موسوعة العتبات المقدسة - ج6

- جعفر الخليلي المزيد...
328 /
5

الجزء السادس‏

الجزء الاول من قسم النجف الاشرف‏

[مقدمة من داراالتعارف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

ما كدنا ننتهي من طبع (المدخل العام الى موسوعة العتبات المقدسة) حتى تهيأت لنا مواد الجزء الأول من (قسم النجف) من موسوعة العتبات المقدسة، و ليس معنى هذا اننا سنؤجل تأليف الأقسام الأخرى من العتبات حتى تنتهي أجزاء (قسم النجف) التي لم نعرف كم سيكون عددها، و إنما الطريقة التي اتبعناها في تأليف (موسوعة العتبات المقدسة) هي اننا قسمنا الموسوعة إلى أقسام بقدر عدد العتبات، و خصصنا لكل عتبة قسما تزيد أجزاؤه و تنقص تبعا لمواده و اتساع بحوثه، فكلما ينتهي تأليف أي جزء من أي قسم من أقسام العتبات بادرنا إلى طبعه و نشره، و لو لا هذا لكنا انتظرنا الفراغ من تأليف الجزء الأول من (قسم مكة المكرمة) و بدأنا العمل به بعد صدور (المدخل الى الموسوعة) و لكننا لم نتقيد بالترتيب و لا بالعتبة حسب أهميتها، و إنما يعنينا من الأمر المبادرة بطبع أي جزء من أي قسم ينتهي العمل منه قبل غيره.

و لقد تم هذا الجزء من (قسم النجف) من موسوعة العتبات المقدسة قبل أي جزء آخر و سنمشي فيه مشيتنا في باقي الأقسام دون أن نربط عملا بعمل و نقيد عتبة بأخرى.

6

و إن الذين عملوا في تأليف هذا الجزء من (قسم النجف) كانوا أكبر عددا و كانت مواد بحوثهم أكثر مما احتوى عليها هذا الجزء فاضطررنا للاكتفاء بهذا القدر حذرا من التضخم الذي قد يجعل الجزء الأول يتجاوز الحد المألوف من حيث عدد الصفحات، و قد أجلنا ما زيد من بحوث الكتاب و المؤلفين الآخرين لنشره مع غيره في الجزء الثاني من (قسم النجف) من الموسوعة.

و هنا لا بد لنا من الإشارة- و قد أصبح عملنا هذا عملا تأريخيا- الى بعض من مدّ إلينا يد المساعدة على اختلاف أنواعها في سبيل تكامل هذه الموسوعة و إخراجها الى حيز العمل و على الأخص أساتذة جامعة بغداد و الأفاضل الذين أسهموا في العمل معنا في التأليف و المؤازرة، و نتقدم بالشكر الى الدكتور فيصل الوائلي مدير الآثار العامة الذي سهل لنا الحصول على بعض الصور لبعض العتبات المقدسة مما قد عز حصولنا على أمثالها، و للخطيب السيد جواد شبر- فضلا عن إسهامه في التأليف- و الحاج زيد الكاظمي النائب بمجلس الأمة في الكويت، و الدكتور علي الحلي رئيس صحة الحلة السابق، و الأستاذ محمد جواد جلال، و الدكتور احمد ثامر رئيس صحة لواء كربلا، و المحامي غالب الحاج فليح، و الحاج محمد علي الشاوي، و الشيخ عبد الغفار الانصاري، و الاستاذ جعفر الحائري، و الاستاذ حمدي آل حمدي، و السيد محمد العضاض و الاستاذ علي الخليلي، و الحاج عبد اللّه المسقطي، و عبد اللطيف الكاظمي، و الدكتور صادق علي، و الحاج ابراهيم المطوّع الذين كان لهم أثر محمود في مساعدة هذا المشروع بمختلف أنواع المساعدات أدبية كانت أم مادية راجين من اللّه أن يأخذ بأيدينا و يكثر من مؤازرينا لنستطيع أن نقطع أطول مسافة ممكنة من هذا الطريق الشائك الطويل.

دار التعارف‏

7

النجف قديما [للدكتور مصطفى جواد]

بحث يتناول منطقة النجف القديمة و بقعتها و ما يحيط بها من المناطق التاريخية القريبة منها، و الأديرة المجاورة لها منذ أول معرفة التأريخ بها.

كتبه الدكتور مصطفى جواد خريج جامعة السوربون في التأريخ العربي و الاستاذ بجامعة بغداد- كلية التربية و العضو بالمجمع العلمي العراقي، و العضو بالمجمع العلمي العربي بدمشق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

النجف قديما

النجف اسم عربي و معناه «المنجوف» كالعدد بمعنى المعدود، قال ابن فارس؟ «النون و الجيم و الفاء: أصلان صحيحان أحدهما يدل على تبسط في شي‏ء مكان أو غيره، و الآخر يدل على استخراج شي‏ء، فالأول النجف: مكان مستطيل منقاد و لا يعلوه الماء و الجمع نجاف، و يقال: هي بطون من الأرض في أسافلها سهولة تنقاد في الأرض لها أودية تنصب الى لين من الارض، و يقال لابط الكثيب نجفة الأرض.

و من الباب النجيف من السهام: العريض، و نجفت السهم: بريته، كذلك و أصلحته، و سهم منجوف و نجيف و غار منجوف واسع‏ (1) ...». و قال الجوهري في الصحاح: «النجف و النجفة بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد و الجمع نجاف ...» و أورد بعد ذلك كبعض ما نقلنا آنفا، و قال الزمخشري في اساس البلاغة: «و في بطن الوادي نجفة و نجف و هي مكان مستطيل كالجدار لا يعلوه الماء»، و جاء في لسان العرب «النجفة أرض مستديرة مشرفة و الجمع نجف و نجاف ... ابن سيده: النجف و النجاف شي‏ء يكون في بطن الوادي، شبيه بنجاف الغبيط جندا و ليس بجد عريض، له طول منقاد من بين معوج‏

____________

(1) المقاييس «5: 395 طبعة دار احياء الكتب العربية سنة 1369 ه».

10

و مستقيم الماء، و قد يكون في بطن الارض ... و النجفة شبه التل ... و قال الليث: النجفة تكون في بطن الوادي شبه جدار ليس بعريض ... ابن الاعرابي النجفة: المسناة، و النجف التل. قال الازهري: و النجفة التي بظهر الكوفة و هي كالمسناة تمنع ماء السيل ان يعلو منازل الكوفة و مقابرها»، و قال الفيروز آبادي في القاموس: «النجف محركة، و بهاء (النجفة) مكان لا يعلوه الماء مستطيل منقاد، و يكون في بطن الوادي، و قد يكون ببطن من الأرض جمعه نجاف أو هي ارض مستديرة مشرفة على ما حولها، و النجف محركة: التل ..

و المسناة و مسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل ان يعلو مقابرها و منازلها».

و قال المطرّزي في المغرب: النجف بفتحتين كالمسناة بظاهر الكوفة على فرسخين منها يمنع ماء السيل ان يعلو منازلها و مقابرها (1)، و منه قول القدوري: كان الاسود اذا حج قصر من النجف و علقمة من القادسية».

و قال ياقوت في معجم البلدان: «النجف بالتحريك ... و هو بظهر الكوفة كالمسناة تمنع مسيل الماء ان يعلو الكوفة و مقابرها، و بالقرب من هذا الموضع قبر امير المؤمنين علي بن ابي طالب- رضي اللّه عنه- و قد ذكرته الشعراء في اشعارها ... «و قال ابو الفداء في وصف الحيرة: «و الحيرة مدينة جاهلية كثيرة الانهار و هي عن الكوفة على نحو فرسخ ... و الحيرة على موضع يقال له النجف زعم الاوائل ان بحر فارس كان يتصل به، و بينها اليوم مسافة بعيدة» (2).

و فذلكة الاقوال ان النجف انما سمي بهذا الاسم لانه يعني أرضا عالية معلومة تشبه المسناة تصد الماء عما جاورها و ينجفها الماء من جوانبها ايام السيول و لكنه لا يعلوها فهي كالنجد و السد، و تغلب على شكلها الاستطالة دون الاستدارة التي‏

____________

(1) نقل هذا القول الشيخ فخر الدين الطريحيي في كتابه «مجمع البحرين» في مادة «النجف»

(2) تقويم البلدان «ص 299».

11

أشار اليها بعض اللغويين، لانها ضد الاستطالة، و لان صفة النجف الحالية في استطالة ارضه تؤيد ذلك، و أما الاستدارة التي ظنها بعض اللغويين في «النجف» فهي مستندة الى استدارة قطعة تكون في النجف اتفاقا لا دوما و تسمى «الرحا» جاء في لسان العرب «و الرحا: قطعة من النجفة مشرفة على ما حولها تعظم نحو ميل و الجمع ارحاء، و قيل: الارحاء قطع من الارض غلاظ دون الجبال تستدير و ترتفع عما حولها، ابن الاعرابي: الرحا من الارض مكان مستدير غليظ يكون بين رمال. قال ابن شميل: الرحا القارة الضخمة الغليظة و إنما رحّاها استدارتها و غلظها و اشرافها على ما حولها و انها أكمة مستديرة مشرفة و لا تنقاد على وجه الارض و لا تنبت بقلا و لا شجرا، و قال الكميت:

اذا ما القف ذو الرحيين أبدى‏* * * محاسنه و أفرخت الوكور».

و قال الفيروز أبادي في القاموس: «الرحا: الصدر ... و قطعة من النجفة مشرفة تعظم نحو ميل».

و مما يؤيد ارتفاع ارض النجف ما ذكره ابو الفرج الاصفهاني ان حنينا الحيري المغني القائل:

أنا حنين و منزلي النجف‏* * * و ما نديمي إلا الفتى القصف‏

لما حج هشام بن عبد الملك سلك طريق الفرات- و أحسبه جاء من الرصافة- فوقف له حنين بظهر الكوفة و معه عود و زامر له و عليه قلنسوة طويلة، فقال هشام: من هذا؟ فقيل: هذا حنين الحيري. فأمر به فحمل في محمل على جمل و عديله زامره و سير به أمامه و هو يتغنى، فلم يزل هشام يستعيده حتى نزل من النجف فأمر له بمائتي دينار (1). فقوله «حتى نزل من النجف» يدل على انه‏

____________

(1) الأغاني «ج 2 ص 342، 343 طبعة دار الكتب المصرية».

12

نزل من أرض عالية كائنا ارتفاعها ما كان‏ (1).

و سميت هذه الأرض المتعادية (2) التي منها النجف «النجاف» و كأنه جمع النجفة، و هي التي تلي الصحراء و يقابلها مما يلي الفرات «الملطاط» قال ابن قتيبة: «و كانت العرب تقول: ادلع البر لسانه في الريف فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط و ما كان يلي البطن منه فهو النجاف» و قال ياقوت: «اللسان من أرض العراق في كتابه الفتوح .. و اللسان لسان البر الذي أدلعه في الريف عليه الكوفة اليوم و الحيرة قبل اليوم، قالوا: لما أراد سعد تمصير الكوفة أشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللسان. و ظهر الكوفة يقال له اللسان و هو فيما بين النهرين الى العين: عين بني الجرّاء، و كانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط و ما كان يلي البطن منه فهو النجاف قال عديّ بن زيد.

ويح أمّ دار حللنا بها* * * بين الثوية و المردمه‏

بريّة غرست في السوّاد* * * كغرس المضيغة في اللهزمه‏ (3)

لسان لعربة ذو ولفة* * * تولغ في الريف بالهندمه»

و قال السهيليّ في وصف دومة الحيرة: «ودومة بضمّ الدال ... و دومة

____________

(1) و هنالك من الاخبار التي توردها بعض الكتب الدينية و التي يتناقلها الناس خبر عن بحر النجف و هو انه كان يسمى ببحر (الني) فلما جف (الني) على حد قولهم قالوا (الني جف) ثم ما لبثت الياء ان سقطت في الاستعمال تخفيفا فصارت (نجفا) و من هنا جاء اسم (النحف) و مثل هذا الخبر أو الرواية التي أوردتها بعض الكتب يفتقر الى كثير من الأدلة لتصبح مقبولة.

(2) الأرض المتعادية هي المتفاوتة التي لم تستو، ضد الارض المتقاودة.

(3) و الملحوظة في هذين البيتين اختلال في الوزن قيل انه كان مستساغا في عصره.

