موسوعة العتبات المقدسة - ج7

- جعفر الخليلي المزيد...
323 /
1

الجزء السابع‏

[الجزء الثاني من قسم النجف‏]

موسوعة العتبات المقدّسة قسم النجف 7

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

موسوعة العتبات المقدّسة 7 الجزء الثاني من قسم النجف‏

تأليف جعفر الخليلي منشورات مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت- لبنان ص. ب 7120

4

جميع الحقوق محفوظة و مسجلة الطبعة الثانية 1407 ه- 1987 م مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات بيروت- شارع المطار- قرب كليّة الهندسة- ملك الاعلمي- ص. ب: 7120

5

[كلمة دار التعارف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به نستعين‏

لم نزل نعتقد ان القسم الخاص بتاريخ النجف من موسوعة العتبات المقدسة لن يقل عن عشرة اجزاء نأمل ان نأتي فيها على تاريخ هذه العتبة منذ اول دخول اسمها سجل التاريخ حتى هذا اليوم، متوخين في ذلك الاحاطة التامة بجميع ما يتعلق بهذه العتبة من جميع وجوهها التاريخية و العمرانية، و الاجتماعية، و العلمية، و الادبية، و السياسية في غربلة يفرضها الاسلوب الحديث، و العقلية العلمية، و لما كان مثل هذا المشروع لن يتم على وجهه الكامل، و الوجه القريب من الكمال على الاقل، الا على ايدي المتخصصين من ارباب العلم، و المعرفة، فقد وضعنا لكل قسم و لكل جزء تخطيطا هو اشبه بتخطيط البناء و تصاميم المشاريع ثم نطنا كل جانب بأهل الخبرة و الاطلاع و ارباب الاختصاص.

و على هذه الطريقة اتممنا الجزء الاول من (قسم النجف) و هذا هو الجزء الثاني الذي تمت مسوداته قبل غيره من الاجزاء الخاصة بالاقسام الاخرى، و لما كنا قد التزمنا بطبع اي جزء يفرغ مؤلفوه من تأليفه دون‏

6

مراعاة اي ترتيب آخر، فقد تقدمنا بطبع هذا الجزء على ان نلحق به الاجزاء الاخرى حتى نبلغ الجزء العاشر الذي نظن اننا سنستوفي به كل تاريخ النجف وفق الخطة الموسومة للتأليف.

و الجزء الثاني هذا كما يرى القارى‏ء يشتمل على معلومات ثقافية تخص تاريخ الدراسة، و نوعها، و طريقتها، و مراحلها، و الكتب الخاصة بها، ثم المدارس و هندستها و سكانها و طريقة معيشة هؤلاء السكان من الطلاب منذ اول تاريخها حتى هذا اليوم، و ما جرى عليها من تطور في البناء و الهيكل و الوقف، ثم مكتبات النجف التي كسبت كتبها في كثير من الازمان شهرة كبيرة من حيث انفرادها و انحصارها بها، و قدم نسخها، و بهذا الجزء تم الحصول على معلومات وافية كافية عن تاريخ الجانب المهم من الثقافة النجفية في دراستها، و مدارسها، و مكتباتها.

اما الادب النجفي و طريقته، و لونه، و طابعه، و الادباء النجفيون، و نشأتهم، و امزجتهم الادبية، مما يمثل جانبا آخر من الثقافة فقد خصص له مكان آخر في احد الاجزاء الاخرى، و لا نبتغي من وراء هذا المسعى الا ان نكون قد وفقنا في وضع لبنة و لو كانت صغيرة في بناء هذا الصرح العظيم؛ صرح العتبات المقدسة الشامخ بالمجد و العظمة، و يخيل إلينا اننا قد وضعنا او على الاقل بدأنا نضع هذه اللبنة سائلين اللّه ان يأخذ بايدينا الى النهاية.

بغداد

7

الدراسة و تاريخها في النجف كتبه السيد محمد بحر العلوم‏

خريج كلية الفقه و العضو الاداري لجمعية الرابطة العلمية و جمعية منتدى النشر في النجف الاشرف‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

«انا مدينة العلم و علي بابها»

«الحديث الشريف»

تشرفت النجف بمرقد مثال العلم و المعرفة الامام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) الانسان الذي قال فيه رسول اللّه (ص) الحديث الشريف «انا مدينة العلم، و علي بابها».

و كان الحري بهذه المدينة المقدسة ان تصبح بعد زمان محطا لانظار العالم الاسلامي يهاجر اليها المئات من طلاب الفضيلة للتفقه، و الاشتغال العلمي، و تتوجه اليها نفوس الملايين من المسلمين في اقطار العالم الاسلامي كافة، ينظرون اليها بعين ملؤها التعظيم، و الاجلال، و التقديس، و تكون يوما ما مقرا للافتاء، و التقليد، و مركزا للمرجعية الكبرى التي تدير شؤون الشيعة في العالم الاسلامي.

و برزت النجف الاشرف على مسرح التاريخ كجامعة علمية دينية لها جذورها القديمة، و لها تراثها الاصيل الخاص، و الذي يمثل الفقه و الاصول، و ان لم تعدم جوانب المعرفة الاخرى، و الثقافة العامة، و خاصة الادب‏

10

العربي فلقد اسهمت فيه هذه المدينة اسهاما كبيرا يتجلى ذلك في الكتب الكثيرة التي اصدرتها في ميدان النثر و الشعر.

و حتى اصبحت النجف الاشرف بثروتها الادبية مصدرا ثرا في دنيا الادب يفرض نفسه على التراث الادبي الاصيل بكل فخر و اعتزاز.

و من أجل ان نصل الى تحديد تاريخي للبنة الاولى لحياة هذه الجامعة العلمية، لا بد ان نستعرض تاريخ هذه المدينة المقدسة العلمي، لننتهي الى ما نصبو اليه.

11

النجف قبل الشيخ الطوسي‏

يدور سؤال على الشفاه: ما ذا كانت النجف الاشرف قبل هجرة الشيخ الطوسي اليها من الناحية العلمية؟.

و يبدو هنا اتجاهان:

احدهما- يذهب الى وجود حركة علمية في هذه المدينة المقدسة.

و ثانيهما- ان النجف كانت قاحلة علميا، و عند هجرة الشيخ الطوسي اليها أوجد فيها حركة علمية.

و عند استعراضنا لمثبتات الذاهبين الى القول بوجود حركة علمية قبل الشيخ الطوسي نراها تتلخص بما يلي:

1- أورد السيد ابن طاووس‏ (1)- و هو من المختصين بتاريخ النجف-

____________

(1) غياث الدين عبد الكريم بن احمد، المعروف بابن طاووس، و المنتهي نسبه الى الحسن المثنى ابن الامام الحسن (ع)، ولد في كربلا سنة 648 ه، و نشأ في الحلة، و كان تحصيله في بغداد، و توفي بمشهد الامام موسى بن جعفر (ع) (الكاظمية) سنة 693 ه، و حمل نعشه الى جده الامام علي بن ابي طالب (ع) فكان عمره الشريف 45 سنة.

(فرحة الغري- عبد الكريم بن طاووس: المقدمة- طبع النجف مطبعة الحيدرية 1368)

12

بان عضد الدولة (1) زار المشهد العلوي الطاهر عام 371 ه، و تصدق، و اعطى الناس على اختلاف طبقاتهم، و كان نصيب الفقراء و الفقهاء ثلاثة آلاف درهم. (2)

2- صدور إجازات علمية من النجف الاشرف قبل ورود الشيخ الطوسي اليها.

منها: ما نقلته المصادر بان من مشائخ الشيخ الصدوق‏ (3)، محمد بن علي بن الفضل الكوفي‏ (4)، سمع منه سنة 354 ه، عند وروده الى الكوفة و هو في طريقه الى الحج، و كان سماعه بمشهد امير المؤمنين» (5).

____________

(1) ابو شجاع قنا خسرو بن ركن الدولة ابي علي الحسن بن ابي شجاع بويه بن قنا خسرو ابن تمام، و الذي ينتهي نسبه الى بهرام جودا الملك ابن يزدجر. و صفت المصادر بأن عضد الدولة- من وزراء الدولة العباسية- كان محبا لآل البيت (ع)، و مكبرا العلماء، ولد باصبهان عام 324 ه، و توفي عام 372 ه ببغداد، و نقل الى مشهد الامام امير المؤمنين (عليه السّلام) بوصية منه، و من اثاره تجديد عمارة القبة المطهرة للحرم العلوي.

(الكنى و الالقاب- للشيخ عباس القمي: 433- 2 طبع النجف)

(2) فرحة الغري: 113- 114، و ربما يستشف من ابن الاثير في تاريخه: 234- 8 هذا المعنى.

(3) محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، رئيس المحدثين، ابو جعفر، المعروف بالصدوق، قال العلامة: «نزيل الري شيخنا و فقيهنا، ورد بغداد سنة 355 ه و سمع منه شيوخ الطائفة و هو حدث السن، كان جليلا حافظا الاحاديث بصيرا بالرجال ناقدا للاخبار لم ير في القميين مثله في حفظه و كثرة علمه، له نحو 300 مصنف، توفي رضي اللّه عنه في الري (قرب عبد العظيم بطهران) سنة 381 ه.

(رجال العلامة الحلي: 147 طبع النجف)

(4) محمد بن علي بن الفضل بن تمام الدهقان، ابو الحسين الكوفي، عده الشيخ الطوسي في رجال ممن لم يرو عن الأئمّة (ع): كثير الرواية، كان ثقة عينا، صحيح الاعتقاد، جيد التصنيف له مؤلفات كثيرة، روى عن عدد كبير من رجال القرن الرابع الهجري.

(رجال المامقاني: 158- 3 طبعة النجف)

(5) من لا يحضره الفقيه. المقدمة ص 19 طبع النجف.

