موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج5

- عباس العزاوي المزيد...
408 /
5

الجزء الخامس‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

المقدمة

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه و من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فإن حياة العراق تهمنا معرفتها كثيرا. و لعلنا نتوصل إليها من طرق شتى، و وسائل عديدة، و لكننا لا يتيسر لنا بسهولة أن نعين حالاتها في هدوئها، و في تهيجها، و فرحها، و حربها و ثروتها و فقرها، و وجوه ثقافتها و حضارتها ... و هذه يقربها التاريخ. و يخطى‏ء من يعاديه، أو يجهل أمره إذ يبقى غافلا عن هذه الحياة في أطوارها العديدة، و أوضاعها المختلفة.

حاولنا أن نتبين هذه، و نعلم عنها ما نستطيع، و لكننا في كل الأحوال وجدناها مفرقة في (كتب التاريخ)، فعزمنا على تأليفها و جمع شملها. و ربما كانت الوسيلة للمعرفة الصحيحة. فإذا قورنت بما نشاهد، و بما ندرك من أوضاع تكاملت من كافة الوجوه.

مرت بنا صفحات من ذلك في أجزاء سبقت. فهذه صفحة تالية لها، مؤدية إلى الغرض. و فيها ما يكمل تلك، و يوضح ما خفي و تبدأ من سنة 1049 ه- 1639 م و تنتهي بأواخر سنة 1162 ه- 1749 م، و في هذه ضروب الوقائع، و ألوان المعرفة.

6

و كل ما نرجوه أن نوفق للموضوع، و أن نلمّ بأطرافه. و هذا لا يقل عما سبقه في حروبه، و في أوضاعه الأخرى. و أعتقد أنه أبين من سابقه.

جلا الغموض و زاد في المعرفة. و من ثم نتدارك الخلل. و التاريخ يوضح بعضه بعضا.

و في ثقافته وضوح لا يقبل الارتياب و لا يقل فائدة عن تاريخه السياسي و سائر حوادثه. و أملنا أن نحصل على الإجمال من وجهه الصحيح.

و لا شك أن هذه صفحات جليلة الفائدة، و الجهل بها حرمان لا نعذر فيه. و وقائعنا على كثرة التتبعات و الجهود المبذولة قليلة المادة.

و في هذا العهد تزايدت المراجع. و كانت المعرفة أتم، و في كلها لا تزال الإدارة شديدة الوطأة ليس فيها إلا التغلب و القسوة.

و لعل هذه تكشف عن مدى السيطرة و ما بلغته الإدارة في أكثر الأحيان و لا تخلو من وقائع مشهودة. نحاول بيانها من طريق صحة الحوادث لنتمكن من السيرة التاريخية دون أن تكون مشوبة بآمال يزينها أهل الزيغ. و ليس بعد التجربة و التمحيص، أو بعد معرفة ما جرى فعلا مستعتب.

ذقنا الأمرّين من آمال الطامعين. و رأينا جفوة من كل إدارة مرت بنا. كرهنا و سخطنا، و لكن ذلك لم يغير في الوضع، و لم يبدل في الحالة.

وقائع هذا العهد جليلة. فيها من الأوضاع السياسية، و الأحوال الحربية، و الشؤون الاجتماعية ما هو متبدل، فلم يستقر أمر على وتيرة.

و في حالته هذه لم يخلف أرباب السلطة ذكرى جميلة أو جليلة، و لا سجلوا خير الأعمال، و لا عظيم الخصال و قلّ أن نرى من كانت هذه صفته في خدمة الجماعة و مراعاة نظامها، و العدل بين أفرادها ...

7

هذا التاريخ يعين علاقة الدولة بنا و علاقتنا بها، و الاتصالات الدولية في المعاملات و التعاملات، و حوادث القطر مما جرى فيه. و أكبر مؤثر أن الدولة لا تزال في ارتباك من أمرها. و الضرورة تدعو إلى هذه المعرفة.

المراجع التاريخية

في هذا العهد زادت الوثائق، و كثرت المطالب لقرب الزمن منا و سهولة المعرفة، و لا تزال الغوامض كثيرة و الجهود مصروفة للحصول على ما يبين عن الحالات. و ما وصل إلينا محدود نوعا أو بحالة مقتضبة ... و الأمل أن ينال التتبع حقه، و تكتسب المعرفة مكانها اللائق بها.

بذلنا كل غال و مرتخص في سبيل جمع الوثائق و لم شعثها و شتاتها حتى تيسر الاطلاع على بعض الغوامض. و من هذه ما يعين مجاري السياسة داخلا و خارجا. و منها ما أوضح عن الثقافة أو عن التشكيلات الإدارية. و بين هذه ما انفردنا به، أو عزّ وجوده، و بينها ما هو متصل بالحوادث الرسمية. و هكذا ما يتعلق بالمجتمع، أو بالعشائر و سائر ما له صلة بالقطر و شؤونه.

و ليس في الوسع أن نتناول بالذكر كل ما طالعناه من مراجع أو كل ما استفدنا منه. فالكتب التاريخية من هذا النوع كثيرة، و من الصعب استقصاؤها أو وصفها و بيان قيمتها التاريخية و بينها ما كتب لغرض ايضاح تاريخ أهليها فتعرضت لما اتصل بالعراق، أو جاء استطرادا، و فيه فائدة.

و يهمنا من هذه المراجع (الكتب المحلية). و يليها في الرتبة (التواريخ الرسمية) للدولة العثمانية، و بعدها (تواريخ ايران) و تواريخ الاقطار الأخرى، و بينها المعاصرة أو القريبة من العهد. و لعل المقابلات تظهر الحقيقة.

8

تعرضنا بسعة لتفصيل هذه المصادر في كتاب (التعريف بالمؤرخين). إلا أننا نخصّ بالذكر هنا (تواريخ العراق) عند الكلام عليها في محلها. فمثلا نتناول (تاريخ الغرابي) بوفاة مؤلفه و هكذا ..

فنتوسع فيه. و في گلشن خلفا عند ذكر حياة مؤلفه. و مثله يقال في تاريخ (قويم الفرج بعد الشدة). ذكرناه في تاريخ انتهاء حوادثه.

و كلامنا هنا موجز يعرف بها أو يعين وضعها، أو قيمتها كوثيقة تاريخية و لا نتجاوز حدود التعريف، نناقش وجه الصواب، و المراجع في الاجزاء السابقة لا نتعرض لها إلا بقدر.

1- المراجع المحلية:

ظهر فيها من التواريخ المهمة (منظومة آل أفراسياب)، و (زاد المسافر)، و (تاريخ الغرابي)، و (گلشن خلفا)، و (قويم الفرج بعد الشدة) أو (سيرة المولوي)، و تواريخ أخرى تعود لعهد تال. و المصادر الخاصة أمثال ما ذكر يأتي الكلام عليها في موطنها من هذا الكتاب. و أما التالية مما يخص هذا العهد مثل (كتاب حديقة الزوراء في أخبار الوزراء) و كتب محمد أمين العمري و أخيه ياسين العمري و دوحة الوزراء، فلا نعجل فيها بالبيان، و إنما نكتفي بالنقل منها.

2- المراجع الرسمية للدولة العثمانية:

هذه ظهرت العناية بها أكبر. ذكرنا قسما منها و لا تزال حوادثها مستمرة. و مما يدخل ضمن موضوعنا:

(1) ذيل الفذلكة. و يسمى ب (تاريخ السلحدار)

هو من تأليف محمد آغا خواجه زاده من أهل فندقلي من مضافات غلطة باستنبول. ولد في 12 ربيع الأول سنة 1069 ه- 1658 م. كتبه إلى 22 جمادى الآخرة سنة 1106 ه- 1695 م و كان مولعا بالتاريخ. أتمّ‏

9

(فذلكة كاتب چلبي) بدأ به من حوادث سنة 1065 ه- 1655 م. ثم إنه كتب (نصر تنامه)، أكمل بها حوادث تاريخه و أتمها بحوادث سنة 1133 ه- 1721 م كان شاهد عيان إلى سنة 1115 ه- 1703 م فكتب بتفصيل ثم أجمل ما وقع بعد ذلك. توفي سنة 1136 ه- 1723 م.

أوضح عنه الأستاذ أحمد رفيق ايضاحا وافيا، و عين النسخ الموجودة من هذا التاريخ. فاتخذ بعضها أصلا. و نقده في الاعلام الجغرافية و الأسماء الأجنبية فصححها في الهامش بالافرنسية فسدّ خللا كما أنه شاهد أغلاطا في رسم الكلمات و في التراكيب فلم يتعرض لها و إنما ابقاها كما جاءت، و رجح هذا التاريخ على (تاريخ راشد) من حيث السعة و الإتقان قال في راشد إنه كان يكتم الحقيقة أحيانا إلا أن هذا يعدّ من الوثائق المعتبرة جدا للمؤرخ لا سيما ما كان يخص المائة الثانية عشرة.

طبع في مجلدين الأول تمتد حوادثه إلى سنة (1096 ه). طبع في مطبعة الدولة سنة 1928 م. و الثاني ينتهي بسنة (1106 ه) بتعليقات للأستاد المؤرخ أحمد رفيق و صدره بمقدمة له في التعريف بالكتاب و نسخه.

(2) تاريخ راشد (ذيل تاريخ نعيما)

من الكتب التاريخية المهمة. و إن الغمز الموجه عليه من الأستاذ المؤرخ أحمد رفيق كان مصروفا إلى أنه سهل لم يتوسع في الحوادث.

و هذا لا يضر به و لا يخل بصحة ما كتب مع وجود ما هو اوسع. لعل له عذرا و لكن المؤاخذة إنما تتوجه في تغيير ما وقع، و تبديل ما حدث.

و ليس لدينا شي‏ء من هذا القبيل. و فائدة هذا التاريخ كبيرة جدا بالنظر لوقائع العراق. نراه يوسع فيها.

و مؤلفه أبو المكارم محمد المعروف ب (راشد). كان شاعرا،

10

و مؤرخا في التاريخ العثماني. و أبوه من أهل ملاطية. كان من الصدور و يعرف ب (مصطفى الملاطيوي) توفي باستنبول سنة 1148 ه- 1735 م.

و لا يفوقه في شعره و نثره أحد من معاصريه إلا أمثال (نديم) و (نابي).

و هذا التاريخ مضى به على طريقة (تاريخ نعيما). جاء ذيلا عليه رتبه على السنين. فصّل بعضها و أجمل الأخرى، و راعى الجرح و التعديل في بعض الوقائع فلم يغفل أمرا. و إن مقابلة الحوادث ربما كانت السبب فيما أبداه الأستاذ أحمد رفيق من نسبة النقص إليه.

بدأ بوقائع السلطان محمد سنة 1071 ه- 1660 م و انتهى المجلد الأول منه بوقائع سنة 1098 ه- 1687 م و يليه المجلد الثاني، و تمتد حوادثه إلى نهاية سنة 1115 ه- 1703 م و يتلوه المجلد الثالث. يمضي في حوادثه حتى سنة 1134 ه- 1721 م لكنه لم يبلغ درجة نعيما في تاريخه. جاءت ترجمته في آخر المجلد الخامس من تكملات هذا التاريخ. و في كتاب (عثمانلي مؤلفلري) ذكر له نماذج من شعره. و كان مؤرخ الدولة (1).

