جنب القصر المسجد الجامع، و ليس حول القصر بناء و لا دار، و لا مسكن لأحد إلا دار من ناحية الشام للحرس، و سقيفة كبيرة ممتدة على عمد مبنية بالآجر و الجص يجلس في إحداهما صاحب الشرطة و في الأخرى صاحب الحرس، و هي اليوم يصلي فيها الناس، و حول الرحبة.

كما تدور منازل أولاد المنصور الأصاغر و من يقرب من خدمته من عبيده و بيت المال، و خزانة السلاح، و ديوان الرسائل‏ (1)، و ديوان الخراج‏ (2)، و ديوان الخاتم‏ (3)، و ديوان الجند (4)، و ديوان الحوائج‏ (5)، و ديوان الأحشام‏ (6)، و مطبخ العامة، و ديوان‏

____________

(1) ديوان الرسائل: إن هذا الديوان أوّل ديوان وضع في الإسلام، و ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يكاتب أمراءه، و أصحاب سراياه من الصحابة، و يكاتبونه و كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، و بعث إليهم رسله بكتبه فبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، و عبد اللّه بن حذاقة إلى كسرى أبرويز ملك الفرس، و دحية الكلبي إلى هرقل ملك الروم، و حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر و سليط بن عمرو إلى هوذة بن علي ملك اليمامة، و العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين. و قيل: كان للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نيّف و ثلاثون كاتبا. لما بزغت شمس الخلافة العباسية بالعراق و ولي الخلافة أبو العباس السفاح أوّل خلفاء بني العباس، استوزر أبا سلمة الخلّال، و توالت الوزراء بعده لخلفاء بني العباس، و كان ديوان الإنشاء (الرسائل) تارة يضاف إلى الوزارة، فيكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بقلمه، و تارة يفرد عنه بكاتب ينظر في أمره. (صبح الأعشى 1/ 125- 127).

(2) ديوان الخراج: ديوان الأتاوة، و أصله ما يخرج من غلّة الأرض و المال، أو المال المضروب على الأرض، الجزية، و هذا الديوان بمثابة وزارة المالية. (القاموس المحيط، مادة: خرج).

(3) ديوان الخاتم: الخاتم و الخاتم و جمعها خواتم و ختم، و الخاتام هو ما يختم به، و الخاتم هو كل ما يختم به. و هذا الديوان كان مخصصا للموافقة على كلّ المقررات السلطانية التي تحتاج إلى موافقة الخليفة. (القاموس المحيط، مادة: ختم).

(4) ديوان الجند: إن أول من وضعه و رتّبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في خلافته. و هو يختصّ بشؤون الجند و أعطياتهم و مهمامهم. (صبح الأعشى ج 1/ ص 125).

(5) ديوان الحوائج: و هو الديوان الذي يتعلّق بكل حوائج الدولة و القصر الحاكم. (القاموس المحيط، مادة: حوج).

(6) الأحشام: مفردها حشم الرجل هم من يغضبون له أو يغضب لهم من أهل، و عبيد، أو

28

النفقات، و بين الطاقات‏ (1) إلى الطاقات، السكك‏ (2)، و الدروب تعرف بقواده، و مواليه، و بسكان كل سكة.

فمن باب البصرة إلى باب الكوفة سكة الشرطة، و سكة الهيثم، و سكة المطبق، و فيها الحبس الأعظم الذي يسمى المطبق، وثيق البناء محكم السور، و سكة النساء، و سكة سرجس، و سكة الحسين، و سكة عطية مجاشع، و سكة العباس، و سكة غزوان، و سكة ابن حنيفة، و سكة الضيقه.

و من باب البصرة إلى باب خراسان سكة الحرس، و سكة النعيمية، و سكة سليمان، و سكة الربيع، و سكة مهلهل، و سكة شيخ بن عميرة، و سكة المرورودية، و سكة واضح، و سكة السقائين، و سكة ابن بريهة بن عيسى بن المنصور، و سكة أبي أحمد، و الدرب الضيق.

و من باب الكوفة إلى باب الشام سكة العكي، و سكة أبي قرة، و سكة عبدويه، و سكة السميدع، و سكة العلاء، و سكة نافع، و سكة أسلم، و سكة منارة.

و من باب الشام إلى باب خراسان سكة المؤذنين، و سكة دارم، و سكة إسرائيل، و سكة تعرف في هذا الوقت بالقواريري- قد ذهب عني اسم صاحبها-، و سكة الحكم بن يوسف، و سكة سماعة، و سكة صاعد- مولى أبي جعفر-، و سكة تعرف اليوم بالزيادي- و قد ذهب عني اسم صاحبها-، و سكة غزوان.

هذه السكك بين الطاقات، و الطاقات داخل المدينة و داخل السور، و في كل سكة من هذه السكك جلة القواد الموثوق بهم في النزول معه، و جلة مواليه و من يحتاج إليه في الأمر المهم، و على كل سكة من طرفيها الأبواب الوثيقة، و لا تتصل سكة منها بسور الرحبة التي فيها دار الخلافة، لأن حوالي سور الرحبة كما تدور الطريق، و كان الذين هندسوها عبد اللّه بن محرز، و الحجاج بن يوسف‏ (3)، و عمران بن الوضّاح،

____________

جيرة. (القاموس المحيط، مادة: حشم).

(1) الطاقات: مفردها طاق، و تجمع على طيقان، و هو ما عطف من الأبنية، أي جعل كالقوس من قنطرة و نافذة و ما أشبه ذلك. و هي لفظة فارسية الأصل. (القاموس المحيط، مادة: طوق).

(2) السكك: مفردها سكة، و هي الطريق المستوي، أو الزقاق الواسع، أو الطريق المنسد، أو الزقاق على جانبيه بيوت و محال مستوية صفا كالسطر من الشجر. (القاموس المحيط، مادة:

سكّ).

(3) الحجاج بن يوسف: الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد، قائد، داهية، سفّاك،

29

و شهاب بن كثير بحضرة نوبخت، و إبراهيم بن محمد الفزاري‏ (1)، و الطبري المنجمين أصحاب الحساب.

و قسم الأرباض‏ (2) أربعة أرباع، و قلّد للقيام بكل ربع رجلا من المهندسين، و أعطى أصحاب كل ربع مبلغ ما يصير لصاحب كل قطيعة من الذرع، و مبلغ ذرع ما لعمل الأسواق في ربض ربض.

فقلّد الربع من باب الكوفة إلى باب البصرة، و باب المحوّل‏ (3)

____________

خطيب. ولد سنة 40 ه/ 660 م و نشأ في الطائف بالحجاز، و انتقل إلى الشام فلحق بروح بن زنباع نائب عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم ما زال يظهر حتى قلّده عبد الملك أمر عسكره، و أمره بقتال عبد اللّه بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير و قتل عبد اللّه و فرق جموعه، فولّاه عبد الملك مكة، و المدينة، و الطائف، ثم أضاف إليها العراق و الثورة قائمة فيه، فانصرف إلى بغداد في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة و ثبتت له الإمارة عشرين سنة. و بنى مدينة واسط بين الكوفة و البصرة. كان سفّاحا سفّاكا باتفاق معظم المؤرخين. قال عبد بن شوذب، ما رؤي مثل الحجّاج بن يوسف لمن أطاعه، و لا مثله لمن عصاه. و قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أحدا أفصح من الحسن البصري و الحجاج بن يوسف. و ذكر ياقوت في معجم البلدان: أنه ذكر الحجاج عند عبد الوهاب الثقفي بسوء، فغضب و قال: إنما تذكرون المساوئ! أو ما تعلمون أنه أول من ضرب درهما عليه: «لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه»، و أول من بنى مدينة بعد الصحابة في الإسلام، و أول من اتخذ المحامل، و قيل: إن امرأة من المسلمين سبيت في الهند فنادت يا حجّاجاه، فاتّصل به ذلك، فجعل يقول: لبيك لبيك! و أنفق سبعة آلاف ألف درهم حتى أنقذ المرأة. و اتخذ المناظر بينه و بين قزوين، فكان إذا دخن أهل قزوين دخنت المناظر إن كان نهارا، و إن كان ليلا أشعلوا نيرانا فتجرد الخيل إليهم، فكانت المناظر متصلة بين قزوين و واسط، و أصبحت قزوين ثغرا حينئذ. مات بواسط سنة 95 ه/ 714 م، و أجري على قبره الماء فاندرس.

(1) إبراهيم بن محمد الفزاري: هو إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري، أبو إسحاق، من كبار العلماء. ولد في الكوفة و قدم دمشق و حدث بها. و كان من أصحاب الأوزاعي و معاصريه. قال ابن عساكر: و الفزاري هو الذي أدّب أهل الثغر (بيروت و أطرافها) و علمهم السّنة، و رحل إلى بغداد فأكرمه الرشيد و أجلّه، ثم عاش مرابطا بثغر المصيصة، و مات بها سنة 188 ه/ 804 م.

(2) الأرباض: مفردها ربض و هو الناحية، أو الضاحية. (القاموس المحيط، مادة: ربض).

(3) باب المحوّل: اشتقاقه واضح من حوّلت الشي‏ء، إذا نقلته من موضع إلى موضع: بليدة حسنة، طيبة، نزهة، كثيرة البساتين، و الفواكه، و الأسواق، و المياه بينها و بين بغداد فرسخ.

و باب المحوّل محلة كبيرة منفردة بجانب الكرخ، و كانت متصلة بالكرخ أولا. (معجم البلدان ج 5/ ص 79).

30

و الكرخ‏ (1) و ما اتصل بذلك كله المسيب بن زهير (2)، و الربيع مولاه و عمران بن الوضاح المهندس.

و الربع من باب الكوفة إلى باب الشام، و شارع طريق الأنبار إلى حد ربض حرب بن عبد اللّه‏ (3) [و] (4) سليمان بن مجالد و واضحا مولاه، و عبد اللّه بن محرز المهندس.

____________

(1) الكرخ: بالفتح ثم السكون و ما أظنها عربيّة إنّما هي نبطيّة، و هم يقولون: كرخت الماء و غيره من البقر و الغنم إلى موضع كذا أي جمعته فيه في كل موضع و كلّها بالعراق، و الكرخ هنا كرخ بغداد، قيل: لما ابتنى المنصور مدينة بغداد أمر أن تجعل الأسواق في طاقات المدينة إزاء كل باب سوق، لم يزل على ذلك مدّة حتّى قدم عليه بطريق من بطارقة الروم رسولا من عند الملك، فأمر الربيع أن يطوف به في المدينة حتى ينظر إليها و يتأمّلها، و يرى سورها، و أبوابها و ما حولها من العمارة، و يصعده السور حتى يمشي من أوله إلى آخره و يريه قباب الأبواب، و الطاقات و جميع ذلك، ففعل الربيع ما أمره به، فلما رجع إلى المنصور، قال له كيف رأيت مدينتي؟ قال: رأيت بناء حسنا و مدينة حصينة إلّا أن أعداءك فيها معك، قال: من هم؟ قال: السوقة، يوافي الجاسوس من جميع الأطراف فيدخل الجاسوس بعلّة التجارة:

و التجار هم برد الآفاق فيتجسس الأخبار، و يعرف ما يريد، و ينصرف من غير أن يعلم به أحد، فسكت المنصور، فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوقة من المدينة، بذلك كانت الكرخ في وسط بغداد و المحال حولها، و هي محلة وحدها مفردة في وسط الخراب، و حولها محال إلّا أنها غير مختلطة بها، فبين شرقها و القبلة محلة باب البصرة و أهلها كلهم سنّيّة حنابلة لا يوجد غير ذلك، و بينهما نحو شوط فرس، و في جنوبها المحلّة المعروفة بنهر القلائين، و بينهما أقلّ مما بينهما و بين باب البصرة، و أهلها أيضا سنّيّة حنابلة، و عن يسار قبلتها محلة تعرف بباب المحوّل و أهلها أيضا سنّيّة، و في قبلتها نهر الصراة، و في شرقيها نصب بغداد و محالّ كثيرة، و أهل الكرخ كلهم شيعة إمامية لا يوجد فيهم سنّي البتة. (معجم البلدان ج 4/ ص 506- 509).