13

و منها: ما ذكره النجاشي‏ (1) في ترجمة الحسين بن احمد بن المغيرة ابي عبد اللّه البوشنجي ما نصه:

«كان عراقيا مضطرب المذهب، و كان ثقة فيما يرويه، له كتاب (عمل السلطان) أجازنا بروايته ابو عبد اللّه (الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي الخزاز المعروف) بابن الخمري الشيخ الصالح بمشهد مولانا امير المؤمنين (ع) سنة اربعمائة». (2)

3- ورد ذكر لبعض البيوت العلمية التي لمعت في النجف في القرن الرابع الخامس كآل شهريار (3)، و آل الطحال‏ (4)، و غيرهما. و قد جمعت هذه البيوت بين الفضيلة و خدمة الروضة الحيدرية.

4- النقابة في النجف: و هذا المركز اقرب الى الروحي من غيره، و لقد ذكرت الكتب المختصة ان عددا من الاعلام تولوا نقابة المشهد.

____________

(1) الشيخ احمد بن علي بن احمد بن العباس النجاشي، ابو العباس، صاحب الرجال المعروف اتكل عليه كافة علماء الامامية في رجالهم، ولد سنة 372 ه، و توفي عام 450 بمطير اباد من نواحي سر من رأى.

(الكنى و الالقاب: 207- 2)

(2) رجال النجاشي: 54 طبع طهران‏

(3) آل شهريار: من الاسر العلمية، البعيدة الذكر، القديمة العهد، خدمت العلم و الدين و المرقد العلوي. عرفت بالنجف في القرن الرابع، و اشتهرت بالقرن الخامس و امتد بقاؤها الى اواخر القرن السادس الهجري.

(ماضي النجف و حاضرها- الشيخ جعفر حبوبه 402- 2 طبع النجف)

(4) آل الطحال: اسرة علمية قديمة عرفت بالقرن الرابع في النجف، و بقيت حتى اواخر السادس الهجري، من خدم الحضرة العلوية، تنسب الى المقداد بن الاسود الكندي.

(ماضي النجف حاضرها: 423- 2).

14

منهم السيد شريف الدين محمد المعروف بابن السدرة (1)، اقام في النجف عام 308 ه، حتى توفي فيه، و كذلك ناصر الدين مطهر بن رضي الدين محمد بن الحسين‏ (2)، و قد تولى نقابة المشهدين العلوي و الحسيني)، بالاضافة الى الكوفة اشهرا.

5- علماء نسبوا الى النجف قبل عهد الشيخ الطوسي، منهم:

آ- احمد بن عبد اللّه الغروي، يروي عن ابان بن عثمان من اصحاب الامام الصادق (ع) (3).

ب- شرف الدين بن علي النجفي، وصفه الشيخ الطوسي بقوله: «كان صالحا فاضلا» (4).

ج- عبد اللّه بن احمد بن شهريار، ابو طاهر: كان معاصرا للشيخ المفيد، يروي عنه ابو جعفر محمد بن جرير الطبري، و النجاشي في كتاب الامامة (5).

د- احمد بن شهريار، ابو نصر الخازن للحضرة الغروية، كان من رجال العلم و حملة الحديث، معاصرا للشيخ الطوسي‏ (6).

____________

(1) قال البراقي في (تاريخ الكوفة: 218 طبع النجف) «السيد شريف الدين محمد المعروف بابن السدرة، نازع ابا الحسين زيدا الاسود بن الحسين بن كتيلة فضيق عليه و غلبه، و صار هو النقيب، و سافر الى المشهد الغري في النجف، و اقام فيه سنة 308 حتى توفي».

(2) انهى البراقي في (تاريخ الكوفة: 217) نسبه الى عرب شاه حمزة بن احمد بن السيد عبد العظيم الحسيني.

(3) رجال المامقاني: 65- 1

(4) نفس المصدر: 83- 2.

(5) ماضي النجف و حاضرها: 404- 405- 2 عن علماء المأة الخامسة للشيخ اغا بزرك الطهراني‏

(6) ماضي النجف و حاضرها: 403- 2

15

و غير هؤلاء كثيرون لو حاولنا تتبع تراجمهم.

6- و ذهب البعض بأن الشاعر الحسين بن احمد المعروف بابن الحجاج‏ (1) اراد بهذا البيت:

و قل سلام من اللّه السلام على‏* * * أهل السلام؛ و اهل العلم و الشرف‏

الاشارة لأهل العلم الساكنين في النجف الاشرف، و المجاورين لقبر الإمام علي (عليه السّلام)(2) و ذلك عند زيارته للنجف في اواخر القرن الرابع الهجري، و انشد قصيدته المشهورة:

يا صاحب القبة البيضا على النجف‏* * * من زار قبرك و استشفى لديك شفي‏

هذه هي أهم مقومات الذاهبين الى القول بأن الهيئة العلمية في النجف كانت قبل هجرة الشيخ الطوسي.

و من هذه المقومات انسابت الافكار في التحديد التاريخي لتأسيس الجامعة النجفية، و تكاد تنحصر في اتجاهين:

الاول- انها تأسست على يد الشيخ المفيد (3)- استاذ الشيخ الطوسي-

____________

(1) الحسين بن احمد بن الحجاج النيلي البغدادي، ابو عبد اللّه، شاعر فحل، من كتاب العصر البويهي، من شعراء اهل البيت (ع) شاعر العصر جمع بين الجد و الهزل، كان معاصرا للشريفين المرتضى و الرضي، له ديوان شعر يقع في عدة مجلدات، توفي عام 391 ه و دفن في الكاظمية.

(يتيمة الدهر للثعالبي: 31 104- 3، الاعلام للزركلي: 249- 2 الكنى و الالقاب: 251- 253- 2)

(2) حديث الجامعة النجفية- للمرحوم الشيخ محمد رضا شمس الدين: 11 طبع النجف.

(3) محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام، ابو عبد اللّه، المعروف بالمفيد، قال النجاشي في (رجاله: 311) «شيخنا و استاذنا رضي اللّه عنه، فضله اشهر من ان يوصف في الفقه و الكلام، و الرواية، و الثقة و العلم» شيخ مشائخ الامامية، و قال ابن النديم: انتهت اليه رئاسة متكلمي الشيعة-

16

و ذلك عندما انتقل اليها من بغداد، او (عند نفيه منها على حد تعبير بعض المترجمين) من قبل السلطة المسؤولة، و ذلك بسبب ما حصل هناك من الاختلافات و الثورات الطائفية، فاختار الشيخ النجف الاشرف.

و يرى البعض ان انتقال الشيخ المفيد الى النجف كان برغبة من البويهيين الذين يؤيدون المذهب الشيعي، و لقد حدثتنا المصادر: بان في ايام عضد الدولة نشطت الحركة العلمية في بغداد و غيرها، و كان نصيب النجف الاشرف كبيرا، فقد كان يرغب في تأسيس حركة مناهضة للحركة العلمية في بغداد، بدافع العقيدة، و لذا أخذ يبذل الأموال الطائلة في تشييد مرقد الامام علي (عليه السّلام)، و الاهتمام بالعلماء الذين فيها. (1)

و نقلت المصادر: بأن عضد الدولة كان يحترم الشيخ المفيد الى حد كان يحمله على زيارته في داره. (2) و لعل هذا الاحترام للشيخ، و الاتصال الاكيد به من قبل الوزير عضد الدولة هو الذي دفع باصحاب هذا الاحتمال الى نسبة تأسيس الجامعة النجفية الى الشيخ المفيد. (3)

و هذا الرأي، و هو نسبة تأسيس الجامعة النجفية الى الشيخ المفيد، يبقى مفتقرا الى الدعم التاريخي، فالذي نقرأه في ثنايا التاريخ لم يشعرنا من قريب او بعيد بأن الشيخ المفيد انتقل الى النجف كمهاجر اليها سواء

____________

- ولد عام 336 ه، و توفي ببغداد عام 413 ه و دفن في الحرم الطاهر بالكاظمية، عد له النجاشي:

مائة و أربعة و سبعين كتابا و رسالة و مسألة و جوابا.

(رجال النجاشي: 311- 316 و رجال الطوسي 514 طبع النجف و الكنى و الالقاب: 171- 3

(1) مقدمة خصال الصدوق: 57 طبع طهران فارسي،

(2) رجال الطوسي: المقدمة بقلم السيد محمد صادق بحر العلوم: ص 7 طبع النجف‏

(3) حديث الجامعة النجفية: 23- 24.

17

بمحض اختياره، او بطلب من عضد الدولة، او بنفي من قبل الدولة.

و القول الاخير خاصة- و هو موضوع النفي- بعيد كل البعد، لأن الشيخ المفيد عاش في عهد البويهيين، محترما كل الاحترام، و مقدرا كل التقدير. و لقد نقلت لنا الروايات بأن «يوم وفاته كان مشهورا، و شيعه ثمانون الفا من الرافضة و الشيعة». (1)

اما في حياته فقد كانت ملوك الاطراف تعتقد به لكثرة الميل الى الشيعة في ذلك الزمان، و كان يحضر مجلسه خلق عظيم من العلماء من جميع الطوائف و الملل». (2)

و قال اليافعي: «و كان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة و العظمة في الدولة البويهية». (3)

و اذا كان الامر بهذه المثابة من الاحترام و التقدير فكيف نحتمل ان الشيخ المفيد نفي من بغداد؟ بالاضافة الى اننا لم نعثر على مصدر تاريخي يدعم هذا القول، و لهذا فليس بالامكان اخذه بنظر الاعتبار.

الثاني- ان تأسيس الجامعة ينتهي الى أبعد من هذا. فهناك من يعتقد ان النجف في واقعها امتداد الى معهد الكوفة العلمي، و الذي شيد اركانه الإمام علي (عليه السّلام)، و بلغ أوجه في عهد الامام الصادق (ع).

____________

(1) رجال الطوسي، المقدمة: 7.

(2) البداية و النهاية- لابن كثير: 15- 12.

(3) مرآة الجنان: حوادث سنة 413 ه.

18

فلقد اعتبرت مدرسته من ابرز المدارس العلمية في الكوفة، و كان رواة ابي عبد اللّه (عليه السّلام) اربعة آلاف أو يزيدون. (1)

يقول الحسن الوشاء (2): «إني ادركت في هذا المسجد- و يعني مسجد الكوفة- تسعمائة شيخ كل يقول: حدثني جعفر بن محمد (عليه السّلام)» (3).