(3) تاريخ جلبي زاده:

و هذا التاريخ تبتدى‏ء حوادثه من ذي القعدة سنة 1134 ه- 1722 م و تنتهي بحوادث عام 1141 ه- 1728 م. قطعه كبير كسابقه و عدد أوراقه 158. و هو من مطبوعات إبراهيم متفرقة طبع سنة 1153 ه- 1741 م تأليف إسماعيل عاصم المعروف ب (كوچك جلبي زاده) من مؤرخي الدولة اختاره الوزير الأعظم إبراهيم باشا الداماد في 28 شهر رمضان المبارك لسنة 1135 ه- 1723 م إلا أنه شرع في تدوين حوادثه من ذي القعدة سنة 1134 ه- 1722 م من حيث انتهى سلفه. و له مهارة فائقة.

____________

(1) عثمانلي مؤلفلري ج 3 ص 55.

11

توفي في 3 جمادى الآخرة سنة 1173 ه- 1760 م‏ (1).

(4) تواريخ سامي و شاكر و صبحي:

هذا التاريخ تناوب في تدوينه سامي، ثم شاكر، ثم صبحي فكمل كل واحد ما قام به الآخر. فمن هؤلاء سامي مصطفى. ولي تحرير وقائع الدولة. و في سنة 1146 ه توفي فأضيفت تدويناته في الوقائع إلى تاريخ صبحي. و أما شاكر بك فإنه ابن حسين باشا والي البصرة المتوفى فيها. و هذا أيضا كان قد ولي قضاء حلب في شعبان سنة 1155 ه و بعد مرور خمسة عشر يوما توفي فأضيفت وقائع أيامه إلى ما دونه صبحي.

و هذا ابن خليل فهمي ولي تحرير الوقائع الرسمية خلال سنة 1152 ه، و استمر إلى أواخر سنة 1156 ه. و توفي في غرة المحرم سنة 1157 ه 1743 م. وضع تاريخه في سنة 1198 ه باستنبول في مطبعة إبراهيم متفرقة المعادة مجددا.

(5) تاريخ عزّي:

لسليمان عزي من المؤرخين الرسميين، جاء بعد صبحي. و كتابه طبع سنة 1199 ه- 1784 م، و يحتوي على ذكر ولاة بغداد:

1- أحمد باشا بن حسن باشا.

2- أحمد باشا الصدر الأسبق.

3- الحاج أحمد باشا كسريه لي.

4- الحاج محمد باشا الصدر الأسبق.

5- سليمان باشا مؤسس حكومة المماليك.

____________

(1) عثمانلي تاريخ و مؤرخلري ص 45.

12

و هؤلاء ذكر وقائعهم من سنة 1157 ه- 1744 م و استمر إلى اواخر سنة 1165 ه- 1752 م في مجلدين طبعا معا. و كان خلفا لصبحي محمد المؤرخ العثماني الرسمي في تحرير الوقائع. و إن تاريخ صبحي يقف عند نهاية عام 1156- 1744 م فشرع عزي في تدوين الوقائع من حيث انتهى سالفه، اختارته الحكومة في غرة رجب سنة 1158 ه- 1745 م.

و هذا الكتاب طبعه محمد راشد مكتوبي الصدر و أحمد واصف مؤرخ الدولة العثمانية. كانا اعادا الطباعة كما كانت في عهد إبراهيم متفرقة و عهد خريجه إبراهيم القاضي و كانت أهملت في أواسط أيام السلطان مصطفى. و كان طبع تاريخ صبحي في المطبعة المذكورة.

3- المراجع التركية الأخرى:

و هذه لمؤرخين لم يكونوا رسميين. و إنما ساقت الرغبة التاريخية، و الميل إلى تدوين الحوادث للكتابة فيها. و هذه قد يلتفت أصحابها إلى ما هو جليل الفائدة، عظيم العائدة. و فيه من الأخبار ما يكشف عن حوادث قطرنا، بل قد يتيسر في مؤلفات لا تظهر للناظر فائدة فيها، فيتبين ما خفي عنا، و نحن في حاجة إلى معرفته.

(1) گلشن معارف:

من المؤلفات التركية في التاريخ ذكر وقائع العراق و ايران و هو من خير المصادر يعتمد عليه في الوقائع الرسمية. في مجلدين ضخمين، موضوعه عام إلا أنه يمضي مختصرا و يفصل القول في الحوادث العثمانية و فيه الكثير من الوقائع العراقية و ينتهي بسنة 1188 ه- 1774 م و مؤلفه محمد سعيد بن محمد المدرس ولد في بروسنة. ثم ذهب إلى استانبول و تخرج على (نشأت) رئيس الطريقة النقشبندية و درس الفارسية على أكابر رجالها آنئذ الحاج علي بابا الملقب بصديق الشاعر في الفارسية. قرأ

13

عليه مدة 25 عاما و من جملة ما درس عليه (شاهدي) و (پند عطار).

و (ديوان حافظ) و قسما من (كتاب بوستان). فبرع بالشعر و النثر. قال:

إنه رأى التاريخ نافعا لكل الطبقات و الصنوف، و جعل اسمه تاريخا له و هو سنة 1249 ه فدعاه (لب التواريخ) ثم قدمه إلى السلطان باسم (گلشن معارف) و ذكر المراجع. كتبه بلسان سهل ... تم طبعه في دار الطباعة العامرة عام 1252 ه- 1836 م.

و هناك كتب تاريخية عديدة مثل (تاريخ واصف)، و (تحقيق و تدقيق) و (سجل عثماني)، و (نتائج الوقوعات) ... و غيرها من التواريخ المتأخرة.

4- المراجع الفارسية:

و هذه كثيرة، من أهمها المخابرات السياسية، و المعاهدات، و الوقائع الحربية و في هذه مدونات عديدة و لعل من أهمها (دره نادري)، و (جهان گشاي نادري) ... و تواريخ أخرى لا يستهان بها. و كانت من الكثرة مما لا تسع مطالعته كله إلا أن المهم منها ما كان أيام نادر شاه.

و مثله المؤلفات التركية. حصلت على مجموعات كبيرة جدا في اللغتين التركية و الفارسية. و بينها وثائق معتبرة جدا، و محل التفصيل (التعريف بالمؤرخين).

5- المراجع العربية:

و هذه غالبها يتعلق بالتاريخ العلمي و الأدبي و قل فيها ذكر الوقائع.

و هنا لا أتعرض لها إلا بقدر الحاجة دون تفصيل. و قد أكملت (التاريخ الأدبي في العراق). و لعل الأيام تسمح بتدوين التاريخ العلمي و بيان مؤلفاته و التعريف برجاله. و المعلوم منهم أكثر مما في المجلد السابق.

و النقل يعين اسماءها.

14

هذا، و الكثرة في المصادر لا تفيدنا إلا بما احتوت عليه من وقائع أو تفصيلات أو مادة بحث. و لا شك أننا في نهم شديد للحصول على الجديد و الاستزادة فيما يكشف عن القطر لينجلي مبهمه. نعلل بأن ما عرفنا كبير الفائدة. و ربما يتم به الغرض، أو أن ذلك مما يصحّ أن يزاد فيه، و يكمل النقص المشهود و لكننا نريد أن نتوضح الوقائع. فلا نكتفي بمصدر أو وثيقة ... و هكذا المعارف التاريخية الأخرى. و موعدنا الاتصال بالوقائع و نصوصها. و تظهر قيمة الأثر بمقدار ما تتيسر الاستفادة منه. و جل أملنا أن يكون هذا المجلد عند رغبة الأفاضل و رضاهم مفيدا نافعا. و يعوزني ارشادهم في التوجيه أو التنبيه إلى الاغلاط، أو الاشارة إلى المراجع المهمة التي أغفلتها لتثبيت الوقائع أو تحرير ما يستدعي التفصيل.

هذا، و ليس في المستطاع أن نبدي أكثر مما عندنا. أما الوثائق القليلة، أو التي لا تتناول فصولا كثيرة فهذه لا نتعرض لها هنا. و إنما نعين وجوه الاستقاء منها في محلها.

نظرة عامة

في هذا العهد كانت الحكومة العراقية آمنة من الغوائل في الخارج. ركدت حوادث ايران، أو أصابها فتور في كثير من الأحيان، فوجهت جهودها للتسلط على العشائر. فقد كانت إلى هذا الحين بنجوة من الغوائل لانشغال بال الحكومة بنفسها، و في هذه المرة قست فكأنها شعرت بقوة، و من ثم أضرت بالعشائر و نكلت بها تنكيلا مرا، ذلك ما دعا أن تميل الضعيفة منها إلى القوية لتعتز بها. أو لتكون بمعزل عن الاذى و الضرر ...

و الولاة كانوا بعيدين عن الأهلين لا يعرفون من أحوال الشعب، و لا من انحائه سوى الاسم و قد يكون مغلوطا ... رغبتهم لم تتحقق إلا

15

على الضعفاء، و عمرهم قصير، فلم يتمكن وال مدة طويلة من الحكم ليعرف الحالة. و لا سبب لذلك إلا خوف الدولة من أن يحدث غائلة، أو يضمر آمالا. فيستعين بالأهلين، أو بالموظفين الأهليين. و من ثم تبقى علاقته بهم قليلة و رسمية لا سيما أن الواحد منهم كان يأتي بكتخداه معه و إذا رجع أعاده و جاء غيره و معه كتخداه ...

و في هذا كله ما يمنع من التسلط، و التوغل، أو المعرفة التامة بحقيقة الوضع فبقيت الجهالة سائدة، و نفوذ العشائر الكبيرة بالغ حدّه ... و موظفو الدولة لا يتجاوزون الوالي و كتخداه، و القاضي، و الدفتري، أما كتابة الديوان و رئاسته فإنها بيد الأهلين من الترك أو العرب و هم لا يأمنون منهم و إن كانوا لا يقصرون في تنفيذ رغائبهم و تمكين ادارتهم ... و لم تطل إدارة إلا للواليين الأخيرين حسن باشا و ابنه أحمد باشا، فكانت النتائج أن تكونت (حكومة المماليك) أو (حكومة الكولات).

كان حسن باشا و هو من أشهر وزراء بغداد قام بأعمال مهمة لدولته ... ثم خلفه ابنه أحمد باشا و هذا لا يقل عن والده و يعد الأول فاتحة لتسلط العثمانيين على هذا القطر بصورة مكينة. و صار تمهيدا لمن تلاه و تجديدا في حياة الدولة.

إن الحالة إلى أيام الوزيرين كانت بيد الينگجريّة و تسلطهم فالوالي ليس له من الأمر شي‏ء و إنما يكون في الغالب منقادا لرؤسائهم و كبار رجالهم فلا قدرة له كما أن الأهلين يئنّون من قسوتهم و ظلمهم، و يتخلل ذلك الضرائب و النهب و الغصب و انتهاك الحرمات ...

و في (انحاء العراق) كانت العشائر أقوى. لا تسلط عليها لما اضطرت إليه من اتفاق بعضها مع بعض. و نطاق بغداد ضيق إلا أنه صار يتوسع قليلا. و كانت العشائر في ماضي العهد ذاقت الأمرين من‏

16

قسوة الموظفين و انتهاكهم للأعراض، و سبي الأطفال و التعرض للنساء مما يسوّد وجه الإنسانية فضلا عن أنه مردود شرعا ... و ما ذلك إلا لأن الجيش متغلب على القيادة، فالطاعة مفقودة، و لذا رأت الحكومة معارضات شديدة جدا و اتفاقا على محاربة الظلم و العدوان.

و هذا العهد يمتاز بأنه لم يحصل فيه تجاوز على الاعراض، فإن الوزير حسن باشا كبح من جماح الجيش كما أنه أراد أن يتسلط على العشائر، وقفهم عند حدّ و بالتعبير الأصح عزم على الوقيعة بالعشائر باستخدام القوة، و التحكم في هؤلاء، كما قضى على نفوذ الينگچرية فلم يستطيعوا أن يقوموا بتجاوز أو تعدّ.