(2) المسيّب بن زهير: هو المسيب بن زهير بن عمرو الضبي ولد سنة 100 ه/ 718 م. أبو مسلم، قائد، من الشجعان، كان على شرطة المنصور و المهدي، و الرشيد العباسيين ببغداد، و ولاه المهدي خراسان مدة قصيرة. مات في منى سنة 175 ه/ 791 م، و دفن أسفل العقبة.

(3) حرب بن عبد اللّه: هو حرب بن عبد اللّه البلخي الراوندي، من أكابر قواد المنصورة العباسي.

كان يتولى شرطة بغداد، ثم ولي شرطة الموصل، و سيّره المنصور من الموصل لقتال الترك، و كانوا قد دخلوا تفليس، فقاتلهم حرب فقتل في إحدى معاركه معهم سنة 147 ه/ 764 م، و الحربية ببغداد محلة منسوبة إليه، و بنى بأسفل الموصل قصرا لسكناه بقيت آثاره إلى زمن المؤرخ ابن كثير سنة 630 ه.

(4) زيادة أثبتناه لسلامة المعنى و اتساق الكلام، إذ دون هذه الواو يختلط نسب حرب بن عبد اللّه و نسب سليمان بن مجالد و هما في الأصل شخصيتان.

31

و الربع من باب الشام إلى ربض حرب و ما اتصل بربض حرب، و شارع باب الشام، و ما اتصل بذلك إلى الجسر على منتهى دجلة حرب بن عبد اللّه و غزوان مولاه، و الحجاج بن يوسف المهندس، و من خراسان إلى الجسر الذي على دجلة مادا في الشارع على دجلة إلى البغيين‏ (1)، و باب قطر بن هشام [بن‏] (2) عمرو التغلبي و عمارة بن حمزة (3) و شهاب بن كثير المهندس.

و وقّع إلى كل أصحاب ربع ما يصير لكل رجل من الذرع، و لمن معه من أصحابه، و ما قدّره للحوانيت و الأسواق في كل ربض، و أمرهم أن يوسعوا في الحوانيت ليكون في كل ربض سوق جامعة تجمع التجارات، و أن يجعلوا في كل ربض من السكك، و الدروب النافذة، و غير النافذة ما يعتدل بها المنازل، و أن يسموا كل درب باسم القائد النازل فيه، أو الرجل النبيه الذي ينزله، أو أهل البلد الذي يسكنونه، وحد لهم أن يجعلوا عرض الشوارع خمسين ذراعا- بالسوداء، و الدروب ستة عشر ذراعا، و أن يبتنوا في جميع الأرباض، و الأسواق، و الدروب من المساجد و الحمامات ما يكتفي بها من في كل ناحية و محلة.

و أمرهم جميعا أن يجعلوا من قطائع القواد و الجند ذراعا معلوما للتجار يبنونه و ينزلونه، و السوقة الناس، و أهل البلدان.

و كان أول من أقطع خارج المدينة من أهل بيته عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي بن العباس‏ (4) بإزاء باب الكوفة على الصرّاة (5) السفلى التي تأخذ من‏

____________

(1) البغيين: بغيّة كأنّه تصغير البغية، و هي الحاجة: عين ماء. (معجم البلدان ج 1/ ص 556).

(2) وردت في الأصل: «بل»، و لعل الصحيح ما أثبتناه.

(3) عمارة بن حمزة: هو عمارة بن حمزة بن ميمون، من ولد عكرمة مولى ابن عباس، كاتب من الولاة الأجود الشعراء الصدور، كان المنصور، و المهدي العباسيان يرفعان قدره. و كان من الدهاة، و جمع له بين ولاية البصرة، و فارس، و الأهواز، و اليمامة، و البحرين، له في الكرم أخبار عجيبة. و فيه تيه شديد يضرب به المثل: «أتيه من عمارة»، و له «ديوان رسائل».

(4) عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي بن العباس، من بني العباس، أمير من الشجعان، القادة، سيّره عمّه المنصور سنة 140 ه، في سبعين ألف إلى ملطية، و بعث معه الحسن بن قحطبة، فخافتهما الروم، و عمرا ملطية بعد أن خرّبتها أيدي الفرنجة، و أقام الحج سنة 146 ه، و غزا الصائفة سنة 151 ه و سنة 152، توفي في بغداد سنة 157 ه.

(5) الصّراة: بالفتح، قال الفراء: يقال هو الصّرى، و الصّرى للماء يطول استنقاعه، فقال أبو عمرو: إذا طال مكثه و تغيّر، و هو نهر يأخذ من نهر عيسى من عند بلدة يقال لها المحوّل‏

32

الفرات، فريضه يعرف بسويقة عبد الوهاب، و قصره هناك قد خرب.

و بلغني أن السويقة أيضا قد خربت و أقطع العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب‏ (1) الجزيرة التي بين الصراتين فجعلها العباس بستانا و مزروعا، و هي العباسية المذكورة المشهورة التي لا تنقطع غلّاتها في صيف، و لا شتاء، و لا في وقت من الأوقات.

و استقطع العباس لنفسه لما جعل الجزيرة بستانا في الجانب الشرقي و في آخر العباسية تجتمع الصراتان و الرحا العظمى التي يقال لها رحا البطريق‏ (2)، و كانت مائة

____________

بينها و بين بغداد فرسخ، و يسقي ضياع بادوريا، و يتفرّع منها أنهار إلى أن يصل إلى بغداد فيمرّ بقنطرة العباس، ثم قنطرة الصبيبات، ثم القنطرة الجديدة، و يصب في دجلة، و يقال: إن بني ساسان هم الذين حفروا الصراة العظمى بعدما أبادوا النبط قرب مدينة المنصور (بغداد).

(معجم البلدان ج 3/ ص 453).

(1) العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، أبو الفضل الهاشمي، أمير ولد سنة 121 ه/ 739 م، هو أخو المنصور و السفاح، ولاه المنصور دمشق، و بلاد الشام كلها، و ولي إمارة الجزيرة في أيام الرشيد. و أرسله المنصور لغزو الروم في ستين ألفا.

و حج بالناس مرات عديدة، مات في بغداد سنة 186 ه/ 802 م، كان أجود الناس رأيا، و إليه تنسب العباسية و هي محلة بالجانب الغربي من بغداد، دفن فيها. كان الرشيد يجلّه و يحبّه، و يزعم أهله أن الرشيد سمّه.

(2) رحا البطريق: الرحا: هي التي يطحنها فيها، و هي ببغداد على الصراة، قيل: إنها أحسن موضع، الدور من تحتها و السوق من فوقها، و فيها ماء غزير حاد الجرية، نسبت هذه الرحا إلى البطريق برواية الفضل: أنه لما أفضت الخلافة إلى المهدي، قدم عليه بطريق كان قد أنفذه ملك الروم مهنئا له فأوصلناه إليه و قرّبناه منه، فقال المهدي للربيع: قل له يتكلم، فقال الربيع: ذلك للترجمان، فقال البطريق: هو بريّ من دينه و إلا فهو حنيف مسلم إن كان قدم لدينار أو لدرهم و لا لغرض من أغراض الدنيا، و لا كان قدومه إلا شوقا إلى وجه الخليفة، و ذلك أنّا نجد في كتبنا أن الثالث من آل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يملأها عدلا كما ملئت جورا فجئنا اشتياقا إليه، فقال الربيع للترجمان: تقول له قد سرني ما قلت و وقع مني بحيث أحببت، و لك الكرامة ما أقمت و الحباء إذا شخصت، و بلادنا هذه بلاد ريف و طيب فأقم بها ما طابت لك، ثم بعد ذلك فالإذن إليك، و أمر الربيع بإنزاله و إكرامه، فأقام أشهرا، ثم خرج يوما يتنزّه ببراثا و ما يليها، فلما انصرف اجتاز إلى الصراة، فلما نظر إلى مكان الأرحاء، وقف ساعة يتأمله، فقال له الموكلون به، قد أبطأت فإن كان لك حاجة فأعلمنا إياها، فقال: شي‏ء فكرت فيه، فانصرف، فلما كان العشي راح إلى الربيع، و قال له: أقرضني خمسمائة ألف درهم، قال: و ما تصنع بها؟ قال: أبني لأمير المؤمنين مستغلا يؤدي في السنة خمسمائة ألف درهم، فقال له الربيع: لو سألتني أن أهبها لغلامك ما خرجت إلا و هي معه، و لكن هذا أمر

33

حجر تغلّ في كل سنة مائة ألف ألف درهم، هندسها بطريق قدم عليه من ملك الروم فنسبت إليه.

و أقطع الشروية و هم موالي محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس دون سويقة عبد الوهاب مما يلي باب الكوفة، و كانوا بوابية رئيسهم حسن الشروي.

و أقطع المهاجر بن عمرو صاحب ديوان الصدقات في الرحبة التي تجاه باب الكوفة، فهناك ديوان الصدقات و بإزائه قطيعة ياسين صاحب النجائب و خان النجائب، و دون خان النجائب إصطبل الموالي.

و أقطع المسيّب بن زهير الضبي صاحب الشرطة يمنة باب الكوفة للداخل إلى المدينة مما يلي باب البصرة، فهناك دار المسيب و مسجد المسيب ذو المنارة الطويلة.

و أقطع أزهر بن زهير أخا المسيّب في ظهر قطيعة المسيّب مما يلي القبلة و هو على الصراة، و هناك دار أزهر و بستان أزهر إلى هذه الغاية.

و يتصل بقطيعة المسيّب و أهل بيته قطيعة أبي العنبر مولى المنصور مما يلي القبلة، و على الصراة قطيعة الصحابة، و كانوا من سائر قبائل العرب من قريش، و الأنصار، و ربيعة، و يمن، و هناك دار عياش المنتوف و غيره، ثم قطيعة يقطين بن موسى‏ (1) أحد رجال الدولة و أصحاب الدعوة، ثم نعبر الصراة العظمى التي اجتمعت‏

____________

لا بد من إعلام الخليفة إياه، ثم دخل الربيع على المهدي و أعلمه، فقال: ادفع إليه خمسمائة ألف و خمسمائة ألف، و جميع ما يريد بغير مؤامرة، قال: فدفع ذلك الربيع إليه فبني الأرحاء المعروفة بأرحاء البطريق، فأمر المهدي أن تدفع غلتها إليه و كانت تحمل إليه إلى سنة 163 ه، حتى مات، فأمر المهدي أن تضمّ إلى مستغلّه، و قال: كان اسم البطريق طارات بن القوق بن مروق، و مروق كان الملك في أيام معاوية. (معجم البلدان ج 3/ ص 35).

