موسوعة العتبات المقدسة - ج2

- جعفر الخليلي المزيد...
371 /
5

الجزء الثاني‏

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ و به نستعين‏

كان الواجب ان يكون هذا الجزء اسبق جميع اجزاء الموسوعة في الصدور لو ان تأليفه كان قد كمل في حينه، و حسنا فعلنا حين اخذنا بمبدأ الشروع بطبع اي جزء ينتهي تأليفه دون التقيد بتقديم الأهم على المهم، و لو كنا قد تقيدنا بذلك لبقينا (نراوح) طوال السنتين في مكاننا حتى يتم الجزء الأول من مكة المكرمة و الذي لم يتم الا اليوم، و حسنا فعلنا ان جعلنا كل عتبة قائمة بنفسها من هذه الموسوعة. و على ان في هذا الاستقبال الكبير الذي استقبلت به الموسوعة من مختلف القراء و مختلف المؤسسات، و الجامعات منذ اول صدور الجزئين الاولين منها تحفيزا كبيرا على مضاعفة النشاط، فان خطورة الموضوع و صعوبة القيام به على الوجه الصحيح المطلوب لا يسمح لنا مهما اجهدنا انفسنا باصدار اكثر من جزئين في كل سنة في الوقت الحاضر، ذلك لان غربلة الكتب من مطبوع و مخطوط، و عزل الرواية و الخبر عن الوقائع التاريخية مما أخذنا على عاتقنا القيام به و اخراجه اخراجا اكاديميا و بحوثا جامعية، على قدر ما نملك من طاقة لهو من اصعب الامور و اكثرها مشقة لا سيما و ان تداخل الاخبار و الروايات و الاحاديث و الوقائع التاريخية

6

في تاريخ العتبات المقدسة و تشابكها من التعقيد ما يجعل هذا التاريخ بمثابة الوشيعة من الغزل المتشابك المتقطع الذي لا تدري كيف تهتدي إلى رأس الخيط الأصلي منها، و مع كل ذلك فنحن ساعون على قدر الامكان في بذل الجهود في المستقبل ليكون بمقدورنا ان نصدر ثلاثة اجزاء من الموسوعة في كل سنة، و ان مبعث هذا الأمل كامن في زيادة العدد الذي انضم الينا من اساتذة الجامعات و افاضل الباحثين و الكتاب، و لكن مثل هذا الأمل لا يجوز ان يسجله القارى‏ء علينا و عدا.

و انه لمن السار لنا ان نجد الأجزاء التي صدرت تحتل اليوم مكانا مرموقا في اهم مكتبة من مكتبات الجامعات الاروبية و الاميركية، و هذا ما يبشر بنجاح هذا المشروع و مدى انتشار الموسوعة، و قيمتها العلمية.

و قسم مكة المكرمة كسائر اقسام العتبات المقدسة لن يقل مجموعه عن عشرة اجزاء إن لم يزد على ما نظن، و هذا هو الجزء الأول، و هو عبارة عن المامة و افية عن مكة من اول تشأتها و اهميتها في التاريخ، و مصادر بحوثها، و نماذج مما ورد عنها في اهم المصادر العربية و الأجنبية راجين ان نوفق الى اصدار الأجزاء التسعة الاخرى بمنه تعالى و توفيقه.

7

مكة قديما

إلمامة تاريخية كافية عن مكة المكرمة منذ أول تمصيرها حتى قيام الاسلام كتبها جعفر الخليلي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مكة المكرمة و اسماؤها

قلما اختلف اللغويون و المؤرخون في اسم مدينة من المدن و اشتقاقها و تعدد اسمائها كما اختلفوا في اسم «مكة» فقد جاء في القاموس للفيروزآبادي ان فلانا مكّ فلانا اي اهلكه و نقصه، و منه (مكة) للبلد الحرام او للحرم كله لانها تنقص الذنوب او تفنيها (1).

و قد قيل انما سميت (مكّة) فلقلة مائها، و ذلك انهم كانوا يمتكّون الماء فيها أي يستخرجونه- على ما اورد ابن منظور- و قيل بل سميّت مكّة لانها كانت تمكّ من ظلم فيها و ألحد- أي تهلكه، قال الراجز:

يا مكة الفاجر مكّي مكّا* * * و لا تمكّي مذحجا و عكّا (2)

و يقال انما سميت (مكة) فلازدحام الناس بها من قولهم: قد امتك الفصل ضرع امه اذ امتصّه مصا شديدا، و روى ياقوت ان الشرقي بن القطامي قال: انما سميت مكة لان العرب في الجاهلية كانت تقول لا يتم حجنا حتى نأتي مكان الكعبة فنمكّ فيه اي نصفر صفير المكّاء حول الكعبة، و كانوا يصفرون و يصفقون بأيديهم اذا طافوا بها، و قال قوم‏

____________

(1) القاموس في مادة مكة،

(2) لسان العرب في مادة مكّك‏

10

سميت مكة لانها بين جبلين مرتفعين عليها و هي في هبطة بمنزلة المكوك الى غير ذلك من التفاسير التي يصعب الركون اليها و الاعتماد عليها (1)

و لقد جاء اسم (مكة) في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة الفتح من قوله تعالى‏ (وَ هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) مشيرا بذلك الى صلح (الحديبية) كما اشارت الى ذلك التفاسير،

بكّة

و من أسماء مكة الكثيرة (بكّة) و قيل انها سميت بذلك لان مكة كانت تبكّ اعناق الجبابرة اذا ألحدوا فيها بظلم، و قيل بل لان الناس يتباكون فيها من كل وجه اي يتزاحمون‏

و قال ابن منظور عن يعقوب ان (بكّة) ما بين جبلي (مكة) لان الناس يبك بعضهم بعضا في الطواف، اي يزحم، و قيل سميت (بكّة) لان الناس يبكّ بعضهم بعضا في الطريق اي يدفع‏ (2)، قال ذلك ابو عبيدة و أنشد:

اذا الشريب أخذته أكّه‏* * * فخلّه حتى يبكّ بكّه‏ (3)

و قيل بل ان (بكّة) موضع البيت و سائر ما حوله (مكه).

و ورد إسم (بكّة) في القرآن الكريم في موضع واحد من قوله:

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ) (4).

ام القرى‏

و من أشهر اسماء مكة (ام القرى) و في سبب هذه التسمية اختلاف‏

____________

(1) معجم البلدان مادة مكة.

(2) لسان العرب في مادة بكك.

(3) معجم البلدان مادة مكة.

(4) سورة آل عمران.

11

كما هو في اسم مكة و بكّة فقد قيل انها سميت (بام القرى) لانها توسطت الأرض فيما زعموا، و يقول ابن منظور في لسان العرب: و قيل لانها قبلة جميع الناس يؤمونها، و قيل سميت بذلك لانها كانت اعظم القرى شأنا و لا يبعد ان يكون هذا التوجيه اقرب الى الصواب لما عرفت به مكة في ادوارها التاريخية و لان كل مدينة بمثابة الأم لما حولها من القرى على ما يصطلح عليه اللغويون.

و قد ورد ذكرها في القرآن الكريم في موضعين:

(وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى‏ صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ) (1) (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها وَ تُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (2)).

البلد، و البلد الأمين، و الحرام‏

البلد، و البلد الامين من اشهر أسماء مكة، التي تغلب عليها هذا الاسم و الصفة، في الاسلام اكثر و المقصود بالأمن هو ما عرفت به مكة من الامن على ساكنيها و اللائذين بها و حفظ اموالهم دون جميع اطرافها، و انما سميت مكة بالبلد فهو من باب التفخيم لها كالنجم، للثريا، و العود للمندل‏ (3) و قد ورد ذكر مكة باسم البلد في أربعة مواضع من القرآن الكريم، و قد اجمع المفسرون على ان المقصود من الآية (لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ، وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) (4) هو القسم بالبلد الحرام و هو (مكة) و تفسير ذلك: انك يا محمد مقيم بهذا البلد و هو محلك، و هذا تنبيه على شرف البلد بشرف من‏

____________

(1) سورة الانعام.

(2) سورة الشورى.

(3) لسان العرب في مادة بلد،

(4) سورة البلد.

12

حلّ به من الرسول الداعي الى توحيده، و اخلاص عبادته، و بيان ان تعظيمه له، و قسمه به لأجله.

و هكذا كان المقصود من (البلد) في الآية: (وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ، وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (1) هو مكة البلد الحرام الذي يأمن فيه الخائف في الجاهلية و الاسلام‏ (2).

و كذلك فان المقصود بالبلد في الآية القرآنية (وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ) (3) هو مكة المكرمة، و ان معنى قوله‏ (بَلَداً آمِناً) اي يأمنون فيه، كما يقال: ليل نائم اي النوم فيه‏ (4).

و ورد ذكر (البلد) على لسان ابراهيم بمعنى مكة مرة اخرى في الآية (وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً، وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ) (5).

و وردت (مكة) باسم (البلدة) مرة واحدة في القرآن الكريم في الآية:

(إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها، وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ، وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (6) و عن ابن عباس ان البلدة هي مكة، و قوله (و الذي حرمها) اي جعلها حرما آمنا يحرم فيها ما يحل في غيرها، لا ينفر صيدها، و لا يختلي خلاها، و لا يقتص فيها (7).

و نعتت مكة (بالحرم الآمن) في موضعين من القرآن فقد جاء في الآية (أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا) (8) و جاء في الآية: (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (9)

____________

(1) سورة التين.

(2) مجمع البيان للطبرسي سورة البلد ص 492.

(3) سورة البقرة.

(4) التبيان في تفسير القرآن سورة البقرة ص 457.

(5) سورة ابراهيم.

(6) سورة النمل.

(7) مجمع البيان سورة النمل ص 237.

(8) سورة القصص.

(9) سورة العنكبوت.

13

اسماء مكة الاخرى‏

و لمكّة اسماء اخرى كثيرة أوردها المؤرخون و يغلب على الظن ان ما كان معروفا في صقع من اسماء (مكة) غير معروف في صقع آخر، و ما كانت تطلق قبيلة على مكة من الاسماء باستثناء اسماء (مكة) العامة الشاملة- غير ما كانت تطلقه قبيلة أخرى، و الا لما تعددت أسماء مكة كل هذا التعدد.

فمن أسماء مكة: النسّاسة، و أم رحم، و معاد، و الحاطمة، و الرأس، و الحرم، و صلاح، و العرش، و القادس، و المقدسة، و الناسّة، و الباسّة، و كوثى، و المذهب في قول بشر:

و ما ضم جياد المصلى و مذهب‏ (1)* * *

و هناك من يطلق على مكة صفة (البيت) و (الكعبة) و يسميها (بالبيت العتيق) او بيت اللّه. او البيت الحرام، و غير ذلك من الأسماء و النعوت.

____________

(1) معجم البلدان في مادة (مكة).

14

اول ظهور مكة في التاريخ‏

تقع مكة في الجانب الغربي من جزيرة العرب و تمتد من الغرب الى الشرق على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات طولا و ما يقرب من نصف ذلك عرضا في واد مائل من الشمال الى الجنوب منحصر بين سلسلتي جبال تكادان تتصلان ببعضهما من جهة الشرق و الغرب و الجنوب، و لذا لا يشاهد ابنيتها القادم عليها الا و هو على أبوابها، و السلسلة الشمالية فيها تتركب من جبل الفلح (الفلق) غربا، ثم جبل قيقعان ثم جبل (الهندي)، ثم جبل (لعلع) ثم جبل (كداء) و هو في أعلى مكة، و من جهته دخل رسول اللّه البلد حين الفتح، اما الجنوبية فانها تتركب من جبل (ابي حديدة) غربا يتلوه جبلا (كدي) و (كديّ) بالتصغير بانحراف الى الجنوب، ثم جبل (ابي قبيس) الى شرقهما، ثم جبل (خندمه).