13

بالضمّ أخرى و هي عند الحيرة و يقال لما حولها النجف‏ (1)». و قال القعقاع بن عمرو:

سقى اللّه قتلى بالفرات مقيمة* * * و اخرى بأثباج النجاف الكوائن‏

و قيل ان النجف كان قريبا من البحر و ذكر ابن الدبيثي في تاريخه أن عبد الجبار بن معيّة العلويّ قال: «خرج قوم من أهل الكوفة يطلبون الأحجار الغرويه يجمعونها لأيام الزيارات و المعيشة بها، و بالكوفة من يعمل ذلك الى اليوم و أبعدوا في الطلب الى النجف و ساروا فيه حتى خافوا التيه فوجدوا ساجة كأنها سكان مركب عتيقة و إذا عليها كتابة، فجاؤوا بها الى الكوفة، فقرأناها فاذا عليها مكتوب: سبحان مجري القوارب، و خالق الكواكب، المبتلي بالشدة امتحانا، و المجازي بالاحسان إحسانا، ركبت في البحر في طلب الغنى ففاتني الغنى و كسر بي، فأفلتّ على هذه الساجة، و قاسيت أهوال البحر و أمواجه، و مكثت عليها سبعة أيام ثم ضعفت عن مسكها فكتبت قصتي بمدية كانت معي في خريطتي فرحم اللّه عبدا وقعت هذه الساجة إليه فبكى لي، و امتنع عن مثل حالي‏ (2)».

و على ذكر قرب النجف من البحر و دعوى صحة قصة الفريق المذكور ينبغي توجيه ذلك أو نفيه، فكيف كان البحر يبلغ النجف، أو يتصل بأرضه المطمئنة و في أخبار الحيرة في صدر الاسلام ما يؤيد وجود البحر هناك، فقد ذكر الشريف المرتضى التحاور بن خالد بن الوليد و عبد المسيح بن بقيلة الغساني، قال له خالد فيما قال: «كم أتى لك؟ قال: خمسون و ثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟

____________

(1) ذيل تاريخ بغداد «من مصورة جزء كمبريج 2924 الورقة 157».

(2) الروض الأنف «2: 319 المطبعة الجمالية بالقاهرة سنة 1332 ه- 1914 م»

14

قال: أدركت سفن البحر في السماوة في هذا الجرف، و رأيت المرأة تخرج من الحيرة و تضع مكتلها على رأسها لا تزوّد إلا رغيفا حتى تأتي الشام ثم قد أصبحت خرابا يبابا و ذلك دأب اللّه في العباد و البلاد (1).

قال ابن واضح في كتابه البلدان في الكلام على الكوفة: «و الحيرة منها على ثلاثة أميال، و الحيرة على النجف و النجف كان ساحل بحر الملح و كان في قديم الدهر يبلغ الحيرة و هي منازل آل بقيلة و غيرهم‏ (2).

و أريد بالبحر أحيانا الفرات نفسه، جاء في لسان العرب في مادة ب ح ر و قال عدي بن زيد:

و تذكر رب الخورنق إذا أش* * * رف يوما و للهوى تذكير

سره ماله و كثرة ما يم* * * لمك و البحر معرضا و السدير

أراد بالبحر ههنا الفرات لأن رب الخورنق كان يشرف على الفرات».

و قال ياقوت في كلامه على الحيرة: «زعموا أن بحر فارس كان يتصل بالنجف‏ (3)».

و قال المسعودي: «و قد كان الفرات لأكثر من مائة ينتهي الى بلاد الحيرة و نهرها بيّن الى هذا الوقت فيصب في البحر الحبشي في الموضع المعروف بالنجف في هذا الوقت، و كانت تتقدم هناك سفن الصين و الهند ترد الى ملوك الحيرة، و قد ذكر ما قلنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني حين خاطب خاله بن الوليد في أيام أبي بكر بن أبي قحافة- رضي اللّه عنه- حين قال له: ما تذكر؟ قال:

____________

(1) أمالي الشريف المرتضى «1: 188 الطبعة الاولى».

(2) البلدان «ص 73، 74، طبعة النجف».

(3) معجم البلدان في «الحيرة»

15

«أذكر سفن الصين وراء هذه الحصون، فلما انقطع الماء عن ذلك الموضع انتقل البحر برا فصار من البحر في هذا الوقت على مسيرة أيام كثيرة و من رأى النجف و أشرف عليه تبين له ما وصفنا (1).

و سيأتي قول اسحاق بن ابراهيم الموصلي:

حفّت ببر و بحر من جوانبها* * * فالبرّ في طرف و البحر في طرف‏ (2)

و لكننا لا نعد ذلك تصديقا لوجود بحر حقيقي، و إنما نفهم أن الفرات كان يسيح ماؤه في تلك البطاح و يرفده الخندق الذي شقه سابور ذو الأكتاف «310- 380 م» في غربي الفرات بين أعالي العراق الغربية و أسافله، و ترفده كذلك الاودية التي تأتي من النجاد الغربية من صحراء السماوة القديمة من شمالي جزيرة العرب، فتكون بطائح واسعة ترى كأنها البحر و كان من بقاياها «بحر الشنافية» و «بحر النجف» المعروف الاسم حتى اليوم‏ (3)، و لا يبعد

____________

(1) مروج الذهب «1: 62 طبعة المطبعة البهية بمصر.

(2) الأغاني «5: 356» من مطبعة دار الكتب المصرية. و معجم البلدان في «النجف».

(3) اما منبع بحر النجف فهو منخفض واقع على الفرات من الجنوب الشرقي من الحيرة عرف في عصورنا الاخيرة باسم (القرنة) و هو غير (القرنة) الواقعة على ملتقى دجلة و الفرات، و منخفض اخر لا يبعد كثيرا عن (القرنة) يعرف (بالمدلك) و بين هذين المنخفضين منخفض اخر سمي بالفتحة: و قد وجدت الفيضانات العالية في هذه المنخفضات المتقاربة ما يساعد على اندفاع المياه و انحدارها من الفرات الى المنخفضات الواسعة من الاراضي المتصلة بالحيرة و النجف و تكون بسبب ذلك- بحر النجف- و قد تغير بسبب ذلك مجرى نهر الفرات عدة مرات، و يتضح من تتبع التاريخ ان محاولات متعددة لسد هذه المنابع و قطع الصلة بين الفرات و بحر النجف قد حدثت بقصد استصلاح الاراضي الزراعية و تنظيم طرق المواصلات النهرية فكان هذا البحر يجف زمنا ثم يعود مرة اخرى حين تكون مناسيب مياه الفيضان قد تجاوزت الحدود المألوفة بحيث تهدم السدود الترابية و تقلعها من اساسها.

و كانت في مثل هذه الحالة، تقوم السفن بنقل المؤون و البضائع التجارية، و الزوار و المسافرين و القادمين من البصرة مارة بالسماوة و الشنافية و سالكة طريق هذه المنخفضات، و راسية في النجف بالقرب من بستان السيد صقر المعروف بالجريوية اليوم الواقع على بعد كيلومترين من جنوب سور مدينة النجف (الساعدي- الايمان- 1- 2)

16

اتصال هذه البطائح ببحر فارس، كما نقل ياقوت من زعم الناس في مادة الحيرة من معجم البلدان، قال: «الحيرة بالكسر ثم السكون مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتصل به» فخندق سابور كان واسعا و عميقا و يتصل ببحر فارس في الخليج المعروف اليوم بخور عبد اللّه، لأنه إنما حفره و وسّعه ليحمي بلاده من هجمات العرب الخاطفة و لا خصاب الأرض للأعراب الموالين له.

____________

- و قد وصف المستر بارلو هذا القسم من نهر الفرات كما شاهده في سنة 1889 م 1306 ه فقال: ان النهر المسمى نهر الهندية يجري في الجهة اليمنى من الفرات و هو يحمل نصف مياه الفرات فيترك مدينة كربلاء على جهته الغربية، و اطلال بابل في الجهة الشرقية، ثم يصل الى مدينة النجف فيصب هناك في بحيرة تسمى (بحر النجف) يبلغ طولها 60 ميلا و عرضها 30 ميلا، (نفس المصدر)

و المياه بعد ان تتجمع في بحر النجف تتغلب عليها المواد المعدنية و تغدو مياهها كمياه البحر مالحة و غير صالحة للافادة منها و لكن هذا البحر كان خير طريق للمواصلات بين النجف و سائر الجهات العراقية، بل و حتى بين النجف و خارج العراق، فقد ذكر المستر بارلو ان اكثر الزائرين الذين يقدمون من الهند لزيارة الاماكن المقدسة في كربلاء و النجف كانوا يسلكون طريق الفرات (فالعطشان) فشط (الشنافية) و ان سفنا كبيرة ذات حمولة خمسين طنا تمر من هذا الطريق النهري الذي ينتهي بالنجف (وادي الفرات و مشروع سدة الهندية ج 2 ص 265)

و من المحاولات الاخيرة التي جرت في سد تلك الفتحات النهرية التي تتسرب منها مياه الفرات الى بحر النجف محاولة وقعت سنة 1305- 1887 م و قد تم بها احكام السدود و انقطاع المياه عن بحر النجف. و تحولت من هناك مراسي السفن الى (الكوفة) التي اطلق عليها اسم (شريعة الكوفة) لهذا السبب، (المصدر

السابق)

و لم تمر بضع سنوات حتى تدفقت المياه مرة اخرى من جانب (القرنة) و كانت اراضي البحر الجاف هذا قد استصلحت و زرعت، و انتجت عددا كبيرا من النخيل و الاثمار و سدت حاجة النجف من الخضر، فغمرها البحر و قضى على جانب كبير من مزروعاتها الامر الذي دعا الى مضاعفة الجهود لاحكام هذه السدود في تلك المواضع من نهر الفرات. و منذ اكثر من اربعين سنة و بحر النجف يجف نهائيا بسبب تقدم الفن الهندسي و معالجة السدود معالجة فنية.

17

و هذا الماء المختلط المتبطح مذكور الحبر في السيرة، فقد جاء في أخبار عرض النبي صلّى اللّه عليه و سلم نفسه على القبائل أن المثنى بن حارثة الشيباني قال له صلّى اللّه عليه و سلم: «قد سمعت مقالتك يا أخا قريش .. و إنا إنما نزلنا بين صريين اليمامة و السماوة» فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم. «ما هذان الصريان؟ «فقال:» أنهار كسرى و مياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور و عذره غير مقبول و إما ما كان مياه العرب فذنبه مغفور و عذره مقبول‏ (1)» و جاء في الفائق للزمحشري «لما أحضر (النبي) بني شيبان و كلم سراتهم قال له المثنى بن حارثة: إنا نزلنا بين صيرتين اليمامة و الشمامة، فقال صلّى اللّه عليه و سلم: و ما هاتان الصيرتان؟ فقال: انهار كسرى و مياه العرب، نزلنا بينها (2)» قال الزمخشري: «الصيرة: فعلة من صار يصير و هي الماء الذي يصير اليه الناس و يحضرونه، و يقال للحاضرة مسيرة و قد صاروا إذا حضروا الماء (3)، و قال ابن الأثير المبارك: «في حديث عرض نفسه صلّى اللّه عليه و سلم على القبائل: و إنما نزلنا الصريين: اليمامة و السمامة. هما تثنية صرى و هو الماء المجتمع، و يروى الصيرين و سيجي‏ء في موضعه». ثم قال:

«و في حديث عرضه على القبائل، قال له المثنى: إنا نزلنا بين صيرين اليمامة و السمامة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ما هذان الصيران؟ فقال: مياه العرب و أنهار كسرى» قال المبارك: «الصير: الماء الذي يحضره الناس و قد صار القوم يصيرون إذا حضروا الماء، و يروي بن صيرتين و هي فعلة منه ...»

و إذ ذكرنا السبب في حفر سابور ذي الاكتاف الخندق العظيم المنسوب اليه نذكر ما يؤيده من تاريخ الطبري من أخبار هجوم العرب على أطراف المملكة

____________

(1) الروض الانف «1: 265»

(2) الفائق «1: 590 طبعة القاهرة»

(3) النهاية في غريب الحديث و الاثر «2: 263 و 3: 8»

18

الساسانية و توغلهم فيها و إمعانهم في أقطارها.