(1) يقطين بن موسى: داعية عباسي، كان ممن قرر أمرهم في الممالك و الأقطار. قال ابن تغري بردي: كان داهية عالما شجاعا حازما، عارفا بالحروب و الوقائع. من أخباره أن مروان «الحمار» لما حبس إبراهيم الإمام بحرّان تحيّر العباسية فيمن يلي الأمر بعده إن قتل، فذهب يقطين إلى مرو بصورة تاجر، فادّعى أن له مالا على إبراهيم، فأرسله إليه مع غلام، فلما رآه قال: يا عدو اللّه إلى من أوصيت بعدك آخذ مالي منه؟ فقال: إلى ابن الحارثية، يعني أخاه عبد اللّه السفّاح، فرجع يقطين إلى دعاة بني العباس، فأعلمهم بما قال، فبايعوا السفاح، و هو الذي ولاه المهدي سنة 167 ه بناء الزيادة الكبرى في المسجد الحرام، و أدخلت فيه دور كثيرة، توفي سنة 186 ه/ 802 م.

34

فيها الصراتان: الصراة العليا، و الصراة السفلى، و عليها القنطرة المعقودة بالجص و الآجر المحكمة الوثيقة التي يقال لها: القنطرة العتيقة، لأنها أول شي‏ء بناه، و تقدم في إحكامه، فتعرّج من القنطرة ذات اليمين إلى القبلة إلى قطيعة إسحاق بن عيسى بن علي، و قصوره و دوره شارعة على الصراة العظمى من الجانب الشرقي. و الطريق الأعظم بين الدور و الصراة.

و من قطيعة عيسى بن علي‏ (1) إلى قطيعة أبي السري الشامي مولى المنصور، ثم الطاق المعقود عليه الباب المعروف بباب المحوّل فتصير منه إلى ربض حميد بن قحطبة الطائي‏ (2).

و ربض حميد شارع على الصراة العليا، و هناك دار حميد و أصحابه و جماعة من آل قحطبة بن شبيب‏ (3)، ثم يتصل ذلك بقطيعة الفراشين، و تعرف بدار الروميين، و تشرع على نهر كرخابا، ثم تعود إلى الشارع الأعظم، و هو شارع باب المحوّل، و فيه سوق عظيمة فيها أصناف التجارات، ثم يتّصل ذلك بالحوض العتيق، و هناك منازل الفرس أصحاب الشاه، ثم يستمر المسير إلى الموضع المعروف بالكناسة (4)، فهناك مرابط دواب العامة، و مواضع نخّاسي الدواب، ثم المقبرة القديمة المعروفة بالكناسة مادة إلى نهر عيسى بن علي الذي يأخذ من الفرات و الدباغين، و بإزاء قطيعة الروميين‏

____________

(1) عيسى بن علي بن عبد اللّه بن عباس الهاشمي، من علماء العباسيين، ينسب إليه نهر عيسى، و قصر عيسى، و قطيعة عيسى ببغداد. ولد في المدينة سنة 83 ه/ 702 م، و سكن بغداد إلى أن توفي سنة 164 ه/ 780 م. و هو عم السفاح. و المنصور، كان ناسكا معتزلا الأعمال السلطانية، لم يل لأهل بيته عملا. قال الرشيد: كان عيسى بن علي راهبنا و عالمنا.

(2) حميد بن قحطبة بن شبيب الطائي، أمير من القادة الشجعان، ولي إمرة مصر سنة 143 ه، ثم إمرة الجزيرة، و وجه لغزو أرمينية سنة 148 ه، و لغزو كابل سنة 152 ه، ثم جعل أميرا على خراسان، فأقام إلى أن مات فيها سنة 159 ه/ 776 م.

(3) قحطبة بن شبيب الطائي، قائد شجاع من ذوي الرأي و الشأن، صحب أبا مسلم الخراساني، و ناصره في إقامة الدعوة العباسية بخراسان، و كان أحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمد بن علي ممن استجاب له في خراسان سنة 103 ه، و قاد جيوش أبي مسلم، و كان مظفّرا في جميع وقائعه، غرق في الفرات على أثر وقعة له مع ابن هبيرة سنة 132 ه/ 749 م.

(4) الكناسة: بالضم، و الكنس: كسح ما على وجه الأرض من القمام، و الكناسة ملقى ذلك:

و هي محلة بالكوفة عندها واقع يوسف بن عمر الثقفي زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. (معجم البلدان ج 4/ ص 546).

35

على نهر كرخابا الذي عليه القنطرة المعروفة بالروميين دار كعيوبة البستانيان الذي غرس النخل ببغداد، ثم بساتين متصلة غرسها كعيوبة البصري إلى الموضع المعروف ببراثا (1).

ثم رجعنا إلى القنطرة العتيقة، فقبل أن تعبر القنطرة مشرقا إلى ربض أبي الورد كوثر بن اليمان خازن بيت المال، و سوق فيها سائر البياعات تعرف بسويقة أبي الورد إلى باب الكرخ، و في ظهر قطيعة أبي الورد كوثر بن اليمان قطيعة حبيب بن رغبان الحمصي، و هناك مسجد ابن رغبان، و مسجد الأنباريين كتّاب ديوان الخراج، و قبل أن تعبر إلى القنطرة العتيقة، و أنه مقبل من باب الكوفة في الشارع الأعظم قطيعة سليم مولى أمير المؤمنين صاحب ديوان الخراج، و قطيعة أيوب بن عيسى الشروي.

ثم قطيعة رباوة الكرماني و أصحابه و تنتهي إلى باب المدينة المعروف بباب البصرة، و هو مشرف على الصراة، و دجلة و بإزائه القنطرة الجديدة لأنها آخر ما بني من القناطر، و عليها سوق كبير فيها سائر التجارات مادة متصلة، ثم ربض و ضاح مولى أمير المؤمنين المعروف بقصر و ضاح صاحب خزانة السلاح، و أسواق هناك و أكثر من فيه في هذا الوقت الوراقون أصحاب الكتب فإن به أكثر من مائة حانوت للوراقين.

ثم إلى قطيعة عمرو بن سمعان الحراني و هناك طاق الحراني‏ (2)، ثم الشرقية

____________

(1) براثا: بالثاء المثلثة، و القصر محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ و جنوبي باب محوّل، و كان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة، و قد خرب عن آخره، و كذلك المحلة لم يبق لها أثر، فأما الجامع فقد بقيت حيطانه و استعملت في الأبنية، قيل: إنه في سنة 329 ه فرغ من جامع براثا و أقيمت فيه الخطبة، و كان قبل مسجدا يجتمع فيه قوم من الشيعة يسبّون الصحابة فكبسه الراضي بالله و أخذ من وجده فيه و حبسهم و هدمه حتى سوّى به الأرض، و أنهى الشيعة خبره إلى بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد، فأمر بإعادة بنائه و توسيعه و إحكامه، و كتب في صدره اسم الراضي، و لم تزل الصلاة تقام فيه إلى بعد الخمسين و أربعمائة، ثم تعطّلت. و كانت براثا قبل بناء بغداد قرية يزعمون أن عليا رضي اللّه عنه مرّ بها لمّا خرج لقتال الحرورية بالنهروان، و صلى في موضع من الجامع المذكور، و ذكر أنه دخل حماما كان في هذه القرية، و قيل: بل الحمام التي دخلها كانت بالعتيقة محلة ببغداد خربت أيضا. (معجم البلدان ج 1/ ص 432).

(2) طاق الحراني: محلة ببغداد بالجانب الغربي، قالوا: من حدّ القنطرة الجديدة، و شارع طاق الحراني إلى شارع باب الكرخ المنسوب إلى قرية تعرف بورثال و الحراني هذا هو إبراهيم بن ذكوان بن الفضل الحراني من موالي المنصور وزير الهادي موسى بن المهدي، و كان لذكوان أخ يقال له الفضل فأعتقه مروان بن محمد الحمار و أعتق ذكوان علي بن عبد اللّه. (معجم البلدان ج 4/ ص 6).

36

و إنما سميت الشرقية (1) لأنها قدرت مدينة للمهدي قبل أن يعزم على أن يكون نزول المهدي في الجانب الشرقي من دجلة فسميت الشرقية و بها المسجد الكبير، و كان يجمع فيه يوم الجمعة، و فيه منبر و هو المسجد الذي يجلس فيه قاضي الشرقية، ثم أخرج المنبر منه، و تنعرج من الشرقية مارا إلى قطيعة جعفر بن المنصور على شطّ دجلة و بها دار عيسى بن جعفر و تقرب منها دار جعفر بن جعفر المنصور.

ثم تخرج من هذه الطرق الأربعة التي ذكرنا إلى شارع باب الكرخ، فأولها عند باب النخاسين، ثم الأسواق مادة في جانبي الشارع، و تنعرج من باب الكرخ متيامنا إلى قطيعة الربيع مولى أمير المؤمنين التي فيها تجار خراسان من البزازين‏ (2) و أصناف ما يحمل من خراسان من الثياب لا يختلط بها شي‏ء و هناك النهر الذي يأخذ من كرخابا عليه منازل التجار يقال له نهر الدجاج‏ (3) لأنه كان يباع عليه الدجاج في ذلك الوقت، و في ظهر قطيعة الربيع‏ (4) منازل التجار و أخلاط الناس من كل بلد يعرف كل درب بأهله و كل سكة بمن ينزلها، و الكرخ السوق العظمى مادة من قصر وضاح‏ (5) إلى سوق‏

____________

(1) الشرقية: نسبة إلى الشرق، محلة بالجانب الغربي من بغداد و فيها مسجد الشرقية في شرقي باب البصرة، قيل لها الشرقية لأنّها شرقي مدينة المنصور لا لأنها في الجانب الشرقي، نسب إليها، أبو العباس أحمد بن أبي الصلت بن المغلّس الحماني الشرقي كان ينزل الشرقية فنسب إليها، روى عن الفضل بن دكين، و مسلم بن إبراهيم، و ثابت بن محمد الزاهد و غيرهم، روى عنه أبو عمرو بن السمّاك، و أبو علي بن الصوّاف، و ابن الجعابي و غيرهم، و كان ضعيفا وضّاعا للحديث، توفي سنة 308 ه في شوّال، و يقال لمن يسكن الجانب الشرقي من واسط الحجاج الشرقي. و هي قرية قرب الرصافة بني مسجد المهدي فيما، ثم صارت محلة ببغداد. (معجم البلدان ج 3/ ص 382).

(2) البزاز: بياع البزّ، و هي تجارة أو حرفة البزّاز و هي تجارة الثياب من الكتان أو القطن، و قيل:

السلاح أيضا من أعمالهم. (القاموس المحيط، مادة: البزّ).

(3) نهر الدجاج: محلة ببغداد على نهر كان يأخذ من كرخابا قرب الكرخ من الجانب الغربي.

(معجم البلدان ج 5/ ص 369).

(4) قطيعة الربيع: و هي منسوبة إلى الربيع بن يونس حاجب المنصور و مولاه و هو والد الفضل وزير المنصور، و كانت قطيعة الربيع بالكرخ مزارع الناس من قرية يقال لها بياوري من أعمال بادوريا، و هما قطيعتان خارجة و داخلة، فالداخلة أقطعه إيّاها المنصور و الخارجة أقطعه إياها المهدي، و كان التجار يسكنونها حتى صارت ملكا لهم دون ولد الربيع، و قد نسب إلى قطيعة الربيع فيما زعم المحدّثون أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم بن معمّر بن الحسن الهروي القطيعي، بغدادي ثقة. (معجم البلدان ج 4/ ص 428).

(5) قصر وضّاح: قصر بني للمهدي قرب رصافة بغداد، و قد تولى النفقة رجل من أهل الأنبار

37

الثلاثاء (1) طولا بمقدار فرسخين، و من قطيعة الربيع إلى دجلة عرضا مقدار فرسخ، فلكل تجار و تجارة شوارع معلومة و صفوف في تلك الشوارع و حوانيت و عراص‏ (2)، و ليس يختلط قوم بقوم و لا تجارة بتجارة و لا يباع صنف مع غير صنفه، و لا يختلط أصحاب المهن من سائر الصناعات بغيرهم و كل سوق مفردة و كل أهل منفردون بتجاراتهم.

