موسوعة العتبات المقدسة - ج10

- جعفر الخليلي المزيد...
188 /
3

[القسم الثاني‏]

موسوعة العتبات المقدّسة قسم الكاظمين تأليف جعفر الخليلي منشورات مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت- لبنان. ص. ب 7120

4

جميع الحقوق محفوظة و مسجلة الطبعة الثانية 1407 ه- 1987 م‏

مؤسسة الأعلمي للمطبوعات:

بيروت- شارع المطار- قرب كليّة الهندسة. ملك الاعلمي- ص. ب. 7120

5

الجزء العاشر

[القسم الأول‏]

السلك الناظم لدفناء مشهد الكاظم‏

كتبه المرحوم الدكتور مصطفى جواد

خريج جامعة السوربون بباريس المتخصص في التاريخ العربي و عضو المجمع العلمي العراقي ببغداد و المجمع العلمي العربي بدمشق و المتوفى بعيد الانتهاء من كتابة هذا البحث‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كلمة التصدير

كان المقتضي أن يخرج هذا الجزء، و الجزء الأول من المدينة المنوّرة قبل سنة أو سنتين من هذا التاريخ حسب ما ألف متتبعو سلسلة موسوعة العتبات المقدسة التي التزمنا أن نعد منها جزئين كاملين في كل سنة على قدر الامكان، و لكن الظروف- و للظروف أحكامها كما يقولون- و التي لا يستطيع أحد أن يتحكم فيها و يجعل الالتزام ممكنا في كل وقت و بصورة متقنة كاملة كما يتوقع القراء هي التي حالت بيننا و بين صدور هذين الجزئين في الموعد المقرر المنتظر، فلقد اشتد عارض المرض لأحد كبار عمداء التأليف في هذه الموسوعة و هو العلامة الفذ الدكتور مصطفى جواد فحال اضطراره للسفر إلى خارج العراق بقصد المعالجة دون مواصلة بحثه، و كان هذا القسم من بحثه من الأهمية بحيث لا يجوز تجاوزه إلى غيره من البحوث، و لكن الخوف بدأ يشتد على صحته يوما بعد يوم، فرأينا أن يكون ختام حياته الغالية المثمرة المفيدة بشي‏ء يكون من أغلى- ان لم يكن أغلى على الاطلاق- ما جادت به ملكاته العلمية، و ما توصلت إليه بحوثه العميقة في جذور التاريخ.

و لقد أصابت الظروف بما وضعت من عراقيل في تأخير إعداد هذين الجزئين، إذ مكنت الدكتور مصطفى جواد من الحصول على فترة استجمام نسبية ربما كانت بمثابة صحوة موت طويلة استطاع فيها أن يكمل ما بدأ به من تحقيق عن المشاهير الذين كان لهم شأن ملحوظ في التاريخ ممن قبروا

8

في مقابر الكاظمين و التعريف بهم و عرض نبذ من ترجمة حياتهم و ذلك خلال سبعة قرون تبدأ من القرن الثاني الهجري و تنتهي بالقرن الثامن، على أن يواصل- لو مدّ في عمره- عرض هذه التراجم في الجزء الثالث من قسم الكاظمين حتى ينتهي به في القرن الرابع عشر الهجري، و هو القرن الحالي و لكن مشيئة اللّه التي لا رادّ لها اقتضت ان توثره برحمته فيودع هذه الدار بعد أن ملأها بأثمن الذكريات من مجهوده العلمي و الأدبي واقفا من هذه التراجم عند القرن الثامن الهجري.

و ميزة هذه التراجم التي كتبها الدكتور مصطفى جواد في هذا الجزء و هو على فراش الموت هي أنها خلاصة لبحوث مغربلة منخولة من الحوادث التاريخية التي انطمس بعضها و لم يعرف التاريخ شيئا عنها لو لا عثور المرحوم الدكتور مصطفى جواد على وثائق مهمة و لو لا استنتاجات أخرجها من بين العروض الضمنية في بحوث- لا شك أن بعضها قد غاب عن ذهن أكثر العلماء و الباحثين- إن لم يكن كلهم- حتي اجتمع لدينا من هذا المجهود: هذا القدر الكبير من التراجم التي ستصبح بعد نشر هذا الجزء مصدرا مهما آخر و مرجعا للمحققين و المؤرخين.

تغمد اللّه الفقيد برحماته و أثابه على ما قدم من خدمات جليلة للعلم و العرفان، و طاب ثراه.

بغداد دار التعارف‏

9

السلك الناظم لدفناء مشهد الكاظم و هو في سير دفناء المشهد الكاظمي من الأعيان القسم الأول‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم و صلاته على نبيه الصادق الأمين و سلامه على آله الطيبين الطاهرين و رضوانه عن صحابته الأكرمين و بعد فهذه تراجم لثلّة من الأعيان من وزراء و علماء و متصرفين و أدباء و شعراء و كتاب و محدثين من الأعيان دفنوا في مشهد الإمام موسى بن جعفر- (عليهما السّلام)- وقفت على سيرهم في أثناء مطالعتي كتب التاريخ فوددت أن أجمعهم هنا ذاكرا لهم فيه على حسب سني الوفاة، و لم أقتصر في الترجمة على قول واحد و لا مرجع واحد ما اتسع لي المجال لاستقصاء الأحوال، و قد التزمت إيراد أقوال المؤرخين و الأدباء بنصوصها لأني لم أرد إلا الجمع المتقصّي و الذكر المستقصي، و ذلك أضمن للأمانة في النقل و أحوى للفوائد و أروى لأوام الباحث، و هذا هو القسم الأول من بحث الجزء الثاني من موسوعة العتبات المقدسة، فإن يسّر اللّه و أطال في العمر و أدام الصحّة اجتهدت في جمع تراجم القسم الثاني للجزء الثالث من موسوعة العتبات المقدسة لقسم الكاظمين و إلا فالعمل مفتوح المجال لكل من يقوم به من الأدباء الفضلاء من أسرة موسوعة العتبات المقدّسة القلمية.

10

و مما يجب أن نذكره قبل ذكر الأعيان المدفونين في مقبرة مشهد الإمام موسى بن جعفر- (عليه السّلام)- هو أن مدفنه لم يعرف باسم المشهد إلا بعد وفاته سنة 183 و دفنه فيه و لذلك لا يصح أن يقال لمن دفنوا في مقابر قريش قبل ذلك التاريخ إنهم مدفونون في المشهد و الصحيح أنهم مدفونون في مقابر قريش. فالمدفونون في المشهد يبدأ تاريخهم من بعد وفاة الإمام و لو بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام.

مصطفى جواد

11

دفناء المشهد الكاظمي الذين دفنوا في الكاظمين بعد دفن الإمام‏

القرن الثاني الهجري سنة 185

1- و أبو اسحاق إبراهيم بن سعد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزّهري المدني من أهل المدينة، قال الخطيب البغدادي: «كان قد نزل بغداد و أقام بها إلى حين وفاته و لم يزل ببغداد من عقبه جماعة يروون العلم حتى انقرضوا بآخرة» و ذكر الشيوخ الذين روي عنهم ثم قال: و ابراهيم ابن سعد من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه: و روى عن بعضهم أن الإمام أحمد بن حنبل قال له: كفّ عن حديث إبراهيم بن سعد ثم حدث عنه بعد. قال الراوي: قلت لم؟ قال: لا أدري إبراهيم ثقة. و روي عن آخر قال: إبراهيم بن سعد صدوق من أهل المدينة و أبوه كان من جلّة المسلمين و كان على قضاء المدينة. قلت: و ما الذي يغنيه عنه كون أبيه من جلّة المسلمين و الحديث في كونه صادق الرواية أو كاذبها؟ و نقل الخطيب أن إبراهيم بن سعد الزهري قدم العراق سنة 184 ه و أتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث فسمعه يتغنى. فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك فأمّا الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا. فقال إبراهيم: إذن‏

12

لا أفقد إلا شخصك، عليّ و عليّ إن حدّثت ببغداد ما أقمت حديثا حتى أغني قبله. و شاعت هذه عنه ببغداد فبلغت الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي (ص)- في سرقة الحلي، فدعا بعود (1) فقال الرشيد: أعود المجمر؟ قال: لا و لكن عود الطرب. فتبسم، ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس و ألجأني إلى أن حلفت؟ قال: نعم. و دعا الرشيد بعود فغنى:

يا أم طلحة إن البين قد أفدا* * * قلّ الشواء لئن كان الرحيل غدا

فقال الرشيد: من كان من فقهائكم يكره السماع؟ قال: من ربطه اللّه. قال: فهل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شي‏ء؟ قال: لا و اللّه إلا أن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع و هم يومئذ جلّة و مالك أقلّها من فقهه و قدره و معهم دفوف و معازف و عيدان يغنون و يلعبون و مع مالك دف مربع و هو يغنّيهم:

سليمى أجمعت بينا* * * فأين لقاؤنا أينا؟

و قد قالت لأتراب‏* * * لها زهر تلاقينا

تعالين فقد طاب‏* * * لنا العيش تعالينا

فضحك الرشيد و وصله بمال عظيم، و قال الخطيب قبل ذلك: أكرمه الرشيد و أظهر برّه و سئل عن الغناء فأفتى بتحليله. ثم روى الخطيب أن إبراهيم الزهري توفي سنة 184 أو سنة 185 أو سنة 183 على رواية ضعيفة عن خمس و سبعين و دفن في مقابر باب التبن‏ (2).

____________

(1) عرض له الرشيد تعريضا عمليا بأنه حلف أن لا يحدث الا بعد غناء و لا غناء بغير عود كما جرت العادة.

(2) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي «6: 81- 86».

13

القرن الثالث الهجري‏

سنة «207» ه

2- يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب* * * (عليهم السّلام)- ذكره الخطيب البغدادي قال:

«سكن بغداد و حدث عن أبيه و روى عنه علي بن حفص بن عمر العبسي. أخبرنا علي بن محمد بن عيسى البزاز فيما أذن أن نرويه عنه، حدثنا محمد بن عمر بن سالم الحافظ قال: يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي قالوا: كان ببغداد و مات يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر من سنة سبع و مائتين و دفن في مقابر قريش ببغداد و صلى عليه عبد اللّه بن هارون (المأمون) و دخل قبره‏ (1)».

و قال السيد ابن عنبة في الكلام على عقب الحسين ذي الدمعة: «أما يحيى أبو الحسين ابن ذي الدمعة و في ولده البيت و العدد فأعقب من سبعة رجال «و جاء في هامش العمدة: «و كانت وفاة يحيى بن الحسين هذا في سبع أو تسع و مائتين ببغداد و صلى عليه المأمون‏ (2)». و قد أيد السبع أي سنة 207 ما في تاريخ الخطيب، كما أوضح الخطأ الوارد فيه ما ورد في هامش طبعة بمبي للكتاب المذكور.

____________

(1) تاريخ بغداد «14: 189» و فيه أنه توفي سنة 237 و هو و هم ظاهر بزيادة «ثلاثين».

(2) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب «ص 232 طبعة بمبي».

14

سنة «210» ه

3- و في سنة عشر و مئتين قتل المأمون إبراهيم بن محمد المعروف بابن عائشة ثم أمر بصلبه على الجسر الأسفل ثم أنزل و دفن في مقابر قريش، قال أحمد بن أبي طاهر طيفور الكاتب المؤرخ: «لما كان سنة عشر و مئتين‏ (1) أخذ إبراهيم بن عائشة و مالك بن شاهي و أصحابهم يوم السبت لست خلون من صفر، و أمر المأمون بحبسهم (في المطبق) و كان مقتل ابن عائشة و محمد ابن إبراهيم الأفريقي و أصحابهم ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، و صلبوا يوم الثلاثاء و صلب البغواري معهم لليلة بقيت من رجب، و كان سبب حبسهم أنّهم كانوا يدعون إلى ابراهيم بن المهدي ... قال القاسم بن سعيد فقلت للفضل، بلغنا أن ابن عائشة شتم المأمون في وجهه تلك الليلة و أنّ ذلك دعاه إلى قتله. فقال: لا و لا كلمة واحدة البتة» (2).