و ترتفع مكة عن سطح البحر بنحو 330 مترا و هي على عرض 31 درجة و 28 دقيقة و في طول 40 درجة و 9 دقائق‏ (1).

و مكة على مسافة قليلة من البحر الاحمر يوصلها به ميناء (جدة).

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين في مادة مكة منقولا عن الرحلة الحجازية لمحمد لبيب البتنوني.

15

و لا تنفذ من واديها الى الخارج الا من طرق معينة محدودة، و في تأريخ ظهورها كبيت او كعبة، او مدينة، أقوال مختلفة من الصعب الركون اليها اذا اخذنا القواعد العلمية في دراسة التاريخ بنظر الاعتبار، و كل ما يمكن القول هو ان تاريخ مكة قديم جدا ربما يرجع الى الوف من السنين الغابرة (1).

و من المؤكد ان وادي مكة قد اتخذ من قبل ان تبنى: مرحلة و محطا لمرور القوافل لانها تقع وسط الطريق و لان فيها بعض العيون من المياه التي تفتقر اليها القوافل التي تقطع الصحراء بين اقصى الشمال من أراضي فلسطين الى اقصى الجنوب من أراضي اليمن،.

و ليس في تاريخ المدن مدينة كثر حول مبدأ تكوينها و تأسيسها و اسباب ذلك من الكلام و الروايات و الاحاديث كهذه المدينة التي كانت اهم مدينة عند العرب قبل الاسلام، و هي اهم مدينة اليوم عند المسلمين، و ستظل كذلك ما دام الاسلام قائما.

و معول جميع المؤرخين في كتابة تاريخ مكة القديم يقع على الكتب المقدسة، و على رواية الراوين، و قصص الأنبياء، و على القليل مما تبقى من الآثار التاريخية التي يمكن استخلاص بعض الوقائع منها، و هو ما سنمرّ عليه على قدر ما يسمح به التحقيق، و على قدر ما تستدعيه حاجة كتاب نريد ان نجعل منه مصدرا عاما لمختلف ما قيل عن تاريخ مكة، و بالقدر المستساغ من مجموع تلك الروايات و الاخبار، و الأحاديث، و القصص الضاربة في الغرابة و بعد القول.

و تذهب أخبار مكة الى ان مكة او البيت او الكعبة كما تزعم هذه الأخبار كانت موجودة قبل قيام الطوفان! و حين وقع طوفان نوح و عمّ الأرض خفي موضع الكعبة و درس بسبب الغرق، و كان موضع الكعبة

____________

(1) حياة محمد لهيكل ص 46.

16

- على ما تقول هذه الأخبار- أكمة حمراء مدرة لا تعلوها السيول غير ان الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك و لكنهم لم يتثبتوا منه بالضبط!! و كان يأتي البيت المظلوم، و المتعوّذ من اقطار الأرض، و يدعو عنده المكروب.

فقلّ من دعا هنالك الا استجيب له، و كان الناس يحجون الى موضع البيت حتى بوّأ اللّه مكانه لابراهيم (عليه السلام) لما أراد عمارة بيته و اظهار دينه و شرايعه‏ (1).

و اذا صرفنا النظر عن هذه الأخبار فان جميع المصادر التأريخية و الدينية متفقة على ان باني البيت و مؤسس مكة الأول هو ابراهيم الخليل و ان البحث يقتضينا ان نمر على حياة ابراهيم و لو بايجاز لتعيين اتجاه دينه و دعوته للتوحيد ثم علاقته بمكة و بيت اللّه الحرام.

ابراهيم‏

و ابراهيم اسم اعجمي كاسماعيل و فيه لغات: ابراهام، و إبراهم، و ابراهم بحذف الياء و قال عبد المطلب:

و عذت بما عاذ به إبراهم‏

مستقبل القبلة و هو قائم‏

اني لك اللهم عان راغم‏ (2)

قال (ابو محمد) و وجدت في التوراة انه ولد لتارخ أبي ابراهيم:

ابراهيم و ناحور و هارون و قد ولد لهارون هذا (لوط) و (سارة) (3) و هناك قول ان سارة هي إبنه هاران الأكبر، و هاران هذا هو اخو تارخ و عم ابراهيم، على ان بعض الأخبار تقول ان ابراهيم تزوج ابنة اخيه لان ذلك لم يكن مخالفا للشرع و المألوف حينذاك.

____________

(1) اخبار مكة للازرقي المتوفى سنة 223 ه ج 1 ص 52 ط 2

(2) لسان العرب في مادة برهم،

(3) المعارف لابن قتيبة ص 15.

17

و قد إختلفت المصادر في موطن ابراهيم الأصلي و محل ولادته فقال البعض انه ولد في (سوس) (1) و قال البعض بل كان مولده (ببابل) في الفرات، و قال آخرون: كان مولده بناحية كوثى من ارض السواد (العراق)

لعن اللّه منزلا بطن( كوثى)* * * و رماه بالفقر و الامعار

لست( كوثى) العراق أعني و لكن‏* * * كوثة الدار دار عبد الدار

(2) و قال بعضهم كان مولده، (بالوركاء) بناحية الروابي و حدود (كسكر) (3) ثم نقله ابوه الى (كوثى) و هي الناحية التي كان فيها نمرود، و هو نمرود بن كوش العاهل التاريخي الجبار الشهير في ذلك الزمان،، او نقله ابوه تارخ الى بابل على بعض الأقوال‏ (4)، و قال البعض بل انه ولد بحران و هي مدينة بفلسطين و على ما في هذه الأقوال من اختلاف في موضع ولادة ابراهيم فان موضع ولادته متعين في العراق و ان مكان ظهوره يكاد يقتصر على مدينة بابل، بلاد الكلدانيين، و في عصر نمرود بن كوش الملك الجبار.

و كان آزر و قد ذهب البعض الى ان آزر ليس أبا ابراهيم بل انه عمه و قد تربى ابراهيم في حجره بعد موت ابيه‏ (5) و كان آزر- و هو الاسم الثاني لابي ابراهيم على اغلب المصادر كان نجّارا، و يظهر انه لم يكن نجارا اعتياديا و انما كان نجارا موهوبا متفننا و كانت بابل تعبد الأصنام فكان آزر هذا متخصصا في صنع هذه الأصنام بمختلف صفاتها، و حين كبر ابراهيم استعان به ابوه‏

____________

(1) مدينة تاريخية بالقرب من الاهواز و تعرف بشوش،

(2) و هنالك موضع آخر باسم كوثي غير كوثي العراق التي ولد فيها ابراهيم و هي موضع بمكة ينرله بنو عبد الدار كما عينه ياقوت في معجمه و في كوثى هذه يقول الشاعر:

لعن اللّه منزلا بطن (كوثى)* * * و رماه بالفقر و الامعار

لست (كوثى) العراق أعني و لكن‏* * * كوثة الدار دار عبد الدار

(3) الوركاء مدينة اثرية تاريخية قديمة، و كسكر هي المنطقة التي تشمل الغراف و اواسط الجزيرة بين الفرات و دجلة.

(4) تاريخ الامم و الملوك (الطبري) ج 1 ص 162 ط 1.

(5) تاريخ اليعقوبي ج 1 (حاشية المصحح) ص 15 و ان العم يسمى الاب في الفهم و قيل ان ازركان جده (سورة الانعام) في تفسير البيان الاية 74.

18

آزر في الخروج بهذه الأصنام الى السوق و بيعها على الناس لاقتنائها في بيوتهم او معابدهم، و قد اوتي ابراهيم من ربه ملكة يميز بها الأشياء و ينظر الى الأمور بعين الفكر و العقل لذلك سرعان ما تسرب الى نفسه الشك في قدسية هذه الأصنام الخشبية التي يصنعها ابوه و يسبغ عليها القوم صفة الربوبية و يعبدونها، ثم حملته الهداية الالهية على أن يفكر في الكون و خالقه، و يطيل التفكير فيستعرض الزهرة من النجوم و الكواكب، و القمر و الشمس‏

فيراها تظهر للعيان ثم تغيب و يستنتج بقوة تلك المدارك و الهداية ان هذه الأشياء و ان كانت اعظم ما تستلفت الأنظار من هذا الكون المرئي فلا يمكن بأي وجه من الوجوه ان يكون احدها هو خالق هذا الخلق و هو رب السموات و الارض، و انما يجب ان يكون هنالك إله غير محدود الجوانب بالبصر، و غير مشهود للعيان و هو الذي يجب ان يتجه اليه القوم و يؤمنوا به فكان اول تشكيكه في تلك الأصنام ان توجه الى ابيه معترضا و سائلا على ما جاء في القرآن:

(وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَ قَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏ (1).

ثم حين قوي ايمانه و يقينه بضلال هؤلاء القوم، و تيقن ان هذه العبادة هي الشرك باللّه و ان اللّه هو فاطر السموات و الارض و انه المعبود الذي لا شريك له قال:

(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (2) و راح يبشر بعقيدته و يدعو الى نبذ عبادة الاصنام، و يغرس الشكوك في نفوس القوم بآلهتهم حتى فشا ذلك عنه في قومه، ولكي يقيم ابراهيم الحجة المنطقية على ان هذه الأصنام ليست الا اخشابا او احجارا

____________

(1) سورة الانعام الاية 74،

(2) سورة الانعام الاية 79.

19

و هي لا تملك نفعا او ضرا تسلل في غفلة من القوم و كان لهم عيد يخرجون اليه جميعهم فلما خرجوا لم يخرج ابراهيم معهم الى العيد و خالف اصنامهم و هو يقول:

(تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) (1).

و جاء الاصنام و هي في بهو عظيم بعضها الى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، و هوى عليها فكسرها بفأس في يده حتى اذا بقي اعظم صنم منها ربط الفأس بيده ثم تركهن‏ (2).

فلما رجع القوم من مهرجان العيد ورأوا ما فعل بأصنامهم راعهم ذلك و اعظموه و قالوا (مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا) (3) فرد عليهم من يعرف ابراهيم و مخالفته لهم في دينهم قائلين: (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (4) و هم يعنون انه كان يسبّ الاصنام و ينال منها، و بلغ ذلك نمرود و اشراف قومه فجي‏ء به و قد كرهوا ان يأخذوه بغير بينة (5) و سألوه و هم عند ملكهم نمرود:

(أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ، قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (6).

و لم تفد هذه الحجة مع قوم نمرود و برموا به و حاولوا ان يقضوا عليه احراقا بالنار فنجا و خرج من العراق و لم يؤمن بدعوته الا القليل و كان منهم ابنة عمه سارة بنت هاران و قد تزوجها ابراهيم و هاجر بها و بمن آمن معه الى (حاران) من ارض كنعان.

و جاء في التوراة- التكوين: و اخذ تارخ ابرام (ابراهيم) ابنه و لوطا

____________

(1) سورة الانبياء الاية 57.

(2) الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 1 ص 97 ط صادر و دار بيروت‏

(3) سورة الانبياء الاية 59

(4) سورة الانبياء الاية 62

(5) ابن الاثير ج 1 ص 97 ط صادر و دار بيروت‏

(6) سورة الانبياء الاية 62.