و كل أهل مهنة معتزلون عن غير طبقتهم، و بين هذه الأرباض التي ذكرنا و القطائع التي و صفنا منازل الناس من العرب و الجند و الدهاقين‏ (3) و التجار و غير ذلك من أخلاط الناس ينتسب إليهم الدروب و السكك. فهذا ربع من أرباع بغداد و هو الربع الكبير الذي تولاه المسيّب بن زهير، و الربيع مولى أمير المؤمنين، و عمران ابن الوضاح المهندس، و ليس ببغداد ربع أكبر و لا أجل منه.

و من باب الكوفة إلى باب الشام ربض سليمان بن مجالد (4) لأنه كان يتولى هذا الربع فنسب إليه و فيه قطيعة واضح ثم قطيعة عامر بن إسماعيل المسلي، ثم ربض الحسن بن قحطبة (5) و منازله و منازل أهله شارعة في الدرب المعروف بالحسن ثم ربض‏

____________

يقال له وضّاح فنسب إليه، و قيل: الوضّاح من موالي المنصور، و قال الخطيب: لما أمر المنصور ببناء الكرخ قلّد ذلك رجلا يقال له: الوضّاح بن شبا فبنى القصر الذي يقال له قصر الوضّاح و المسجد فيه، فهذا يدلّ على أن قصر الوضّاح بالكرخ، و اللّه أعلم. (معجم البلدان ج 4/ ص 414).

(1) سوق الثلاثاء: سوق ببغداد و فيه سوق بزّها الأعظم، و سمي بذلك لأنه كان يقوم عليه سوق لأهل كلواذي، و أهل بغداد قبل أن يعمّر المنصور بغداد في كل شهر مرة يوم الثلاثاء فنسب إلى اليوم الذي كانت تقوم فيه السوق. (معجم البلدان ج 3/ ص 322).

(2) عراص: مفردها عرصة، و هي الساحة. (القاموس المحيط، مادة: عرص).

(3) الدهاقين: مفردها دهقان، رئيس الإقليم، أو كبير التجار، و هي لفظة فارسية الأصل.

(المنجد في اللغة و الأعلام، مادة: دهقن).

(4) ربض سليمان بن مجالد: أحد موالي المنصور، و قد ولي له الولايات الجليلة. (معجم البلدان ج 3/ ص 29).

(5) الحسن بن قحطبة الطائي المولود سنة 97 ه/ 716 م، أحد القادة الشجعان المقدمين في بدء العصر العباسيّ، استخلفه المنصور سنة 136 ه على أرمينية، ثم استقدمه سنة 137 ه لمساعدة أبي مسلم الخراساني على قتال عبد اللّه بن علي، و سيره سنة 140 ه مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، في سبعين ألفا إلى ملطية، فكان للحسن فيها أثر عظيم. و غزا الصائفة سنة 162 ه في ثمانين ألفا، فأوغل في بلاد الروم، و سمّته الروم «التنين». توفي في بغداد سنة 181 ه/ 797 م.

38

الخوارزمية (1) أصحاب الحارث بن رقاد الخوارزمي و قطيعة الحارث في الدرب، ثم قطيعة ... مولى أمير المؤمنين صاحب الركاب، و هي الدار التي صارت لإسحاق بن عيسى بن الهاشمي، ثم اشتراها كاتب لمحمد بن عبد اللّه بن طاهر، يقال له طاهر بن الحارث، ثم ربض الخليل بن هاشم الباوردي، ثم ربض الخطاب بن نافع الصحاوي، ثم قطيعة هاشم بن معروف و هي في درب الأقفاص، ثم قطيعة الحسن بن جعفرات و هي في درب الأقفاص أيضا متصل بدرب القصارين.

و من شارع طريق الأنبار القطائع، قطيعة واضح مولى أمير المؤمنين و ولده، و درب أيوب بن المغيرة الفزاري بالكوفة، و الدرب يعرف بدرب الكوفيين، ثم قطيعة سلامة بن سمعان البخاري و أصحابه، و مسجد البخارية و المنارة الخضراء فيه، ثم قطيعة اللجلاج المتطبب، ثم قطيعة عوف بن نزار اليمامي و درب اليمامة النافذ إلى دار سليمان بن مجالد و قطيعة الفضل بن جعونة الرازي، و هي التي صارت لداود بن سليمان الكاتب كاتب أم جعفر المعروف بداود النبطي، ثم السيب و دار هبيرة بن عمرو، و على السيب قطيعة صالح البلدي في درب صباح النافذ إلى سويقة عبد الوهاب، و قطيعة قابوس بن السميدع، و بإزائه قطيعة خالد بن الوليد (2) التي صارت لأبي صالح يحيى بن عبد الرحمن الكاتب صاحب ديوان الخراج في أيام الرشيد (3)، فتعرف بدور أبي صالح، ثم قطيعة شعبة بن يزيد الكابلي، ثم ربض القس‏

____________

(1) ربض الخوارزمية: يتّصل بربض القرس بالجانب العربي، كان ينزلها الخوارزمية من جند المنصور، و في هذا الربض درب النجارية أيضا. (معجم البلدان ج 3/ ص 28).

(2) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، سيف اللّه الفاتح الكبير، الصحابي، كان من أشراف قريش في الجاهلية، يلي أعنّة الخيل، و شهد مع مشركيهم حروب الإسلام إلى عمرة الحديبية، و أسلم قبل فتح مكّة هو و عمرو بن العاص سنة 7 ه، فسّر به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ولاه الخيل، و لما ولي أبو بكر وجّهه لقتال مسيلمة و من ارتد من أعراب نجد، ثم سيّره إلى العراق سنة 12 ه، ففتح الحيرة، و جانبا عظيما منه، و حوّله إلى الشام و جعله أمير من فيها من الأمراء، و لما ولي عمر عزله عن قيادة الجيش بالشام و ولى أبا عبيدة بن الجراح، فلم يثن ذلك من عزمه، و استمر يقاتل بين يدي أبي عبيدة إلى أن تمّ لهما الفتح سنة 14 ه، فرحل إلى المدينة، فدعاه عمر ليوليه، فأبى، و مات بحمص في سورية، و قيل بالمدينة، كان مظفّرا خطيبا فصيحا. يشبه عمر بن الخطّاب في خلقه و صفته. قال أبو بكر: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد، روى له المحدّثون 18 حديثا، و أخباره كثيرة.

(3) الرشيد: هو هارون بن محمد (المهدي) بن المنصور العباسي، أبو جعفر خامس الخلفاء العباسيين في العراق، و أشهرهم. ولد بالرّيّ سنة 149 ه/ 766 م، لما كان أبوه أميرا عليها

39

مولى المنصور، و بستان القسّ المعروف به، ثم ربض الهيثم بن معاوية (1) بشار سوق (شهارسو) الهيثم، و هناك سوق كبيرة متصلة و منازل و دروب و سكك كله ينسب إلى شار سوق (شهارسو) الهيثم، ثم قطيعة المروروذية آل أبي خالد الأنباري، ثم أبي يزيد الشووي مولى محمد بن علي‏ (2) و أصحابه، ثم قطيعة موسى بن كعب التميمي‏ (3) و قد

____________

و على خراسان، و نشأ في دار الخلافة ببغداد، و ولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية، فصالحته الملكة إيريني و افتدت منه مملكتها بسبعين ألف دينار تبعث بها إلى خزانة الخليفة في كل عام. بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه، فقام بأعبائها، و ازدهرت الدولة في أيامه. و اتصلت المودة بينه و بين ملك فرنسة كارلوس الكبير الملقّب بشارلمان، فكانا يتهاديان التحف، و كان الرشيد عالما بالأدب، و أخبار العرب، و الحديث، و الفقه، فصيحا، و له محاضرات مع علماء عصره، شجاعا، كثير الغزوات، يلقّب بجبّار بني العباس، حازما، كريما، متواضعا، يحجّ سنة، و يغزو سنة، لم ير خليفة أجود منه، و لم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء، و الشعراء، و الكتّاب، و الندماء. كان يطوف أكثر الليالي متنكّرا. قال ابن دحية: و في أيامه كملت الخلافة بكرمه، و عدله، و تواضعه، و زيارته العلماء في ديارهم. و هو أول خليفة لعب بالكرة و الصولجان له وقائع كثيرة مع ملوك الروم، و لم تزل جزيتهم تحمل إليه من القسطنطينيّة طول حياته. و هو صاحب وقعة البرامكة، و هم من أصل فارسي، و كانوا قد استولوا على شؤون الدولة، فقلق من تحكمهم، فأوقع بهم في ليلة واحدة. و أخباره كثيرة جدا، ولايته 23 سنة و شهران و أيام توفي في سناباذ من قرى طوس سنة 193 ه/ 809 م و بها قبره.

(1) الهيثم بن معاوية العتكي، من ولاة الدولة العباسية، خراساني الأصل، كان على الطائف و مكة سنة 141 ه، و استعمله المنصور على البصرة نحوا من سنة، ثم عزله و استقدمه إلى بغداد، فلما بلغها مات فيها سنة 156 ه/ 773 م و صلى عليه المنصور.

(2) محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، الهاشمي القرشي، أول من قام بالدعوة العباسية، و هو والد السفاح المنصور، ولي إمامة الهاشميين سرّا في أواخر أيام الدولة الأموية بعد سنة 120 ه، و كان مقامه بأرض الشراة، بين الشام و المدينة، و مولده بها في قرية تعرف بالحميمة سنة 62 ه/ 681 م، و بدء دعوته سنة 100 ه، و عمله نشر الدعوة و تسيير الرجال إلى الجهات للتنفير من بني أميّة و الدعوة إلى بني العباس، و جباية خمس الأموال من الشيعة يدفعونها إلى النقباء، و هؤلاء يحملونها إلى الإمام، و هو يتصرّف في إنفاقها على بثّ الدعوة و ما يرى المصلحة فيه، فهو بعمله أشبه برئيس جمعية سرّيّة تهيّى‏ء أسباب الثورة، و كان عاقلا حليما، جميلا وسيما، مات بالشراة سنة 125 ه/ 743 م.

(3) موسى بن كعب بن عيينة التميمي، أبو عيينة، وال من كبار القواد، و أحد الرجال الذين رفعوا عماد الدولة العباسيّة و هدموا أركان الأموية. كان مع أبي مسلم في خراسان و جعله محمد بن علي في جملة النقباء الاثني عشر في عهد بني أمية، فأقام يبثّ الدعوة لبني العباس، و شعر به أسد بن عبد اللّه البجلي القسري والي خراسان، فقبض عليه و ألجمه بلجام فتكسّرت أسنانه، ثم انطلق، فوجهه أبو مسلم قبل ظهور الدعوة العباسية إلى أبيورد فافتتحها، ثم شهد

40

ولي شرطة المنصور، ثم قطيعة بشر بن ميمون و منازله، ثم قطيعة سعيد بن دعلج التميمي، ثم قطيعة الشخير و زكرياء بن الشخير، ثم ربض أبي أيوب سليمان بن أيوب المعروف بأبي أيوب الخوزي المورياني (و موريان قرية من كورة من كور الأهواز يقال لها مناذر). ثم قطيعة رداد بن زاذان المعروفة بالردادية، ثم الممددار، ثم حد ربض حرب، و دونه الرملية.

