موسوعة العتبات المقدسة - ج8

- جعفر الخليلي المزيد...
396 /
5

الجزء الثامن‏

[مقدمة الناشر]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و به نستعين‏

هذا هو الجزء الاول من (قسم كربلا) من موسوعة العتبات المقدسة، و يغلب على الظن انه سيكون الجزء الاول لعشرة اجزاء يتم فيها عرض تاريخ كربلا عرضا كاملا يتناول هذه المدينة في مختلف عصورها و منذ ابتداء نشأتها حتى هذا اليوم، و هي اجزاء نرجو ان تكون مستوفية كل الشروط المطلوبة لتكون مصدرا علميا، متقنا، و مرجعا يصح الركون اليه في تتبع كل شي‏ء يتعلق بهذه المدينة. من حيث تاريخها العلمي، و الثقافي، و الادبي، و السياسي، و العمراني، و الاجتماعي فقد هيأنا كل المقتضيات العلمية اللازمة للمضي في هذا المشروع الى النهاية، و قد انضمت الينا طائفة من ارباب الاختصاص و في ضمنهم عدد غير قليل من اساتذة جامعة بغداد، و ارباب الفضل من الاساتذة و الكتاب الاخرين، و لم يزل العاملون من المتخصصين يزداد عددهم في الانضمام الينا يوما بعد يوم لاخراج ما يتيسر من اجزاء كل عتبة من العتبات، اما الشي‏ء غير المضمون في عملنا هذا فهو الزمن، اذ لا ندري كم يتطلب عملنا هذا من الوقت و الى كم سيمدنا اللّه بعونه من حيث فسحه المجال لنخرج اكبر عدد من الاجزاء

6

عن كل عتبة من العتبات حتى تكون لكل عتبة موسوعة كاملة مستقلة.

و نحن حين قسمنا المواضيع على الكتاب المتخصصين لم نلزم انفسنا بمراعاة الترتيب في اخراج هذه الاجزاء حسب مكانة العتبة، و انما التزمنا بطبع اي جزء يتم تأليفه من هذه الاجزاء، و لو كنا راعينا الترتيب لظللنا الى حد هذا اليوم و نحن ننتظر صدور الجزء الاول من (مكة المكرمة) الذي لم تتم مسودته الى حين هذا اليوم، مع ان التصدي لكتابته قد سبق الأجزاء الاخرى و تهيأت صوره و وثائقه و صور (المدينة المنورة) و وثائقها قبل ان تتهيأ صور العتبات الاخرى، بينما قد جهرت مسودات عتبة الكاظمين التي ستمثل للطبع بعد الفراغ من طبع هذا الجزء، و لم تجهز مسودات العتبات الاخرى.

و الجزء الاول من قسم كربلا يشمل عرضا لاسم كربلا و ما يحيط بها من المواقع، و معانيها، و صفاتها، و ما ورد باختصار عن كربلا في بطون اهم الكتب التاريخية القديمة و الحديثة، العربية منها، و الغربية، بحيث يصبح مرآة تعكس في ذهن القارى‏ء ما يتطلبه العلم الصحيح، و الثقافة الحديثة عن هذه المدينة العريقة. فهو على هذا بمثابة التعريف لهذه المدينة الذي لا يستغني عنه الباحث و القارى‏ء، و الذي يقتضيه التأليف الحديث ليسهل بعد ذلك تتبع مواضيع كربلا الاخرى في اجزائها الاخرى و تفهمها لكل قارى‏ء.

بغداد دار التعارف‏

7

كربلاء قديما كتبه الدكتور مصطفى جواد

خريج جامعة السوربون في التاريخ العربي‏

و الاستاذ بجامعة بغداد- كلية التربية

و العضو بالمجمع العلمي العراقي- و المجمع العلمي العربي بدمشق‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

كربلاء قديما

معنى كربلاء:

قال ياقوت الحمويّ: «... فأما اشتقاقه فالكربلة رخاوة في القدمين، يقال: جاء يمشي مكربلا، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة، فسميت بذلك. و يقال: كربلت الحنطة إذا هززتها و نقيتها و ينشد في صفة الحنطة:

يحملن حمراء رسوبا للثقل‏* * * قد غربلت و كربلت من القصل‏

فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى و الدغل فسميت بذلك. و الكربل اسم نبت الحماض، قال أبو و جزة السعدي يصف عهود الهودج:

و تامر كربل و عميم دفلى‏* * * عليها و الندى سبط يمور

فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر نباته هناك فسمي به».

و ذكر السيد العلامة هبة الدين الشهرستاني أن «كربلاء» منحوتة

10

من كلمتي «كور بابل» بمعنى مجموعة قرى بابلية (1)، و قال الأب اللغوي أنستاس الكرملي: «و الذي نتذكره فيما قرأناه في بعض كتب الباحثين أن كربلاء منحوتة من كلمتين من (كرب) و (إل) أي حرم اللّه أو مقدس اللّه‏ (2)،.

قلنا: إن رجع الأعلام الأعجمية إلى أصول عربية كان ديدنا لعلماء اللغة العربية منذ القديم، فقلما اعترفوا بأنّ علما من الأعلام أصله أعجمي، دون أسماء الجنس فانهم اعترفوا بعجمتها و سموها «المعربات»، لأن الذين يعرفون اللغة الفارسية كثير، و لأنهم يدرون أصول المعرّبات على التحقيق و التأكيد، و كان الذي يسهل عليهم اجتيال الأعلام و غيرها إلى اللغة العربية كونها مشابهة و موازنة لكلمات عربية، كما مرّ في «كربلا» و الكربلة و الكربل، فهم قالوا بعروبة تلك الأعلام الأعجمية ثم حاروا في تخريجها اللغوي فبعثهم ذلك على التكلف. كما فعلوا في كربلاء و غيرها من الأعلام الأعجمية.

و أنا أرى محاولة ياقوت الحموي ردّ «كربلاء» الى الأصول العربية غير مجدية، و لا يصح الاعتماد عليها، لأنها من بابة الظن و التخمين، و الرغبة الجامحة العارمة في إرادة جعل العربية مصدرا لسائر اسماء الأمكنة و البقاع، مع أن موقع كربلاء خارج عن جزيرة العرب، و أن في العراق كثيرا من البلدان ليست أسماؤها عربية كبغداد و صرورا و جوخا و بابل و كوش و بعقوبا، و أن التاريخ لم ينص على عروبة اسم «كربلاء» فقد كانت معروفة قبل الفتح العربي للعراق و قبل سكنى العرب هناك و قد

____________

(1) كتاب نهضة الحسين- ع- «ص 6 طبعة مطبعة دار السلام ببغداد س 1345 ه- 1926 م»

(2) لغة العرب مج 5 ص 178 سنة 1927-».

11

ذكرها بعض العرب الذين رافقوا خالد بن الوليد القائد العربي المشهور في غزوته لغربي العراق سنة 12 هجرية 634 م. قال ياقوت الحموي: «و نزل خالد عند فتحه الحيرة كربلاء فشكا إليه عبد اللّه بن وشيمة النصري‏ (1) الذبان: فقال رجل من أشجع في ذلك:

لقد حبست في كربلاء مطيتي‏* * * و في العين‏ (2) حتى عاد غثا سمينها

إذا رحلت من منزل رجعت له‏* * * لعمري و ايها إنني لأهينها

و يمنعها من ماء كل شريعة* * * رفاق من الذبان زرق عيونها (3)

و من أقدم الشعر الذي ذكرت فيه كربلاء قول معن بن أوس المزني من مخضرمي الجاهلية و الاسلام و عمّر حتى أدرك عصر عبد اللّه بن الزبير و صار مصاحبا له، و قد كفّ بصره في آخر عمره. و ذكر ياقوت الحموي هذا الشعر في «النوائح» من معجمه للبلدان. و «المعبر» و ذكره قبله أبو الفرج الاصبهاني في ترجمة معن من الاغاني «12: 63 دار الكتب» و قال و هي قصيدة طويلة:

إذا هي حلّت كربلاء فلعلعا* * * فجوز العذيب دونها فالنوائحا

فبانت نواها من نواك فطاوعت‏* * * مع الشانئين الشائنات الكواشحا

توهمت ربعا بالمعبر واضحا* * * أبت قرّتاه اليوم إلا تراوحا

____________

(1) أو النضري و في الأصل من طبعة مصر «البصري» و هو محال لأن البصرة لم تكن يومئذ قد مصرت، و لأن العرب القدامى في القرن الأول و القرن الثاني لم يكونوا ينتسبون الى المدن و الأقطار بل الى الآباء و القبائل و الأفخاذ و العمارات و البطون. أما غير العرب فجائز فيهم كما سرجويه البصري الطبيب «مختصر الدول لابن العبري «ص 192» و في تاريخ الطبري سنة 12 أن القائل من أشجع.

(2) يعني عين التمر المعروف حصنها اليوم بالأخيضر.

(3) معجم البلدان في «كربلاء».

12

أربّت عليه رادة حضرمية* * * و مرتجز كأنّ فيه المصابحا

فقولا لليلى هل تعوض ناديا* * * له رجعة قال الطلاق ممازحا

فان هي قالت لا تقولا لها بلى‏* * * ألا تتقين الجاريات الذوابحا

و قال الطبري في حوادث سنة 12: «و خروج خالد بن الوليد في عمل عياض بن غنم ليقضي ما بينه و بينه و لاغاثته فسلك الفلوجة حتى نزل بكربلاء و على مسلحتها عاصم بن عمرو، و على مقدمته خالد الأقرع بن حابس، لأن المثنى بن حارثة كان على ثغر من الثغور التي على المدائن، فكانوا يغاورون أهل فارس و ينتهون إلى شاطى‏ء دجلة قبل خروج خالد من الحيرة و بعد خروجه في إغاثة عياض ... و أقام خالد على كربلاء أياما و شكا اليه عبد اللّه بن وثيمة الذباب، فقال له خالد: اصبر فاني إنما أريد أن استفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنسكنها العرب فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا من خلفهم و تجيئنا العرب آمنة غير متعتعة، و بذلك أمرنا الخليفة و رأيه يعدل نجدة الأمة. و قال رجل من أشجع فيما شكا ابن وثيمة:

لقد حبست في كربلاء مطيتي ...» الأبيات.

و قال ياقوت الحموي في كلامه على الكوفة: «قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: لما فرغ سعد بن أبي وقاص من وقعة رستم بالقادسية و ضمن أرباب القرى ما عليهم بعث من أحصاهم و لم يسمهم حتى يرى عمر فيهم رأيه، و كان الدها قين ناصحوا المسلمين، و دلوهم على عورات فارس، و أهدوا لهم و أقاموا لهم الأسواق. ثم توجه سعد نحو المدائن الى يزدجرد و قدم خالد بن عرفطة حليف بني زهرة بن كلاب، فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط المدائن، ثم توجه الى المدائن فلم يجد معابر فدلوه على مخاضة عند قرية الصيادين أسفل المدائن فأخاضوها الخيل حتى عبروا،

13

و هرب يزدجرد الى اصطخر، فأخذ خالد كربلاء عنوة و سبى أهلها، فقسمها سعد بين أصحابه، و نزل كل قوم في الناحية التي خرج سهمه فأحيوها، فكتب بذلك سعد الى عمر، فكتب اليه عمر أن حوّلهم. فحوّلهم الى سوق حكمة و يقال الى كويفة ابن عمر دون الكوفة ...».