20

بن هاران ابن ابنه و ساراي (سارة) كنته امرأة ابرام ابنه- و ذلك قبل ان تسمى ساره- فخرجوا معا من اور الكلدانيين ليذهبوا الى ارض كنعان، فأتوا الى حاران، و اقاموا هناك‏ (1)».

ثم جاء في التوراة التكوين «و حدث جوع في الأرض فانحدر ابرام الى مصر ليتغرب هناك لان الجوع في الارض كان شديدا، وحدث لما قرب ان يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته اني قد علمت انك امرأة حسنة المنظر، فيكون إذ رآك المصريون انهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني و يستقبونك، قولي انك اختي، ليكون لي خير بسببك و تحيا نفسي من اجلك» و كان ملوك مصر يومذاك العمالقة (الهكسوس) و تروي الأخبار و جلّها مستقاة من التوراة قصة طويلة عما جرى لابراهيم و سارة مع فرعون مصر ثم تقول ان فرعون هذا قد اهدى لسارة جارية اسمها (هاجر) و كانت سارة عاقرا حتى ذلك الحين فلم تلد لابراهيم و لدا و كانت (هاجر) جارية ذات هيئة فوهبتها سارة لابراهيم و قالت اني اراها امرأة وضيئة فخذها لعل اللّه يرزقك منها ولدا (2).

و خرج ابراهيم من مصر و نزل ارض فلسطين (بيت المقدس) و هي بلاد الكنعانيين، و قد وسع اللّه عليه و بسط له في الرزق و المال و الخدم، و هنا ولد اسماعيل من هاجر، فهاج ذلك غيرة (ساره) و غاظها ان ترى جاريتها تلد ولدا و هي لا تلد، فغضبت عليها و اخرجتها ثم اعادتها، و ليس من شك ان نزاعا حادا كان قد جرى بينهما و ربما طال امد هذا النزاع فاضطر ابراهيم للهجرة بهاجر و ابنها اسماعيل و قد اختلفت الأخبار في سن اسماعيل عند الهجرة و قال البعض انه كان رضيعا، و الراجح انه كان في سن اكبر و فوق سن الرضاعة فقد ورد في الأسباب التي حملت ساره على ان تفرض على ابراهيم الهجرة بهاجر و ابنها اسماعيل في قولها: (لا تساكني‏

____________

(1) التوراة التكوين 31 الاصحاح الحادي عشر

(2) تاريخ الامم و الملوك الطبري ج 1 ص 173.

21

هاجر في بلد) هو ان سارة قد حملت هي الأخرى باسحق فلما ولدته و كبر اقتتل هو و اسماعيل‏ (1)، فلم تطق سارة بعد ذلك ان تحتمل هاجر هاجر و ابنها اكثر مما احتملته. و قد رووا انه لما ولد لابراهيم اسحق من سارة و بلغ ثلاث سنين أقبل اسماعيل على اسحاق و هو في حجر ابراهيم فنحاه و جلس في مجلسه فبصرت به سارة فقالت: يا ابراهيم أ ينحّي ابن هاجر ابني من حجرك و يجلس هو في مكانه؟ لا و اللّه لا تجاورني هاجر و ابنها في بلاد ابدا فنحّهما عني؛ و كان ابراهيم مكرما لسارة يعزّها و يعرف حقها و ذلك لانها كانت من من ولد الانبياء و بنت خالته (كذا) (2).

و اقبل ابراهيم بام اسماعيل و اسماعيل حتى قدم بهما مكة و مع ام اسماعيل شنة (3) فيها ماء تشرب منها و عمد بهما الى دوحة فوق (زمزم) و وضعهما تحتها ثم رجع، فوضعت هاجر ابنها الى جنبها تحت الدوحة، و علقت شنتها تشرب منها حتى فني ماؤها، فانطلقت هاجر حتى صعدت (الصفا) لتنظر هل ترى شيئا فلم تر شيئا، و قيل انها فعلت ذلك سبع مرات، و كان ذلك اصل السعي عند الحجاج.

و تختلف هنا الروايات في هذه الهجرة و كيفيتها و اصل (زمزم) و ظهورها عند الدوحة لأول مرة، و اسباب تسمية (زمزم) و ما ارفق ذلك من الاخبار التي تقتصر على ما توردها قصص الأنبياء و ما يوردها الرواة التي لا تنسجم اخبارها و اخبار التاريخ.

و يعلق محمد فريد وجدي على ما ورد عن تلك الروايات فيقول:

«و يظهر لنا ان في هذه الروايات ضعفا، بل ان اكثر امثال هذه الروايات مخلوطة بالخرافات- ثم يقول- و يلوح لنا ان ابراهيم لم يطوح بامرأته و ولده‏

____________

(1) تاريخ الامم و الملوك (الطبري) ج 1 ص 178 ط 1- و الكامل في التاريخ لابن الاثير ج 1 ص 102 ط صادر و دار بيروت،

(2) مجمع البيان صورة الصافات الاية 112،

(3) الشنة:

هي القربة،

22

الى هذا الحد بل انتقل بامرأته الثانية الى جهات مكة لغرض من الأغراض بدليل انه كان قد زار بلاد العرب مرارا» (1).

و على مثل هذا الرأي كان غير قليل من المؤرخين كما سيجي‏ء البحث، و ليس هنالك من تناقض بين هذا الرأي و الآية القرآنية الواردة على لسان ابراهيم:

(رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) (2) اذ لا ينافي ذلك ان يكون الوادي ذا مياه و افياء مع كونه واديا غير ذي زرع.

اسماعيل‏

و على مقربة من مكة كانت منازل قبائل جرهم، بل قال بعضهم ان جرهم كانت اولى القبائل التي أقامت في (مكة) و انها كانت تقيم هناك قبل ان تجي‏ء هاجر و ابنها على حين تذهب روايات اخرى الى ان جرهم لم تقم الا بعد ان تفجرت (زمزم) و جعلت العيش في هذا الوادي الاجرد مستطاعا (3) و قبائل جرهم عرب يتكلمون اللهجة التي نزل بها القرآن و هي لغة بني معد.

فشب اسماعيل في قبيلة جرهم و اعطوه سبع اعنز فكانت اصل ماله و نشأ مع اولادهم و تعلم الرمي، و نطق بلسانهم‏ (4) و ماتت امه و تزوج باحدى بنات جرهم و اقام و اياها مع الجرهميين في هذا المكان الذي تمّ فيه تشييد البيت الحرام، و قامت مكة بعد ذلك من حوله.

و قيل ان اسماعيل قد تزوج مرتين و تتحدث الأخبار عن الزوجة الاولى و تدعي ان اسمها (عمارة) بنت سعيد بن اسامة (5) و تقول هذه الأخبار ان‏

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين في مادة اسماعيل.

(2) صورة ابراهيم الآية 37

(3) حياة محمد لهيكل ص 51 ط 1

(4) المعارف لابن قتيبة ص 16 ط 1.

(5) اخبار مكة للازرقي ج 1 ص 57 ط 1، و جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد انها كانت من العماليق ج 1 ص 33 ط لجنة نشر الثقافة،

23

ان ابراهيم رأى ان يزور إبنه بعد مرور هذه السنين و يستطلع خبره فجاء يسأل عنه حتى وقف على بيته و وجد امرأة اسماعيل فسألها عنه فقالت:

انه غائب، و ليس من شك ان يكون غيابه في الصيد، فقد كان الصيد يومذاك هو المعول في حياة تلك القبائل، و قد يقضي القوم في الصيد اياما و اسابيع، و لم يجد ابراهيم من زوجة ابنه اسماعيل ما كان مألوفا عند القبائل من ترحيب بالضيوف فقال لها ابراهيم- على ما تقول هذه الروايات: «قولي لزوجك اسماعيل اذا ما عاد انه قد جاءه شيخ صفته كذا و كذا و هو يقرئك السلام و يطلب منك: ان تغيّر عتبة بيتك لانه لم يرضها لك». ثم رجع من حيث أتى.

و حين رجع اسماعيل حدثته امرأته بحديث ذلك الشيخ فقال لها زوجها:

«و هذا أبي و انت عتبة بيتي، و هو لم يرض بك فارجعي الى اهلك» و أرجعها الى أهلها، و تزوج بجرهمية اخرى، قيل ان اسمها (رعلة) بنت مضاض التي ولد له منها اثنا عشر ذكرا فكان هو و جرهم بن قحطان الجدين الأولين للعرب المستعربة (1).

و جاء في التوراة على لسان اللّه يخاطب ابراهيم في اسماعيل «ها انا أباركه و أثمره، و اكثره كثيرا جدا، اثني عشر رئيسا يلد و اجعله امة كبيرة» (2).

و تقول الرواية: و لبث ابراهيم ما شاء اللّه ان يلبث ثم عاد مرة اخرى ليزور ابنه اسماعيل فألفاه غائبا كالسابق، و وجد امرأته الجديدة فاستنزلته و هي لم تعرفه و عرضت عليه الطعام و الشراب فسألها: ما طعامكم و شرابكم؟

قالت: اللحم و الماء. قال: هل من حبّ او غيره من الطعام؟ قالت: لا، قال:

بارك اللّه لكم في اللحم و الماء (3). و قالت بعض الروايات انها جاءته باللبن و اللحم ثم طلبت منه على سبيل المبالغة في إكرام الضيف و هو شيخ كبير

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين، مادة اسماعيل‏

(2) التوراة- التكوين- الاصحاح 17،

(3) اخبار مكة اللازرقي ج 1 ص 58 ط 2.

24

و على رأسه أثر من غبار السفر، طلبت منه ان تغسل له رأسه و هو على فرسه دون ان ينزل من فرسه و جاءته (بالمقام) (1) بالاناء و وضعته عند شقه الايمن، فوضع قدمه عليه فغسلت له شق رأسه الأيمن، ثم حولت (المقام) الى شقه الايسر و فعلت به كذلك، فقال لها اذا جاء زوجك فاقرئيه عني السلام و قولي له: الآن قد استقامت عتبة بابك. فلما جاء اسماعيل قالت له زوجته: لقد جاءنا من بعدك شيخ احسن الناس وجها، و أطيبهم ريحا، و قال لي كذا و كذا و قلت له كذا و كذا، و غسلت له رأسه، و هو يقرئك السلام و يقول: قد قد استقامت عتبة بابك فلا تغيرها. فقال لها اسماعيل:

ذلك هو ابي ابراهيم، و قوله هذا يدل على رضاه منك.

و ولد لاسماعيل من هذا الزواج كما مر اثنا عشر ولدا هم آباء العرب المستعربة، هؤلاء العرب الذين ينتمون من ناحية خؤولتهم في جرهم الى العرب العاربة ابناء يعرب بن قحطان. و من ناحية أبوّتهم لاسماعيل بن ابراهيم الذي يمتّ من ناحية امومته الى مصر بأوثق نسب، و من ناحية ابوته الى العراق و الى فلسطين، و الى حيث نزل ابراهيم من ارض اللّه‏ (2).

هذه القصة من قصص التاريخ- على ما اورد هيكل- يكاد ينعقد الاجماع على جملتها من ذهاب ابراهيم و اسماعيل الى (مكة) و ان وقع خلاف على التفاصيل، و الذي يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد، يروونها على ان هاجر ذهبت باسماعيل الى الوادي الذي به (مكة) اليوم، و كانت به عيون أقامت (جرهم) عندها فنزلت هاجر منهم اهلا و سهلا لما جاء ابراهيم بها و بابنها، و ان ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها، و عن سعيها سبعا بين الصفا و المروة، و عن (زمزم) و كيف نبع الماء منها فهو

____________

(1) و يرى البعض من الرواة ان المقام هو الحجر و قد وضعته زوجة اسماعيل تحت قدم ابراهيم في اثناء قيامها بغسل رأسه ثم شمله التقديس و عرف بمقام ابراهيم.