و قال هذا المؤرخ نفسه: «قال ابن شبانة: أقام المأمون إبراهيم بن عائشة في الشمس ثلاثة أيام على باب المأمون و ضربه يوم الثلاثاء بالسياط و حبسه في المطبق، و ضرب مالك بن شاهي و أصحابه و كتبوا للمأمون تسمية من دخل معهم في هذا الأمر من القواد و غيرهم فلم يعرض لهم المأمون، و كانوا قد اتعدوا أن يعطفوا الجسر إذا خرج الجند يستقبلون نصر بن شبث، فغمز بهم فأخذوا و دخل نصر وحده، لم يستقبله أحد ... قال عياش بن الهيثم: لما كان في ليلة المطبق حضرت في واسط من القوم فرآني المأمون، فقال: يا بائع العساكر يا صديق عيسى بن أبي خالد، تأخر إلى الساعة؟

ما أملكه صدقة و قتلني اللّه إن أقتلك. فاختفيت منه، ثم قلت: إن لم يرني فذاك أسرع لذكره، فظهرت له و قد خرج من الطاقات فنظر إليّ‏

____________

(1) كتبنا مئتين على الوجهين و قدمنا المحذوفة الألف لرجحانها.

(2) أخبار بغداد «ص 97، 100 طبعة العطار» 1949- 1368.

15

فقال: أدن. فدنوت. فقال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير (منها) و ليكفّر و الكفارة أصلح من قتلك، و لا تعد،

قال ابن شبانة: و في سنة عشر و مئتين قتل إبراهيم بن عائشة و من كان محبوسا معه و فيهم رجل يقال له أبو مسمار من شطار بغداد و رجل آخر لم يسمّه، و كان السبب في قتلهم بعد حبسهم أن أهل المطبق رفع عليهم أنّهم يريدون أن يشغبوا و أن ينقبوا السجن، و كانوا قبل ذلك بيوم قد سدّوا باب السجن من داخل فلم يدعوا أحدا يدخل عليهم، فلما كان الليل و سمعوا شغبهم و أصواتهم و بلغ أمير المؤمنين (المأمون) خبرهم ركب إليهم و دعا بهؤلاء الأربعة فضرب أعناقهم، فلما كان بالغداة صلبهم على الجسر الأسفل و ذلك فيما ذكر محمد بن الهيثم بن شبانة في ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، و لما كان من غد يوم الأربعاء أنزل إبراهيم ابن عائشة فكفن و صلي عليه و دفن في مقابر قريش، و أنزل الأفريقي فدفن في مقابر الخيزران من الجانب الشرقي و ترك الباقون على حالهم. و قد ذكروا أن ابن عائشة و أصحابه كانوا دسّوا من أحرق سوق العطارين و الصيارفة و الصفارين و الفرّائين و أصحاب الراهدار و بعض الزيّاتين و ذلك ليلة السبت لليلة بقيت من جمادى الأولى، و قبل ذلك أو بعده أحرقوا أصحاب الحطب في البغيّين و قال بعضهم ليلة الجمعة لأربع خلون من رجب و قال بعضهم قبل ذلك. و قال القاسم بن سعيد سمعت الفضل بن مروان يقول: كان أبو اسحاق المعتصم باللّه في الليلة التي ركب المأمون فيها لقتل ابن عائشة عليلا.

قال: فبعث المأمون إلى أبي اسحاق: إبعث إلي بكاتبك الفضل و ليكن معه جميع قوادك و جندك. فركبت أناوهم جميعا معي و قلت: ليس هو إلى شي‏ء أحوج منه إلى شمع، و كان في خزانة أبي اسحاق يومئذ سبع مئة شمعة، فحملتها معي و رفعت إلى كل واحد من الرجالة عشرا يحملها ثم دخلنا

16

المدينة (1) فلم نصل إلى المأمون من كثرة الناس. فقلت له: بلغني أن حميدا كان أول من لحق به. فقال: لا. و جاء اسحاق بن إبراهيم فلم يصل من الزحام و كان شاربا- يعني اسحاق- كان يشرب عنده تلك الليلة عمير الباذغيسي، و كان المأمون أيضا شاربا و لم يكن بالممتلى‏ء. قال: فوقفت في طريقه في المدينة (1)، فلما انصرف بعد قتل ابن عائشة فبلغ إلى موضعي نزلت عن دابتي. فقال: من هذا؟ قلت: الفضل جعلني اللّه فداء أمير المؤمنين. فقال: أركب معك القواد و الجند؟ قلت: نعم. قال: و معك الشمع؟ قلت: نعم. فأمرت حينئذ بعض من يقرب مني أن يقف ثلاث مئة رجل من الرجالة مع كل واحد منهم شمعة على باب خراسان. ففعلوا، فلما انتهى اليهم قال: ما هذا. قلت: الشمع الذي سألني عنه أمير المؤمنين قال: بارك اللّه عليك. ثم قال لي: خلّف جميع من معك ها هنا. و فيهم الأفشين و أشناس، و تقدم إليهم أن يقفوا- يعني في المدينة- على ظهور دوابهم و يفقوا قشّهم فان تحرك شي‏ء أتوا عليه قال الفضل فامرتهم بذلك ثم قال امض إلى أخي فاقرئه السلام و قل له: قد قتل اللّه عدوا لك من حاله و أمره. و من قبل ذلك قد أمرني بالمقام في المدينة ثم قال: لهذا غيرك، فحينئذ أمرني أن أخلّف من معي هناك مستعدّين، ثم بكر هو على ابن اسحاق فخبّره الخبر و قال له: قام الفضل بما نحتاج إليه. فكان أبو اسحاق بعد ذلك لا يخلي خزائنه من خمسة آلاف شمعة عدّة ... قال:

و لما ركب المأمون في الليلة التي قتل فيها إبراهيم بن عائشة و الافريقي و أصحابه التفت فإذا هو بعبد الرحمن بن اسحاق فقال له: جزاك اللّه خيرا فأنت و اللّه للسار و الغار و الخير و الشرّ و الشدّة و الرخاء لا كالمنتفخ الأعفاج، الكثير اللجاج لا يمت بقديم حرمة و لا بحديث خدمة أكثر من كان في الفتنة شاطرا و في السلامة مقامرا. قال: و إذا عياش بن القاسم صاحب الجسر قد طلع،

____________

(1) أراد مدينة المنصور بالجانب الغربي من بغداد و كانت في أرض بساتين عبد الحسين جلبي بين الكاظمية و المنطقة أي مشهد العتيقة أي سونايا السريانية.

17

فقال له: يا ابن اللخناء يحضر الحاكم ضرب الأعناق و صاحب الشرطة مشغول بمجالسة الفسّاق ... و استقبله الجعفري الملقب بكلب الجنة و معه لحاف قد تترس به و عصا قد أخذها من حطب البقال، فقال: ما هذا؟ فقال:

يا سيدي لم يحضرني غير لحافي فجعلته مجنّا و عصا وجدتها مع حطب البقال فاختلستها منه. فقال: للّه أبوك فقد جدت بنفسك و أسرعت إلى إمامك.

و أمر له بعشرين ألف درهم ... قال ابن مسعود القتات: لما قتل المأمون ابن عائشة و أصحابه تمثل بشعر مسلم بن الوليد فقال:

«أنا النار في أحجارها مستكنّة* * * فان كنت ممّن يقدح النار فاقدح» (1)

سنة 216 ه

4- و أمة العزيز زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، ذكرها الخطيب البغدادي قال: «زوجة هارون الرشيد و أم ولده الأمين، كانت معروفة بالخير و الافضال على أهل العلم و البرّ للفقراء و المساكين و لها آثار كثيرة في طريق مكة من مصانع حفرتها و برك أحدثتها و كذلك بمكة و المدينة، و ليس في بنات هاشم عباسية ولدت خليفة (2) إلا هي، و يقال إنها ولدت في حياة المنصور فكان المنصور يرقصها و هي صغيرة فيقول لها:

أنت زبيدة و أنت زبيدة، فغلب ذلك على اسمها «ثم روي أنها ماتت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة- يعني و مائتين- (3) و لزبيدة ترجمة حسنة في وفيات الاعيان لابن خلكان و قد علمنا انها دفنت في مقابر قريش مما ذكره عز الدين ابن الأثير في فتنة سنة «443» بين الامامية و الحنابلة قال:

____________

(1) و ذكر الخبر بايجاز أبو جعفر الطبري في تاريخه فاكتفينا بما نقلناه من أخبار بغداد.

لطيفور المذكور «97- 100» و له أخبار في تاريخ الطبري و مروج الذهب.

(2) يعني ولدت ولدا ثم صار خليفة.

(3) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي «14 ص 433- 434».

18

و احترق ضريح موسى و ضريح ابن ابنه محمد بن علي الجواد و القبتان الساج اللتان عليهما و احترق ما يقابلهما و يجاورهما من قبور ملوك بني بويه:

معز الدولة و جلال الدولة و من قبور الوزراء و الرؤساء و قبر جعفر بن أبي جعفر المنصور و قبر الأمين محمد بن الرشيد و قبر أمه زبيدة» (1).

إبراهيم المرتضى ابن موسى الكاظم- ع-

5- قال ابن الطقطقي في كتابه الأنساب المطبوع باسم غاية الاختصار في أخبار البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار المنحول لتاج الدين بن زهرة الحلبي و قد ذكر السيد إبراهيم بن الإمام موسى- ع-: «كان سيدا أميرا جليلا عالما فاضلا، روى الحديث عن آبائه (عليهم السّلام). مضى إلى اليمن و تغلب عليها في أيام أبي السرايا و يقال إنه ظهر داعيا إلى أخيه الرضا- (عليه السّلام)- فبلغ المأمون ذلك فشفعه فيه و تركه. توفي ببغداد و قبره بمقابر قريش عند أبيه- (عليهم السّلام)- في تربة مفردة معروفة- (قدس اللّه روحه و نوّر ضريحه)(2).

قال جمال الدين القفطي في ترجمة عبد اللّه بن سهل النوبختي: «و كان المأمون قد رأى آل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب متخشين مختفين من خوف المنصور و من جاء بعده من بني العباس و رأى العوام قد خفيت عنهم أمورهم بالاختفاء فظنّوا بهم ما يظنونه بالأنبياء و يتفوهون في صفتهم بما يخرجهم عن الشريعة من التغالي فأراد معاقبة العامة على هذا الفعل ثم أفكر أنه إذا فعل هذا بالعوام زادهم إغراءا فنظر في هذا الأمر نظرا دقيقا و قال:

لو ظهروا للناس و رأوا فسق الفاسق منهم و ظلم الظالم لسقطوا من أعينهم‏

____________

(1) الكامل «ج 9: 199» طبعته المطبعة ذات التحرير سنة 1303.

(2) غاية الاختصار «ص 55 من الطبعة الأولى بمصر». و لابراهيم المرتضى ذكر في عمدة الطالب «ص 178» من المطبعة المذكورة.