و كان في طليعة اولئك الذين اخذوا عنه العلم: ابو حنيفة النعمان بن ثابت‏ (4)، و مالك بن أنس‏ (5)، و سفيان الثوري‏ (6)، و ايوب السجستاني‏ (7)، و محمد بن اسحاق بن يسار (8)،- صاحب المغازي و السير-، و ابان بن‏

____________

(1) الامام الصادق- للمرحوم الشيخ محمد حسين المظفر: 130- 179- 2 طبع النجف.

(2) الحسن بن علي بن زياد الوشاء البجلي الكوفي من اصحاب الامام الرضا (ع) كان من وجوه الشيعة، و كان عينا من عيون هذه الطائفة.

(الكنى و الالقاب: 246- 2)

(3) تاريخ الكوفي: 408

(4) ابو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، مولى تيم اللّه بن ثعلبة الكوفي، قال ابن خلكان: كان جده من اهل كابل، احد الأئمّة الاربعة، توفي عام 150 ه.

(الكنى و الألقاب: 51- 54- 1)

(5) مالك بن أنس بن مالك الاصبحي الحميري، ابو عبد اللّه: احد الأئمة الاربعة، مولده عام 93 بالمدينة، و توفي بها عام 179 ه، ضربه جعفر عم المنصور العباسي سياطا حتى انخلعت لها كتفه.

(اعلام الزركلي: 128- 6)

(6) ابو عبد اللّه سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي، من الأئمة المعروفين، و قال ابن حجر:

ربما دلس و قيل: ان سفيان كان في شرطة هشام بن عبد الملك، و هو ممن شهد قتل زيد بن علي بن الحسين (عليهما السّلام)، توفي 161 ه و قبره في البصرة.

(الكنى و الالقاب: 121- 122- 2)

(7) أيوب بن أبي تميمة السجستاني، و قيل: السختياني، مولى عمار بن ياسر، عدوه من كبار الفقهاء التابعين، مات بالطاعون بالبصرة، عام 131 ه عن عمر بلغ الخامسة و الستين.

(الصادق- للمظفر: 135- 2)

(8) محمد بن اسحاق بن يسار، مدني سكن مكة، اثنى عليه ابن خلكان، و كان بينه و بين-

19

تغلب‏ (1)، و زرارة بن أعين‏ (2)، و المفضل بن عمر (3)، و هشام بن الحكم‏ (4)، و جابر الجعفي‏ (5)، و جابر بن حيان‏ (6)، و غيرهم. (7)

____________

- مالك عداء، قدم الحيرة على المنصور العباسي، فكتب له كتاب المغازي، قدم بغداد، و مات بها عام 151 ه. (الصادق- للمظفر: 135- 2)

(1) ابان بن تغلب البكري الجريري، ابو سعيد، روى عن الأئمة: السجاد، و الباقر، و الصادق (عليهم السّلام)، مات أيام الصادق (ع) غام 141 ه او 140 ه، قال الامام الصادق (ع) عندما بلغه نعي أبان: أما و اللّه لقد أوجع قلبي موت ابان، روى عن الصادق ثلاثين ألف حديث و ثقه الجميع.

(الصادق- للمظفر: 136- 137- 2)

(2) زرارة بن أعين الشيباني، مولاهم: روى عن الباقر، و الصادق (ع)، و مات عام 150 ه فأدرك من ايام الكاظم (ع) سنتين. قال ابن النديم: هو اكبر رجال الشيعة فقها، و حديثا و معرفة بالكلام.

(الصادق- للمظفر: 150- 2)

(3) ابو عبد اللّه، المفضل بن عمر الجعفي الكوفي، روى عن الصادق و الكاظم (عليهما السّلام) من فقهاء الرواة و اعيان الثقات، و قد جمع الوكالة عن الامامين (ع) الى ان وافاه القدر، له كتاب امالي الامام الصادق.

(الصادق- للمظفر: 175- 176- 2)

(4) هشام بن الحكم مولى كنده، ابو محمد: روى عن الامامين الصادق و الكاظم (ع) قال الصادق (ع) عنه: هذا ناصرنا بقلبه و لسانه، و يده. هرب من الرشيد الى الكوفة، و مات عام 179 ه.

(الصادق- للمظفر: 177- 178- 2)

(5) جابر بن يزيد الجعفي الكوفي: روى عن الباقر و الصادق (ع)، و صفه الذهبي: انه من اكبر علماء الشيعة، توفي عام 138 ه، و قيل: 132.

(الصادق- للمظفر: 141- 142- 2)

(6) ابو عبد اللّه، جابر بن حيان بن عبد اللّه الكوفي المعروف بالصوفي، قيل: ان اصله من خراسان اشتهر بالكيمياء، و هو اول من عرف به و نسب، اخذه و تعلمه لذلك عن الامام الصادق (ع) و قد اختلفت الآراء فيه.

(الامام الصادق و المذاهب الاربعة- الشيخ اسد حيدر: 128- 133- 2- طبع النجف)

(7) راجع عن تلامذة الامام الصادق كتاب الصادق- للمظفر: 130- 185- 2 و الامام الصادق لأسد حيدر: 67- 81- 1).

20

و لما كانت الكوفة مركزا كبيرا لتلامذة أهل البيت (عليهم السّلام)، فلا بد لهم ان يتخذوا من مرقد الامام، و هو العتبة المقدسة مقرا لهم، خاصة عندما تبدلت ظروف الكوفة. فلقد تفرق على اثرها علماء الكوفة، و انتقل بعضهم الى بغداد، و انتقل البعض الآخر الى النجف الاشرف متخذا من جوار هذا المرقد الطاهر مركزا له للعبادة، و التحصيل العلمي.

و هذا الرأي الذاهب الى القول بأن الجامعة النجفية امتداد الى مدرسة الكوفة مستبعد لأمرين:

الاول- ان مرقد الامام علي (عليه السّلام) لم ينكشف أمره الا في عهد هارون الرشيد- الخليفة العباسي- في حدود سنة 170 ه، و جاء في بعض المصادر؛ و بعد سنة 180 ه جاوره الناس‏ (1). و هناك رواية تقول:

ان داود بن علي العباسي‏ (2) المتوفي عام 133 ه اكتشف قبر الامام، و عمل له صندوقا، و عندما وقف العباسيون ضد العلويين هجر القبر الشريف، و عفي أثر ذلك الصندوق، و انطمس رسمه، حتى جاء عصر الرشيد فأظهره.

و في هذه الحال، لم يظهر لنا من ثنايا التاريخ بأن النجف قد سكنت من قبل احد، اللهم الا ان ندعي بأن النجف و الكوفة واحدة، و هذا ما

____________

(1) نزهة القلوب- للمستوفي: 134.

(2) داود بن علي بن عبد اللّه بن العباس، ابو سليمان، عم السفاح، تولى امارة الكوفة من قبل عمه، ثم عزله عنها، و ولاه المدينة، و مكة، و اليمن، و اليمامة، و الطائف. كان خطيبا فصيحا، من كبار القائمين بالثورة على الامويين. و كان بالحميمة (من ارض الشراة بالاردن) ولد عام 81 ه و توفي عام 133 ه.

(الاعلام: 8- 3)

21

يكذبه الوجدان، فليس- على ما نعتقد- من يوحد بين هذين البلدين.

الثاني- ان هذا الافتراض بأن النجف ضمت بعض الاعلام بعد انتقالهم من الكوفة يبقى محتاجا الى دليل يدعمه، و لا دليل لدينا لذلك.

* بعد هذا كله: فإنّا لا نستطيع ان نخفي كل هذا، كما لا نقبل كل ذاك، و انما المرجح ان نذهب الى حد وسط، و هو ان النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي في عام 449 ه كانت فيها جذور علمية، و تضم بعض رجالات الفضل و العلم، اتخذوا من النجف الاشرف بعد ظهور القبر فيه مقرا لهم.

و يدعم رأينا هذا شيخنا اغا بزرك الطهراني اذ يقول: انني اذهب الى القول بأن النجف كانت مأوى للعلماء، و ناديا للمعارف، قبل هجرة الشيخ إليها و ان هذا الموضع المقدس اصبح ملجأ للشيعة منذ انشئت فيه العمارة الاولى على مرقد الامام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، لكن حيث لم تأمن الشيعة على نفوسها من تحكمات الامويين و العباسيين، و لم يستطيعوا بث علومهم، و رواياتهم كان الفقهاء و المحدثون لا يتجاهرون بشي‏ء مما عندهم، و كانوا متبددين حتى عصر الشيخ الطوسي، و الى ايامه، و بعد هجرته، انتظم الوضع الدراسي، و تشكلت الحلقات، كما لا يخفى على من راجع (امالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته». (1)

و كذلك يرى الدكتور مصطفى جواد: بأن في النجف اعلاما بثوا العلم قبل الشيخ الطوسي، و يصعب التصديق، بأن الشيخ اول من‏

____________

(1) تفسير التبيان- للشيخ الطوسي. المقدمة- للشيخ اغا بزرك: ز- 1 طبع النجف‏

22

جعل النجف مركزا علميا» (1).

و كيفما كان فوجود بعض الاعلام لم ينهض دليلا على حركة علمية في النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي.

____________

(1) نظرات في الذريعة- الدكتور مصطفى جواد، مجلة البيان: س 1 عدد 6 ص 133.

23

من هو الطوسي؟

هو الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي.- نسبة الى طوس من مدن خراسان- المعروف بشيخ الطائفة. من رجالات العلم و جهابذته المبرزين.

ولد في طوس في شهر رمضان عام 385 ه، و هاجر الى العراق، و حط رحله ببغداد عام 408، و هو في الثالثة و العشرين من عمره.

و كان الاستاذ المبرز، و الشيخ المطلق للشيعة يومذاك محمد بن محمد ابن النعمان العكبري البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، كما عرف ببعض المصادر (بابن المعلم).