و الفضل في ذلك كله لهذا الوزير فإنه بقدرته و شدته أسس النظام و حافظ على إدارة العراق، و راعى الأمن داخلا و خارجا بقدر الإمكان ..

و صرف القوم عن حالة اعتادها الناس و تمرنوا عليها، فجعلوها طريق استفادتهم .. فقهر الأكثر من المتغلبة و أذلهم ...

و كذا ابنه أحمد باشا حذا حذوه و تخلل ذلك بعض ما يوجه من تنديد و لكنه قليل بالنظر لأيام الراحة، و تلاهما من حدثت في أيامه بعض الغوائل و لم تكن عامة، و الناس في هذه الحالة اعتادوا النظام. و مشوا على خطة في إدارة المملكة لو لا أن حدث ما أزعج الوضع من حروب ايران في حالتي الضعف و القوة. فاضطرب العراق اضطرابا عظيما.

هذه النظرة السريعة تعين الوضع مجملا، و يعدّ أصلح من سابقه بالنظر لوجهة الحكومة و إن كانت تخللته بعض أوضاع لم تكن مرضية.

و لا نقول إن هذا كاف للإصلاح بالنظر إليهم و باعتبار وجهة نظرهم بحيث يقف الأمر عنده، أو يجب أن يلتزم إذ لم يخل من سوء الإدارة.

و الملحوظ أن الدولة تريد ضبط القطر و تأمين ادارته بأي وجه كان‏

17

و لا تلتفت إلى ما يقع، أو لم تسمع عنه شيئا لبعده عن عاصمتها. و هذا هو الصحيح.

و هنا نكتفي بما ذكر من مزايا هذا الدور إجمالا و أن نبدي مطالعاتنا على نفس الوقائع، و الأحوال التي تعرض في مواطنها لتكون أقرب للوقوف على الوضع، و ماهية الحوادث ...

و صفوة القول أن الحكومة حاولت التمكن من إدارة العراق بالتسلط على المتنفذين من الينگچرية و العشائر. و يعدّ الأهلون من أهل المدن ذلك نعمة للتخلص من العتاة المتنفذين و التمكن من الإدارة.

فاتخذت بعض العشائر وسيلة لاخضاع الأخرى استفادة من عداء سابق، أو اطماع لمصلحة تقوية النفوذ للسيطرة على خارج بغداد.

و الحالة الخارجية ساءت في أواخر هذا العهد. نهض الايرانيون و على رأسهم نادر شاه بقوة كاد يدمر بها القطر بل شوّش أمره، و جعله في ريب ...

و يعزى لهذا العهد ثقافة نافعة كانت أصل ثقافة عهد المماليك.

ظهر علماء و شعراء كثيرون. و لعل لقرب العهد أثره.

حوادث سنة 1048 ه- 1638

والي بغداد كوجك حسن باشا

فتحت بغداد على يد السلطان مراد الرابع في 23 شعبان فنظم شؤون بغداد. و في 25 منه عهد ببغداد إلى كوچك حسن باشا، و فوض القضاء إلى مصطفى التذكرچي، و أودعت وظائف أخرى لموظفين آخرين.

ذكرنا ما جرى في المجلد السابق، و في 12 من شهر رمضان هذه السنة عاد السلطان إلى عاصمته، و بقي الصدر الأعظم يدبر بعض الشؤون.

18

و في عهده انصرف إلى تأسيس النظام و تشكيل الإدارة و تقريبها و لو بصورة مصغرة من ادارة الدولة و تشكيلاتها. و جعلها مدينة كمدن الدولة.

جرت في أيامه الطمأنينة و عاد الفارون من حكم العجم إلى أوطانهم فآبوا من غربتهم و من ثم تكونت العمارات، و عمرت المساجد و أعيدت بغداد إلى ما كانت عليه من إقامة الصلوات و الجمع ...

و حسن باشا كان موصوفا بالشجاعة و هو الباني الأصل، و الأهلون يطرونه بأحسن الذكر. يقولون كان سليم الطويّة، حليم السجية، يرعى الفقراء و الصغار، و يوصي أعوانه بحسن السلوك و مراعاة العدل و الحق، كما يمنع من الظلم و يزجر فاعله، و يعزر من يرى منه سوء فعله. و على كل كان حسن السلوك و من أرباب الخير ... يروى أنه لما رتب ديوانه للعدل فأول ما قضى به أن أصدر حكمه لفقير و نبه تنبيها أكيدا أن لا يميل أحد عن الحق لمحاباة، أو منفعة، و شدد النكير.

كان كوچك حسن باشا من الينگچرية فصار رئيس السكبانية. و في شهر رمضان سنة 1047 ه نال منصب آغا الينگچرية و منها ولي بغداد بالوجه المشروح‏ (1).

أثر الفتح في النفوس‏

إن أهم الأحداث الفتح بعد مقارعات عظيمة كبدت الدولتين خسائر فادحة في الأموال و النفوس. فكانت المدونات عنها كثيرة. و لعل من بقايا ذكرياتها مدفع أبي خزامة و كان من مدافع الفتح. و لعله قام بخدمات كبيرة في تسهيل هذا الفتح، فصار يعد مباركا محترما في نظر العوام من الأهلين، و يعين شعورهم الصادق.

____________

(1) كلشن خلفا ص 79- 2 و فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 205 و مثله في تاريخ نعيما.

19

و ربما نسبت للسلطان كرامات، و لم يدر هؤلاء أنه كان شجاعا، قوي الإدارة في قهر من وجد منه ضررا للدولة أو رآه لم يتورع في انتهاك حرمات الأمة بل قسا تلك القسوة الجائرة. و لعل ما ظهر من عظمته في حرب بغداد، و تمكنه من انقاذ الناس بما بذل من أموال و نفوس خلدت له الذكرى الجميلة، فاشتهر صيته، فلا يصح أن تعزى له كرامة و لا لمدفعه إلا ما صح من الخدمة الحربية، و لكن العوام يزعمون أن مدفعه (أبا خزامة (1)) كان يلتهم الاحجار و الصخور فتظهر منه قذائف صبت على رؤوس الأعداء وابلا من البلاء كما أن النساء تأتي بالاطفال للاستشفاء من الأمراض بعرض الأولاد على فوهته كأنه (طبيب الأطفال)، و كأن انفاسه تمد ببركاتها الشفاء. و هكذا تعقد العقد للبركة ... و العامة لا قياس لتفكيرهم، فلم يوجهوا، و لم يردعوا عن هذه المنكرات الخرافية المضرة بالعقيدة الحقة.

و لا يزال العوام في ضلال، فيضطر الكثير من العلماء إلى مداراتهم. و كأن القول قولهم، و المتابعة من العلماء واجبة، فلم ينه العلماء عن منكر فعله العوام، أو لا يتناهون عن منكر فعلوه ...

و أحسنت الدولة العراقية الحاضرة في رفعه عن أنظار العامة. و وضعته في متحف الأسلحة. و الأمر المهم أن هذا كان من مظاهر الفرح في النفوس إثر الفتح.

و كان عند اليهود (عيد يوم الفتح) يعتبر من أعياد بني اسرائيل في بغداد تعاد ذكراه في كل عام. و لا شك أن هذا العيد كان من مظاهر الفرح بهذا الفتح لما لقي الأهلون من المصائب و الارزاء ففرج الفتح الكربة و لم يقف عند طائفة.

____________

(1) مجلة سومر ج 4 ص 254 ذكرت المدافع و تصاويرها و منها مدفع أبي خزامة.

20

حوادث سنة 1049 ه 1639- عزل الوالي‏

بقي الصدر الأعظم ينظر في شؤون العراق العامة. و من أجل ما فعله عقد المعاهدة مع ايران، و في 2 المحرم سنة 1049 ه- 1639 م و في گلشن خلفا في 4 المحرم عهد بولاية بغداد إلى (درويش محمد باشا) بدل الوالي (كوچك حسن باشا). و عين هذا الأخير لمنصب (وان) ثم نقل إلى منصب طرابلس.

و غالب المدة التي قضاها الوالي تصادف وجود السلطان ببغداد، و بعد عودته كان الصدر الأعظم فيها. و بقي إلى آخر أيامه، أو في الانحاء العراقية للمفاوضات في الصلح بين ايران و العثمانيين.

كنج عثمان‏

كان (گنج عثمان) من الشجعان الابطال. و هو من اتباع أبازه باشا المشهورين فجعل على جيش تولى رئاسته. و أرسل لفتح الانحاء العربية.

و هذا لاقى (القزلباش) أي الايرانيين أو الشيعة منهم بسيفه فدمرهم، و فتح قصبة كربلاء و ذهب منها إلى النجف و كانت بلدة معمورة فاستولى عليها. و منها اكتسح الحلة، و ضبط الرماحية. و من ثم حطّ ركابه في كربلاء. إلا أنه اهتم غاية الاهتمام بالبلدان و البقاع التي استولى عليها و راعى حسن ادارتها.

كان جاء من طريق الفرات إلى الفلوجة، و منها هاجم الحلة و ما والاها بالوجه المذكور، فورد خبر ذلك إلى خسرو باشا، فمال السردار إلى محاصرة بغداد كما مرّ تفصيله في سنة 1040 ه (1). فشرع الوزير بمحاصرة بغداد، فلم يتيسر له الفتح.

____________

(1) تاريخ نعيما ج 3 ص 19 و 50 و فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 129 و تاريخ العراق بين احتلالين ج 4.

21

جامع قمرية في الكرخ- دار الآثار القديمة

22

و كانت وردت الأخبار من الحلة في حينها إلى السردار بأن الشاه عازم على محاربتنا، و متوجّه إلينا، فطلبوا منه أن يمدّهم، فصدر الفرمان إلى نوغاي باشا أمير أمراء الشام و إلى أمراء آخرين إلا أن ذلك لم يجد، فحاصر الشاه الحلة، فلم يتمكن المحصورون من الدفاع إلا لمدة قليلة، فمضى خليل باشا إلى السردار، و تمكن من العودة بمن معه.

و من ثم طوي خبر (گنج عثمان)، و لم يعد يعرف عنه شي‏ء إلا أن صاحب السجل العثماني ذكر أنه كانت له خدمات في حروب بغداد و كان شجاعا غيورا. توفي شهيدا سنة 1040 ه (1).

و هذا البطل الشاب نقل نعشه إلى بغداد كما يظهر، و اتخذت له (سقاية) بقرب (سراي بغداد) كعمل خيري له. هذا و يعرف ب (قبر گنج عثمان)، و اتخذ مزارا.

صار يسكنه بعض الدراويش لتعليم الصغار من أولاد المسلمين القرآن، و لعلّها كانت من تأسيس الدولة.

و نرى كتّابنا اضطربت كلمتهم في أمره. و أوسع من كتب الأستاذ عبد الحميد عبادة في كتابه (العقد اللامع) (2)، إلا أنه عدّه ممن توفي أثناء فتح السلطان مراد الرابع بغداد.

قال:

«من الرجال الذين استشهدوا في واقعة بغداد من قبل السلطان مراد خان‏ (3). كان قد بنى على مرقده قبة معقودة بالحجارة و الجص و بجنبه ايوان للصلاة. و في سنة 1133 ه جدد ذلك البناء من قبل الوالي حسن‏

____________

(1) سجل عثماني ج 3 ص 418.

(2) مخطوط في خزانتي.

(3) هذا غير صواب لما عرف من نصوص.

23

باشا و كتب على شباك مرقده المطلّ على الطريق بالحجر الكاشاني ما نصه:

«ألا أن أولياء اللّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. رئيس الشهداء گنج عثمان. قد عمر هذا المكان صاحب الخيرات حسن باشا سنة 1133 ه.».