و هذا الربع الذي تولاه سليمان بن مجالد و واضح مولى أمير المؤمنين و المهندس عمران بن الوضاح. و الربع من باب الشام فأول ذلك قطيعة الفضل بن سليمان الطوسي، و إلى جنبه السجن المعروف بسجن باب الشام و الأسواق المعروفة بسوق الشام و هي سوق عظيمة فيها جميع التجارات و البيّاعات ممتدة ذات اليمين و ذات الشمال آهلة عامرة الشوارع و الدروب و العراص، و تمتد في شارع عظيم فيه الدروب الطوال، كل درب ينسب إلى أهل بلد من البلدان ينزلونه في جنبتيه جميعا إلى ربض حرب بن عبد اللّه البلخي، و ليس ببغداد ربض أوسع و لا أكبر و لا أكثر دروبا و أسواقا في الحال منه، و أهله أهل بلخ، و أهل مرو، و أهل الختّل، و أهل بخارى، و أهل أسبيشاب، و أهل إشتاخنج، و أهل كابل‏ (1) شاه، و أهل خوارزم‏ (2)، و لكل أهل بلد قائد

____________

الوقائع الكثيرة، و كان مع السفاح حين ظهوره بالكوفة. و هو أول من بايعه بالخلافة، و أخرجه إلى الناس، و لما ولي المنصور ولّاه شرطته، و أضاف إليه ولاية الهند و مصر، فأرسل موسى نائبين عنه إلى ذينك القطرين، و أقام مع المنصور و كانت ولاية الشرطة للخلفاء تعدل قيادة الجيش العامة في عرفنا اليوم، و أغدق عليه العباسيون النعم، فكان يقول: كانت لنا أسنان. و ليس عندنا خبز، و لما جاء الخبز ذهبت الأسنان! رحل إلى مصر في عام وفاته فأقام سبعة أشهر و أياما، و صرف عن إمرتها، فعاد إلى بغداد، و لم يلبث أن توفي سنة 141 ه/ 758 م، و هو على شرط المنصور و على الهند، و خليفته في الهند ابن عيينة.

(1) كابل: بضم الباء الموحدة، و هي في الإقليم الثالث قال الإصطخري: الخلج صنف من الأتراك وقعوا في قديم الزمان إلى أرض كابل التي بين الهند و نواحي سجستان في ظهر الغور، و هم أصحاب نعم على خلق الأتراك في زيّهم و لسانهم، و كابل: اسم يشمل الناحية و مدينتها العظمى أوهند، و اجتمعت برجل من عقلاء سجستان ممن دوّخ تلك البلاد و طرّقها فذكر لي بالمشاهدة أن كابل ولاية ذات مروج كبيرة بين هند و غزنة، قال: و نسبتها إلى الهند أولى. قال ابن الفقيه: كابل من ثغور طخارستان، و لها من المدن: و اذان، و خواش، و خشّك، و جزه، قال: و بكابل عود، و نارجيل، و زعفران، و إهليلج لأنها متاخمة للهند، و كان خراجها ألفي ألف و خمسمائة ألف درهم، و من الوصائف ألفا رأس قيمتها ستمائة ألف درهم، غزاها المسلمون في أيام بني مروان و افتتحوها، و أهلها مسلمون. (معجم البلدان ج 4/ ص 483).

(2) خوارزم: أوله بين الضمة و الفتحة، و الألف مسترقة مختلسة ليست بألف صحيحة، هكذا

41

و رئيس. و قطيعة الحكم بن يوسف البلخي صاحب الحراب و قد كان ولي الشرطة.

و من باب الشام في الشارع الأعظم الماد إلى الجسر الذي على دجلة سوق ذات اليمين و ذات الشمال.

ثم ربض يعرف بدار الرقيق‏ (1) كان فيه رقيق أبي جعفر الذين يباعون من الآفاق و كانوا مضمومين إلى الربيع مولاه.

ثم ربض الكرمانية و القائد بوزان بن خالد الكرماني، ثم قطيعة الصغد و دار خرقاش الصغدي، ثم قطيعة ماهان الصامغاني و أصحابه، ثم قطيعة مرزبان أبي أسد بن مرزبان الفاريابي و أصحابه و أصحاب العمد ثم تنتهي إلى الجسر. فهذا الربع الذي تولاه حرب بن عبد اللّه مولى أمير المؤمنين و المهندس الحجاج بن يوسف.

و الربع من باب خراسان إلى الجسر على دجلة و ما بعد ذلك بإزائها الخلد (2)

____________

يتلفّظون به. خوارزم ليس اسما للمدينة إنما هو اسم للناحية بجملتها. و قد ذكروا في سبب تسميتها بهذا الاسم أن أحد الملوك القدماء غضب على أربعمائة من أهل مملكته، و خاصّة حاشيته، فأمر بنفيهم إلى موضع منقطع عن العمارات بحيث يكون بيهم و بين العمائر مائة فرسخ، فلم يجدوا على هذه الصفة إلا موضع مدينة كاث، و هي إحدى مدن خوارزم، فجاؤوا بهم إلى هذا الموضع و تركوهم و ذهبوا، فلما كان بعد مدّة جرى ذكرهم على بال الملك، فأمر قوما بكشف خبرهم، فجاؤوا فوجدوهم قد بنوا أكواخا و وجدوهم يصيدون السمك، و به يتقوّتون، و إذا حولهم حطب كثير، فقالوا لهم: كيف حالكم؟ فقالوا: عندنا هذا اللحم، و أشاروا إلى السمك، و عندنا هذا الحطب فنحن نشوي هذا بهذا و نتقوّت به، فرجعوا إلى الملك و أخبروه بذلك فسمّى ذلك الموضع خوارزم لأن اللحم بلغة الخوارزمية خوار، و الحطب رزم، فصار خوارزم مخفّف فصار خوارزم استثقالا لتكرير الراء، فأقرّ أولئك الذين نفاهم بذلك المكان و أقطعهم إيّاه، و أرسل إليهم أربعمائة جارية تركية، و أمدهم بطعام من الحنطة و الشعير، و أمرهم بالزرع و المقام هناك، فلذلك في وجوههم أثر الترك، و في طباعهم أخلاق الترك، و فيهم جلد و قوّة. (معجم البلدان ج 2/ ص 452).

(1) دار الرقيق: محلة كانت ببغداد متصلة بالحريم الطاهري، من الجانب الغربي، ينسب إليها الرقيقي، و يقال لها شارع دار الرقيق أيضا. (معجم البلدان ج 2/ ص 480).

(2) الخلد: موضع في بغداد على شاطى‏ء دجلة، بنى فيه المنصور قصره بعد فراغه من مدينته المدوّرة، و كان موضع الخلد قديما ديرا فيه راهب، و إنما اختار المنصور بناء قصره فيه لعلة البقّ، و كان موضعا عذبا طيب الهواء لأنّه أشرف المواضع التي ببغداد كلها. (معجم البلدان ج 2/ ص 436).

42

و كان فيه الإصطبلات و موضع العرض‏ (1) و قصر يشرع على دجلة لم يزل أبو جعفر ينزله.

و كان فيه المهدي قبل أن ينتقل إلى قصره بالرصافة (2) الذي بالجانب الشرقي من دجلة فإذا جاوز موضع الجسر (3) فالجسر، و مجلس الشرطة، و دار صناعة للجسر، فإذا جاوزت ذلك فأول القطائع قطيعة سليمان بن أبي جعفر في الشارع الأعظم على دجلة و في درب يعرف بدرب سليمان، و إلى جنب قطيعة سليمان في الشارع الأعظم قطيعة صالح بن أمير المؤمنين المنصور و هو صالح المسكين مادة إلى دار نجيح مولى المنصور التي صارت لعبد اللّه بن طاهر.

و آخر قطيعة صالح قطيعة عبد الملك بن يزيد الجرجاني المعروف بأبي عون و أصحابه الجرجانية، ثم قطيعة تميم الباذغيسي متصلة بقطيعة أبي عون، ثم قطيعة عبّاد الفرغاني، و أصحابه الفراغنة، ثم قطيعة عيسى بن نجيح المعروف بابن روضة و غلمان الحجابة، ثم قطيعة الأفارقة، ثم قطيعة تمام الديلمي مما يلي قنطرة التبانين، و قطيعة

____________

(1) العرض: بكسر أوله، و سكون ثانيه، وادي اليمامة، و يقال لكل واد فيه قرى و مياه عرض، و الأعراض: قرى بين الحجاز و اليمن. (معجم البلدان ج 4/ ص 115).

(2) الرصافة: و لعلها رصافة بغداد و هي بالجانب الشرقي، لمّا بنى المنصور مدينته بالجانب الغربي، و استتمّ بناءها أمر ابنه المهدي أن يعسكر في الجانب الشرقي، و أن يبني له فيه دورا و جعلها معسكرا له فالتحق بها الناس و عمرّوها فصارت مقدار مدينة المنصور، و عمل بها المهدي جامعا أكبر من جامع المنصور و أحسن، و كان فراغ المهدي من بناء الرصافة و الجامع بها سنة 159 ه، و هي السنة الثانية من خلافته. و بها مقابر خلفاء بني العباس.

(معجم البلدان ج 2/ ص 52).

(3) الجسر: بكسر الجيم، يريدون الجسر الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين و الفرس قرب الحيرة، و يعرف أيضا بيوم قس الناطف، و كان من حديثه أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه أمر خالد بن الوليد و هو بالعراق بالمسير إلى الشام لنجدة المسلمين، و يخلّف بالعراق المثنى بن حارثة الشيباني، فجمعت الفرس لمحاربة المسلمين، و كان أبو بكر قد مات فسيّر المثنى إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يعرّفه بذلك، فندب عمر الناس إلى قتال الفرس، فهابوهم، فانتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي والد المختار بن أبي عبيد في طائفة من المسلمين، فقدموا إلى بانقيا، فأمر أبو عبيد بعقد جسر على الفرات، و يقال: بل كان الجسر قديما هناك لأهل الحيرة يعبرون عليه إلى ضياعهم فأصلحه أبو عبيد، و ذلك سنة 13 ه، و عبر إلى عسكر الفرس و واقعهم، فكثروا على المسلمين و نكوا فيهم نكاية قبيحة لم ينكوا في المسلمين من قبلها و لا بعدها مثلها، و قتل أبو عبيد فيها. (معجم البلدان ج 2/ ص 162).

43

حنبل بن مالك، ثم قطيعة البغيين أصحاب حفص بن عثمان و دار حفص هي التي صارت لإسحاق بن إبراهيم، ثم السوق على دجلة في الفرضة (1)، ثم قطيعة لجعفر ابن أمير المؤمنين المنصور صارت لأم جعفر ناحية باب قطر، بل تعرف بقطيعة أم جعفر (2)، و مما على القبلة قطيعة مرار العجلي و قطيعة عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي‏ (3) و قد كان يلي الشرطة ثم عزله و ولاه خراسان فعصي هناك فوجّه إليه المهدي في الجيوش فحاربه حتى ظفر به فحمله إلى أبي جعفر فضرب عنقه و صلبه.

و في هذه الأرباض و القطائع ما لم نذكره لأن كافة الناس بنوا القطائع و غير القطائع و توراثوا.

و أحصيت الدروب و السكك فكانت ستة آلاف درب و سكة. و أحصيت المساجد فكانت ثلاثين ألف مسجد سوى ما زاد بعد ذلك. و أحصيت الحمامات فكانت عشرة آلاف حمام سوى ما زاد بعد ذلك. و جر القناة التي تأخذ من نهر كرخابا الآخذ من الفرات في عقود وثيقة من أسفلها محكمة بالصاروج و الآجر من أعلاها معقودة عقدا وثيقا فتدخل المدينة و تنفذ في أكثر شوارع الأرباض تجري صيفا و شتاء قد هندست هندسة لا ينقطع لها ماء في وقت، و قناة أخرى من دجلة على هذا المثال و سماها دجيل.