قال أبو جعفر الطبري في أخبار ملوك الفرس الساسانيين تحت عنوان «سابور ذو الأكتاف»: «ثم ولد سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام ... مملكا بوصية أبيه هرمز له بالملك، فاستبشر الناس بولادته و بثوا خبره في الآفاق و كتبوا الكتب و وجهوا به البرد الى الآفاق و الأطراف، و تقلد الوزراء و الكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه، و لم يزالوا على ذلك حتى فشا خبرهم و شاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم (كذا) و أن أهلها إنما يتلومون صبيا في المهد لا يدرون ما هو كائن من أمره، فطمعت في مملكتهم الترك و الروم، و كانت بلاد العرب أدنى البلاد الى فارس و كانوا من أحوج الأمم الى تناول شي‏ء من معايشهم و بلادهم لسوء حالهم و شظف عيشهم فسار جمع عظيم منهم في البحر من ناحية عبد القيس و البحرين و كاظمة حتى أناخوا على إيرانشهر و سواحل أردشير خره و أسياف فارس و غلبوا أهلها على مواشيهم و حروثهم و معايشهم و أكثروا الفساد في تلك البلاد، فمكثوا على ذلك من أمرهم حينا لا يغزوهم أحد من الفرس لعقدهم تاج الملك على طفل من الأطفال و قلة هيبة الناس له حتى تحرّك سابور و ترعرع ... حتى تمّت له ست عشرة سنة و أطاق حمل السلاح و ركوب الخيل و اشتد عظمه ... ثم انتخب الف فارس من صناديد جنده و أبطالهم و تقدم اليهم في المضي لأمره و نهاهم عن الابقاء على من لقوا من العرب و العرجة على إصابة مال ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب و هم غارون و قتل منهم أبرح القتل و أسر أعنف الأسر و هرب بقيتهم ثم قطع البحر في أصحابه فورد الخط و استقرى بلاد البحرين يقتل أهلها و لا يقبل فداءا و لا يعرّج على غنيمة ثم مضى على وجهه فورد هجر و بها ناس من اعراب تميم و بكر بن وائل و عبد القيس فأفشى فيهم القتل و سفك فيهم من الدماء سفكا سالت كسيل المطر حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه‏

19

غار و لا جبل و لا جزيرة في بحر ثم عطف الى بلاد عبد القيس فأباد أهلها الا من هرب منهم فلحق بالرمال ثم أتى اليمامة فقتل بها مثل تلك المقتلة، و لم يمر بماء من مياه العرب إلّا غوّره و لا جبّ من جبابهم، إلّا طمّة ثم أتى قرب المدينة فقتل من وجد هنالك من العرب و أسر ثم عطف نحو بلاد بكر و تغلب فيما بين مملكة فارس و مناظر الروم بأرض الشام فقتل من وجد بها من العرب و سبى و طم مياههم و انه أسكن من بني تغلب من البحرين دارين و اسمهما هيج و الخط، و من كان عبد القيس و طوائف من بني تميم هجر و من كان من بكر بن وائل كرمان و هم الذين يدعون بكر أبان، و من كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز و انه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة فسماها بزرج سابور و هي الأنبار (1) ...»

و ذكر الطبري بعد ذلك تملك لليانوس (يوليانس) في المملكة الرومية وحشده جموعا من الروم و الخزر و من كان في مملكته من العرب ليقاتل بهم سابور و جنود فارس، و قال: «و انتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور و ما كان من قتله العرب، و اجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة الف و سبعون ألف مقاتل، فوجههم مع رجل من بطارقة الروم بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس ... و إن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه ان يأذن لهم في محاربة سابور، فأجابهم الى ما سألوه، فزحفوا الى سابور فقاتلوه ففضوا جمعه و قتلوا منهم مقتلة عظيمة و هرب سابور فيمن بقي من جنده و احتوى لليانوس على مدينة طيسبون (المدائن) محلة سابور، و ظفر ببيوت اموال سابور و خزائنه فيها، و ذكر بعد ذلك استرداد سابور مدينة طيسبون و هزمه لجيوش ملك الروم ثم قال: و إن سابور ضري بقتل العرب و نزع‏

____________

(1) الطبري «في تاريخ الأمم و الملوك» ج 2 ص 66، 67 طبعة المطبعة الحسينية بالقاهرة».

20

أكتاف رؤسائهم إلى ان هلك و كان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الاكتاف.

و ذكر بعض اهل الاخبار ان سابور بعد ان اثخن في العرب و أجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا اليها مما قرب من نواحي فارس و البحرين و اليمامة ثم هبط الى الشام». (1)

و قال الطبري: ثم استصلح (سابور) العرب و أسكن ببعض قبائل تغلب و عبد القيس و بكر بن وائل كرمان و توّج و الأهواز ... و هلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر و ربيعة امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدّي بن ربيعة بن نصر فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرى‏ء القيس». (2)

خندق سابور ذي الاكتاف «كري سعدة»

قال ياقوت الحموي‏ (3): و خندق سابور في برية الكوفة، حفره سابور بينه و بين العرب خوفا من شرهم، قالوا: كانت هيت و عانات مضافة إلى طسوّج الأنبار، فلما ملك انوشروان (531- 579 م) بلغه أن طوائف من الاعراب يغيرون على ما قرب من السواد الى البادية، فامر بتجديد سور مدينة تعرف بالنسر كان سابور ذو الاكتاف بناها و جعلها مسلحة تحفظ ما قرب البادية و أمر بحفر خندق من هيت يشق طفّ البادية الى كاظمة مما يلي البصرة و ينفذ إلى البحر و بنى عليه المناظر و الجواسق و نظمه بالمسالح ليكون ذلك مانعا لأهل البادية من السواد، فخرجت هيت و عانات بسبب ذلك الخندق، من طسوج شاه‏

____________

(1) المرجع المذكور «68، 69»

(2) المرجع المذكور «ص 70»

(3) معجم البلدان في مادة «خندق».

21

فيروز لأن عانات كانت قرى مضمومة الى هيت‏ (1)». و قال في المشترك:

«و خندق سابور في برية الكوفة، كان سابور ذو الاكتاف أمر بحفره ليكون مانعا للعرب من العيث في أرض السواد (2)».

و قال صفي الدين بن عبد الحق في مراصد الاطلاع: «و خندق سابور في برية الكوفة، حفره سابور ملك الفرس بينه و بين العرب من هيثة (3) يشق طف البادية الى كاظمة مما يلي البصرة الى البحر و بنى عليه المناظر و الجواسق و نظمه بالمسالح‏ (4)». و هذا يعني أنه كان متصلا بما يسمى خور عبد اللّه.

و قال ياقوت أيضا: «و الطف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي اللّه عنه- و هي أرض بادية قريبة من الريف، فبها عدة عيون ماء جارية منها الصيد و القطقطانة و الرهيمة و عين جمل و ذواتها و هي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه و بين العرب و غيرهم، و ذلك أن سابو و أقطعهم أرضا يعتملونها من غير أن يلزمهم خراجا، فلما كان يوم ذي قار و نصر اللّه العرب بنبيه صلّى اللّه عليه و سلم غلبت العرب على طائفة من تلك العيون، و بقي بعضها في أيدي الأعاجم‏ (5)»

و قال البلاذري: «قالوا: كانت عيون الطف من عين الصيد و القطقطانة و عين جمل و ذواتها للموكلين بالمسالح التي وراء السواد و هي عيون خندق سابور الذيّ حفره بينه و بين العرب الموكلين بمسالح الخندق و غيرهم، و ذلك ان سابور

____________

(1) معجم البلدان في مادة خندق.

(2) المشترك «160».

(3) في نسخة «من هيت».

(4) سيأتي فيما بعد هذا أن من مسالحه الحصن العظيم المعروف اليوم بالأخيضر، و من مناظره القائمة اليوم «الموجدة».

(5) المراصد في مادة خندق‏

22

أقطعهم أرضا فاعتملوها من غير ان يلزمهم لها خراجا، فلما كان يوم ذي قار و نصر اللّه العرب بنبيه- صلّى اللّه عليه و سلم- غلبت العرب على طائفة من تلك العيون و بقي في أيدي الأعاجم بعضها ثم لما قدم المسلمون الحيرة هربت الأعاجم بعد أن طمست عامة ما في أيديهم منها و بقي الذي في أيدي العرب فاسلموا عليه و صار ما عمروه من الأرضين عشريا (1).

و لا يزال تحقيق خندق سابور واضحا في غربي النجف و موضع الحيرة و كربلا و يعرف «بكري سعدة (2)» و لا تزال قائمة من مسالح سابور ذي الاكتاف مسلحة عظيمة تعرف (بحصن الأخيضر) و هو مشيد في أرض بسيطة بين تلال و أطلال متعادية، و كأن الأرض التي أنشى‏ء فيها كانت السهل الوحيد المؤدي الى بلاد السواد لمن يقصدها من الفرسان، و كان الحصن هذا هو الذي حاصر خالد بن الوليد جنوده و حاميته، قال البلاذري: «قالوا و أتى خالد بن الوليد رجل دلّه على سوقة يجتمع فيها كلب و بكر بن وائل و طوائف من قضاعة فوق الأنبار فوجه اليها المثنى بن حارثة فأغار عليها فأصاب ما فيها و قتل و سبى ثم أتى خالد عين التمر فألصق بحصنها و كانت مسلحة للأعاجم عظيمة، فخرج أهل الحصن فقاتلوا ثم لزموا حصنهم فحاصرهم خالد و المسلمون حتى سألوا الأمان، فأبى أن يؤمنهم و افتتح الحصن عنوة و قتل و سبى، و وجد في كنيسة هناك جماعة سياهم؟؟؟ (3) ..»

____________

(1) فتوح البلدان «طبعة المطبعة المصرية ص 296»

(2) لا ندري من سعدة هذه التي نسب الخندق اليها و سيأتي في أخبار دير اللج بالحيرة قول اسماعيل بن عمار الأسدي: ما أنس سعدة و الزرقاء يومهما فراغ باللج شرقية فوق الدكاكين.

(3) فتوح البلدان «ص 248».

23

النجف مصحة قديمة

و كان النجف و لا يزال كذلك طيب المناخ، عذي الأرض و الهواء مصحة للأجسام العليلة، و منجاة من الأمراض الوبيلة، و قد أيد ذلك الاختبار و الأخبار و الأشعار، و من ذلك قول اسحاق بن ابراهيم الموصلي:

يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف‏* * * نحي دارا لسعدى ثم ننصرف‏

لم ينزل الناس من سهل و لا جبل‏* * * أصفى هواءا و لا أعذى من النجف‏

حفت ببرّ و بحر من جوانبها* * * فالبرّ في طرف و البحر في طرف‏

و ما يزال نسيم من يمانية* * * يأتيك منها برّيا روضة أنف‏

كأن تربته مسك يفوح به‏* * * أو عنبر دافه العطار في صدف‏ (1)

و قال الجاحظ: «هرب رجل من الطاعون الى النجف أيام شريح، فكتب اليه شريح: أما بعد فان الفرار لن يبعد أجلا و لن يكثر رزقا و إن المقام لن يقرب أجلا و لن يقلل رزقا و إن النجف من ذي قدرة لقريب‏ (2)

____________

(1) الأغاني «356، 357» و ج 9 ص 285 طبعة دار الكتب المصرية، و معجم البلدان في رسم «النجف».

(2) البيان رالتبيين «2: 203 طبعة مطبعة لجنة التأليف بمصر».

24

و كان هذا فضولا من شريح- (رحمه اللّه)- فلو أتبع قوله لم يستشف مريض و لا استوصف الأطباء، و لا شرب الدواء لدفع الأدواء، و لا أحسن السكن و الغذاء، و من أجل صفاء الماء و الهواء و عذاوة الأرض بنى المناذرة قصرهم المشهور «الخورنق» قرب النجف، قال ياقوت الحموي: «الخورنق». الذي عليه أهل الأثر و الاخبار أن الخورنق قصر كان بطهر الحيرة و قد اختلفوا في في بانيه فقال الهيثم بن عدي: الذي أمر ببناء الخورنق النعمان بن امرى‏ء القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن الحارث بن لخم ... ملك ثمانين سنة و بنى الخورنق في ستين سنة بناه له رجل من الروم يقال له سنمار ... و كان النعمان هذا قد غزا الشام مرارا و كان من أشد الملوك بأسا، فبينما هو ذات يوم جالس في مجلسه في الخورنق فأشرف على (النجف) و مايليه من البساتين و النخل و الجنان و الانهار مما يلي المغرب و على الفرات مما يلي المشرق و الخورنق مقابل الفرات يدور عليه على عاقول كالخندق فأعجبه ما رأى من الخضرة و النور و الانهار فقال لوزيره:

أرأيت مثل هذا المنظر و حسنه؟ فقال: لا و اللّه أيها الملك ما رأيت مثله لو كان يدوم. فقال: فما الذي يدوم؟ قال: ما عند اللّه في الآخرة. قال: فبم ينال ذلك؟ قال: بترك هذه الدنيا و عبادة اللّه و التماس ما عنده. فترك ملكه في ليلة و لبس المسوح و خرج مختفيا هاربا لا يعلم به أحد و لم يقف الناس على خبره الى الآن.» ثم ظهر تخليه من الملك و لحاقه بالنساك في الجبال و الفلوات فما رؤي بعد ذلك و يقال إن وزيره صحبه و مضى معه، و في ذلك يقول عدي بن زيد:

و تبيّن رب الخورنق إذ أش* * * رف يوما و للهدى تفكير

سرّه ما رأى و كثرة ما يم* * * لك و البحر معرضا و السدير

فارعوى قلبه و قال فما غب* * * طة حيّ الى الممات يصير؟

ثم بعد الفلاح و الملك و الإمر* * * ة وارتهم هناك القبور

25

ثم صاروا كأنهم ورق جف‏* * * فألوت به الصبا و الدبور

و قال ابن الكلبي: صاحب الخورنق و الذي أمر ببنائه بهرام جور بن يزد جرد بن سابور ذي الاكتاف و ذلك أن يزد جرد كان لا يبقى له ولد و كان لحق ابنه بهرام جور في صغره علة تشبه الاستسقاء فسأل عن منزل مري‏ء، صحيح من الادواء و الأسقام ليبعث بهرام اليه خوفا عليه من العلة فأشار عليه أطباؤه أن يخرجه من بلده الى أرض العرب و يسقى أبوال الابل و ألبانها فأنفذه الى النعمان و أمره أن يبني له قصرا مثله على شكل بناء الخورنق فبناه له و أنزله إياه و عالجه حتى برأ من مرضه ثم استأذن أباه في المقام عند النعمان فأذن له فلم يزل عنده نازلا قصره الخورنق حتى صار رجلا و مات أبوه فكان من أمره في طلب الملك حتى ظفر بما هو متعارف مشهور.»