19

و لا نقلب شكرهم لهم ذمّا ثم قال: إذا أمرناهم بالظهور خافوا و استتروا و ظنوا بنا سوءا و إنما الرأي أن نقدّم أحدهم و يظهر لهم إماما فإذا هذا أنسوا و ظهروا و أظهروا ما عندهم من الحركات الموجودة في الآدميين، فيتحقّق العوام حالهم و ما هم عليه مما خفي بالاختفاء فإذا تحقق ذلك أزلت من أقمته ورددت الأمر إلى حالته الأولى، و قوي هذا الرأي عنده و كتم باطنه عن خواصه و أظهر للفضل بن سهل أنه يريد أن يقيم إماما من آل أمير المؤمنين علي- (صلوات اللّه عليه)- و أفكر هو و هو فيمن يصلح فوقع اجماعهما على الرضا فأخذ الفضل بن سهل في تقرير ذلك و ترتيبه و هو لا يعلم باطن الأمر، و أخذ في اختيار وقت لبيعة الرضا فاختار طالع السرطان و فيه المشتري. قال عبد اللّه بن سهل بن نوبخت هذا: أردت أن أعلم نية المأمون في هذه البيعة و أن باطنه كظاهره أم لا، لأن الأمر عظيم، فأنفذت إليه قبل العقد رقعة مع ثقة من خدمه- و كان يجي‏ء في مهم أمره- و قلت له إن هذه البيعة في الوقت الذي اختاره ذو الرئاستين لا تتم بل تنقص لأن المشتري و إن كان في الطالع في بيت شرف فان السرطان برج منقلب و في الرابع و هو بيت العاقبة المريخ و هو نحس و قد أغفل ذو الرئاستين هذا. فكتب إلي «قد وقفت على ذلك أحسن اللّه جزاءك فاحذر كل الحذر أن تنبّه ذا الرئاستين على هذا فإنه إن زال عن رأيه علمت أنك أنت المنبّه له». فهمّ ذو الرئاستين بذلك، فما زلت أصوّب رأيه الأول خوفا من اتهام المأمون لي و ما أغفلت أمري حتى مضى أمر البيعة فسلمت من المأمون» (1). و قال ابن الفوطيّ «المرتضى أبو أحمد إبراهيم بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد (الباقر) العلوي العابد كان من العباد الزهاد، العلماء الأفراد، و كان يترنم دائما بهذه الأبيات:

لا تغبطنّ إذا الدنيا تزخرفها (2)* * * و لا للذة وقت عجلت فرحا

فالدهر أسرع شي‏ء في تقلبه‏* * * و فعله بيّن للخلق قد وضحا

____________

(1) أخبار الحكماء «ص 221- 223 طبعة ليبزيك.

(2) كذا ورد هذا الشطر.

20

كشارب عسلا فيه منيته‏* * * فكم تقلد سيفا من به ذبحا (1)

موسى بن ابراهيم أبو سبحة

6- قال ابن الطقطقي في كتابه المذكور المغير الاسم: «كان صالحا متعبدا ورعا فاضلا يروي الحديث. قال: رأيت له كتابا في سلسلة الذهب يروي عن المؤالف و المخالف، كان يقول: أخبرني أبي إبراهيم قال حدثني أبي موسى الكاظم قال حدثني الإمام الصادق جعفر بن محمد قال حدثني أبي محمد الباقر قال حدثني أبي زين العابدين قال حدثني أبي الامام شهيد كربلا قال حدثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- (عليهم السّلام)- قال حدثني رسول اللّه- صلى اللّه عليه و (آله) و سلم قال حدثني جبرائيل عن اللّه تعالى أنه قال: لا إله إلا اللّه حصني فمن قالها دخل حصني و من دخل حصني أمن من عذابي «توفي أبو سبحة ببغداد و قبره بمقابر قريش مجاورا لأبيه وجده- (عليهما السّلام)- فحصت عن قبره فدللت عليه و إذا موضعه في دهليز حجرة صغيرة ملك مبارك الجوهري الهندي» (2).

و مبارك الهندي هو أمير الدين الجوهري نقيب مشهد الامام موسى بن جعفر- ع- جاء في تاريخ الحوادث في حوادث سنة 674.» و فيها عزل أمين الدين مبارك الهندي الجوهري من نقابة مشهد موسى بن جعفر- ع- و عين في النقابة نجم الدين علي بن الموسوي، و لما كان مبارك المذكور نقيبا قال فيه بعض الشعراء:

رأيت في النوم إمام الهدى‏* * * موسى حليف الهم و الوجد

يقول ما تنكبني نكبة* * * إلا من الهند أو السند

____________

(1) تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب «الجزء 5، الترجمة 1017 من الميم طبعة الهند».

(2) غاية الاختصار «ص 54 من الطبعة المذكورة».

21

تحكم السندي في مهجتي‏* * * و حكّم الهندي في ولدي‏

فلعنة اللّه على من به‏* * * تحكم السندي و الهندي‏ (1)

و قال السيد ابن عنبة: «و أما ابراهيم المرتضى بن موسى الكاظم و هو الأصغر، و أمه أم ولد نوبية اسمها نجية قال الشيخ أبو الحسن العمري:

ظهر باليمن أيام أبي السّرايا. و قال أبو نصر البخاري: إن ابراهيم الأكبر ظهر باليمن و هو أحد أئمة الزيدية و قد عرفت حاله و أن لم يعقب. و أعقب إبراهيم المرتضى ابن الكاظم من رجلين موسى أبي سبحة (2) و جعفر ....

أما موسى أبو سبحة ابن المرتضى فله أعقاب و انتشار و البيت و العدد في ولده أعقب من ثمانية رجال؛ أربعة مقلّون و أربعة مكثرون‏ (3).

سنة 253 ه

(7)- و أبو العباس محمد بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب أبو العباس الخزاعي بالولاء، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد قال:

«كان شيخا فاضلا و أديبا شاعرا ... و كان مألفا لأهل العلم و الأدب و قد أسند حديثا عن أبي الصلت الهروي» و قال: «ولي إمارة بغداد أيام المتوكل.

و هو أمير ابن أمير ابن أمير» و أسند إليه حديثا و ذكر أنه قال في إسناده:

«كنت واقفا على رأس أبي و عنده أحمد بن محمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه و أبو الصلت الهروي فقال أبي: ليحدثني كل رجل منكم بحديث.

فقال أبو الصلت: حدثني علي بن موسى الرضا- و كان و اللّه رضا كما سمّي- عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي قال قال‏

____________

(1) كتاب الحوادث الذي سميته خطأ: الحوادث الجامعة ص 385.

(2) في حاشية العمدة ص 190 من طبعة النجف نقلا عن أحد السادة النسابين أنه سمي أبا سبحة لكثرة تسبيحه بسبحة لون في يده و اللّه اعلم.

(3) عمدة الطالب ص 178- 179 مطبعة الهند.

22

رسول اللّه- ص-: الإيمان قول و عمل. فقال بعضهم: ما هذا الاسناد؟! فقال له أبي: هذا سعوط المجانين إذا سعط به المجنون برأ. ثم قال الخطيب:

«أخبرني أبو القاسم الأزهري أخبرنا أحمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن محمد ابن عرفة قال: و في هذه السنة- يعني سنة 253- لاحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة انكسف القمر في أول الليل حتى ذهب أكثره فلما انتصف الليل مات محمد بن عبد اللّه بن طاهر و كان به خراج في حلقه فاشتد فعولج بالفتائل ... و دفن في مقابر قريش‏ (1)».

و قال الطبري في حوادث هذه السنة: «و ليلة أربع عشرة من ذي القعدة منها انخسف القمر فغرق كله أو غاب أكثره و مات محمد بن عبد اللّه بن طاهر مع إنتهاء خسوفه فيما ذكر و كانت علته التي مات فيها قروحا أصابته في حلقه و رأسه فذبحته و ذكر أن القروح التي كانت في حلقه و رأسه كانت تدخل فيها الفتائل» (2).

سنة 288 ه

8- و في شهر ربيع الأول من سنة 288 توفي أبو علي بشر بن موسى ابن صالح الأسدي المحدث. ولد سنة «190» ببغداد و نشأ بها و طلب الحديث فسمع من روح بن عبادة حديثا واحدا و من حفص بن عمر العدني حديثا واحدا و سمع كثيرا من هوذة بن خليفة و الحسن بن موسى الأشيب و أبي نعيم و علي بن الجعد و الأصمعي و غيرهم و كان آباؤه من أهل البيوتات و الفضل و الرئاسة و النبل، قال أبو الفرج بن الجوزي: «و كان هو في نفسه ثقة أمينا عاقلا ركينا و كان أحمد بن حنبل يكرمه» و نقل بسنده قوله:

ضعفت و من جاز الثمانين يضعف‏* * * و ينكر منه كلّ ما كان يعرف‏

____________

(1) تاريخ بغداد «5: 418- 422».

(2) تاريخ الأمم و الملوك «11: 154 طبعة المطبعة الحسينية بمصر».

23

و يمشي كالأسير مقيّدا* * * تدانى خطاه في الحديد و يرسف‏ (1)

قال ابن الجوزي بعد ذلك: «توفي بشر في ربيع الأول من هذه السنة- يعني سنة 288- و صلى عليه محمد بن هارون بن العباس الهاشمي صاحب الصلاة و دفن في مقبرة باب التبن‏ (2) و كان الجمع كثيرا» (3).

سنة 297 ه

9- و قال عريب بن سعد القرطبي في وفيات سنة 297: «و في شوال منها توفي محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر المعروف بالصناديقي و دفن في مقابر قريش و صلى عليه القاضي أحمد بن اسحاق بن البهلول» (4) و ذكره الخطيب فيمن روى الحديث النبوي بنسب النيسابوري و قال: «دفن إلى جنب عمه محمد بن عبد اللّه بن طاهر» (5) و لم يذكر الموضع في الترجمة هذه و إنما ذكره في ترجمة عمه محمد بن عبد اللّه بن طاهر و قد ذكرناها آنفا.

سنة 300 ه

10- و قال عريب في حوادث هذه السنة: «و في شوال من هذا العام توفي عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر و كان أكثر الناس أدبا و جلالة و فهما و مروءة و هو ابن إحدى و ثمانين سنة و صلى عليه أحمد بن عبد الصمد الهاشمي و دفن في مقابر قريش» (6) و لعبيد اللّه الطاهري هذا ترجمة و أخبار

____________

(1) البيت غير موزون في أصل النسخة فابقاه الدكتور مصطفى على حاله الخليلي‏

(2) إذا قيل: مقبرة باب التبن فهي مقبرة الامام عند الطغام و إذا قيل مقابر باب التبن دخلت فيها مقبرة القطيعة الزبيدية المنسوبة إلى أم جعفر زبيدة، المدفون فيها عبد اللّه بن أحمد ابن حنبل.

(3) المنتظم «6: 28».

(4) صلة تاريخ الطبري «ص 18 طبعة المطبعة الحسينية بمصر.

(5) تاريخ بغداد «5: 377».

(6) صلة تاريخ الطبري «ص 22 من الطبعة المذكورة».

24

حسنة ذكرها أبو الحسن علي بن محمد الشابشتي‏ (1) و ذكرها الخطيب البغدادي‏ (2) و قال فيما قال: «ولي إمارة بغداد و حدث عن أبي الصلت الهروي و الزبير ابن بكار و روى عنه محمد بن يحيى الصولي و عمر بن الحسن الأشناني و أبو القاسم الطبراني و كان فاضلا أديبا شاعرا فصيحا» و كان مما روى عن أبي الصلت عن الامام الرضا- ع- قول النبي (ص): «أسرع الذنوب كفران النعم» و قوله: «الايمان عقد بالقلب و نطق باللسان و عمل بالأركان».

و ذكر أن مولده كان سنة 223 و لم يذكر أنه دفن بمقابر قريش. و ذكر ابن خلكان أنه ألف كتاب «الاشارة في أخبار الشعراء» و كتاب «الرئاسة في السياسة الملوكية» و كتاب «مراسلاته لعبد اللّه بن المعتز» و كتاب «البراعة و الفصاحة» ثم قال: «و كانت وفاته ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاثمائة ببغداد و دفن بمقابر قريش- رحم-» (3).

____________

(1) الديارات ص 109- 133 و غيرها من طبعة مطبعة المعارف ببغداد سنة 1966.

(2) تاريخ بغداد «ج 10 ص 340- 344».

(3) الوفيات «1: 295 طبعة إيران».

25

القرن الرابع الهجري‏

سنة «304» ه

11- و قال عريب القرطبي في حوادث سنة 304: «و في المحرم من هذه السنة توفي عبد العزيز بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر أخو محمد بن طاهر و كان عبدا صالحا حسن المذهب كثير الخير و دفن في مقابر قريش، و صلى عليه مطهر بن طاهر» (1).