و جر لأهل الكرخ و ما اتصل به نهرا يقال له نهر الدجاج، و إنما سمّي نهر الدجاج لأن أصحاب الدجاج كانوا يقفون عنده، و نهرا يسمى نهر طابق‏ (4) ابن الصمية و لهم نهر

____________

(1) الفرضة: ثلمة في النهر. (القاموس المحيط، مادة: فرض).

(2) قطيعة أم جعفر: كانت محلّة ببغداد عند باب التين، و هو الموضع الذي فيه مشهد موسى بن جعفر رضي اللّه عنه قرب الحريم بين دار الرقيق و باب خراسان و فيها الزبيدية، و كان يسكنها خدّام أم جعفر و حشمها، و قال الخطيب: قطيعة أم جعفر بنهر القلّايين و لعلها اثنتان. و أم جعفر هي زبيدة بنت جعفر بن المنصور أم محمد الأمين. (معجم البلدان ج 4/ ص 427).

(3) عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي: أمير من الشجعان الأشداء الجبارين، في صدر العهد العباسي، ولّاه المنصور إمرة خراسان سنة 140 ه، فقتل كثيرا من أهلها بتهمة الدعاء لولد علي بن أبي طالب، ثم خلع طاعة المنصور، فوجه المنصور الجند لقتاله، فأسروه و حملوه إليه، فقطعت يداه و رجلاه و ضرب عنقه بالكوفة، و نفي أهله و بنوه سنة 142 ه/ 759 م.

(4) نهر طابق: محلة ببغداد من الجانب الغربي قرب نهر القلّائين شرقا، و إنما هو نهر بابك منسوب إلى بابك بن بهرام بن بابك و هو قديم، و بابك هو الذي اتخذ العقد الذي عليه قصر عيسى بن علي و احتفر هذا النهر، و مأخذه من كرخايا و يصب في نهر عيسى عند دار بطيخ،

44

عيسى الأعظم الذي يأخذ من معظم الفرات تدخل فيه السفن العظام التي تأتي من الرقة و يحمل فيها الدقيق و التجارات من الشام، و مصر تصير إلى فرضة عليها الأسواق و حوانيت التجار لا تنقطع في وقت من الأوقات فالماء لا ينقطع، و لهم الآبار التي يدخلها الماء من هذه القنوات فهي عذبة، شرب القوم جميعا منها.

و إنما احتيج إلى هذه القنوات لكبر البلد و سعته و إلا فهم بين دجلة و الفرات من جميع النواحي تدفق عليهم المياه حتى غرسوا النخل الذي حمل من البصرة فصار ببغداد أكثر منه بالبصرة، و الكوفة، و السواد (1)، و غرسوا الأشجار و أثمرت الثمر العجيب و كثرت البساتين و الأجنّة في أرباض بغداد من كل ناحية لكثرة المياه و طيبها، و عمل فيها كل ما يعمل في بلد من البلدان لأنّ حذاق أهل الصناعات انتقلوا إليها من كل بلد و أتوها من كل أفق و نزعوا إليها من الأداني و الأقاصي، فهذا الجانب الغربي من بغداد و هو جانب المدينة و جانب الكرخ، و جانب الأرباض.

و في كل طرف منه مقبرة و قرى متصلة و عمارات مادة. و الجانب الشرقي من بغداد نزله المهدي بن المنصور و هو ولي عهد أبيه، و ابتدأ بناءه في سنة ثلاث و أربعين و مائة فاختطّ المهدي قصره بالرصافة إلى جانب المسجد الجامع الذي في الرصافة، و حفر نهرا يأخذ من النهروان‏ (2) سماه نهر المدي يجري في الجانب الشرقي.

و أقطع المنصور إخوته و قوّاده بعد ما أقطع من الجانب الغربي و هو جانب مدينته‏

____________

و في بعض الكتب: أنه في سنة 488 ه أحرقت محلة نهر طابق و صارت تلولا لفتنة كانت بينهم و بين محلة باب الأرحاء. (معجم البلدان ج 5/ ص 371).

(1) السواد: يراد به رستاق العراق و ضياعها التي افتتحها المسلمون على عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سمي بذلك لسواده بالزروع و الأشجار لأنه حيث تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها و لا شجر كانوا إذا خرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزروع و الأشجار فيسمّونه سوادا كما إذا رأيت شيئا من بعد قلت ما ذلك سوادا، و هم يسمّون الأخضر سوادا و السواد أخضر، فسمّوه سوادا لخضرته بالزروع و الأشجار و حدّ السواد من حديثه إلى الموصل.

(معجم البلدان ج 3/ ص 309).

(2) النهروان: بالكسر و الفتح و أكثر ما يجري على ألسنة الناس الكسر أي كسر النون، و هي كورة واسعة بين بغداد و واسط من الجانب الشرقي حدّها الأعلى من الجانب الشرقي حدّها الأعلى متّصل ببغداد و فيها بلاد متوسطة عدّة، و كان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه مع الخوارج مشهورة. (معجم البلدان ج 5/ ص 375).

45

و قسّمت القطائع في هذا الجانب و هو يعرف بعسكر المهدي‏ (1) كما قسمت في جانب المدينة، و تنافس الناس في النزول على المهدي لمحبتهم له و لاتساعه عليهم بالأموال و العطايا و لأنه كان أوسع الجانبين أرضا لأن الناس سبقوا إلى الجانب الغربي و هو جزيرة بين دجلة و الفرات فبنوا فيه، و صار فيه الأسواق و التجارات، فلما ابتدي البناء في الجانب الشرقي امتنع على من أراد سعة البناء فأول القطائع على رأس الجسر لخزيمة بن خازم التميمي و كان على شرطة المهدي.

ثم قطيعة إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس ابن عبد المطلب، ثم قطيعة العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن العباس ابن عبد المطلب لأنه جعل قطيعته في الجانب الغربي بستانا، ثم قطيعة السري بن عبد اللّه بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، ثم قطيعة قثم بن العباس بن [عبيد] (2) اللّه بن العباس بن عبد المطلب‏ (3) عامل أبي جعفر على اليمامة، ثم قطيعة الربيع مولى أمير المؤمنين لأنه جعل قطيعته بناحية الكرخ أسواقا و مستغلات فأقطع مع المهدي و هو قصر العضل بن الربيع و الميدان‏ (4)، ثم قطيعة جبريل بن يحيى البجلي، ثم قطيعة أسد بن عبد اللّه الخزاعي‏ (5)، ثم قطيعة مالك بن الهيثم الخزاعي‏ (6)، ثم قطيعة سلم بن قتيبة

____________

(1) عسكر المهدي: و هو محمد بن المنصور أمير المؤمنين، و هي المحلة المعروفة اليوم ببغداد بالرصافة من محال الجانب الشرقي، و قال ابن الفقيه: و بنى المنصور الرصافة في الجانب الشرقي للمهدي، و كانت الرصافة تعرف بعسكر المهدي لأنه عسكر بها حين شخص إلى الرّيّ، فلما قدم من الرّيّ نزل الرصافة، و ذلك سنة 151 ه. (معجم البلدان ج 4/ ص 140).

(2) وردت في الأصل: «عبد» و لعلّ الصحيح ما أثبتناه.

(3) قثم بن العباس بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، أمير، ولاه المنصور العباسي إمرة اليمامة سنة 143 ه، فأقام فيها إلى أن توفي المنصور و ولي المهدي، فكتب المهدي بعزله، فوصل الكتاب إلى اليمامة بعد وفاته سنة 159 ه/ 776 م.

(4) الميدان: محلة ببغداد ينسب إليها جماعة من العلماء، و الميدان محلة بشرقي بغداد بباب الأزج. (معجم البلدان ج 5/ ص 280).

(5) أسد بن عبد اللّه الخزاعي، أمير من الشجعان، الأجواد، عاش في العصر العباسي الأوّل و كان مقرّبا من أمير المؤمنين.

(6) مالك بن الهيثم الخزاعي، من نقباء بني العباس، خرج على بني أمية سنة 117 ه، هو و سليمان بن كثير و موسى بن كعب و الاهز بن قريط و خالد بن إبراهيم، و طلحة بن زريق، و دعوا لبيعة بني العباس، و ظهر أمرهم، فقبض عليهم أسد بن عبد اللّه القسري أمير خراسان، و أطلق مالك، فكان بعد ذلك مع أبي مسلم الخراساني، توفي بعد مقتل أبي مسلم سنة 137 ه/ 755 م.

46

الباهلي‏ (1)، ثم قطيعة سفيان بن معاوية المهلبي، ثم قطيعة روح بن حاتم‏ (2)، ثم قطيعة إبان بن صدقة الكاتب، ثم قطيعة حمويه الخادم مولى المهدي، ثم قطيعة سلمة الوصيف صاحب خزانة سلاح المهدي، ثم قطيعة بدر الوصيف مع سوق العطش‏ (3)، و هي السوق العظمى الواسعة، ثم قطيعة العلاء الخادم مولى المهدي، ثم قطيعة يزيد بن منصور الحميري‏ (4)، ثم قطيعة زياد بن منصور الحارثي، ثم قطيعة أبي عبيد معاوية بن برمك البلخي على قنطرة بردان‏ (5)، ثم قطيعة عمارة بن حمزة بن ميمون، ثم‏

____________

(1) سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الخراساني، أبو عبد اللّه، والي البصرة، وليها ليزيد بن عمر بن هبيرة في أيام مروان بن محمد، ثم وليها في أيام جعفر المنصور، فكان من الموثوق بهم في الدولتين الأموية و العباسية، و كان من عقلاء الأمراء، عادلا حسنت سيرته، و مات بالرّيّ سنة 149 ه/ 766 م. قال ابن الأثير: كان مشهورا عظيم القدر.

(2) روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب الأزدي، أمير، من الأجواد الممدوحين، كان حاجبا للمنصور العباسي، و ولاه المهدي ابن المنصور السند، ثم نقله إلى البصرة فالكوفة، و ولاه الرشيد على فلسطين، ثم صرفه عنها، فتوجّه إلى بغداد، فوافق وصوله نعي أخيه يزيد بن حاتم أمير أفريقية، فأرسله الرشيد إليها واليا على القيروان سنة 171 ه، فاستمر إلى أن مات فيها. و دفن إلى جانب أخيه سنة 174 ه/ 791 م، و كان موصوفا بالعلم، و الشجاعة، و الحزم.

(3) سوق العطش: كان أكبر محلة ببغداد بالجانب الشرقي بين الرصافة و نهر المعلّى. بناه سعيد الحرشي للمهذي و حوّل إليه التجار ليخرّب الكرخ، و قال له المهدي عند تمامها: سمّها سوق الرّيّ، فغلب عليها سوق العطش، و كان الحرشي صاحب شرطته ببغداد، و أول سوق العطش يتّصل بسويقة الحرشي، و داره و الإقطاعات التي أقطعها له المهدي هناك، و هذا كلّه الآن خراب لا عين، و لا أثر، و لا أحد من أهل بغداد يعرف موضعه، و قيل: إن سوق العطش كانت بين باب الشماسية و الرصافة تتصل بمسنّاة معز الدولة. (معجم البلدان ج 3/ ص 322).