و في المحرم سنة 1324 ه شبّت النار ليلا من أحد الدكاكين المجاورة لهذا المرقد و كان يشغله صالح البقال فاحترق الدكان و احترقت معه عشرة دكاكين و قهوة، خمسة منها لدائرة البلدية و خمسة لدائرة الاوقاف و مات المرقوم صالح بسبب ذلك الحريق و احترق بعض هذا المسجد فأمرت دائرة الاوقاف بتعميره و ذلك سنة 1326 ه و لما تولى خليل باشا بغداد سنة 1333 ه أمر بهدم رباط الجندرمة و المسجد المذكور و جعلهما أرضا بسيطة، فرفعوا بناءهما و بقي قبره وحده في الطريق و عليه شبّاك من خشب. و في يوم الخميس 20 ربيع الأول سنة 1336 ه و بعد استحصال الفتوى من العلماء نقلت بقايا جثمانه إلى مقبرة الشهداء و قد قال المأمور الموظف على نقله إنه وجد في القبر عظاما بالية فوضعها في كيس و دفنها في المقبرة المذكورة و قد وضع الشباك عليها كما كان. و علق الأستاذ عبد الحميد عبادة أنه بعد التحقيق من المأمور قال لي: جئنا قبره ليلا مع أحد البنائين و قد بنوا القبر داخلا و اعتنوا بتحكيم بنائه و ابقائه في محله و رفع الشباك الخشبي الذي كان فوقه و وضعه على قبر في مقبرة الشهداء و حلف باللّه أن گنج عثمان في محله لم ننقل من جثمانه شيئا. «اه.» (1).

و جاء في لغة العرب ما ملخصه أن گنج عثمان كان حاملا لواء

____________

(1) العقد اللامع ص 55- 56 و هذه التفصيلات لم نجدها في غير هذا الكتاب.

24

عند دخول السلطان مراد بغداد متقدما أمامه، و أنه قطعت يداه و بقي العلم يمشي أمامه بلا حامل يحمله حتى رآه أحد الناس فدهش به و عند ذلك هوت الراية إلى الأرض و قتل گنج عثمان إلى آخر ما جاء مما لا يوزن بميزان الصحة (1) فجاء هذا النقل موافقا لما ذكر الأستاذ عبد الحميد عبادة. و لم يكن هذان القولان صحيحين و إنما نقلا من الأفواه.

و جاء في لغة العرب أيضا أن السقاية أمر الأتراك بهدمها سنة 1915 م لتوسيع الطريق لتصلح أن تكون جادة. و أبقو القبر و حوطوه ...

و في الاحتلال أزيل القبر و سوّي، فدخل قارعة الطريق في أيلول سنة 1917 م‏ (2).

و قد تبين من النصوص المنقولة أنه توفي قبل مجي‏ء السلطان مراد الرابع بسنين. اتخذ في هذا المحل كتّاب، و بقي مستمرا يدرس فيه شيخ يعلم القرآن، و قد شاهدته.

الوالي درويش باشا

في 2 المحرم سنة 1049 ه ولي بغداد. و كان الصدر الأعظم في منزل (خانقاه الصغير). و جاءته براءة الوزارة في 24 ربيع الأول.

و بعد أن فارق الصدر و جاء إلى بغداد قبض على إدارتها بيد من حديد. راعى الشدة. قال صاحب گلشن خلفا إن العراق كان مضطرب الجوانب، مختلف الأجناس، و مختل الأحوال. فجاء هذا الوزير بقصد إظهار السطوة و القوة. و المنقول أنه كانت أيام حكومته خالية من العدل و الإنصاف. أقام في سراي (بكتاش خان) (3).

____________

(1) لغة العرب ج 3 ص 413- 414.

(2) لغة العرب ج 4 ص 332.

(3) كلشن خلفا ص 79- 2.

25

الموصل:

إن الصدر الأعظم قبل ذهابه إلى استنبول بقليل اختار أحمد باشا والي ديار بكر قائدا للجيش و جعله محافظا على الموصل.

قتلة السيد دراج:

سبق أن ذكرناها (1)، و من احفاده المرحوم السيد حسن نقيب كربلاء المتوفى سنة 1952 م.

قبيلة الخزاعل:

القبائل انضم بعضها إلى بعض و تناصرت فيما بينها فلم تتمكن الحكومة من الاستيلاء عليها و كانت رئاسة الخزاعل معروفة. قالوا إنها في حالة اضطراب و إن شيخ الخزاعل (مهنا) في أطراف السماوة أظهر العصيان كخالد العجاج أبي ريشة. كانوا ممن يلحظهم شاه العجم، و صار الشيخ مهنا يضر بالمارة و أبناء السبيل فطغى سيل شرّه و أعلن طريق الغواية ... فاقتضى إيقافه عند حدّه و كسر شوكته. فأمر الوزير بتجهيز الجيوش و جعل كتخداه علي آغا قائدا فسار إليهم فلم يثبت شيخ الخزاعل أكثر من ساعة أو ساعتين في الحرب فهلك أكثر أشياعه و فرّ هو و شر ذمة قليلة إلى بلاد العجم و من ثم دخل ما كان تحت سطوته في حوزة الحكومة (2) ... قال في تاريخ نعيما: «إن الكتخدا ضرب العصاة من العربان و جاء إلى بغداد بغنائم عظيمة (3) ...».

و لعل التجاءه إلى ايران كان من جرّاء ما أصابه من إحراج حتى‏

____________

(1) تاريخ العراق بين احتلالين ج 4.

(2) كلشن خلفا ص 80- 1.

(3) نعيما ج 4 ص 11.

26

اضطر إلى ما قام به [1] ... و في مثل هذه الأحوال يعرف أن الحكومة التزمت رئيسا آخر و نكّلت بالأول و إلا فالقبيلة لا تزال في مكانها و في مواطن مجاورة أو قريبة منها ... و الولاية في كافة العصور عدوة كل من نال مكانة و نفوذا سواء كان شخصا أو قبيلة ...

و هذه القبيلة أصلها خزاعة كما هو المعروف، في حين أن خزاعل جمع خزعل و التسمية به شائعة. و لم يعرف موطن لخزاعة في هذه الأنحاء. و لا نزال في ريب من القول بأنها من خزاعة. و لنقل ما قالوا حتى نهتدي إلى وجه الصواب. و تتفرع إلى فروع عديدة لا محل لذكرها هنا [2] [3].

____________

[1] في السنة الأولى أظهر أمير الخزاعل مهنا بن علي العصيان و قطع الطرقات و في السنة التالية ولي الوزير درويش محمد باشا بغداد فبلغه خبر شيخ الخزاعل فبعث كتخداه علي أغا بالعساكر إلى حربه. و أول ما ملك هيت، ثم توجه إلى سماوة (كذا) و حارب الخزاعل و قتل أكثرهم و هرب مهنا و ملك علي أغا سماوة ثم العرجة و عاد إلى بغداد (1). و الملحوظ أننا ذكرناها في حوادث سنة 1049 ه.

و هي الصواب و أن درويش محمد باشا ولي سنة 1049 ه لا كما ذكرها صاحب الدر المكنون.

[2] عشائر العراق لا يزال مخطوطا.

[3] من رسالة للشيخ وداي العطية يقول معلقا: كان شيخ الخزاعل ممن يلحظهم الشاه و ذكرت ما مستنده النص و الوقائع التاريخية. و مطالعتي في أنه أحرج فاضطر إلى الالتجاء، و إذا لم يوجد نص في أن الحكومة التزمت رئيسا آخر فالوقائع تؤيد و لم يحكم شيخ الخزاعل من هيت إلى السماوة حتى العرجاء. و إنما كانت وقعة هيت مع آخرين و كان الأولى أن يذكر نصوصا أصلية. و خزاعل لم تكن تحريف خزاعة كما أن الحميدات ليست تحريف آل حميد و مثلها السعيدات و الجنابات و إذا كان أصل الخزاعل من خزاعة فإن خزاعل جمع خزعل و التسمية به مشهودة و هو في اللغة الضبع و تحريف اللفظ غير معروف. و لم نجد نصا قديما يعين موقع‏

____________

(1) الدر المكنون مخطوطة باريس رقم 4949.

27

أمير المنتفق- آل افراسياب:

إن العرجة كانت تحت إدارة أمير من أمراء العرب و حياتها مطمئنة استفادت ذلك من الفترة بين العجم و الروم فلما توفي أميرها سار إليها أمير الأمراء علي باشا أمير البصرة من آل أفراسياب. اغتنم الفرصة للاستيلاء عليها و عزم على اكتساحها ... فلما سمع أهلوها التجأوا إلى و الى بغداد و أنهوا إليه ما جرى. طلبوا أن يتولى أمرهم دون علي باشا أفراسياب و على هذا أرسل الوزير قائدا و جيشا كافيا و موظفين مع دزدار (محافظ) (1) و أمير لواء. سيّرهم إليها فاستولت عليها حكومة بغداد (2) ... و الظاهر أن الأمير كان من أمراء المنتفق ... و من هذا تعرف سلطة ولاة بغداد و منطقة حدود نفوذهم ...

وفاة السلطان مراد الرابع:

في 16 شوال سنة 1049 ه يوم الخميس توفي السلطان مراد الرابع. و قال عنه كاتب چلبي إنه أعظم الملوك الذين جاؤوا بعد الألف‏

____________

وجودهم، و لا سابق عهدهم. و إذا كانت خزاعة تسكن في العراق قديما، فقد انقطع ذكرها بميلها إلى إيران و المرجح أن أحد رؤسائها خزعل سميت القبيلة به.

و لذا قلت: «و لنقل ما قالوا حتى نهتدي إلى وجه الصواب.» اه. هذا، و النصوص التي ذكرها الشيخ متأخرة عن تاريخ أول شيوع ذكرهم بخزاعل. و ليس في هذا طعن بنسب. و إنما هو فتح طريق للتحري التاريخي. و محفوظ القبيلة معتبر حتى يتبين خلافه ...

أما حوادث سنة 1106 ه فقد ذكرتها في حوادث سنة 1105 ه لأن مرتضى آل نظمي ذكرها في هذه السنة. و كان كاتب الديوان. فهو أقرب لضبط الوقائع، فلا يحتاج هذا إلى العجب. و لو رجع الشيخ إلى (كتاب أربعة عصور) لرأى الشي‏ء الكثير من التنديد بمهنا.

____________

(1) الدزدار كلمة فارسية استعملها الترك أيضا و تعني ضابط الحصن أو محافظه. فإن (دز) بمعنى حصن و (دار) قابض. و هو القابض على البلد. و يطلق عليه أحيانا لفظ (ضابط).

(2) كلشن خلفا ص 80- 1.

28

من العثمانيين و كان في بادى‏ء أمره إلى سنة 1042 ه كسائر الملوك قبله إلا أنه انتبه للأمر بعد ذلك و باشر الشؤون الخارجية و الداخلية بنفسه و قد مرّ عنه في حادث بغداد ما يغني عن اعادة القول ... ترجمه كثيرون و أطنبوا في بيان حياته و أعماله ... و إن صاحب روضة الابرار أفرد له رسالة في (فتح بغداد). رأيت عرشه في متحف سراي طوپقپو باستنبول، و أفرد في المتحف محل خاص يحتوي على لباسه و سلاحه حين فتح بغداد وضعت في خزانة خاصة و كذلك رأيت قصره المسمى (بغداد كشكي) أي قصر بغداد بناه لذكرى هذا الفتح و يحق له أن يفخر به و يباهي بعد أن استعصى أمر بغداد على عدة صدور عظام ... و أكثر الغوائل إنما تحصل من التهاون لما هناك من الضعف.