سنة 305 ه

و في ذي الحجة من سنة 305 توفي أبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد المعروف بالحامض النحوي، قال أبو الفرج بن الجوزي: «كان من علماء الكوفيين، أخذ عن ثعلب و صحبه أربعين سنة و هو المقدّم من أصحابه و الذي جلس بعده في مجلسه و صنف كتبا منها غريب الحديث و خلق الانسان و الوحوش و النبات. يروي عنه أبو عمر الزاهد و كان ديّنا صالحا و توفي في ذي الحجة من هذه السنة- يعني سنة 305- و دفن بباب التبن» (2).

____________

(1) صلة تاريخ الطبري ص 33 من الطبعة المقدم ذكرها.

(2) المنتظم «6: 145» و له ترجمة في تواريخ أخرى.

26

سنة 317 ه

13- و في سنة 317 توفي عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان ابن سابور بن شاهنشاه أبو القاسم ابن بنت أحمد بن منيع أي سبطه. ترجمه الخطيب و ذكر ما خلاصته أنه «بغوي الأصل. ولد ببغداد و نشأ فيها و طلب الحديث النبوي و سمع عليه بن الجعد و طبقته من الشيوخ المحدثين و روى عنه يحيى بن محمد بن صاعد و جماعة من طبقته من الرواة» قال الخطيب: «و كان ثقة ثبتا مكثرا فهما عارفا» و روى بسنده إليه أنه قال:

«رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام إلا أني لم أسمع منه شيئا و شهدت جنازته» و قال: «ولدت سنة ثلاث عشرة و مئتين» و قال ابن شاذان: و مات في ليلة الفطر من سنة سبع عشرة و ثلاث مئة سنة و أربع سنين. و نقل الخطيب رواية أخرى بأن مولده سنة 214 و أول ما كتب الحديث سنة 225. ثم قال:

«أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا إسماعيل بن علي الخطبي قال:

توفي أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن منيع الوراق ليلة الفطر من سنة سبع عشرة و ثلاث مئة و دفن يوم الفطر و قد أستكمل مئة سنة و ثلاث سنين و شهرا واحدا. قلت: و دفن في مقبرة باب التبن» (1).

سنة 317 ه

14- و أبو القاسم عبد للّه بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور ابن شاهنشاه ابن بنت أحمد بن منيع، ذكره لخطيب البغدادي قال:

«بغوي الأصل ولد ببغداد» و ذكر أن مولده بها كان سنة 214 و أنه روى الحديث بعد سماعه إياه على الشيوخ المشهورين الذين أدركهم و كان ثقة ثبتا مكثرا و ذكر أنه حكى عن نفسه قال: «كنت أورّق فسألت جدّي احمد بن منيع أن يمضي إلى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي يسأله أن يعطيني‏

____________

(1) تاريخ بغداد «10: 111- 117» و المنتظم «6: 227- 230».

27

الجزء الأول من المغازي عن أبيه عن ابن اسحاق حتى أورقه عليه، فجاء معي و سأله فأعطاني الجزء الأول فأخذته و طفت به فأول ما بدأت بأبي عبد للّه المغلّس و أريته الكتاب و أعلمته أني أريد أن أقرأ المغازي على سعيد الأموي فدفع إلي عشرين دينارا و قال: اكتب لي منه نسخة. ثم طفت بعده بقية يومي فلم أزل آخذ من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير و أكثر و أقل إلى أن حصل معي في ذلك اليوم مائتا دينار، فكتبت نسخا لأصحابها بشي‏ء يسير من ذلك و قرأتها لهم و استفضلت الباقي». ثم روى الخطيب بسنده عن إسماعيل بن علي الخطبي قال: توفي أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن منيع الوراق ليلة الفطر من سنة سبع عشرة و ثلاثمائة و دفن يوم الفطر و قد استكمل مائة سنة و ثلاث سنين و شهرا واحدا» قال الخطيب: «و دفن في مقبرة باب التبن» (1).

سنة 352 ه

15- و ذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني في حوادث سنة 352 وفاة (2) أبي محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد اللّه بن يزيد بن حاتم ابن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي المهلبي وزير معز الدولة أحمد ابن بويه، بعد خروجه في جمادى الآخرة لفتح عمان، و نقل قول أبي حيان التوحيدي إن المهلبي «كان يطرب على اصطناع الرجال كما يطرب سامع الغناء على الستائر و يرتاح لذلك كما يرتاح مدير الكأس على العشاء و قال:

لأكوننّ في دولة الديلم أول مذكور إذ فاتني أن أكون في دولة بني العباس- رح- آخر مذكور» و نقل قول التنوخي: «شاهدت المهلبي و قد اشتري له ورد بألف دينار في ثلاثة أيام فشرب عليه و أنهبه» ثم قال المؤرخ: «و دفن‏

____________

(1) تاريخ بغداد «10: 111- 117».

(2) و ذكر أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم» 7: 9» أنه توفي سنة 351 و دفن في مقابر قريش.

28

المهلبي بالنوبختيّة بمقابر قريش» (1).

و لأبي محمد المهلبي أخبار تاريخية في تجارب الأمم لمسكويه قال في آخرها في حوادث سنة 352: «و منها خرج الوزير أبو محمد المهلبي و معه الجيش لفتح عمان و ذلك يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة فانحدر و بلغ إلى هلتا من فم البحر و اعتلّ، فكنت أسمع من طبيبه فيروز بأنه مسموم لا محالة و كنت أسأله عمّن سمّه فلا يصرّح باسمه إلى أن كان بعد ذلك بمدة، و انقضت تلك الأيام فذاكرته بذلك، فقال: كان خرج معه فرج الخادم و كان أستاذ داره و المستولي على خاص أمره و معه جماعة من الخدم يطيعونه و كان قد فارق نعمة ضخمة و خرج من خيش و ثلج و تنعم إلى حرّ شديد و شقاء كثير، و توجه إلى عمان فواطأ الخدم على سمّه و قتله و الراحة من ذلك السفر و ظنّوا أنهم يسلمون و يعودون إلى نعمهم، ثم ذكر أنه مات محمولا على شبه محفة عائدا إلى بغداد، و كانت وفاته بزاوطا (2).

و ترجم له ياقوت في معجم الأدباء إلا أن أوائل ترجمته سقطت من النسخة المطبوعة (3)، و نقل ياقوت من تاريخ هلال ابن الصابي شيئا من مكارمه و قول هلال: «اللهم أنت جدّد الرحمة و الرضوان عليه إنك العليّ تحب معالي الأمور و أشرافها و تبغض سفسافها» قال هلال: «و حدث إبراهيم ابن هلال- يعني جدّه- قال: كان أبو محمد المهلبي يناصف العشرة أوقات خلوته و يبسطنا في المزح إلى أبعد غاية فإذا جلس للعمل كان امرءا و قورا و مهيبا و محذورا، آخذا في الجدّ الذي لا يتخونه نقص و لا يتداخله ضعف» (4). و لم يذكر ياقوت مدفنه، و ترجم له ابن خلكان، و ذكر

____________

(1) تكملة تاريخ الطبري «1: 223- 227».

(2) تجارب الأمم «6: 196، 197».

(3) معجم الأدباء «3: 180- 194 طبعة مرغليوت الأولى.

(4) المرجع المذكور «ص 186».

29

أن استيزار معز الدولة له في سنة 339 و أنه كان من ارتفاع القدر و اتساع الصدر و علو الهمة و فيض الكف على ما هو مشهور به و كان في غاية الأدب و المحبة لأهله، و كان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة و الضائقة» ثم قال: «و كانت محاسن الوزير المهلبي كثيرة و كانت ولادته ليلة الثلاثاء لأربعين بقين من المحرم سنة إحدى و تسعين و مائتين بالبصرة و توفي يوم السبت لست بقين من شعبان من سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة ...

و دفن بمقابر قريش في مقبرة النوبختية- رح- (1)».

و قال ابن النجار: «الحسن بن محمد بن هارون أبو محمد المهلبي، كاتب معز الدولة أبي الحسن أحمد بن بويه، و كان من ولد المهلب بن أبي صفرة و كان ينوب أبا جعفر الصيمري وزير معز الدولة ببغداد فلما مات الصيمري قلّده معز الدولة الوزارة مكانه و خلع عليه و قرّبه و أدناه و تخصص به و تمكنت منزلته عنده. حدث أبو عبد اللّه الصوفي قال: كنت أنا و أبو محمد المهلبي بسيراف في أيام حداثته و صعلكته فأنشدني لنفسه و قد مسّته إضاقة:

ألا موت يباع فاشتريه‏* * * فهذا العيش مالا خير فيه؟

ألا رحم المهيمن روح ميت‏* * * تفضل بالوفاة على أخيه‏

ثم وردت بعد سنين كثيرة فألفيته بها وزيرا مالكا للأمور فكتبت إليه:

قصدت إلى الوزير بلا احتشام‏* * * اذكّره زمانا قد نسيه‏

____________

(1) الوفيات «1: 155، 156» طبعة إيران، و مقبرة النوبختية هي غير محلة النوبختية التي دفن فيها الحسين بن روح النوبختي العالم المشهور فانها كانت في الجانب الغربي من بغداد و كان قبره فيها في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن احمد النوبختي النافذ الى التل و الى درب الآجر و الى قنطرة الشوك» يراجع كتاب الغيبة للطوسي «ص 238 طبعة محمد صادق الموسوي بمطبعة النعمان بالنجف الأشرف و ترجمة ابن النجار كما يستفاد من المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لأحمد بن أيبك الدمياطي» نسخة المجمع المصورة 32».

30

زمانا كان ينشدني و قيذا* * * «ألا موت يباع فاشتريه»

فوقّع على ظهر ورقتي المتضمنة هذه الأبيات:

رقّ الزمان لفاقتي‏* * * ورثى لطول تحرّقي‏

فأنالني ما أشتهي‏* * * و أدال‏ (1) مما بقي (كذا)

فلأغفرن له الكثير* * * من الذنوب السّبق‏

حتى جنايته بما* * * فعل المشيب بمفرقي‏

و وصلني و أحسن إليّ و أغناني. و من شعر الوزير المهبلي:

قال لي من أحبّ و البين قد جلّه و في مهجتي لهيب الحريق‏

ما الذي في الطريق خلفي (قل لي) (2)* * * قلت أبكي عليك طول الطريق‏

و له:

أعطيتني للّهو بي خاتما* * * اسمك مكتوب على فصّه‏

ما روّعتني زفرات الهوى‏* * * إلا تروّحت إلى مصه‏

و له:

يا هلالا يبدو فتهتاح نفسي‏* * * و هزارا يشدو فيزداد عشقي‏

زعم الناس أن رقّك ملكي‏* * * كذب الناس أنت مالك رقي‏

مولده بالبصرة في يوم الثلاثاء لأربع ليال بقين من المحرم سنة إحدى و تسعين و مائتين، و ذكر أبو القاسم التنوخي أنه توفي في شعبان سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة بزاوطا- (رحمه اللّه تعالى)- و حمل تابوته إلى بغداد فدفن بمقابر قريش و كانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة و ثلاثة أشهر» (3).

____________

(1) لعل الاصل: «و أدالني مما بقي».

(2) الشطر ناقص و لعل زيادتنا كالاصل.

(3) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد «نسخة المجمع العلمي المصورة او 32، 33».