و لقائل أن يقول إن العرب أوطنوا تلك البقاع قبل الفتح العربي، فدولة المناذرة بالحيرة و نواحيها كانت معاصرة للدولة الساسانية الفارسية و في حمايتها و خدمتها، و الجواب أن المؤرخين لم يذكروا لهم إنشاء قرية سميت بهذا الاسم- أعني كربلاء غير أن وزن كربلاء الحق بالأوزان العربية و نقل «فعللا» إلى «فعللاء» في الشعر حسب. فالأول موازن لجحجحى و قرقرى و قهقرى و الثاني موازن لعقرباء و حرملاء، زيد همزة كما زيد برنساء.

أما قول الأب اللغوي أنستاس ما معناه أن كربلا منحوتة من «كرب» و «إل» فهو داخل في الامكان، لأن هذه البقاع قد سكنها الساميون و إذا فسرنا «كرب» بالعربية ايضا دل على معنى «القرب» فقد قالت العرب: «كرب يكرب كروبا أي دنا» و قالت «كرب فلان يفعل و كرب أن يفعل أي كاد يفعل، و كاد تفيد القرب، قال ابن مقبل يصف ناقته:

فبعثتها تقص المقاصر بعدما* * * كربت حياة النار للمتنور (1)

و قال أبو زيد الأسلمي:

سقاها ذوو الأرحام سجلا على الظما* * * و قد كربت أعناقها أن تقطعا (2)

____________

(1) مادة قصر من الصحاح، أي قرب انطفاؤها.

(2) الكامل للمبرد «ج 1 ص 128 طبعة الدلجموني الأزهري.

14

و جاء في لسان العرب «كرب الأمر كروبا: دنا» ... قال عبد القيس بن خفاف البرجمي:

أبنّي إن أباك كارب يومه‏* * * فاذا دعيت الى المكارم فاعجل‏

... و كل شي‏ء دنا فقد كرب، و قد كرب أن يكون و كرب يكون ...

و كربت الشمس للمغيب: دنت، و كربت الشمس للغروب، و كربت الجارية أن تدرك، و في الحديث: فاذا استغنى أو كرب استعفّ. قال أبو عبيد: كرب أي دنا من ذلك و قرب، و كل دان قريب فهو كارب.

«في حديث رقيقه: أيضع الغلام أو كرب أي قارب الايفاع». فكرب البابلية قريبة من العربية.

و إذا فسرنا «إل» كان معناه «الاله» عند الساميين أيضا، و دخول تفسير التسمية في الامكان لا يعني أنها هي التسمية الحقيقية لا غيرها، لأن اللغة و التاريخ متعاونان دائما فهي تؤيده عند احتياجه اليها و هو يؤيدها عند احتياجها إليه، فهل ورد في التاريخ أنّ موضع كربلاء كان «حرم إله» قوم من الأقوام الذين سكنوا العراق؟ أو مقدس إله لهم؟ لا يجيبنا التاريخ عن ذلك و من الأسماء المضافة إلى «ال» بابل و أربل و بابلى‏ (1)».

و من العجيب أنّ لفظ «كرب» تطوّر معناه في اللغة العبريّة، قال بعض الأدباء الامريكيين: «مما يصور لنا فكرة عن سوء أسلوب الحياة أن نجد الكلمة العبرية (كرب‏Karab - و معناها يقترب- تعني في الوقت‏

____________

(1) قال هلال الصابي: «و بنو الفرات من قرية تدعى بابلي صريفن من النهروان الأعلى»، «تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء ص 11 طبعة دار إحياء الكتب العربية» و قال ذلك قبله الصولي «تاريخ بغداد لابن النجار. نسخة دار الكتب الوطنية بباريس 21 و 24».

15

نفسه (يقاتل و يحارب) و من هنا كانت كلمة (كراب‏Kerab ) بمعنى معركة» (1). لذلك يمكن القول بتطوّر الاسم «كربلا» من الحقيقة الى المجاز و بذلك لا يجب الالتزام بأصل معناه بل يجوز، و مما قدمنا يفهم أن «كربلا» مقصور في الأصل و أن الهمزة أدخلت عليها لضرورة الشعر الذي نقلناه آنفا و هو قول عبد اللّه بن وثيمة أو غيره «لقد حبست في كربلاء مطيتي» فلو قال في «كربلا» لم يستقم وزن البيت، و مد المقصور من ضرائر الشعر المعروفة و هو اثقل من قصر الممدود.

و على حسبان «كربلا» من الأسماء الساميّة الآراميّة أو البابلية، تكون القرية من القرى القديمة الزمان كبابل و إربيل، و كيف لا و هي من ناحية «نينوى‏ (2)» الجنوبيّة! قال ياقوت الحمويّ: «نينوى بكسر أوله و سكون ثانيه و فتح النون و الواو بوزن طيطوى ... و بسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين، رضي اللّه عنه‏ (3)».

و قال في كتب له آخر: «نينوى موضعان: بكسر النون و ياء ساكنة و نون أخرى مفتوحة و واو و ألف ممالة؛ نينوى بلد قديم كان مقابل مدينة الموصل. «و نينوى كورة كانت بأرض بابل منها كربلاء التي قتل بها الحسين بن عليّ- (عليهما السّلام)- (4)». و نينوى من الأسماء الآشورية.

و لا نشك في أنّ نينوى السفلى سميت باسم نينوى العليا احدى عواصم‏

____________

(1) المؤرخون و الشعر- ص 46- ترجمة توفيق اسكندر الى العربية.

(2) ميزا لها عن نينوى الشمالية، احدى عواصم الدولة الآشورية السامية و لا تزال أطلالها معروفة و سنعود الى ذكرها.

(3) معجم البلدان في مادة «نينوى».

(4) المشترك وضعا و المفترق صقعا «ص 430».

16

الدولة الآشورية المشهورة في التاريخ، سمّيت إمّا لمعارضتها و إمّا لادامة ذكراها، على عادة الناس في تسمية البلدة التي ينشئونها بعد المهاجرة من بلادهم و الجلاء عنها و يسمونها باسم بلدتهم التي هاجروا منها. و هذا معروف قديما و حديثا، و هو من أجمل ضروب الوفاء، و إن كان لغير الأحياء.

و نقل بعض الفضلاء قول أحد الباحثين في تاريخ كربلاء القديم و هو «كل‏ (1) ما يمكن أن يقال عن تاريخها القديم أنها كانت من أمّهات مدن طسّوج النهرين الواقعة على ضفاف نهر بالاكوباس (الفرات القديم) و على أرضها معبد للعبادة و الصلاة، كما يستدل من الأسماء التي عرفت بها قديما كعمورا، ماريا، صفورا، و قد كثرت حولها المقابر، كما عثر على جثث موتى داخل أوان خزفية يعود تاريخها إلى قبل العهد المسيحي، و أما الأقوام التي سكنوها فكانوا يعولون على الزراعة لخصوبة (2) تربتها و غزارة مائها لكثرة العيون التي كانت منتشرة في أرجائها» (3). و من المعلوم أن كربلاء ليست على ضفة الفرات و لا على ضفافه، فالقائل لو قال «كورة كربلاء» لكان القول علميا.

و مما يدل على قدم كربلاء ايضا و وجودها قبل الفتح الاسلاميّ ما ذكره الخطيب البغدادي بسنده إلى أبي سعيد التّيمي قال: «اقبلنا مع علي (ع) من صفين فنزلنا كربلاء، فلما انتصف النهار عطش القوم» و روى بعد ذلك بسنده أيضا عنه قال: «أقبلت من الأنبار مع عليّ نريد الكوفة و عليّ في الناس، فبينا نحن نسير على شاطى‏ء الفرات إذ لجّج في الصحراء فتبعه‏

____________

(1) في الأصل «كلما» مع أن «ما» هنا اسم موصول فهو في الخط مفصول.

(2) الصواب «لخصب ارضها».

(3) مدينة الحسين أو مختصر تاريخ كربلاء للسيد محمد حسن مصطفى آل الكليدار «ص 1، 2».

17

ناس من أصحابه و أخذ ناس على‏ (1) شاطى‏ء الماء، فكنت ممن أخذ مع عليّ حتى توسط الصحراء، فقال الناس: يا أمير المؤمنين إنا نخاف العطش، قال: إن اللّه سيسقيكم، و راهب قريب منا، فجاء عليّ الى مكانه فقال: احفروا هاهنا فحفرنا، و كنت فيمن حفر، حتى نزلنا- يعني عرض لنا حجر- فقال علي: ارفعوا هذا الحجر، فأعانونا عليه حتى رفعناه، فاذا عين باردة طيبة، فشربنا ثم سرنا ليلا او نحو ذلك، فعطشنا فقال بعض القوم: لو رجعنا فشربنا. فرجع ناس و كنت فيمن رجع، فالتمسناها فلم نقدر عليها، فأتينا الراهب فقلنا: أين العين التي ها هنا؟

قال: أيّة عين؟ قلنا (2): التي شربنا منها و استقينا و التمسناها فلم نقدر عليها. فقال الراهب: لا يستخرجها إلّا نبي أو وصيّ. ثم ذكر الخطيب بسنده إلى إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني أن «أبا سعيد التيميّ متروك الحديث و غير ثقة» (3).

و المهمّ من هذا الحديث أن الامام عليا- ع- مرّ بكربلاء و لجّج في الصحراء قبل سنة أربعين الهجرية، و لم يذكر أحد من المؤرخين إنشاء مدينة باسم كربلاء في أثناء تلك السنين الأربعين، و هذا مرادنا بقولنا إنها غير إسلامية، و قد أشرنا الى مثل هذا المعنى آنفا. و هذا الخبر نقلناه لتأييده و تأكيده‏ (4).

____________

(1) أي ساروا من جهته و على موازاته.

(2) في الأصل (قال) و هو و هم من المحدث او الناسخ.

(3) تأريخ بغداد (12: 305- 306).

(4) و قد اطلق اسم كربلاء على غير موقع واحد قديم مما يدل على ان اسم كربلاء كان قديما و قبل الفتح الاسلامي و كانت تسمى ب (كاربالا) على ما روى السيد عبد الحسين آل طعمة منقولا عن (الذريعة)-

18

الطف‏

و من المواضع التي عرفها العرب قديما قرب كربلا «الطفّ» قال ياقوت الحموّي: «الطفّ بالفتح و الفاء مشدّدة و هو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق ... و قال أبو سعيد: سمي الطف لأنه مشرف على العراق من أطفّ على الشي‏ء بمعنى أطلّ، و الطف طف الفرات أي الشاطى‏ء و الطف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي- رضي اللّه عنه- و هي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية منها الصيد و القطقطانة و الرهيمة و عين جمل‏ (1)

____________

- للشيخ آغا بزرك، و معنى (كاربالا) بالفهلوية هو (الفعل العلوي) و يجوز تفسيرها (بالعمل السماوي) المفروض من الأعلى، ثم عربت و صيغت صياغة عربية و سموها (كربلاء)، و هذا يقارب المعنى الذي ذهب اليه الأب انستاس لكلمة (كرب) و (إل) بانها (حرم اللّه) او (مقدس اللّه)

و من الادلة على قدم كربلاء او قدم الأكوار في تلك الجهات هو وجود اطلال و هضبات لم تزل قائمة على بعد بضعة اميال عن مدينة كربلاء، و قد جاء في (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء) للسيد عبد الحسين آل طعمة قوله:

«يوجد اليوم على ما بلغني على بعد بعض اميال في القسم الشمالي الغربي من مدينة كربلاء باتجاه ضريح (الحر بن يزيد الرياحي) في ارض القرطة و الكمالية أكم و اطلال قيل انها «كربلاء» الأصلية، و قبل سني الحرب العالمية الأولى كان بعض افراد من مطره يستخرجون من نفس الاطلال (طابوق، فرشي، ضخم، سلطاني) يحملونه على حميرهم الى كربلاء لبيعه على الاهلين كوسيلة، للعيش و الارتزاق» و يضيف المؤلف قائلا: «و اذكر في هذا الخصوص ان السيد كاظم العطار كان مشغولا ببناء داره الواقعة في حارة باب الطاق مقابل (امام باره الاميرة تاج دار بهو الهندية) يبتاع منهم لبنائه».