(2) حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل ص 51 ط 1.

25

موضع شك عندهم، و هناك من يرتاب في ذهاب ابراهيم و اسماعيل الى الحجاز و ينفي القصة من اساسها و من هؤلاء السير و ليم موير، و لكن هذا الارتياب يفتقر الى ما يسنده في حين ان جميع الروايات على خلاف هذا الرأي‏

قصة الذبح‏

و مصادر قصة الذبح هي نفسها مصادر قصة ابراهيم و مصادر قصة اسماعيل الواردة في الكتب المقدسة؛ و الرواة كابن عباس، و الصحابة، و قصص الأنبياء، و تتلخص القصة، في ان ابراهيم قد رأى في المنام ان اللّه يأمره بأن يذبح ابنه فقالت التوراة و معها بعض الرواة ان الذبيح هذا هو اسحاق بن سارة، و ان ذلك كان في فلسطين‏ (1)، و قال الراوون الآخرون بل الذبيح هو اسماعيل و ان ذلك كان في مكة، و اورد القرآن قصة الذبح و لكن لم يعين اسم الذبيح في القصة. و كل ما جاء هو ان ابراهيم قد اخذ ابنه امتثالا للرؤيا التي رآها لقد اخذه لكي يذبحه و يحرقه و يقدمه قربانا فسار به في الصباح، و تقول الآية (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏، قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» (2).

و تكثر الروايات و بأساليب مختلفة و عن طرق مختلفة من الرواة عن الذبيح و كيف جرى هذا الذبح حتى لقد علق الدكتور محمد حسين هيكل على احدى قصص الذبح، يقول: و تسبغ بعض الروايات على هذه القصة خيالا شعريا تدعونا روعتها ان نقصها ثم يسرد تلك القصة (3).

____________

(1) التوراة- التكوين 9- 10 الاصحاح الثاني و العشرون،

(2) صورة الصافات الاية 107،

(3) حياة محمد ص 49 ط 1.

26

و ملخص ما تروي المصادر عن كيفية الذبح هو ان ابراهيم لما رأى في المنام ان يذبح ابنه و تحقق لديه من هذه الرؤيا انها أمر رباني فيه رضا اللّه قال لابنه: يا بني خذ الحبل و المدية و انطلق بنا الى هذه الهضبة لنحتطب لاهلنا، و فعل الغلام و تبع والده، و هناك أفضى ابراهيم الى ابنه برؤياه و سأله رأيه في الأمر؟ فقال: يا أبت افعل ما تؤمر. و هم ابراهيم بالتنفيذ و لكن اللّه افتدى الغلام بكبش عظيم و نودي ان قد صدقت الرؤيا فالتفت ابراهيم و اذا بكبش على مقربة منه فعلم انه هو الفدية، فذبحه و حرقه و آمن بأن اللّه قد قبل منه و من ابنه هذا الفداء، و هذا خلاصة ما تذكره الكتب المقدسة و الروايات في الذبيح، فاذا كان الذبيح اسحاق على ما تقول التوراة و يروي الرواة فيجب ان يكون مسرح هذه القصة في فلسطين، اما اذا كان الذبيح اسماعيل كما يروي الآخرون فيجب ان يكون مسرح القصة في مكة.

27

بناء البيت‏

و اختلف الرواة فيما اذا كان هنالك بيت او بنية سبقت عهد ابراهيم في مكة، فلما جاء ابراهيم الى مكة شيد هذا البيت على أسسه ام ان ابراهيم قد قام بتشييد هذا البيت ابتداء في هذا المكان الذي يقوم فيه بيت اللّه اليوم، فقد أوردت بعض المصادر من الأخبار ما يستدل منه ان لمكة هذه كانت بنية من قبل و ان هنالك مواسم كانت القبائل تأتي مكة فيها، و ان مكة هذه كانت هذه ممرا للقوافل و سوقا للتجارة يقع فيها التبادل في البضائع بين القوافل المارة من هناك و كان الناس يحجون إلى مكة و الى موضع البيت الذي كان مبنيا من الطين مخطط الكعبة كما بناها ابراهيم على ما يدعى البعض نقلا من كتاب (مكة المكرمة- و المدينة المنورة) بالانكليزية تأليف أميل ايسين‏

قبل الطوفان حتى بوأ اللّه مكانه لابراهيم لما اراد أللّه عمارته و اظهار دينه و شعائره، كما أشرنا في ذلك من قبل. و تذهب هذه الروايات الى مدى ابعد من التصور فتقول عن هذا البيت انه «لم يزل منذ اهبط آدم الى الأرض معظما محرما تتناسخه الأمم و الملل امة بعد امة و ملة بعد ملة!!» (1).

____________

(1) معجم البلدان في مادة الكعبة.

28

و هناك من يذهب الى ان ابراهيم قد هاجر باسماعيل و امه في الموسم فقد رأى في المنام أمر اللّه بأن يهاجر باسماعيل و امه من ارض الشام في الموسم- و كان ذلك في ذي الحجة- الى مكة و يذبحه في الموسم‏ (1) و هو يدل على ان هنالك كان موسم، و كان اجتماع، إذ يستبعد ان يكون هذا الموسم قد سنّه ابراهيم و صار موسما عاما فذبح فيه ابنه اسماعيل و الموسم في عامه الأول.

و لكن اكثر الرواة على ان اول من بنى البيت كان ابراهيم، فما لبث ابراهيم بعد زيارته ابنه اسماعيل للمرة الثانية في مكة حتى عاد مرة اخرى من ارض الشام الى مكة و في هذه المرة فاجأ ابنه اسماعيل و هو جالس يصلح نبلا له و لا شك ان اللقاء بين الأب و الابن كان مؤثرا و ان الحديث كان طويلا و هناك اي في هذه الزيارة قال لابراهيم: يا اسماعيل ان اللّه قد أمرني ان ابني له بيتا هنا قال اسماعيل: فأطع ربك، فقال ابراهيم: و قد امرك ان تعينني على بنائه، قال: فافعل.

و لا بد ان الاب و الابن قد أعدّا العدّة حينذاك و هيآ المواد اللازما و في تعيين مكان البيت و المواد روايات كثيرة، و استمرا في البناء (وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ‏ (2).) و كلما انجزا قسما منه دعوا اللّه قائلين: (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ (2).) و حين ارتفع الجدار و عجز الأب الشيخ ان يضع الحجارة فوق الحجارة رأى ان يضع حجرا و يقوم عليه، و لم يزل مكان هذا الحجر يعتبر مقاما لابراهيم لانه وقف عليه في اثناء بناء البيت، و جعل ابنه اسماعيل يناوله الحجارة، و قد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان الى ايام عمر بن الخطاب (رض) فأخّره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين‏

____________

(1) مجمع البيان- سورة الصافات الاية 113.

(2) سورة البقرة الاية 127.

29

عنده و الطائفين بالبيت‏ (1). و في مقام ابراهيم من الآية (وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) اختلاف عند المفسرين فقال بعضهم: ان مقام ابراهيم هو مراسيم الحج اي الحج كله، و قال البعض بل المقصود بمقام ابراهيم: عرفه و المزدلفة و الجمار، و قيل الحرم كله، و عن السعدي ان مقام ابراهيم هو الحجر الذي كانت زوجة اسماعيل وضعته تحت قدم ابراهيم حين غسلت رأسه‏ (2) و يفسر المفسرون قول ابراهيم و ابنه اسماعيل‏ (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) على انهما بنيا الكعبة مسجدا لامسكنا لانهما التمسا الثواب عليه و الثواب انما يطلب على الطاعة.

و استدل المستدلون على ان هذا اول بيت بني كمسجد للعبادة و كبيت للّه الذي عبده ابراهيم و من بعده اسماعيل و دعا اليه و لم يكن نظير له من قبل لقد استدلوا عليه في الآية: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ (3).) على الرغم مما ورد من الاختلاف و التفاسير في كونه البيت الأول.

و ابرز ما في هذا البيت مما قدس هو الحجر الأسود الذي وضع في البناء و ربما افرد فاكتفوا بقولهم (الحجر) بدون وصف اعظاما له، و من ذلك قول عمر بن الخطاب (رض) يخاطب الحجر الأسود و هو يؤدي مراسيم الحج «و اللّه انك حجر و لو لا اني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يفعل كذا ما فعلت» (4).

فأما قول الفرزدق:

و إذا ذكرت أباك أو أيّامه‏* * * أخزاك حيث تقبّل الاحجار

فانه جعل كل ناحية منه حجرا، ألا ترى انك لو مسست كل ناحية منه لجاز ان تقول: مسست الحجر (5).

____________

(1) البداية و النهاية في التاريخ ج 1 ص 164 ط 1.

(2) التبيان في تفسير القرآن سورة البقرة.

(3) سورة آل عمران الاية 96.

(4) لسان العرب لابن منظور في مادة حجر ط صادر و دار بيروت.

(5) المصدر السابق.

30

دين ابراهيم‏

و بعد ان اتم ابراهيم و اسماعيل بناء البيت تعينت هنالك الفروض الواجبة.

على ابراهيم و اسماعيل و المؤمنين بدعوته الى الوحدانية، و تتلخص ديانة ابراهيم بأنه كان (حنيفا) ففسر البعض الحنيفية بالاستقامة و قالوا اي انه كان مستقيما (1)، و ايدت الأخبار المستقاة من النصوص المقدسة و الروايات ان ديانة ابراهيم كانت ديانة مستقلة لم تنهج نهج ديانات اخرى و قد ايدها الاسلام بعد ذلك و اعتبرها من اسس دعوته، و قد استدل المستدلون على ديانة ابراهيم المستقلة و تأييد الاسلام لها من الآية:

(ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لا نَصْرانِيًّا وَ لكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ (2).)

ثم استدلوا على ان ابراهيم لم يكن مشركا و ان طقوسه كانت مقبولة و لم يرد بها الا الدعوة الى الوحدانية في بناء البيت لكي يحضروا عنده و يدعو اللّه من قلوب خالصة و يصلوا الى ربهم انهم يستدلون على ذلك بالآية:

(وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (3).)

قال المبرد: كأنه قال وحدّني في هذا البيت و ذلك معنى‏ (لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) و طهر بيتي من الشرك و عبادة الأوثان، و من الآية الاخرى:

(وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (4)) اتخذوا دلائل اخرى على اتجاه ابراهيم في ديانته و الغرض المطلوب من بناء البيت.

____________

(1) مجمع البيان سورة آل عمران الاية 67.

(2) سورة آل عمران الاية 67 و 68.

(3) سورة الحج الاية 26.

(4) سورة البقرة.