31

و فصّل قصة المهلبي أبو اسحاق الحصري أحسن تفصيل مع أنه مغربيّ قال بعد ذكر اشعار في مدح المهلبي الوزير: «و المدح في أبي محمد المهلبي كثير و إنما يؤخذ من كل شي‏ء ما اختير، و كان قبل تعلقه بحبال السلطان سائحا في الأرض على طريق الفقر و التصوف قال أبو علي الصوفي كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في بعض طرقاته، فضجر لضيق الحال، فقال:

ألا موت يباع فاشتريه- و ذكر البيتين المذكورين آنفا- قال: فاشتريت له رطل لحم و طبخته له، ثم تصرّف بنا الدهر، و بلغ المهلبي مبلغه فاجتزت بالبصرة فاجتزت (كذا) بمسماران فاذا أنا بشطيّان و حرّاقات و ربازب و طيّارات في عدّة و عدد، فقلت لمن هذا؟ فقيل للوزير أبي محمد المهلبي فنعتوا لي صاحبي، فتوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت رقعة و احتلت حتى دخلت فسلمت و جلست، حتى إذا خلا المجلس دفعت إليه الرقعة و فيها «ألا قل للوزير بلا احتشام» (و ذكر البيتين الآخرين باختلاف يسير) فنظر إليّ و قال نعم، و نهض و أنهضني معه في مجلس أنسه و جعل يذكر لي كيف توافت حاله، و قدم الطعام فأطعمنا (كذا) و أقبل ثلاثة من غلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر، و مع آخر تخوت ثياب رفيعة و مع آخر طيب و بخور و أقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل، فقال لي: يا أبا عليّ تفضل بقبول هذه و لا تتأخر عن حاجة تعرض لك فشكرته و انصرفت، فلما هممت بالخروج من الباب استردني و أنشدني بديها: رق الزمان لفاقتي- و ذكر الأبيات الأخرى-» ثم قال الحصري: «و لما مات المهلبي وجد عليه‏ (1) أحمد بن بويه وجدا شديدا و لم يستوزر أحدا بعده و بلغ منه أبو الفضل العباس بن الحسين بن فاخر بعد المهلبي مبلغا عاليا للمصاهرة التي كانت بينه و بين المهلبي و لأنه كان يخلفه في الدواوين فكان يخطب درجة المهلبي في الوزارة فلم يبلغها» (2).

____________

(1) يعني «وجدبه» أي حزن.

(2) جمع الجواهر و الملح و النوادر «ص 274، 275».

32

و ترجم له ابن شاكر في فوات الوفيات مع أنه مترجم له في الوفيات قال: «كان كاتب معز الدولة بن بويه و لما مات الصيمري قلده معز الدولة الوزارة مكانه و قرّبه و أدناه و اختصّ به و عظم جاهه عنده و كان يدبّر أمر الوزارة للمطيع (العباسي) من غير تسميته الوزارة ثم جدّدت له الخلع من دار الخلافة بالسواد و السيف و المنطقة و لقبه المطيع بالوزارة و دبّر الدولتين و كان ظريفا نظيفا قد أخذ من الأدب بحظ وافر و له همة كبيرة و صدر واسع و كان جامعا لخلال الرياسة صبورا على الشدائد. و كان أبو الفرج الاصبهاني و سخا في ثوبه و نفسه و فعله فواكل‏ (1) الوزير المهلبي على مائدته، و قدمت سكباجة وافقت من أبي الفرج سعلة فندرت من فمه قطعة بلغم وقعت في وسط الصحن، فقال المهلبي: ارفعوا هذا و هاتوا من هذا اللون في غير هذا الصحن. و لم يبن في وجهه استكراه و لا داخل أبا الفرج حياء و لا انقباض. و كان من ظرف الوزير المهلبي إذا أراد أكل شي‏ء من أرز بلبن و هرائس و حلوى رقيق وقف إلى جانبه الأيمن غلام معه نحو من ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا فيأخذ الملعقة من الغلام الذي على يمينه و يأكل بها لقمة واحدة ثم يدفعها إلى الغلام الذي على يساره لئلا يعيد الملعقة إلى فيه مرة ثانية. و لما كثر على الوزير استمرار ما يجري من أبي الفرج جعل له مائدتين إحداهما كبيرة عامة و الأخرى لطيفة خاصة يؤاكله عليها من يدعوه إليها ...

و كان قبل وزارته قد سافر مرة و لقي في سفره مشقة شديدة و اشتهى اللحم فلم يقدر عليه و كان معه رفيق يقال له أبو عبد اللّه الصوفي فقال له المهلبي ارتجالا شعرا:

ألا موت يباع فاشتريه‏* * * فهذا العيش ما لا خير فيه‏

إذا أبصرت قبرا من بعيد* * * وددت لو أنني مما يليه‏

____________

(1) تسهيل «آكل» و هذا الفعل يلتبس بغيره الذي مصدره المواكلة و هي تركك الشي‏ء إلى غيرك كسلا.

33

ألا موت لذيذ الطعم يأتي‏* * * يخلصني من الموت الكريه‏

ألا رحم المهيمن نفس حرّ* * * تصدق بالوفاة على أخيه‏

فلما سمع هذه الأبيات اشترى له لحما بدرهم و طبخه و أطعمه و تفارقا و تقلبت الأحوال بالمهلبي و ولي الوزارة و ضاقت الأحوال برفيقه الصوفي فقصده و كتب إليه شعرا: ألا قل للوزير فدته نفسي ...

ألا قل للوزير فدته نفسي‏* * * مقال مذكر ما قد نسيه‏

أتذكر اذ تقول لضنك عيش‏* * * ألا موت يباع فاشتريه‏

(1) فلما قرأ الأبيات تذكره و أمر له في الحال بسبعمائة درهم و وقع له في رقعته (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) ثم دعاه و خلع عليه و قلده عملا يليق به. و لما ترقت به الحال قال:

رق الزمان لفاقتي ... قال أبو اسحاق الصابي: كنت يوما عند الوزير المهلبي و قد أخذ ورقة و كتب فيها. فقلت بديها:

له يد أبدعت جودا بنائلها* * * و منطق دره في الطرس ينتثر

فحاتم كامن في بطن راحته‏* * * و في أناملها سحبان يستتر

و من شعره- رح-:

الجود طبعي و لكن ليس لي مال‏* * * و كيف يصنع من بالقرض يحتال؟

فهاك حظي فخذه منك تذكرة* * * إلى اتساع فلي في الغيب آمال‏

و منه أيضا عفي عنه:

أتاني في قميص اللاذ يسعى ... و منه أيضا- رح-:

____________

(1) و يورد السيد نعمة اللّه الجزائري في كتابه (زهر الربيع) هذه الحكاية و يثبت ما كتبه الصوفي للوزير على هذا النحو:

ألا قل للوزير فدته نفسي‏* * * مقال مذكر ما قد نسيه‏

أتذكر اذ تقول لضنك عيش‏* * * ألا موت يباع فاشتريه‏

ثم يتم الحكاية على نحو ما ذكر من اكرام المهلبي له.

الخليلي (3)

34

تطوي بأوتارها الهموم كما* * * تطوى دجى الليل بالمصابيح‏

ثم تغنت فخلتها سمحت‏* * * بروحها خلعة على روحي‏

و كان أبو النجيب سدّاد بن إبراهيم الجزري الواعظ الملقب بالطاهر كثير الملازمة للوزير المهلبي فاتفق أن غسل ثيابه فأنفذ الوزير يدعوه فاعتذر قلم يقبل و ألح في استدعائه فكتب إليه شعرا:

عبدك تحت الحبل عريان‏* * * كأنه لا كان شيطان‏

... فأنفذ إليه جبّة و قميصا و عمامة و سراويل و خمسمائة درهم و قال:

أنفذت إليك ما تلبسه و ما تدفعه إلى خياط فإن كنت غسلت التكة و إلا عرفني لأنفذ إليك عوضها. و من شعر الوزير المهلبي:

تصارمت الأحضان لما هجرتني‏* * * فما نلتقي إلا ولي عبرة تجري‏

و طوّل ياقوت ترجمته و كانت وفاته سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة بطريق واسط و حمل الى بغداد- (رحمه اللّه تعالى)- (1)».

سنة 352 أو بعد سنة «360» ه

16- و أبو القاسم علي بن اسحاق بن خلف البغدادي المعروف بالزاهي الشاعر البارع، ترجم له الخطيب البغدادي قال: «علي بن اسحاق بن خلف أبو الحسن الشاعر المعروف بالزاهي، حسن الشعر في التشبيهات و غيرها و أحسب شعره قليلا، أنشدنا التنوخي قال أنشدنا محمد بن عبيد اللّه بن حمدان الكاتب النصيبي قال أنشدني علي بن إسحاق بن خلف الزاهي البغدادي القطان لنفسه- و كان دكانه في قطيعة الربيع-:

قم نهنى‏ء عاشقين‏* * * أصبحا مصطلحين‏

____________

(1) فوات الوفيات «1: 256- 260 من الطبعة الجديدة بمصر.

35

جمعا بعد فراق‏* * * فجعا منه و بين‏

ثم عادا في سرور من‏* * * صدود آمنين‏

فهم روح و لكن‏* * * ركبت في جسدين‏

قال لي التنوخي: مات الزاهي بعد سنة ستين و ثلاثمائة» (1).

و اختصر ترجمته من تاريخ الخطيب أبو الفرج بن الجوزي و أورد في البيت الرابع «بدنين» مكان جسدين‏ (2)، و ترجمه له ابن خلكان قال:

«كان وصافا محسنا كثير الملح» و قال: «و ذكره عميد الدولة أبو سعيد ابن عبد الرحيم بن عبد الرحيم في طبقات الشعراء و قال: ولد يوم الاثنين لعشر ليال بقين من صفر سنة ثماني عشرة و ثلاثمائة و توفي يوم الاربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة ببغداد و دفن في مقابر قريش و شعره في أربعة أجزاء و أكثر شعره في أهل البيت و مدح سيف الدولة و الوزير المهلبي و غيرهما من رؤساء وقته و قال في جميع الفنون، و له:

صدودك في الهوى هتك استتاري‏* * * و عاونه البكاء على اشتهاري‏

و لم أخلع عذاري فيك إلا لما* * * عاينت من حسن العذار

و كم أبصرت من حسن و لكن‏* * * عليك لشقوتي وقع اختياري‏

و له في تشبيه البنفسج:

و لا زوردية أوفت بزرقتها* * * بين الرياض على زرق اليواقيت‏

كأنها فوق طاقات صففن لها* * * أوائل النار في أطراف كبريت‏

و من محاسن شعره قوله:

و مدامة كضيائها في كأسها* * * نور على فلك الانامل بازغ‏

____________

(1) تاريخ بغداد «11: 350».

(2) المنتظم «7: 59».

36

رقت و غاب عن الزجاجة لطفها* * * فكأنما الابريق منها فارغ‏

و من محاسن شعره قوله:

و بيض بالحاظ العيون كأنما* * * هززن سيوفا و انتضين خناجرا

تصدّين لي يوما بمنعرج اللوى‏* * * فغادرن قلبي بالتصبر غادرا

سفرن بدورا و انتقبن أهلة* * * و مسن غصونا و التفتن جآذرا

و أطلعن في الأجياد بالدرّ أنجما* * * جعلن لحبات القلوب ضرائرا

و هذا تقسيم عجيب و لقد استعمله جماعة من الشعراء لكنهم ما أتوا به على هذه الصورة فانه أبدع فيه ... و قيل توفي الزاهي بعد سنة ستين و ثلاثمائة (رحمه اللّه تعالى)، و الزاهي بفتح الزاي و كسر الهاء بعد الألف قال السمعاني:

هذه النسبة الى قرية من قرى نيسابور و نسب إليها جماعة ثم قال: و أما أبو الحسن علي بن اسحاق بن خلف الشاعر البغدادي المعروف بالزاهي فلا أدري ينسب إلى هذه القرية أم لا؟ غير أنه بغدادي و كان حسن الشعر» (1).

و جاء في الهامش «قوله- يعني السمعاني- أبو الحسن الخ مع ما قال في أول الترجمة إنه أبو القاسم فلينظر» قلت: القول الثاني هو للسمعاني و يجوز أن كانت له كنيتان فهذا مألوف و منهم من كانت له أربع كنى.

و أورد له ابن شهراشوب مقطعات من شعره في مديح آل البيت منها قوله في مدح الإمام علي- ع-:

مفقّه الأمة و القاضي الذي‏* * * أحاط من علم الهدى ما لم يحط

و النبأ الأعظم و الحجة و ال* * * مصباح و المحنة في الخطب الورط

حبل إلى اللّه و باب الحطة ال* * * فاتح بالرشد مغاليق الخطط

و القدم الصدق الذي سيط به‏* * * قلب امرى‏ء بالخطوات لم يسط

و نهر طالوت و جنب اللّه و ال* * * عين التي بنورها العقل خلط

____________

(1) وفيات الاعيان 1: 390، 391.