و في الجنوب الشرقي من البلدة قطعة ارض يطلق عليها اليوم لفظة «كربلة» و في تعيين موقع كربلاء القديمة يقول السيد عبد الحسين: «فموقع كربلا على ضوء التحقيق الذي قمت به واقع على بعد بضعة اميال في الشمال الغربي من بلدة كربلاء الحالية مما يلي أرض (القرطه) و هو مكان مرتفع يسمى باصطلاح اليوم: الظهيرة او العرقوب، و يبعد موقعها عن قبر الحر بن يزيد الرياحي حوالي سبعة آلاف متر» الى غير ذلك من الآراء التي أوردها المؤرخون الآخرون بالاضافة الى ما تقدم. جعفر الخليلى‏

(1) ثم قال ياقوت «قالوا و سميت (عين جمل) لأن جملا مات عندها في حدثان استخراجها فسميت بذلك، و قيل ان المستخرج لها كان يقال له جمل، و سميت عين الصيد لكثرة السمك الذي-

19

و ذوابها، و هي عيون كانت للموكلين بالمسالح‏ (1) التي كانت وراء خندق سابور الذي حفره بينه و بين العرب و غيرهم و ذلك أنّ سابور أقطعهم أرضها يعتملونها من غير أن يلزمهم خراجا، فلما كان يوم ذي قار و نصر اللّه العرب بنبيّه- (صلى اللّه عليه و آله و سلم)- غلبت العرب على طائفة من تلك العيون و بقي بعضها في أيدي الأعاجم ثم لما قدم المسلمون الحيرة هربت الأعاجم بعد ما طمّت عامّة ما كان في أيديها منها، و بقي ما في أيدي العرب فأسلموا عليه و صار ما عمروه من الأرض عشرا، و لما انقضى أمر القادسية و المدائن وقع ما جلا عنه الأعاجم من أرض تلك العيون الى المسلمين و أقطعوه فصارت عشرية أيضا، و قال الأقيشر الأسدي من قصيدة:

اني يذكّر ني هندا و جارتها* * * بالطف صوت حمامات على نيق‏

بنات ماء معا بيض جآجئها* * * حمر مناقرها صفر الحماليق‏

أيدي السقاة بهن الدهر معملة* * * كأنما لونها رجع المخاريق‏

أفنى تلادي و ما جمعت من نشب‏* * * قرع القواقيز أفواه الأباريق‏

و كان مجرى عيون الطف و أعراضها مجرى أعراض المدينة و قرى نجد و كانت صدقتها الى عمال المدينة، فلما ولي إسحاق بن ابراهيم بن مصعب السواد للمتوكل ضمّها الى ما في يده فتولى عماله عشرها و صيرها سوادية، فهي على ذلك الى اليوم ثم استخرجت فيها عيون اسلامية يجري ما عمر بها من الأرضين هذا المجرى ... قال أبو دهبل الجمحي يرثي الحسين بن علي- رضي اللّه عنه- و من قتل معه بالطف:

____________

- كان بها» و انا ارى القول الثاني هو الصواب، و لو كان القول الأول هو الصواب لقيل لها «عين الجمل» كما هو ظاهر.

(1) منها مسلحة الاخيضر العظيمة.

20

مررت على أبيات آل محمد* * * فلم أرها أمثالها يوم حلّت‏

فلا يبعد اللّه الديار و أهلها* * * و إن أصبحت منهم برغمي تخلّت‏

ألا إن قتلى الطف من آل هاشم‏* * * أذلت رقاب المسلمين فذلت‏

و كانوا غياثا ثم أضحوا رزية* * * ألا عظمت تلك الرزايا و جلّت‏

و جا فارس الأشقين بعد برأسه‏* * * و قد نهلت منه الرماح و علّت‏

و قال أيضا:

تبيت سكارى من أميّة نوّما* * * و بالطف قتلى ما ينام حميمها

و ما أفسد الاسلام إلا عصابة* * * تأمّر نوكاها فدام نعيمها

فصارت قناة الدين في كف ظالم‏* * * إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمها (1)

قصر (2) مقاتل‏

قال ياقوت: «قصر مقاتل؛ قصر كان بين عين التمر و الشام، و قال السكوني: هو قرب القطقطانة و سلام ثم القريات و هو منسوب الى مقاتل ابن حسان بن ثعلبة بن اوس بن ابراهيم بن أيوب بن مجروف بن عامر بن غضية ابن امرى‏ء القيس بن زيد مناة بن تميم. قال ابن الكلبي: لا أعرف في العرب الجاهلية من اسمه ابراهيم بن أيوب غيرهما و انما سميّا بذلك للنصرانية و خرّبه- يعني القصر- عيسى بن علي بن عبد اللّه ثم جدّد عمارته فهو له ...» و قال ياقوت: «النسوخ ... قال السكوني: و عن يسار القادسية في شرقيها على بضعة عشر ميلا عين عليها قرية لولد عيسى بن علي‏

____________

(1) معجم البلدان في رسم «الطف». و ورد ذكر الطف في تاريخ الطبري في حوادث سنة 13 ه.

(2) ظن بعض الأدباء أن «قصر مقاتل» هو حصن الأخيضر الحالي، مع أن القصر غير الحصن و أن قصر مقاتل كان قرب الكوفة في جنوب الأخيضر.

21

ابن عبد اللّه بن العباس يقال لها النسوخ من ورائها خفان‏ (1)». و أخبار قصر مقاتل كثيرة في كتب الأدب و كتب التاريخ و ذكره كثير ايضا في الشعر قال عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي:

و بالقصر ماجرّ بتموني فلم أخم‏* * * و لم أك وقافا و لا طائشا فشل‏

و بارزت أقواما بقصر مقاتل‏* * * و ضاربت أبطالا و نازلت من نزل‏

فلا بصرة أمي و لا كوفة أبي‏* * * و لا أنا يثنيني عن الرحلة الكسل‏

فلا تحسبني ابن الزبير كناعس‏* * * إذا حلّ أغفى أو يقال له ارتحل‏

فان لم أزرك الخيل تردي عوابسا* * * بفرسانها حولي فما أنا بالبطل‏ (2)

و قال طخيم بن أبي الطخماء الأسدي يمدح قوما من أهل الحيرة من بني امرى‏ء القيس‏ (3) بن زيد مناة بن تميم ثم من رهط عديّ بن زيد العبادي:

كأن لم يكن يوم بزورة صالح‏* * * و بالقصر ظلّ دائم و صديق‏ (4)

و لم أرد البطحاء يمزج ماءها* * * شراب من البرّوقتين عتيق‏

معي كل فضفاض القميص كأنه‏* * * إذا ما سرت فيه المدام فنيق‏

بنو السمط و الحداء كل سميدع‏* * * له في العروق الصالحات عروق‏

و إني و إن كانوا نصارى أحبهم‏* * * و يرتاح قلبي نحوهم و يتوق‏ (5)

الحائر

جاء في معجم البلدان عدّة معان للحائر أهمها قول الأصمعي: «يقال‏

____________

(1) إصبغ خفان يعرف اليوم باسم «الموجدة» أي الموقدة.

(2) معجم البلدان في «قصر مقاتل».

(3) هم أهل قصر مقاتل كما مر آنفا.

(4) ورد هذا البيت وحده في معجم البلدان.

(5) الكامل للمبرد «1- 31- 32 طبعة الدلجموني الأزهري».

22

للموضع المطمئن الوسط المرتفع الحروف حائر و جمعه حوران .. قال أبو القاسم علي بن حمزة البصري رادا على ثعلب في الفصيح: هو الحائر إلا أنه لا جمع له. لأنه اسم لموضع قبر الحسين بن علي- رضي اللّه عنه- ...

ثم ذكر أن كربلاء تسمّى الحير بلا اضافة. فالحائر اسم عربيّ و كانت أرض كربلاء من مساكن العرب منذ الجاهلية، و لذلك سميت اكبر مدينة في هذا الصقع «عين التمر» و هذا الاسم المركب الاضافي يحتوي على اسمين عربيين خالصي العروبة فهل كانت تسمية الحائر قبل الاسلام؟ و قد ذكر ياقوت في معجم البلدان أيضا «يوم حائر ملهم» قال: «و يوم حائر ملهم أيضا على حنيفة و يشكر» فهذا الحائر كان في جزيرة العرب، فيجوز فيه الأمران أعني أنه سمي في الجاهلية بالحائر و أنه سمّي في الاسلام بهذا الاسم. و قد أطال الكلام مؤلف «تاريخ كربلاء» على الحائر و سمى كتابه «تاريخ كربلاء و حائر الحسين (عليه السّلام)» و قال: هو بحث علمي تحليلي واسع عن الحائر المقدس و تاريخه في اللغة و التاريخ و الفقه و الحديث و ثم تاريخ عمارته و هدمه من الصدر الأول الى العصر الحاضر قال: «و قد نعتت كربلاء منذ الصدر الأول في كل من التاريخ و الحديث بأسماء عديدة مختلفة ورد منها في الحديث باسم كربلاء و الفاخرية و نينوى و عمورا و شاطى‏ء الفرات و شط الفرات. و ورد منها في الرواية و التاريخ أيضا باسم مارية و النواويس و الطف و طف الفرات و مشهد الحسين و الحائر و الحير الى غير ذلك من الاسماء المختلفة الكثيرة إلا أن أهم هذه الأسماء في الدين هو الحائر لما أحيط بهذا الاسم من الحرمة و التقديس أو أنيط (1) به من أعمال و أحكام في الرواية و الفقه إلى يومنا هذا ..» (2) و أعاد هذه القمشة الغريبة

____________

(1) الصواب «نيط الثلاثي».

(2) «الدكتور عبد الجواد الكليدار «تاريخ كربلاء» ... ص 12».

