البلدانيات‏

- محمد بن عبد الرحمن السخاوي المزيد...
320 /
5

مقدمة التّحقيق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه الكريم البرّ الجواد، الهادي إلى سبيل الرّشاد، الذي خصّ هذه الأمّة- دون غيرها من الأمم- بخصيصة الإسناد، و تكفّل بحفظ دينه إلى يوم التّناد، فندب لذلك الجهابذة النّقّاد؛ أهل الهدى و السّداد، فرحلوا في سبيل ذلك إلى البلاد، و فارقوا الأهل و الأولاد، و هجروا لذلك لذيذ الرّقاد، و أنفقوا في ذلك الطّارف و التّلاد.

و الصّلاة و السّلام على سيّدنا محمد، خيرته من الخلق، و صفوته من العباد، أدّى الأمانة، و بلّغ الرسالة، و نصح الأمة، و جاهد في اللّه حقّ الجهاد، صلاة و سلاما دائمين أدّخرهما عند ربي زادا ليوم المعاد.

أما بعد:

فإنّ من أفضل الطّاعات، و خير ما صرفت فيه نفائس الأوقات، الاشتغال بالعلم الشّرعي الذي يقرّب من ربّ الأرض و السّماوات، و من أعظمه نفعا و أكثره عوائد علم الحديث؛ الذي به يعرف صحيح الحديث من سقيمه، و صدقه من مكذوبه، و سالمه من معلوله، و متّصله من منقطعه.

و قد بدأ تدوين الحديث في وقت مبكّر من حياة هذه الأمّة المباركة، فكان عبد اللّه بن عمرو بن العاص- رضي اللّه عنهما- يكتب كلّ ما يسمعه من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و كانت له صحيفة كتبها عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و كان يقول فيها: «هذه‏

6

الصّادقة؛ فيها ما سمعته من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و ليس بيني و بينه أحد». و كذا غيره من الصحابة رضي اللّه عنهم.

ثمّ من جاء بعدهم؛ فكانت صحيفة همّام بن منبّه عن أبي هريرة، و كانت تسمّى الصّحيفة الصّحيحة.

إلى أن رأى عمر بن عبد العزيز- (رحمه اللّه)- أن يجمع حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يحفظه خشية ضياعه. فأمر ابن شهاب الزهريّ و غيره بجمع حديث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فجمع في قراطيس و أوراق على غير ترتيب معيّن.

«ثم شاع التّدوين في النّصف الأوّل من القرن الهجريّ الثاني بين العلماء، حتّى أصبح من النادر ألّا ترى لأحدهم تصنيفا أو جامعا فيه بعض أبواب في الحديث» (1).

فمن مصنّف على الجوامع، و من مصنّف على المسانيد، و من مصنّف على الأبواب، و من مقتصر على الصّحيح، و هكذا.

ثم شاع فيمن أتى بعدهم و تأخّر عنهم طريقة الإملاء، حيث إنّ المحدّث ينتقي من حديثه أعلاه، و أكثره فوائد .. مع عنايتهم بالبدل، و المساواة، و الموافقة، و المصافحة (2).

و منهم من كان يملي في تخريج أحاديث كتاب معيّن؛ كأمالي الحافظ ابن حجر- (رحمه اللّه)- على كتاب «الأذكار» للنّووي- (رحمه اللّه)- و لم يتمّ، و أماليه على «مختصر ابن الحاجب» المسمى ب «موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر».

و حذا حذوه و اقتفى أثره تلميذه- مصنّف كتابنا- الحافظ شمس الدين‏

____________

(1) «السّنّة قبل التدوين» للدكتور محمد عجاج الخطيب صفحة (357).

(2) سيأتي تعريف كلّ منها إن شاء اللّه تعالى.

7

السّخاوي‏ (1)، و كان من جملة أماليه كتابنا هذا «البلدانيات». ذكر فيه البلاد و القرى التي دخلها، و قد بلغت الثمانين، خرّج «في كل بلد أو قرية عن واحد من أهلها أو القادمين إليها حديثا، أو أثرا، أو شعرا، أو حكاية» (2). «آتيا في غضون ذلك بفوائد، راويا الكثير من عيون الزّوائد» (3).

و ها أنا أقدّمها لطلبة العلم راجيا من اللّه تعالى أن تقع منهم موقع الرضى؛ و قد حقّقت أصلها، و اجتهدت في ضبط نصّها، و عزوت الأقوال إلى قائليها، و خرّجت الأحاديث بحسب الوسع.

و قد نبّهت في أثناء الكتاب على أشياء ركب فيها المصنّف خلاف الصّواب؛ غير منتقص منه، و لا طاعن فيه؛ و إنّما استيضاحا للحقّ و الصّواب، و استرباحا للأجر و الثّواب، و إنّما الأعمال بالنيات.

____________

(1) قال المصنّف- (رحمه اللّه)-: «و توجّه له [أي: الإملاء] على وجهه جهابذة النقاد قديما و حديثا، بحيث لم يخل عصر من الأعصار منه، و كان من أواخرهم المزيّ، ثم تلميذه العلائيّ، ثم تلميذه العراقيّ، و كذا ابن الملقّن و لم يرتض شيخنا صنيعه، ثم الولي ابن العراقي، و شيخنا، و انقطع بعده على الوجه المعتبر قليلا؛ إلى أن تصدّيت له بإشارة شيخنا الشّمّني، فأمليت بمكة، و بعدّة أماكن من القاهرة، ما كتبه عنّي الأكابر من الفضلاء و الأعيان، و حضر عندي من الشّيوخ من كان يحضر إملاء شيخنا و رفيقه، بل شيخهما، و بلغ عدد ما أمليته أزيد من ستّ مئة مجلس، لو لم يكن فيها إلا «تكملة الأذكار» الذي مات شيخنا و هو يملي فيه، فللّه الحمد. هذا مع رغبة النّاس عنه، و عدم موقعه منهم، و تمييز مراتبه لقلّة الاعتناء به، و لذا قطعته مع المراجعة من كثيرين لي، حتّى من أعيان المكيين هناك، و الأعمال بالنيات» ا ه.

و قوله هذا في كتابه «غنية اللّبيب في شرح التّقريب» شرح فيه كتاب «التقريب» للإمام النووي- (رحمه اللّه)-. و قد ألّفه بعد كتابه «فتح المغيث». و طريقته في شرحه تشبه طريقة شيخه في «نزهة النظر» من حيث سبك عبارة المتن مع الشرح. و قد شارفت على الانتهاء من تحقيقه، يسّر اللّه إتمامه، و جعله خالصا لوجهه الكريم.

(2) «الجواهر و الدرر» للمصنف 1/ 197. و انظر «الضوء اللامع» له أيضا 8/ 15.

(3) مقدمة المصنف ل «البلدانيات».

8

أسأل اللّه تعالى أن يتقبّل منّي عملي، و ينفع به.

كما أسأله سبحانه أن يغفر لوالديّ، و يعلي درجتهما في الدّنيا و الآخرة جزاء إحسانهما إليّ، إنّه بكلّ جميل كفيل، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

و كتبه أبو محمد حسام بن محمد القطان الرياض- في اللّيلة التي يسفر صباحها عن يوم السّبت، لسبع بقين من شهر شعبان، لعام واحد و عشرين و أربع مئة و ألف من هجرة النبي العدنان (صلى اللّه عليه و سلم)

***

9

الباب الأول‏

و يتضمّن:

- ترجمة المصنّف.

- اسمه- نسبه- مولده- نشأته.

- ثناء العلماء عليه.

- ما وقع بينه و بين عصريّه السّيوطي.

- وفاته.

- مؤلّفاته.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

ترجمة المصنف‏ (1)

اسمه و نسبه:

هو العلّامة، الحافظ، شمس الدّين، محمد بن عبد الرحمن بن محمد، السّخاويّ الأصل- نسبة ل «سخا» بلدة بمصر-، القاهريّ، الشّافعيّ.

و ربّما يقال له: ابن البارد، شهرة لجدّه بين أناس مخصوصين، و لذا لم يشتهر بها أبوه بين الجمهور و لا هو؛ بل يكرهها، كابن عليّة (2)، و ابن الملقّن في الكراهة، و لا يذكره بها إلا من يحقره.

____________

(1) مختصرة من ترجمة المصنف لنفسه في «الضوء اللامع» 8/ 2- 32. و قد أفرد ترجمته بمؤلف خاص سماه: «إرشاد الغاوي بل إسعاد الطالب و الراوي للإعلام بترجمة السخاوي» كما في «التحفة اللطيفة» 3/ 630- و فيه: «إرشاد الغاوي»-، و انظر كتاب «التراجم الذاتية» ضمن كتاب «النظائر» للشيخ بكر أبو زيد صفحة (145). و انظر لترجمة المصنّف أيضا:

- شذرات الذهب 10/ 23.

- الكواكب السائرة 1/ 53.

- تاريخ النّور السّافر عن أخبار القرن العاشر صفحة (18- 23).

- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 2/ 184- 187.

- نظم العقيان في أعيان الأعيان صفحة (152- 153).

- هديّة العارفين في أسماء الكتب و آثار المصنفين 2/ 219- 221.

- فهرس الفهارس و الأثبات 2/ 989- 993.

- الأعلام 6/ 194- 195.

و غيرها ممن تجده في حاشية كتاب «مؤلّفات السخاوي» صفحة (11- 12).

(2) في المطبوع من «الضوء»: «عليبة» و أشار في الحاشية إلى أنه في الأصل: «علية». قلت:

و هو الصواب. و تصحف عند بعض من نقل عنه إلى: «كليبة».

12

مولده و نشأته:

ولد في ربيع الأول سنة إحدى و ثلاثين و ثمان مئة، بحارة بهاء الدّين؛ علو الدّرب المجاور لمدرسة شيخ الإسلام البلقيني، محلّ أبيه و جدّه. ثمّ تحوّل منه حين دخل في الرابعة مع أبويه لملك اشتراه أبوه مجاور لسكن شيخه ابن حجر، ممّا كان له الأثر البالغ في انتفاعه به كما سيأتي.

حفظ كثيرا من المختصرات، و قرأ على ابن خضر، و الجمال ابن هشام الحنبلي، و صالح البلقيني، و الشرف المناوي، و الشّمّني، و ابن الهمام، و ابن حجر، و داوم الملازمة له حتى حمل عنه علما جمّا، و اختصّ به كثيرا؛ حتّى كان من أكثر الآخذين عنه. و أعانه على ذلك قرب منزله منه، فكان لا يفوته ممّا يقرأ عليه إلّا النادر؛ إما لكونه حمله، أو لأنّ غيره أهمّ منه. و ينفرد عن سائر الجماعة بأشياء.

و علم ابن حجر شدّة حرصه على ذلك، فكان يرسل خلفه أحيانا بعض خدمه لمنزله يأمره بالمجي‏ء للقراءة.

و قرأ على شيخه الاصطلاح بتمامه، و سمع عليه جلّ كتبه، و أذن له في الإقراء و الإفادة و التّصنيف، و صلّى به إماما التراويح في بعض ليالي رمضان، و تدرّب به في طريق القوم، و معرفة العالي و النّازل، و الكشف عن التّراجم و المتون، و سائر الاصطلاح، و غير ذلك.

و لم ينفكّ عن ملازمة شيخه و لا عدل عنه بملازمة غيره من علماء الفنون؛ خوفا على فقده، و لا ارتحل إلى الأماكن النائية؛ بل و لا حجّ إلا بعد وفاته، لكنّه حمل عن شيوخ مصر و الواردين إليها كثيرا من دواوين الحديث و أجزائه، بقراءته و قراءة غيره في الأوقات التي لا تعارض أوقاته عليه غالبا.