37

الأذن الواعية الصمّاء عن كل‏* * * خنا يغلط فيه من غلط

حسن مآب عند ذي العرش و من‏* * * لو لا اياديه لكنا نختبط (1)

و له من هذا الضرب غرر يستطيع الهوي الرجوع اليها

سنة 355 ه

17- و أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن سالم بن البراء بن سبرة بن التميميّ المعروف بابن الجعابي القاضي المولف، المحدّث، ولد ببغداد لست ليال أو لسبع مضين من صفر سنة 284 ه و كان يسكن بعض سكك باب البصرة من المحلات المجاورة لمدينة المنصور بالجانب الغربي من بغداد و أقبل على سماع الحديث عن شيوخ عصره المشاهير و كان ذا حافظة قويّة جدا، و برع في علم الحديث، روى الخطيب عن بعضهم أنه كان «إماما في المعرفة بعلل الحديث و ثقات الرجال من معتلّيهم و ضعفائهم و أسمائهم و أنسابهم و كناهم و مواليدهم و أوقات وفاتهم و مذاهبهم و ما يطعن به على كل واحد و ما يوصف من السّداد، و كان آخر عمره قد انتهى هذا العلم إليه حتى لم يبق من يتقدمه فيه في الدنيا (2)» و كان قال: «كان أحد الحفاظ الموجودين‏ (3) (كذا) صحب أبا العباس بن عقدة و عنه أخذ الحفظ و له تصانيف كثيرة في الأبواب و الشيوخ و معرفة الإخوة و الأخوات و تواريخ الأمصار و كان كثير الغرائب و مذهبه في التشيع معروف» (4). ثم قال الخطيب: «سألت أبا بكر البرقاني عن ابن الجعابي فقال حدثنا عنه الدارقطني و كان صاحب غرائب، و مذهبه معروف في التشيع. قلت: قد طعن عليه في حديثه‏

____________

(1) مناقب آل ابي طالب 1: 56 ط طهران.

(2) تاريخ بغداد «3: 26- 28».

(3) في المنتظر «7: 37 المجودين و هو الصحيح.

(4) تاريخ بغداد «ص» 26.

38

و سماعه. فقال: ما سمعت فيه إلا خيرا» (1) و قد كان الخطيب قال: «حدثني أبو الفضل عيسى بن أحمد بن عثمان الهمذاني قال سمعت أبا الحسن بن زرقويه يقول: كنت يوما عند أبي بكر الجعابي فجاءه قوم من الشيعة فسلّموا عليه و دفعوا إليه صرّة فيها دراهم ثم قالوا: أيها القاضي إنك جمعت أسماء محدثي بغداد و ذكرت من قدم إليها، و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قد وردها فنسألك أن تذكره في كتابك. فقال: نعم يا غلام هات الكتاب، فجاء به، فكتب فيه: و أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يقال إنه قدمها.

قال ابن زرقويه: فلما انصرف القوم قلت له: أيها القاضي هذا الذي ألحقته في الكتاب من ذكره؟ فقال: هؤلاء الذين رأيتهم. أو كما قال» (2).

و ذكر الخطيب أن ابن الجعابي قلّد قضاء الموصل فلم يحمد في ولايته، ثم قال: «حدثني الحسن بن أحمد بن عبد اللّه الصوفي قال قال لنا علي بن أحمد بن عمر المقرى‏ء: مات أبو بكر بن الجعابي الحافظ يوم‏ (3) ... من رجب سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة و دفن من غد. حدثني الأزهري أن ابن الجعابي لما مات صلّي عليه في جامع المنصور و حمل إلى مقابر قريش فدفن بها، قال: و كانت سكينة نائحة الرافضة تنوح على جنازته، و كان أوصى بأن تحرق كتبه فأحرق جميعها و أحرق معها كتب للناس كانت عنده، قال الأزهري: فحدثني أبو الحسين بن البواب قال: كان لي عند ابن الجعابي مائة و خمسون جزءا (4) فذهبت في جملة ما أحرق» (5). و اختصر أبو الفرج بن الجوزي ما ذكره الخطيب و أورده في تاريخه‏ (6) و فيه التصريح‏

____________

(1) المرجع المتقدم «ص 30، 31».

(2) تاريخ بغداد «1: 90» و راجع تفنيدنا لدعوى الخطيب البغدادي و ابن زرقويه في الجزء الأول من قسم الكاظمين «ص 13- 17» من موسوعة العتبات المقدسة.

(3) بياض في النسخة المطبوعة.

(4) الجزء عند القدماء يقارب اربعين صفحة أو خمسين من القطع الاوسط.

(5) تاريخ بغداد 3: 26، 31.

(6) المنتظم 7: 36، 37.

39

بأنه دفن في مقابر قريش، و اختصر الترجمة قبله تاج الاسلام السمعاني و لكنه لم يذكر مدفنه‏ (1). و ترجم له في كتب أخرى. و منها كتاب الفهرست للطوسي «ص 151 طبعة النجف» ..

سنة 362

18- و في سنة «362» ه توفيت السيدة «زينة بنت الوزير أبي محمد الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب ابن أبي صفرة. و كانت زوجة العباس بن الحسين الشيرازي وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة البويهيّ قال أبو اسحاق المصري: «كان العباس تزوّج زينة بنت المهلبي، و كانت قد بلغت بها الحال إلى أن اتخذت الجواري الأتراك حجّابا في زيّ الرجال على ما جرى به رسم السلطان و كان لها كتّاب من النساء مثل سلمى النوبختية و عائشة بنت نصر القشوري حاجب المقتدر و غيرهما من القهارمة و من تتصرّف في الأعمال تصرف الرجال. و كان لها كرم وجود في الأموال، فلما قبض على زوجها أبي الفضل‏ (2) بعد وزارته الثانية لبختيار بن أحمد، و قد صارت الوزارة لمحمد بن بقية اختفت زينة ابنة الحسن و سائر أسبابها، فجعلت عليها العيون في كل مكان، و استقصى على أبي الفضل زوجها و سلّم إلى محمد بن عمر بن يحيى بن طاهر العلوي فخرج به من بغداد إلى الكوفة فأقام عنده مدة يسيرة ثم مات‏ (3) و دفن هناك في النجف بجوار قبر علي بن أبي طالب- كرّم اللّه وجهه-. و لم يزل بختيار يطلب زينة و أسبابها فعثر على أكثر أسبابها فلم يجد له موضعا، و كان سبب اختفائها منه أنه راسلها في حين القبض على أبي الفضل و أعلمها أنه‏

____________

(1) الأنساب في الجعابي.

(2) قال مسكويه في تجارب الأمم «6: 313» سنة 362 «و في هذه السنة خلع ثاني يوم قبضه على ابي الفضل و هو يوم الاثنين السابع من ذي الحجة بسنة 362 على محمد بن بقية».

(3) قال مسكويه «و تلف فلم يشك أحد أنه مات مسموما».

40

بسومه الترك لها (كذا) ليتزوج بها. فردّت أقبح ردّ و أنكرت ذلك فكان ذلك سبب اختفائها، و كان لها من الذخائر و الودائع في أيدي جماعة مما كان يغني كثيرا من الناس، فلما بلغ بها الأمر طمع كل واحد فيما في يده و الغدر به. و لما كان بعد اليأس من وجودها ظهر بظاهر الخلد بقرب محلة تعرف بالتستيرين فرد محمل فيه إمرأة في أخلاقه و عند رأسها رقعة مكتوب فيها (زينة بنت الحسن بن محمد المهلبي الوزير) فاشتهر ذلك عند الخاصة و العامة و وافى القاضي أبو تمام الحسن بن محمد الهاشمي المعروف بالزينبي فاحتملها لداره و تولى من أمرها ما يجب لمثلها و دفنها في مقابر قريش و قد كانت تحت ولديه أبي الحسن و أبي القاسم‏ (1).

و ذكر مسكويه خبر القبض على أبي الفضل الشيرازي و وفاته سنة 362 و قد نقلنا في الحاشية بعض ذلك ثم قال: «و قبل ذلك توفيت زينة بنت أبي محمد المهلبي- رح- و قد كان أخوها أبو الغنائم تقدمها و أكثر أهلها و انقرضت الجماعة ثم تتبعهم جميع من اشترك في دم أبي الفضل قتلا من غير أن طال بهم الأعمار و سنذكر ذلك في موضعه إن شاء اللّه» (2).

سنة 365 ه

19- و أبو الحسين علي بن عبد اللّه بن وصيف الملقب بالناشي‏ء و عند بعض المؤرخين بالناشي‏ء الأصغر لوجود شاعر أديب عاش قبله و لقب بالناشي‏ء فجعلوه «الأكبر» قال السمعاني في «الناشي‏ء» من الأنساب و إنما قيل له الناشي‏ء لأنه نشأ في فن الشعر و المشهور بهذه النسبة علي بن عبد اللّه الناشى‏ء شاعر مشهور كان في زمن المقتدر و القاهر و الراضي و هو بغدادي سكن مصر. هكذا ذكر أبو نصر بن ماكولا» و تفادى عز الدين بن الأثير من‏

____________

(1) كتاب جمع الجواهر في الملح و النوادر «ص 278، 279».

(2) تجارب الأمم «6، 313، 314».

41

التحقيق فقال: الناشى‏ء بفتح النون و بعد الألف شين معجمة. عرف- بهذا علي بن عبيد اللّه ابن الناشي‏ء (كذا) الشاعر كان في زمن المقتدر و القاهر و الراضي و بعدهم» (1). و قد وهم ابن ماكولا في ذكره أن علي بن عبد اللّه الناشي‏ء سكن مصر و إنما قصد إليها مادحا مسترفدا، فالذي سكن مصر هو الناشي‏ء الأكبر، ذكره المسعودي غير مرة. قال مرة في الكلام على العروض: «و قد صنف ابو العباس عبد اللّه بن محمد الناشي‏ء الكاتب الأنباري على الخليل بن أحمد (ما خرج فيه) عن تقليد العرب إلى باب التعسف و النظر و نصب العلل على أوضاع الجدل، كان ذلك له لازما و لما أورده كاسرا و للناشى‏ء أشعار كثيرة حسان منها قصيدة واحدة نحو من أربعة آلاف بيت قافية واحدة نونية منصوبة يذكر فيها أهل الآراء و النحل و المذاهب و الملل و أشعار كثيرة و مصنفات واسعة في أنواع من العلوم، فمما جوري فيه قوله حين سار من العراق إلى مصر- و بها كانت وفاته و ذلك في سنة ثلاث و تسعين و مائتين على حسب ما قدمنا ذكره‏ (2)- ...» و كان المسعودي ذكره في الكلام على نسب يونان و دعوى يعقوب بن اسحق الكندي أن يونان أخ لقحطان قال: «و قد رد عليه أبو العباس عبد اللّه بن محمد الناشي‏ء في قصيدة طويلة» (3).

و قال ابن خلكان: أبو العباس عبد اللّه بن محمد الناشي‏ء الأنباري المعروف بابن شرشير الشاعر، كان من الشعراء المجيدين و هو من طبقة ابن الرومي و البحتري و أنظارهما و هو الناشي‏ء الأكبر و سيأتي ذكر الناشي‏ء الأصغر إن شاء اللّه تعالى‏ (4)». ثم قال: «أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن و صيف‏

____________

(1) اللباب في «الناشي‏ء».

(2) مروج الذهب «ج 2 ص 340، 341 طبعة المطبعة البهية بمصر سنة 1346.

(3) المروج «ج 1 ص 178 من الطبعة المذكورة.

(4) الوفيات «1: 285 طبعة ايران» و له ترجمة في تاريخ بغداد للخطيب «10: 92» و المنتظم «6: 57» و له شعر في الديارات «ص 26».