23

بعد صفحة واحدة- ص 12- قال: «و لهذه البقعة التي جرت عليها أعظم مأساة تاريخية أسماء مختلفة كما يحدثنا التاريخ، كانت تطلق عليها هذه الأسماء دون أي فرق أو تمييز (كذا)، فكان يطلق عليها كما سبق اسم الفاخرية و نينوى و مارية و عمورا و النواويس و شط الفرات و شاطى‏ء الفرات و الطف و طف الفرات و الحائر و الحير و مشهد الحسين و كربلاء و لم يكن الاسم الأخير غير أحد تلك الأسماء المختلفة الكثيرة ... فتغلب بمرور الزمن على غيره من الاسماء شيوعا و انتشارا في العرف و التاريخ حتى أصبح الآن هو الوريث الوحيد لها ..». ثم قال في الصفحة 51 «لم يرد في التاريخ أو الحديث ذكر لكربلاء باسم الحائر أو الحير من قبل وقعة الطف او أثناء هذه الوقعة أو بعدها بزمن يسير إذ أن الأحاديث النبوية المنبئة بقتل الحسين- (عليه السّلام)- بأرض العراق تضمنت كل الأسماء عدا اسم الحائر فمنها ما ورد فيه اسم كربلاء و اسم نينوى و الطف و أرض الطف و شط الفرات و شاطى الفرات و لا واحد منها ورد فيه اسم الحائر او الحير مع أنها جاءت بأسماء هذه الأرض كلها».

و قد ذكرنا أن الحائر اسم عربي و أن العرب سكنوا هذه البلاد منذ عصور الجاهلية، فلا بد من أن يكون معروفا قبل استشهاد الحسين- ع- لأن هذه التسمية هي و الحير و الحيرة من أصل واحد، و قد قال ياقوت في كلامه على «الحيرة»- و اكثره مذكور في تاريخ الطبري-: «و في بعض أخبار أهل السير: سار أردشير (1) الى الأردوان‏ (2) ملك النبط

____________

(1) أردشير الأول مؤسس السلالة الساسانية حكم بين سنة 224 و سنة 241 م.

(2) لعله أرطبان الرابع الأرشاقي الفرتي من السلالات الفارسية الحاكمة أيضا حكم بين سنة 209 و سنة 227 م.

24

و قد اختلفوا عليه و شاغبه ملك من ملوك النبط يقال له بابا فاستعان كل واحد منهما بمن يليه من العرب ليقاتل بهم آلاف فبنى الأردوان حيرا فأنزله من أعانه من العرب فسمي ذلك الحير الحيرة كما تسمى القيعة من القاع و أنزل بابا من أعانه من الأعراب الأنبار و خندق عليهم .. و قال أبو المنذر هشام بن محمد: كان بدء نزول العرب أرض العراق و ثبوتهم بها و اتخاذهم الحيرة و الأنبار أن اللّه أوحى الى يوحنا ... أن ائت بختنصر فمره أن يغزو العرب‏ (1) الذين لا أغلاق لبيوتهم و لا أبواب‏ (2) و أن يطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلهم و يستبيح أموالهم و أعلمهم كفرهم بي، و اتخاذهم آلهة دوني و تكذيبهم أنبيائي و رسلي. فأقبل يوحنا من نجران حتى قدم على بختنصر و هو ببابل فأخبره بما أوحي إليه، و ذلك في زمن معد بن عدنان، فوثب بختنصر على من كان في بلاده من تجار العرب فجمع من ظفر به منهم و بنى لهم حيرا على النجف و حصنّه ثم جعلهم فيه و وكل بهم حرسا و حفظة ثم نادى في الناس بالغزو، فتأهبوا لذلك، و انتشر الخبر فيمن يليهم من العرب، فخرجت اليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين، فاستشار بختنصر فيهم يوحنا فقال: خروجهم اليك من بلدهم قبل نهوضهم اليك رجوع منهم عما كانوا عليه، فاقبل منهم و احسن إليهم. فأنزلهم بختنصر السواد على شاطى‏ء الفرات و ابتنوا موضع عسكرهم فسموا الأنبار (3)، و خلى عن أهل الحير فابتنوا في موضعه و سموها الحيرة لأنه كان حيرا مبنيا، و ما زالوا كذلك مدة حياة بختنصر، فلما

____________

(1) أكثر هذا الخبر معدود من الاسرائيليات و كيف لا و بختنصر غزا اليهود فكيف يطيع أمر يهودي بغزو العرب!

(2) ما كان أعظم هذا الذنب! ذنب عدم الأغلاق و الأبواب!

(3) كذا ورد و لعل الأصل «فسموه الأنبار».

25

مات انضموا إلى أهل الأنبار و بقي الحير خرابا زمانا طويلا لا تطلع عليه طالعة من بلاد العرب، و أهل الأنبار و من انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب بمكانهم. و كان بنو معد نزولا بتهامة و ما والاها من البلاد ففرقتهم حروب وقعت بينهم فخرجوا يطلبون المتسع و الريف فيما يليهم من بلاد اليمن و مشارف الشام و أقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين و بها قبائل من الأزد كانوا نزلوها من زمان عمرو بن عامر ماء السماء .. و كان من اجتماع القبائل بالبحرين و تحالفهم و تعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الاسكندر و فرّق البلدان عند قتله دارا (1) إلى أن ظهر أردشير على ملوك الطوائف و هزمهم و دان له الناس و ضبط الملك فتطلعت أنفس من كان في البحرين من العرب الى ريف العراق و طمعوا في غلبة الأعاجم مما يلي بلاد العرب و مشاركتهم فيه و اغتنموا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف فاجمع رؤساؤهم على المسير الى العراق و وطن جماعة ممن كان معهم أنفسهم على ذلك ... ثم قدمت قبائل تنوع على الأردوانيين (و هم ملوك الطوائف) فأنزلوهم الحيرة التي كان قد بناها بختنصر و الأنبار و أقاموا يدينون للعجم إلى أن قدمها تبع أبو كرب فخلّف بها من لم تكن له نهضة فانضموا إلى الحيرة و اختلطوا بهم ... فصار في الحيرة من جميع القبائل من مذحج و حمير و طي‏ء و كلب و تميم، و نزل كثير من تنوخ الأنبار و الحيرة إلى طف الفرات و غربيّه إلا أنهم كانوا بادية يسكنون المظالّ وخيم الشعر و لا ينزلون بيوت المدر، و كانت منازلهم بين الأنبار و الحيرة فكانوا يسمون عرب الضاحية، فكان أول من ملك منهم في زمن ملوك الطوائف مالك بن فهم أبو جذيمة الأبرش‏

____________

(1) المراد «دارا الثالث الأخميني الذي حكم من سنة 336 الى سنة 330 قبل الميلاد».

26

و كان منزله مما يلي الأنبار ثم مات فملك ابنه جذيمة الأبرش بن مالك ابن فهم، و كان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأيا و أبعدهم مغارا و أشدهم نكاية و أظهرهم حزما و هو أول من اجتمع له الملك بأرض العرب و غزا بالجيوش، و كان به برص و كانت العرب لا تنسبه اليه إعظاما له و اجلالا، فكانوا يقولون جذيمة الوضاح و جذيمة الابرش، و كانت دار مملكته الحيرة و الأنبار و بقة و هيت و عين التمر و اطراف البر الى الغمير الى القطقطانة و ما وراء ذلك، تجبى اليه من هذه الأعمال الأموال و تفد عليه الوفود (1) ..

و نستدل بهذا الخبر على إمكان كون «الحائر» من وضع العرب في أيام الجاهلية، لأنه لا صلة لاشتقاقه بالقتل و لا بالفتك و لا بالاستشهاد و لا بالدفن حتى يكون ظهوره مشروطا بأحد هذه المعاني، فينتفي كونه جاهليا.

أما التسمية بشط الفرات و بشاطى‏ء الفرات فهي عامة لا خاصة فلا يجب اختصاصها بكربلاء و الحائر و إنما سبيلها سبيل التحديد الشعري كقول الشاعر «و قد مات عطشانا بشط فرات»، لأن الشاعر لا يستطيع دوما التعيين الجغرافي المحقق لالتزامه بالوزن و القافية. و أما «مارية» فلم يذكرها صاحب معجم البلدان، إلا بكونها اسما لكنيسة بأرض الحبشة، و إنما ذكر «نهر ماري» قال: «بكسر الراء و سكون الياء، بين بغداد و النعمانية، مخرجه من الفرات و عليه قرى كثيرة منها همينيا و فمه عند النيل من أعمال بابل».

عين التمر

كانت عين التمر اكبر مدينة في منطقة كربلاء، و هي من المدن المشرفة

____________

(1) معجم البلدان في «الحيرة».

27

على صحراء السماوة، قال ياقوت الحموي: «و بادية السماوة التي هي بين الكوفة و الشام قفرى أظنها مسماة بهذا الماء، يعني ماءا بالبادية كانت أم النعمان سميت به و هو مستبعد، و الصحيح ما ذكره أبو المنذر و نقله ياقوت في أول المادة و هو «إنما سميت السماوة لأنها أرض مستوية لا حجر بها»

و قال ياقوت في عين التمر: «بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة بقربها موضع يقال له شفاثا منهما يجلب القسب‏ (1) و التمر الى سائر البلاد و هو بها كثير جدا و هي على طرف البرية و هي قديمة، افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة 12 للهجرة، و كان فتحها عنوة فسبى نساءها و قتل رجالها فمن ذلك السبي والدة محمد بن سيرين او سيرين اسم أمه، و عمران بن أبان مولى عثمان بن عفان. فيه يقول عبيد اللّه بن الحر الجعفي في وقعة كانت بينه و بين أصحاب مصعب:

ألا هل أتى الفتيان بالمصر أنني‏* * * أسرت بعين التمر أروع ماجدا

و فرقت بين الخيل لما تواقفت‏* * * بطعن امري‏ء قد قام من كان قاعدا (2)

و قال البلاذري: «ثم أتى خالد عين التمر فالصق بحصنها (3)، و كان فيه مسلحة للأعاجم عظيمة (4)، فخرج أهل الحصن فقاتلوا ثم لزموا

____________

(1) يعرف باللغة العراقية العامية «الجسب» و هو التمر الجاف الذي ذهبت رطوبته و ليس المراد «القصب» كما ظن بعضهم.

(2) معجم البلدان في «عين التمر».

(3) هو الحصن المعروف اليوم بالأخيضر في غربي كربلا على مسافة خمسين كيلومترا، و قد ذكر البشاري المقدسي في أحسن التقاسيم أن عين التمر كانت محصنة في عصره.

(4) تأمل قوله «عظيمة» فهو يناسب عظمة الأخيضر.

28

حصنهم فحاصرهم خالد و المسلمون حتى سألوا الأمان، فأبى أن يؤمنهم و افتتح الحصن عنوة و قتل و سبى و وجد في كنيسة (1) هناك جماعة سباهم، فكان من ذلك السبي حمدان بن أبان بن خالد النمري ... و سيرين أبو محمد ابن سيرين و اخوته ... و نصير أبو موسى بن نصير صاحب المغرب ...

و قد قيل إن خالدا صالح أهل حصن عين التمر و أن هذا السبي وجد في كنيسة ببعض الطّسوج ... عن الشعبي قال: صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة و أهل عين التمر و كتب بذلك الى أبي بكر فأجازه. قال يحي بن آدم: فقلت للحسن بن صالح: أفأهل عين التمر مثل أهل الحيرة إنما هو شي‏ء عليهم و ليس على أرضيهم شي‏ء؟ فقال: نعم. قالوا: و كان هلال بن عقة بن قيس بن البشر النمري على النمر به قاسط بعين التمر. فجمع لخالد و قاتله فظفر به (خالد) فقتله و صلبه. و قال ابن الكلبي: كان على النمر يومئذ عقة بن قيس بن البشر بنفسه. قالوا: و انتقض ببشير بن سعد الأنصاري جرحه فمات فدفن بعين التمر و دفن الى جنبه عمير بن رئاب ... و كان أصابه سهم بعين التمر فاستشهد (2)».