13

ثناء العلماء عليه:

قال الإمام الشوكانيّ- (رحمه اللّه)- في «البدر الطالع» 2/ 185: «و بالجملة فهو من الأئمة الأكابر».

و قال تلميذه الشيخ جار اللّه بن فهد المكيّ فيما كتبه عقب ترجمة المصنّف لنفسه في «الضوء اللامع» ما نصه:

«إن شيخنا صاحب التّرجمة حقيق بما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة، و لقد- و اللّه العظيم- لم أر في الحفّاظ المتأخرين مثله، و يعلم ذلك كلّ من اطّلع على مؤلفاته، أو شاهده. و هو عارف بفنّه، منصف في تراجمه. و رحم اللّه جدّي حيث قال في ترجمته: إنّه انفرد بفنّه، و طار اسمه في الآفاق به، و كثرت مصنفاته فيه و في غيره، و كثير منها طار شرقا و غربا، شاما و يمنا، و لا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، و لا أكثر تصنيفا و لا أحسن. و كذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ و الطلبة و الرّفاق، و له اليد الطّولى في المعرفة بأسماء الرّجال، و أحوال الرّواة، و الجرح و التعديل، و إليه يشار في ذلك. و لقد قال بعض العلماء: «لم يأت بعد الحافظ الذّهبيّ مثله‏ (1)، سلك هذا المسلك» و بعده مات فنّ الحديث، و أسف النّاس على فقده، و لم يخلف بعده مثله» (2).

و قرّض له شيخه على غير واحد من تصانيفه، و كان من دعواته له قوله:

«و اللّه المسؤول أن يعينه على الوصول إلى الحصول؛ حتى يتعجب السّابق من اللاحق».

و قال الزّين قاسم الحنفي: «و قد كان هذا المصنّف- يعني: السّخاويّ-

____________

(1) و هذا فيه غلو ظاهر، فإن الناظر في كتبه و كتب شيخه يعلم فضل علم شيخه على علمه، هذا فضلا عن الحافظ العراقي؛ و (رحمه اللّه) على الجميع.

(2) البدر الطالع 2/ 185- 186.

14

بالرّتبة المنيفة في حياة حافظ العصر و أستاذ الزّمان، حتى شافهني بأنه أنبه طلبتي الآن.

و قال أيضا: حتى كان ينوّه بذكره، و يعرّف بعلى فخره، و يرجّحه على سائر جماعته المنسوبين إلى الحديث و صناعته؛ كما سمعته منه، و أثبتّه بخطّي قبل عنه.

و قد كان السّخاويّ حريصا على تسجيل ثناء أهل عصره عليه، بحيث جمع في ذلك مؤلّفا مستقلا سمّاه: «من أثنى عليه من العلماء و الأقران» و عقد فصلا طويلا في ترجمته من «الضوء اللامع» لمن أثنى عليه.

ما وقع بين السخاوي و عصريّه الحافظ السيوطي:

وقع بين السّخاويّ و عصريّه السّيوطيّ ما يقع عادة بين الأقران؛ حتّى ألّف كلّ منهما رسائل في الردّ على الآخر (1)، و اللّه يعفو عنهما. و الأصل أن كلام الأقران يطوى و لا يذكر، و لا يقبل قول كلّ واحد منهما في الآخر.

قال الحافظ الذهبي في «الميزان» 1/ 111 في ترجمة أبي نعيم الأصبهاني:

«كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيّما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد؛ ما ينجو منه إلا من عصم اللّه، و ما علمت أنّ عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء، و الصديقين، و لو شئت لسردت من‏

____________

(1) ألّف السّيوطيّ في ذلك رسائل منها: «الكاوي في تاريخ السّخاوي» و «القول المجمل في الردّ على المهمل». و ألّف السخاوي رسائل منها: «انتقاد مدعي الاجتهاد» و «الاعتبار و الموعظة لزاعم رؤية النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في اليقظة». و استمر هذا حتى بعد وفاة السّخاوي، حيث ألّف تلميذه أحمد بن الحسين المكي رسالتين في الردّ على السّيوطي و هما: «الشهاب الهاوي على قلال الكاوي» و «المنتقد اللّوذعي على المجتهد المدعي» و اللّه المستعان. انظر «الضوء اللامع» 4/ 65- 70، و «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» 1/ 177- 178 كلاهما للسخاوي، و «نظم العقيان في أعيان الأعيان» للسيوطي صفحة (152).

15

ذلك كراريس. اللّهمّ، فلا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».

و قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في «الردّ الوافر» صفحة (48- 49):

«.. لكنّ بعض الأعيان تكلّم في بعض الأقران، مثل كلام أبي نعيم في ابن منده، و ابن منده فيه، فلا نتخذ كلامهما في ذلك عمدة، بل و لا نحكيه؛ لأنّ النّاقد إذا بحث عن سبب الكلام في مثل ذلك و انتقد، رآه إما لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد. و قلّ أن يسلم عصر بعد تلك القرون الثلاثة من هذه المهلكات، و من نظر في التاريخ الإسلامي- فضلا عن غيره- حقّق ذلك، و ما وقع منه في الأغلب كان سببه المذهب».

وفاته:

قال تلميذه جار اللّه بن فهد: «و كانت وفاته في مجاورته الأخيرة بالمدينة الشريفة، في عصر يوم الأحد، سادس عشر شعبان، سنة (902) اثنتين و تسع مئة» (1).

مؤلفاته:

شرع المصنّف- (رحمه اللّه)- في التصنيف في وقت مبكّر من حياته، فقد ذكر في «الضوء اللامع» 8/ 15 أنه شرع في التصنيف قبل الخمسين؛ أي: قبل سنة خمسين و ثمان مئة، فكان سنه حينها قريبا من التاسعة عشر، فكان من أكثر أهل عصره تأليفا، و قد عدّد مؤلّفاته في ترجمته في «الضوء اللامع»؛ فبلغت ما يقرب من مئتي عنوان. و قد نقل الكتانيّ في «فهرس الفهارس» 2/ 989 أن مؤلّفاته تنيف على أربع مئة مجلّد، كما ذكر و فصّل في كثير من إجازاته.

____________

(1) البدر الطالع 2/ 186.

16

و للأستاذين: مشهور بن حسن و أحمد شقيرات جهد مشكور في جمع مؤلّفات السّخاوي‏ (1) و حصرها، مع ذكر مواضع ورودها في مصنّفات السخاويّ نفسه، أو في مصادر من ترجم له، و ذكر طبعات الكتاب- إن كان مطبوعا- و ذكر أماكن وجوده في مكتبات العالم- إن كان مخطوطا-؛ مما يرجى لهما معه الأجر و الثّواب، فأكتفى بالإحالة إليه، اختصارا للوقت، و عدم الإطالة.

***

____________

(1) و قد استفدت من عملهما في ذكر من عزا الكتاب إلى مصنفه.

17

الباب الثاني‏

و يتضمن:

- وصف النّسخة المعتمدة في التحقيق.

- إثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه.

- تحقيق اسم الكتاب.

- المآخذ على المصنف.

- تعريف بمصطلحات يكثر ورودها في الكتاب.

- عملي في الكتاب.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

وصف النّسخة المعتمدة في التحقيق:

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسخة وحيدة- فيما أعلم- أصلها في مكتبة تشستربتي برقم (3664/ 1) (1).

و هي بخطّ تلميذ المصنّف أبي بكر بن محمد بن أبي بكر الحيشي، الشافعي. حيث فرغ من نسخها في رابع عشر جمادى الآخرة من سنة ستّ و ثمانين و ثمان مئة، كما صرّح به في خاتمة الكتاب.

و يقع الكتاب في أربعين ورقة، في كل ورقة لوحتان، في كلّ لوحة ما يقرب من خمسة و عشرين سطرا. و قد كتبت بخطّ جيد؛ مشكول شكلا قريبا من التمام، و عليها إلحاقات في الهامش.

و هذه النسخة مقروءة على المؤلّف، كما جاء في خاتمتها بخطّ المصنّف:

«و بعد: فقد قرأ عليّ جميع هذه «البلدانيات» من نسخته هذه للمقابلة بعد أن سمعها من لفظي ..».

إثبات نسبة الكتاب إلى مصنّفه:

الكتاب- بحمد اللّه- ثابت النّسبة إلى مصنّفه و يدلّ على ذلك أمور:

1- ذكر المصنّف له ضمن مؤلّفاته- كما في «الضوء اللامع» 8/ 15- حيث قال: «الأحاديث البلدانيات، في مجلّد، ترجم فيه الأماكن مع ترتيبها على حروف المعجم، مخرّجا في كلّ مكان حديثا، أو شعرا، أو حكاية عن واحد من أهلها أو الواردين عليها، مستفتحة بمن سبقه أيضا لذلك، و إن لم ير من تقدّمه لمجموع ما جمعه فيها أيضا».

2- خطّ المصنّف؛ و ذلك في إجازته في خاتمة «البلدانيات» لتلميذه أبي بكر

____________

(1) و قد أمدّني بها الأخ محمد زياد تكلة وفقه اللّه.

20

الحيشي حيث قال: «و بعد: فقد قرأ علي جميع هذه البلدانيات ..».

3- نسبة الكتاب له و ذلك من قبل العلماء الذين ترجموا له، فقد نسبه له عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس» 2/ 991، و إسماعيل بن محمد البغدادي في «إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون» 3/ 29، و في «هدية العارفين» 2/ 219.

تحقيق اسم الكتاب:

جاءت تسمية الكتاب بخطّ المصنف عند إجازته لتلميذه أبي بكر الحيشي- كما سبق قريبا-: «البلدانيات»، و كذا جاء في السّماعات، و كذا عند الكتاني في «فهرس الفهارس» 2/ 991.

و جاءت تسميته في «الضوء اللامع» 8/ 15، و في «إيضاح المكنون» و «هدية العارفين»: «الأحاديث البلدانيات».

و أثبت ما جاء أولا؛ لأنّه ألصق بمضمون الكتاب، فإنّه ربّما يذكر البلدة التي دخلها و لا يروي و لا يذكر فيها حديثا أصلا، بل يذكر ما وقع له من شعر، أو حكاية، أو غير ذلك. و الأمر في هذا قريب و اللّه أعلم.

المآخذ على المصنّف:

1- إنّ النّاظر في تصانيف السّخاوي- (رحمه اللّه) تعالى- و لا سيّما كتب التراجم ك «الضوء اللامع» و «التحفة اللّطيفة»، و غيرهما يتبيّن له بجلاء تأثّر المصنّف- (رحمه اللّه) تعالى- بما كان سائدا في ذلك العصر؛ من تعظيم للمشاهد و المزارات، و بناء للقباب عليها، و الثناء على من قصدها بالنذور و القربات و غير ذلك، مما هو مصادم في حقيقته لأصل دعوة التوحيد التي تتابع عليها الأنبياء من لدن آدم حتى خاتمهم محمد عليهم أفضل الصّلاة و السلام.

و نتيجة لهذا التأثّر نجد المصنّف- (رحمه اللّه)- يورد في تصانيفه بعض‏

21

العبارات؛ التي فيها من النّذر لغير اللّه، و التبرك بالقبور و المزارات، و الثناء على من فعل ذلك ثم هو لا يتعقبها بشي‏ء؛ بل إنّه- عفا اللّه عنه- ربّما يذكر ذلك عن نفسه (!).