42

المعروف بالناشي‏ء الأصغر الحلّاء الشاعر المشهور و هو من الشعراء المحسنين ...

و الحلّاء بفتح الحاء المهملة و تشديد اللام ألف و إنما قيل له ذلك لأنه كان يعمل حلية من النحاس» (1). و قال ياقوت ناقلا: قول بعضهم: «و كان يعمل الصفر و يخرّمه و له فيه صنعة بديعة و من عمله قنديل بالمشهد بمقابر قريش مربع غاية في حسنه» (2).

قال ابن عبد الرحيم في كتابه الذي ضمّنه تراجم الشعراء نقلا عن الخالع الحسين بن محمد الأديب الشاعر: «حدثني الناشي‏ء قال: كان جدي و صيف مملوكا و كان عبد اللّه: أبي، عطارا في الحضرة بالجانب الشرقي و كنت لما نشأت معه في دكانه كان ابن الرومي يجلس عندنا و أنا لا أعرفه، و كان يلبس الدراعة، و ثيابه و سخة، و انقطع عنّا مدة، فسألت عنه أبي و قلت:

ما فعل ذلك الشيخ الوسخ الثياب الذي كان يجلس إلينا؟ فقال: ويحك ذاك ابن الرومي و قد مات. فندمت أن لم أكن أخذت عنه شيئا و لا عرفته في حال حضوره‏ (3). و تشاغلت بالصنعة عن طلب العلم ثم لقيت ثعلبا و لم أخذ عنه إلّا أبياتا و هي:

إن أخا الاخوان من يسعى معك‏* * * و من يضرّ نفسه لينفعك‏

قال الخالع: و كان الناشي‏ء قليل البضاعة في الأدب قؤوما بالكلام و الجدل. يعتقد الامامة و يناظر عليها بأجود عبارة فاستنفد عمره في مديح أهل البيت حتى عرف بهم و أشعاره فيهم لا تحصى كثرة و مدح مع ذلك الراضي باللّه و له معه أخبار و قصد كافورا الأخشيدي بمصر و امتدحه و امتدح ابن حنزابة و كان ينادمه و طرأ إلى البريديين بالبصرة و إلى الفضل بن العميد بأرجان و عضد الدولة بفارس و كان مولده على ما خبرني به سنة 271 و مات‏

____________

(1) الوفيات «1: 389».

(2) معجم الأدباء «5: 237» و قد نقلنا هذا آنفا.

(3) قلنا: كان الخطأ من أبيه لأنه كان عاميا لا يقيم وزنا للآداب و الأدباء.

43

يوم الاثنين لخمس خلون من صفر سنة 365 و كنت حينئذ بالريّ فورد كتاب ابن بقية إلى ابن العميد بخبره و قيل إنه- يعني ابن بقية الوزير- تبع جنازته ماشيا و أهل الدولة كلهم و دفن في مقابر قريش‏ (1). و قبره هناك معروف و لم يخلف عقبا و لا علمت أنه تزوج قط و كان يميل إلى الأحداث (كذا) و لا يشرب النبيذ و له في المجون و الولع طبقة عالية و عنه أخذ مجّان باب الطاق كلهم هذه الطريقة و كان يخلط بجدله و مناظراته هزلا مستملحا و مجونا مستطابا يعتمد به إخجال خصمه و كسر حدّه و له في ذلك أخبار مشهورة و كانت له جارية سوداء تخدمه ... حدثني الناشي‏ء قال: أدخلني ابن رائق على الراضي باللّه و كنت مدّاحا لابن رائق و نافقا عليه فلما وصلت إلى الراضي قال لي: أنت الناشي‏ء الرافضي؟ فقلت: خادم أمير المؤمنين الشيعي.

فقال: من أي الشيعة؟ قلت: شيعة بني هاشم. فقال: هذا خبث جبلّة.

فقلت: مع طهارة مولد. فقال: هات ما معك. فأنشدته، فأمر أن يخلع عليّ عشر قطع ثيابا و أعطى أربعة آلاف درهم، فأخرج لي ذلك و تسلمته و عدت إلى حضرته فقبّلت الأرض و شكرته و قلت: أنا ممن يلبس الطيلسان فقال: هاهنا طيالس عدنيّة أعطوه منها طيلسانا و أضيفوا إليها عمامة خزّ، ففعلوا فقال أنشدني من شعرك في بني هاشم، فأنشدته:

بني العباس إنّ لكم دماءا* * * أراقتها أمية بالذّحول‏

فليس بهاشمي من يوالي‏* * * أميّة و اللعين أبا زبيل‏ (2)

فقال: ما بينك و بين أبي زبيل؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم. فتبسم‏

____________

(1) ذكرنا في اخبار المشهد الكاظمي نقلا من مرآة الزمان في تاريخ فتنة سنة 443 أنه أتى جماعة الى مشهد الامام موسى- ع- فنهبوه و أخذوا ما فيه و أخرجوا جماعة من قبورهم فأحرقوهم مثل العونى الشاعر و الناشى‏ء ...

(2) المشهور «أبو زنبيل بن محمد بن أبي خالد المروزي و كان أبوه رئيس أهل بغداد الذين حاربوا الحسن بن سهل و أبوا خلافة المأمون» راجع المعارف لابن قتيبة ص 388 طبعة مطبعة دار الكتب بمصر.

44

و قال: انصرف. قال الخالع: و شاهدت العمامة و الطيلسان معه و بقيا عنده إلى أن مات. و كان أبو الحسن الناشي‏ء شيخا طويلا جسيما عظيم الخلقة عريض الألواح موفر القوّة، جهوري الصوت، عمّر نيفا و تسعين سنة، لم تضطرب أسنانه و لا قلع سنّا منها و لا من أضراسه» (1).

و قال ابن خلكان: «و للناشي‏ء في أهل البيت قصائد كثيرة و كان متكلما بارعا أخذ الكلام عن ابي سهل اسماعيل بن علي بن نوبخت و كان من كبار الشيعة و له تصانيف كثيرة» ثم قال: «قال أبو بكر الخوارزمي: أنشدني أبو الحسن الناشي‏ء بحلب لنفسه و هو مليح جدا:

إذا أنا عاتبت الملوك فانما* * * أخط بأقلامي على الماء أحرفا

و هبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن‏* * * مودته طبعا فصارت تكلفا؟!» (2)

و قال الخالع: حدثني أبو الحسن الناشي‏ء قال: كنت بالكوفة في سنة 325 و أنا أملي شعري في المسجد الجامع و الناس يكتبونه عني و كان المتنبي إذ ذاك يحضر معهم و هو بعد لم يعرف و لم يلقب بالمتنبي فأمليت القصيدة التي أولها:

بآل محمد عرف الصواب‏* * * و في أبياتهم نزل الكتاب‏

و قلت فيها:

كأن سنان ذبله ضمير* * * فليس عن القلوب له ذهاب‏

و صارمه كبيعته بخمّ‏* * * مقاصدها من الخلق الرقاب‏

فلمحته يكتب هذين البيتين و منها أخذ ما أنشدتموني الآن من قوله:

كأن الهام في الهيجا عيون‏* * * و قد طبعت سيوفك من رقاد

____________

(1) معجم الأدباء «5: 235- 237 طبعة مرغليوث الاولى.

(2) وفيات الأعيان «1: 389، 390».

45

و قد صعت الأسنّة من هموم‏* * * فما يخطرن إلا في فؤاد (1)

و قد ذكر ابن خلكان هذا الخبر إلا أنه ذكر أن المتنبي كان صبيا، و من تجاوز عمره عشرين سنة لا يعد صبيا، و ذكر قول من قال إنه توفي سنة 366 ه (2)، و القول الأول أشهر و أظهر منه.

و قال الخالع: كنت مع والدي في سنة 346 و أنا صبي في مجلس الكبودي في المسجد الذي بين الوراقين و الصاغة و هو غاص بالناس و إذا رجل قد وافى و عليه مرقعة و في يده سطيحة (3) و ركوة و معه عكاز و هو أشعث، فسلّم على الجماعة بصوت يرفعه ثم قال: أنا رسول فاطمة الزهراء- (صلوات اللّه عليها)-. فقالوا: مرحبا بك و أهلا. و رفعوه. فقال: أتعرفون لي أحمد المزوّقة النائح؟ فقالوا: ها هو جالس. فقال: رأيت مولاتنا- (عليها السّلام)- في النوم، فقالت لي: امض إلى بغداد و اطلبه و قل له: نح على ابني بشعر الناشي‏ء الذي يقول فيه:

بني أحمد قلبي لكم يتقطع‏* * * بمثل مصابي فيكم ليس يسمع‏

و كان الناشي‏ء حاضرا فلطم لطما عظيما على وجهه، و تبعه المزوقة و الناس كلهم، و كان أشدّ الناس في ذلك الناشي‏ء ثم المزوّقة ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلى الناس الظهر و تقوض المجلس، و جهدوا بالرجل أن يقبل شيئا منهم، فقال: و اللّه لو أعطيت الدنيا ما أخذتها فانني لا أرى أن أكون رسول مولاتي- ع- ثم آخذ عن ذلك عوضا. و انصرف و لم يقبل شيئا ..

قال: و من هذه القصيدة- و هي بضعة عشر بيتا-:

____________

(1) معجم الأدباء «5: 239- 240» و ذكر الخالع أن هذا المعنى مقتبس من شعر أبي تمام و أن أبا تمام اقتبسه من ديك الجن أو كان ديك الجن سابقا إليه.

(2) وفيات الأعيان «1: 389، 390».

(3) السطيحة المزادة و هي ما يوضع فيه الزاد.

46

عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم‏* * * و يسطو عليكم من لكم كان يخضع‏

كأن رسول اللّه أوصى بقتلكم‏* * * و أجسامكم في كل أرض توزّع‏ (1)

و ذكر ابن حجر مختصر هذه الترجمة و نقل من تاريخ ابن النجار أن وفاته كانت سنة 366 و أنه مات فجأة (2). و أورد له ابن شهر اشوب مقطعات من شعره في مدح آل البيت- ع-.

سنة 368

20- و في سنة 368 توفي ببغداد الشيخ الفقيه أبو القاسم جعفر بن محمد ابن موسى المعروف بابن قولويه الملقب بالصدوق أحيانا البغدادي، و دفن في مقابر قريش بالقرب من مدفن الامام الجواد- ع- قال الخونساري:

«هو من ثقات أصحابنا الامامية و نبلائهم في الفقه و الحديث، يروي عن الشيخ أبي جعفر الكليني و عن أبي نفسه الراوية الجليل محمد بن قولويه الذي هو من مشايخ الكشي و خيار أصحاب سعد بن عبد اللّه القمي، كما في الرجال، و كان من كبار شيخنا المفيد و المدفون أيضا في جنبه بالقرب من حضرة- مولانا الجواد- ع- كما في البحار عن خط الشهيد و اطلعت على الأثر منهما أيضا هناك في الرواق الأول الشرقي المتصل بالحضرة الكاظمية- زادها اللّه شرفا و تعظيما. و في رياض العلماء أن قبره الآن بقمّ المحروسة معروف.

ثم ذكر أنّ كل ما يوصف به من جميل وثقة وفقه فهو فوقه، و له تصانيف ذكرناها في كتابنا الكبير. و في فهرست الشيخ (الطوسي) بعد ذكره و توثيقه أن له تصانيف كثيرة على عدد كتب الفقه، إلى أن قال: و له كتاب جامع الزيارات، و كأن المراد به هو ما يعبّر عنه في زماننا هذا بكامل الزيارات، و يرمز له في نسخ البحار بلفظه (مل) و الغالب عليه أخبار الفضيلة دون‏

____________

(1) معجم الأدباء: 5- 240.

(2) لسان الميزان- 4- 238- 240.