حوادث سنة 1050 ه- 1640 م‏

من ذيول حادث بغداد:

لم نعثر على حوادث في هذه السنة. و إنما أغفلها المؤرخون فيما يتعلق بالعراق و يعدّ من (ذيول حادث بغداد) أن (ابن مير فتاح) كان أخذ أسيرا أثناء الفتح، و سجن في استنبول ففي ذي الحجة من هذه السنة أمر بقتله فقتل‏ (1). و كأن ايران قائمة على أكتافه فإذا مات ماتت!!

حوادث سنة 1051 ه- 1641 م‏

في هذه السنة توفي محمود باشا جغاله زاده بن سنان باشا كان قد ولي بغداد. و آخر مهمة قام بها أن صار وزير الديوان فتقاعد و توفي في شوال سنة 1051 ه و هو الذي سميت مقاطعة المحمودية باسمه. كما أن خان جغان (خان جغاله) عرف باسم والده‏ (2). مرّ بنا ذكرها في المجلد السابق.

____________

(1) فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 223.

(2) فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 227.

29

حوادث سنة 1052 ه- 1642 م‏

عزل الوزير درويش محمد باشا:

في 18 المحرم انتهت أيام حكم هذا الوالي و كانت ابتدأت في 5 المحرم سنة 1049 ه (1).

و هو چركسي. كان أولا في خدمة مصطفى آغا ضابط الحرم السلطاني في عهد السلطان أحمد ثم خدم الوزير الأعظم محمد باشا المعروف ب (دال طبان). و كان السلطان عثمان يحبّه لفروسيته و شجاعته.

ذهب في خدمة الوزير إلى مصر حينما صار محافظها و كان يقدمه على جميع أعوانه، ولي الخدمات السامية حتى صيره كتخدا له. و لما ولي الوزارة العظمى عهد إليه بولاية الشام في أواسط سنة 1045 ه. و كان ظالما جبارا فتك بأهليها و تجاوز في ظلمه الحد. و تنقل في الايالات‏ (2).

و لما ورد السلطان مراد بغداد كان أمير أمراء الشام فلحق به. و في 25 ربيع الآخر عند ما كان السلطان في ديار بكر عهد إليه بإيالة ديار بكر و ألحق به كثيرا من أمراء الولاية و انضم إليه (حاكم البر) أو (أمير الصحراء) ابن أبو ريش‏ (3) (من أمراء طيى‏ء) مع باشوات طرابلس و حلب و عدة امراء ألوية جعله قائد المقدمة. و كان درويش محمد باشا مشتهرا بالشجاعة و قوة المراس و شدة البطش و الفتك و الظلم‏ (4).

توفي في أوائل شهر ربيع الأول سنة 1064 ه (5). و كان ولي الصدارة العظمى، فعزل عنها لما اعتراه من الفالج.

____________

(1) كلشن خلفا ص 80- 2.

(2) خلاصة الأثر ج 2 ص 156.

(3) صوابه أبي ريشة.

(4) نعيما ج 3 ص 442.

(5) فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 397.

30

الوالي كوجك حسن باشا (للمرة الثانية)

كان هذا الوزير أول وال على بغداد أيام فتحها، أخلاقه حميدة و أوصافه مقبولة، استجمع السجايا المرضية، فكان هذا من دواعي إعادته في 19 المحرم من هذه السنة (1).

و في أيام وزارته هذه صرف جهوده لإعالة المحتاجين و إعانتهم بما استطاع، فكانت أعماله جليلة جميلة مشحونة بالثناء. و اسمه موصوف بالخير و الحلم. جلّ آماله مصروفة إلى راحة الأهلين و حراسة المملكة و طمأنينتها. أزال الخوف و الاضطراب و لحظ عمارة المدينة و ترصين حصونها. بنى ثلاثة أبراج قرب باب الأعظمية في المحل المسمى (طابية ذي الفقار) قبالة برج العجم فكانت محكمة البناء لتكون سدا منيعا في وجه الأعداء و حارسا للمدينة.

قال في گلشن خلفا: و لا يزال هذا البناء معلنا عن آثاره الحسنة.

و هو الآن (مرقد أمير الاوزبك) التركستاني (امام قولي خان). كان جاء في طريقه للحج. ورد بغداد و مات فيها فدفن في هذا المحل‏ (2).

جامع الاوزبك:

أصله مرقد (امام قولي خان) أمير الاوزبك. مات ببغداد. جاء بنية الحج فتوفي سنة 1060 ه ثم جاء ابن أخيه عبد العزيز خان ذاهبا إلى الحج.

مر ببغداد سنة 1092 ه. ولي مكانه أخوه سبحان قلي خان سنة 1091 ه و لا شك أن هذا الجامع من بناء عبد العزيز خان حين وروده. ثم جدّده داود باشا في صفر سنة 1243 ه جاء تاريخه (مليك لذكر اللّه جدد جامعا) (3) و هذا التاريخ لا يأتلف و أيامه و توالت عليه تعميرات. و فيه مدرسة أيضا.

____________

(1) كلشن خلفا ص 80- 2 و سجل عثماني ص 134.

(2) كلشن خلفا ص 80- 2.

(3) تاريخ مساجد بغداد ص 28 و التاريخ من أبيات للشيخ صالح التميمي.

31

ذكر صاحب گلشن خلفا مرقد امام قلي خان بمناسبة بيان الطوابي أو الابراج. و التفصيل في (المعاهد الخيرية).

دولة الاوزبك:

هذه الدولة سماها صاحب گلشن خلفا بهذا الاسم مرة و بدولة ما وراء النهر أخرى. ذكرت في كتاب (دول إسلامية) (دولة جابيان) أو (دولة استراخان) أو (الزدر خان) و يقال لها (حاجي ترخان). خلفت الشيبانيين و هي مغولية من آل جوجي بن جنگيز خان. و أول أمرائها باقي محمد بن جان خان من زوجته زهرا خانم و هو مغولي. ولي باقي محمد سنة 1007 ه و خلفه أخوه ولي محمد سنة 1014 ه ثم إمام قلي ابنه سنة 1020 ه. و توفي ببغداد حين مجيئه للحج سنة 1060 ه ثم صار أخوه نذر محمد سنة 1051 ه و في سنة 1055 ه خلفه عبد العزيز بن نذر محمد (ابنه) و هذا مرّ ببغداد في طريقه إلى الحج ثم صار أخوه سبحان قلي خان سنة 1091 ه. و هكذا توالوا فكان آخرهم أبو الغازي دام حكمه إلى سنة 1200 (1).

و لا يهمّنا منها إلا تلك العلاقة بجامع الاوزبك. ورد عبد العزيز خان بغداد سنة 1092 ه.

حوادث سنة 1053 ه- 1643 م‏

بقية أحوال الوالي:

دامت الحالة في بغداد هذه السنة و أوائل التالية بهدوء و سكينة و الناس في راحة و طمأنينة ...

____________

(1) دول إسلامية ص 435- 437.

32

حوادث سنة 1054 ه- 1644 م‏

في هذه السنة في 24 المحرم عزل الوالي‏ (1).

و الملحوظ أنه ولي بعدها مرعش. و في سنة 1055 ه صار واليا على روم ايلي و أمر بالذهاب للحرب في گريد. و في سنة 1058 ه أصابته رمية أودت بحياته.

الوزير دلي حسين باشا

كان من مرافقي السلطان مراد الرابع. و لما ولي ادارة بغداد سعى لتمكين السلطة و استقرارها فأوقع الهيبة في قلوب الناس و أبدى قسوة و كان ضيّق الصدر.

و في كل هذا كان مطمح أنظاره أن يعدل بين الناس و أن لا يميز بين واحد و آخر تحقيقا لهذا الغرض فكان يتجوّل و يستطلع أحوال الناس ليل نهار و يصرف أكثر أوقاته بتبديل زيّه فتراه في المحلات و منعرجات الطرق ... ليقف على أحوال الاشرار و أن ينالوا منه ما يستحقون فسعى لإزالة المظالم.

و مع كل هذا كان قاسيا، لا يقبل عذرا و يخشى الناس بطشه ...

و لكنه لم يحد عن طريق الحكمة. يصلي الجمعة و الجماعات و يثابر عليهما.

جامع قمرية- تعميره:

من مآثر هذا الوزير تعمير جامع قمرية. و هذا الجامع كان أصابه الدمار أيام حروب العجم و لم يكن له من يقوم بخدمته. و أن أبنيته تضعضعت و تهدم قسم منها فعمر أركانه و قبابه فأتمّها و عين له خطيبا

____________

(1) كلشن خلفا ص 81- 2.

33

حسن القراءة و إماما و عيّن وظائف أخرى لخدمته. و لا تزال آثاره الخيرية باقية لحد الآن‏ (1).

هو اليوم من الجوامع المعروفة في جانب الكرخ و نسب بناءه صاحب منتخب المختار إلى الخليفة الناصر إلا أن الكازروني عين أنه من بناء الخليفة المستنصر فتمت عمارته في سنة 626 ه. و توالت عليه التعميرات. و منها ما وقع في هذه السنة. و التفصيل في كتاب (المعاهد الخيرية) (2).

أيام الوالي في بغداد:

و كانت أيام حكومته في بغداد من 25 المحرم سنة 1054 ه و دامت إلى 9 رجب من هذه السنة.

و لما وصل إلى استنبول صار مرافقا للسلطان. و كان يتكلم بلا تحاش من أحد و ينطق بحضور السلطان بلا مبالاة يجرؤ في القول و لا يبالي. هذا ما دعا أن يكرهه أعوان الملك و حاشيته. أبدوا أنه يجب الاستفادة منه لمحافظة الثغور فعيّن واليا لبوسنة. ثم ولي بودين و منها عين لمحافظة حانية في جزيرة گريد. ثم عهد إليه بقيادة گريد (3).

و في تاريخ السلحدار أنه لما أن عاد الصدر الأعظم قره مصطفى باشا من بغداد كان قائما مقامه (قائممقام) ثم صار في مناصب عديدة و في سنة 1053 ه عزل عن منصب بوسنة و ورد استنبول فوجهت إليه ايالة بغداد. و في سنة 1054 ه عزل فعاد إلى استنبول فصار نديم السلطان. ثم‏

____________

(1) كلشن خلفا ص 81- 2.

(2) الكازروني. ظهير الدين صاحب كتاب مختصر التاريخ حتى منتهى الدولة العباسية. مخطوط في خزانتي، و منتخب المختار ص 145.

(3) نعيما ج 4 ص 116 و 167 و 205.

34

ولي مناصب عديدة و زاول حروب گريد و كان ولي منصب السلطان. ثم ولي منصب (روم ايلي) فلفق عليه الصدر الأعظم شكاية فعزل و في شهر ربيع الآخر سنة 1069 ه ورد العاصمة فحبس في (يدي قله) ثم قتل و قد نعت بخير الأوصاف و النعوت‏ (1).

الوالي محمد باشا:

و هو المعروف ب (محمد باشا آل حيدر آغا). و كان صاحب رأي رزين، و فكر متين و لم يكن في أيامه غير المألوف من العدل و الإدارة و لم تحصل حوادث تستحق الذكر و التدوين‏ (2).

أمير أمراء البصرة:

في جمادى الآخرة صار مصطفى باشا أمير أمراء بودين. و كان قد عزل من البصرة قبل هذا و صودرت أمواله ثم عين إلى ولاية ديار بكر و من هناك عزل فصار أمير أمراء بودين. و لا يعلم متى كان في البصرة و هي في أيدي آل أفراسياب ...!!

خالد العجاج رئيس طي‏ء:

هذه القبيلة كان يرأسها أمير العشائر خالد العجاج من آل أبي ريشة. كان في انحاء عانة و هيت. و هو موصوف بالشجاعة، ينهب الطرق و يقطع السبل ...