و قال الطبري راويا: «قالوا: و لما فرغ خالد من الأنبار و استحكمت له استخلف على الأنبار الزبرقان بن بدر و قصد لعين التمر و بها يومئذ (مهران بن بهرام جوبين) في جمع عظيم من العجم و عفة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب: من النمر و تغلب و إياد و من لافّهم فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا و خالدا.

قال: صدقت لعمري، لأنتم أعلم بقتال العرب و انكم لمثلنا في قتال‏

____________

(1) لعلها التي جعلها المسلمون مسجدا كما جعلوا غيرها في البلاد المفتوحة.

(2) فتوح البلدان «248- 249».

29

العجم. فخدعه و اتقى به و قال: دونكموهم و إن احتجتم إلينا أعناكم.

فلما مضى نحو خالد قالت له الأعاجم: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب؟. فقال: دعوني فاني لم أرد إلا ما هو خير لكم و شرّ لهم، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم و فلّ حدّكم فاتقيته بهم فان كانت لهم على خالد فهي لكم و إن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم و نحن أقوياء و هم مضعفون، فاعترفوا له بفضل الرأي.

فلزم مهران العين- يعني عين التمر- و نزل عقة لخالد على الطريق و على ميمنته بجير بن فلان ... و على ميسرته الهذيل بن عمران، و بين عقّة و بين مهران روحة أو غدوة، و مهران في الحصن‏ (1) في رابطة فارس، و عقّة على طريق الكرخ‏ (2) كالخفير، فقدم عليه خالد و هو في بقية جنده، فعبى خالد جنده و قال لمجنبتيه: اكفونا ما عنده فاني حامل، و وكل بنفسه حوامي، ثم حمل، و عقة يقيم صفوفه، فاحتضنه فأخذه أسيرا، و انهزم صفه من غير قتال، فأكثروا فيهم الأسر، و هرب بجير و الهذيل، و أتبعهم المسلمون. و لما جاء الخبر مهران هرب في جنده و تركوا الحصن‏ (1).

و لما انتهت فلال عقة من العرب و العجم الى الحصن‏ (1) اقتحموه و اعتصموا به، و أقبل خالد في الناس حتى ينزل على الحصن‏ (1) و معه عقة أسيرا و عمرو بن الصعق، و هم يرجون أن يكون خالد كمن يغير من العرب.

فلما رأوه يحاولهم سألوه الأمان، فأبى إلا على حكمه، فسلسوا له به، فلما فتحوا دفعهم الى المسلمين فصاروا مساكا، و أمر خالد بعقة و كان خفير القوم فضربت عنقه ليوئس الأسراء من الحياة. و لما رآه الأسراء مطروحا على الجسر يئسوا من الحياة، ثم دعا بعمرو بن الصعق فضرب عنقه و ضرب‏

____________

(1) أي الأخيضر.

(2) لم يذكر ياقوت هذا الكرخ بين الكروخ في معجم البلدان.

30

أعناق أهل الحصن أجمعين و سبى كل ما حوى حصنهم و غنم ما فيه، و وجد في بيعتهم‏ (1) أربعين غلاما يتعلمون الانجيل عليهم باب مغلق فكسره عنهم و قال: ما أنتم؟ قالوا: رهن. فقسمهم في أهل البلاد منهم أبو زياد مولى ثقيف و نصير أبو موسى بن نصير ..»

و ذكر أبو الفرج الأصبهاني أن سابور (2) الثاني الساساني الملقب بذي الاكتاف حاصر مدينة الحضر بين دجلة و الفرات على. الآثار و افتتحها و سبى النضيرة ابنة ملكها و أخرب المدينة و احتمل النضيرة فأعرس بها بعين التمر (3)، و اختياره لعين التمر دليل على أن فيها بنيانا ملوكيا يصلح لأن يكون موضعا للفرس، و ما أحرى حصن الأخيضر بذلك فانه حصن ملوكي حقا، غير أن ياقوتا الحموي ذكر أن صاحب الخبر هو سابور (4) ابن اردشير المعروف بسابور الجنود لا سابور ذو الاكتاف و هو سابور ابن هرمز و قال ياقوت: «إنما ذكرت ذلك لأن بعضهم يغلط و يروي أنه ذو الأكتاف‏ (5)». و الذي أيدته التواريخ الأخرى و عضده علم الآثار أنّ سابور بن أردشير هو الذي افتتح مدينة الحضر و أخربها، فهو الذي سبى ابنة ملكها و أعرس بها بعين التمر، و هذا يرفع تاريخ حصن الأخيضر الى القرن الثالث للميلاد بدلا من القرن الرابع للميلاد. و قد خربت عين التمر و بقي حصنها.

____________

(1) ان كانت البيعة في الحصن فهي مسجد الأخيضر الحالي.

(2) حكم من سنة 310 الى سنة 379 م.

(3) الأغاني «2: 141- 143» طبعة دار الكتب المصرية.

(4) حكم من سنة 241 إلى سنة 272.

(5) معجم البلدان في «الحضر».

31

شفاثا

و من قرى عين التمر المعروفة قرية «شفاثا» و قد نقلنا آنفا قول ياقوت في معجمه في الكلام على عين التمر «بقربها موضع يقال له شفاثا منهما يجلب القسب و التمر الى سائر البلاد» و لا تزال شفاثا عامرة قرب حصن الأخيضر مشهورة بقسبها و تمرها و رمانها و عيونها المعدنية، و اسمها يدل على أصل كلمة آرامية لا عربية.

و مما يستغرب أن بعض المتطفلين على مائدة الجغرافية العراقية القديمة استبدل باسم شفاثا اسم «عين التمر» و صارت شفاثا تسمى «عين التمر» رسميا و هذا تخليط ما بعده تخليط، فكلتا البلدتين لهما وجود تاريخي خاص، و لكل منهما تاريخ خاص بها، و قد خرجت عين التمر و بقيت شفاثا و ستبقى الى ما شاء اللّه و من العامة من يسميها «شثاثة» على سبيل الابدال، و بها يضرب المثل في فساد الصحة بها، فالعامة يقولون «يريد من شثاثة عافية». فشفاثا غير عين التمر و عين التمر غير شفاثا فالتغاير و التباين جد مبينين،.

الغاضرية

ذكرها ياقوت الحموي قال: «الغاضرية بعد الألف ضاد معجمة:

منسوبة إلى غاضرة من بني أسد و هي قرية من نواحي الكوفة قريبة من «كربلا» و هذا الوصف يدل على أن الغاضرية أنشئت بعد انتقال قبيلة بني أسد الى العراق في صدر الاسلام، فليست الغاضرية قديمة التاريخ جاهلية.

32

نينوى‏

قدمنا في الكلام على كربلاء قول ياقوت الحموي: «و بسواد الكوفة ناحية يقال لها نينوى منها كربلاء التي قتل بها الحسين (رضي اللّه عنه)».

و زعم الأستاذ فيردهوفرFerd Hoefer أن أسترابون‏Strabon الجغرافي اليوناني المولود في أواسط القرن الأول قبل الميلاد ذكر في كتابه «وصف ما بين النهرين: آشورية و بابل و كلدية» ذكر نينوى ثانية غير نينوى الشمالية (1) فان صحّ زعمه كانت نينوى الجنوبية هي المقصود ذكرها.

و قد سكن نينوى أبو القاسم حميد بن زياد بن حماد الآتي ذكره و كانت على نهر العلقميّ.

نهر العلقمي‏

قال ابن الطقطقي في ترجمة الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي: «هو أسدي أصلهم من النيل. و قيل لجده العلقميّ لأنه حفر النهر المسمى بالعلقميّ، و هو الذي برز الأمر الشريف السلطاني‏ (2) بحفره و سمي القازاني» (3) و قال الدكتور أحمد سوسة في الكلام على نهر المحدود (4): «و الذي‏

____________

(1)Chalde ?e ,Assyrie ,Me ?die .Babylonie .p .751 .

(2) يعني أمر السلطان غازان بن أرغون بن اباقا بن هولاكو بن تولي بن جنكيزخان الملقب بمحمود.

(3) التاريخ الفخري «ص 337 طبعة بيروت».

(4) قال ياقوت في معجم البلدان: «المحدود اسم نهر بأرض العراق قرب الأنبار في جانب الديار الغربي منها، أمرت بحفره الخيزران أم الخلفاء و سمته المربان (كذا) و كان وكيلها قد جعله أقساما وحد كل قسم و وكل بحفره قوما فسمي المحدود لذلك». و في مراصد الاصطلاع و فتوح البلدان «المريان» كأنه جمع مري أو مثناه.

33

نراه في هذا الصدد هو أن نهر محدود هذا لم يكن إلا أحد الأنهر التي فتحت في زمن العرب على ضفتي نهر الفرات، و لعله كان يأخذ من الضفة اليمنى من الفرات أما نهر الملك حيث نجد آثارا لسدّ قديم على نهر الفرات في ذلك المكان، ثم يتصل بنهر كري سعده القديم في القسم الذي يمتد بين كربلاء و الكوفة، و يغلب على الظن أن نهر (محدود) هذا هو النهر نفسه الذي سمي باسم العلقمي و الذي ذكر قدامة (880 م) أنه كان يأخذ من جنوب الأنبار ثم يجري في الاتجاه الجنوبي الغربي فيمر بكربلاء و يصب في الفرات في منطقة الكوفة، و قد جاء ذكر العلقمي أيضا في كتاب تواريخ السلجوقيين للاصفهاني حيث أيّد في هذا المصدر أن جدول العلقمي كان يمرّ بالمشهدين أي كربلاء و النجف و قد أجري تطهيره و ترميمه .. و يرجح أن آثار النهر القديم التي نشاهدها غربي مدينة المسيب الحالية تمثل بقايا نهر العلقمي المذكور» (1).

قلت: الذي ورد في زبدة النصرة و نخبة العصرة، اختصار البنداري و الأصل لعماد الدين الاصفهاني خاصا بنهر العلقي هو قوله في حوادث سنة 479 ه: «و وصل عماد الدولة سرهنك ساوتكين الى واسط و منها الى النبيل في شهر رمضان وزار المشهدين الشريفين و أطلق بهما للأشراف مالا جزيلا و أسقط خفارة الحاج و حفر العلقميّ و كان خرابا دهرا» (2).

و قال ابن الفوطيّ في ترجمته و سماه «أبا نصر ساوتكين سرهنك»:

«ذكره ابن الهمداني في تاريخه و قال: و في شوال سنة ست و سبعين‏

____________

(1) وادي الفرات و مشروع بحيرة الحبانية «ص 35- 6».

(2) زبدة النصرة «ص 71- 2 طبعة القاهرة».

34

و أربعمائة وصل عماد الدولة سرهنك ساوتكين الى بغداد و خرج لاستقباله الوزير ظهير الدين أبو شجاع وزير المقتدي وزار المشهد المقدس‏ (1) و حفر (2) العلقمي و استدعاه المقتدي و خلع عليه» ..