صورة خيالية لشيخ الطائفة الشيخ ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي‏

و عند وصول الشيخ الطوسي الى بغداد لازم الشيخ المفيد، و تلمذ عليه، و بقي معه حتى سنة 413، حيث لبّى علم الطائفة الشيخ المفيد نداء ربه،

24

فانتقلت الزعامة المطلقة الى أجل تلامذته علم الهدى الشريف المرتضى علي ابن الحسين الموسوي‏ (1)، و بطبيعة الاستمرارية لازم الشيخ الطوسي استاذه علم الهدى السيد المرتضى، و استفاد من علمه و ملازمته. و كان موضع عناية و اهتمام كبير لدى استاذه الشريف بحيث تميز عن سائر تلامذته، و بقي ملازما له طيلة ثلاث و عشرين سنة.

قال السيد علي خان‏ (2): «و كان (السيد المرتضى) يدرس في علوم كثيرة و يجري على تلامذته رزقا، فكان للشيخ أبي جعفر الطوسي ايام‏

____________

(1) ابو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم بن الامام موسى الكاظم (ع) الملقب (بالشريف المرتضى). قال ابن خلكان: كان نقيب الطالبيين، اماما في علم الكلام و الادب، و الشعر، و قال ابن بسام: كان المرتضى امام ائمة العراق، اليه فزع علماؤها، و منه اخذ عظماؤها، صاحب مدارسها، و جماع شاردها و أنسها. ذكر القاضي التنوخي: انه خلف ثمانين الف مجلد من مفرداته و مصنفاته، و محفوظاته، ولد عام 355 ه، و توفي 436، و دفن بداره في الكاظمية. و يرى السيد عليخان في الدرجات الرفيعة: انه نقل بعد الدفن الى مشهد الامام الحسين (عليه السّلام) بكربلاء، و دفن هناك قريبا من قبر الحسين (ع).

و ذكر الثعالبي في (تتمة اليتيمة: 53- 1 طبع طهران:) انتهت الرياسة اليوم ببغداد الى المرتضى في المجد و الشرف و العلم و الادب و الفضل، و الكرم، و له شعر في نهاية الحسن.

و ذكر الباخرزي في (دمية القصر: 75) ان كتبه قومت بثلاثة الف دينار بعد أن أخذ منها الوزراء و الرؤساء شطرا عظيما».

(راجع الكنى و الالقاب: 445- 448- 3)

(2) صدر الدين السيد علي خان المدني الشيرازي ابن نظام الدين احمد بن محمد بن معصوم المنتهى نسبه الى زيد الشهير ابن الامام علي بن الحسين (ع). ولد بالمدينة المنورة عام 1052 ه اشتغل بالعلم فيها، و هاجر الى حيدراباد الهند، ثم حج و زار مشهد الامام الرضا (ع) و زار اصفهان ثم انتقل الى شيراز، و حط بها عصا المسير زعيما و مدرسا مفيدا، عد له 18 مصدرا علميا و ادبيا من بينها ديوان شعر، و توفي بشيراز عام 1120 ه و دفن فيها.

(الدرجات الرفيعة- المقدمة- للسيد محمد صادق بحر العلوم: 3- 16 طبع النجف)

25

قراءته عليه كل شهر اثنا عشر دينارا، و للقاضي ابن البراج‏ (1) كل شهر ثمانية دنانير» (2).

و في عام 436 ه استجاب السيد المعظم الى دعوة ربه، و عند ذاك كان المرشح الوحيد لمركز الزعامة الدينية الشيخ الطوسي، فأصبح علما للشيعة، و كانت داره في كرخ بغداد مأوى الامة، يقصدونها للاستفادة من هذا الزعيم العلمي الكبير. و التف حوله عدد كبير من اهل الفضل و العلم للتلمذة عليه، و الانتهال من نمير فضله، حتى حددت المصادر بأن عدد تلاميذه بلغ ثلاثمائة مجتهد من اعلام الشيعة، و من اهل السنة ما لا يحصى كثرة (3).

و باتساع أفق هذه الشخصية العلمية، و ما بلغ به من العظمة و المنزلة جعل له القائم بأمر اللّه العباسي‏ (4)، كرسيا للكلام، و الافادة.

و هذا التقدير من الخليفة العباسي يومذاك كان له كبير الاهمية، إذ لم يسمح به إلا لمن بلغ في العلم مرتبة سامية يتميز بها على اقرانه، و لم يكن في بغداد في عهده من يفوقه قدرا، و يعلوه مكانة، و يفضل عليه علما.

____________

(1) الشيخ عبد العزيز بن تحرير بن عبد العزيز بن البراج، ابو القاسم، لقب بالقاضي لكونه قاضيا في طرابلس مدة عشرين، أو ثلاثين سنة. قال المحقق الكركي في بعض اجازاته في حق ابن البراج الشيخ السعيد خليفة الشيخ الامام ابي جعفر الطوسي بالبلاد الشامية. توفي سنة 481 ه.

(الكنى و الالقاب: 219- 1)

(2) الدرجات الرفيعة: 460.

(3) تفسير التبيان- المقدمة: ج- د- 1. و رجال الطوسي- المقدمة: 11- 12.

(4) القائم بأمر اللّه، عبد اللّه بن القادر، ابو جعفر؛ ولد عام 391 ه، و امه ارمنية اسمها قطر الندى، ولي الخلافة بعد أبيه عام 422 ه، و مات سنة 467 ه، و قد لاقى في حياته مشاكل و اهوالا كثيرة.

(تاريخ الخلفاء- للسيوطي: 417- 423 طبع القاهرة).

26

لذا كان هو المتعين لهذا الشرف‏ (1).

و لعلنا في سبيل الاستشهاد على عظمة الشيخ نذكر نصين يعكسان لنا مدى ما يتمتع به من المكانة و المنزلة عند الامة.

1- قال ابن تغري بردى‏ (2): «ابو جعفر الطوسي، فقيه الامامية الرافضة و عالمهم، و هو صاحب التفسير الكبير، و هو عشرون مجلدا، و له تصانيف اخر. مات بمشهد علي ... كان رافضيا، قوي التشيع» (3).

2- و قال الدكتور محمود محمد الخضيري: «... رجل واحد يقال له (الشيخ الطوسي) مع ان مدينة (طوس) التي ينتسب اليها لا تعتمد في شهرتها و مجدها على غيره- على كثرة من أنجبت على طول تأريخها المديد- من مشاهير الرجال، في عالم العلوم و الآداب و السياسة و الحرب، و وفرة من ينتسب اليها قبل الشيخ و بعده من الشيوخ و العلماء ذلك لانه- في الحقيقة- رجل فذ بين علماء الاسلام، رفعته مؤلفاته الكثيرة العدد و جهوده العلمية المثمرة الى مرتبة عالية ممتازة، لا ينافسه فيها أحد، فاستحق بذلك أن يمنحه مواطنوه هذا اللقب تشريفا له بين جميع من ينتسبون الى مدينتهم- ذات المجد التليد- و استحق الشيخ عند الشيعة لقبا آخر يزيد عن اللقب الأول‏

____________

(1) مقدمات تفسير التبيان: د- 1 و رجال الطوسي: 12- 13 و تلخيص الشافي. بقلم السيد حسين بحر العلوم: 10- 1.

(2) الامير جمال الدين، ابو المحاسن يوسف بن تغري بردى الظاهري القاهري الحنفي، ولد بالقاهرة سنة 803 ه و رباه زوج اخته ابن النديم الحنفي، و تلمذ على تقي الدين المقريزي مؤرخ الديار المصرية، و كان والده مملوكا تركيا اشتراه الملك الظاهر برقوق. توفي سنة 874 ه اهم مؤلفاته النجوم الزاهرة في اخبار مصر و القاهرة.

(الكنى و الالقاب: 231- 1)

(3) النجوم الزاهرة: 82- 5.

27

في مغزاه، و يعبر بفصاحة- لا مثيل لها- عن جميل تقديرهم اياه، و يعيّن منزلته بين جميع الطائفة الاثني عشرية، و ذلك اذ يلقبونه (شيخ الطائفة)، و اذا اطلق أحد هذين اللقبين أو كلاهما على شخص لم ينصرف ذهن العارفين إلى شخص سواه ...» (1).

هذان النصان القديم و الحديث يمكن ان نعرف منهما المنزلة الرفيعة التي يتمتع بها شيخنا العظيم عند المسلمين،

لقد بلغت منزلة الشيخ في بغداد أوجها بين علماء العصر من جميع الطوائف و بلغ قبول اهل السنة له ان اعتبره بعض مؤرخيهم من اعلام السنة على نحو ما فعل السبكي‏ (2)، إذ عده من علماء الشافعية فقال:

«... أبو جعفر الطوسي، فقيه الشيعة، و مصنفهم، كان ينتمي الى المذهب الشافعي ..» (3).

و حذا حذو السبكي الحاج خليفة (4)، فقد نقل في كتابه (كشف‏

____________

(1) مجلة رسالة الاسلام القاهرية: س 147 ص 40 مقال للدكتور محمود محمد الخضيري بعنوان الشيخ الطوسي- مؤسس المركز العلمي بالنجف).

(2) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي الخزرجي الانصاري المصري الشافعي الاشعري السبكي معروف بالفضل، و الاطلاع، على كثير من العلوم، قاضي قضاة ولد بالقاهرة سنة 727 ه، و توفي عام 771 بدمشق بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن و الشدائد ما لم يجر على قاض مثله، له عدة مؤلفات.

(الاعلام- للزركلي: 335- 4).

(3) طبقات الشافعية- للسبكي: 51- 3 طبع مصر.

(4) مصطفى بن عبد اللّه كاتب حلبي، المعروف بالحاج خليفة: مؤرخ بحاثة، تركي الاصل مستعرب، مولده، و وفاته في القسطنطينية، تولى اعمالا كتابية في الجيش العثماني ولد عام 1017 ه و توفي عام 1067 ه، له مؤلفات كثيرة.

(الاعلام: 138- 139- 8)

28

الظنون) (1) عبارة السبكي.