فتأمل قوله‏ (1): «و قبره بها ظاهر يزار، و يتبرّك به، و يقصد بالنذور و القربات، و قد زرته، و رجوت حصول القبول، و بلوغ المأمول- إن شاء اللّه تعالى-».

و تأمّل قوله‏ (2): «و قبره مقصود للتبرّك و الزيارة، و تحمل إليه النذور من الأقطار النائية!».

و قوله‏ (3): «و قبره بها ظاهر يزار؛ بل يحيون عنده اللّيلة المذكورة من كلّ سنة».

إلى غير ذلك‏ (4).

و قد وقفت على كلام للشّيخ حامد الفقي يصوّر فيه طبيعة العصر الذي كان يعيش فيه السّخاوي- (رحمه اللّه)- في مقدمة تحقيقه ل «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» للسّخاوي.

قال- (رحمه اللّه)- (5): «و من يقرأ مؤلّفات السّخاوي يرى فيه صورة العصر الذي عاش فيه، فيعرف أنّه كان عصر تقليد عميق و جمود عنيف على الموروث عن الآباء و الشيوخ».

____________

(1) انظر صفحة (124) من كتابنا هذا مع التعليق عليه.

(2) انظر صفحة (177) من كتابنا هذا.

(3) انظر صفحة (185) من كتابنا هذا.

(4) و هذا من غير تتبّع منّي؛ إنّما هو بعض ما جاء في كتابه «البلدانيات»، و لعلّ هذا يكون نواة لدراسة شاملة- أساسها الاستقراء- حول الحافظ السخاوي و منهجه في التوحيد و العقيدة عموما.

(5) صفحة (12) منه.

22

«و لذلك؛ فلم يكن من المستغرب أن تروج عندهم و ثنيات الموالد و الأعياد؛ التي أوحاها شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس- في الجاهلية الأولى و الثانية- لعبادة الموتى من دون اللّه باسم الإسلام، و لا من العجب أن تعظّم و تقدّس في نفوسهم القباب، و المقاصير، و المشاهد و مشيّدوها؛ فيثنى عليهم أطيب الثناء، فكان من ثمرات ذلك- و لابدّ-: أن تموت عقيدة التّوحيد الإسلامية من القلوب، فتموت القلوب بموتها، و أن تشيع الخرافات، و تتحكّم البدع المحدثات ..» إلى آخر كلامه.

2- ظهر لي من خلال عملي في هذا الكتاب أنّ المصنّف- (رحمه اللّه)- ربّما تسمّح في تقوية بعض الأحاديث بتعدّد طرقها، مع أنّ هذه الطرق- عند التحقيق- لا تصلح للتقوية، إما لنكارتها، أو شدة ضعفها.

فقد حسّن حديث: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح، من ركبها نجا، و من تخلّف عنها هلك، و مثل باب حطّة في بني إسرائيل».

و الحديث مرويّ عن أربعة من الصحابة (1):

1- أبي ذر- رضي اللّه عنه- و له عنه ثلاثة طرق:

الأولى: مدارها على عبد اللّه بن داهر؛ و هو متروك.

الثانية: مدارها على مفضّل بن صالح؛ و هو واه، ضعّفه غير واحد من الأئمة.

الثالثة: مدارها على الحسن بن أبي جعفر؛ و هو متروك- كما قال المصنف-، و قد اختلف عليه أيضا.

2- ابن عباس- رضي اللّه عنهما- و مدارها على الحسن بن أبي جعفر نفسه.

3- أبي سعيد الخدري- رضي اللّه عنه- و مدارها على جماعة غير معروفين.

____________

(1) انظر تفصيل ذلك في صفحة (186) من كتابنا هذا.

23

و فيه أيضا عطيّة العوفي، و حاله في الضعف و التدليس معروفة.

4- ابن الزبير- رضي اللّه عنهما- و مدارها على ابن لهيعة، و هو ضعيف الحديث، و قد تفرد به؛ و لا يبعد أن يكون قد أخطأ فيه.

و قد ضعّف الحديث الشيخ الألباني- (رحمه اللّه)- في «ضعيف الجامع» (5247)، و كذا شيخنا سعد الحميد- حفظه اللّه- في تحقيقه ل ... «مختصر استدراك الذهبي على الحاكم» لابن الملقن 3/ 1559. و اللّه أعلم.

* و حسّن حديث: «إذا صلّت المرأة خمسها، و صامت شهرها ..» الحديث.

و مدار الحديث على ابن لهيعة، و قد اضطرب فيه على ثلاثة أوجه‏ (1):

الأول: ابن لهيعة، عن عبيد اللّه بن أبي جعفر، عن ابن قارظ، عن عبد الرحمن بن عوف.

الثاني: ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن قارظ، عن عبد الرحمن بن حسنة.

الثالث: ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة.

و هذا الاختلاف لو كان على ثقة لتوقف الأئمّة في قبوله، فكيف و مداره على ابن لهيعة- و حاله في الضعف معروفة-. و الأئمة إنما يقبلون مثل هذا الاختلاف بشرطين:

1- أن تكون الطرق إلى المختلف عنه صحيحة كلّها.

2- أن يكون المختلف عليه واسع الرواية، كثير الشيوخ؛ كشعبة و الزهريّ و أمثالهما (2).

____________

(1) انظر تفصيل ذلك في صفحة (161) من كتابنا هذا.

(2) هذا على وجه العموم؛ و إلا فهم قد يرجحون في بعض الأحاديث طريقا معينا و لو تحقق هذان‏

24

و ذكر له شاهدين:

الشاهد الأول: مداره على عبد الملك بن عمير، و قد اضطرب فيه- كما قال الدار قطني- على أربعة أوجه:

الأول: أبو حمزة السّكري، عنه، عن رجل لم يسمّ، عن عبد الرحمن بن عوف.

الثاني: شيبان و هدبة بن المنهال، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

الثالث: أبو عوانة، عنه، عن أبي سلمة، عن عبد اللّه بن الزبير.

الرابع: عبد الحكيم بن منصور، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي الهيثم بن التيهان.

و عبد الملك قد تفرد به- كما قال ابن حبان و الطبراني- و تفرده به عن أبي سلمة- و هو ابن عبد الرحمن بن عوف- و هو من هو في ثقته و إمامته و وفور أصحابه، مما يدلّ على خطئه فيه، و اللّه أعلم.

و الشاهد الثاني: رواه البزار من طريق روّاد بن الجرّاح، عن الثوري به. و قد بيّن ابن معين- (رحمه اللّه)- أن روّادا أخطأ فيه على الثوري.

* و حسّن حديث أبي العشراء الدارمي عن أبيه مرفوعا: «لو طعنت في فخدها لأجزأ عنك» (1).

و قد قال البخاري: «في حديث أبي العشراء و اسمه و سماعه من أبيه نظر».

و جهّل أبا العشراء ابن سعد. و قال الذهبيّ: «لا يدرى من هو و لا من أبوه».

____________

- الشرطان لقرائن تقوم عندهم، انظر مثالا لذلك في «العلل» لابن أبي حاتم رقم (61). و كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «و لكل حديث ذوق، و يختص بنظر ليس للآخر» مجموع الفتاوى 18/ 47.

(1) انظر تفصيل ذلك في صفحة (95) من كتابنا هذا.

25

* و حسّن حديث: «أيّها النّاس إنّ للّه سرايا من الملائكة تقف و تحلّ على مجالس الذّكر ..» في حديث طويل‏ (1).

و مداره على عمر بن عبد اللّه مولى غفرة و هو ضعيف كما في «التقريب» و له شواهد من حديث أنس، و أبي هريرة، و ابن عمر، و كلّها ضعيفة، و ليس فيها موضع الشاهد.

تعريف بمصطلحات يكثر ورودها في الكتاب:

شاع عند المتأخرين من الحفّاظ عند إملائهم للحديث العناية بالموافقة، و البدل، و المساواة، و المصافحة. و رأيت من الفائدة تعريف القارى‏ء الكريم بمعاني هذه الأشياء، حتى يكون على معرفة بها إذا ما مرّت به في الكتاب.

قال الحافظ ابن حجر- (رحمه اللّه)- (2):

الموافقة: و هي الوصول إلى شيخ أحد المصنّفين من غير طريقه.

مثاله: روى البخاري، عن قتيبة، عن مالك حديثا.

فلو رويناه من طريقه؛ كان بيننا و بين قتيبة ثمانية، و لو روينا ذلك الحديث بعينه من طريق أبي العباس السّرّاج، عن قتيبة- مثلا- لكان بيننا و بين قتيبة سبعة. فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه مع علوّ الإسناد على الإسناد إليه.

و البدل: و هو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك.

كأن يقع لنا ذلك الإسناد بعينه من طريق أخرى إلى القعنبي، عن مالك.

فيكون القعنبي بدلا فيه من قتيبة.

____________

(1) انظر تفصيل ذلك في صفحة (143) من كتابنا هذا.

(2) نزهة النظر صفحة (156) فما بعدها. و انظر «تدريب الراوي» 2/ 611، و «فتح الباقي» صفحة (483)، و «فتح المغيث» 3/ 46 فما بعدها، و «الباعث الحثيث» 2/ 449.

26

و أكثر ما يعتبرون الموافقة و البدل إذا قارنا العلوّ؛ و إلا فاسم الموافقة و البدل واقع بدونه.

و المساواة: و هي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنّفين.

كأن يروي النسائيّ مثلا حديثا يقع بينه و بين النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فيه أحد عشر نفسا، فنساوي النسائيّ من حيث العدد؛ مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد الخاص.

و المصافحة: و هي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف.

و سمّيت مصافحة؛ لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا، و نحن في هذه الصورة كأنّا لقينا النسائي؛ فكأنّا صافحناه.

عملي في الكتاب:

1- نسخ المخطوط، ثمّ مقابلته على الأصل خشية وقوع سقط أو تصحيف.

2- تقسيم النّصّ إلى فقرات؛ بحيث تسهل قراءته، مع ضبط ما يشكل من أسماء الرّواة و الأماكن و غيرهما.

3- عزو الأقوال و الأشعار (1). و الحكايات إلى قائليها.

4- عزو الأحاديث التي رواها المصنف بسنده، مع ذكر من أخرجه المصنف من طريقه- إن أمكن-. و تخريج الأحاديث التي ذكرها في أثناء الكتاب بلا سند، مع نقل أحكام الأئمّة من المتقدمين و المتأخرين على الحديث- إن وجدت-. و إن خالفت المصنّف في حكمه على الحديث ذكرت حجّتي ليكون أدعى لقبول العذر.

____________

(1) و قد ساهم الأخ أيمن ذو الغنى بضبط ما أشكل من أبيات الشعر؛ فجزاه اللّه خيرا.

27

5- تصدير الكتاب بمقدمة تحتوي على:

- ترجمة مختصرة للمصنّف.

- وصف النسخة المعتمدة في التحقيق.

- إثبات نسبة الكتاب إلى مصنّفه.

- تحقيق اسم الكتاب.

- المآخذ على المصنّف.

- تعريف بمصطلحات يكثر ورودها في الكتاب.

6- صنع فهارس للكتاب.

***

28

صورة عن الورقة الأولى من النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق‏

29

صورة عن الورقة قبل الأخيرة و يظهر فيها انتهاء البلدانيات‏

30

صورة عن الورقة الأخيرة و يظهر فيها خطّ السخاوي، و بعض السماعات‏

31

[مقدمة المولف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلّم تسليما.