و كان انقاد إلى بكتاش خان (حاكم بغداد) من جانب الايرانيين و صار يهاجم بمن معه الاطراف فنال احتراما من هذا الوالي. كان يأتي‏

____________

(1) تاريخ السلحدار ج 1 ص 143 و 178.

(2) كلشن خلفا ص 81- 2.

35

بالرؤوس المقطوعة و الألسنة من أماكن بعيدة فيحصل على اكراميات منه.

و بأمر من حاكم بغداد هاجم مرة أطراف حلب فأتى إلى الخان برؤوس و بمواش كثيرة. باع فرسه المعروف ب (ابن العرب) إلى هذا الوالي بخمسة آلاف قرش ليسد بها عوزه. احتفظ به الوالي لنفسه و اتخذ له سلسلة أمراس من ذهب و عليه العدة و (الرخت). جعله أمام عينه في أكثر الأحيان.

و لما كان يركبه بكتاش خان يصعب عليه قياده فلم يسلس له. يرى منه ضروبا من الشموس و الجموح. فدعي خالد العجاج فقال له: إن ابن العرب قد ساءت أخلاقه.

أما خالد فإنه ركبه و خرج هو و بكتاش خان إلى جهة مرقد الشيخ شهاب الدين السهروردي فقال له:

لم تحسنوا قياده و مسك بيده أربعة أقداح ماء فصار كلما رأى منه تصلبا و شموسا ضربه على رأسه بواحد منها. و بذلك أصلحه.

و هذا الفارس شجاع لا يدع أحدا يمضي من جهة عانة و هيت دون أمره. و من الاتفاقات الغريبة أنه في هذه السنة سارت قافلة من بغداد إلى حلب. فمشى بين أفرادها وحده.

و حينئذ تقدم مملوك چركسي لأحد التجار يجيد الرمي بالبنادق فصوّب عليه بندقيته و ضربه فأرداه قتيلا. و لما رأى أتباعه ذلك تفرقوا.

سمع (جفته لرلي عثمان باشا) بذلك فأنعم على المملوك بخلعة و أكرمه و أعطاه رتبة الشجاعة فنال مكانة عنده‏ (1) ...

____________

(1) نعيما ج 4 ص 92.

36

الأمير عساف أمير طي‏ء:

لم تمض مدة على قتلة خالد العجاج من آل أبي ريشة بل في أواخر هذه السنة طمعت الحكومة في الوقيعة بأمير الصحراء الأمير عساف خلف سابقه. و كانت الدولة قد فوضت ايالة حلب إلى إبراهيم باشا سلحدار الخاصة برتبة الوزارة. و هذا شرع في شؤون الحكومة و ضبطها.

و كان آنئذ أمير العشائر عساف في حلب يتقاضى راتبا من الحكومة، و من عادته أن لا يمر بالبلد و لا يتقرب للأمراء و الوزراء.

و إنما كان يأخذ من القرى بعض العوائد الباهظة أو الاتاوة (الخاوة أو الخوة) بلا انصاف. في أيامه جارت العشائر و صارت تقطع الطرق.

دبّر هذا الوالي اغتيال أمير طيى‏ء هذا و اتخذ الوسائل للوقيعة به فشعر بالحيلة فأحبطت. كان عمل له دعوة فلم ينجح التدبر، فعاد وبالا على الوالي و من دعاهم للوليمة. و نجا الأمير عساف. فنرى وقائع طيى‏ء لا تزال مهمة و تخشاهم الدولة. و كانت هذه الواقعة بتدبير الدولة ففشلت و لكنها نسبت الحادث إلى خرق الوزير، و كتبت كتاب استمالة و أرضت أمير طيى‏ء و هو الأمير عساف‏ (1).

وفيات:

1- توفي عبد علي الحويزي.

و له شعر سمّى به نفسه كلب علي.

و بشعره ثبت وقائع مهمة تخص العراق.

____________

(1) التفصيل في تاريخ نعيما ج 4 ص 110.

37

حوادث سنة 1055 ه- 1645 م‏

عزل الوزير:

كانت الحالة في هدوء و سكينة. لم يحدث ما يدعو للتدوين. و في 23 رجب هذه السنة عزل الوزير و كان ولي في 10 رجب سنة 1054 ه و بعد العزل صار من وزراء الديوان ثم وجهت إليه ايالة مصر (1).

الوزير موسى باشا

يعرف ب (كوچك موسى باشا) أي موسى باشا الصغير. عرف بالشجاعة. فلما ولي بغداد أبدى السطوة فأوقع في القلوب رهبة فتمكن من تأمين الراحة و الهدوء.

أحوال البصرة:

رأى هذا الوزير أن والي البصرة (علي باشا افراسياب) مال عن جادة الصواب. فلم يكتف بما لديه و بإغراء من ابنه حسين بك مدّ يده إلى (قلعة دكه) التابعة لبغداد و تغلب عليها ...

فلما سمع الوزير جمّع العساكر و عين لها قائدا و شحن سفنا و بعث بالمدافع. و في مدة يسيرة و افوا إلى ذلك المحل فتولدت الخشية في قلوب عساكر البصرة فلم يتمكنوا من المقاومة. فروا إلى قلعة (قصر) التابعة للبصرة فاكتسحوها أيضا. و كانت قلعة حصينة فضموها إلى ايالة بغداد و عينوا لها محافظين.

و الظاهر أن الحكومة نسيت مساعدات علي باشا أفراسياب فاستفادت من ركود الحالة فسارت للاستيلاء على مواقعه للتحرش به بأعذار اختلقتها نظرا إلى أنها شعرت بقوة لديها ... هذا في حين أن‏

____________

(1) نعيما ج 4 ص 219. و كلشن خلفا ص 81- 1.

38

الحكومة الأصلية كانت مشغولة بحروب و مقارعات عظيمة في گريد و في هذا الحين تم لها الاستيلاء و أعلنت الافراح في بغداد لورود الاخبار السارة بالاستيلاء على مدينة (حانية) في أواخر سنة 1055 ه (1) ...

غبار و ظلمة:

في أواخر هذه السنة ظهر في السماء غبار متراكم فولّد ظلمة مدة أربع ساعات ثم انكشف فرفعت هذه الغمة (2).

حوادث سنة 1056 ه- 1646 م‏

عزل الوالي:

انتهت أيام هذا الوالي في 15 شعبان سنة 1056 ه و كانت ابتدأت في 24 رجب سنة 1055 ه (3).

الوزير إبراهيم باشا:

كان حسن المنظر، جميل الهندام، و لما ولي بغداد مال بمقتضى شبابه إلى الكبرياء. و لم يجرب الحوادث و ليس له نصيب من السياسة العسكرية و لا خبرة في ادارة الرعية و لا وقوف على أحوال الأهلين فمضت غالب أيامه بالفتن و الاضطرابات‏ (4). و أصل ذلك سوء الإدارة.

____________

(1) كلشن خلفا ص 81- 1.

(2) كلشن خلفا ص 81- 2.

(3) كلشن خلفا ص 81- 2.

(4) كلشن خلفا ص 81- 2.

39

حوادث سنة 1057 ه- 1647 م‏

فتنة و اضطراب- قتلة الوالي:

و هذا الوالي تولد بينه و بين الينگچرية العداء بسبب ما اتخذه في ادارتهم من طريقة صاروا يتربصون به الوقيعة، فاشتعلت نيران الفتن بينهما.

و ذلك أن هذا الوالي كان خازنا للوزير الأعظم صالح باشا و من رجاله فعينه لولاية بغداد. و لما قتل عينت الدولة أخاه مرتضى باشا لمنصب بغداد. و في طريقه إليها سيرت الدولة مراد آغا الخاصكي لقتله فوافى إليه في تكريت فقطع عليه طريقه و أخبره ببشرى ترفيعه إلى القيودانية و من ذلك المنزل رجع فوجّه عزمه نحو دار السلطنة فوصل إلى ديار بكر، و هناك قتل.

فلما سمع والي بغداد إبراهيم باشا بذلك ارتاب من سعاية بعض أعدائه و غدرهم به نظرا لمنسوبيته إلى الوزير الأعظم المقتول إذ كان سيده فخاف أن يلحق به ما أصابه. فصار يتوقع ما تأتي به الأيام. و هذه الحالة دعته أن يجتذب لهجته بعض أهل الحل و العقد من رجال الجيش في بغداد ممن هم من أصحاب الكلمة النافذة. و شاورهم في هذا الأمر المهم. فحاول الاستقلال بالبلاد ليأسه من حكومته فوافقوه ... فقبض على أمور بغداد و سيطر على إدارتها ...

و بينا هو غافل مطمئن من وضعه و تدبيره إذ ظهر متسلم بغداد (عن الوزير موسى باشا) فأنهى ما وقع. و حينئذ أعرض بعض رجال الجيش البغدادي عن المتسلم و لم يبدوا له رضى و بينوا أن لا معنى لعزل و الينا؟

و رجوه أن يطلب من دولته ابقاءه و قالوا: إننا لا نستبدل غيره به!

أرجعوه من حيث أتى لتنفيذ هذا المتسلم. و لكن قبل أن يشتعل لهيب الفتنة قام بعض الينگچرية من عسكر السلطان المعهود إليهم‏

40

بمحافظة بغداد. و كذا من كان مجربا للأمور فسعوا سعيهم لتسكين الفتنة و اطفائها فاجتمعوا في الميدان و في القلعة الداخلية و كونوا صفا واحدا.

و قدموا بعض النصائح حفظا للسلام و الراحة و أرسلوا بعض رجالهم إلى الوالي و كان غافلا عن مجرى الأمور فأبدى أنه لا يعلم عن المتسلم شيئا فوافى لدعوتهم و جاء إلى القلعة الداخلية للمذاكرة. و حينئذ أحاط به الينگچرية. قالوا له ليس لك أن تتحرك، و ألقوا القبض عليه. و لم يكتفوا بذلك بل أعادوا المتسلم الذي كان قد سيّر من حيث أتى و أبقوه في الحكومة. و حينئذ أنهوا إلى الدولة ما وقع.

أما (جيش بغداد) فإن أكابر رجاله تجمعوا في محل و كانت نيّاتهم مصروفة إلى الخصام و الشروع في حرب الينگچرية بداعي أنه لم يصدر من الوالي جرم يستدعي اهانته لهذا الحد: فما كان ذنبه لينال هذه العقوبة القاسية أو تصيبه هذه الإهانة؟!

و على هذا كادت تلتهب نيران الفتن بين الفريقين. و لما كان هذا الوالي خائفا من حكومته أن تبطش به توسل بهذا القيام، فصار جيش بغداد يعتذر عنه و يتخذ ذلك وسيلة للقيام مبديا أنه لم تصدر منه جريرة ما.

و في هذه الأثناء ورد بغداد (الميراخور) (1) الصغير للسلطان و هذا قضى على الوالي فدفن في مقبرة الإمام الأعظم‏ (2).

و جاء في تاريخ نعيما:

«قبل هذا كان الوزير الأعظم قد عين خازنه إبراهيم باشا واليا على بغداد. و في شوال تلك السنة جاء موسى باشا القبودان إلى استانبول‏

____________

(1) الميراخور أمير الاصطبل.

(2) كلشن خلفا ص 82- 1.

41

بأمل أن ينال الوزارة العظمى فوجهت إليه ايالة بغداد. و حينئذ أبدى تمارضا و لم يرغب في الذهاب. فلم يتمكن بوجه من التخلص من هذا المنصب فأرسل متسلّمه ثم ذهب هو في الأثر.

أما سلفه إبراهيم باشا فإنه علم بقتل (سيده) صالح باشا فأيس و لم يبق له أمل في الحكومة. و لذا قبض على بغداد بيد من حديد و استولى عليها بأمل أن يستقل في البلاد العراقية. و صار يدبر ما يقتضي لنهوضه و يعدّ لوازم القيام ... و أن جيش بغداد ارتبط به قلبا و قالبا. فرد المتسلّم المرسل من جانب موسى باشا ...