و هذه النسبة اذ ابعدنا السبكي عن الاشتباه و الغلط فما نفسرها الا بمدى المكانة التي يتمتع بها الشيخ الطوسي في نفوس الاعلام من المسلمين، حتى ذهب الظن بالبعض انه شافعي، او معتزلي، او اي شي‏ء آخر.

و الحقيقة التي لا غبار فيها ان الشيخ من اركان المذهب الجعفري.

و انه حاز الثقة التامة من طبقات الشيعة جمعاء في رواية الحديث و تحليله‏ (2).

العاصفة الطائفية و تأثيرها على الشيخ:

و ما كادت السنة 449 ه تشرف على الانتهاء، حتى هبت عاصفة هوجاء خطيرة المغزى، عميقة الجذور، هددت بغداد بالفناء. تلك هي حوادث الطائفية الرعناء الدامية.

و لم تكن هذه العاصفة وليدة تلك الايام و انما بلغت ذروتها في هذا العهد، و خاصة عندما قطعت الخطبة للقائم العباسي ببغداد، و خطب للمستنصر الفاطمي على منابر بغداد و العراق كله، فكتب القائم بأمر اللّه الى طغرلبك السلجوقي‏ (3) في الباطن يستنهضه الى المسير الى العراق، و كان بنواحي‏

____________

(1) كشف الظنون عن اسامي الكتب و الفنون: الجزء الاول- باب التاء (تفسير الطوسي) طبع دار السعادة بمطبعة (العالم) 1310 ه الطبعة الاولى.

(2) رجال الطوسي- المقدمة: 31- 33.

(3) السلطان محمد بن ميكائيل بن سلجوق، ابو طالب، الملقب ركن الدين طغرل بك، أول ملوك الدولة السلجوقية، كانوا قبل تملكهم يسكنون وراء النهر، قريبا من بخارى، و هم اتراك ولد عام 385 ه، و له مع ولاة خراسان وقائع، فردّ ملك بني العباس، بعد ان كان اضمحل و زالت دعوتهم من العراق، و خطب للفاطميين، و عمل على اعادة القائم بأمر اللّه العباسي من-

29

خراسان، فدخلها سنة 447 ه (1). و تقوض حكم البويهيين بدخوله، و توليه الحكم من قبل القائم العباسي.

فمنذ وروده الى بغداد اخذ يشن حملة شعواء على الشيعة، و يقسو عليهم و قد عزّ على هذا السفاح الاهوج ان يزدهر المذهب الجعفري، و ينتشر فقرر ان يعمل جادا في بعث التفرقة الطائفية بين المسلمين، او في الحقيقة يؤجج لهيبها من جديد، فالمصادر التاريخية تؤكد وقوع الحوادث الدامية بين الشيعة و السنة، و قد استمرت من عام 441 ه الى دخول طغرلبك 447 ه فهي مثلا بين شدة و ضعف.

حتى اذا بلغت سنة 448 ه قال ابن تغري بردى «و فيها أقيم الاذان» في مشهد موسى بن جعفر. و مساجد الكرخ ب «الصلاة خير من النوم» على رغم انف الشيعة و ازيل ما كانوا يقولونه في الاذان من «حي على خير العمل» (2).

و اشتد هذا الجو المتأزم بالطائفية على مرور الايام، و انقلب الى حوادث دامية، فقد ذكر لنا ابن الجوزي‏ (3) صورة من هذه الحوادث في سنة

____________

- المدينة الى بغداد، و ارجع الخطبة باسمه. ثم خطب ابنة القائم فزوجها ابوها منه، و كان العقد بتبريز، و زفت اليه ببغداد، فمكثت معه ستة أشهر، كان مريضا فيها، و توفي عام 455 بالري، و مدة ملكه خمس و عشرون سنة، و قيل: ثلاثون.

و طغرلبك: اسم علم تركي مركب من طغرل و بك.

(النجوم الزاهرة- لابن تغري بردى: 73- 5 و الاعلام: 342- 343- 7)

(1) النجوم الزاهرة: 56- 5.

(2) النجوم الزاهرة: 59:- 5

(3) ابو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد البكري الحنبلي، المعروف بابن الجوزي: فاضل متتبع، صنف في فنون عديدة، كان رأس الأذكياء، توفي ببغداد عام 597 ه.

(الكنى و الالقاب: 3422- 1).

30

448 ه فيقول:

«و في هذه السنة اقيم الاذان في المشهد بمقابر قريش، و مشهد العقبة و مساجد الكرخ ب «الصلاة خير من النوم» و أزيل ما كانوا يستعملونه في الاذان «حي على خير العمل» و دخل الى الكرخ (و هو معقل الشيعة) منشدو اهل السنة من باب البصرة فأنشدوا الاشعار في مدح الصحابة، و تقدم رئيس الرؤساء الى ابن النسوي بقتل ابي عبد اللّه الجلاب (شيخ البزازين) بباب الطاق لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض فقتل و صلب على باب دكانه» (1).

و اذا فالفتنة الطائفية بلغت ذروتها، و لم يسلم منها كل شيعي سكن بغداد و كان نصيب الشيخ الطوسي منها كبيرا باعتباره الشخصية الشيعية الاولى، و علمهم المبرز، فقد «كسبت دار ابي جعفر الطوسي (و يصفه ابن الجوزي ب (متكلم الشيعة.) بالكرخ. و أخذ ما وجد من دفاتره، و كرسي كان يجلس عليه للكلام، و أخرج الى الكرخ، و أضيف اليه ثلاث سناجق بيض- و هو اللواء-، كان الزوار من اهل الكرخ قديما يحملونها معهم، اذا قصدوا زيارة الكوفة، فاحرق الجميع. و هرب ابو جعفر الطوسي، و نهبت داره ...» (2).

اما ابن حجر العسقلاني‏ (3): فيوضح السبب الذي دعا الى هذا الهجوم‏

____________

(1) المنتظم لابن الجوزي: 172- 8 طبع حيدر اباد.

(2) المنتظم: 172 و 179- 8

(3) احمد بن علي بن حجر العسقلاني، ابو الفضل، شيخ الحديث، من كبار المجتهدين على مذهب الشافعي، له مصنفات مشهورة، توفي بالقاهرة سنة 852 ه.

(الكنى و الالقاب: 257- 1).

31

المعاكس على شيخ الطائفة بعد ان كان معززا مكرما، بحيث يبلغ الامر به ان تحرق كتبه، و تنهب داره، و يحدث ما حدث، و يقول: «قال ابن النجار (1): احرقت كتب الطوسي عدة نوب بمحضر من الناس في رحبة جامع النصر، و استتر هو خوفا على نفسه، بسبب ما يظهر من (انتقاص السلف) ...» (2).

و لعلنا وضعنا اصابعنا على الاسباب الرئيسية لهذه الحوادث الدامية من خلال ما عرضناه من نصوص تاريخية توضح لنا معالم المشكلة، و التي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين. بفعل تلك الطائفية الرعناء، و التعصب المخزي الاعمى الفظيع.

الشيخ الطوسي يهاجر الى النجف:

و من جراء هذه الحوادث المؤلمة، و الخطر المحدق، اختار الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- النجف مقرا له، و مركزا لحركته العلمية.

فالنجف الاشرف تمتعت بميزات خاصة فضلت على بقية المدن العراقية، فهي تضم مرقد امام العلم و الفضيلة، امير المؤمنين (عليه السّلام)، و فيها تربة قابلة للنمو العلمي و ذلك لوجود بعض الاعلام الذين سبقوا شيخنا الرائد من اتخاذ النجف مركزا لهم.

____________

(1) محب الدين محمد بن محمود بن الحسن البغدادي، تلميذ ابن الجوزي المعروف بابن النجار، صاحب كتاب (الكمال في معرفة الرجال) و تذييل تاريخ بغداد في ثلاثين مجلدا توفي سنة 643 ه

(الكنى و الالقاب: 430- 3)

(2) لسان الميزان- لابن حجر: 135- 5 طبع حيدر اباد.

32

بالاضافة الى ان النجف تتكى‏ء على الكوفة، و هذه المدينة علويّة في ذاتها و هي و ان وقفت في فترة ضد آل البيت (عليهم السّلام)، الا أنها عادت الى رشدها بعد زمان، و اصبحت موئلا للشيعة، و مركزا للتوابين، و منطلقا للثورات العلوية.

و اذا كان هذا الجانب متوفرا في مدينة الامام علي (ع)، فلا بد ان يكون هو المفضل لدى الشيخ الجليل، الذي اضطرته المشاكل الطائفية، و حوادثها الدامية الى ان يصمم على ترك بغداد.

و انتقل الى النجف الاشرف عام 449 ه، و حط رحله فيها، و من الطبيعي ان يظهر دور جديد في حياته العلمية. خاصة اذا لاحظنا انه عند هجرته الى مدينة النجف قد انصرف عن كثير من المشاغل، و انصرافه انصرافا كاملا الى البحث الامر الذي ساعده كل المساعدة على انجاز دوره العلمي العظيم، الذي ارتفع به الى مستوى المؤسسين. (1)

و دبت في النجف حركة علمية نشيطة بفضل شيخنا الرائد، و توطدت اركانها بمرور الزمن، حتى برزت مظاهر الحياة العلمية المرتبة واضحة للعيان. و اصبحت الجامعة تضم عددا من طلاب المعرفة لا يستهان بهم، و اخذت تتكاثر يوما بعد يوم.

بين حوزتين علميتين:

و لقد ذكرت كتب الرجال ان تلامذة الشيخ الطوسي بلغوا من الشيعة

____________

(1) المعالم الجديدة- للسيد محمد باقر الصدر: 63 طبع النجف.

33

فقط ثلاثمائة، اما من السنة فلا يحصى‏ (1).

و هذا العدد الذي تكاد المصادر تجمع عليه نراها عند تعداد اسمائهم لا تصل بهم الى اكثر من ستة و ثلاثين اسما.