47

الهيئات و الآداب، و له أيضا كتاب فهرست ما كان يرويه من الكتب و الأصول، و مات- رح- سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة و قيل إن تاريخ وفاته:

(رحم اللّه الودود) فليتأمل» (1). و جاء في الكنى و الألقاب «و أما ابن قولويه الذي دفن بقم و له مقبرة معروفة قرب الشيخان الكبير فهو والد هذا الشيخ الجليل محمد بن جعفر»، و تناوله لسان الميزان كجميع رواة الشيعة لأنهم شيعة و جاء فيه أنه «أبو القاسم السهمي» و أنه من كبار الشيعة و علمائهم المشهورين، و قال «متّهم» و قال: «و ذكره الطوسي و ابن النجاشي و علي ابن الحكم في شيوخ الشيعة و تلمذ له المفيد و بالغ في إطرائه و حدث عنه الحسين بن عبد اللّه الغضائري و محمد بن سليم الصابوني. سمع منه بمصر، مات سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة» (2).

سنة 378 ه

21- و أبو الحسن محمد بن أحمد بن داود بن علي، قال أبو العباس ابن أحمد النجاشي: «شيخ هذه الطائفة و عالمها و شيخ القميين في وقته و فقيههم، حكى أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه أنه لم ير أحفظ منه و لا أفقه و لا أعرف بالحديث ... ورد بغداد و أقام بها. حدّث و صنّف كتبا:

كتاب المزار. كتاب الذخائر. كتاب البيان عن حقيقة الصيام. كتاب الردّ على المظهر الرخصة في المسكر. كتاب الممدوحين و المذمومين. كتاب الرسالة في عمل السلطان. كتاب العلل. كتاب في عمل شهر رمضان. كتاب صلاة الفرج و أدعيتها. كتاب السبحة. كتاب الحديثين المختلفين. كتاب الرد على ابن قولويه في الصيام. حدثنا عنه جماعة أصحابنا- رح- بكتبه منهم‏

____________

(1) روضات الجنات «1: 143 الطبعة الأولى». و له ترجمة في كتب أخرى منها فهرست الطوسي «ص 42» و رجال أبي علي «ص 79» و الكنى و الألقاب «1: 379» و غيرها.

(2) لسان الميزان «2: 125».

48

أبو العباس بن نوح و محمد بن محمد و الحسين بن عبد اللّه في آخرين. و مات أبو الحسن بن داود سنة ثمان و سبعين و ثلاثمائة و دفن بمقابر قريش» (1). قال مصطفى جواد: هو غير ابن داود الحلي المتأخر تلميذ العلامة ابن مطهر الحلي.

سنة 391 ه

22- و أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحجاج الكاتب الشاعر، ذكره ابن خلكان قال: «الشاعر المشهور ذو المجون و الخلاعة و السخف في شعره، كان فرد زمانه في فنّه فانه لم يسبقه إلى تلك الطريقة مع عذوبة ألفاظه و سلامة شعره من التكلف و مدح الملوك و الأمراء و الوزراء و الرؤساء، و ديوانه كبير أكثر ما يوجد في عشر مجلّدات و الغالب عليه الهزل و له أيضا في الجدّ أشياء حسنة و تولى حسبة بغداد و أقام بها مدة و يقال إنه عزل بأبي سعيد الاصطخري الفقيه الشافعي ... و يقال إنه في الشعر في درجة امرى‏ء القيس و إنه لم يكن بينهما مثلهما لأن كل واحد منهما مخترع طريقة ... و توفي يوم الثلاثاء السابع و العشرين من جمادى الآخر سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة بالنيل و حمل إلى بغداد- رح- و دفن عند مشهد موسى بن جعفر- ع- أوصى أن يدفن عند رجليه و أن يكتب على قبره (و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) و كان من كبار الشيعة الغالين في موالاة أهل البيت» (2).

و ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر (3) و أورد له كثيرا من شعره بعد أن ذكر أنه من سحرة الشعر و عجائب العصر و أنه فرد زمانه في فنّه الذي اشتهر به‏

____________

(1) رجال النجاشي «ص 272 طبعة بمبى».

(2) وفيات الأعيان «1: 170 طبعة ايران».

(3) اليتيمة «ج 3 ص 25- 87» طبعة مطبعة الصاوي.

49

و أنه لم يسبق إلى طريقته. و لم يلحق شأوه في نمطه، و لم ير كاقتداره على ما يريده من المعاني التي تقع في طرزه مع سلاسة الألفاظ و عذوبتها، و انتظامها في سلك الملاحة و البلاغة و إن كانت مفصحة عن السخافة، مشوبة بلغات الخلديّين‏ (1) و المكدّين و أهل الشطارة. و ترجم له ياقوت الحمويّ و نقل أكثر كلام الثعالبي‏ (2) و أفرد جملة من شعره، و ذكر ترجمته الخطيب البغدادي قال: «أكثر قوله في الفحش و السخف و قد سرد أبو الحسن الموسوي المعروف بالرضيّ من شعره في المديح و الغزل و غيرهما ما جانب السخف فكان شعرا حسنا متخيرا جيدا» و أورد له مقطوعتين‏ (3) و ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه قال: «و كانت إليه حسبة بغداد في أيام عز الدولة فاستخلف عليها ستة أنفس كلهم لا خير فيه ثم تشاغل بالشعر و تفرد بالسخف الذي يدل على خساسة النفس، فحصل الأموال به و صار ممن يتقى لسانه، و حمل إليه صاحب مصر عن مديح مدحه به ألف دينار مغربيّة ...» (4) و أورد له شيئا من شعره.

و قد نقلنا آنفا ما ذكره ابن سعيد المغربيّ من أنه رأى قبره في المشهد الكاظميّ على طريق الزوّار فسأل عنه فقيل له: هذا قبر الحسين بن الحجاج الشاعر و حقق مراده من وصيته أن تكتب على قبره الآية الكريمة «وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»، و له في مناقب آل أبي طالب شعر «2؛ 344».

و ذكره قاضي قضاة الشافعية عز الدين عبد العزيز بن جماعة المتوفى‏

____________

(1) الظاهر لي أنهم الفقراء الذين عاشوا كجعفر الخلوي الصوفي المتوفي سنة 348 و كان لا يحمل زادا و لا مالا أينما سار أو الشطار الذين كانوا يألفون خرابة قصر الخلد من قصور العباسيين على شاطى‏ء دجلة الغربي، بناه أبو جعفر المنصور.

(2) معجم الأدباء «4: 6- 16».

(3) تاريخ بغداد «8: 14، 15».

(4) المنتظم «7: 216- 218».

50

سنة 767 ه في كتابه في تراجم الأدباء و ذكر بعض ما نقلناه من التواريخ الأخرى و قال: «قيل إنه كان غاليا في التشيع و ما قدمناه من نظمه يقتضي أنه لم يكن غاليا فيه، توفي بالنيل في الثالث و العشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى و تسعين و ثلاثمائة ثم حمل إلى بغداد و دفن عند مشهد موسى بن جعفر» (1). و من شعره ما غنته عجيبة المغنية المصرية و كانت مغنية الملك الكامل ابن الملك العادل الأيوبيّ، و هو:

رفقا عليّ فما أبقيت من رمقي‏* * * لا تأملي‏ (2) لي بأن أبقى و لا تثقي‏

هيهات أين البقا من موجع كمد* * * عليك صب بنار الشوق محترق‏

يا سائلي عن دمي لا تطلبوا أحدا* * * بعدي فان دمي المسفوك في عنقي‏

إني حملت على نفسي لشقوتها* * * مثل الجبال من البلوى فلم تطق‏

فمن رأى ليت شعري مثل موقفنا* * * يوم النوى أبحرا تجري من الحدق‏ (3)

يا آمري في دموعي بعد ما فنيت‏* * * بأن أصون و أحمي ما عساه بقي‏

____________

(1) كتاب الأدباء لابن جماعة «نسخة دار الكتب الوطنية 3346 الورقة 66».

(2) في الأصل «لا تأيسي» و لعله تصحيف.

(3) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار «نسخة دار الكتب الوطنية بباريس 5870 الورقة 212».

51

القرن الخامس الهجري سنة 401 ه

23- و أبو علي الحسن بن أبي جعفر أستاذ هرمز الملقب عميد الجيوش ولد سنة «350» و كان أبوه من حجاب عضد الدولة و جعل ابنه أبا علي الحسن برسم خدمة ابنه صمصام الدولة فخدمه و خدم بهاء الدولة و ولاه هذا تدبير العراق و قال أبو الفرج بن الجوزي بعد ذكر ما قدمناه: «فقدم سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة و الفتن كثيرة و الدعّار قد انتشروا فقتل و أغرق خلقا كثيرا و أقام الهيبة و منع أهل الكرخ يوم عاشوراء من النياحة و تعليق المسوح و أهل باب البصرة من زيارة قبر مصعب بن الزبير، و أعطى بعض غلمانه صينيّة فضة فيها دنانير و قال: خذها على رأسك و سر من النجميّ‏ (1) إلى المأصر الأعلى‏ (2) فان اعترض معترض فأعطه إياها و اعرف الموضع الذي أخذت منك فيه. فجاءه و قد انتصف الليل و قال: قد مشيت البلد جميعه فلم يلقني أحد. و أدخل الرخّجي على عميد الجيوش سبعين مجلدة جزا و منديلا كبيرا فيه مال و قال: مات نصراني من أهل مصر و خلّف هذا و ليس له وارث. فقال عميد الجيوش: من حكم الاستظهار أن يترك هذا

____________

(1) هو محلة الشيخ بشار الحالية.

(2) كان المأصر الأعلى أي حبل المكوس الممدود على دجلة محاذيا لقطيعة الرقيق و هي قطيعة زبيدة مقابل الأعظمية الحالية من الجانب الغربي.

52

(المال) بحاله فان حضر وارث و إلا أخذ، فقال الرّخجي‏ (1): يحمل إلى خزانة مولانا إلى أن يبين الحال. فقال: لا يجوز أن يدخل خزانة السلطان ما لم يصح استحقاقه. فكتب من بمصر باستحقاق تلك التركة، فجاء أخو الميت و أوصل الكتاب من مصر بأنه أخو المتوفى، فصادف عميد الجيوش واقفا على روشن داره. يصلي الفجر، فظنّه نقيبا (2) فدفع إليه الكتاب و سأله إيصاله إلى صاحب الخبر (3)، فقضى له حاجته. فدخل صاحب الخبر إلى عميد الجيوش ضاحكا و قال: يا مولانا قد صرفت عنك اليوم نفعا و مرفقا فان السوادي قال لي عند قضاء حاجته: بأي شي‏ء أخدم النقيب الذي أوصل كتابي إليك؟ فقلت: ويحك هذا عميد الجيوش. فقال لي: هذا الذي تهابه ملوك الأطراف، فلما كان بعد مدة ورد كتاب ابن القمّي أبي عبد اللّه التاجر من مصر على عميد الجيوش يعرفه أن ذلك الرجل (النصراني) حضر في مجمع من التجار و حكى القصة، فضجّ الناس بالدعاء و قالوا: ليتنا كنا في جواره و ظله. ففرح عميد الجيوش و قال: قد أحسن (الرجل) المكافأة. بقي عميد الجيوش واليا على العراق ثماني سنين و سبعة أشهر و أحد عشر يوما، و هو الذي يقول فيه الببغاء كما ذكرنا في ترجمته:

سألت زماني بمن أستغيث‏* * * فقال استغث بعميد الجيوش‏

و توفي في هذه السنة عن إحدى و خمسين سنة و تولى أبو الحسن الرضي أمره و دفن في مقابر قريش» (4). و أوجز هذه الترجمة ابن الفوطيّ في تاريخه للألقاب‏ (5) و ذكره عز الدين ابن الأثير في كامله مرارا.

____________

(1) الرخجي هو مؤيد الملك أبو الحسين الحسن بن الحسين وزير مشرف الدولة البويهي.

(2) النقيب أيامئذ كمفوض الشرطة اليوم.

(3) صاحب الخبر أيامئذ كمدير الأمن اليوم.

(4) المنتظم «7: 252، 253».

(5) تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب «ج 4 القسم 2 ص 7905 تحقيق جامع هذه لأخبار و التراجم.