أما بعد حمد اللّه الذي أظهر السّنن النبوية، و أسهر فيها الأعين السّوية، في سائر الأحوال، فأعمل الفكر في تحصيلها الفحول من الرجال، و أقبل على النظر في تأصيلها؛ جملتها و تفصيلها، أهل العقول؛ الجهابذة الأبطال، فسعوا بأتمّ اجتهاد في التّوصّل إليها بالإسناد المتمكّن الاتصال، و وعوا ما شذّ عنها بالانفراج؛ أو أدرج معها بسند ظاهره الاعتماد مع اعتلال، فميّزوه بحسن الانتقاد و أوضحوه بما بيّن به المراد بأحسن مقال، و تتّبعوا الطّرق الفائقة، لينتفعوا بها في معانيها الرائقة، و يظهر من فوائدها ما لا ينحصر في مثال، و رغبوا في العلوّ الذي يقرّبهم إلى الرّسول، و يفيدهم قلّة ظنّ تطرّق الخطأ و الغفلة في وسائط تلك النقول، و القرب من الاعتدال، و رأوا أن مجموع ذلك لا يتمّ إلا بلقاء الرجال، و الارتقاء إلى النّواحي القاصية؛ فما دونها من المدن الكبار، و القرى و المحال، فارتحلوا و ما كسلوا، و ساروا بعد أن استخاروا، و أبعدوا المحال، و حلّوا في تلك الزّوايا، ففازوا بالخبايا، ثمّ انتصبوا لمّا ظفروا بما فيه رغبوا؛ لإبراز ما في تحصيله تعبوا في الحال و الاستقبال.

و الصلاة و السّلام على سيّد المرسلين، و على آله و صحبه و تابعيهم إلى يوم الدّين؛ فهم خير صحب و آل.

فلما كنت لمحبتي في هؤلاء القوم، و رغبتي في أرباحهم المرجوّ حصولها بالسّوم، أتشبّه بهم، و أتنبّه لهديهم و ترتيبهم؛ في التعديل و التجريح، و التعليل و التصحيح، و تتبّع الطّرق بإمعان، و التوسّع فيه إلى غير المظانّ، مراعيا

32

قوانينهم المحرّرة، واعيا من أستاذي‏ (1) فمن يليه اصطلاحهم؛ مع ملاحظة دواوينهم المعتبرة، و لم آل جهدا في الاقتحام؛ في تيّار بحار هذا الشأن و الازدحام؛ في المتابعة بحسن الاعتبار، لذوي الإتقان رجاء لاستمرار؛ قائم به في الجملة و اعتناء بإكثار، من أهله عند التحقيق في غاية من القلّة؛ بل القول الأنسب؛ أنّهم إلى العدم أقرب:

و قد كنّا نعدّهم قليلا* * * فقد صاروا أقلّ من القليل‏

و ما ذاك إلّا لأنه لا يدرك بالهوينى، و لا يسلك ممّن أشرك غيره معه يقينا؛ إذ هو بيقين، كما قال بعض الحفاظ المحققين‏ (2): لا يعلق إلّا بمن قصر نفسه عليه، و لم يضمّ غيره من العلوم إليه. و نحوه تعليل شيخنا تفضيل شيخه العراقي- (رحمهما اللّه)- له على ولده المرحوم الوليّ، بأكثريّة ممارسته لهذا العلم بالنسبة لغيره من فنون العلم المعتلي‏ (3). و قول إمامنا الشافعيّ مخاطبا لبعض أصحابه السّادات: أتريد الجمع بين الفقه و الحديث؟ هيهات!

و رأيت‏ (4) جماعة من المحدثين، و الحفاظ المعتمدين، ممّن رحل فاتصل، و على قصده الشريف فيها حصل، قد خرّج الأحاديث العليّات؛ البلدانيات، و هي عن شيوخ جملة، سمع المخرّج من كلّ واحد منهم ببلد أو محلّة، لا يكرّر فيها شيخا و لا مكانا، و لا يقصّر في إيضاحها تبيينا و بيانا، فكان أوّل من علمته ابتكر هذا الصّنيع، و أظهر هذا القصد البديع؛ عتيق بن علي بن داود السّمنطاري‏ (5)، تلميذ أبي نعيم الأصبهاني.

____________

(1) يعني: شيخه الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه) على الجميع.

(2) هو الحافظ الخطيب البغدادي كما صرح بذلك المصنف في «الضوء اللامع» 8/ 5.

(3) انظر «الجواهر و الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» للمؤلف 1/ 272.

(4) ذكر المؤلّف- (رحمه اللّه)- هذا الفصل- و هو الاعتناء بالبلدانيات- في كتابه الماتع «الجواهر و الدّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» 1/ 195- 197.

(5) الزاهد، الصالح، العابد، أحد عبّاد الجزيرة المجتهدين، و زهادها العالمين، ممن رفض الأولى و لم يتعلق منها بسبب، و طلب الأخرى و بالغ في الطلب، أكثر الترحال و التطواف،-

33

ثمّ الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السّلفي‏ (1)، فخرّج «الأربعين البلدانيات» و اتصلت بنا بالأسانيد البينات، و قال‏ (2): إنه نوع لم يسبقه مؤلّف- فيما يظنّ- إلى مثله، مع تشوّقه‏ (3) إليه و ميله؛ إذ لا يقدر عليه كلّ أحد إلّا من عرف بالرحلة (4) الوافرة، و الرحلة المتوافرة، من بلد إلى بلد في عنفوان شبابه، و ابتداء طلبه للحديث و انتصابه، نائيا كان المقصد أو قريبا، و لم يبال بموته غريبا، و لا بأهله و آله، و ما قد خلّفه من ماله.

و تبعه في التأليف- و إن تقدّمت وفاته عنه بيسير- الحافظ الكبير، أبو القاسم، عليّ بن الحسين بن هبة اللّه بن عساكر (5) في «الأربعين» التي سمعتها و قرأتها.

____________

- سافر إلى الحجاز، و اليمن، و الشام، و فارس، و خراسان، و غيرها.

قال ياقوت الحموي: «و له في دخول البلدان، و لقياه العلماء كتاب بناه على حروف المعجم؛ في غاية الفصاحة». توفي سنة (464).

انظر ترجمته في «معجم البلدان» 3/ 253- 254، و «تاريخ الإسلام» للذهبي و فيات سنة (461- 479) صفحة (153).

(1) الإمام، الحافظ، المحدّث. بقي في الرحلة ثمانية عشر عاما يكتب الحديث، و الفقه، و الأدب، و الشعر. له «السفينة الأصبهانية»، و «السفينة البغدادية»، و «مقدمة معالم السنن» و غيرها، توفي سنة (576).

انظر ترجمته في «السير» 21/ 5.

(2) في «الأربعين البلدانية» صفحة (32)/ تحقيق: عبد اللّه رابح، و صفحة (28)/ تحقيق (!) مسعد السعدني. و هذه الأخيرة سقيمة للغاية، مليئة بالتصحيفات و التحريفات، و قد تصحّفت فيها عبارة السّلفي تصحيفا قبيحا، و سقط منها الحديث الأول- بعد المقدمة- و هو طريق معاذ- رضي اللّه عنه- لحديث: «من حفظ على أمتي أربعين حديثا ..» فاللّه المستعان.

(3) كذا في الأصل: «بالقاف» و في «الأربعين» تحقيق: رابح: «تشوفه» بالفاء. و تحرفت في نشرة السعدني إلى «تشرفه».

(4) كذا في الأصل بالحاء المهملة. و في «الأربعين» الرّجلة. «بالجيم» و في «القاموس»:

الرّجلة: القوة على المشي.

(5) الإمام، العلامة، الحافظ، محدّث الشام، صاحب «تاريخ دمشق» توفي سنة (571). و كتابه مطبوع متداول.

انظر ترجمته في «السير» 20/ 554.

34

ثمّ الحافظ، أبو يعقوب، يوسف بن أحمد بن إبراهيم الشيرازيّ‏ (1)، ثم البغداذي. جمع أيضا «الأربعين البلدانيات» و قال الذهبي‏ (2): إنّه أجاد في تصنيفها.

ثمّ القاضي، أبو البركات، محمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي الأنصاريّ، الموصليّ، الشافعيّ‏ (3)، جمعها كذلك.

ثمّ الشيخ، أبو عبد اللّه، محمد بن إسماعيل بن علي أبي الصّيف اليماني‏ (4)، الفقيه، الشافعي، نزيل مكة؛ فإنه خرّج أربعين حديثا عن أربعين شيخا من أهل أربعين مدينة؛ لكن ممّن سمع منهم بمكة خاصة، فليس هو من شرطنا، و إنما أثبتّه دفعا لتوهّم كان وقع لي.

____________

(1) الشيخ، الإمام، المحدّث. كان ذا رحلة واسعة، و معرفة جيدة، و صدق و إتقان. توفي سنة (585).

انظر ترجمته في «السير» 21/ 239.

(2) و زاد: و هو في مجلد. انظر «السير» 21/ 241.

(3) ولاه نور الدين حماة، ثم ذهب إلى مصر فتولى قضاء أسيوط ما يزيد على عشرين سنة. له كتاب «عيون الأخبار و غرر الحكايات و الأشعار» قال المنذري: وقع فيه مواضع وهمها ظاهر جدا. توفي سنة (600).

انظر ترجمته في «التكملة لوفيات النقلة» للمنذري 2/ 15- 16، و «تاريخ الإسلام» للذهبي و فيات سنة (591- 600) صفحة (477)، و «طبقات الشافعية» لابن كثير 2/ 756، و «طبقات الشافعية» للإسنوي 2/ 443، و «الوافي بالوفيات» للصفدي 4/ 171، و «معجم المؤلفين» لكحالة 3/ 545 رقم (14913).

(4) فقيه الحرم الشريف، تفقه على مذهب الإمام الشافعي، و كان على طريقة حسنة، و سيرة جميلة و خير. أرّخ المنذري وفاته سنة (607)، و ذكره أيضا فيمن توفي سنة (619)، و تبعه الذهبي في «تاريخ الإسلام» على ذلك. قال تقي الدين الفاسي في «العقد الثمين» 1/ 416:

و هذا عجيب منه، و أعجب من ذلك ما ذكره الإسنائي من أنه توفي سنة سبع عشرة، و الصواب: أنه توفي سنة تسع و ست مئة كما ذكره غير واحد؛ منهم: الميورقي، و الجندي في «تاريخ اليمن».

انظر ترجمته في «التكملة» للمنذري 2/ 264، و «تاريخ الإسلام» للذهبي و فيات سنة (601- 610) صفحة (343) مع الحاشية.

35

و ممّن كان في هذا الوقت، و طوّف الأقاليم بحيث قال ابن خلّكان‏

أوراق كديته في بيت كلّ فتى‏* * * على اتفاق معان و اختلاف روي‏

قد طبّق الأرض من سهل إلى جبل‏* * * كأنّه خطّ ذاك السّائح الهروي‏

(1): «إنّه كاد يطبّق الأرض بالدّوران، و لم يترك برا، و لا بحرا، و لا سهلا، و لا جبلا؛ مما تمكن رؤيته إلا رآه، و كتب خطّه في حائط ذلك الموضع»- الشّيخ، تقي الدين، علي بن أبي بكر الهروي الزاهد، مصنف المزارات و المشاهد، التي عاينها في الدنيا، و أظنّ ذلك سبب دورانه؛ فإنني لم أر له تخريجا في البلدانيات.