31

و كما لم يكن لدى المؤرخين في الغالب ما يرجعون اليه في تعيين دين ابراهيم و أسسه و بناء البيت و أركانه غير الكتب المقدسة و الأحاديث و الروايات فإنه ليس في الطقوس الدينية في الحج من مصدر غيرها و قد روت هذه المصادر روايات مختلفة لا يخرج مفهومها عن ان طقوس الحج التي التي يقوم بها المسلمون و الصلاة التي يؤدونها اليوم تكاد تكون نفس الطقوس التي قام بها ابراهيم، و هي موضع مناقشة عند المؤرخين لا سيما فيما يتعلق بالصلاة التي لم تعين تلك المصادر نوعها، و بمواقيتها التي وردت في تلك الأخبار، و مجمل تلك الاقوال هو ان ابراهيم حين فرغ من بناء البيت دعا الناس ممن آمن بدعوته الى الحج و خرج بابنه اسماعيل و بمن لبّى دعوته يوم (التروية) فنزل بهم (منى) و صلى بهم الظهر، و العصر، و المغرب، و العشاء الآخرة، ثم بات بهم حتى أصبح فصلى بهم صلاة الفجر، ثم غدا بهم الى (عرفة) فقام بهم هنالك حتى اذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين:

الظهر و العصر ثم راح بهم الى الموقف من (عرفة) فوقف بهم على (الاراك) و هو الموقف من (عرفة) الذي يقف عليه الامام يريه لاسماعيل و يعلّمه، فلما غربت الشمس دفع ابراهيم باسماعيل و بمن معه حتى اتى (المزدلفة) فجمع فيها بين الصلاتين: المغرب و العشاء الآخرة، ثم بات به و بمن معه حتى اذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة ثم وقف على (قزاح) من (المردلفة) فيمن معه و هو الموقف الذي يقف به الامام، حتى اذا أسفر دفع باسماعيل و بمن معه يريه و يعلمه كيف يصنع حتى رمى (الجمرة الكبرى)، و اراه (المنحر) من (منى) ثم نحر، و حلق، ثم أفاض به من منى ليريه كيف كيف (يطوف) ثم عاد به الى (منى) ليريه كيف يرمي (الجمار) حتى فرغ له من الحج و أذن به في الناس‏ (1).

و تكرر بعد ذلك حج ابراهيم، و كان ابراهيم يحجه في كل سنة، و حجّت‏

____________

(1) الطبري ج 1 ص 183 ط 1، و ابن الاثير ج 1 ص 107 ط صادر و دار بيروت، و نهاية الارب ج 1 ص 308، و اغلب التفاسير.

32

بعد ذلك الانبياء و الامم، و في رواية عن عبد اللّه بن ضمرة السلولي: «ما بين الركن الى المقام، الى زمزم قبر تسعه و تسعين نبيا جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك» (1) و جاء: «كان النبي من الأنبياء اذا هلكت امته لحق بمكة فتعبد بها النبي و من معه حتى يموت، فمات بها نوح، و هود، و صالح، و شعيب، و قبورهم بين زمزم و الحجر» (2) و مات ابراهيم و دفن في المغارة التي كانت بحبرون الحيثي عند امرأته (ساره) بمدينة الخليل في الأردن، و لم يزل البيت على ما بناه ابراهيم الى ان هدمته قريش سنة 35 من مولد النبي.

البيت، و الكعبة، و المسجد الحرام‏

و اطلق على بيت اللّه اسم (البيت) و (البيت العتيق) و (الكعبة)، لتكعيبها- اي تربيعها- و المسجد الحرام، و يقال البيت الحرام، كما يقال المسجد الحرام و قد اورده القرآن باسم البيت في عدة آيات سبق ان اوردنا بعضها شواهد فيما مرّ و نورد هنا جميع الآيات الأخرى التي ورد فيها اسم البيت مقصودا به الكعبة قد ايد الاسلام شعائر ابراهيم و نهى عن قتال الآمّين الى البيت و منحهم الأمن فيه، و حقن حتى دم الحيوان في الحرم.

فالآيات القرآنية التي ورد فيها اسم البيت هي:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) (3).

(لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ (4)).

(وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً) (5).

(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (6)

____________

(1) نهاية الارب للنويري ج 1 ص 309 ط دار الكتب.

(2) المصدر السابق ص 314.

(3) سورة المائدة.

(4) سورة الحج.

(5) سورة الانفال.

(6) سورة قريش.

33

(وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (1).

(وَ الطُّورِ، وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ، وَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) (2).

(وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً، وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (3).

(إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) (4).

و هناك آية جمعت بين اسم البيت و الكعبة في القرآن:

(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ) (5).

و ما عدا ذلك فقد ورد اسم الكعبة في القرآن مرة واحدة و ذلك في الآية:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) (6)

و ورد اسم المسجد الحرام بقصد البيت في القرآن في اربعة مواضع:

(إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) (7).

(هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (8).

(لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (9).

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ) (10).

____________

(1) سورة الحج.

(2) سورة الطور.

(3) سورة البقرة.

(4) سورة البقرة.

(5) سورة المائدة الاية 96.

(6) سورة المائدة الاية 98.

(7) سورة التوبة.

(8) سورة الفتح.

(9) سورة الفتح.

(10) سورة الحج.

34

تمصير مكة

و عهد ابراهيم بالدعوة الى ابنه اسماعيل و صار لمكة شأن آخر غير شأنها الذي جعل منها ممرا للقبائل القادمة من اليمن في طريقها الى الشام و القبائل القادمة من الشام في طريقها الى اليمن و ليس من البعيد ان يكون هذا العبور و المرور و إقامة القوافل يوما او يومين بقصد الاستراحة سببا آخر لنشر دعوة اسماعيل و ازدياد عدد الحجاج في كل موسم من المواسم. و لا بد لموقع مثل هذا انحصر به المرور و العبور، و استراحة القبائل بالاضافة الى ما تستدعيه قدسيّته لوقوع بيت اللّه فيه و كثرة آبار المياه من التوجه إليه و الطواف به و التبرك بحجه نقول: لا بد ان يكون هناك موقع استراتيجي في عالم العبادة و التجارة و الكسب و تبادل المنافع، لذلك من الطبيعي- شأن تمصير اي مدينة قديمة ام حديثة- ان يتخذه من تقتضيهم مصالحهم سكنا، و مع ذلك لم نجد في المصادر ما يشير الى ان هؤلاء السكان قد عرفوا البناء من ز من طويل و في ايام قريش على اغلب الظن.

و يستدل من تصفح هذه الأخبار و المصادر ان مكة قد عمرت بالسكان في عهد اسماعيل حتى كان لها نظام حكم و سلطة، و ادارة، خصوصا ان مكة كبرت و اتسعت و تشابكت مصالح سكانها، و اصبحت لها مواسم‏

35

تختلف مهماتها من طقوس دينية، و عروض تجارية، و غير ذلك من النوازع و الغايات.

و اوردت هذه المصادر ان اسماعيل قد خلف من زوجته الثانية اثني عشر ولدا هم:

نابت، و قيدار، و أذيل، و ميشا، و مسمع، و رما، و ماش، و آذر، و قطورا، و قافس، و طميا، و قيدمان‏ (1).

امارة جرهم‏

و يقول المؤرخون أن من (نابت) و (قيدار) ابني اسماعيل نشر اللّه العرب‏ (2)، و على هذا يذهب اكثر المؤرخين فينسبون عرب الحجاز كلهم الى (نابت) و (قيدار) كما قد اشرنا الى ذلك من قبل و حين توفي اسماعيل و دفن الى جوار امه (هاجر) بالحجر كان الرئيس بعده و القائم بالأمور و الحاكم المطلق في مكة و الناظر في امر البيت و زمزم هو (نابت) بن اسماعيل على الرغم من ان اسماعيل كما تقول الروايات الاخرى قد اوصى لاخيه اسحاق و هو في بر الشام (فلسطين)، و لقد تغلبت (جرهم) على البيت بعد ذلك بداعي الخؤولة او القدرة و البأس فحكمت بمكة و ما والاها عوضا عن بني اسماعيل بالرغم من كثرة اولاد اسماعيل و شرفهم و انتشارهم بمكة كما تقول الروايات، و احسن الجرهميون ادارة الحكم و اشتهر بعض حكامهم بالمقدرة و حسن السيرة و قوة البأس كان اشهرهم (مضاض) بن عمرو الجرهمي، و كان قد تولى الحكم بعد (نابت) مباشرة، ثم الحارث، ثم عمرو بن الحارث ثم مضاض ابن عمرو بن الحارث، و لكل من هؤلاء ذكر غير قليل في الروايات.

____________

(1) يختلف ورود هذه الاسماء في أكثر المصادر حتى ليكاد يستقل كل مصدر ببعض التحريف او التصريف في ايراد اسماء ابناء اسماعيل.

(2) الكامل في التاريخ ج 1 ص 125.

36

و في ايام جرهم داهم السيل (البيت) و كان سيلا جارفا فهدم البيت فقامت جرهم و اعادة البناء على الأسس التي اقامها ابراهيم، و من اهم ما جعل لمكة شأنا بعد ذلك، و حرمة في النفوس هو حلف الفضول الذي شدد في رعاية حقوق الضعفاء و المحتمين بالبيت في ايام حكومة الجرهميين على الرغم مما قيل عن عبثهم بالأموال و الهدايا التي كان الناس و القبائل يهدونها للكعبة.

حلف الفضول‏

هو حلف جرى بمكة يهدف الى الأخذ بنصرة الضعيف و اخذ حقه من القوي، و يرعى حقوق الغرباء الذين يسكنون مكة و يحمي الاقلية التي تحل مكة من الأكثرية، و يردّ كل اعتداء يقع من اية جهة اتباعا لدعوة الانصاف، و انما سمي بحلف الفضول لانه «قام به رجال من جرهم كلهم يسمى الفضل: الفضل بن الحرث، و الفضل بن و داعة، و الفضل بن فضالة فقيل له حلف الفضول جمعا لأسماء هؤلاء» (1).

و ظل هذا الحلف معمولا به الى ايام قريش، و صار موضع فخر لمكة و فخر للعرب جميعا لما كان يتضمن من عهود شريفة نبيلة، و قد تجدد هذا الحلف في أيام قريش بدار عبد اللّه بن جدعان و أدركه النبي (ص‏) فقال: لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلف الفضول، و لو أدعى اليه في الاسلام لأجبت.

قال محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي: «كان بين الحسين بن علي ابن ابي طالب و بين الوليد بن عتبة بن ابي سفيان منازعة في مال كان بينهما، و الوليد يومئذ أمير على (المدينة) لعمّه معاوية، فتحامل الوليد لسلطانه، فقال له الحسين: أقسم باللّه لتنصفنّي أو لأخذنّ سيفي ثم لأقومنّ في مسجد

____________

(1) لسان العرب في مادة (فضل) ط صادر و دار بيروت.

37

رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ثم لأدعونّ (بحلف الفضول) فقال عبد اللّه ابن الزبير- و كان حاضرا- و انا أحلف باللّه لو دعا به (اي الحسين) لأجبته حتى ينصف من حقه او نموت، و بلغ المسور بن مخرمة الزهري فقال مثل ذلك، و بلغ عبد الرحمن بن عثمان بن عبد اللّه التيمي فقال مثل ذلك، فلما بلغ الوليد ذلك أنصف الحسين من نفسه حتى رضي‏ (1)».

إتساع رقعة مكة

و اتسعت رقعة مكة باتخاذها سكنا لما كان يستدعيه حسن الادارة و طلب المثوبة، و الحث على سكناها من لدن جميع الأنبياء الذين كانوا في مختلف أنحاء الحجاز، فقد جاء في الروايات ان النبي (صالحا) قال لمن آمن به من قومه: ان هذه الدار- يعني مساكنهم- قد سخط اللّه عليها و على أهلها فاظعنوا عنها فانها ليست لكم بدار، فقالوا له: فأين تريدنا نذهب؟ قال:

تلحقون بحرم اللّه و أمنه- يعني مكة- فاني لا أرى لكم دونه، فانطلقوا آميّن البيت الحرام حتى وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا و تلك قبورهم غربي الكعبة بين (دار الندوة) و دار بني هاشم، و كذلك فعل (هود) و من آمن معه، و كذلك فعل (شعيب) و من آمن معه‏ (2).