و ذكر كريستنسن في كتابه (إيران في عهد الساسانيين) في كلامه على سيرة يزد جرد و أبنائه، قال: «و المؤكد ان بهرام كان يعيش في قصر الخورنق بالحيرة و هو القصر الذي ينسب بناؤه الى النعمان اللخمي و لكن تاريخه يرجع بغير شك الى تاريخ أقدم زمانا (1)». و تطرق هذا المؤلف في الصفحة 442 الى بناء سنمار للخورنق.

و ذكر أبو بكر أحمد بن مروان المالكي، بسنده عن هرون بن عنترة عن أبيه قال: «دخلت على علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- بالخورنق و عليه قطيفة و هو يرعد من البرد فقلت: يا أمير المؤمنين إن اللّه قد جعل لك و لأهل بيتك في هذا المال نصيبا و أنت تفعل بنفسك هذا؟ فقال: اني و اللّه لا أرز أمن أموالكم شيئا و هذه القطيفة التي أخرجتها من بيتى (أو قال) من المدينة (2).

____________

(1) ايران في عهد الساسانيين «ص 260 من الترجمة العربية ليحيى الخشاب»

(2) المجالسة «نسخة دار الكتب الوطنية يباريس 3481 الورقة ه»

26

النجف و الحيرة

الحيرة المدينة العربية المشهورة في تاريخ العرب و جغرافية بلادهم أنشئت في منطقة النجف و كان ينبغي أن تضاف اليه فيقال «حيرة النجف» الا أن العادة جرت بتعريف الغامر بالعامر فأضيف النجف الى الحيرة فقيل «النجف الحاري» أي النجف الحيري، قال ياقوت: و لبعض أهل الكوفة:

و با (النجف الحاري) ان زرت أهله‏* * * مها مهملات ما عليهن سائس‏

خرجن بحب اللهو في غير ريبة* * * عفائف باغي اللهو منهن آيس‏

يردن اذا ما الشمس لم يخش حرّها* * * ظلال بساتين جناهن يابس‏

إذا الحر آذاهن لذن بفيئه‏* * * كما لاذ بالظل الظباء الكوانس‏

لهن اذا ما استعرضتهن عشية* * * على ضفة النهر المليح مجالس‏

يفوح عليك المسك منه و ان تقف‏* * * تحدث و ليست بينهن و ساوس‏

و لكن نقيات من اللؤم و الخنا* * * إذا ابتزعن أبشارهن الملابس‏ (1).

و يؤيد ذلك أن ياقوتا الحموي قال في ذكر الحيرة «... مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف»، و أن حنينا الحيري‏

____________

(1) معجم البلدان في «النجف».

27

المغني الذي ذكرناه آنفا افتخر بأن متزله «النجف» في بيته المقدم ذكره:

أنا حنين و منزلي النجف‏* * * و ما نديمي إلا الفتى القصف‏

و قال بعده:

أقرع بالكأس ثغر باطية* * * مترعة تارة و أغترف‏

و العيش غصن و منزلي خصب‏* * * لم تغذني شقوة و لا عنف‏ (1)

أما قول البحتري:

آمق الكوفة أرضا و أرى‏* * * (نجف الحيرة) أرضاها وطن‏

فقد جرى فيه على العادة التي ذكرنا آنفا، و الحقيقة أن الحيرة هي (حيرة النجف) كما ألمعنا اليه من قبل.

مباني منطقة النجف و مآثرها

1 الاكيراح. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان: «أكيراح: بالضم ثم الفتح و ياء ساكنة وراء و ألف مهملة ... و هي في الأصل القباب الصغار، قال الخالدي: الاكيراح رستاق نزه بأرض الكوفة، و الاكيراح بيوت صغار تسكنها الرهبان الذين لا قلالي لهم، يقال لواحدها (كرح) بالقرب منها ديران يقال لأحدهما (دير مر عبدا) و للآخر (دير حنة) و هو وضع بظهر الكوفة ...» و قال أبو عبيد البكري: في معجم ما استعجم: «الأكيراح: بضم أوله تصغير أكراح بالراء و الحاء: موضع بالحيرة، و موضع أيضا آخر بالبليخ يقال له الأكيراح- و إياه يعني- الأول- عن الحكمي بقوله: (يا دير حنة من ذات الأكيراح)

____________

(1) الأغاني «2: 341 طبعة دار الكتب المصرية»

28

و سيأتي ذكره في باب الديارات».

2- الغريان، قال ياقوت الحموي: «الغريان: تثنية الغري و هو المطلي بالغراء ... و الغري نصب كان يذبح عليه العتائر، و الغريان طربالان و هما بنا آن كالصومعتين بظاهر الكوفة قرب قبر علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- ... بناهما المنذر بن امرى‏ء القيس بن ماء السماء و كان السبب في ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد يقال لأحدهما خالد بن نضلة و الآخر عمر بن سعود فثملا فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه فامر و هو سكران فحفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة و دفنهما حينين، فلما أصبح استدعاهما، فأخبر بالذي أمضاه فيهما، فغمه ذلك و قصد حفرتهما و أمر ببناء طربالين عليها و هما صومعتان، فقال المنذر:

ما أنا بملك إن خالف الناس أمري: لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، و جعل لهما في السنة يوم بؤس و يوم نعيم، يذبح في يوم بؤسه كل ما يلقاه، و يغري بدمه الطربالين، فان رفعت له الوحش طلبتها الخيل و إن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ما يعن و يطليان بدمه. و لبث بذلك برهة من دهره و سمى أحد اليومين (يوم البؤس) و هو اليوم الذي يقتل فيه ما ظهر له من انسان و غيره، و سمى الآخر (يوم النعيم) يحسن فيه الى كل من يلقى من الناس و يحملهم و يخلع عليهم‏ (1) ... وجدت بخط أبي بكر السراج ... مر معن بن‏

____________

(1) روى المسعودي عن (الغريين) رواية على ضعف احتمال وقوعها فان ايرادها هنا متمم للفائدة، جاء في الجزء الثاني من مروج الذهب صفحة 252 من طبع المطبعة البهية بمصر ما يلي:

«روى ابن عياش ان المنصور كان قد ضم الشرقي بن القطامي الى المهدي حين خلفه بالري و امره ان يأخذ بحفظ ايام العرب و مكارم الاخلاق و دراسة الاخبار، و قراءة الاشعار، فقال له المهدي ذات ليلة يا شرقي ارح قلبي بشي‏ء يلهيه، قال نعم اصلح الله الامير: ذكروا انه كان في ملوك الحيرة ملك يقال كان له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة مكينة، و كانا لا يفارقانه في لهوه، و منامه، و يقظته، و كان لا يقطع امرا دونهما، و لا يصدر الا عن رايهما، فعبر بذلك دهرا طويلا فبينا هو ذات ليلة في شربه و لهوه اذ غلب عليه الشراب فازال‏

29

____________

عقله فدعا بسيفه و انتضاه، و شد عليهما فقتلهما!! و غلبته عيناه فنام، فلما اصبح سأل عنهما فاخبر بما كان منه فاكب على الارض عاضا لها، متأسفا عليهما، و جزعا لفراقهما، و امتنع من الطعام و الشراب، ثم حلف لا يشرب شرابا يزعج قلبه ما عاش، و واراهما و بنى على قبريهما قبة و سماها (الغريين) و سن ان لا يمر بهما احد من الملك فمن دونه الا سجد لهما، و كان اذا سن الملك سنة توارثوها، و احيوا ذكرها و لم يميتوها، و جعلوها عليهم حكما واجبا، و فرضا لازما، و اوصى بها الاباء اعقابهم، فغبر الناس بذلك دهرا طويلا لا يمر احد من صغير و لا كبير الا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة كالشريعة و الفريضة، و حكم فيمن ابى ان يسجد لهما بالقتل بعد ان يحكم لهما بخصلتين يجاب اليهما كائنا ما كان، قال فمر يوما قصار معه كارة ثياب و فيها مدقته، فقال الموكلون (بالغريين) للقصار اسجد، فابى ان يفعل، فقالوا له: انك مقتول ان لم تفعل، فابى، فزفعوه الى الملك و اخبروه بقصته، فقال: ما منعك ان تسجد؟ قال سجدت و لكن كذبوا علي فقال: الباطل قلت، فاحتكم في خصلتين فانك مجاب اليهما، و اني قاتلك، قال: لا بد من قتلي بقول هؤلاء؟ قال لا بد من ذلك، قال فاني احتكم ان اضرب رقبة الملك بمدقتي هذه ... قال له الملك: يا جاهل لو حكمت علي ان اجري على من تخلف وراءك ما يغنيهم كان اصلح لهم، قال ما احكم الا بضربة لرقبة الملك، فقال الملك لوزرائه: ما ترون فيما حكم به هذا الجاهل؟ قالوا: نرى ان هذه سنة، و انت اعلم بما في نقض السنن من العار و الشنار، و عظم الاثم، و ايضا انك متى نقضت سنة نقضت اخرى، ثم يكون ذلك لمن بعدك كما كان لك فتبطل السنن، قال: فارغبوا الى القصار ان يحكم بما شاء و يعفيني من هذه فاني اجيبه الى ما شاء و لو بلغ حكمه شطر ملكي، فرغبوا اليه، فقال: ما احكم الا بضربة في عنق الملك، قال: فلما رأى الملك ذلك و ما عزم عليه القصار قعد له مقعدا عاما و احضر القصار، فابدى مدقته و ضرب بها عنق الملك، فاوهنه وخر مغشيا عليه، فاقام لما به سنة و بلغت به العلة المى ان كان يسقي الماء بالقطن، فلما افاق، و تكلم، و اكل، و شرب، و استقل، سأل عن القصار؟ فقيل انه محبوس، فامر باحضاره فحضر، فقال: لقد بقيت لك خصلة فاحكم بها فاني قاتلك لا محالة اقامة للسنة، قال القصار: فاذا كان لا بد من قتلي فاني احكم ان اضرب الجانب الاخر من رقبة الملك مرة اخرى فلما سمع الملك ذلك خر على وجهه من الجزع و قال: ذهبت و الله نفسي اذن، ثم قال للقصار: و يلك دع عنك ما لا ينفعك فانه لم ينفعك منه ما مضى و احكم بغيره، و انفذه لك كائنا ما كان، قال:

ما ارى حقي الا ضربة اخرى، فقال الملك لوزرائه ما ترون؟ قالوا تموت على السنة، قال ويلكم ان ضرب الجانب الاخر ما شربت الماء البارد ابدا، لاني اعلم ما قد نالني، قالوا: فما عندنا حيلة، فلما رأى ما قد اشرف عليه قال للقصار: اخبرني الم اكن قد سمعتك تقول يوم اتى بك الموكلون (بالغريين) انك قد سجدت و انهم كذبوا عليك.؟ قال قد كنت قلت ذلك فلم اصدق ... قال فكنت سجدت؟ قال نعم ...