(4) يزيد بن منصور بن عبد اللّه بن يزيد بن شهر بن مثوب، من ولد ذي الجناح الحميري، أبو خالد، وال، هو خال المهدي العباسي، كان مقدّما في دولة بني العباس، ولي للمنصور البصرة سنة 152 ه، ثم اليمن سنة 154 ه، بعد الفرات بن سالم، و أقام في اليمن باقي خلافة المنصور، و سنة من خلافة المهدي، و عزل سنة 159 ه، و ولاه المهدي سنة 161 ه على سواد الكوفة، و مات بالبصرة، و لبشار بن برد هجاء فيه، و بقي من أعقابه جماعة كانوا يعرفون باليزيدية، و إليه نسبة يحيى بن المبارك العدوي اليزيدي، كان يؤدب ولده فنسب إليه، توفي سنة 165 ه/ 781 م.

(5) قنطرة البردان: و هو محلة في بغداد بناها رجل يقال له السّريّ بن الحطم صاحب الحطميّة قرية قرب بغداد، ينسب إليها كثير من أهل العلم. (معجم البلدان ج 4/ ص 459).

47

قطيعة ثابت بن موسى الكاتب على خراج الكوفة و ما سقى الفرات، ثم قطيعة عبد اللّه بن زياد بن أبي ليلى الخثعمي الكاتب على ديوان الحجاز، و الموصل، و الجزيرة، و أرمينية، و آذربيجان.

ثم قطيعة عبيد اللّه بن محمد بن صفوان القاضي، ثم قطيعة يعقوب بن داود السلمي‏ (1) الكاتب الذي كتب للمهدي في خلافته، ثم قطيعة منصور مولى المهدي و هو الموضع الذي يعرف بباب المقير، ثم قطيعة أبي هريرة محمد بن فروخ القائد بالموضع المعروف بالمخرّم‏ (2)، ثم قطيعة معاذ بن مسلم الرازي‏

قل لمعاذ إذا مررت به:* * * قد ضجّ من طول عمرك الأمد!

(3) جد إسحاق بن‏

____________

(1) يعقوب بن داود بن عمر السلمي بالولاء، أبو عبد اللّه، كاتب من أكابر الوزراء. كان يكتب لإبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن المثنى، و خرج إبراهيم على المنصور العباسي بالبصرة، فظفر به المنصور و قتله سنة 145 ه، و حبس يعقوب، ثم أطلق بعد وفاة المنصور، فتقرّب من المهدي، و علت منزلته عنده، حتى صدر مرسوم إلى الدواوين يقول: إن أمير المؤمنين المهدي قد آخى يعقوب بن داود. و استوزره سنة 163 ه، فغلب على الأمور كلها، و قصدته الشعراء بالمدائح، و كثر حسّاده، و تتابعت الوشايات فيه، و سقط عن برذون، فانكسرت ساقه، فعاده المهدي في اليوم الثاني، و انتهز الوشاة فرصة غيابه عن العمل، فذكروا للمهدي صلته الأولى بالعلويين، فيقال: إنه أراد اختباره فطلب منه أن يريحه من شخص سمّاه له من العلويين، فاكتفى يعقوب بأن و كل إلى أحد رجاله بالعلوي و أعطاه مالا، و أوعز إليه بالرحيل و الاختفاء، و بعد مدّة سأله المهدي عنه، فقال: مات. و عرف المهدي أنه يكذب عليه، فانفجر سخطه، و عزله سنة 167 ه، و أمر بحبسه في المطبق، و صادر أمواله، و مكث بالحبس إلى أن مضت خمس سنوات و شهور من ولاية هارون الرشيد فأخرج سنة 175 ه، و قد ذهب بصره، ورد عليه الرشيد ماله، و خيّره في الإقامة حيث يريد، فاختار مكة، فأذن له، فأقام بها إلى أن مات سنة 187 ه/ 803 م.

(2) المخرّم: هو اسم رجل، و هو كثير التخريم، و هو إنفاذ الشي‏ء إلى شي‏ء آخر، بضم أوله، و فتح ثانيه، و كسر الراء و تشديدها، و هي محلّة كانت ببغداد بين الرصافة و نهر المعلّى و فيها كانت الدار التي يسكنها سلاطين البويهيّة، و السلجوقية خلف الجامع المعروف بجامع السلطان، خرّبها الإمام الناصر لدين اللّه في سنة 587 ه، و كانت هذه المحلة بين الزاهر و الرصافة، هي منسوبة إلى مخرّم بن يزيد بن شريح بن مخرّم بن مالك بن ربيعة بن الحارث بن كعب كان ينزله أيام نزول العرب السواد في بدء الإسلام قبل أن تعمر بغداد بمدة طويلة فسمّي الموضع باسمه، و قيل: إن قوما من بني الحارث بن كعب يقولون إن المخرّم إقطاع من عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في الإسلام لمخرّم بن شريح بن محرم بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب. ذكر ذلك في كتاب أنساب البلدان و على الحاشية بخطّ جحجح: الذي رويناه أن كسرى أقطعه إيّاها.

(3) معاذ بن مسلم: الرازي الهرّاء، أبو مسلم، أديب معمّر، له شعر، من أهل الكوفة، عرف‏

48

يحيى بن معاذ (1)، ثم قطيعة الغمر بن العباس الخثعمي صاحب الجر، ثم قطيعة سلام مولى المهدي بالمخرّم و كان يلي المظالم، ثم قطيعة عقبة بن سلم الهنائي، ثم قطيعة سعيد الحرشي في مربعة الحرشي، ثم قطيعة مبارك التركي، ثم قطيعة سوار مولى أمير المؤمنين و رحبة سوار، ثم قطيعة نازي مولى أمير المؤمنين صاحب الدواب و إصطبل نازي، ثم قطيعة محمد بن الأشعث الخزاعي‏ (2)، ثم قطيعة عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخي عمر بن الخطاب، [ثم‏] (3) قطيعة أبي غسان مولى أمير المؤمنين المهدي، و بين القطائع منازل الجند و سائر الناس من التّنّاء (4)، و من التجار و من سائر الناس في كل محلة و عند كل ربض.

و سوق هذا الجانب العظمى التي تجتمع فيها أصناف التجارات و البياعات و الصناعات على رأس الجسر مارا من رأس الجسر مشرقا ذات اليمين و ذات الشمال من أصناف التجارات و الصناعات.

و ينقسم طرق الجانب الشرقي و هو عسكر المهدي خمسة أقسام، فطريق مستقيم إلى الرصافة الذي فيه قصر المهدي و المسجد الجامع، و طريق في السوق التي يقال لها

____________

بالهرّاء لبيعه الثياب الهروية الواردة من مدينة هراة، له كتب في النحو ضاعت، و أخبار مع معاصريه كثيرة، و فيه يقول سهل بن أبي غالب الخزرجي من أبيات:

قل لمعاذ إذا مررت به:* * * قد ضجّ من طول عمرك الأمد!

(1) إسحاق بن يحيى بن معاذ، وال من كبار القادة في العصر العباسي، ولي دمشق في أيام المأمون، و المعتصم، و الواثق، ثم ولّاه المتوكّل إمرة مصر في أواخر سنة 235 ه، فقدم إليها و أحبّه أهلها، كان جوادا عاقلا حسن التدبير و السياسة، شجاعا محبّا للأدب، مدحه كثير من الشعراء.

أمره المنتصر العباسي بإخراج العلويين من مصر، فأخرجهم بلطف و رعاية، فساء المنتصر ذلك، فعزله سنة 236 ه، قبل أن يكمل العام بمصر، فأقام فيها، و توفي في العام التالي سنة 237 ه/ 851 م.

(2) محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعي، وال من كبار القواد في عصر المنصور العباسي، ولاه المنصور مصر سنة 141 ه، ثم أمره باستنقاذ إفريقية من بعض المتغلّبة بعد مقتل حبيب بن عبد الرحمن الفهري، فوجّه إليها جيشا بقيادة الأحوص العجلي فهزمه الثائر أبو الخطّاب، فسار ابن الأشعث في أربعين أو خمسين ألفا سنة 142 ه، فقتل أبا الخطّاب سنة 144 ه، و دخل القيروان سنة 146 ه، و انتظم له الأمر في إفريقية، فثار عليه عيسى بن موسى بن عجلان، أحد جنده، في جماعة من قوّاده، و أخرجوه من القيروان سنة 148 ه، فعاد إلى العراق، ثم غزا بلاد الروم مع العباس ابن عم المنصور، فمات في الطريق سنة 149 ه/ 766 م.

(3) زيادة أثبتناها لسلامة المعنى و اتّساق الكلام.

(4) التّنّاء: المقيمون في المكان. (القاموس المحيط، مادة: تنأ).

49

سوق خضير و هي معدن طرائف الصين‏ (1)، و تخرج منها إلى الميدان و دار الفضل بن الربيع، و طريق ذات اليسار إلى باب البردان، و هناك منازل خالد بن برمك‏ (2) و ولده، و طريق الجسر من دار خزيمة إلى السوق المعروفة بسوق يحيى بن الوليد، و إلى الموضع المعروف بالدور (3) إلى باب بغداد المعروف بالشماسية (4)، و منه يخرج من أراد إلى سر من رأى، و طريق عند الجسر الأول الذي يعبر عليه من أتى من الجانب الغربي يأخذ على دجلة إلى باب المقير و المخرّم و ما اتصل بذلك، و كان هذا أوسع الجانبين لكثرة الأسواق و التجارات في الجانب الغربي كما وصفنا، فنزله المهدي و هو

____________

(1) الصين: بالكسر و آخره نون بلاد في بحر المشرق مائلة إلى الجنوب و شماليها الترك، قال ابن الكلبي عن الشرقي: سمّيت الصين بصين، و صين و بغرابنا بغبر بن كماد بن يافث. (معجم البلدان ج 3/ ص 500).

(2) خالد بن برمك بن جاماس بن يشتاسف ولد سنة 90 ه، 709 م، أبو البرامكة، و أول من تمكن منهم في دولة بني العباس، كان أبوه برمك من مجوس بلخ، و تقلّد خالد قسمة الغنائم بين الجند في عسكر قحطبة بن شبيب بخراسان، و كان قحطبة يستشيره و يعمل برأيه. و لما بويع السفاح و دخل خالد لمبايعته توهمه جماعة من العرب لفصاحته، و أقرّه على الغنائم، و جعل إليه ديوان الخراج، و ديوان الجند بعد ذلك، و حلّ منه محل الوزير، و بعد وفاة السفاح أقرّه المنصور نحو سنة، ثم صرفه عن الديوان و قلّده بلاد فارس: الرّيّ، و طبرستان، و دنباوند و ما إليها، فأقام بطبرستان سبع سنين، و عزله و نكبه، ثم رضي عنه و أمّره الموصل، و لما ولي المهدي أعاده إلى إمارة فارس، و وجّهه مع ابنه هارون الرشيد في صائفة سنة 163 ه، و مات بعدها سنة 163 ه/ 780 م، و قيل: بعد أوبته منها، و كان سخيا، ثريا، عاقلا فيه نبل، قال المسعودي: لم يبلغ مبلغ خالد أحد من ولده، في جوده و رأيه، و بأسه، و علمه، لا يحيى في جوده و نزاهته، و لا جعفر في كتابته و فصاحة لسانه، و لا محمد بن يحيى في شرطه و بعد همّته، و لا موسى في شجاعته و بأسه.

(3) الدور: بضم أوله و سكون الواو، و هي سبعة مواضع بأرض العراق من نواحي بغداد أحد دور تكريت، و هو بين سامرّا و تكريت، و الثاني بين تكريت و سامرّا أيضا، يعرف بدور عرباني، و في عمل الدجيل قرية تعرف بدور بني أوقر و هي المعروفة بدور الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة و فيها جامع و منبر، و بنو أوقر كانوا مشايخها و أرباب ثروتها، و بنى الوزير بها جامعا و منارة، و آثار الوزير حسنة، و بينها و بين بغداد خمسة فراسخ. (معجم البلدان ج 2/ ص 547).