و الذي زاد اهمية مكة و اتساع رقعتها و كثرة الوافدين عليها من الحجاج ان كانت نفائس الأمتعة و الاعلاق و الحلي التي تهدى الى الكعبة و الأموال التي تجبى اليها قد جعلتها اهم سكن في جزيرة العرب حتى لقد كان لها في ايام (جرهم) خزانة بئر في (البيت) يلقى فيها الحلي و المتاع و السلاح مما كان يهدى الى (البيت) و في ضمن ما كان قد أهدي للبيت غزالتان من الذهب، و اسلحة من الذهب مما دل على ان حياة مكة كانت رخية ناعمة.

____________

(1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 42 ط صادر و دار بيروت.

(2) البداية و النهاية ج 2 ص 185 ط 1.

38

امارة خزاعة

و كانت قبيلة خزاعة تنزل حول الحرم في ايام جرهم، و قد اختلف المؤرخون في اصل خزاعة فقال بعضهم ان اصلها من اليمن كالجرهميين، و قد هاجرت بسبب ما كان ينتظر من الدمار الذي يخلفه سيل العرم و اقامت في مكة، و قال بعضهم بل إن خزاعة من بني اسماعيل، و كيفما كان فقد اطمع رخاء مكة و شأنها العظيم و وفرة النعمة خزاعة بامارة مكة و كان ذلك في ايام حكم مضاض بن عمرو بن الحارث، فقامت خزاعة في وجه جرهم، و وقع القتال بينهما، و اعتزل بنو اسماعيل الفريقين، فتغلبت خزاعة على جرهم و انتزعت منهم الامارة، و أجلتهم عن مكة فقصدوا اليمن موطن اصولهم إذ لم يبق لهم مأمل في مكة.

و من قصيدة منسوبة لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي الذي غلب على امره و أجلي عن مكة هو و من تبعه يستخلص الباحث بعض الرخاء و النعمة و راحة النفس التي كانت تتمتع بها مكة، يقول مضاض عن مكة و هو في طريقه إلى اليمن جاليا:

و قائلة و الدمع سكب مبادر* * * و قد شرقت بالدمع منها المحاجر

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكّة سامر (1)

بلى نحن كنّا أهلها فأزالنا* * * صروف الليالي و الجدود العواثر (2)

و كنّا ولاة البيت من بعد (نابت)* * * نطوف بذاك البيت و الخير ظاهر

الى ان يقول:

و صرنا احاديثا و كنّا بغبطة* * * بذلك عضّتنا السنون الغوابر

فسحّت دموع العين تبكي لبلدة* * * بها حرم أمن و فيها المشاعر

____________

(1) الحجون- جبل باعلى مكة، و الصفا- مكان معين من اعالي جبل ابي قبيس.

(2) هكذا وردت في اغلب المصادر فتركناها على حالها.

39

و تبكي لبيت ليس يؤذى حمامه‏* * * يظل به أمنا و فيه العصافر

و فيه و حوش لا ترام أنيسه‏* * * اذا خرجت منه فليست تغادر (1)

على ان بعض المصادر قالت ان الواقعة قد حدثت في ايام عمرو بن الحارث و ليس في ايام ابنه مضاض و ان هذا الشعر انما هو لعمرو و انه هو الذي أجلي عن مكة و ليس ابنه مضاضا كما ذكرنا، و تزعم بعضن المصادر ان هذه القصيدة و غيرها من ابيات عمرو بن الحارث كانت اول شعر عربي قيل و لم يقل قبله احد شعرا!! (2).

و غير هذا الكثير الذي يدل على توسع رقعة مكة و ازدياد عدد سكانها يوما بعد يوم لما امتازت به هذه البلدة من رخاء و أمن و عزة.

و يقول الأزرقي في اخبار مكة و في قوله دلالة اخرى على النعمة و الرخاء التي كانت تتمتع به مكة في امارة خزاعة خاصة، يقول «و احتازب خزاعة حجابة الكعبة و ولاية امر مكة و فيهم بنو اسماعيل بن ابراهيم بمكة و ما حولها لا ينازعهم احد منهم في شي‏ء من ذلك و لا يطلبونه فتزوج (لحي)- و هو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر (الخزاعي)- (فهيرة) بنت عامر بن عمرو ابن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي ملك جرهم فولدت له (عمروا) و هو عمرو بن لحي، و بلغ بمكة و في العرب في حطمة حطموها عشرة آلاف ناقة؟ و كان قد اعور عشرين فحلا، و كان الرجل في الجاهلية اذا ملك الف ناقة فقأ عين فحل إبله! فكان قد فقأ عين عشرين فحلا!! و كان اول من اطعم الحاج بمكة سدايف الابل‏ (3) و لحمانها على الثريد، و عمّ في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة اثواب من برود اليمن».

فمن اين لعمرو هذا عشرون الف بعير؟ و من اين له كل هذا الثراء

____________

(1) وردت هذه القصيدة باختلاف في بعض الاصول في كتب السير و التاريخ.

(2) البداية و النهاية ج 2 ص 189 ط 1.

(3)- السدايف: شحوم السنام من الابل.

40

الذي ينفق منه آلاف البرود اليمنية الغالية الثمن على الحجاج، و يطعم هؤلاء الحجاج شحوم السنام لو لم تكن مكة قد تجاوزت الحدود في الرخاء و النعمة و فيما كان يدخل اليها من المداخل؟

و لقد دافعت خزاعة عن مكة و الحرم غير مرة، و كان بعض التبابعة من اليمن قد سار الى البيت غازيا و اراد هدمه و تخريبه فقامت دونه خزاعة و قاتلت عليه اشد القتال حتى رجع ثم غزاها غزوة اخرى و هكذا (1) و كانت لخزاعة نفوس أبية منعتها من ان تمد يدا الى الاموال و الهدايا التي تهدى الى الكعبة، و لا بد ان يكون هذا الاباء قد انعكس في ادارة حكمها فزاد من قيم الأنظمة و اعزاز البيت و تقديسه.

مكة في ايام قريش‏

و تولت خزاعة الحكم نحو ثلثماية سنة، و قيل خمسماية سنة تولت بعدها قريش الحكم و ولاية البيت بزعامة (قصي) بن كلاب بعد حرب وقعت بين خزاعة و بين القبائل التي استعان بها قصي لانتزاع الحكم من مخطط بناء الكعبة في عهد قريش نقلا عن كتاب (مكة المكرمة و المدينة المنورة) بالانكليزية- تاليف اميل ايسين.

ايدي خزاعة، و انتهت هذه الحرب بالتحكيم و تولى قصي ولاية البيت و امارة مكة و بقيت مكة تحت حكم قريش حتى قام الاسلام.

و تغير اسلوب الحكم و طريقة الادارة منذ ان تول قصي بن كلاب امارة مكة، و قام بحفر عدد من الآبار زادت من ثروة البلاد المائية، و اوجد تشريعات جديدة، و احدث وظائف اكثر ضمانا لتنظيم حياة السكان في مكة.

____________

(1) اخبار مكة ج 1 ص 103 ط 2.

41

دار الندوة

و انشأ قصي في داره مجلسا اشبه بالمجلس النيابي باسم (دار الندوة) و قد بنى داره هذه و جعل بابها الى مسجد الكعبة، و سن لها تشريعا يقصر بمقتضاه دخولها على اولاده كافة و على من يبلغ الأربعين من العمر من قريش، و في دار الندوة هذه كانت تجتمع قريش للتداول في الرأي و التشاور في كل امر يخص المدينة او البيت الحرام، فلا يبرمون شيئا الا فيها، و لا يعتقدون لواء لحرب قوم من غيرهم الا فيها يعقده لهم بعض اولاد قصيّ و لا تفصل خصومة بينهم الا هناك.

قال الكلبي: و هي اول دار بنيت بمكة ثم تتابع الناس فبنوا من الدور ما استوطنوه، و كلما قربوا من عصر الاسلام ازدادوا قوة و كثرة حتى دانت لهم العرب، و صار امر قصي في قريش كالدين المتبع، و سميت (الندوة) لأنهم كانوا ينتدون فيها اي يجتمعون للخير و الشر (1) و كثر المنتدون بعد ذلك فكان لعبد المطلب مجلس في ظل الكعبة على فراش يعد له لا يجلس عليه احد غيره احتراما له و اجلالا لقدره، و في جوار الكعبة كانت قريش تسمر في اندية تسمع فيها المواعظ و الأخبار، و غير ذلك.

طراز الحكم و صفته‏

و عظم شأن مكة و كثرت مواردها و تعددت المرافق و النواحي التي تفتقر الى الرعاية و ادارة شئون البلد الواسعة و صار الحكم فيها منذ عهد قصي الذي تولى حكمها يقرب من الحكم الديمقراطي الذي يشترك في ادارته غير واحد من الحكام مما يشبه الحكم الشوري و كانت مناصب مكة تقوم على ستة اسس تعتبر هي القواعد الأساسية لادارة شؤون مكة الخاصة و العامة،

____________

(1) بلوغ الارب ج 1 ص 272 ط 2.

42

و هي: السدانة، و دار الندوة، و اللواء، و السقاية و الرفادة، و القيادة.

و كان من أولاد قصي عبد مناف، و كانت له و جاهة و شخصية تكاد تحصر ز عامة ابيه فيه و قد شق ذلك على الاب و الام ان لا يكون للابن الثاني و هو عبد الدار هذه المنزلة و رأى الأب ان يقسم هذه المناصب بينهما فناط بابنه عبد الدار (السدانة) و (دار الندوة) و (اللواء).

و السدانة- هي الحجابة و باستطاعة المتولي لها ان يحجب الكعبة لان مفتاحها بيده وحده يفتح بابها للناس و يقفله، و لها المقام الأول عندهم، و مثل هذا المنصب قديم عند اليهود، فقد كانت عندهم كاهن خاص لحراسة الهيكل يسمونه حافظ الباب، و قد جعل صاحب (العقد الفريد) السدانة و الحجابة منصبين‏ (1).

دار الندوة- و قد مر ذكرها و هي ادارة شؤون الشورى و ما يتعلق ببلوغ الرشد عند الفتيان و الفتيات و غير ذلك من مهام هذه الندوة.

اللواء- هو الراية- و قد كانت لقريش راية تسمى العقاب، فكانوا اذا ارادوا الحرب اخرجوها، فاذا اجتمع رأيهم على واحد سلموه اياها و الا فانهم يسلمونها الى صاحبها (2).

ثم ناط قصي بابنه عبد مناف المناصب الثلاثة الأخرى و هي: (السقاية) و (الرفادة) و (القيادة).

و السقاية- اما السقاية فحياض من أدم (جلود كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة و يسقى فيها الماء العذب من الآبار على الابل و يسقاه الحجاج.

و الرفادة- خرج من المال كانت قريش تخرجه من اموالها في كل موسم فتدفعه الى قصي يصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن معه سعة و لا زاد.

____________

(1) تاريخ التمدن الاسلامي ج ص 38 ط جديدة.

(2) نفس المصدر المتقدم.

43

و في احدى السنين و كانت الرفادة بيد عمرو بن عبد مناف اصاب البلد قحط و جدب شديد، فخرج عمرو بن عبد مناف الى الشام فاشترى بماله دقيقا و كعكا، فقدم به مكة في الموسم، و هشم ذلك الكعك و نحر الجزور و طبخه و جعله ثريدا و اطعم الناس، و كانوا في مجاعة شديدة حتى أشبعهم فسمي منذ ذلك الحين باسم (هاشم) و لم يعد احد يسميه عمروا لانه هشم الثريد لأهل مكة (1). و في ذلك يقول الشاعر مشيرا إلى هاشم:

عمرو العلا هشم الثريد لمعشر* * * كانوا بمكة مسنتين عجاف‏ (2)

و القيادة- هي إمارة الركب و يتقدم صاحبها الركب و يقودهم للقتال في الحرب و يتزعمهم في قيادته في الخروج للتجارة.