فوثب من مجلسه و قبل رأسه، و قال اشهد انك صادق، و انهم كذبوا عليك، و قد وليتك موضعهم، و جعلت اليك باسهم و امرهم ...»

ج. خ‏

30

زائدة بالغريين فرأى أحدهما و قد شعث و هدم فأنشأ يقول:

لو كان شي‏ء له أن لا يبيد على‏* * * طول الزمان لما باد الغريان‏

ففرق الدهر و الأيام بينهما* * * و كل إلف إلى بين و هجران‏ (1)

3- دير الحريق، قال ياقوت: «سمي بذلك لأنه أحرق في موضعه قوم ثم دفن فيه قوم من أهل من أحرقه هناك و عمل ديرا ... و وجدته بخط ابن حمدون بالخاء المعجم- في الشعر و الترجمة ... و هو بالحيرة قديم و فيه يقول الثرواني: (2)

دير الحريق فبيعة المزعوق‏* * * بين الغدير فقبة الشنيق‏

أشهى الي من الصراة (3) و دورها* * * عند الصباح و من رحى البطريق‏

فاغدوا بناكر من ذخائر عتبة* * * الخمار من صافي الدنان رحيق‏

يا صاح و اجتنب الملام أما ترى‏* * * سمجا ملامك لي و أنت صديقي‏ (4)

و قال ابن فضل اللّه العمري: «دير الحريق قديم، هو بالحيرة، بناه النعمان بن المنذر على ولد كان له، عدي عليه و أحرقه فيه، و الى جانبة قبة تعرف بقبة السنيق و تعرف بقبة غصين و هما راهبان نسبتا إليهما و هما بديعتا البناء، و في الدير و فيها يقول الثرواني:

دير الحريق و قبة السّنيق‏* * * مغنى لحلف مدامة و فسوق‏

وطن لفرقته شرقت بدمعتي‏* * * و لرحلتي عنه غصصت بريقي‏

حكى حمزة بن أبي سلامة قال: كان الثرواني جاري بالكوفة و كان كثير

____________

(1) الغريان من معجم البلدان.

(2) هو محمد بن عبد الرحمن.

(3) الصراة نهر كان يأخذ من نهر عبير المتخلج من الفرات و يصبه فرع منه الى دجلة عند موضغ اعدادية الكرخ الخالية البنين.

(4) معجم البلدان في «دير الحريق».

31

الالمام بالديرة فباكرني في يوم شعانين‏ (1) و قال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق لأنه يوم سيقصده فيه خلق، ولي به صديق من رهبانه ظريف، مليح القلاية جيد الشراب فهلم ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري و الغلمان ثم نعدل الى قلاية صديقنا فنشرب على سطحها المشرف على الرياض، فخرجنا فرأينا من النساء و الوصائف و الولدان في الحلي و الحلل ما لم أر مثله قط، فلم يزل يعبث و يتعرض و يقبل و يعانق- و كان معروفا بذلك فما أحد ينكر عليه فعله إلى بعد الظهر، ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالاكرام و الترحيب، فدخلنا قلايته فما رأينا أنظف من آلاتها و لا أنضر من بستانها، ثم قدم لنا شيئا من طعامه، فأصبنا منه ثم صعدنا سطحها و جلسنا ننظر الى منظر يبهر حسنا و جمالا من رياض و غدران و طير تصفر، و نحن نشرب حتى ثملنا و نمنا هناك، و غدونا على الكوفة، فقلت له: تترك هذا اليوم مع حسنه عاطلا من حلي شعرك؟ فقال: لا و اللّه و لقد عملت في ليلتي هذه، هذه الأبيات ثم أنشدني:

خرجنا في شعانين النصارى‏* * * و شيعنا صليب الجاثليق‏

فلم أر منظرا أحلى بعيني‏* * * من المتقيّنات على الطريق‏

حملنا الخوص و الزيتون حتى‏* * * بلغن به الى (دير الحريق)

أكلناهن باللحظات عشقا* * * و أضمرنا لهن على الفسوق‏ (2)

4- دير الاسكون‏ (3)، قال ياقوت: «هو بالحيرة- راكب على النجف و فيه قلالي و هياكل و فيه رهبان يضيفون من ورد عليهم و عليه سور عال حصين‏

____________

(1) عيد الشعانين عيد السعانين هو عيد الأحد الذي قبل الفصح و يقال فيه عيد الشعانين أيضا

(المنجد)

(2) مسالك الأبصار في ممالك الامصار «1: 3160315»

(3) قال ياقوت: «بفتح الهمزة و سكون السين المهملة و كاف مضمومة و آخره نون»

32

و عليه باب حديد و منه يهبط الى غدير بالحيرة، أرضه رضراض و رمل أبيض و له مشرعة تقابل الحيرة لها ماء إذا انقطع النهر كان منها شرب أهل الحيرة ...»

و نقل ابن فضل اللّه العمري وصفه من كتاب «ديارات الحيرة» و ظهر أن ياقوتا الحموي نقل من المرجع نفسه و زاد العمري قوله: «قال- يعني مصنف ديارات الحيرة-: و اليه تجتمع النصارى في أعيادهم و في كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة فاذا كان يوم الشعانين أتوه من كل ناحية مع شماميسهم بصلبهم و أعلامهم فاذا استتموا فيه و في القصر الأبيض و العلالي المدانيّة خرج أسقفهم بهم الى مكان يعرف بقبيبات الشعانين (و هي قباب على ميل من ناحية طريق الشام) فأقام بهم فيها يومهم ذلك الى آخره و لكل منهم يومئذ شأن يغنيه».

5- دير حنة، قال ياقوت الحموي: «هو دير قديم بالحيرة منذ أيام بناه المنذر لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع، تقابله منارة عالية كالمرقب تسمى القائم لبني أوس بن عمرو بن عامر، و فيه يقول الثرواني:

يا دير حنة عند القائم الساقي‏* * * إلى الخورنق من دير ابن براق‏

ليس السلو و إن أصبحت ممتنعا* * * من بغيتي فيك من شكلي و أخلاقي‏

سقيا لعافيك من عاف معالمه‏* * * قفر و ما فيك مثل الوشم من باق‏

و دير حنة بالأكيراح الذي قيل فيه: «يا دير حنة من ذات الأكيراح» هذا أيضا بظاهر الكوفة و الحيرة، لا أدري أهو هذا المذكور هنا أم غيره و قد ذكر شاهده في الأكيراح». و قد كان قال في الأكيراح: ... بالقرب منها ديران يقال لأحدهما (دير مر عبدا) و للآخر (دير حنة) و هو موضع بظاهر الكوفة كثير البساتين و الرياض، و فيه يقول أبو نواس:

( (1) «1: 312»)

33

يا دير حنة من ذات الأكيراح‏* * * من يصح عنك فاني لست بالصاحي‏

يعتاده كل مجفو مفارقه‏* * * من الدهان عليه سحق أمساح‏

في فتية لم يدع منهم تخوفهم‏* * * وقوع ما حذروه غير أشباح‏

لا يدلفون الى ماء بباطية (1)* * * إلا اغترافا من الغدران بالراح‏

قرأت بخط أبي سعيد السكري (حدثني أبو جعفر أحمد بن أبي الهيثم البجلي قال رأيت الأكيراح و هو على سبعة فراسخ من الحيرة مما يلي مغرب الشمس من الحيرة و فيه ديارات فيها عيون و آبار محفورة يدخلها الماء) ... و قال بكر بن خارجة:

دع البساتين من آس و تفاح‏* * * و اقصد الى الشيح من ذات الأكيراح‏

الى الدساكر فالدير المقابلها* * * لدى الأكيراح أو دير ابن وضاح‏

منازل لم أزل حينا الازمها* * * لزوم عاد الى اللذات روّاح»

و قال ابن فضل اللّه العمري: «دير حنة بالحيرة من بناء نوح، هكذا نقلته و لا أعرف من هو، و إلى جانبه قائم، حكى أحمد بن عمر الكوفي، قال:

كان بالكوفة رجل أديب ضعيف الحال مهما وقع في يده من شي‏ء أتى به الى دير حنة فيشرب فيه حتى يسكر، ثم ينصرف الى أهله و يقول: يعجبني من الغراب بكوره في طلب الرزق و ربما بات به و يقول:

تطاول ليلك بالزاويه‏* * * و كان المبيت بها عافيه‏

و من تحت رأسك آجرّة* * * و جنبك ملقى على باريه‏

و ذلك خير من الانصراف‏* * * فتحكم فيك بنو الزانيه‏

____________

(1) في مسالك الأبصار نقلا من رواية أبي الفرج الأصفهاني: «لا يدلفون الى ماء بآنية»

34

و تصبح إمّا رهين السجون‏* * * و إما قتيلا على ساقيه‏

قال: فوجد و اللّه بعد أيام قتيلا على ساقية و هو القائل:

ما لذة العيش عندي غير واحدة* * * هي البكور الى بعض المواخير

لخامل الذكر مأمون بوائقه‏* * * سهل القياد من الفره المدابير

حتى يحل على دير ابن كافرة* * * من النصارى ببيع الخمر مشهور

كانما عقد الزنّار فوق نقا* * * و اعتّم فوق دجى الظلماء بالنور

و فيه قال الثرواني:

يومي بهيكل دير حنة لم يزل‏* * * غرّ السحاب تجود فيه و تمرع‏

متجوش طورا و طورا شاهرا* * * بيض السيوف و دارة يتدرع‏

و كذلك قال فيه بكر بن خارجة الكوفي:

ألا سقي الخورنق من محل‏* * * طريف الروض معشوق أنيق!

أقمت بدير حنتّه زمانا* * * بسكر في الصبوح و في الغبوق‏

و منا لابس اكليل زهر* * * و مختضب السوالف بالخلوق‏

كأن رياضه حسنا و نورا* * * سحائب ذهّبت بسنا البروق‏

كأن تقاطر الأشجار فيه‏* * * إذا غسق الظلام قطار نوق‏

و ماذا شئت من در الأقاحي‏* * * هناك و من يواقيت الشقيق‏

و قد ذكر دير حنة أبو الفرج الأصفهاني و قال «ذكره أبو نواس في شعره يعني في قوله: يا دير حنة من ذات الأكيراح .. قال: و الأكيراح بلد نزه كثير البساتين و الرياض و المياه، قال و بالحيرة أيضا موضع يقال له الأكيراح فيه دير،

35

و الأكيراح قباب صغار يسكنها الرهبان، يقال للواحد منها الكرح»

سقيا و رعيا لدير العلت من وطن‏* * * لا دير حنة من ذات الأكيراح‏

بدائع لا لدير العلت هن و لا* * * لدير حنة من ذات الأكيراح‏

(1).

6- دير ابن مزعوق، قال الشابشتي: «و هذا الدير بالحيرة في وسطها و هو دير كثير الرهبان، حسن العمارة، أحد المتنزهات المقصودة و الأماكن الموصوفة، و لمحمد بن عبد الرحمن الثرواني فيه:

هل لك في مار فايثون و في‏* * * دير ابن مزعوق غير مختصر

و نسأل الأرض عن منابتها* * * و عهدها بالربيع و المطر

يا لك طيبا و شم رائحة* * * كالمسك يأتي بنفحة السحر

في شرب خمر و سمع محسنة* * * تلهيك بين اللسان و الوتر

و الثرواني هذا كوفيّ من المطبوعين في الشعر و المنهمكين في البطالات و المتطرحين في الحانات و المدمنين لشرب الخمر، و المغرقين في اتباع المرد، لا يعرف شيئا غير ذلك، و لا يوجد شي‏ء من الدنيا إلا فيه و كان آخر أمره أن أصيب في حانة خمّار بين زقيّ خمر و هو ميت‏ (2) ...