و لا بد ان نتساءل عن هذا العدد من الطلاب و المحصلين، هل هم من اركان حوزته العلمية في بغداد، و قد انتقلوا معه الى النجف، أو انهم نشأوا في النجف، و نمت الحوزة بهم على عهده بالتدريج، بحيث برز فيها العنصر المشهدي- نسبة الى المشهد العلوي-. (2)

و رجحت بعض المصادر الاصولية: ان الشيخ عند هجرته الى النجف انفصل عن حوزته التي أسسها ببغداد، و أنشأ في مهجره النجف حوزة جديدة. و تستند في دعواها الى عدة مبررات. نلخصها بما يلي:

اولا- ان مؤرخي هجرة الشيخ الطوسي الى النجف لم يشيروا إطلاقا إلى أنّ تلامذة الشيخ في بغداد رافقوه، أو التحقوا به فور هجرته الى النجف.

ثانيا- ان قائمة تلامذة الشيخ التي يذكرها مؤرخوه نجد انهم لم يشيروا الى مكان التلمذة إلا بالنسبة الى شخصين جاء النص على انهما تلمذا على الشيخ في النجف، و هما الحسين بن المظفر بن علي الحمداني‏ (3)، و الحسن‏

____________

(1) مقدمة تفسير التبيان، و رجال الطوسي، و تلخيص الشافي.

(2) المعالم الجديدة: 64.

(3) الحسين بن المظفر بن علي الحمداني- و في نسخة الهمداني- نزيل قزوين، لقبه الشيخ منتجب الدين بالشيخ الامام محي الدين، و كناه بابي عبد اللّه، و قال: انه ثقة وجه كبير قرأ على الشيخ الكبير الموفق ابي جعفر الطوسي جميع تصانيفه مدة ثلاثين سنة بالغري على ساكنها السلام مصنف مشهور ذكرت له المصادر عدة كتب. (رجال المامقاني: 345- 1).

34

ابن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي. (1)

ثالثا- و مما يعزز احتمال حداثة الحوزة الدور الذي اداه ابن الشيخ المعروف بابي علي‏ (2)، فقد تزعم الحوزة بعد أبيه. و من المظنون انه كان في دور الطفولة او أوائل الشباب حين هجرة والده، ذلك لانعدام تأريخ ولادته، و وفاته، و لكن الثابت تاريخيا انه كان حيا في سنة 515 ه، اي انه عاش بعد هجرة الشيخ قرابة سبعين عاما، و يذكر عن تحصيله انه كان شريكا في الدرس عند أبيه مع الحسن بن الحسين القمي، الذي ارجح كونه من الطبقة المتأخرة، كما يقال عنه ان أباه أجازه سنة 455 ه، أي قبل وفاته بخمسين سنة، و هو يتفق مع حداثة تحصيله.

فاذا عرفنا أنه خلف أباه في التدريس و الزعامة العلمية للحوزة في النجف، بالرغم من كونه من تلامذته المتأخرين في اغلب الظن استطعنا ان نقدر المستوى العلمي العام لهذه الحوزة، و يتضاعف الاحتمال في كونها حديثة التكون.

و الصورة التي تكتمل لدينا على هذا الاساس هي: ان الشيخ الطوسي‏

____________

(1) الحسن بن الحسين بن الحسن بن بابويه القمي، نزيل الري المعروف بحسكا. ثقة موجه، قرأ على شيخنا الطوسي بالغري، كما قرأ على الشيخين سلار بن عبد العزيز و ابن البراج جميع تصانيفهما، و له مؤلفات عديدة.

(رجال المامقاني: 273- 1).

(2) ابو علي الطوسي: الحسن بن محمد بن الحسن: فقيه، ثقة، قرأ على والده جميع تصانيفه، قال ابن حجر في (لسان الميزان: 250- 2)، و هو في نفسه صدوق، مات في حدود الخمسمائة و كان متدينا كافا عن السب» لقب ب «المفيد الثاني» توفي في النجف سنة 515 ه تقريبا و دفن مع أبيه عند رجليه. قيل: ان كتاب (الامالي) المنسوب لابيه المطبوع هو له.

(تلخيص الشافي- المقدمة: 45)

35

بهجرته الى النجف انفصل عن حوزته الأساسية في بغداد، و انشأ حوزة جديدة حوله في النجف، و تفرغ في مهجره للبحث و تنمية العلم‏ (1).

و اذا عدنا فألقينا نظرة على هذا النص الذي يذكره المؤرخون بأن تلامذة الشيخ من الشيعة بلغوا ثلاثمائة، و من السنة ما لا يحصى كثرة، فمن المؤسف جدا ان هذا العدد الكبير من التلاميذ لم يصل لنا من اسمائهم الا ما يربو على الثلاثين و ان الشيخ منتجب الدين بن بابويه القمي‏ (2) و المتوفى بعد عصر الشيخ بقليل، لم يستطع الوقوف على اسمائهم، فلم يذكر منهم في كتابه الفهرست، المطبوع في آخر البحار إلا ستة و عشرين اسما، و زاد عليهم العلامة السيد محمد مهدي بحر العلوم‏ (3) في (الفوائد الرجالية) اربعة.

فتمت عدتهم 30، و هؤلاء معروفون ذكرتهم مقدمات كتب الشيخ المطبوعة.

و اضاف شيخنا اغا بزرك الطهراني لهذا الثبت اسماء ستة، فأصبح العدد ستة و ثلاثين، و قال بعد ذلك: «و هؤلاء ستة و ثلاثون عالما من تلاميذ الشيخ الطوسي المعروفين.

و ان كنا لا نستطيع القطع بأن هذه المجموعة من التلاميذ تمثل بحق الحوزة

____________

(1) المعالم الجديدة: 64- 65 بتلخيص.

(2) علي بن الشيخ ابي القاسم عبيد اللّه بن ابي محمد الحسن الملقب بحسكا الرازي المنتهي نسبه الى ابن بابويه القمي. قال الحر العاملي: كان فاضلا عالما ثقة صدوقا محدثا حافظا راوية علامة، ولد سنة 504، و توفي سنة 585 ه.

(الكنى و الالقاب: 181- 182- 3).

(3) السيد محمد مهدي بن السيد مرتضى بن السيد عبد الكريم بن السيد مراد، المنتهي نسبه الى السيد ابراهيم الملقب ب «طباطبا» الذي ينتهي الى الحسن السبط (عليه السّلام)، كان من الشخصيات العلمية المشهورة و المعروفة بالتقوى و العلم و الزعامة. ولد بكربلا سنة 1115 ه، و توفي 1212 ه و دفن في مقبرته الخاصه في مسجد الشيخ الطوسي بالنجف الاشرف.

(الكنى و الالقاب: 60- 64- 1).

36

النجفية او البغدادية

و لا شك ان الحوزة العلمية التي اسسها الشيخ الطوسي في النجف الاشرف كانت فتحا كبيرا، و في الوقت نفسه كانت نواة للجامعة العلمية التي عاشت الاجيال.

و لكنها في الوقت نفسه لم تتمكن ان ترقى الى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي انجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي، و ذلك لحداثة هذه الحوزة. و ان كانت هذه الهجرة الى النجف قد هيأت له الفرصة للقيام بدوره العلمي العظيم لما اتاحت له من تفرغ تام لهذه الناحية المهمة.

و كان لا بد لهذه الحوزة الفتية ان يمر عليها زمان حتى تصل الى مستوى من التفاعل العلمي و النضج الفكري لقبول افكار الشيخ و آرائه العلمية، و تواكب ابداعه بوعي و تفتح‏ (1).

و من هذا التاريخ تدخل النجف المرحلة العلمية المنتظمة، و تستمر بين شدة و ضعف، فتقطع اشواطا بعيدة في مسيرتها الجامعية، و هي تسجل لمؤسسها دور القيادة و الزعامة بكل تقدير و اكبار.

____________

(1) المعالم الجديدة: 65- 66

37

أدوار الجامعة النجفية خلال مسيرتها العلمية

في خلال هذه المسيرة الطويلة- و التي تكاد تدق أبواب الألف عام- تمر هذه الجامعة بأدوار يمكننا أن نحصرها بثلاثة أدوار مهمة نعرضها بإيجاز.

38

الدور الأول لجامعة النجف‏

و يبدأ هذا الدور بانتقال الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- الى النجف، حيث وجد في هذه التربة الطيبة قابلية تامة للغرس و الاستثمار، فأسس هيئة علمية منظمة ذات حلقات، و نظما خاصة من حيث التدريس، و قد ظهر اثر ذلك في كتابه المسمى (امالي الشيخ الطوسي) الذي كان يمليه على تلامذته‏ (1).

و كان من ألمع ما يذكر في هذا الصدد تنسيقه للدراسة العلمية في اقسامها الثلاثة: الفقه، و الحديث، و الاصول. فقد وضع في هذه العلوم مؤلفات كانت موضع اهتمام الاعلام المبرزين من الفقهاء و الاصوليين.

ففي نطاق الفقه كان كتاب (المبسوط) (2) يمثل مدى «التطور العظيم في البحث الفقهي على صعيد التطبيق بالشكل الذي يوازي التطور الاصولي على صعيد النظريات».

____________

(1) نقل شيخنا اغا بزرك في الذريعة: 365- 1: «ان للشيخ الطوسي كتابا اسمه (اختبار الرجال) أملاه الشيخ على تلاميذه في المشهد الغروي، و كان بدء املائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456 ه».

(2) تم طبع هذا الكتاب في ايران 1271 ه.

39

و كانت «مساهمة الشيخ في الاصول- مثلا- مجرد استمرار للخط و انما كانت تعبر عن تطور جديد كجزء من تطور شامل في التفكير الفقهي العلمي له. أتيح لهذا الفقيه الرائد ان يحققه. فكان كتاب (العدة) (1) تعبيرا عن الجانب الاصولي من التطور» (2).

و الى جانب هذين العملين، قام الشيخ الطوسي بعمل مهم و على مستوى واسع النطاق في جمع الاحاديث المنقولة عن ائمة اهل البيت (عليهم السّلام)، و ذلك ب «دمج المجاميع الصغيرة في موسوعات كبيرة، فما انتهى ذلك حتى حصل الفكر العلمي الامامي على مصادر اربعة موسعة للحديث» (3).