(4) الشمّاسية: منسوبة إلى بعض شمّاسي النصارى، و هي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة الشمّاسية، و فيها كانت دار معزّ الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه، فرغ منها سنة 305 ه، و بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم، و مسنّاته باق أثرها، و باقي المحلة كله صحراء موحشة يتخطّف فيها اللصوص ثياب الناس، و هي أعلى من الرصافة، و محلة أبي حنيفة. (معجم البلدان ج 3/ ص 409).

50

ولي عهد و في خلافته، و نزله موسى الهادي‏ (1)، و نزله هارون الرشيد، و نزله المأمون‏ (2)، و نزله المعتصم‏ (3)، و فيه أربعة آلاف درب و سكة و خمسة عشر ألف مسجد سوى ما زاده الناس، و خمسة آلاف حمام سوى ما زاده الناس بعد ذلك، و بلغ أجرة الأسواق ببغداد في الجانبين جميعا مع رحا البطريق و ما اتصل بها في كل سنة اثني عشر ألف ألف درهم.

____________

(1) موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، أبو محمد من الخلفاء العباسيين، ببغداد، ولد بالرّيّ سنة 144 ه/ 761 م، و ولي بعد وفاة أبيه سنة 169 ه، و كان غائبا بجرجان فأقام أخوه الرشيد بيعته، و استبدت أمه الخيزران بالأمر، و أراد خلع أخيه هارون الرشيد، فلم تر أمه ذلك، فزجرها فأمرت جواريها أن يقتلنه فخنقنه، و دفن في بستانه بعيسى‏آباذ سنة 170 ه/ 786 م، و مدة خلافته سنة و ثلاثة أشهر. كان طويلا جسيما أبيض، في شفته العليا تقلّص، شجاعا، جوادا، له معرفة بالأدب، و شعر.

(2) المأمون العباسيّ: هو عبد اللّه بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، أبو العباس، المولود سنة 170 ه/ 786 م سابع الخلفاء من بني العباس في العراق، و أحد أعاظم الملوك في سيرته، و علمه، و سعة ملكه، نفذ أمره من إفريقية إلى أقصى خراسان، و ما وراء النهر، و السند. عرّفه المؤرّخ ابن دحية بالإمام العالم، المحدّث، النحوي، اللغوي. ولي الخلافة بعد خلع أخيه الأمين سنة 198 ه، فتمم ما بدأ به جده المنصور من ترجمة كتب العلم و الفلسفة و أتحف ملوك الروم بالهدايا سائلا أن يصلوه بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بعدد كبير من كتب أفلاطون، و أرسطاطاليس، و أبقراط، و جالينوس، و أقليدس، و بطليموس، و غيرهم، فاختار لها مهرة التراجمة، فترجمت، و حضّ الناس على قراءتها، فقامت دولة الحكمة في أيامه، و قرّب العلماء، و الفقهاء، و المحدّثين، و المتكلّمين، و أهل اللغة، و الأخبار، و المعرفة بالشعر، و الأنساب. و أطلق حرية الكلام للباحثين، و أهل الجدل، و الفلاسفة، لو لا المحنة بخلق القرآن، في السنة الأخيرة من حياته. كان فصيحا مفوّها، واسع العلم، محبا للعفو. من كلامه: لو عرف الناس حبّي للعفو لتقرّبوا إليّ بالجرائم. و أخباره كثيرة. توفي سنة 218 ه/ 833 م.

(3) المعتصم العباسي: هو محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، أبو إسحاق، المعتصم بالله العباسي، خليفة من أعظم خلفاء هذه الدولة، مولود سنة 179 ه/ 795 م. بويع بالخلافة سنة 218 ه، يوم وفاة أخيه المأمون و بعهد منه، و كان بطرطوس، و عاد إلى بغداد بعد سبعة أسابيع في السنة نفسها. كان قوي الساعد، يكسر زند الرجل بين إصبعيه، و لا تعمل في جسمه الأسنان. كره التعليم في صغره، فنشأ ضعيف القراءة يكاد يكون أمّيّا، و هو فاتح عمورية من بلاد الروم الشرقية، في خبر مشهور. هو باني مدينة سامرّا سنة 222 ه حين ضاقت بغداد بجنده.

و هو أول من أضاف إلى اسمه اسم اللّه تعالى، من الخلفاء، فقيل: المعتصم بالله، و كان ليّن العريكة، رضي الخلق، اتّسع ملكه جدا. كان له سبعون ألف مملوك، خلافته ثماني سنوات و ثمانية أشهر، و خلّف ثمانية بنين و ثماني بنات، و عمره ثمان و أربعون سنة، توفي بسامرّاء سنة 227 ه/ 841 م. كان أبيض أصهب حسن الجسم مربوعا طويل اللحية.

51

و نزل ببغداد سبعة خلفاء: المنصور، و المهدي، و موسى الهادي، و هارون الرشيد، و محمد الأمين و عبد اللّه المأمون، و المعتصم.

فلم يمت بها منهم واحد إلا محمد الأمين بن هارون الرشيد (1) فإنه قتل خارج باب الأنبار عند بستان طاهر.

و هذه القطائع و الشوارع و الدروب و السكك التي ذكرتها على ما رسمت في أيام المنصور و وقت ابتدائها و قد تغيرت و مات المتقدمون من أصحابها و ملكها قوم بعد قوم و جيل بعد جيل، و زادت عمارة بعض المواضع، و ملك قوم ديار قوم، و انتقل الوجوه و الجلة و القواد و أهل النباهة من سائر الناس مع المعتصم إلى سر من رأى في سنة ثلاث و عشرين و مائتين، ثم اتصل بهم المقام في أيام الواثق‏ (2) و المتوكل‏ (3)، و لم تخرب‏

____________

(1) محمد الأمين: هو محمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، خليفة عباسي، ولد سنة 170 ه/ 787 م في رصافة بغداد. بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه سنة 193 ه بعهد منه، فولى أخاه المأمون خراسان و أطرافها، و كان المأمون ولي العهد من بعده. فلما كانت سنة 195 ه أعلن الأمين خلع أخيه المأمون من ولاية العهد، فنادى المأمون بخلع الأمين في خراسان، و تسمى بأمير المؤمنين، و جهز الأمين وزيره ابن ماهان لحربه، و جهز المأمون طاهر بن الحسين فالتقى الجيشان، فقتل ابن ماهان و انهزم جيش الأمين، فتتبّعه طاهر بن الحسين، و حاصر بغداد حصارا طويلا انتهى بقتل الأمين، قتل بالسيف بمدينة السّلام، و كان الذي ضرب عنقه مولى لطاهر، بأمره. سنة 198 ه/ 813 م، و كان أبيض طويلا سمينا، جميل الصورة، شجاعا، أديبا، رقيق الشعر، مكثرا من الإنفاق، سيّى‏ء التدبير، يؤخذ عليه انصرافه إلى اللهو و مجالسة الندماء.

(2) الواثق: هو هارون الواثق بالله بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد العباسي، أبو جعفر، من خلفاء الدولة العباسيّة بالعراق. ولد سنة 200 ه/ 815 م في بغداد، و ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 227 ه فامتحن الناس في خلق القرآن، و سجن جماعة و قتل في ذلك أحمد بن نصر الخزاعي بيده سنة 231 ه. قال أحد مؤرخيه: كان في كثير من أموره يذهب مذهب المأمون، و شغل نفسه بمحنة الناس في الدين، فأفسد قلوبهم. مات في سامرّا سنة 232 ه/ 847 م، قيل: بعلّة الاستسقاء، و قال ابن دحية: كان مسرفا في حبّ النساء، و وصف له دواء للتقوية، فمرض منه و عولج بالنار، فمات محترقا سنة 232 ه/ 847 م، و خلافته خمس سنين و تسعة أو ستة أيام. و كان كريما عارفا بالأداب و الأنساب، طروبا يميل إلى السماع، عالما بالموسيقى، قال أبو الفرج الأصفهاني: صنع الواثق مئة صوت ما فيها صوت ساقط، و كان كثير الإحسان لأهل الحرمين حتى قيل: إنه لم يوجد بالحرمين في أيامه سائل.

(3) المتوكّل: هو جعفر بن محمد المتوكّل على اللّه بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد،

52

بغداد و لا نقصت أسواقها، لأنهم لم يجدوا منها عوضا و لأنه اتصلت العمارة و المنازل بين بغداد و سر من رأى في البر و البحر أعني في دجلة و في جانبي دجلة.

سر من رأى‏

قد ذكرنا بغداد و ابتداء أمرها و الوقت الذي بناها أبو جعفر المنصور فيه، و وصفنا كيف هندست، و هندست أرباضها، و قطائعها، و أسواقها، و دروبها، و سككها، و محالها في الجانب الغربي من دجلة، و هو جانب المدينة و الكرخ.

و الجانب الشرقي و هو جانب الرصافة الذي يسمى عسكر المهدي، و قلنا في ذلك بما علمنا، فلنذكر الآن سر من رأى، و إنها المدينة الثانية من مدن خلفاء بني هاشم.

و قد سكنها ثمانية خلفاء منهم المعتصم و هو ابتدأها و أنشأها، و الواثق و هو هارون بن المعتصم، و المتوكل جعفر بن المعتصم‏ (1)، و المنتصر محمد بن‏

____________

أبو الفضل، خليفة عباسي، ولد ببغداد سنة 206 ه/ 821 م بعد وفاة أخيه الواثق سنة 232 ه، و كان جوادا محبّا للعمران من آثاره المتوكّليه ببغداد، أنفق عليها أموالا كثيرة، و سكنها. و لما استخلف كتب إلى أهل بغداد كتابا قرى‏ء على المنبر بترك الجدل في القرآن، و أن الذمة بريئة ممن يقول بخلقه أو غير خلقه. و نقل مقرّ الخلافة من بغداد إلى دمشق، فأقام بهذه شهرين، فلم يطب له مناخها، فعاد و أقام في سامرّا إلى أن اغتيل فيها ليلا سنة 247 ه/ 861 م، بإغراء ابنه المنتصر، و لبعض الشعراء هجاء في المتوكّل لهدمه قبر الحسين و ما حوله سنة 236 ه، و كثرت الزلازل في أيامه فعمّر بعض ما خرّبت، و كان يلبس في زمن الورد الثياب الحمر، و يأمر بالفرش الأحمر، و لا يرى الورد إلّا في مجلسه، و كان يقول: أنا ملك السلاطين و الورد ملك الرياحين و كلّ منّا أولى بصاحبه.

(1) المنتصر: المنتصر العباسي هو محمد المنتصر بالله بن جعفر المتوكّل على اللّه بن المعتصم، أبو جعفر، من خلفاء الدولة العباسية، ولد في سامرّاء سنة 223 ه/ 738 م، و بويع بالخلافة بعد أن قتل أباه سنة 247 ه، و في أيامه قويت سلطة الغلمان، فحرّضوه على خلع أخويه المعتزّ، و المؤيّد، و كانا وليي عهده فخلعهما، و هو أول من عدا على أبيه من بني العباس، و لم تطل مدّته. و كان إذا جلس إلى الناس يتذكّر قتله لأبيه فترعد فرائصه. قيل: مات مسموما بمبضع طبيب، وفاته بسامرّاء سنة 248 ه/ 862 م، و مدة خلافته ستة أشهر و أيام، و هو أول خليفة من بني العباس عرف قبره، و كانوا لا يحفلون بقبور موتاهم، إلا أن أمه طلبت إظهار قبره. و كان له خاتمان نقش على أحدهما: محمد رسول اللّه، و على الثاني:

المنتصر بالله.