و السبب في حفر العلقمي هو أن أبا الحارث ألب أرسلان البساسيري القائد الثائر على بني العباس الذي خطب بالعراق باسم الفاطميين سنة 451 كان عازما على حفره فلم تسعفه الأقدار، فقام ساوتكين بحفره دفنا لذكرى البساسيري، قال ابو الفرج بن الجوزي في حوادث سنة 451 «و في بكرة الثلاثاء رابع هذا الشهر (صفر) خرج البساسيري الى زيارة المشهد بالكوفة على أن ينحدر من هناك الى واسط، و استصحب معه غلة في زورق ليرتب العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي و يجريه الى المشهد بالحائر وفاءا بنذر كان عليه‏ (3)».

و قد ذكرنا آنفا أن نينوى كانت قرية على العلقمي فقد جاء في ترجمة حميد بن زياد بن حماد أبي القاسم الدهقان أنه كان «كوفيا و سكن سورا و انتقل الى نينوى قرية على العلقمي الى جنب الحائر- على صاحبه السلام- و كان ثقة وجها فيهم سمع الكتب و صنف كتابه الجامع في أنواع الشرائع، كتاب الخمس، كتاب الدعاء، كتاب الرجال، كتاب من روى عن الصادق، و كتاب الفرائض، كتاب الدلائل، كتاب ذم من خالف الحق و أهله، كتاب فضل العلم و العلماء، كتاب الثلاث و الأربع، كتاب النوادر،

____________

(1) في المطبوع من تلخيص معجم الألقاب «4: 733» وقع غلط طبع هو «المقدسي» بدلا من المقدس.

(2) في المطبوع غلط مطبعي هو «حضر» بدلا من حفر.

(3) المنتظم «8: 202».

35

و هو كتاب كبير (قال النجاشي): أخبرنا أحمد بن علي بن نوح قال حدثنا الحسين بن علي بن سفيان قال قرأت على حميد بن زياد كتابه: كتاب الدعاء.

و أخبرنا الحسين بن عبد اللّه قال حدثنا أحمد بن جعفر بن سفيان عن حميد بكتبه، قال أبو المفضل الشيباني: أجازنا سنة عشر و ثلاثمائة. و قال أبو الحسن علي بن حاتم: لقيته سنة ست و ثلاثمائة و سمعت منه كتاب الرجال قراءة و أجاز لنا كتبه. و مات حميد سنة عشر و ثلاثمائة» (1) و قال أبو علي:

«حميد بن زياد من أهل نينوى قرية الى جنب الحائر- على ساكنه السلام-:

ثقة كثير التصانيف، روى الأصول اكثرها، له كتب كثيرة على عدد كتب الأصول‏ (2).» و ذكره الشيخ عبد اللّه الماقمقاني في كتابه باسم «حميد ابن زياد النينوي ... بنونين مفتوحتين. بينهما ياء مثناة من تحت ساكنة و بعدهما واو و ياء نسبة الى نينوى: موضع قرب كربلاء أو هي هي‏ (3) ..» و قال في آخر الترجمة: «و علق الشهيد الثاني- رح- عليه أن بخط السيد في كتاب النجاشي (سنة عشرين و ثلاثمائة)» يعني تاريخ وفاته.

و ذكر الأب أنستاس ماري الكرملي، أن الملك أرغون بن أباقا بن هولاكو لما قهر عمه أحمد تكدار بن هولاكو سنة 683 بذل سعيا محمودا في حفر نهر جديد يخرج من الفرات و يدفع ماءه في سهل كربلاء (4). و المعروف المشهور في التواريخ أن الذي أمر بكري العلقمي هو السلطان محمود غازان، كما مرّ نقله آنفا من كتاب تاريخ ابن الطقطقي، و يؤيده الأب أنستاس‏

____________

(1) رجال النجاشي (ص 95- 96».

(2) رجال أبي علي «ص 122».

(3) تنقيح المقال في احوال الرجال «1: 378».

(4) الفوز بالمراد في تاريخ بغداد «ص 13 طبعة مطبعة الشابندر ببغداد سنة 1429 ه».

36

نفسه فقد قال في ترجمة غازان: «و في حين زحفة غازان الثالثة على ديار الشام عبر الفرات الى الحلة في 10 جمادى الثانية (1) من سنة (2) 802 (30 كانون الثاني سنة 1403) و في اليوم السادس من عبوره الفرات ذهب لزيارة قتيل كربلاء، و عيّن للسادة المقيمين بجوار التربة ثلاثة آلاف منّ من الخبز في اليوم الواحد من ريع الأرضين التي كان يسقيها النهر الأعلى الذي حفره غازان و كان شقّه من الفرات الى مشهد الحسين ناقلا ماءا زلالا إلى بلدة مدفن الحسين. و قال (دوسون) في كتابه تاريخ المغول:

أمر غازان فحفر في أرض الحلة (3) نهرا يأخذ ماءه من الفرات و يدفعه الى مرقد الحسين و يروي سهل كربلاء اليابس القفر و ما جرى الماء الا و فرش عليها بساطا أخضر كله محاسن و لبست الأرضون ثيابا سندسية سداها مختلف النبات و لحمتها ألوان الأشجار و كانت غلتها تزيد في السنة على مائة ألف طغار من الحبوب تفوق حبوب بغداد حسنا و جوهرا، و أمر غازان أن يوزع كل سنة مقدار وافر من الحنطة (4) على السادة الفقراء الذين كانوا يأوون الى المرقد و عددهم كان هناك عديدا و يسمى ذلك النهر (نهر غازان الأعلى) أو (النهر الغازاني الأعلى) تمييزا له عن النهر الذي كراه هو أيضا و يأخذ ماءه من الفرات و ينزل به الى مرقد (5) السيد أبي الوفاء، و كان الباعث على شق هذا النهر أنه ذهب يوما يتصيّد فأفضى به الصيد الى السهل القفر الذي‏

____________

(1) الصواب «الآخرة».

(2) الصواب «سنة 702 ه- 1302 م» و الفرق مائة سنة.

(3) ادخال المؤرخ أرض الحلة في الخبر دليل على جهله جغرافية العراق الاسلامية.

(4) الصواب «بين السادة أو فيهم».

(5) لا يزال هذا المرقد معروفا في بزايز نهر البسروقية في غربي دجلة في لواء الكوت و قد زرته قبل عدة سنين.

37

فيه مرقد هذا السيد و أراد حينئذ أن يورد دوابه و خيله فلم يجد ثمّة ماءا فآلى على نفسه أن يجلب الماء إلى ذلك الوطن و يسقي أراضيه ففعل و سمي هذا النهر (نهر غازان الاسفل) أو النهر الأسفل الغازاني؛ و كأنه لم يكتف بهذين النهرين فحفر نهرا ثالثا في الطف الشرقي من بادية كربلا و اشتهر باسم (نهر غازان) و أوقف غلّات تلك الأنهر و ريعها لمرقد أبي الوفاء، و لأوقاف شنب. توفي غازان في الريّ سنة 703 ه- 1303 م» (1).

و قال الغياثي في ترجمة غازان: «و من آثاره نهر أخرجه من الفرات ...

و عمل عليه كثيرا من العمارة و سمي بالنهر الغازاني و شق من الفرات الى مشهد أبي الوفاء (2)» و قال لسترنج: «كان الطسوجان اللذان بين منقسم الفرات الأسفل و نهر سورا إلى شرقهما و عمود الفرات الى غربهما يعرفان بطسّوج الفلوجة العليا و الفلوجة السفلى و في أسفلهما يمر النهر بمدينة القنطرة و يضم نهر البداة ثم ينتهي الى الكوفة في الجانب الغربي من الفرات تجاه الجسر. و في جنوب الكوفة كانت مياه هذا النهر تنصب في البطائح من فروع صغيرة له، و النهر القديم سماه قدامة و المسعودي (نهر العلقمي) و هو على ما يظهر يطابق نهر الهندية الحالي الذي ينشطر اليوم من الفرات في أسفل المسيّب و كان يمر بخرائب الكوفة القديمة ثم يلتقي بعمود الفرات الحالي بعد أن يجري بين أهوار البطائح التي كانت في العصر العباسي‏ (3)».

و قول لسترنج يعتمد على الظن و التخمين فانه لم يقدم العراق و لا زار موضعا من مواضعه فكان يعتمد على الخرائط على تحقيق المواضع و تطبيقها. و نهر

____________

(1) الفوز بالمراد في تاريخ بغداد «ص 17، 18».

(2) التاريخ الغياثي «نسخة أنستاس» ص 146».

(3) بلدان الخلافة الشرقية «الترجمة العربية ص 101».

38

الهندية يتجه نحو الجنوب مع أن المفهوم من نهر العلقمي أنّه يتجه أولا نحو كربلاء و يجوز أن تكون وجهته بعد ذلك نحو الجنوب كما نقلنا قبلا. فينبغي البحث عن مجراه المندفن على حسب ذلك الوصف.

و كون جد الوزير مؤيد الدين بن العلقمي الحافر لنهر العلقمي، كما ذكر ابن الطقطقي و نقلناه في هذا البحث يوجب أن يسمّى «نهر العلقمي» اي نهر الرجل «العلقمي» لا النهر العلقمي، لأن العلقمي صار اسما لرجل معين فوجبت الاضافة اليه عند إرادة تسمية النهر.

العقر

العقر قال ياقوت الحموي: «العقر بفتح أوله و سكون ثانيه ... منها عقر بابل قرب كربلاء من الكوفة و قد روي أن الحسين- رضي اللّه عنه- لما انتهى الى كربلاء و أحاطت به خيل عبيد اللّه بن زياد قال: ما اسم تلك القرية؟- و أشار إلى العقر- فقيل له: اسمها العقر. فقال: نعوذ باللّه من العقر، فما اسم هذه الأرض التي نحن فيها؟ قالوا: كربلاء. قال:

أرض كرب و بلاء. و أراد الخروج فمنع حتى كان ما كان. قتل عنده- يعني العقر- يزيد بن المهلب بن أبي صفرة في سنة 102؛ و كان خلع طاعة بني مروان و دعا إلى نفسه و أطاعه أهل البصرة و الأهواز و فارس و واسط، و خرج في مائة و عشرين ألفا، فندب له يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة فواقعه في العقر من أرض بابل، فأجلت الحرب عن قتل يزيد بن المهلّب‏ (1)».

و قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: «كان يقال: ضحى بنو حرب‏

____________

(1) معجم البلدان في «العقر».

39

بالدين يوم كربلاء و ضحّى بنو مروان بالمروءة يوم العقر، فيوم كربلاء يوم الحسين بن علي بن أبي طالب و أصحابه، و يوم العقر يوم قتل يزيد بن المهلب و أصحابه‏ (1)» و قال أبو الفرج الاصبهاني و قد أسند الخبر الى حفص الأموي قال: «كنت أختلف الى كثير أتروّى شعره، فو اللّه إني لعنده يوما إذ وقف عليه واقف فقال: قتل آل المهلب بالعقر، فقال:

ما أجلّ الخطب! ضحّى آل أبي سفيان بالدين يوم الطفّ، و ضحّى بنو مروان بالكرم يوم العقر. ثم انتضحت عيناه باكيا. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به، فلما دخل عليه قال: عليك لعنة اللّه، أترابيّة و عصبية؟

و جعل يضحك منه‏ (2)». و نقل هذا الخبر ابن خلكان في وفيات الأعيان و جاء فيه «و أسبلت عيناه بالدموع» (3) بدلا من انتضحت عيناه، ثم نقل ابن خلكان في ترجمة يزيد بن المهلب ما هذا نصه «قال الكلبي: نشأت و الناس يقولون ضحّى بنو أمية پالدين يوم كربلاء و بالكرم يوم العقر (4)».