و قال ياقوت في معجم البلدان: «دير المزعوق و يقال دير ابن المزعوق، و هو قديم بظاهر الحيرة، قال محمد بن عبد الرحمن الثرواني:

قلت له و النجوم طالعة* * * في ليلة الفصح أول السحر

هل لك في مار فاثيون و في‏* * * دير ابن مزعوق غير مقتصر؟

____________

(1) في ذكر الأكيراح يقول جحظة

سقيا و رعيا لدير العلت من وطن‏* * * لا دير حنة من ذات الأكيراح‏

و قال:

بدائع لا لدير العلت هن و لا* * * لدير حنة من ذات الأكيراح‏

«المسالك ج 1: 295- 296»

(2) الديارات «ص 149»

36

يفيض منه النسيم عن طرق الشام‏* * * و ريح الندى عن المدر (1)

و نسأل الأرض عن بشاشتها* * * و عهدها بالربيع و المطر

في شرب خمر و صدع محسنة* * * تلهيك بين اللسان و الوتر»

و أورد ابن فضل اللّه العمري ذكره قال: «دير ابن مزعوق هو بالحيرة قريب دير الحريق، في أنزه البقاع زهرا، و رقيق هواء و تدفق ماء، و تشوق اليه الثرواني من بغداد فقال:

دير الحريق و بيعة المزعوق‏* * * بين الغدير و قبة الشنيق‏

أشهى إلي من الصراة (2) و طيبها* * * عند الصباح من رحى البطريق‏ (3)

يا صاح فاجتنب الملام أما ترى‏* * * سمجا ملامك لي و أنت صديقي‏

و قد ذكره أبو الفرج و أنشد للثرواني فيه و في (دير فاثيون) قوله: قلت له و النجوم جانحة ...» و ذكر الأبيات المكتوبة آنفا ثم قال: و دير فاثيون أسفل النجف و دير ابن مزعوق بحذاء قصر عبد المسيح بأعلى النجف و فيه يقول الثرواني:

تقرّ بفضل عينك لي بوصل‏* * * و فعلك لي مقرّ بالجحود

تشككني و أعلم أنّ هذا* * * هوى بين التعطف و الصدود

و قال أيضا:

كرّ الشراب على نشوان مصطبح‏* * * قد هب يشربها والديك لم يصح‏

____________

(1) في المسالك «يفيض منه النسيم من طرف الشام و در النمدى على الشجر»

(2) نهر الصراة كان من فروع نهر عيسى بالجانب الغربي من بغداد و نهر عيسى كان يأخذ ماءه من الفرات، و الصراه كان من المتنزهات‏

(3) جاء في طبعة في المسالك «1: 316» دجى البطريق التصحيف و رحى البطريق من مواضع غربي بغداد و لها قصة مذكورة في تاريخ الخطيب.

37

و الليل في عسكر جمّ بوارقه‏* * * من النجوم وضوء الصّبح لم يلح‏

و العيش لا عيش إلا أن تباكرها* * * صهباء تقتل هم النفس بالفرح‏

حتى يظل الذي قد بات يشربها* * * و لا براح به يختال كالمرح‏ (1)

7- دير مارت مريم، قال ياقوت في معجم البلدان: «دير مارت مريم:

دير قديم من بناء آل المنذر بنواحي الحيرة بين الخورنق و السدير و بين قصر أبي الخصيب مشرف على النجف و فيه يقول الثرواني:

بمارت مريم الكبرى‏* * * و ظلّ فنائها فقف‏

فقصر أبي الخصيب المش* * * رف المرخي على النجف‏

فأكناف الخورنق و الس* * * دير ملاعب السلف‏

الى النخل المكمم و الح* * * مائم فوقه الهتف‏

و قال ابن فضل اللّه العمري: «دير مارت مريم: هو بالحيرة من بناء المنذر و هما ديران متقابلان و بينهما مدرجة الحاج و طريق السابلة الى القادسية و هما مشرفان على النجف و من أراد الخورنق عدل عن جادتها ذات اليسار و من شعر الثرواني فيها:

دع الأيام تفعل ما أرادت‏* * * إذا جادت بندمان و كأس‏

و مارت مريم و الصحن فيه‏* * * حدّيقتان من ورد و آس‏

و ظبي في لواحظ مقلتيه‏* * * نعاس من فتور لا نعاس‏

و خل لا يحول عن التصابي‏* * * ذكور للمودة غير ناسي‏

و محتضن لطنبور فصيح‏* * * يغنيني بشعر أبي نواس‏

____________

(1) المسالك «1: 317»

38

و قد ذكره أبو الفرج و قال: كان قس يقال له يحيى بن حماد و يقال له يوشع‏ (1)، تألفه الفتيان و يشربون على سطحه و في قلايته على قراءة النصارى و ضرب النواقيس و فيه قال بكر بن خارجة أو غيره:

بتنا بمارت مريم‏* * * سقيا لمارت مريم‏

و لقسها يحيى المهي* * * نم بعد نوم النوم‏

و ليوشع و لخمره‏* * * حمراء مثل العندم‏

و لفتية حفوّا به‏* * * يعصون لوم اللّوم‏

يسقيهم ظبي أغن‏* * * لطيف غلق المعصم‏

يرمي بعينيه القلوب‏* * * كمثل رمي الأسهم»

و قال اسحاق بن ابراهيم الموصلي: «لما خرجت مع الواثق الى النجف درنا بالحيرة و مررنا بدياراتها فرأيت دير مريم بالحيرة فأعجبني موقعه و حسن بنائه فقلت:

نعم المحل لمن يسعى للذته‏* * * دير لمريم فوق الظهر معمور

ظل ظليل و ماء غير ذي أسن‏* * * و قاصرات كأمثال الدمى حور

فقال الواثق: لا نصطبح و اللّه غدا إلا فيه، و أمر أن يعدّ فيه ما يصلح من الليل، و باكرناه فاصطبحت فيه على هذا الصوت، و أمر بمال ففرقه على أهل ذلك الدير، و أمر لي بجائزة (2).

8- دير حنة الكبير، قال ياقوت و قد نقلنا قوله آنفا: «و دير حنة

____________

(1) في كلامه انقطاع يدل على نقصان في النص أو سقوط جار و مجرور فتكون العبارة:

«كان فيه قس يقال يحيي ...»

(2) الأغاني «5: 427- 428»

39

بالأكيراح الذي قيل فيه: يا دير حنة من ذات الأكيراح. هذا أيضا بظاهر الكوفة و الحيرة و لا أدري أهو هذا المذكور هنا أم غيره، و قد ذكر شاهده في الأكيراح». قلنا: ذكره ابن فضل اللّه باسم (دير خنة الكبير) قال:

«قال الخالدي هو بالحيرة في الأكيراح، غير دير حنة الذي قدمنا ذكره، يقال إنه بني حين بنيت الحيرة، و كان من أنزه الديرة لكثرة بساتينه و تدفق مياهه.

حكى جحظة عن بعض أهل الحيرة قال: اجتاز عمر بن الفرج الرخجي منصرفا من الحج فتلقيناه و أعظمناه و سرنا معه فلما اجتاز بدير حنة سألنا عنه، فعرفناه به، فقال: من ذا الذي يقول: يا دير حنة من ذات الأكيراح!! فقال له الحسين بن هشام الحيري: هذا لأبي نواس أفتحب أن أنشدك لشاعرنا الثرواني شيئا يقرب من هذا المعنى في هذا الدير؟ قال: قل. فأنشده:

على الريحان و الراح‏* * * و أيام الأكيراح‏

و إبريق كطير الماء* * * في لجّة ضحضاح‏

سلام يسكر الصاحي‏* * * و ما فيه فتى صاحي‏

و من لي فيه بالسكرة* * * عن وجه ابن وضاح‏

غزال صيغ من فتنة* * * أبدان و أرواح‏

إذا راح الى البيعة* * * في أثواب أمساح‏

ففي كفيه إفسادي‏* * * و في كفيه إصلاحي‏

قال: فاستحسن الأبيات و أمر كاتبا معه يكتبها و خلع على الحسين بن هشام و أجازه».

«و حكى جحظة قال: زرت ابراهيم بن المدبر- و كان بالكوفة- فأكرمني و أنس لي و أقمت عنده ثلاثة أشهر، فجرى يوما ذكر دير حنة، فقال ابن المدبر، و اللّه إني لأحب أن أراه و أشرب فيه، فقد ذكر لي حسنه، فأين هو

40

من الحيرة؟ فدلّه إسحاق بن الحسين العلوي عليه و قال له: في هذه الأيام ينبغي أن يقصد لأنها أيام ربيع و رياض معتّمة بالزهر و الغدران و البادية بقربه فلن نعدم اعرابيا فصيحا يطير الينا و نحن فيه فيهدي إلينا بيض نعام و يجني لنا الكمأة. فتقدم ابن المدبر الى غلمانه باعداد ما يحتاج اليه، و خرج و خرجت حتى وافيناه، فاذا هو حسن البناء و الرياض محدقة به و نهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه، فضربت لنا خيام عنده و خرج إلينا رهبانه و حملوا إلينا مما عندهم من التحف و اللطف، فأكلنا و جلسنا نشرب، و غنيته بشعر أبي نواس المتقدم، فبينا نحن كذلك إذ اجتاز بنا غلام حسن عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى، كامل العقل ساحر اللحظ و اللفظ، فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا و سقاه قدحا و استأذنه الغلام في النهوض و قال: معي مصحف لا تتم للرهبان صلاة إلا بحضوره و هذا وقت صلاتهم و قد ضربوا الناقوس منذ ساعة. و أخذ عليه العهد في الرجوع إليه و أمر له بمائة دينار و عملت شعرا صنعت فيه صوتا فما زال صوته طول مقامه و هو ...» و ذكر الأبيات ثم قال: «و أقمنا بمكاننا ثلاثة أيام ثم عدنا الى الكوفة و قد عملت في تلك الأيام و غنّيت فيه:

و بالحيرة لي يوم‏* * * و يوم بالأكيراح‏

إذا عزّ بنا الماء* * * مزجنا الراح بالراح‏

و حكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنة خمار يقال له مر عبدا موصوف بجودة الخمر و نظافة الآنية و ملاحة الحانة، فحكى مرعبدا قال: ما شعرت يوما و قد فتحت حانوتي و جلست الى جانب الهيكل الا بثلاثة فوارس قد اقبلوا من طريق السماوة في البر، حتى وقفوا علي و هم متلثمون بعمائم الخز و عليهم حلل من القصب، فسلموا علي و أسفر أحدهم و قال: أنت مرعبدا و هذا

41

دير حنة،؟ قلت: نعم. قال، قد وصفت لنا بجودة الشراب و النظافة فاسقني رطلا. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدنان و نظرت أصفاها فبزلته، فشرب و مسح يده و فمه بالمنديل ثم قال اسقني آخر. فغسلت يدي و تركت ذلك الدن و ذلك القدح و المنديل و نقرت دنا آخر. فلما رضيت صفاره بزلت منه رطلا في قدح و أخذت منديلا جديدا فناولته اياه فشرب كالأول، ثم قال: اسقني رطلا آخر فسقينه في غير ذلك القدح و غير ذلك المنديل، فشرب و مسح يده و فمه و قال لي: بارك اللّه فيك فما اطيب شرابك و انظفك و أحسن أدبك، و ما كان رايي ان أشرب اكثر من ثلاثة ارطال فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي الى شرب رابع فهاته. فناولته اياه على تلك السبيل، فشرب و قال: و لو لا اسباب تمنع من بيتك لكان حبيبا الي جلوسي يومي هذا فيه، و ولى منصرفا في الطريق الذي بدا منه و رمى الي احد الراكبين اللذين كان معه بكيس، فقلت: و حق النصرانية لا قبلته حتى أعرف الرجل. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك وصفت له فأقبل من دمشق حتى شرب شرابك و رأى ديرك و الحيرة. ثم انصرف فحللت الكيس فاذا هو اربعماية دينار (1)».

9- دير هند الصغرى، قال الشابشتي: «بنت هند هذا الدير بالحيرة و ترهبت فيه و سكنته دهرا طويلا ثم عميت. و هذا الدير من اعظم ديارات الحيرة و أعمرها و هو بين الخندق و خضراء بكر، و لما قدم الحجاج الكوفة، سنة أربع و سبعين قيل له: ان بين الحيرة و الكوفة ديرا لهند بنت النعمان و هي فيه و من رأيها و عقلها، فانظر اليها فانها بقية، فركب و الناس معه حتى اتى الدير. فقيل لها: هذا الامير الحجاج بالباب، فاطّلعت من ناحية الدير. فقال لها، يا هند ما اعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي الى مثلك فلا تغتر

____________

(1) المسالك «1: 319- 322»

42

يا حجاج بالدنيا، فانا أصبحنا و نحن كما قال النابغة:

رأيتك من تعقد له جل ذمة* * * من الناس يا من سرحه حيث أربعا

و لم نمس الا و نحن اذل الناس و قل ما اناء امتلأ الا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضبا و بعث اليها من يخرجها من الدير و يستأديها الخراج فاخرجت مع ثلاث جوار من اهلها، فقالت احداهن في خروجها:

خارجات يسقن من دير هند* * * مذعنات بذلة و هوان‏

ليت شعري أ أول الحشر هذا* * * أم محا الدهر غيرة الفتيان؟

فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه فاستنقذهن من أشراط الحجاج و تغيب فبلغ الحجاج شعرها و فعل الفتى، فقال: ان اتاني فهو آمن و ان ظفر نابه قتلناه، فأتاه الفتى. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال! الغيرة. فوصله و خلاه و كان سعد بن ابي وقاص حين فتح العراق اتى هندا الى ديرها، فخرجت اليه، فاكرمها و عرض عليها نفسه في حوائجها، فقالت: سأحييك بتحية كانت املاكنا تحيّا بها ... ثم جاءها المغيرة بن شعبة لما ولاه معاوية الكوفة فاستاذن عليها. فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: من اولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال: لا. قالت فمن ولد المنذر بن ماء السما؟ قال: لا.