فلما شاهد الينگچرية ذلك قاموا في وجهه معارضين له. فحدث قتال بين القبيلين. و أن صف حجاب الباب (قپوقولي) داخل القلعة دفعوا هجوم الجيش الأهلي و الباشا معا.

و حينئذ سلك الضباط طريق الحيلة استفادة من بساطة الوالي و صفاء سريرته و أبدوا أنهم تركوا النزاع و أنهم مطيعون لأوامره، و أظهروا البشاشة فتمكنوا من أخذه إليهم إلى القلعة فألقوا القبض عليه و حبسوه في غرفة. أما الجيش الأهلي فإنه سعى لإنقاذه بهجومات متعددة فلم يتيسر له. فسمعت الدولة بالأمر فعهدت بولاية بغداد إلى مرتضى باشا المعزول من بودين و هو أخو صالح باشا المقتول. ثم صدر خط همايوني آخر بقتل إبراهيم باشا. و سير مع الميراخور الثاني.

ثم صدر فرمان بقتل والي بغداد مرتضى باشا و عهد بإيالة بغداد إلى الوالي السابق موسى باشا. فأدرك المباشر مرتضى باشا في مدينة ديار بكر فقتله و قطع رأسه و كذا الميراخور الثاني قتل إبراهيم باشا في بغداد فأرسلت رؤوسهما إلى استنبول.

أن الميراخور الثاني لم يكتف بقتل إبراهيم باشا وحده. و إنما قتل كتخداه أيضا. و كذا بعض المشهورين من آغواته ممن لهم اليد في‏

42

العصيان كما أن المتهمين من الأهلين من أعيان البلد حبسوا و صودرت أموالهم و نكّل بهم.

و حينئذ ضبط موسى باشا إدارة بغداد بيد من حديد و قتل بعض المشايعين لإبراهيم باشا من متقدمي (الجيش الأهلي) كما أنه فرت جماعة منهم إلى بلاد العجم» (1) ..

و في تاريخ الغرابي ما نصّه:

«و فيها- في سنة 1056 ه- وقعت فتنة عظيمة في بغداد. و ذلك أنه كان فيها من الجند طائفتان يقال لهم (الينگچرية). و هم (طائفة) كانت وظائفهم تأتي من طرف السلطنة، و هم ليسوا مربوطين ببغداد بل تذهب منهم جماعة و يأتي مكانها غيرها. و الطائفة الأخرى من الجند كانت تعطي وظائفهم من حاصل بغداد، و هم لا يتغيرون، فاتفق أنه كان في السنة المزبورة إبراهيم باشا واليا على بغداد، فعزل عنها، و وليها موسى باشا، و لما أن جاء متسلمه قالت الطائفة التي وظائفها من محصول بغداد نحن راضون عن والينا إبراهيم باشا لا نريد غيره، و نريد أن يخرج من هذه البلدة آلتنجي أحمد آغا الذي هو أحد رؤساء الينگچرية فتحزبوا و اجتمعوا، فأرسل الباشا يستفسر عن تحزبهم فذهب إليه أحمد آغا فسأله عن السبب فقال له تقول طائفة الينگچرية أن الباشا يريد أن يستبدّ بهذا القطر و يخرج عن طاعة السلطان، فقال له ليس مرادي ما تقول. و إنما الجند يريد أن أبقى هنا واليا و أنا لا أرضى بالبقاء فضلا عن العصيان، فقال له أحمد آغا: يا مولانا الوزير إن كنت صادقا فيما تقول فقم و اركب و اذهب إلى القلعة و اجلس بها ساعة، ثم ارجع إلى مكانك حتى يصدق هذا الجمّ الغفير ما في ضميرك. و حلف له ايمانا مؤكدة بأنه ما

____________

(1) نعيما ج 4 ص 249، و مثله في فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 310.

43

يصيبه ضرر و لا وصب. فقام الوزير الغافل و ذهب إلى القلعة فلما جلس و استقر ساعة أراد الذهاب فقال له أحمد آغا أنت محبوس. و ليس لك خلاص من هذا المكان حتى يأتي الإذن من طرف السلطان. فلما آل الأمر إلى هذا تحزبت الينگچرية في الميدان. و جند بغداد اجتمعوا في حضرة الشيخ عبد القادر الجيلي (قدس سره) و أرادوا تخليص إبراهيم باشا فلم يمكنهم، و بقي كل منهم يرتقب الفرصة، و داموا على هذا الحال نحو شهرين. فأتى من طرف السلطنة أمر بأن يقتل إبراهيم باشا، و يكون موسى باشا واليا على بغداد، فأتى موسى باشا بالأمر و دخل بالسفينة ليلا، فلما أصبح الصباح قتل إبراهيم باشا. و لما رأى جند بغداد أن إبراهيم باشا قتل طلبوا الخروج و الذهاب، ففتح لهم الباب، فخرجوا و فروا إلى جهة العجم و قتل موسى باشا بقاياهم. و كانت هذه الوقعة في سنة 1057 ه.» اه (1).

و من هذه النصوص علمنا أن الينگچرية منهم من يستوفي علوفته من استنبول و يسمى (الينگچرية)، و منهم من ترجى علوفته من بغداد. و يقال له (قول بغداد). و هو (الجيش الأهلي). و هذا أيضا من صنف الينگچرية. و سماه في (تاريخ الغرابي): (جند بغداد). و هذا الأخير مال إلى الوالي، و حاول الانتصار له، فلم يفلح. و اضطرب أمر بغداد.

فكان الوزير إبراهيم باشا ابتدأ حكمه في 16 شعبان لسنة 1056 ه و دامت ولايته إلى غرة ذي القعدة لسنة 1057 ه (2).

وزارة موسى باشا:

كان مصاحب السلطان. اشتهر ب (سمين موسى باشا) أي موسى‏

____________

(1) تاريخ الغرابي ص 301- 2.

(2) كلشن خلفا ص 82- 1.

44

باشا السمين. فسمي بذلك من جراء أنه يصعب عليه الذهاب و الإياب أو المشي. و يقال إن السلطان أنعم عليه بهذا المنصب لرفع الكلفة عنه.

و في تاريخ نعيما سماه (قپوجي موسى باشا).

و هذا الوزير من حين تسلم زمام الإدارة فوّض أموره إلى أرباب الاغراض بل تغلب الينگچرية عليه فلم يعدل بين الرعية فكانت ادارته طبق رغباتهم فلم يبق له اختيار. أهمل الصفح و العفو و راعى الشدة و القسوة دون أن يقف عند حد و لم يبق أثر من صفاته في وزارته الأولى من عفو و صفح.

أوقع برجال الفتنة ما أوقع فلم ينظر بعيدا في دقائق الأمور و بادر بالقسوة في (جند بغداد)، متهما لهم جميعا، أخرجهم من المدينة و بعث جيشا في تعقب أثرهم و على هذا أسر المشاة منهم فأمر بقتلهم ثم صار يتحرى المختفين داخل المدينة و خارجها حتى أنه اتهم من كان لم يرض بحدوث هذا الأمر فأوقع بهم مع أنهم كانوا أبرياء.

و على كل تركت البقية الباقية ديارها و أسرعت بالهزيمة إلى بلاد العجم فعاشت في غربة أو هلكت في طريق هذا التشتت و تبعثرت أحوالها ... صار القوم يشتبهون من كل واحد من الأهلين فلم يأمنوا على حياتهم، يخشون الغوائل و يتوقعون الاخطار فكان الاضطراب مستوليا على بغداد ...

ذلك ما دعا أن ترسل الحكومة لتحقيق الأمر كلّا من الوزير محمد باشا جاووش زاده أمير أمراء ديار بكر و الوزير أحمد باشا الطيار و جعفر باشا فكل هؤلاء مع جيوشهم في هذه الايالات أرسلوا لمحافظة بغداد ... (1) فكان لهم الأثر الكبير.

____________

(1) كلشن خلفا ص 82- 2.

45

هدية الشاه:

و في هذا التاريخ قدم شاه العجم فيلين يضاهي كل واحد منهما الجبل في عظمته! مع هدايا أخرى أرسلها إلى السلطان صحبه سفيره (محمد قولي خان) السفير السابق. مر بها من بغداد، فذهب إلى استنبول‏ (1).

عزل الوالي و قتله:

ورد الفرمان بعزل الوزير. و كان من مرافقي السلطان السابق.

ذهب إلى استنبول. و لما كان تعديه في بغداد و ظلمه للأهلين تجاوز الحد صدر الفرمان بقتله حين وصوله فقتل في (يدي قله).

كان موسى باشا في زمن السلطان إبراهيم أمير سلاح (سلحدار) فعهد إليه بمنصب روم ايلي ثم صار والي بغداد فقتل في هذه السنة (2).

أوضح نعيما عن تعدياته. و سبب قتله فقال ما ملخصه إنه كان أمين العاصمة زمن السلطان إبراهيم فاكتسب الشهرة بانتسابه إلى شكر پاره.

فنال آغوية الينگچرية برتبة وزارة، ثم صار دفتريا. و بعد ذلك حصل على القيودانية ثم عزل. و بعد قتل صالح باشا أرسل إلى بغداد فاكتسب شهرة و شأنا و نال مكانة و ظهورا. و حينئذ مال إلى الحصول على ختم الوزارة و صار لا يفكر في غيره.

و على هذا بذل ما في وسعه لجمع المال. جار في أمر ادخاره و أبدى وقاحة. فقتل في بغداد ما يربو على المائتين من المتمولين بتهم مختلفة فانتهب أموالهم ...

____________

(1) كلشن خلفا ص 82- 2.

(2) تاريخ نعيما ج 4 ص 383.

46

و هذا بلغ حد التواتر عنه. قسا على أخي الخواجة حسب اللّه الشابندر الايراني صديق (آغا بغداد) آنئذ مراد آغا. و رجا منه الأهلون و عرفوه أنه من أعز أحباب (مراد آغا) الذي صار وزيرا فقتله و استولى على أمواله الوافرة.

ثم إنه جعل يرنججي‏ (1) زاده (آغا الينگچرية) الذي صار كتخداه، في مكان مراد آغا. فترك مراد آغا بعض الأموال و ذهب إلى گريد بمنصب قبطان قپودان باشا و من جراء ذلك تولدت نفرة بين مراد آغا و الوزير. و قد عثر على كتابات منه بخط يده اطلع بها على نياته و أنه كان يحلم بالصدارة و اتخذ الوسائل المالية تمهيدا للحصول على هذا المنصب ... مما دعا إلى اسقاطه فعزل من بغداد.

و لما ورد استنبول شاع عنه أنه قدم هدايا و أموالا للتوسط في الأمر المذكور كما وقعت الشكاوى من حسب اللّه الشابندر فأمر السلطان بقتله. و لا ننسى أنه تغلب عليه الينگچرية (2).

كانت ولايته ابتدأت في 2 ذي القعدة سنة 1057 ه و دامت إلى 21 ذي الحجة سنة 1058 ه (3).

وزارة ملك أحمد باشا:

إن هذا الوزير حليم الطبع و السيرة و الكلام الطيب. و يعرف ب (ملك أحمد باشا). نال منصب بغداد. و كان والي ديار بكر. جاء بغداد (4). و في رحلة اوليا چلبي مباحث واسعة عنه‏ (5).

____________

(1) في تاريخ الغرابي (آلتنجي).

(2) تاريخ نعيما ج 4 ص 430.

(3) كلشن خلفا ص 83- 1.

(4) كلشن خلفا ص 83- 1.

(5) رحلة أوليا جلبي ج 4 في صفحات عديدة.