و كان نصيب الشيخ الطوسي من هذه الاصول اصلين كبيرين هما:

كتاب (التهذيب)، و كتاب (الاستبصار) في ثلاثة مجلدات‏ (4).

و لم يكن هذا كل تراث الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- فالى جانب التراث الاصولي و الفقهي الضخم خلف تراثا رائعا في التفسير، فقد وضع (التبيان) (5) في عشرة مجلدات، و كان هذا النتاج الكبير يعرب عن مستوى واسع و عميق كما يدل على احاطة و شمول في آفاق المعرفة. و قد كانت الحاجة ملحة لهذا الجانب لافتقار المكتبة الامامية اليه، و لذا اعتبر ظهور هذه الموسوعة التفسيرية الى حيز الامكان فتحا كبيرا.

و في علم الرجال، و تحقيق درجاتهم العلمية، و جمع الشتات عنهم‏

____________

(1) طبع الكتاب في بمبى سنة 1312 ه ثم في ايران 1314.

(2- 3) المعالم الجديدة: 56

(4) طبع هذان الكتابان عدة طبعات آخرها في النجف.

(5) طبع هذا الكتاب في ايران و النجف، و اخيرا على نفقة مكتبة الشيخ احمد القصيري في النجف الاشرف عشرة اجزاء.

40

و تميز طبقاتهم من عهد الرسول الاعظم (ص) الى ما بعد عهد الائمة (عليهم السّلام) وضع كتاب الرجال) (1). و قد سد هذا الكتاب فراغا في مجال الجرح و التعديل و تميز طبقات الاعلام و المحدثين، و اصبح مصدرا اولا للمشتغلين في هذا الحقل.

و في ذكر اصحاب الكتب و الاصول، خلف للمكتبة الاسلامية كتابه (الفهرست) (2) و هو يحتوي على تسعمائة اسم من اسماء المصنفين و هو- في الحقيقة- من الآثار الثمينة الخالدة، و قد اصبح موضع اعتماد علماء الامامية و غيرهم في هذا المضمار، لانه ضبط لتاريخ العلوم عند الشيعة حتى تاريخ تأليفه.

و الى هذا الصف العلمي اضاف في مجموعة مؤلفاته القيمة ما كتبه في اصول العقائد، و معرفة اللّه تعالى، و صفاته، و توحيده، و عدله، و النبوة، و الامامة و كل ما يعود الاخلال به بالضرر على ما حصل له من المعرفة.

مثل كتاب (الاقتصاد) (3) في اصول العقائد، و كتاب (تلخيص الشافي) (4) و (المفصح في الامامة) (5) و كتاب (الغيبة) (6) في امامة الحجة المهدي محمد بن الحسن العسكري (عليهما السّلام).

____________

(1) طبع هذا الكتاب بمطبعة الحيدرية بالنجف عام 1381 ه، و بتحقيق السيد محمد صادق آل بحر العلوم.

(2) طبع عدة مرات: في ليدن، و كلكته في الهند عام 1271 ه، و في المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف ثلاث طبعات.

(3) ما زال الكتاب مخطوطا.

(4) طبع الكتاب في ايران و اخيرا في النجف الاشرف مطبعة الآداب بتحقيق السيد حسين بحر العلوم و عناية مكتبة العلمين في النجف الاشرف.

(5) ما زال مخطوطا.

(6) طبع في ايران بتبريز عام 1323- 1324 ه.

41

بالاضافة الى المؤلفات الاخرى، و في مواضيع مختلفة، كلها تدل على اطلاع شيخنا الرائد في آفاق المعرفة، و لقد أحصتها بعض المصادر فبلغت 47 مؤلفا في جوانب متعددة (1).

و اذا اعتبر الشيخ الطوسي- (رحمه اللّه)- في مجموع مؤلفاته المتنوعة موسوعيا، فهو من جانب آخر يعتبر مختصا بالفقه و الاصول. و لم يكن تصنيفه في الفقه المتمثل في كتابه (المبسوط) ثم، في الحديث (التهذيب و الاستبصار)، ثم في الفقه المقارن ككتاب (الخلاف) (2) الى غيرها من مؤلفاته الفقهية، الا مثلا للتطور العظيم الذي نهجه الشيخ في بحثه الفقهي.

و لقد عرض في بحوثه الفقهية منهج الفقهاء من الشيعة القدماء الذين مثلوا المرحلة البدائية من التفكير الفقهي، و هو ما يمكن ان نطلق عليها بمنهج الاخباريين، الذين يجمدون على اخذ الاحكام من الاحاديث، و الروايات، و اتباع النصوص، و انصرافهم عن التفريع، و التوسع في التطبيق، كما في كتابي (التهذيب و الاستبصار).

كما عرض منهج الفقهاء الشيعة الاصوليين الذين يفكرون بذهنية اصولية و يمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع، و ذلك في كتاب- (المبسوط).

و الحقيقة ان «الفارق الكيفي بين اتجاهات العلم التي انطلقت من هذا التطور الجديد و اتجاهاته قبل ذلك يسمح لنا باعتبار الشيخ الطوسي حدا

____________

(1) مقدمات تفسير التبيان: ف- أو، رجال الشيخ: 49- 112، تلخيص الشافي:

29- 38.

(2) طبع في ايران مرتين.

42

فاصلا بين عصرين من عصور العلم، بين العصر العلمي التمهيدي، و العصر العلمي الكامل. فقد وضع هذا الشيخ الرائد حدّا للعصر التمهيدي، و بدأ به عصر العلم الذي اصبح فيه الفقه و الاصول علما له دقته، و صناعته، و ذهنيته العلمية الخاصة» (1).

و بعد هذا فقد استمر شيخنا الرائد في جهاده العلمي، و العمل الدائب في تنظيم الوضع الدراسي، حتى خطا على عهده الشريف خطوات سريعة بحيث اصبحت الحوزة العلمية الفتية في النجف تربو على المئات من رواد الفضيلة و العلم، و الطلبة الناشئين، و المؤلفة- على حد رأي بعض المصادر- (2) من اولاده، و بعض اصحابه، و مجاوري القبر الشريف، و ابناء البلاد القريبة منها كالحلة و نحوها، و نمت الحوزة على عهده بالتدريج، و برز فيها العنصر المشهدي- نسبة الى المشهد العلوى- و العنصر الحلي، و تسرب التيار العلمي منها الى الحلة.

بعد الشيخ الطوسي:

و في عام 461 ه لبنى الشيخ الطوسي- باني مجد الجامعة النجفية- نداء ربه، و قد منيت الجامعة بخسارة كبيرة، و لكن نموها العلمي لم يقف بوفاة الرائد الكبير بل تحدثنا المصادر: بأن ولده الحسن بن محمد بن الحسن المعروف بابي علي الطوسي قام بدور كبير في ادارة دفة الجامعة، و زعامة حوزتها.

و كان ابو علي من ابرز تلامذة والده شيخ الطائفة، و اكثر قابلية من سائر تلامذة الشيخ لتحمل اعباء المسؤولية لأدارة شؤون الجامعة، و استمرار

____________

(1- 2) المعالم الجديدة: 56- 57 و 64.

43

الحركة العلمية فيها زمانا ليس بالقصير، و هي تؤدي عملها العلمي بصورة امتدادية للشيخ الرائد.

و قد وصفته المصادر بعبارات الاجلال و التكريم، مما تدل على مكانته الكبيرة في الجامعة النجفية، فمثلا يقول ابن حجر: «ثم صار فقيه الشيعة و امامهم بمشهد علي رضي اللّه عنه، و هو في نفسه صدوق، مات في حدود الخمسمائة، و كان متدينا، كافا عن السب» (1).

و تحدث عنه الشيخ اغا بزرك فقال: «و قد خلف اباه على العلم و العمل و تقدم على العلماء في النجف، و كانت الرحلة اليه و المعول عليه في التدريس و الفتيا، و القاء الحديث و غير ذلك، و كان من مشاهير رجال العلم، و كبار رواة الحديث، و ثقاتهم، و قد بلغ من علو الشأن، و سمو المكانة أن لقب ب «المفيد الثاني» (2).

و الى جانب ما أفاد من والده شيخ الطائفة من الناحية العلمية كذلك عدّ من مشائخه: ابو الحسن محمد بن الحسين المعروف بابن الصقال. و حمزة ابو يعلى سلار بن عبد العزيز، و غيرهم.

كما انه كان شريكا في الدرس مع الشيخ أبي الوفاء عبد الجبار بن عبد اللّه بن علي الرازي، و الشيخ ابي محمد الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، و الشيخ ابي عبد اللّه محمد بن هبة اللّه الوراق الطرابلسي، عند قراءة كتاب «التبيان» على والده الشيخ الطوسي.

____________

(1) لسان الميزان: 350- 2.

(2) تفسير التبيان: المقدمة- أف وار.

44

و قد تخرج عليه كثير من حملة العلم و الحديث من الفريقين، و حاز المرجعية عند الطائفتين، لذلك كثرت الروايات عنه، و انتهت الطرق اليه، و قد ذكر مترجموه كثيرا من تلامذته، فقد ذكر الشيخ منتجب الدين بن بابويه أربعة عشر رجلا، و اضاف الشيخ اغا بزرك الطهراني ستة عشر شخصا، كما ذكر ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ثلاثة اشخاص من العامة، فيكون المجموع اربعة و ثلاثين شخصا (1).

و في طليعة هذه المجموعة:

1- علي بن شهر اشوب المازندراني السروي، والد صاحب (المناقب) و (المعالم).

2- الشيخ الفقيه الصالح أبو عبد اللّه الحسين بن احمد بن محمد بن علي ابن طحال المقدادي.

3- المؤلف الفقيه الثقة عماد الدين محمد بن ابي القاسم بن علي الطبري الاملي الكحي.

4- الشيخ الفاضل ابو طالب حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار الخازن.

5- ابو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي صاحب تفسير (مجمع البيان).

6- الشيخ محمد بن منصور الحلي الشهير بابن ادريس، قال في (الرياض):

على المشهور من أن ابن أدريس يروي عن أبي علي هذا تارة بلا واسطة، و تارة مع الواسطة.

____________

(1) نفس المصدر:- أر- أت.