ثمّ الحافظ، أبو محمد، عبد القادر بن عبد اللّه الرّهاويّ‏ (2)، الحنبلي، عمل «الأربعين المتباينة الإسناد و البلدان» و اختصّ بسبقه بجمعها في كتاب واحد.

و لذا قال الذهبي‏ (3): إنّه شي‏ء لم يسبق إليه، و لا يرجى بعده. و هو كتاب كبير في مجلّد ضخم، من نظر فيه علم سعته في الحديث و الحفظ؛ لكنه- كما نبّه عليه المزي- تكرّر عليه ذكر أبي إسحاق السّبيعي و سعيد بن محمد البحيري.

و قد وقع لي بعضها بالسّماع المتصل.

____________

(1) في «و فيات الأعيان» 3/ 346.

قال ابن خلكان: و لما سار ذكره بذلك، و اشتهر به، ضرب به المثل فيه. و رأيت لبعض المعاصرين- و هو ابن شمس الخلافة جعفر- بيتين في شخص يستجدي من الناس بأوراقه، و قد ذكر فيهما هذه الحالة و هما:

أوراق كديته في بيت كلّ فتى‏* * * على اتفاق معان و اختلاف روي‏

قد طبّق الأرض من سهل إلى جبل‏* * * كأنّه خطّ ذاك السّائح الهروي‏

و إنما ذكرت البيتين استشهادا بهما على ما ذكرته من كثرة زياراته، و كتب خطه ا ه.

(2) الإمام، المحدث، الرحال، الجوال. كان كثير السماع، كثير التصنيف، و كان به عسر في الرواية. توفي سنة (612).

انظر ترجمته في «السير» 22/ 71.

(3) في «تاريخ الإسلام» و فيات سنة (611- 620) صفحة (105).

36

ثمّ أبو الحسن، علي بن أحمد (1) بن يحيى الأزدي، الجياني، أحد شيوخ ابن مسدي؛ فإنّه دخل العراق و غيره، و ألزم نفسه الأذان بمنار كلّ بلد دخله، و رواية حديث أو حديثين عمن يلقاه، فاجتمع له أربعون حديثا عن أربعين شيخا من أربعين بلدا.

ثم الحافظ، الصّدر، أبو علي، الحسن بن محمد بن أبي الفتوح محمد بن محمد بن عمرو (2) البكري‏ (3)، النيسابوري، عمل أيضا «أربعي البلدان» و قد قرأتها بسندين أعلاهما عن أصحاب ابن الحافظ مغلطاي الحنفي، عن أبي الحسن الواني سماعا، أنا بها الصّدر فذكرها.

ثمّ الوجيه، أبو المظفّر، منصور بن سليم السّكندري‏ (4)، الشافعي‏ (5)، خرّج أربعين حديثا من أربعين موضعا؛ بعضها بلدان، و بعضها قرى و محالّ.

ثمّ الشمس، أبو عبد اللّه، محمد بن محمد بن الحسين بن عبدك الكنجيّ‏ (6)،

____________

(1) في «الجواهر و الدرر» للمصنف 1/ 196: «علي بن محمد» و لم أقف عليه.

(2) كذا في «الأصل» و في «السير» عمروك.

(3) كان يقول: اجتمع لي في رحلتي و أسفاري ما يزيد على مئة و ستين بلدا و قرية، أفردت لها معجما فسألني بعض الطلبة أربعين حديثا للبلدان؛ فجمعتها في أربعين من المدن الكبار، عن أربعين صحابيا، لأربعين تابعيا.

قال الذهبي: ما هو بالبارع في الحفظ، و لا هو بالمتقن.

انظر ترجمته في «السير» 23/ 326.

(4) الإمام، الفقيه، الحافظ، المحدّث. سمع الكثير من أصحاب السّلفي، و رحل إلى الشام و العراق. عني بفنون الحديث و الرجال و التاريخ و الفقه. درّس بالإسكندرية، و جمع «المعجم» لنفسه.

قال الذهبي: كان ديّنا، خيّرا، حميد الطريقة، كثير المروءة، محسنا إلى الرّحالة، لين الجانب. توفي سنة (673).

انظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» للذهبي و فيات (671- 680) صفحة (141) مع التعليق عليه.

(5) في «الجواهر و الدرر» للمصنف 1/ 196: المالكي.

(6) كذا في «الأصل»: الكنجي بنون ثم جيم، و كذا هو في النسخ الخطية من «الجواهر و الدرر»،-

37

الصوفيّ‏ (1)، خرّج أيضا «الأربعين البلدانيات».

ثمّ الحافظ، الجمال، أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد اللّه الظاهريّ‏ (2)، الحنفيّ كذلك.

ثمّ الحافظ الشّرف، أبو أحمد، عبد المؤمن بن خلف الدّمياطيّ‏ (3)، خرّج كلّا من «البلدانيات» و «المتباينات».

ثمّ الحافظ، القطب، أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور، الحلبيّ،

____________

- و كذا في «تذكرة الحفاظ» 4/ 1492، و كذا جاء بخط الكنجي نفسه فيما نقله الزركلي في «الأعلام» 7/ 31.

و تصحفت في المطبوع من «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (200) و «معجم الشيوخ» 2/ 267 كلاهما للذهبي بتحقيق الدكتور محمد الحبيب الهيلة إلى «الكيخي» بياء ثم خاء معجمة. و تبعه على ذلك محقق «الجواهر و الدرر»؛ فاقتضى التنبيه، و اللّه أعلم.

(1) قال الذهبي: «خرّج لنفسه معجما فيه أوهام، و أربعين بلدانية يكرر من شيوخه». توفي سنة (684).

انظر ترجمته في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (200) و «معجم الشيوخ» 2/ 267 كلاهما للذهبي.

(2) قال الذهبي: كان ثقة، خيّرا، حافظا، سهل العبارة، مليح الانتخاب، خبيرا بالموافقات و المصافحات، لا يلحق في جودة الانتقاء.

و قال أيضا: «كان أحد من عني بهذا الشأن، و كتب عن سبع مئة شيخ، و ما زال في طلب الحديث و إفادته و تخريجه إلى آخر أيامه». ا ه و قد خرج العديد من المشيخات من أشهرها:

«مشيخة ابن البخاري» و هو مطبوع متداول. توفي سنة (696).

انظر ترجمته في «العبر» 3/ 386، و «تذكرة الحفاظ» 4/ 1479، و «شذرات الذهب» 7/ 759.

(3) الإمام، المحدث، العلم. قال المزي: «ما رأيت أحفظ منه». و قال الذهبي: «كان صادقا، حافظا، متقنا، جيّد العربية، غزير اللغة، واسع الفقه، رأسا في علم النسب، ديّنا، كيسا، متواضعا، بسّاما، محببا إلى الطلبة، مليح الصورة، نقي الشيبة، كبير القدر».

انظر ترجمته في «تذكرة الحفاظ» 4/ 1477، و «معجم الشيوخ» 1/ 424، و «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (95) ثلاثتها للذهبي. و «الدرر الكامنة» 2/ 417، و «الأعلام» 4/ 169.-

38

الحنفيّ‏ (1)، خرّجها أيضا.

ثمّ الحافظ، العلم، أبو محمد القاسم بن البهاء محمد بن يوسف البرزالي‏ (2).

ثمّ الحافظ، الشمس، أبو عبد اللّه، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي‏ (3).

رأيت بخطّه قائمة ذكر فيها البلاد التي سمع فيها، و أورد في كلّ بلد شيخا، وعدتها: أربعة و أربعون. و كان خرّج منها قبل ذلك ثلاثين؛ بل و التقط من «المعجم الصغير» للطبراني أربعين بلدانية.

____________

(1) الإمام، الحافظ، المحدّث، المصنف. قال الذهبي: جمع، و خرّج، و ألّف تواليف متقنة؛ مع التواضع، و الدين، و السكينة، و ملازمة العلم، و المطالعة، و معرفة الرجال، و نقد الحديث.

انظر ترجمته في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (150)، و «معجم الشيوخ» 1/ 412، و «العبر» 4/ 101، و «تذكرة الحفاظ» 4/ 1502 كلها للذهبي، و «الدرر الكامنة» 2/ 398، و «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» 2/ 454.

(2) الإمام، الحافظ، المتقن، مؤرّخ الشام. كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «نقل البرزالي نقش في حجر».

قال الذهبي: «و هو الذي حبّب إليّ طلب الحديث؛ فإنه رأى خطي فقال: خطّك يشبه خطّ المحدثين. فأثّر قوله فيّ، و سمعت منه، و تخرجت به في أشياء». توفي سنة (739).

انظر ترجمته في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (77)، و «معجم الشيوخ» 2/ 115، و «الدرر الكامنة» 3/ 237، و «الأعلام» 5/ 182.

(3) الإمام، الحافظ، الناقد، مؤرخ الإسلام، و شيخ الجرح و التعديل. قال السبكي فيه: كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد؛ فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها.

و ترجم لنفسه في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (97) و مما قال: «و جمع تواليف- يقال مفيدة- و الجماعة يتفضلون و يثنون عليه، و هو أخبر بنفسه و بنقصه في العلم و العمل، و اللّه المستعان، و لا قوة إلا به، و إذا سلم لي إيماني فيا فوزي». و مناقبه و فضائله كثيرة.

توفي سنة (748).

انظر ترجمته في «الدرر الكامنة» 3/ 338، و تقدمة الدكتور بشار عواد ل «سير أعلام النبلاء».

39

ثم الشمس، أبو عبد اللّه، محمد بن جابر الوادياشي‏ (1)، المالكي، و هي أربعون. و ممن كتبها البرازلي عنه، و الشرف أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن إبراهيم بن محمد الواني‏ (2)، الحنفي، خرّج «الأربعين البلدانيات».

و أبو العباس، أحمد بن سعيد بن عمر السّيواسي‏ (3)، خرّج كلا من «المتباينات» و «البلدانيات».

ثم التقي، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عرّام السّكندري‏ (4)، سبط الشيخ أبي الحسن الشاذلي، و عزّ عليه قول الحافظ الذهبي في تقريظه: مشيخة وجيهيّة التي خرّجها، فلو أضاف إلى ذلك ارتحالا، و مجالسة، و لقاء، و مذاكرة، و اعتناء، و تحصيل العوالي، و مشافهة الحفاظ؛ لرجوت له أن يصير أوّل من‏

____________

(1) الإمام، الحافظ، الرّحال، إمام المحدثين في تونس، كان حسن المشاركة، عارفا بالنحو، و اللغة، و الحديث، و القراءة. رحل إلى المشرق مرتين، ثم رحل إلى المغرب، و رجع إلى بلاده تونس و مات بها سنة (749) في الطاعون العام الذي وقع بها و بعدّة بلدان غيرها.

انظر ترجمته في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (226)، و «الدرر الكامنة» 3/ 413، و «الأعلام» 6/ 68.

(2) الإمام، الفقيه، المحدّث. قال الذهبي: «هو فصيح الأداء، جيد الذهن، خائف من اللّه، أخذ عني، ثم أفتى و درّس». توفي سنة (749).

انظر ترجمته في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (123)، و «الدرر الكامنة» 2/ 388، و «لحظ الألحاظ» لابن فهد المكي (127).

(3) المقرى‏ء، المحدث، سمع من الجزري و المزي و غيرهما.

قال الذهبي: «قرأ القرآن، و عني بالرواية». توفي سنة (749) في الطاعون العام.

انظر ترجمته في «المعجم المختص بالمحدثين» صفحة (19)، و «الدرر الكامنة» 1/ 136.