و تفرعت بعد ذلك من هذه المناصب مناصب اخرى اهمها: (الاشناق) و هي النظر في الديات و الغرم، و (القبة) و هي جمع تجهيزات الجيش في الحرب، و (الاعنّة) و هي تدبير شؤون الخيل عند قريش في الحرب، و (المشورة) و هو منصب مهمته اسداء النصيحة و المشورة و قد كان هذا المنصب في بني اسد فلم تكن قريش تجتمع على امر حتى يعرضوه على بني اسد، و (السفارة) في القيام بالاتصال بين قريش و غيرهم من القبائل اذا وقعت حرب او تطلب الأمر الى مذاكرة و صلح، و (الايسار) و هي الازلام التي كانوا يستقسمون بها للاستخارة بما يشبه سحب القرعة، و كان يتولى ذلك رجل من بني جمح، و (الحكومة) و هي التي تحكم بين الناس اذا اختلفوا، و (الاموال) المحجرة و هي الأموال التي كانت تخص آلهتهم من النقد و الحلي و السلاح و هي ما تشبه (بيت المال) في الاسلام، و كانت ولايتها في بني سهم، و (العمارة) و يراد بها ان لا يتكلم احد في المسجد

____________

(1) اخبار مكة للازرقي ج 1 ص 110 ط 2.

(2) مسنتين- اي اصابهم القحط الجدب، و العجاف الضعف من الجوع و انعدام الغلة.

44

الحرام بهجر و لا رفث و لا يرفع صوته على ما وصف به العقد الفريد، و يمكن ان يوصف صاحبها بالمسؤول او المحافظ على حرمة البيت‏ (1).

و يعلق جرجي زيدان على هذه المناصب فيقول ان بعض هذه المناصب لا اهمية لها على الاطلاق و لكن يظهر انهم قد اكثروها ليرضوا كل بطون قريش خوفا من التحاسد و إجلالا لقدر الكعبة و المبالغة في تعظيمها، و ترى انهم جمعوا بها بين السياسة و الدين و الادارة و الحرب و لكنهم اقتسموها فيما بينهم بما يشبه الجمهورية، او هو نوع من الحكومة لا ترى له شبيها بين الامم المتمدنة، و ربما اشهت الحكومة الشورية بعض الوجوه الا ان للشورى، رئيسا كالملك او السلطان او رئيس الجمهورية، و ليس في هذه شي‏ء من ذلك الا ما قد يكون لصاحب (دار الندوة) او السدانة من الرياسة (2).

و كان لهذا الحكم و نظامه شي‏ء غير قليل من الامتياز، و اليه يرجع الكثير من الأسباب التي جعلت من مكة مدينة عامرة ذات امجاد و شهرة انفردت بها بهن جميع المدن العربية قبل الاسلام ثروة، و جاها، و حرية، و أمنا، و حربا.

اصحاب الفيل‏

ان قصة اصحاب الفيل هي قصة ابرهة الأشرم الذي سار بجيش جرار من الأحباش مستخدما الفيلة ناويا هدم بيت اللّه الحرام و قد هزم اللبائل العربية التي اعترضته و هو في طريقه الى مكة حتى وقعت به و بجيشه النكبة عند ابواب مكة و التي تحدثت الروايات عنها بمختلف الأحاديث، و تفشت على اثرها الحصبة و الجدري في حيش ابرهة و هي امراض قيل انها عرفت في بلاد العرب لأول مرة في ذلك التاريخ و داهمهم السيل فألقى بهم في البحر (2) و رجع ابرهة ناكصا على عقبيه و قد وقع الدمار بمن بقي من الجيش‏

____________

(1) تاريخ التمدن الاسلامي ج 1 ص 38- 39 ط الجديدة.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ص 73.

45

حتى صار عبرة للمعتبرين اذ جاء في محكم كتاب اللّه:

«أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ؟».

إن قصة ابرهة هذه قد رفعت قدر مكة خصوصا حين وجدوا عبد المطلب و هو رئيس مكة و عظيمها يطمئن قريشا بأن للبيت ربّا سيحميه. فلما ردّ اللّه تعالى الحبشة عن مكة و اصابهم بما أصابهم به من النقمة عظمّت العرب شأن قريش و قالوا: «اهل اللّه قاتل اللّه عنهم، و اكفاهم مؤونة عدوهم» (1).

و سبب زحف ابرهة كما يروي الرواة هو ان ابرهة الاشرم احد قواد النجاشي الحبشي العظام لما فتح اليمن بنى كنيسة كبيرة فيها اراد بها ان يصرف العرب عن حج مكة اليها، فتغوط بعض العرب فيها في غفلة من الناس تحقيرا لها و يقول الطوسي في تفسيره بل هدّم البعض في غفلة من القوم جانبا منها بقصد الاهانة فعزم ابرهة ان يسير الى مكة فيهدمها انتقاما فكان الذي كان من الدمار الذي لحق بجيشه.

و في طير الابابيل و صفته و حمله الحجارة بمنقاره و كيفية مهاجمة هذا الطير جيش ابرهة اختلاف في التفاسير و الروايات.

و يقول فريد و جدي: اما الروايات في اشكال هذه الطيور فكثيرة و كثرتها تدل على انه لا يوجد نص صحيح في ذلك عن النبي (صلى اللّه عليه و آله‏)، فقيل انها كانت طيرا خرجت من البحر و اختلفوا في لونها فقيل كانت بيضاء، و قيل سوداء، و قيل خضراء لها خراطيم كخراطيم الطير و اكف كأكفّ الكلاب الى غير ذلك من الروايات المختلفة «و قد يذهب بعض علماء العصر الى ان هذه الطيور عبارة عن الميكروبات حملت اليهم الطاعون او البعوض و قد حمل اليهم الحميّات الخبيثة، او ميكروبات الجدري‏

____________

(1) بلوغ الارب ج 1 ص 257 ط 2- ابن الاثير الكامل في التاريخ ج 1 ص 447 ط صادر و دار بيروت.

46

و ليس في الآية ما يمنع هذا المعنى فيتفق المنقول و المعقول،- و يقول فريد و جدي و نحن نميل الى هذا الرأي و نؤيده، لا سيما و ليس من مانع لغوي و لا علمي يمنع من ان يريد بالطير المكاريب، و كثيرا ما يتفشى الطاعون في الجيوش فيردها على اعقابها خاسرة، فهذا نابليون الاول لما حاصر (عكا) و لبث أشهرا اصاب جيشه الطاعون فكان سبب رفعه الحصار عنها و رجع لمصر راضيا من الغنيمة بالاياب و اصابه مثل ذلك في محاربته لروسيا في موسكو فكان الوباء و البرد اشد عليه من كل ما لقيه من جيوش الروس فرجع و لا جندي معه و هلك عسكره برمته» (1).

و يروي احمد بن ابي يعقوب المتوفي سنة 292 رواية تفيد علماء العصر في استخلاص ما يرون استخلاصه مما يتفق و اراءهم عن انكسار جيش (ابرهة) و هلاكه فيقول: ان الرعب قد داخل ابرهة و غشيه الذعر حينما خرج اليه زعيم مكة الكبير عبد المطلب طالبا منه ان يعيد له أبله التي استحوذ عليها أبرهة في مرعاها خارج مكة و كانت نحو مائتي بعير فتعجب ابرهة و قال انه كان يتوقع ان يكون طلبه منحصرا في حفظ البيت من هدمه اياه لا رد ابله اليه، فقال له عبد المطلب و بكل وثوق و اطمئنان: «ان للبيت ربا يحميه» ثم يقول احمد ابن ابي يعقوب:

«فلما انصرف عبد المطلب من عند ابرهة جمع ولده، و من معه، ثم جاء الى باب الكعبة فتعلق به، ثم انصرف و اقام بموضعه، فلما كان من غد بعث ابنه عبد اللّه (ابا محمد بن عبد اللّه النبي) ليأتيه بالخبر، و دنا و قد اجتمعت اليه من قريش جماعة ليقاتلوا معه ان امكنهم ذلك، فانى عبد اللّه على فرس شقراء يركض و قد جردت ركبته، فقال عبد المطلب: قد جاءكم عبد اللّه بشيرا و نذيرا، و اللّه ما رأيت ركبته قط قبل هذا اليوم فاخبرهم بما صنع اللّه باصحاب الفيل» (2).

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين مادة أبابيل.

(2) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 210 مط الغري.

47

و لم يزد اليعقوبي و هو من اقدم مؤرخي الاسلام و من اقرب المؤرخين الى ذلك العهد، انه لم يزد شيئا على ذلك و لم يأت بذكر عن طير الابابيل و صفتها، اما الشيخ محمد عبده فقد اورد في تفسيره لجزء (عم) قوله:

«عندما اقترب (ابرهة) من مكة فزع اهلها و انطلقوا الى شعب الجبال ينتظرون ما هو فاعل رغم ما اكده لهم رسله من انه لم يأت لحربهم و انما اتى لهدم البيت، اي الكعبة، و في اليوم التالي فشا في جند ابرهة داء الجدري و الحصبة، و كانت هذه اول مرة يظهر فيها الجدري ببلاد العرب كما قال عكرمة، و كما يقول يعقوب بن عبثه من ان (اول ما رؤيت الحصبة و الجدري ببلاد العرب ذلك العام) لقد فعل ذلك الوباء باجسام الحبشي و جنده ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر و يتساقط فذعر الجيش و صاحبه و ولوا هاربين، و اصيب الحبشي و لم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة و انملة و انملة حتى انصدع صدره و مات في صنعاء».

و لا يستبعد بعد ذلك الشيخ محمد عبده ان يكون طير الابابيل من الحشرات كالذباب و البعوض الذي يحمل جراثيم بعض الامراض و قد علق به من الطين اليابس الملوث بالمكروب.

و كيفما كان الامر فليس هنالك من شك ان (ابرهة) قد غزا مكة بالافيال محاولا هدمها و قد ردّ مقهورا، و وقع في جيشه الوباء و البلاء، فاضافت قصة انهزام اصحاب الفيل هذه، الى عظمة مكة عظمة اخرى، و اضفت عليها شيئا كثيرا من الهيبة و الجلال و العظمة.

اسواق مكة

و كان لا بد للتجارة ان تتسع فتتسع اسواقها بمكة، فسكان مكة كانوا اكثر ارتيادا لللاسواق الخارجية و كانت لهم اتصالات واسعة باهم الاسواق المشهوره حتى لقد اصبحت مكة سنين طويلة معرضا لا نفس البضائع و اغلاها

48

و هذا من اهم العوامل التي زادت قيمة مكة و زادت ثراءها خصوصا في ايام قريش الذين كانوا يعتمدون التجارة في حياتهم و كانت طرق التجارة خطرة الا عليهم لحفظ العرب حرمتهم لانهم ولاة الكعبة، و كانوا كثيرا ما يسافرون الى بلاد فارس او الى الشام او اليمن، فيأتون من اليمن بالبرد و المنسوجات اليمنية الفاخرة، و يأتون من الشام بالاطعمة، و يأتون من فارس بالشمع و الستر و غير ذلك، و لما كانت البلاد العربية قد عرفت بالخيول الجيدة فلا يبعد ان تكون قريش قد تاجرت بها مع ما تاجرت به من البضائع و خصوصا الجلود و الاموال التجارية و كانت لهؤلاء التجار من قريش رحلتان رحلة الشتاء و هي التي تدفع بهم الى الجنوب من بلاد اليمن، و رحلة الصيف و هي التي يؤمون بها الشام، و في موسم معين تعرض قريش و تعرض كل القبائل ما لديها من البضائع و المنتوج في هذا السوق، و كانت للعرب اسواق كثيرة في مختلف بقاع جزيرة العرب و لكن اسواق مكة كانت اهم جميع تلك الاسواق و اوسعها و اكثرها جمعا للقبائل بل اوسعها غاية.