____________

(1) الكامل في الأدب «3: 248» طبعة المطبعة الأزهرية بالقاهرة.

(2) الأغاني «9: 22 طبعة دار الكتب المصرية».

(3) الوفيات «2: 4 طبعة بلاد العجم».

(4) المذكور «ص 429».

40

اهم مصادر البحث التي اعتمدها الكاتب‏

1- معجم البلدان‏

2- كتاب نهضة الحسين‏

3- مجلة لغة العرب‏

4- الصحاح‏

5- الكامل للمبرد

6- تأريخ الطبري‏

7- لسان العرب‏

8- تحفة الامراء في تاريخ الوزراء

9- تاريخ بغداد لابن النجار

41

10- المؤرخون و الشعر

11- المشترك وضعا و المفترق صقعا

12- مدينة الحسين أو مختصر تأريخ كربلا

13- تأريخ بغداد للخطيب البغدادي‏

14- بغية النبلاء في تأريخ كربلاء

15- احسن التقاسيم‏

16- فتوح البلدان‏

17- الاغاني‏

18- التأريخ الفخري‏

19- وادي الفرات و مشروع بحيرة الحبانية

20- زبدة النصرة

21- تلخيص معجم الالقاب‏

22- المنتظم‏

23- رجال النجاشي‏

24- رجال ابي علي‏

25- تنقيح المقال‏

26- الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

27- التاريخ الغياثي‏

42

28- بلدان الخلافة الشرقية

29- الوفيات‏

30-Chaldlei Anyrie Medie Babylonie p -51

43

عرض تاريخي مجمل لمصرع الامام الحسين في عرصة كربلاء كتبه الدكتور حسين أمين‏

استاذ التاريخ الاسلامي بجامعة بغداد الحائز على درجة دكتوراه الشرف الاولى من جامعة الاسكندرية

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

عرض تاريخي مجمل لمصرع ابي عبد اللّه الحسين (ع) (*)

كانت كربلاء من مراكز التجمعات الأسلامية و ميدانا من ميادين الجهاد في الفتوحات الأولى، و قد فتحت كربلاء اثر الانتصارات الرائعة التي أحرزها المسلمون بعد معاركهم الخالدة في البويب و القادسية و أضحت بلدة من بلاد الأسلام يعمها الايمان و تنتشر في ارجائها العقيدة الاسلامية.

و قد شيد المسلمون الفاتحون مدينة الكوفة، لتكون مركزهم في العراق و مكان الوالي الذي يعينه الخليفة، و بذلك أضحت الكوفة المعسكر الكبير

____________

(*)- ليست هذه كل قصة الحسين (ع) و انما للحسين قصة لها جذور عميقة، و اسباب سنأتي عليها في جزء مستقل كامل نشرح فيه الدواعي التي يرجع تأريخها الى ما قبل الاسلام، و العداء الذي كان يضمره بنو أمية لبني هاشم و الذي زاده ظهور النبوة في بني هاشم مما جعل بني امية يجابهون ظهور الاسلام و صاحب الدعوة الاسلامية بكل ما ملكوا من حرب السيف و الفكر و اللسان، حتى اذا تغلب الاسلام و انتشر كمن هذا الحقد في نفوس الامويين و ظهر بعد ذلك جليا في الدس لعلي (ع) و حربه؛ و الدس للحسن (ع) و حربه، و الدس للحسين (ع) و حربه، مما ستوفيه هذه الموسوعة في احد الاجزاء الخاصة بكربلا حقه، اما قصة الحسين (ع) هنا، فليست الا عرضا مقتضبا لمصرعه في عرصة كربلاء استدعاه تأليف هذا الجزء من الموسوعة لارتباطه بمواضيعه. الخليلي‏

46

و القاعدة التي ينطلق منها المسلمون نحو الشرق، و بمرور الزمن أصبحت للكوفة مكانة مهمة في مجال السياسة و الحرب، و في مجال الحياة الأجتماعية و الثقافية، و غدت كربلاء مكانا لقلّة من الناس امتهنوا الزراعة في المناطق القريبة من موارد المياه.

و كتب لهذه الأرض، أرض كربلاء، أن تشهد أروع حدث في تاريخ المسلمين، و اعنف وقعة بين قوى الخير و قوى الشر، أجل شهدت تلك الأرض وقائع حربية أدمت القلوب و أفزعت النفوس و أدت نتائجها الى تصدع وحدة المسلمين، ففي رجب سنة 60 ه توفي معاوية بن أبي سفيان، و كان على مكة عمرو بن سعيد بن العاص و لم يكن ليزيد بن معاوية حين ولي إلّا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الأجابة الى بيعته و الفراغ من أمرهم فكتب الى الوليد بن عتبة: «من يزيد أمير المؤمنين الى الوليد ابن عتبة أما بعد فان معاوية كان عبدا من عباد اللّه اكرمه اللّه و استخلفه و خولّه و مكّن له فعاش بقدر و مات بأجل ف(رحمه اللّه) فقد عاش محمودا و مات برا تقيا و السلام؛ و كتب له أيضا أما بعد فخذ حسينا و عبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رحضة حتى يبايعوا و السلام.»

و عندما أحسّ الحسين (ع) بضغط الأمويين عليه في طلب البيعة ليزيد خرج من المدينة الى مكة حيث دخلها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان و نزل شعب عليّ فأقبل أهل مكة و من كان بها من المعتمرين و أهل الآفاق بختلفون اليه و يجتمعون عنده.

و كانت الأخبار بوفاة معاوية قد تنوقلت الى مختلف الأمصار و بلغ أهل‏

47

الكوفة ذلك الخبر كما علموا امتناع الحسين عن بيعة يزيد بن معاوية و نزوله مكة، فاجتمع كبار أهل الكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي بالكوفة فذكروا وفاة معاوية و خطبهم سليمان بن صرد و قال لهم: إن حسينا قد خرج من مكة و انتم شيعته، و شيعة أبيه، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه و مجاهدو عدوه فاكتبوا اليه و ان خفتم الفشل و الوهن فلا تغرّوه، قالوا: لا بل نقاتل عدوه و نقتل أنفسنا دونه، فكتبوا اليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم للحسين ابن علي (عليهما السّلام) من سليمان بن صرد و المسيب بن نجبة و رفاعة بن شداد البجلي و حبيب بن مظاهر و شيعته المؤمنين المسلمين من أهل الكوفة سلام عليك. فانا نحمد اليك اللّه الذي لا إله الا هو، أما بعد فالحمد للّه الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي اعتدى على هذه الأمة فابتزها أمرها و انتزعها حقوقها و غصبها فيئها و تأمر عليها بغير رضا منها ثم قتل خيارها و استبقى شرارها و جعل ما؟؟؟ ل اللّه دولة بين جبابرتها و اغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود و انه ليس علينا امام فاقبل لعل اللّه ان يجمعنا بك على الحق، و النعمان بن بشير في قصر الأمارة لسنا نجتمع معه في جمعة و لا عيد و قد حبسنا أنفسنا عليك و لو اقبلت الينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام.

و قد أرسل الكتاب مع عبد اللّه بن مسمع الهمداني و عبد اللّه بن وال، و اوصلاه الى الحسين (ع) في العاشر من رمضان سنة 60 ه، و صار أهل الكوفة يتابعون بايفاد الرسل الى الامام الحسين مزودين بالكتب و يلحون على الحسين بالمجي‏ء و مما جاء في بعض رسائلهم: «ان الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل ثم العجل العجل و السلام» و من رسالة بعث بها شبث بن ربعى و حجار بن أبجر و يزيد بن الحارث و يزيد بن رويم و عروة بن قيس و عمرو بن الحجاج الزبيدي و محمد بن عمير بن عطارد التميمي:

48

«أما بعد فقد اخضر الجناب و أينعت الثمار فاذا شئت فاقبل على جند لك مجند و السلام». و قد روى الطبري ان أهل الكوفة كتبوا الى الحسين ان معك مائة ألف.

و كتب الحسين الى أهل الكوفة (بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين ابن علي الى الملأ من المؤمنين المسلمين، أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم و قد بعثت اليكم بأخي و ابن عمي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل و أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و أمركم و رأيكم فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملأكم و ذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم و قرأت في كتبكم فاني اقدم اليكم و شيكا ان شاء اللّه فلعمري ما الامام الا العامل بالكتاب القائم بالقسط الدائن بالحق الحابس نفسه على ذات اللّه و السلام».

و توجه مسلم بن عقيل نحو الكوفة، تلبية لأمر الحسين بن علي (ع) لما وصلها نزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن أبي عبيد ثم عرفت بدار المسيب، و صار الناس يختلفون اليه، يتعرفون عليه و يتلو عليهم كتاب الامام الحسين (ع) حتى بلغ عدد الذين بايعوه ثمانية عشر ألفا، و كان على الكوفة و قتذاك النعمان بن بشير، و يبدو أن يزيد بن معاوية لم يكن ليرتاح اليه لذا فانه اصدر أوامره بتولية عبيد اللّه بن زياد ولاية الكوفة، فاتبع عبيد اللّه هذا غاية الشدة في تثبيت دعائم حكمه و توسل بوسائل مختلفة من العنف و الأغراء و الرشوة و التهديد. كما فرض احكاما و قوانين قسرية من أجل الحفاظ على ولاية الكوفة و إفساد خطط أهلها من أن ينجحوا في مطلبهم و غايتهم، و لما أحس مسلم بن عقيل بقدوم ابن زياد و اتباعه تلك الأساليب العنيفة تحول الى دار هاني بن عروة المرادي و هو من أشراف الكوفة و طلب منه أن يستضيفه و يجيره، و كان مسلم بن عقيل قد أرسل الى ابن عمه الحسين‏

49

(ع) يخبره بأن أهل الكوفة قد بايعوه و طلب منه أن يعجل في القدوم. و شدد ابن زياد الخناق على أهل الكوفة و طارد أصحاب مسلم بن عقيل حتى بقي وحده و وقع أخيرا في قبضة عبيد اللّه بن زياد فأمر بقطع رأسه كما أمر بقتل هاني بن عروة المرادي، و هكذا سال الدم الزكي فوقع مسلم بن عقيل شهيدا من اجل الفكرة السامية و ذهب هاني بن عروة شهيدا من اجل الحفاظ على الوفاء بالعهد، و كان ذلك بداية الأعمال التعسفية التي لم تشهد الكوفة لها مثيلا في التاريخ:

و قدم الحسين (ع) أرض العراق و نزل ذات عرق فلما بلغ الحاجر كتب الى أهل الكوفة مع قيس بن مسهر الصيداوي، يعرفهم قدومه و يأمرهم في الجد بأمرهم، و لما انتهى قيس الى القادسية أخذه الحصين فبعث به الى ابن زياد فقال له ابن زيادا صعد القصر فسبّ الكذاب إبن الكذاب الحسين بن علي!! فصعد قيس فحمد اللّه و اثنى عليه ثم قال: ان هذا الحسين ابن علي خير خلق اللّه ابن فاطمة بنت رسول اللّه (ص) و أنا رسوله اليكم و قد فارقته بالحاجر فأجيبوه ثم لعن إبن زياد و أباه و استغفر لعلي فأمر به ابن زياد فرمي من أعلى القصر فتقطع و مات.