(4) الإمام، المحدّث، الفقيه، المفتي. قال الحافظ: «حدّث، و أفتى، و درس، و صنف، و خرج، و تفرد بأشياء من مسموعاته». توفي سنة (777).

انظر ترجمته في «الدرر الكامنة» 3/ 463، و «الذيل على العبر» لأبي زرعة العراقي 2/ 420، و «شذرات الذهب» 8/ 436.

40

تثنى عليه الخناصر، و أن ينوّه بذكره في المحافل و المحاضر، و بكلّ حال فالخمول مطلوب، و الإخلاص محبوب.

فقال المقرّظ له في كلام طويل: قد ارتحلت لمكة، و المدينة، و إسكندرية، و مصر، و القاهرة، و ثغر أسوان، و قوص، و أخميم، و أسيوط، و منفلوط، و فوّة، و رشيد، و الجيزية، و دمنهور، و البحيرة، و تروجة، و غيرهن، و زدت على أربعين بلدة، و خرّجت لنفسي «الأربعين البلدانيات» و حدثت بها.

ثمّ الحافظ، الزين، أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين العراقي‏ (1)، وعدتها خمسة و ثلاثون، و سمعت تلميذه شيخنا يقول: إنه كان عزم على إخراج بعض الشيوخ المزاحمين للقرن التاسع؛ ممن أخذ عنهم شيخنا لبعض القرى و السّماع منه، قصدا لتكميلها أربعين؛ فما قدّر.

ثمّ شيخنا، و كاشف معضلاتنا، الأستاذ، الناقد، الحجة، الشهاب، أبو الفضل، أحمد بن علي بن حجر (2).

____________

(1) الإمام، الحافظ، المتقن. اشتغل بالعلوم، و أحبّ الحديث و لازمه، و أكب عليه؛ حتى غلب عليه، و توغل فيه بحيث صار لا يعرف إلا به. و كان قد لهج بتخريج أحاديث «إحياء علوم الدين» و له من العمر نحو العشرين، و خرجه تخريجا كبيرا و متوسطا و صغيرا، و الصغير هو المسمى: «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» أما التخريج الكبير فقد مات عن أكثره و هو مسودة كما قال الحافظ ابن حجر في «النكت» 2/ 727، توفي سنة (806).

انظر ترجمته في «الضوء اللامع» 4/ 171.

(2) الإمام، الحجة، خاتمة الحفاظ، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب المؤلفات النافعة؛ و من أنفعها «فتح الباري شرح صحيح البخاري».

قال تلميذه السخاوي: «و قد سمعته يقول: لست راضيا عن شي‏ء من تصانيفي؛ لأني عملتها في ابتداء الأمر ثم لم يتهيأ لي من يحررها معي سوى «شرح البخاري»، و «مقدمته»، و «المشتبه»، و «التهذيب»، و «لسان الميزان»؛ بل كان يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أتقيد بالذهبي، و لجعلته كتابا مبتكرا. بل رأيته في موضع أثنى على «شرح البخاري»، و «التغليق»، و «النخبة». و أما سائر المجموعات فهي كثيرة العدد، واهية العدد، ضعيفة القوى، ظامئة الروى ..» ا ه.

41

رأيت بخطه قائمة صورتها: البلدانيات لكاتبها، و سرد أسماء القرى، و البلاد، و المحال، و هي تسعة و ثلاثون. فيذكر المكان، و الشيخ الذي سمع منه فيه، و الكتاب أو الجزء الذي يخرّج منه، أو نحو ذلك. و فيها عن رفقائه فمن دونهم؛ و لكن لم يتيسّر له تخريج ذلك فيما وقفت عليه؛ مع أنني وقفت له أيضا على عشرة أماكن من نمط ما ذكره؛ سمع فيها أيضا؛ نعم خرّج «الأربعين المتباينات» و توسّع هو و غيره ممن تقدم في أماكن شبيهة بالبلاد في الجملة؛ و إن لم يكن بها خطبة و لا مستوطن بدون نقلة.

و لعمري إنّه نوع شريف، و فرع ينشأ عنه غير معنى لطيف؛ لأنه ربما انفرد بعض أهل ذلك البلد بشي‏ء من السنن، فيكون في الاجتهاد فيه إبرازه على هذا الوجه الحسن، و ذلك مما يحرصون عليه، و يصرفون نظرهم إليه، و لذا صنّف أبو داود السّجستاني «كتاب التفرد» (1). و أورد فيه- مما تفرد به أهل اليمامة- حديث طلق في كون مسّ الذّكر لا ينقض الوضوء للتعبد (2).

____________

- و قد أفرد العلماء ترجمته في مؤلفات مستقلة و من أجودها ترجمة تلميذه السخاوي الذي سماه «الجواهر و الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر» و هو مطبوع في ثلاث مجلدات.

و انظر أيضا: «ابن حجر العسقلاني مصنفاته و دراسة في منهجه و موارده في كتاب الإصابة» للدكتور شاكر عبد المنعم.

(1) قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في «مجالس في تفسير قوله تعالى‏ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ...» صفحة (345) عند ذكره لأقسام التفرد: و تارة يأتي الحديث فيقال مثلا:

تفرّد به أهل البصرة، أو أهل الكوفة، أو يقال: هذه سنة تفرّد بها أهل بلد كذا، و لأبي داود صاحب «السنن» مصنّف مفرد في ذلك سمّاه «كتاب التفرد» و ذكر في «سننه» شيئا يسيرا من ذلك ا ه.

(2) رواه الطيالسي (1096)، و ابن أبي شيبة 1/ 165، و أحمد 4/ 22، 23، و أبو داود (182)، و الترمذي (85)، و النسائي 1/ 103، و ابن حبان (1119) (1120). و غيرهم من طريق قيس بن طلق، عن أبيه قال: سأل رجل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أيتوضأ أحدنا إذا مسّ ذكره؟ قال:

«إنّما هو بضعة منك أو جسدك».

و صحّح الحديث عمرو بن علي الفلاس و قال: هو عندنا أثبت من حديث بسرة.

و قال علي بن المديني: حديث طلق أحسن من حديث بسرة.-

42

و أيضا فمعرفة مخرج الأحاديث النبويات، و هي كونها مكية، مدنية، شامية، عراقية؛ من الضروريات، فأحببت اقتفاء أثرهم فيه، و الاكتفاء بتقليدهم فيما أبرزت البعض من فوائده بالتوجيه، و خرّجت من كلّ بلد، أو قرية، أو محلّة من الأماكن التي دخلتها في الرحلة، مما بلغ بحمد اللّه بالتعيين؛ الثمانين، عن واحد ممن عنه كتبت، و منه استفدت، حديثا، أو خبرا، أو حكاية، أو شعرا، مرتّبا للأماكن على حروف المعجم، مقرّبا تعريف ما لعلّه منها يستعجم، آتيا في غضون ذلك بفوائد، روايا الكثير من عيون الزوائد، جعله اللّه خالصا لوجهه، بعيدا عن الرياء و شبهه، إنه قريب مجيب.

***

____________

- و قال الترمذي: هذا الحديث أحسن شي‏ء روي في هذا الباب.

و قال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة.

و صححه أيضا ابن حبان، و الطبراني، و ابن حزم. و ضعفه الشافعي، و أبو حاتم، و أبو زرعة، و الدار قطني، و البيهقي، و ابن الجوزي.

انظر الكلام على هذا الحديث في «الإمام» لابن دقيق العيد 1/ 269 فما بعدها، و «نصب الراية» 1/ 60- 61، و «التلخيص الحبير» 1/ 125.

و أما حديث بسرة فقد أسهب الإمام الدار قطني في الكلام عليه في «العلل» بما يزيد على خمس عشرة ورقة، من ج 5/ ق 197/ ب إلى ج 5/ ق 212/ أ، و انظر «الإمام» 1/ 280 فما بعدها.

43

البلد الأول: جدّة (1)

و قدّمت للضرورة. و هي بضمّ الجيم، و تشديد الدال المهملة، ثم هاء.

بليدة بشاطى‏ء البحر، على مرحلتين من مكة؛ بينهما أربعون ميلا، و هي مرساتها و فرضتها (2)؛ بل ساحلها الأعظم، و منها يركب المسافر في البحر إلى البلاد، و أول من جعلها ساحلا عثمان‏ (3)- رضي اللّه عنه- بعد استشارته الناس في ذلك، لما سئل فيه في سنة ست و عشرين من الهجرة، و كان ساحل مكة قبل ذلك: الشّعيبة.

و يروى في فضلها- مما لا يصحّ- عن ابن عمر- رضي اللّه عنهما- مرفوعا:

«يأتي على النّاس زمان يكون أفضل الرّباط رباط جدّة» (4).

____________

(1) انظر «معجم ما استعجم من أسماء البلاد و المواضع» للبكري 1/ 371، و «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» لابن الجوزي، و «تاريخ مكة و المدينة» لابن الضياء، و «معجم البلدان» لياقوت الحموي 2/ 114، و «مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة و البقاع» لصفي الدين البغدادي 1/ 318، و «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» للفاسي 1/ 140- 142 و منه استقى المصنف كلامه هنا، و «منائح الكرم في أخبار مكة و البيت و ولاة الحرم» للسنجاري.

قال البكري: سميت بذلك لأنها حاضرة البحر. و الجدّة من البحر و النهر ما ولي البر، و أصل الجدّة الطريق الممتدة.

(2) فرضة البحر: محطّ السفن. انظر «القاموس المحيط» مادة: (فرض).

(3) انظر «أخبار مكة» للفاكهي 3/ 231، و «شفاء الغرام» للفاسي 1/ 141.

(4) رواه ابن عدي في «الكامل» 7/ 382، و من طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» 2/ 310 رقم (875) من طريق محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر- رضي اللّه عنهما- به مرفوعا.

و محمد هذا قال فيه أبو حاتم، و البخاري، و النسائي، و أبو نعيم: منكر الحديث. و قال ابن حبان: «حدّث عن أبيه شبيها بمئتي حديث؛ كلّها موضوعة، لا يحل الاحتجاج بها». ا ه-

44

و عن علي- رضي اللّه عنه- رفعه أيضا: «أربعة أبواب من أبواب الجنة مفتحة في الدّنيا أوّلهنّ: الإسكندرية، و عسقلان، و قزوين، و عبّادان، و فضل جدّة على هؤلاء كفضل بيت اللّه الحرام على سائر البيوت» (1).

ذكرهما ابن الجوزي في «الموضوعات» (2).

و عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه أيضا: «مكّة رباط، و جدّة جهاد» (3) أخرجه الفاكهي، و سنده ضعيف جدا.

و هو عنده‏ (4) عن ابن جريج من قوله. و قال ابن جريج عقبه: إني لأرجو أن يكون فضل المرابط بها على غيرها كفضل مكة على سائر البلدان.

و عنده‏ (5) أيضا من جهة ابن جريج، عن عطاء قال: إنّما جدّة خزانة مكة،

____________

- و أبوه ليّنه أبو حاتم. و قال ابن حبان: لا يجب أن يعتبر بشي‏ء من حديثه إذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه محمد بن عبد الرحمن يضع على أبيه العجائب.

(1) رواه ابن حبان في «المجروحين» 2/ 133، و من طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» 2/ 310 رقم (876) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جدّه، عن علي- رضي اللّه عنه- به مرفوعا.

و عبد الملك هذا قال فيه أبو حاتم: «متروك الحديث». و كذّبه ابن معين. و قال ابن حبان: «كان ممن يضع الحديث». و قال الحاكم: «روى عن أبيه أحاديث موضوعة». و قال الذهبي في «الميزان»: «و السند إليه ظلمة؛ فما أدري من افتعله». و قال في «تلخيص الموضوعات» رقم (353): عبد الملك كذاب.