45

7- ابو علي محمد بن الفضل الطبرسي.

و الذين ذكرهم ابن حجر العسقلاني هم:

8- ابو الفضل بن عطاف.

9- محمد بن محمد النسفي.

10- هبة اللّه السقطي.

و لم يكن ذكر هؤلاء من بين المجموعة الكبيرة من تلامذة ابي علي الطوسي الا لغرض اعطاء نماذج عن المستوى الفكري لطلاب هذه الشخصية.

و قد ترك اثرا قيما علميا هو (شرح النهاية) و هو شرح لكتاب والده النهاية في الفقه.

و توفي الشيخ ابو علي بعد سنة 515 ه، فقد كان حيا في هذا التاريخ كما يظهر في مواضع من اسانيد كتاب (بشارة المصطفى).

و ما ان انتقل الشيخ ابو علي الى رحمة ربه، حتى تقدم ولده ابو نصر محمد بن ابي علي الحسن بن ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. الى تزعم الجامعة النجفية، و كان اهلا لهذا التزعم. فقد نقل عنه الشيخ اغا بزرك الطهراني قائلا: «كان الشيخ أبو نصر محمد من أعاظم العلماء، و اكابر الفقهاء، و افاضل الحجج و اثبات الرواة و ثقاتهم، فقد قام مقام والده في النجف، و انتقلت اليه الرياسة و المرجعية، و تقاطر عليه طلاب العلم من شتى النواحي» (1).

____________

(1) تفسير التبيان- المقدمة: أخ‏

46

و قال ابن العماد الحنبلي في حوادث سنة: 540 «.. و فيها توفي أبو الحسن محمد بن الحسن ابي علي بن ابي جعفر الطوسي، شيخ الشيعة، و عالمهم، و ابن شيخهم و عالمهم رحلت اليه طوائف الشيعة من كل جانب الى العراق، و حملوا اليه، و كان ورعا عالما كثير الزهد، و اثنى عليه السمعاني، و قال العماد الطبري: لو جازت على غير الانبياء صلاة صليت عليه» (1).

ثم في هذه الفترة قام الاعلام من اسرة آل الخازن في دعم الجامعة النجفية، حتى انتهى الدور الى الموفق الخازن، علي بن حمزة بن محمد بن احمد بن شهريار، و وصفته المصادر بانه «اشهر خزنة الحرم العلوي، ضم الى سدانة الحرم السبق في العلوم الدينية و كانت الرحلة اليه سنة 572 حين كثر اهل العلم، و رواد الحديث، و كان المعول عليه في ادارة رحى العلم بعد شيخ الطائفة الشيخ الطوسي- (قدس سره)- و هو العاقد لحلقات الحديث و المتكفل بالقائه، و كان عالما فاضلا و كان من رجال القرن السادس» (2).

و استمرت الجامعة النجفية في حركتها العلمية من بعد الشيخ الرائد شيخ الطائفة حتى اطل عهد ابن ادريس، و قد موج الحركة العلمية في الحلة و نشطت الى حد كبير.

و كان عهد هذا المجدد ايذانا بانتقال الحركة العلمية الى الحلة، و قد تكاملت عناصر هذا الانتقال في اوائل القرن السابع الهجري.

____________

(1) شذرات الذهب في اخبار من ذهب: 126- 127- 4 طبع مصر.

(2) ماضي النجف و حاضرها: 405- 2.

47

بين الطوسي و ابن ادريس‏

و محمد بن احمد بن ادريس الحلي، من مشائخ الفقهاء في الحلة، و سبط الشيخ الطوسي، توفي سنة 598 ه.

وصفه ابن داود (1): بأنه شيخ الفقهاء بالحلة متقنا في العلوم» (2).

كما وصفه الحر العاملي‏ (3): «و قد اثنى عليه علماؤنا المتأخرون، و اعتمدوا على كتابه، و على ما رواه في آخره من كتب المتقدمين و اصولهم» (4).

و قالت بعض المصادر: «... و كان فقيها اصوليا بحتا، و مجتهدا صرفا، و هو أول من فتح باب الطعن على الشيخ (الطوسي)، و الا فكل من كان في عصر الشيخ او من بعده، انما كان يحذو حذوه غالبا الى ان انتهت النوبة

____________

(1) تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي: و صفته المصادر بالشيخ العالم الفاضل الجليل الفقيه المتبحر صاحب كتاب الرجال المعروف، تلمذ على السيد احمد بن طاووس، و المحقق الحلي، ولد 647 ه.

(الكنى و الالقاب: 277- 1)

(2) رجال ابن داود: 498 طبع ايران.

(3) محمد بن الحسن بن علي المشغري: شيخ المحدثين، و افضل المتبحرين العالم الفقيه النبيه المحدث المتبحر الورع الثقة الجليل، صاحب المصنفات المفيدة، ولد عام 1033 ه، و توفي 1104 و دفن في خراسان.

(الكنى و الالقاب: 160- 2).

(4) امل الآمل: 60 طبع ايران.

48

اليه» (1).

و هذه الفقرة تلقي لنا ضوءا على ما قام به هذا الشيخ المجدد بالنسبة لآراء الشيخ الطوسي و افكاره، التي كادت تسيطر على الجامعة العلمية في النجف طيلة مائة عام او اكثر، و تعيقها عن التجديد، و التفاعل الفكري.

فاننا نجد بعض المصادر ترى ان المائة عام التي عاشتها الحوزة العلمية بعد الشيخ المؤسس، و الى حد ما كان عامل التقليد فيها واضحا جليا و من جراء ذلك تحملت الجامعة اعباء الوراثة العلمية، و في خلالها كانت هالة من التقديس و الاحترام تحوط آراء و افكار الشيخ الطوسي الرائد. بحيث كان من الصعب على احد ان ينالها بالاعتراض و النقاش، او يخضعها للتمحيص و التدقيق. و حتى ان اكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه، و حسن ظنهم به‏ (2).

و قد وضح الحمصي‏ (3)- و هو ممن عاصر تلك الفترة- هذه الحقيقة بقوله:

«و لم يبق للامامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك» (4).

و الحقيقة اننا على رغم ما نجده في بعض المصادر بان الفترة التي تلت وفاة الشيخ الطوسي من انشط العهود بالنسبة للحركة العلمية في الجامعة النجفية، و ان الوضع الدراسي قد بلغ أوجه و شدة عنفوانه في عصر ابي‏

____________

(1) روضات الجنات- الخونساري: 598 طبع ايران.

(2) المعالم الجديدة: 66.

(3) سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، من اكابر علماء الامامية، وصف بأنه علامة زمانه في الاصوليين من القرن السادس الهجري.

(الكنى و الالقاب: 175- 2).

(4) المعالم الجديدة: 66- 67.

49

علي الطوسي، و ولده ابي نصر، و ابن شهريار.

و لكن في الوقت نفسه لم تتمكن المصادر من اعطائنا صورة واضحة من ملامح هذه الفترة بما يتعلق بازدهار الحركة الفكرية في الجامعة النجفية، و تكاد تكون مظلمة، و الركود العلمي فيها اقرب الى الواقع من غيره.

بالاضافة الى ان المصادر تحجم عن ذكر وضعية الحركة العلمية في النجف بعد ابن شهريار الخازن، و في نفس الوقت نرى نجم ابن ادريس قد لمع في الحلة و برز بعنف على مسرح النقد لآراء الشيخ الرائد، و كان هذا البروز الدفعي الجري‏ء قد حول الانظار الى الحركة العلمية التي تدور رحاها في الحلة، و حتى تكاملت عناصر الانتقال في عهد المحقق الحلي‏ (1)، و ذلك في اوائل القرن السابع.

«و هذه الحقيقة بالرغم من تأكيد جملة من علمائنا لها تدعو الى التساؤل و الاستغراب، لان الحركة الثورية التي قام بها الشيخ في دنيا الفقه و الاصول، و المنجزات العظيمة التي حققها في هذه المجالات كان من المفروض و المترقب ان تكون قوة دافعة للعلم، و ان تفتح لمن يخلف الشيخ من العلماء آفاقا رحيبة للابداع و التجديد و مواصلة السير في الطريق الذي بدأه الشيخ. فكيف و لم تأخذ افكاره و تجديداته مفعولها الطبيعي في الدفع و الاغراء بمواصلة

____________

(1) ابو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحي بن سعيد الحلى: وصفه ابن داود فقال:

المحقق المدقق واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، و اقومهم بالحجة، و اسرعهم استحضارا ولد سنة 602، و توفي عام 676 ه و دفن بالنجف.

(رجال ابن داود: 83 و الكنى و الالقاب:

133- 135- 3).

50

السير!» (1).

و تشير بعض المصادر الاصولية الى عدة اسباب من المحتمل ان تفسر الموقف، نلخصها بما يلي:

1- ان الشيخ الطوسي بهجرته الى النجف انفصل عن حوزته الاساسية و انشأ حوزة جديدة حوله في النجف، و تفرغ في مهجره للبحث و تنمية العلم، و كان من الطبيعي ان لا ترقى الحوزة العلمية الى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي انجزه الشيخ الطوسي في الفكر العلمي لحداثتها، و لهذا لم يتسرب الابداع الفقهي العلمي من الشيخ الى تلك الحوزة التي كان ينتج و يبدع بعيدا عنها، و لكي يتحقق ذلك التفاعل الفكري الخلاق كان لا بد ان يشتد ساعد الحوزة الفتية حتى تصل الى المستوى من التفاعل من الناحية العلمية فسادت فترة ركود ظاهري بانتظار بلوغ الحوزة الفتية الى ذلك المستوى.

2- أسند جماعة من العلماء ذلك الركود الى ما حظي به الشيخ من تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد، و جعل من آرائه و نظرياته شيئا مقدسا لا يمكن ان ينال باعتراض، او يخضع لتمحيص.

و قد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الاصحاب أنّا تجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين (ع) شهد فيها الامام بصحة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي «النهاية»!! و هو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري الروحي للشيخ في اعماق نفوسهم.

____________

(1) المعالم الجديدة: 62- 63.