ثم مر الحسين بزرود حيث التقى بزهير بن القين البجلي و كان عثمانيا.

و صار من أنصار الأمام الحسين و لازمه حتى قتل معه. و جاء للأمام الحسين (عليه السّلام) خبر مقتل إبن عمه مسلم بن عقيل و هو في الثعلبية ثم انتقل الى زبالة و فيها أبلغ بمقتل اخيه من الرضاعة عبد اللّه بن يقطر و كان (ع) قد أوفده الى مسلم بن عقيل.

و جمع الأمام أنصاره و من انضم اليه من العرب فخطبهم و ابلغهم‏

50

مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل و قال لهم: قد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منا ذمام؛ فتفرقوا يمينا و شمالا و لم يبق معه (ع) الا أصحابه المخلصون الذين جاوا معه من المدينة و نفر يسير ممن انضموا إليه، أولئك الذين بقوا على العهد و استرخصوا النفس دفاعا عن المبادى‏ء السامية و المثل العليا.

و لما علم عبيد اللّه بن زياد بوجهة الأمام الحسين (ع) اتخذ احتياطات عسكرية مختلفة و حاول جاهدا مراقبة تحركات الأمام الحسين (ع) و كان قد أرسل الى حراسة البر قائدا من قواده (الحر بن يزيد الرياحي) و التقى بركب الحسين (ع) في (شراف) و كانت مهمة الحر على ما يبدو قطع الطريق على الحسين و عدم مفارقته حتى يأتي به الى الكوفة. و لما أحسّ الحسين بخذلان شيعته و بالاجراءات التعسفية التي اتبعها عبيد اللّه بن زياد في الكوفة و أهلها و بما ينتويه ضده و ضد أنصاره أمر أصحابه بالأنصراف نحو الحجاز و لكن القائد الأموي (الحر بن يزيد) منعهم من ذلك، فقال له الحسين (ع): ما الذي تريد؟ قال الحر: أريد أن أنطلق بك الى الأمير عبيد اللّه بن زياد. قال الحسين إذن و اللّه لا أتبعك. قال الحر: إذن و اللّه لا أدعك. و كثر الجدال بينهما فقال الحر: إنني لم أؤمر بقتالك و إنما أمرت أن لا أفارقك حتى اقدمك الكوفة، فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة، و لا تردك الى الحجاز حتى اكتب الى الأمير عبيد اللّه، فلعل اللّه أن يأتي بأمر يرزقنا فيه العافية و لا أبتلي بشي‏ء من أمرك، فسار الحسين متياسرا من طريق العذيب و الحر بن يزيد يسايره، و خطب الأمام الحسين (ع) في الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إن رسول اللّه (ص) قال من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه ناكثا لعهد اللّه مخالفا لسنة رسول اللّه (ص) يعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان فلم يغير ما عليه بفعل و لا

51

قول كان حقا على اللّه أن يدخله مدخله الا و أنا أحق من غيري، و قد اتتني كتبكم و رسلكم ببيعتكم و أنكم لا تسلموني و لا تخذلوني فان بقيتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم و انا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول اللّه (ص)، نفسي مع أنفسكم، و أهلي مع أهلكم، فلكم فيّ أسوة، و إن لم تفعلوا و نقضتم عهدي، و خلعتم بيعتي، فلعمري ما هي لكم بنكير و المغرور من اغتربكم، فحظكم أخطأتم، و نصيبكم ضيعتم، و من نكث فانما ينكث على نفسه، و سيغني اللّه عنكم و السلام» فقال له الحر: اني اذكرك اللّه في نفسك فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، فقال له الحسين: «أبالموت تخوفني؟ و هل يعدونكم الخطب ان تقتلوني، و ما أدري ما أقول لك، و لكني اقول كما قال أخو الأوس لأبن عمه و هو يريد نصرة رسول اللّه (ص) فخوفه ابن عمه اين تذهب فانك مقتول، فقال:

سأمضي و ما بالموت عار على الفتى‏* * * اذا ما نوى خيرا و جاهد مسلما

و آسى الرجال الصالحين بنفسه‏* * * و خالف مبتورا و فارق مجرما

فان عشت لم أندم و ان مت لم ألم‏* * * كفى بك ذلا أن تعيش و ترغما»

و سار الأمام الحسين بأصحابه حتى بلغ عذيب الهجانات، و الحر بن يزيد ملازما له، ثم وصل قصر بني مقاتل، و كلما أراد الحسين (ع) أن يتياسر ليميل نحو البادية ردّه الحر بن يزيد نحو الكوفة حتى انتهى (ع) الى نينوى فنزل بها. و في الثاني من محرم الحرام سنة احدى و ستين وصل (ع) مكانا قريبا من الفرات اسمه كربلاء.

و في اليوم التالي من نزول الأمام الحسين (ع) كربلاء قدم عمر بن سعد من الكوفة في اربعة الاف و كان سبب مسيره اليه ان عبيد اللّه بن‏

52

زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف الى (دستبي) (1) و كان الديلم قد خرجوا إليها و غلبوا عليها و كتب له عهده على الري فعسكر بالناس في (حمّام أعين) (2)، فلما كان من أمر الحسين ما كان، دعا ابن زياد عمر بن سعد و قال له: سر الى الحسين فاذا فرغنا مما بيننا و بينه سرت الى عملك، فاستعفاه. فقال: نعم على ان ترد عهدنا، فلما قال له ذلك، قال: أمهلني اليوم حتى انظر فاستشار نصحاءه، فكلهم نهاه، و اتاه حمزة بن المغيرة، و هو بن اخته، فقال: انشدك اللّه يا خالي أن لا تسير الى الحسين فتأثم، و تقطع رحمك، فو اللّه لأن تخرج من دنياك و مالك و سلطان الأرض،- لو كان لك- خير من أن تلقى اللّه بدم الحسين. فقال:

أفعل، و بات ليلته مفكرا في امره و تمثّلوه قائلا:

أأترك ملك الري و الريّ منيتي‏* * * أم ارجع مذموما بقتل حسين‏

و في قتله النار التي ليس دونها* * * حجاب و ملك الري قرة عين‏

و كان ابن سعد على ما يبدو من الأخبار التاريخية مترددا في تنفيذ المهمة التي عهدت اليه و لكنه فضل أخيرا منازلة الأمام الحسين (ع) و محاربته و إستجابة أوامر أسياده عبيد اللّه بن زياد، و يزيد بن معاوية و غيرهما من الذين ناصبوا الحسين العداء.

و تقابل الأمام الحسين و عمر بن سعد أكثر من مرة و عرض الأمام الحسين ان يعود الى الحجاز، فكتب عمر بن سعد إلى عبيد اللّه بن زياد في ذلك، ينصحه الموافقة على ذلك، و بدت امارات الموافقة على عبيد

____________

(1) دستبى: كورة كبيرة كانت مقسومة بين الرى و همذان.

(2) حمام أعين: بتشديد الميم بالكوفة، منسوب الى أعين مولى سعد بن أبي وقاص.

53

اللّه بن زياد و لكن (شمر بن ذي الجوشن) قال لعبيد اللّه بن زياد: «و اللّه لئن رحل من بلادك و لم يضع يده في يدك ليكونن اولى بالقوة و العزة، و لتكونن اولى بالضعف و العجز، فلا تعطه هذه المنزلة، و لكن لينزل على حكمك هو و اصحابه فان عاقبت فكنت وليّ العقوبة و ان عفوت كان ذلك لك و اللّه لقد بلغني ان الحسين و عمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين» فقال ابن زياد: نعم ما رأيت، أخرج بهذا الكتاب الى عمر فليعرض على الحسين و أصحابه النزول على حكمي فان فعلوا فليبعث بهم اليّ سلماوان أبوا فليقاتلهم و ان فعل فاسمع له و اطع و ان أبى فانت الأمير عليه و على الناس و اضرب عنقه و ابعث الي برأسه.

و كتب ابن زياد رسالة الى عمر بن سعد يستهجن تصرفاته و سياسته تجاه الحسين (ع) و اخيرا قال له في الرسالة: «فان نزل الحسين و أصحابه على الحكم و استسلموا فابعث بهم إليّ سلما و ان أبوا فازحف اليهم حتى تقتلهم و تمثل بهم فانهم لذلك مستحقون، فان قتل الحسين فأوطى‏ء الخيل صدره و ظهره، فانه عاق، شاق، قاطع، ظلوم، فان انت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، و إن أنت أبيت فاعتزل جندنا و خل بين شمر و بين العسكر و السلام».

و جاء الشمر الى عمر بن سعد و ابلغه برسالة الامير عبيد اللّه بن زياد و قرأها و تبين فحواها، فركب عمر بن سعد مع نفر من اصحابه و اتجه صوب مضارب الامام الحسين (ع) عشية الخميس لتسع مضين من المحرم، و رأى العباس بن علي بن أبي طالب قدوم اهل الكوفة، فقال للامام الحسين (ع): أتاك القوم. فنهض الحسين (ع) و قال:

يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم، مالكم؟ و ما

54

بدا لكم؟ و تسألهم عما جاء بهم، فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا، فيهم زهير بن القين و حبيب بن مظاهر، فقال لهم العباس:

ما بدا لكم و ما تريدون. قالوا: جاء امر الأمير بأن نعرض عليكم ان تنزلوا على حكمه او ننازلكم. قال: فلا تعجلوا حتى ارجع الى ابي عبد اللّه فاعرض عليه ما ذكرتم. فوقف القوم و قالوا القه فأعلمه ذلك ثم القنا بما يقول. فانصرف العباس (ع) راجعا يركض الى الحسين يخبره بالخبر و وقف اصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين:

كلم القوم إن شئت و إن شئت كلمتهم. فقال له زهير: أنت بدأت بهذا فكن انت تكلمهم. فقال حبيب بن مظاهر، اما و اللّه لبئس القوم عند اللّه غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه (عليه السّلام) و عترته و اهل بيته (ص)، و عباد اهل هذا المصر المجتهدين بالاسحار و الذاكرين اللّه كثيرا. فقال له عزرة بن قيس: إنك لتزكيّ نفسك ما استطعت. فقال له زهير: يا عزرة إن اللّه قد زكاها و هداها، فاتق اللّه يا عزرة فإني لك من الناصحين، انشدك اللّه يا عزرة ان تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية؛ قال: يا زهير ما كنت عندنا من شيعة اهل هذا البيت إنما كنت عثمانيا. قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم، اما و اللّه ما كتبت إليه كتابا قط، و لا ارسلت إليه رسولا قط، و لا وعدته نصرتي قط، و لكن الطريق جمع بيني و بينه، فلما رأيته ذكرت رسول اللّه (ص) و مكانه منه، و عرفت ما يقدم عليه من عدوّه و حزبكم، فرأيت أن أنصره، و ان اكون في حزبه، و ان أجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق اللّه و حق رسوله (عليه السّلام).

و أقبل العباس (ع) يركض حتى انتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء إن أبا عبد اللّه يسألكم ان تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر فان‏