و من اهم اسواق مكة سوق (عكاظ)، و سوق عكاظ و ان كانت اقرب الى الطائف منها الى مكة لوقوعها في واد بينه و بين مكة ثلاث ليال بينما لا تبعد عن الطائف الا ليلة واحدة فقد تعتبر سوقا تخص مكة من حيث الافادة، و يقول ابن منظور: سمي عكاظ عكاظا لان العرب كانت تجتمع فيه فيعكظ بعضهم بعضا بالفخار اي يدعكه‏ (1) و كان العرب يتوافدون الى هذه السوق بجميع ما لديهم في موسم معين، و من اشهر ما عرفت به عكاظ هو الأديم الكاظمي و هو ما يحمل الى عكاظ و يباع فيها حتى اذا انتهوا من عروض تجارتهم و سائر اغراضهم، و قفوا في (عرفه) ثم قصدوا مكة فقضوا فيها مناسك الحج ثم انصرفوا الى مواطنهم.

و تجاوزت سوق عكاظ حدود التجارة و اتخذت منها قريش منتدى‏

____________

(1) لسان العرب: مادة عكاظ.

49

منتدى لمطارحة الشعر و الخطب و عرض الخلاف بين القبائل على المحكومين، و كان لعكاظ ايام الموسم رجل يولونه الحكومة للفصل في ما قد يقع من الخلاف او نحوه، و كان الغالب ان يكون ذلك الحاكم من بني تميم‏ (1) و كان احدهم الأقرع بن حابس التميمي.

و توسعت اغراض سوق عكاظ فكانت مسرحا عاما يخطب فيها كل خطيب مصقع، و منهم كان قس بن ساعدة، الايادي إذ خطب خطبته الشهيرة هناك و هو على جمله و كان كل شريف انما يحضر سوق بلده الا سوق عكاظ فانهم كانوا يتوافدون اليها من كل جهة فكانت تأتيها قريش، و هوازن:

و بنو سليم، و الاحابيش، و عقيل، و المصطلق، و طوائف من العرب، و من كان له اسير سعى في فدائه، و من كانت له حكومة ارتفع الى الذي يقوم بأمر الحكومة (2) اما متى اتخذت سوقا فيحددها فريد وجدي بسنة 540 للميلاد (3).

و قضايا عكاظ و ايام عكاظ مشحونة بأخبار الحروب و التفاخر و الشعر و من اطرف ما ورد في بلوغ الأرب ان طريف بن تميم العنبري كان من مشاهير شجعان العرب و فرسانهم و قد قتل مرة رجلا من بني شيبان ثم حضر موسما من مواسم عكاظ فرآه احد اقارب ذلك القتيل و صار يمعن النظر في وجه طريف، فسأله طريف عن سبب امعانه فقال: اريد ان اعرفك فلعلي اصادفك يوما لأقتلك او تقتلني، و من الغرائب انه قد صادف‏

____________

(1) تاريخ التمدن الاسلامي ج 1 ص 37 ط جديدة.

(2) بلوغ الارب ج 1 ص 267 ط 2.

(3) دائرة معارف القرن العشرين في مادة عكظ.

50

ذلك الرجل طريفا ذات يوم و قتله و اخذ بثأر قريبه.

و افادت قريش من سوق عكاظ فوائد اخرى غير الفوائد الاقتصادية و الاجتماعية فلقد كان لهذه السوق العظيمة تأثير كبير في تهذيب اللغة العربية عند قريش فكانت قريش لقرب هذه السوق منها اسبق القبائل لالتقاط كل معنى حسن، و لفظ جزل و عبارة بليغة فنسب اليها التهذيب الأخير للغة حتى استأهلت الشرف العظيم بنزول القرآن الكريم بلغتها، و اعتبرت لهجتها اخلص لهجات العرب من التعقيد و التنافر (1).

و قد بلغ من اهمية مكة و الاهتمام بالكعبة ان اختارت العرب سبع قصائد من اجود الشعر و كتبتها بماء الذهب و علقتها بأستار الكعبة (2) تكريما لشعرائها الذين فضلهم العرب على غيرهم، و هذا وحده كاف للدلالة على على ما كان لمكة من اهمية في جميع النواحي من الحكم و الادارة و الاقتصاد و الادب و ليس لمخالفة البعض من المؤرخين في صحة رواية المعلقات المسماة بالمعلقات السبع، من اهمية في تقليل شأن مكة الأدبي.

و يورد جرجي زيدان نقلا عن ابن خلدون قوله:

يقول ابن خلدون «حتى انتهوا- اي العرب- الى المناغاة في تعليق اشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم، و بيت ابراهيم كما فعل امرؤ القيس بن حجر، و النابغة الذبياني، و زهير بن ابي سلمى، و عنترة بن شداد، و طرفة بن العبد، و علقمة بن عبدة، و الاعشى، و غيرهم من اصحاب المعلقات السبع» (3).

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين مادة عكظ.

(2) العقد الفريد ج 3 ص 93

(3) تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 106.

51

و يقول البغدادي في الخزانة (الجزء الأول صفحة 61) ان العرب كانت في الجاهلية يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض فلا يعبأ به، و لا ينشده احد، حتى يأتي مكة في موسم الحج فيعرض على اندية قريش فاذا استحسنوه روي و كان فخرا لقائله، و علق على ركن من اركان الكعبة حتى ينظر اليه، و ان لم يستحسنوه طرح و لم يعبأ به، و قيل بل كان الملك اذ استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه لتكون في خزانته، و هذا القول ينفي انها كانت تعلق في الكعبة على ان هذه المعلقات سميت ايضا السبع الطوال، و سميت السموط، و سميت المذهبات كما سميت سبع قصائد غيرها المذهبات في (جمهرة أشعار العرب) و حتى اصحاب المعلقات مختلف في احصائهم ... امرؤ القيس، طرفة، زهير، لبيد، عمرو بن كلثوم، و هؤلاء متفق عليهم، و عنترة، و الحارث بن حلزة، او النابغة الذبياني، و الأعشى ميمون، ثم عبيد بن الابرص، و لهذا تجد كتبا اسمها (المعلقات العشر) و مما يذكر ان حمادا الراوية هو الذي جمعها، او ان بعض بني امية أمر من اختار له سبعة أشعار فسماها المعلقات‏ (1).

و كيفما كان الامر فان حضور العرب اسواق مكة و قراءة الشعر على قريش أكان قد تم تعليق الجيد منه في الكعبة او لم يتم قد ساعد على رفع قيمة مكة و شأنها في نظر جميع العرب قاصيها و دانيها.

و من اهم اسواق مكة بعد ذلك (سوق ذي المجاز) و كانت بناحية (عرفة) و سوق (مجنّة) و هي في موضع بقرب مكة.

____________

(1) العربي العدد 101 نيسان 967.

52

و قد افادت مكة من هذه الأسواق فوائد كبيرة عامها جعلت لها الزعامة الكبرى بين جميع المدن العربية كما جعلت لقريش ميزة كبرى بين جميع القبائل.

53

ديانة مكة و عبادتها

لم تعرف مكة دينا غير دين ابراهيم في اول عهدها بالدين اذ المفروض ان يكون تأسيس مكة متعلقا بتأسيس البيت، فقبل تأسيس البيت لم تكن مكة اكثر من ممرّ للقبائل يمرون بها لوقوعها في وسط الطريق بين اقصى شمال الجزيرة و بين اقصى جنوبها فحين بنى ابراهيم البيت و دعا الى التوحيد و نهج ابنه اسماعيل نهجه آمن به اكثر من سمع دعوته فكانت الحنيفية التي عرف بها ابراهيم هي اول ما اعتنقت مكة من دين فكانوا يعتقدون ان اللّه واحد، و هو خالق الخلق وحده لا شريك له. و كانوا يحجون البيت و يقيمون المناسك، و يعظمون الأشهر الحرم، و ينكرون الفواحش و التقاطع و التظالم فلم يزالوا على ذلك ما كانوا ولاة على البيت، و كان آخر من قام بولاية البيت الحرام من ولد معد هو ثعلبة بن اياد بن نزار بن معد، (1) فلما خرجت اياد و ليت خزاعة حجابة البيت. و في امرة عمرو بن لحي الذي تولى حجابة البيت تغير ما كان عليه الأمر في المناسك و اتجهت العبادة اتجاها آخر و دخلت الاصنام لأول مرة مكة على اساس كونها و سائط مقدسة بين‏

____________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 211 مطبعة الغري.

54

اللّه و بين عباده، فالدعوات و القرابين و التوسلات يجب ان تقدم لها.

و قصة دخول الأصنام الى مكة لأول مرة و عبادة اللّه عن طريقها يختلف في روايتها الراوون، و يقول البعض ان عمرو بن لحي هذا قد مرض فوصفوا له الاغتسال في عين من العيون بالبقاء من ربوع الشام و قالوا له اذا اتيتها برأت من المرض، و قصدها عمر و استحم بها و كان من نتيجة ذلك أن برى‏ء و في مكوثه هناك رأى اهل هذه البقعة يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا هذه أرباب نتخذها لنا و نستنصر بها فننصر، و نستسقي بها فنسقى، و كل من سألها يعطى فطلب منهم صنما يدعونه (هنبل) فسار به إلى مكة و نصبه على الكعبة، و دعا الناس الى تعظيمه و عبادته ففعلوا ذلك‏ (1) و هناك من يقول ان (هبل) هذا قد جاء به عمرو بن هيث‏ (2) و قلد بعض العرب اهل مكة في عبادة الأصنام فاتخذت كل قبيلة لها صنما و حين تم فتح مكة من قبل النبي محمد (ص‏) كان عدد الأصنام حول الكعبة ثلثماية و ستين صنما، و كان اشهر هذه الأصنام بعد (هبل) الذي يعد اكبر اصنام العرب هو (أساف) و (نائلة) و في اصل هذين الصنمين مزاعم لا يركن اليها.

فكان الطائف اذا طاف بدأ (باساف) ثم (بنائلة) و ختم بهما فكان هذا عاملا آخر في عظمة مكة و جعلها مطمح انظار العرب جميعا بحيث صاروا ملزمين بأن يتوجهوا بقلوبهم لاصنام الكعبة و حجهم الهياكل عام من كل صوب و حدب، و لكل قوم و قبيلة تلبية خاصة بهم، و كانت تلبية قريش:

(لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، تملكه و ما ملك) (3).

على ان سكان مكة كانوا يقدسون الى جانب تقديس اصنامهم بمكة صم (اللات) بالطائف و سموا باسمه زيد اللات، و تيم اللات، و ضنم (العزى) و هو بواد من نخلة الشامية في طريق العراق من مكة، و سموا

____________

(1) مروج الذهب ص 374 المطبعة البهية.

(2) اخبار مكة ج 1 ص 100 ط 2.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 212 مطبعة الغري.