قالت فمن أنت؟ قال المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت فما حاجتك؟ قال:

جئتك خاطبا. قالت: لو جئتني لجمال او حال لاجبتك و لكن أردت أن تتشرف بي في محافل العرب فتقول: نكحت بنت النعمان بن المنذر و الا فاي خمر في اجتماع أعور و عمياء؟ فبعث اليها قال: كيف كان امركم؟ قالت:

سأختصر لك الجواب: أمسينا مساء و ليس في الارض عربي الا و هو يرغب الينا و يرهبنا ثم اصبحنا و ليس احد الا و نحن نرغب اليه و نرهبه. قال: فما كان‏

43

ابوك يقول في ثقيف. قالت اختصم اليه رجلان منهم في شي‏ء أحدهما ينتمي الى اياد و الآخر الى بكر بن هوازن فقضى به للايادي و قال:

ان ثقيفا لم تكن هوازنا* * * و لم تناسب عامرا و مازنا

فقال المغيرة: أما نحن فمن يكر بن هوازن فليقل ابوك ما شاء (1)».

و قال ياقوت؛ «بالحيرة يقارب خطة بني عبد اللّه بن دارم بالكوفة مما يلي الخندق في موضع نزه و هو دير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بالحرقة. قال هشام الكلبي: كان كسرى قد غضب على النعمان بن المنذر فحبسه فاعطت بنته هند عهدا للّه ان رده اللّه الى ملكه ان تبني ديرا تسكنه حتى تموت فخلى كسرى عن أبيها النعمان فبنت الدير و أقامت به الى أن ماتت و دفنت فيه، و هى التي دخل عليها خالد بن الوليد لما فتح الحيرة، فسلمت عليه، فقال لها لما عرفها: اسلمي حتي ازوجك رجلا شريفا مسلما. فقالت: أما الدين فلا رغبة لي في غير دين ابائي، و أما التزويج فلو كانت في بقية لما رغبت فيه فكيف و انا عجوز هرمة اترقب المنية بين اليوم و الغد. فقال: سليني حاجة، فقالت:

هؤلاء النصارى الذين في ذمتكم تحفظونهم. قال: هذا فرض علينا اوصانا به نبينا محمد- ص- قالت: مالي حاجة غير هذا فاني ساكنة في هذا الدير الذي بنيته ملاصقا لهذه الاعظم البالية من اهلي حتى الحق بهم. فامر لها بمعونة و مال و كسوة. قالت: أنا في غنى عنه، لي عبدان يزرعان مزرعة لي اتقوت بما يخرج منها و يمسك الرمق و قد اعتددت بقولك فعلا و بعرضك نقدا. فقال لها:

اخبريني بشي‏ء ادركت. قالت ما طلعت الشمس بين الخورنق و السدير الا على ما هو تحت حكمنا، فما امسى المساء حتى صرنا خولا لغيرنا. ثم أنشأت تقول:

فبينا نسوس الناس و الامر امرنا* * * اذا نحن فيهم سوقة نتنصف‏

____________

(1) الديارات- 157- 178».

44

فتبا لدنيا لا يدوم نعيمها* * * تقلب تارات بنا و تصرف‏

تم قالت: اسمع مني دعاء كنا ندعو به لاملاكنا (شكرتك يد افتقرت بعد غنى و لا ملكتك يد استغنت بعد فقر، و اصاب اللّه بمعروفك مواضعه و لا ازال عن كريم نعمة الا جعلك سببا لردها اليه، و لا جعل لك الى لئيم حاجة).

فتركها و خرج، فجاء النصارى و قالوا: ما صنع بك الأمير؟ فقالت:

صان لي ذمتي و اكرم وجهي‏* * * انما يكرم الكريم الكريم‏

و قد اكثر الشعراء من ذكر هذا الدير فقال الامير معن بن زائدة الشيباني و كان منزله قريبا منه:

الا ليت شعري هل ابيتن ليلة* * * لدى دير هند و الحبيب قريب‏

فنقضي لبانات و نلقى أحبة* * * و يورق غصن للسرور رطيب‏

و هند هذه صاحبة القصة مع المغيرة بن شعبة». قال ابن فضل اللّه العمري:

«دير هند و هي بنت النعمان بن المنذر، بناه ابوها له لتتعبد فيه فلما فرغ خرجت من قصر ابيها تريده فأقامت في الطريق سنة تضرب المضارب في نزه و صيد و المسافة بين قصر أبيها و بينه نحو الفرسخ، و شق لها بشر بن مروان نهرا من الفرات و لم يزل النهر يجري حتى خرب الدير، و حكي ان النعمان كان يصلي و يتقرب فيه و أنه علق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب و فضة، و كانت أدهانها في أعياده من زنبق و بان و ما شاكلهما من الادهان، و يوقد فيه من العود الهندي و العنبر شيئا بجل عن الوصف. و فيما حكى الكلبي ان النعمان دخله في بعض اعياده فرأى امرأة تأخذ قربانا أخذت بقلبه، فدعا الراهب الذي قربها و سأله عنها، فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللخمي، فلما انصرف النعمان دعا عدي بن زيد كاتبه و أوقفه على الخبر و قال له: كيف الحيلة؟ فقال له:

إذا كان بكرة غد و حضر الناس الباب فابدأه في الاذن و أحلسه معك على‏

45

سريرك. ففعل النعمان ذلك و أذن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون و انصرفوا.

فقال النعمان لعدي بن زيد: قد فعلت ما أشرت به فمه؟. قال: اذا أصبحت فاكسه و احمله ففعل ثم قال اجعل حوائج العرب اليه. ففعل ثم قال النعمان لعدي بن زيد: قد طال هذا. قال: اذا اصبحت فان عندك عشر نسوة فطلّق أبغضهن اليك، ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطب به لولد و لا أخ. و قد طلقت لك فلانة فتزوجها. ففعل ذلك و خرج و هو لابس من حلل النعمان ولديه ما حمله عليه. فجلس و حكم بين العرب و عدي بن زيد بالباب جالس: فقال له اللخمي: ما أدري ما اكافي‏ء به الملك فعل معي و فعل؟ فقال عدي: ما أقدرك على مكافأته. قال: و ما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته قال: قد فعلت. فانفذها الى النعمان و في ذلك يقول:

علقتها حرة حوراء ناعمة* * * كأنها البدر في داج من الظلم‏

ما في البرية من أنثى تعادلها* * * إلا التي أخذ النعمان من حكم‏

رقد ذكره ابو الفرج و قال: هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير هي الحرقة و هي التي دخلت على خالد بن الوليد». و ذكر مختصر الخبر ثم قال: «و هذا الدير يقارب دير (1) بني عبد اللّه بن دارم بالكوفة مما يلي الخندق». و ذكر بعد ذلك ما ذكره الشابشتي في كتابه الديارات.

10- دير هند الكبرى، قال ياقوت: «و هو ايضا بالحيرة، بنته هند أم عمرو بن هند و هي هند بنت الحارث ابن عمرو بن حجر آكل المرار الكندي و كان في صدره مكتوبا: بنت هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الملكة بنت الاملاك و أم الملك عمرو بن المنذر، أمة المسيح و أم عبده و بنت‏

____________

(1) لعل الاصل «دار» أو «دور»

46

عبيده و في ملك ملك الاملاك خسرو أنوشروان في زمن مار افريم الاسقف، فالاله الذي بنت له هذا الدير يغفر خطيئتها و يترحم عليها و على ولدها و يقبل بها و بقومها الى أمانة الحق و يكون اللّه معها و مع ولدها الدهر الداهر. حدث عبد اللّه بن مالك الخزاعي قال «دخلت مع يحي بن خالد لما خرجنا مع الرشيد الى الحيرة و قد قصدناها لنتنزه بها و نرى آثار المنذر، فدخل دير هند الأصغر فرأى آثار قبر النعمان و قبرها الى جنبه ثم خرج الى دير هند الكبرى و هو على طرف النجف، فرأى في جانب حائطه شيئا مكتوبا فدعا بسلم و أمره بقرائته و كان فيه مكتوبا (1):

ان بني المنذر عام انقضوا* * * بحيث شاد البيعة الراهب‏

تنفح بالمسك ذفاريّهم‏* * * و عنبر يقطبه القاطب‏

و القز و الكتان أثوابهم‏* * * لم يجب الصوف لهم جائب‏

و العز و الملك لهم راهن‏* * * و قهوة ناجورها ساكب‏

أضحوا و ما يرجوهم طالب‏* * * خيرا و لا يرهبهم راهب‏

كأنهم كانوا به لعبة* * * سار الى اين بها الراكب؟

فاصبحوا في طبقات الثرى‏* * * بعد نعيم لهم راتب‏

شر البقايا من بقي بعدهم‏* * * قل و ذل جده خائب‏

قال: فبكى حتى جرت دموعه على لحيته و قال: نعم هذه سبيل الدنيا».

11- دير اللج قال ياقوت: «هو بالحيرة بناه النعمان بن المنذر أبو قابوس في ايام مملكته و لم يكن في ديارات الحيرة احسن بناءا منه و لا أنزه موضعا و فيه قيل:

____________

(1) ذكر الشابشتي هذه الابيات في القصة بعينها في زيارة الرشيد للسدير ص «153» و ليس في السدير بيعة راهب‏

47

سقى اللّه دير اللج غيثا فانه‏* * * على بعده مني الي حبيب‏

قريب الى قلبي بعيد محله‏* * * و كم من بعيد الدار و هو قريب‏

يهيج ذكراه غزال يحله‏* * * أغن سحور المقلتين ربيب‏

إذا رجّع الانجيل و اهتز مائدا* * * تذكر محزون و حنّ غريب‏

و هاج لقلبي عند ترجيع صو- ته‏* * * بلابل اسقام به و وجيب‏

و فيه يقول إسماعيل بن عمار الأسدي:

ما أنس سعدة و الزرقاء يومها* * * باللج شرقية فوق الدكاكين‏

و ذكره جرير فقال- نقلته من خط ابن أخي الشافعي و قال هو بظاهر الحيرة-،

يا رب عائدة بالغور لو شهدت‏* * * عزّت عليها بدير اللج شكوانا

إن العيون التي في طرفها مرض‏* * * قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به‏* * * و هن أضعف خلق اللّه أركانا

يا رب غابطنا لو كان يطلبكم‏* * * لاقى مباعدة منكم و حرمانا»

و قال ابن فضل اللّه العمري: «دير اللج هو بالحيرة مما بناه النعمان بن المنذر و هو من أنزه دياراتها و أحسنها بناءا، لما يطيف به من البساتين، و كان النعمان يأتيه يتعبد فيه و يستشفي به في مرضه و فيه قيل:

يا ليلتي أطيب بها ليلة* * * لو لم يكن قصّرها الطيب‏

بتنا (بدير اللج) في حانة* * * شرابها في الكأس مكبوب‏

يديرها ظبي هضيم الحشا* * * يحبه الشبان و الشيب‏

حتى إذا ما الخمر مالت بنا* * * جرت أمور و أعاجيب‏

فما ترى ظنك في شادن‏* * * بات إلى جانبه ذيب‏

48

و قد ذكره أبو الفرج فقال: كان النعمان يركب كل أحد إليه و في كل عيد معه أهل بيته خاصة من آل المنذر و من ينادمه من أهل دينه عليه جلل الديباج المذهبة و على رؤوسهم أكاليل الذهب و في أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصّصة بالجوهر و بين أيديهم أعلام فوقها صلبان الذهب فاذا قضوا صلاتهم انصرف إلى مستشرفه على النجب فيشرب بقية يومه إلى أن يمسي، و خلع و وصل و حمل، و كان ذلك أحسن منظر و أشرفه و أنشد فيه قول الشاعر: سقى اللّه دير اللج خيرا فانه‏ (1) ...» و ذكر بيتين مما ذكره ياقوت من الشعر فيه‏

12- دير بني علقمة أو دير علقمة، قال ياقوت: «دير علقمة بالحيرة، منسوب الى علقمة بن عدي بن الرميك ابن ثوب بن أسس بن ربى‏ (2) بن نمارة بن لخم، و فيه يقول عدي بن زيد العبادي:

نادمت في الدير بني علقما* * * عاطيتهم مشمولة عندما

كأن ريح المسك من كأسها* * * إذا مزجناها بماء السما

علقم ما بالك لم تأتنا* * * أما اشتهيت اليوم أن تنعما

من سرّه العيش و لذاته‏* * * فليجعل الراح له سلّما»

و ذكره ابن فضل اللّه العمري في مسالك الأبصار بأخصر مما ذكره ياقوت.