(2) 3/ 310 رقم (875) (876).

(3) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» (1570) (1780) قال: حدثنا عبد اللّه بن منصور، عن سليم بن مسلم المكي، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب به.

و عزاه إليه الفاسي في «شفاء الغرام» 1/ 140 و سليم بن مسلم قال فيه النسائي: «متروك الحديث». و قال أحمد: «لا يساوي حديثه شيئا». و قال ابن معين: «جهمي خبيث».

انظر «الميزان» 2/ 232، و «اللسان» 3/ 113. و المثنى بن الصباح قال فيه أحمد: «لا يساوي حديث شيئا، مضطرب الحديث». و ليّنه أبو حاتم و أبو زرعة.

(4) رقم (1782) قال: حدثنا ابن أبي يوسف، ثنا يحيى بن سليم، عن ابن جريج به.

(5) رقم (1781) قال: حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف، ثنا يحيى بن سليم، عن ابن جريج،-

45

و إنّما يؤتى به إلى مكة و لا يخرج به منها.

و من جهة ضوء بن فجر (1) قال: كنت جالسا مع عبّاد بن كثير في المسجد الحرام فقلت: الحمد للّه الذي جعلنا في أفضل المجالس و أشرفها.

قال: و أين أنت عن جدّة؟ الصلاة فيها سبعة عشر ألف صلاة (2)، و الدرهم فيها مئة ألف، و أعمالها بقدر ذلك، يغفر للناظر فيها مدّ بصره.

قلت: رحمك اللّه، مما يلي البحر؟ فقال: مما يلي البحر.

و من جهة عبيد اللّه بن سعيد بن قنديل‏ (3) قال:

جاءنا فرقد السّبخي بجدّة فقال: إني رجل أقرأ هذه الكتب؛ و إني لأجد فيما أنزل اللّه عزّ و جلّ من كتبه جدّة أو جديدة؛ يكون بها قتلى، و شهداء، لا شهيد يومئذ على ظهر الأرض أفضل منهم.

و ذكر ابن جبير (4) أنه رأى بها أثر سور محدق بها، و أنه كان بها موضع فيه قبّة مشيّدة عتيقة يذكر أنها منزل حواء، أمّ البشر، زوج آدم (عليهما السلام). فلعلّه‏

____________

- سمعت عطاء، فذكره.

(1) رواه الفاكهي (1783) حدثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا خليل بن رجاء، ثنا مسلم بن يونس، حدثني محمد بن عمر، عن ضوء بن فجر فذكره.

و محمد بن عمر هو الواقدي: متروك.

تنبيه: كذا في «الأصل»: ضوء بن فجر. و في المطبوع من «أخبار مكة»: صو بن فخر، و في «شفاء الغرام» نقلا عن الفاكهي: حنو بن فجر. و مما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أنه في الكتابة القديمة كثيرا ما تهمل الهمزة الواقعة في نهاية الكلمات المعدودة و غيرها، مثل سماء و شي‏ء وضوء فتكتب: سما، و شي، وضو. انظر مبحثا نفيسا في ذلك للأستاذ عبد السلام هارون- (رحمه اللّه)- في كتابه «قطوف أدبية» صفحة (16).

(2) في «أخبار مكة» (1783): سبع عشرة ألف ألف صلاة. و كذا نقله الفاسي 1/ 140 عن الفاكهي.

(3) رقم (1786) قال: حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف قال: ثنا يحيى بن سليم قال: سمعت عبيد اللّه بن سعيد بن قنديل فذكره.

(4) انظر «شفاء الغرام» 1/ 141.

46

المكان الذي يقال له الآن: قبر حواء. و قد قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما- كما عند الفاكهي‏ (1): إن قبرها بجدّة.

و مما ذكره ابن جريج أنّ بها مسجدين؛ ينسبان لعمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- يقال لأحدهما: «مسجد الأبنوس» لساريتين فيه من خشب الأبنوس، و هو معروف إلى الآن.

و أما الآخر فيمكن أن يكون هو المسجد الذي تقام فيه الجمعة بها، و هو من عمارة المظفّر صاحب اليمن فيما قيل.

و هي من البلاد التي سمع بها الطبراني على بعض شيوخه، و أبو حيان على أحمد بن محمد بن الحسن الحرّاز، الزبيدي، و كذا شيخنا. و إليها ينسب جماعة منهم: أحمد بن سعيد بن فرقد، و جابر بن مرزوق؛ أبو عبد الرحمن، و حفص بن عمر بن عبد اللّه، و عبد الملك بن إبراهيم، و عليّ بن محمد القطان؛ شيخ لأبي محمد الأكفاني.

و في الصحابة- رضي اللّه عنهم- من ينتسب: الجدّي- بفتح الجيم- لكون بعض أجداده من اسمه: الجدّ.

و كذا في الألقاب: الجديّ بضم الجيم، و فتح المهملة، و تثقيل الياء؛ لسعيد بن عبدوس الأندلسي. بل و في الأسماء عدّة كذلك، و اللّه الموفق.

1- أخبرني الإمام، أبو الحسن علي بن إبراهيم بن علي اليماني، ثمّ المكي، الشافعي، بقراءتي عليه بمنزل الخواجا جمال الدين الدقوقي من بندر جدة- حرسه اللّه- و هو أول حديث قرأته عليه- قلت له: قرأت على الإمام‏

____________

(1) في «أخبار مكة» (2600) قال: حدثنا عبد اللّه بن منصور، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- قال: قبر آدم (عليه السلام) بمكة أو في مسجد الخيف، و قبر حواء بجدة.

47

الزيني أبي بكر بن الحسين المراغي بالرّوضة الشريفة من طيبة- و هو أول حديث قرأته عليه- فأقرّ به (ح).

و أنبأني عاليا الخطيب، أبو عبد اللّه محمد بن أحمد الخليلي؛ و هو أول حديث رويته عنه قالا: حدثنا الصّدر، أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدوميّ، قال الأول: و هو أول حديث سمعته منه. و قال شيخي: و هو أول حديث حضرته عنده قال: ثنا النّجيب أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانيّ؛ و هو أول حديث سمعته منه. قال: ثنا الحافظ، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي؛ و هو أول حديث سمعته منه قال: ثنا أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك النيسابوري؛ و هو أول حديث سمعته منه قال: ثنا والدي أبو صالح المؤذّن؛ و هو أول حديث سمعته منه قال: ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزياديّ؛ و هو أول حديث سمعته منه قال: ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزّاز؛ و هو أول حديث سمعته منه قال: ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم؛ و هو أول حديث سمعته منه قال: ثنا سفيان بن عيينة؛ و هو أول حديث سمعته من سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس؛ مولى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«الرّاحمون يرحمهم الرحمن تبارك و تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء».

هذا حديث حسن‏ (1)؛ بل صحّحه غير واحد (2).

____________

(1) و كذا حسنه الحافظ في «الإمتاع» رقم (1)، و في «الأمالي السّفرية» (الحلبية) المجلس الثاني صفحة (27). و صححه في «الأمالي» أيضا صفحة (15).

(2) صححه الترمذي (1924)، و الحاكم 4/ 159، و أبو الفتح الخرقي في «فوائده» و العراقي في «عشارياته» كما في «السلسلة الصحيحة» (925)، و الذهبي في «معجم الشيوخ» 1/ 23، و الألباني في «الصحيحة» (925).

48

رواه الإمام أحمد (1)، و الحميدي‏ (2) في «مسنديهما» عن ابن عيينة.

و البخاري في «الأدب المفرد» (3) و غيره من تصانيفه‏ (4) عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم. و البيهقي في «السّنن» (5) و غيرها من تصانيفه‏ (6) عن أبي طاهر بن محمش، فوافقناهم في شيوخهم بعلوّ.

و رواه أبو داود في الأدب من «سننه» (7) عن أبي بكر بن أبي شيبة، و مسدد.

و الترمذي في البر من «جامعه» (8) أتمّ من هذا عن العدني.

ثلاثتهم عن ابن عيينة؛ فوقع لنا بدلا لهما عاليا.

و قال الترمذي: إنه حسن صحيح‏ (9).

____________

(1) 2/ 160.

(2) رقم (602) و لفظ أحمد و الحميدي: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء».

(3) و كذا عزاه المصنف في «المقاصد الحسنة»، و المناوي في «فيض القدير»، و العجلوني في «كشف الخفا»، و الغماري في «المداوي» 1/ 506، و لم أقف عليه في المطبوع من «الأدب المفرد»، و لا عزاه مؤلفو «المسند الجامع» 11/ 195 له. و عزاه الحافظ في «الفتح» 13/ 444 و في «الأمالي الحلبية» إلى «التاريخ الكبير» فقط. و هو عند البخاري في «الأدب المفرد» باللفظ الذي ساقه المصنف بعد. و اللّه أعلم.

(4) رواه في «الكنى» صفحة (64).

(5) 9/ 41.

(6) في «شعب الإيمان» (11048) و في «الأسماء و الصفات» (893).

(7) (4941).

(8) (1924).

(9) قال الحافظ في «الإمتاع» صفحة (64): و كأنه صححه باعتبار المتابعات و الشواهد؛ و إلا فأبو قابوس لم يرو عنه سوى عمرو بن دينار، و لا يعرف اسمه، و لم يوثقه أحد من المتقدمين. ا ه.

و بنحوه كلام المصنف في «المقاصد الحسنة» صفحة (71)؛ إلا أنه قال: و لم يوثقه سوى ابن حبان.

49

قلت: و هو مما انفرد به ابن عيينة (1) فمن فوقه أعني: بتمامه؛ و إلا فقد روى بعضه: حبّان- بكسر المهملة، ثم موحدة- ابن زيد الشّرعبي- بالمعجمة و الموحدة- و يقال: إنه صحابي‏ (2)، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال:

سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «ارحموا ترحموا، و اغفروا يغفر لكم».

أخرجه أحمد (3)، و عبد (4)، و غيرهما (5). و سنده جيد (6).

و عن ابن عيينة اشتهر، فرواه عنه جماعة؛ انفرد بتسلسله من بينهم:

عبد الرحمن بن بشر بن الحكم. و من سلسله عن أحد ممن فوق سفيان- فضلا عن جميعهم- فهو إما مخطى‏ء، أو كذاب‏ (7).

و هو من أصحّ المسلسلات إسنادا (8)، و إنما اقتصرت في الكلام عليه اكتفاء بما يسّره اللّه تعالى في أول المتباينات؛ مما لا مزيد عليه‏ (9).

____________

(1) و كذا قال الذهبي في «العلو» رقم (27).

(2) قال الحافظ في «التقريب»: ثقة، أخطأ من زعم أن له صحبة.

(3) 2/ 165، 219.

(4) «المنتخب» (320).

(5) منهم البخاري في «الأدب المفرد» (380)، و الحسن بن موسى الأشيب في «حديثه» (54)، و الطبراني في «مسند الشاميين» (1055)، و الفسوي في «المعرفة و التاريخ» 2/ 522، و البيهقي في «الشعب» (7236) و (11052) و الخطيب في «تاريخ بغداد» 8/ 265.

(6) و كذا قال الدمياطي في «المتجر الرابح» صفحة (380)، و المنذري في «الترغيب و الترهيب» (3628)، و العراقي كما في «فيض القدير» 1/ 475، و الحافظ في «الأمالي الحلبية» صفحة (28)، و صححه الألباني في «الصحيحة» (482).