13- دير حنظلة، قال ياقوت: «دير حنظلة آخر و هو بالحيرة منسوب الى حنظلة بن عبد المسيح بن علقمة بن مالك بن ربى بن نمارة بن لخم بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، و فيه يقول الشاعر:

____________

(1) مسالك الأبصار «1: 325»

(2) سيأتي في الكلام على دير حنظله ما يخالف هذا النسب في التسلسل بعض الخلاف.

49

بساحة الحيرة دير حنظلة* * * عليه أذيال السرور مسبله‏

أحييت فيه ليلة مقتبله‏* * * و كأسنا بين الندامى معمله‏

و الراح فيها مثل نار مشعله‏* * * و كلنا منتقد ما خوّله‏

فما يزال عاصيا من عذله‏* * * مبادرا قبل تلاقي أجله»!

و ذكره ابن فضل اللّه العمري قال: «دير حنظلة هو بالحيرة على نحو فرسخ منها إلى المشرق و موضعه حسن لما فيه من جنينات رهبانه و أشجارهم و ما يلبسه الربيع من الرياض، و أنشد الخالدي فيه لغيره شعرا منه.

طرقتك سعدى بين شطي بارق‏* * * نفسي الفداء لطيفها من طارق‏

يا دير حنظلة المهيج في الهوى‏* * * هل تستطيع صلاح قلب العاشق‏

و قد ذكره أبو الفرج الأصفهاني و أنشد لبعض الشعراء فيه رجزا منه:

بساحة الحيرة دير حنظلة (1)» و ذكر بيتين من الأبيات التي ذكرها ياقوت.

14- ديارات الأساقف، قال الشابشتي: «هذه الديارات بالنجف بظاهر الكوفة و هو أول الحيرة و هو اما قباب او قصور تسمى ديارات الأساقف و بحفرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر ابي الخصيب مولى أبي جعفر و عن شماله السدير و بين ذلك الديارات. و قصر أبي الخصيب هذا أحد متنزهات الدنيا و هو مشرف على النجف و على ذلك الظهر، و يصعد من أسفله على درجة طولها خمسون مرقاة إلى سطح حسن و مجلس فيشرف الناظر على النجف و الحيرة من ذلك‏

____________

(1) و لم يبق اليوم من هذه الأديرة أثر أو بعض أثر يستدل به عليها و تعيين مواقعها غير كهوف في الجهات القريبة من النجف المعروفة (بالطارات)، و يغلب على الظن ان هذه الكهوف المنحوتة في التلول انما هي صوامع خاصة للرهبان و هي تحتاج الى زيارات من قبل الاثريين للتحقيق الكامل في شأنها. ج. خ‏

50

الموضع ثم يصعد منه على درجة أخرى طولها خمسون مرقاة الى سطح فسيح و مجلس عجيب. و أبو الخصيب هذا مولى أبي جعفر المنصور و حاجبه. و السدير قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان و ما بقي الآن منه فهو ديارات و بيع للنصارى، و لعلي بن محمد الحماني العلوي يذكر هذه المواضع‏ (1).

كم وقفة (2) لك بالخورنق‏* * * لا توازى بالمواقف؟!

بين الغدير الى السدير* * * إلى ديارات الأساقف‏

فمدارج‏ (3) الرهبان في‏* * * أطمار خائفة و خائف‏

دمن كان رياضها* * * يكسين أعلام المطارف‏

و كأنما غدرانها* * * فيها عشور في مصاحف‏

و كأنما أنوارها (*)* * * تهتز بالريح العواصف‏

طرر الوصائف يلتقين [بها] (4)* * * إلى طرر الوصائف‏

تلقى أوائلها أواخرها* * * بألوان الزخارف‏ (5)

بحرية شتواتها* * * برية فيها المصايف‏

____________

(1) ذكر هذه القصيدة أبو حيان التوحيدي في كتابه «البصائر» يراجع الجزء الاول «ص 189 طبعة بغداد» و أكثرها ياقوت الحموي في «ديارات الأساقف» و «الخورنق من معجم البلدان» و أبو علي القالي في الأمالي «1: 180، 177» و أبو عبيد البكري في سمط اللآلي «1: 439» و العمري في مسالك الأبصار «1: 285»

(2) في البصائر «كم منزل».

(3) في البصائر «فمواقف».

(*) في معجم البلدان «و كأنما أغصانها».

(4) سقطت من الديارات.

(5) في البصائر «الرفارب».

51

وردية (1) الحصباء كا* * * فورية فيها المشارف‏

ثم انبرت سحّا (كباكية) (2)* * * بأربعة ذوارف‏ (3)»

باتت سواريها تمخض‏* * * في رواعدها القواصف‏ (4)

فكأن لمع بروقها* * * في الجو أسياف المثاقف‏

فكأنما أنوارها تهتز* * * في الدرج العواصف‏ (5) طرر الوصائف يلتقين‏

بها إلى طرر الوصائف‏* * * دافعتها عن دجنها

بالغلب و البيض الغطارف‏* * * يعبق يوم البأس شرّا

بين في يوم المعارف‏

تئقين يوم البأس شرا* * * بين في يوم المعازف‏

(6)

سمح بحر المال وقا* * *

فون في يوم المتالف‏* * * واها لأيام الشباب‏

و ما لبسن من الزخارف‏* * * و زوالهنّ بما عرفت‏

من المناكر و المعارف‏* * * أيام ذكرك في دوا

وين الصبا صدر الصحائف‏* * * واها لأيامي و أيام‏

النقيات المراشف‏* * * و الغارسات البان قص

بانا على كثب الروادف‏* * * و الجاعلات البدر ما

بين الحواجب و السوالف

____________

(1) درية في البصائر، و هو الصواب فدر النجف لنوع شفاف من الصخر لا يزال معروفا موجودا في أرض النجف و لذلك سمى المصريون «الثريا النورية الصناعية» باسم «النجفة»

(2) سقطت من الديارات و اختل و زن البيت كبيت الطرر.

(3) هنا انتهت رواية الشابشتي.

(4) من هنا تبدأ رواية البصائر «ص 189».

(5) كذا ورد هذا البيت في البصائر المطبوع ببغداد.

(6) قال الدكتور عبد الرزاق محى الدين في تعليقه: (كذا في النسخ الثلاثة) يعني (الثلاث) قلت:

صوابه:

تئقين يوم البأس شرا* * * بين في يوم المعازف‏

- و التئقن هو الممتلى‏ء غيظا.

52

أيام يظهرن الخلاف‏* * * بغير نيات المخالف‏

وقف النعيم على الصّبا* * * و زللت عن تلك المواقف‏

15- قبة الشنيق، قال الشابشتي: و هي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاج و بازائها قباب يقال لها السكورة (1)، جميعها للنصارى، فيخرجون يوم عيدهم من السكورة الى القبة في أحسن زي عليهم الصلبان، بأيديهم المجامر و الشمامسة و القسان معهم يقدسون (على نغم واحد متفق من الألحان‏ (2)) و يتبعهم خلق كثير من متطربي المسلمين و أهل البطالة الى أن يبلغوا قبة الشنيق فيتقربون و يتعمدون ثم يعودون بمثل تلك الحال فهو منظر مليح، و لبعض الشعراء فيه:

و النصارى مشددين‏ (3) الزنا* * * نير عليهن كل حلي وثيق‏

يتمشين من قباب الشعاني* * * ن الى صحن قبة الشنيق‏

و لبكر بن خارجة:

يا خليلي عرجا بي الى الحيرة* * * كم كم تراقبان النجوما؟!

____________

(1) سيأتي عن المسالك انه روي بصورة «السكورة» أيضا، قال الباحث كوركيس عواد في حاشية الديارات: فان أخذنا برواية الشابشتي لهذا الاسم جاز لنا إرجاعه- يعني رجعه- الى أصل سرياني (شكورا) بمعنى الزهر و الورد «ص 155».

(2) زيادة موضحة من المسالك.

(3) كذا ورد في الديارات طبعة بغداد و كتاب الديارات النصرانية جمع حبيب زيات (ص 16). و لعل الصواب (مشددات) لقوله بعد ذلك (عليهن) (يتمشين).

(4) كذا ورد في الكتاب المذكور و لعل الأصل:

يا خليل فلا تعبني بيوم‏* * * لا ترى اللهو فيه بالتحقيق‏

53

و اسقياني من بيت بيجوم‏ (1) را* * * حا قهوة لا تماكسا بيجوما

حانة حشوها ظباء ملاح‏* * * هيجوا بالدلال قلبا سقيما

و إذا ما سقيتماني شرابا* * * خندريسا معتقا مختوما

فاقصدوا (2) قبة الشنيق و ظبيا* * * سكن الدير قد سباني رخيما

عقد زناره توصل بالقلب‏* * * و أمسى بين الحشا مخزوما (3)»

و قال ابن فضل اللّه العمري: «قبة الشنيق‏ (4) و هي من الأبنية القديمة بالحيرة على طريق الحاج و بازائها قباب يقال لها السكورة جميعها للنصاري و عيد الشعانين بها نزه يخرج فيه النصارى من السكورة الى القبة في أحسن زي، عليهم الصلبان و بأيديهم ...» و ذكر ما يشبه قول الشابشتي ما عدا الشعر فلم يذكر منه شيئا. و قد قدمنا ذكر هذه القبة في الكلام على دير الحريق و دير ابن مزعوق.

16- دير عبد المسيح، قال ياقوت في معجم البلدان: «دير عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني، و سمي بقيلة لأنه خرج على قومه في حلتين خضراوين فقالوا: ما هذا الابقيلة، و كان أحد المعمرين، يقال إنه عمر ثلاثمائة و خمسين سنة (كذا) و هذا الدير بظاهر الحيرة بموضع يقال له الجزعة، و عبد المسيح هو الذي لقي خالد بن الوليد- رضي اللّه عنه- لما غزا الحيرة و قاتل الفرس فرموه من حصونهم الثلاثة: حصون آل بقيلة، بالخزف المدور، و كان يخرج‏

____________

(1) رسم الباء و الياء وردا مهملين.

(2) كذا طبع و لعل الاصل: «فاقصدا» موافقة لابتدائه «يا خليلي»

(3) الديارات «ص 156»

(4) قال أحمد زكي باشا محقق المسالك: «أورده في الاصل بالشين المعجمة و النظر تصحيفا عن ياقوت في صفحة 315 المتقدمة أثناء الكلام على دير الحريق»

54

قدام الخيل فتفر منه، فقال له ضرار بن الأزور: هذا من كيدهم، فبعث خالد رجلا يستدعى رجلا منهم عاقلا، فجاءه عبد المسيح بن عمرو و جرى له معه ما هو مذكور مشهور. قال: و بقي عبد المسيح في ذلك الدير بعد ما صالح المسلمين على مائة ألف حتى مات و خرب الدير مدة فظهر فيه أزج معقود من حجارة، فظنوه كنزا ففتحوه فاذا فيه سرير رخام عليه رجل ميت و عند رأسه لوح فيه مكتوب «أنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة:

حلبت الدهر أشطره حياتي‏* * * و نلت من المنى فوق المزيد

فكافحت الأمور و كافحتني‏* * * فلم أخضع لمعضلة كؤود

و كدت أنال في الشرف الثريا* * * و لكن لا سبيل الى الخلود»

و ذكره ابن فضل اللّه العمري، قال: دير عبد المسيح و هو بالحيرة بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة، و يقال إنه عمر دهرا طويلا و لحق خالد بن الوليد حين فتح الحيرة و له معه خبر طويل، و حكى بعض أهل الكلام قال: قرأت على حائطه مكتوبا.

رأيت الدهر للانسان ضدا* * * و لا ينجي من الدهر الخلود

و لا تنجي من الآجال أرض‏* * * يحل بها و لا قصر مشيد

و حكى آخر قال: قرأت على حائطه أيضا:

هذي منازل أقوام عهدتهم‏* * * في خفض عيش خصيب ماله خطر

دارت عليهم صروف الدهر فانتقلوا* * * إلى القبور فلا عين و لا بصر

و قد ذكره الأصفهاني في أخبار لا حاجة فيها (1) ... و ذكر عنه ما يشبه‏

____________

(1) المسالك «1: 314»