(7) في هامش الأصل: كاذب.

و هذا الحديث مثّل به النووي على الحديث المسلسل الذي ينقطع تسلسله في وسطه فقال في «التقريب»: «كمسلسل أول حديث سمعته، على ما هو الصحيح فيه» قال السخاوي في شرحه له: و إلا فقد وصل التسلسل فيه بتمامه غير واحد من الرواة إما غلطا أو كذبا ا ه. انظر «غنية اللبيب في شرح التقريب» للنووي تأليف السخاوي (ل 184/ أ) يسّر اللّه إتمامه بخير.

(8) قال ابن الجزري في «عواليه» (ق 15): هذا الحديث أصح حديث في المسلسلات مطلقا.

(9) و الكلام على هذا الحديث يطول، و قد اعتنى به جمع من أهل العلم قديما و حديثا، و لمحقق-

50

و العادة جارية في الابتداء به قصدا لاستمرار التسلسل فيه، كما أنه استحبّ الابتداء بحديث: «الأعمال بالنيات» (1) لعظم موقعه و شرفه‏ (2).

و أنشدكم ما أنشدنيه شيخنا أبو الحسن المذكور لفظا من نظمه:

ألا ليت شعري هل أرى قبّة بها* * * حبيب لربّ العالمين رسول‏

محمّد المختار من نسل هاشم‏* * * و هل لي إلى تلك الدّيار وصول‏

***

____________

- «المجلس الأول من أمالي ابن ناصر الدين الدمشقي» جهد مشكور في جمع طرق هذا الحديث و الكلام عليه؛ يرجى له معه الأجر و الثواب.

و انظر «مجالس في تفسير قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ لابن ناصر الدين الدمشقي (33، 36، 40، 124، 127، 136، 138، 208، 263، 299، 313، 341، 392، 394، 418، 448، 457).

تنبيه: قوله: «من في السماء» «في» هنا ليست بالظرفية؛ و إنما هي بمعنى «على» و لذلك نظائر كثيرة في كتاب اللّه- جلّ و علا- كمثل قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏ و قوله:

وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ‏.

و هو من الأدلة الكثيرة على علوّه تعالى بذاته على خلقه، و أنه فوق سماواته، مستو على عرشه، بائن من خلقه.

و قد ألّفت في ذلك مؤلفات مستقلة. انظر كتاب «العلو» للحافظ الذهبي، و «مختصره» للعلامة الألباني، و «الصواعق المرسلة» للإمام ابن القيم 4/ 1277 فما بعدها.

(1) متفق عليه. رواه البخاري (1)، و مسلم (1907). من حديث عمر رضي اللّه عنه.

(2) و قد بيّن السيد عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس» 1/ 93 سبب افتتاح الرواة لقاءاتهم به فقال: «و تداولته الأمة، و اعتنى به أهل الصناعة، فقدموه في الرواية على غيره ليتم لهم بذلك التسلسل، كما فعلنا، و ليقتدي به طالب العلم فيعلم أن مبنى العلم على التراحم و التوادد و التواصل، لا على التدابر و التقاطع، فإذا شبّ الطالب على ذلك شبّ معه نعرة التعارف و التراحم، فيشتد ساعده بذلك، فلا يشبّ إلا و قد تخلق بالرحمة، و عرّف غيره بفوائدها و نتائجها، فيتأدب الثاني بأدب الأول، و على اللّه في الإخلاص و القبول المعوّل».

51

البلد الثاني: مكّة (1)

و هي بلدة شريفة متّسعة، فضائلها متنوعة، في بطن واد، لعظم بركته يتسارع إليه العباد، محدق بها جبال، هي لها كالسّور العال، و فيها بيت اللّه الحرام، الذي تحطّ به عن قاصده الأوزار و الآثام، و يأمن من المخاوف داخله، و لا تردّ مسائله و وسائله، و هو قبلة المسلمين أحياء و أمواتا، و نحلة الملبّين جمعا و أشتاتا، و قد قرأت الحديث فيه، و في الحجر و مقام سيدنا إبراهيم الوجيه، و بمقام الحنفية المكرّم، و على شفير زمزم المعظّم، و بسقاية سيدنا العباس، و على جبل أبي قبيس بدون إلباس، و بالمكان المأثور لمولد المصطفى، و غيرها من الأماكن الزائدة فخرا و شرفا، يسّر اللّه إلى العود إليها سبيلا، و نشر على أهلها ظلّا ظليلا.

2- أخبرني الإمام، الثقة، أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين، المدني، الشهير بالمراغي، فيما قرأت عليه بالمسجد الحرام تجاه الكعبة زادها اللّه تعالى شرفا و تعظيما، و أبو الفتح محمد بن عمر القاهري- إذنا- كلاهما عن الإمام، الحافظ، البهاء، أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر بن خليل قال الثاني: سماعا، أنا أبو محمد بيبرس العديمي بقراءتي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الكاشغري، أنا الشيخان: أبو الفتح محمد بن عبد الباقي ابن البطي، و أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن تاج القراء قالا: أنا

____________

(1) انظر «أخبار مكة» للفاكهي، و «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» للفاسي، و «أخبار مكة» للأزرقي، و «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» لابن فهد، و «معجم البلدان» لياقوت الحموي 5/ 181، و «مراصد الاطلاع» لصفي الدين البغدادي 3/ 1303.

52

أبو عبد اللّه مالك بن أحمد البانياسي، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصلت، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي. إملاء، ثنا أبو الوليد محمد بن عبد اللّه الأزرقي‏ (1)؛ هو الإمام مؤرخ أخبار مكة، حدثني جدي؛ هو أحمد بن محمد بن الوليد أحد شيوخ البخاري و أوصياء الشافعي، ثنا سفيان- هو: ابن عيينة-، عن أبي الزبير، عن عبد اللّه بن باباه، عن جبير بن مطعم- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يا بني عبد مناف، إن وليتم من هذا الأمر شيئا؛ فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت؛ فصلّى أيّ ساعة شاء من ليل أو نهار».

هذا حديث حسن.

أخرجه أبو داود في «سننه» (2) عن أبي الطاهر بن السّرح، و الفضل بن يعقوب.

و الترمذي في «جامعه» (3)، و ابن خزيمة في «صحيحه» (4) عن علي بن خشرم. زاد الترمذي: و عن أبي عمار الحسين بن حريث. و زاد ابن خزيمة:

و عن أحمد بن منيع، و عبد الجبار بن العلاء.

و النسائي في «سننه» (5) عن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، و محمد بن منصور.

و الدارمي في «مسنده» (6) عن عمرو بن عون.

و ابن ماجة في «سننه» (7) عن يحيى بن حكيم.

____________

(1) و الحديث عنده في «أخبار مكة» 2/ 19.

(2) (1894).

(3) (868).

(4) (2747).

(5) 1/ 284 و 5/ 223.

(6) (1861).

(7) (1254).

53

و الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1) له عن يونس بن عبد الأعلى. و أبو يعلى في مسنده‏ (2) عن أبي خيثمة زهير بن حرب:

كلّهم- و هم اثنا عشر- عن ابن عيينة. فوقع لنا بدلا لهم عاليا.

و قال الترمذي: إنه حسن صحيح.

و صححه آخرون‏ (3)؛ منهم الحاكم و قال‏ (4): «إنه على شرط مسلم» يعني:

دون البخاري؛ لأنه إنما أخرج لأبي الزبير مقرونا. نعم الظاهر أنه أشار إلى هذا الحديث بقوله‏ (5): باب الطواف بعد الصبح و العصر.

و هو عند أحمد (6)، و الشافعي‏ (7)، و الحميدي‏ (8)، و ابن منيع، عن ابن عيينة على الموافقة.

و كذا رواه الحسن بن عرفة (9)، و هارون بن معروف‏ (10)، و غيرهما عن ابن‏

____________

(1) 2/ 186.

(2) (7396).

(3) منهم ابن حبان في «صحيحه» (1554)، و النووي في «الخلاصة» رقم (772) و الألباني في «الإرواء» (481).

(4) في «المستدرك» 1/ 448، و وافقه الذهبي.

(5) كتاب الحج/ باب (73) الطواف بعد الصبح و العصر. قال الحافظ: و يظهر من صنيعه أنه يختار فيه التوسعة.

(6) 4/ 80.

(7) مسند الشافعي صفحة (167). و من طريقه البغوي في «شرح السنة» (780) و قال: هذا حديث حسن صحيح.

(8) (571)، و من طريقه الفسوي في «المعرفة و التاريخ» 2/ 206، و الطبراني في «الكبير» (1600)، و الحاكم 1/ 448، و البيهقي في «السنن الكبرى» 2/ 461.

(9) روايته عند الدارقطني 2/ 266. و تصحف فيه إلى: «الحصن بن عرفة» بالصاد المهملة بدل السين.

(10) و روايته عند أبي يعلى (7415)، و ابن حبان (1554).

54

عيينة؛ بل رواه ابن جريج‏ (1)، و عمرو بن الحارث‏ (2)، كلاهما عن أبي الزبير.

و وقع في حديث غير واحد تصريح أبي الزبير بسماعه له من عبد اللّه بن بابيه؛ فأمن تدليسه‏ (3)، مع أنه لم ينفرد به؛ بل تابعه عبد اللّه بن أبي نجيح، عن ابن بابيه‏ (4).

لكن رواه أبو العطوف الجراح بن منهال‏ (5)- و هو ضعيف- عن أبي الزبير فقال: «عن نافع بن جبير بن مطعم» بدل ابن بابيه.

و هكذا روي عن عطاء بن أبي رباح‏ (6)، و عكرمة بن خالد (7)، و عمرو بن دينار (8)؛ ثلاثتهم عن نافع.

ثم إن الجمهور عن أبي الزبير كما تقدم‏ (9).

و رواه أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب‏

____________

(1) روايته عند عبد الرزاق (9004)، و أحمد 4/ 81، 84، و الطبراني (1599).

(2) روايته عند الفاكهي في «أخبار مكة» (488)، و ابن حبان (1553)، و الطبراني (1601).

(3) جاء تصريحه عند عبد الرزاق (9004)، و أحمد 4/ 84، و ابن خزيمة (1280) و غيرهم.

(4) روايته عند أحمد 4/ 82، 83، و البزار «البحر الزخار» (3452)، و الطبراني (1602)، و الفسوي في «المعرفة و التاريخ» 2/ 206 و من طريقه الخطيب في «موضح أوهام الجمع و التفريق» 1/ 309- 310 و البيهقي في «السنن الكبرى» 5/ 110.

(5) روايته عند الدارقطني في «السنن» 1/ 424.

(6) روايته عند الدارقطني 1/ 425 من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عنه. و عبد الوهاب متروك.

و قد كذبه الثوري كما في «التقريب».

(7) روايته عند الدارقطني 1/ 424 و 2/ 266 من طريق عمر بن قيس عنه. و عمر بن قيس أبو حفص، المعروف بسندل. متروك كما في «التقريب».

(8) روايته عند البزار «البحر الزخار» (3450)، و الطبراني (1567) و الدارقطني 1/ 425 من طريق إسماعيل بن مسلم عنه. و إسماعيل هذا هو المكي، قال فيه أحمد: «منكر الحديث» و ضعفه غير واحد من الأئمة.

(9) قال الحافظ في «التلخيص الحبير» 1/ 190- بعد ذكر الاختلاف في الحديث-: فإن المحفوظ عن أبي الزبير، عن عبد اللّه بن باباه، عن جبير.