47

حوادث سنة 1059 ه- 1649 م‏

أيام الوزير في بغداد:

كان سلوكه مع الناس مقبولا و حسنا جدا حتى أنه في زمنه سقط جدار على عامل فقير فتوفي و لما علم بذلك الوزير قال: مات شهيدا.

لأن وفاته كانت في طريق الكسب و الكاسب حبيب اللّه، فحضر الجامع بنفسه و صلى عليه مع سائر الناس صلاة الجنازة. ذكر صاحب گلشن خلفا أنه شاهد ذلك بأم عينه. كان يتفطر قلبه أسى على الفقراء و الضعفاء. لا يرضى بالظلم و يجتنب ما استطاعه من الانحراف عن العدل إلا أنه كان صافي القلب، لا يستطيع أن يدرك النتائج للمقدمات و ما تنجر إليه حوادث الأمور نظرا لبساطته‏ (1). و لعل للينگچرية دخلا في غل يده.

كاتب الديوان:

كاتب الديوان في أيامه محمد أفندي. و كان عارفا بالقوانين العثمانية و هو منشى‏ء، و كاتب قدير (2).

عزل الوزير:

بدأت حكومته من 22 ذي الحجة سنة 1058 ه و دامت إلى 20 ذي الحجة سنة 1059 ه (3) و في نعيما أنه عزل في المحرم سنة 1060 ه.

و ملك أحمد باشا من الابازة ابن پروانه القبودان من أمراء البحرية. فدخل السراي في غلطة، ثم في السراي الجديد إلى أن ولي‏

____________

(1) كلشن خلفا ص 83- 1.

(2) كلشن خلفا ص 83- 2.

(3) كلشن خلفا ص 83- 2.

48

منصب (سلحدار). و في فتح بغداد نال الوزارة و منح منصب ديار بكر، و منها عين لمحافظة الموصل و هكذا تقلب في مناصب أخرى فصار واليا ببغداد بالوجه المذكور. ثم صار وزيرا أعظم في 10 شعبان سنة 1060 ه ثم صار في مناصب أخرى و في سنة 1070 ه أحيل على التقاعد و في 17 المحرم سنة 1073 ه توفي و كان حليما سليما ذا دين و صلاح حال و زهد و تقوى. بلغ الستين من العمر. و له استقامة في أعماله‏ (1).

الوزير ارسلان باشا:

هو ابن نوغاي باشا (2). شجاع وحيد بين أقرانه، يخترق الصفوف بقلب غير هياب و لا وجل، ذو شهامة و كياسة عقل، يتيقظ للأمر و ينتبه ... و يحكى عنه وقائع كثيرة تدل على فروسيته و عقله. و له خدمات جلّى في الثغور.

دجلة:

زادت و كادت تغرق بغداد. جاء الماء على حين غرة فأحاط بها.

حوادث سنة 1060 ه- 1650 م‏

جاء في گلشن خلفا أن هذا الوزير في أيام حكومته عاش أهل المدينة و قطّان البوادي براحة و طمأنينة و سلامة من الغوائل. و في نعيما (3): إن آغا بغداد كان مصطفى آغا ال (طوبخانه لي) و كان منسوبا إلى الوزير الأعظم فعزله. و كان متنفذا حصر كل الأمور بيده فهو صاحب الحل و العقد ... و من ثم أرسل إلى بغداد الياس آغا الخاصكي.

____________

(1) تاريخ السلحدار ج 1 ص 258 بتلخيص.

(2) رحلة اوليا جلبي ج 3 ص 255. و كلشن خلفا.

(3) تاريخ نعيما ج 5 ص 3.

49

و في هذه الأيام ذهبت جماعة من الينگچرية إلى استنبول يشكون آغا بغداد (مصطفى آغا) فأعيدوا و في الحقيقة سمعت شكواهم. و الغرض تقريب مصطفى آغا و كان قتل في بغداد جماعة من الينگچرية و رماهم في دجلة.

و كذا أرسل قاضي بغداد كتابا يشكو فيه من عدم اصغاء الأهلين إلى الأوامر و الفرامين و يبدي اضطرابه و تألمه من هذه الحالة.

توفي والي بغداد فدفن في غرفة المحقق الجيلي (لعله الشيخ عبد الكريم الجيلي) و لم يحدث في أيامه من الوقائع ما يستحق البيان.

كانت حكومته من 21 ذي القعدة سنة 1059 ه إلى أواسط سنة 1060 ه.

و لما وصل خبر وفاته إلى استنبول أرسل متسلم إلى بغداد و لم يصل إليها الخبر و لا أتى المتسلم إلا بعد نحو شهرين أو ثلاثة من تاريخ وفاته‏ (1).

ولاية بغداد:

و في نعيما كلّف كتخدا الوزير الأعظم في قبولها برتبة الوزارة فلم يقبل و منحت إلى ملك أحمد باشا. و لما كان حديث العهد بالزواج لم يرض السلطان بإرساله لتزوجه (قيا سلطان) و طلبت هذه الخاتون من أبيها أن يبقيه أو يطلقها منه.

و لم تمض إلا بضعة أيام حتى استعفى الوزير بتضييق من الكتخدا و حاشيته و أعوانه من طائفة الينگچرية. و لكنه نصح السلطان أن يودع الوزارة العظمى إلى أحد من الينگچرية و إلا فعلى الدولة السلام. و حينئذ التأم الديوان و قرر ايداع ختم الوزارة إلى ملك أحمد باشا سوى أنه‏

____________

(1) كلشن خلفا ص 83- 2.

50

اشترط أن لا يتدخل في أعماله أحد من الينگچرية فوافق السلطان على هذا الشرط و أطلق يده ظاهرا. و لم تمض مدة إلا و قد غلت يده كسلفه.

و حينئذ بقيت بغداد شاغرة (1).

حوادث سنة 1061 ه- 1650 م‏

حكومة الوزير حسين باشا:

و هذا كان كريما، هينا لينا، يلاطف الصغير و الكبير. و هو شاب في مقتبل العمر. عاش في بلاط السلطان مراد. و لما ورد بغداد بسط فيها بساط الحلم و الشفقة و رفع الارجاس عن المدينة و الشدة المألوفة فيها فصرف جهوده لجلب القلوب بالإحسان و الأنعام.

و كان يعتكف في الجامع كل ليلة جمعة و يؤدي فريضة صلاة الجمعة في الجامع و يكرم الإمام و الخطيب و الفقراء بما تيسر له من احسان ذهبا و فضة. فاستعبد الناس بخيراته و أحبوه حبا جما.

و لم تطل أيام حكومته بل وافاه الأجل المحتوم فأسف الكثير على فقده فدفن بجوار الشيخ عبد القادر الجيلي. حزنوا عليه و سكبوا الدموع الغزيرة على فقده. إلى أن قال صاحب گلشن خلفا: كانت أيامه أشبه بالحلم، مضت بهدوء و سكينة بلا تغلب و اضطراب فلم يحدث في أيامه من الوقائع ما يكدر الخواطر (2). و كان في أيامه آغا بغداد الياس آغا.

هذا الوالي كانت قد بدأت حكومته في 5 من شهر رمضان سنة 1060 ه و دامت إلى أواسط سنة 1061 ه (3).

____________

(1) نعيما ج 5 ص 19.

(2) كلشن خلفا ص 83- 2.

(3) كلشن خلفا ص 84- 1.

51

جاءت حوادثه في سنة 1061 ه و الظاهر أنه لم يصل إلى بغداد إلا في هذه السنة و ليس في النصوص ما يكشف عن تاريخ وروده بغداد.

و لما وصل إلى استنبول خبر وفاته أرسلت إلى بغداد متسلما جديدا فمضت عليه مدة شهرين.

الوزير قره مصطفى باشا:

إن هذا الوزير نشأ في البلاط. و نال رتبة سلحدار. ثم جاءته الوزارة فورد بغداد. و عامل الناس على اختلاف طبقاتهم بحسن المعاملة و لطف المجاملة. و كان صبيح الوجه فصيح الكلام، حليم الطبع، نافذ الأحكام. لم يكن يعرف الكبر و الغرور بل كان يراعي الناس على اختلاف مراتبهم بتواضع فهو هيّن لين.

واقعة داسني ميرزا:

هو من أمراء الأكراد الداسنية (1) و يعرف ب (مرداسني) و العشيرة المعروفة بالداسنية في أنحاء الموصل (من اليزيدية) (مير داسني) من سلالة الأمراء كان شجاعا باسلا، و في سنة (فتح بغداد) قام بخدمات مهمة و بسالة فائقة ففي سبعة أفراد من رجاله قتل مئات من القزلباشية فمنح (ايالة الموصل) في صدارة مراد باشا (قبل أن يتولى الوزير الأعظم ملك باشا) فنال لقب (ميرزا باشا)، ثم عزل، فلم ينل بعدها منصبا و بقي في استانبول مدة، فلم يحصل على غرضه، نالته مشقة و اصابته فاقة.

و في شعبان سنة 1061 ه يئس من حالته فعبر هو و جماعته البوسفور (المضيق) إلى الاناضول و عاثوا بالأمن، فتعقبوهم، و قتلوا أصحابه‏

____________

(1) نسبة إلى داسن جبل في شمالي الموصل من جانب دجلة الشرقي فيه خلق كثير من طوائف الأكراد يقال لها (الداسنية). ذكره في معجم البلدان. و لم تكن نسبة إلى عقيدة. ثم اطلق على (اليزيدية) فقيل لهم (الداسنية).

52

و قبضوا عليه فقتل أيضا (1).

هذا و الملحوظ أن صدارة مراد باشا كانت في سنة 1059 ه في جمادى الأولى. و عزل في سنة 1065 ه في شعبان منها. فكانت ولاية الداسني خلال المدة بين سنة 1059 ه و سنة 1061 ه و في عمدة البيان أن ولايته كانت سنة 1060 ه و في كتابنا تاريخ اليزيدية تفصيل.

حوادث سنة 1062 ه- 1651 م‏

علي باشا افراسياب:

في هذه السنة توفي والي البصرة علي باشا أفراسياب و من حين وفاة والده تولى شؤون البصرة و نظر في إدارتها. و كان جلّ ما قام به أن حافظ على البصرة أيام الحروب مع العجم فتمكن من حراستها. و لما ورد السلطان مراد الرابع بغداد و افتتحها أقره في ولايته ... و كانت قد حصلت منه مساعدات للجيوش التركية بكل ما استطاع.

و في أيامه راجت سوق العلوم و الآداب، و اشتهر شعراء عديدون.

مثل عبد علي الحويزي و سوف نوضح عنهم. و لما توفي خلفه ابنه حسين باشا في ولاية البصرة (2).

تزوير ولاية الموصل:

توفي والي الموصل، فوجهت الايالة إلى محمد باشا الدباغ، فبعث بمتسلمه فرأى محمد بن عثمان جاووش. و هذا كان أمير لواء پياس التابع لحلب ثم عزل. و طلب أن يكون واليا على البصرة بمكان علي باشا أفراسياب فلم يمكنه الوزير الأعظم گورچي باشا من ذلك‏

____________

(1) تاريخ نعيما ج 5 ص 92 و فذلكة كاتب جلبي ج 2 ص 373.

(2) سجل عثماني ج 2 ص 195 و ج 3 ص 513.

53

فزوّر منشورا في الموصل فوردها و ضبطها. و قال إن هذا المنصب صار عليّ بمبلغ اثني عشر ألف قرش. و بدأ في تحصيل أربعة آلاف قرش. ثم عرض على استنبول أنه وجد الموصل خالية فضبطها و أنه يقبلها بمبلغ اثني عشر ألف قرش قال: و الآن قدمت أربعة آلاف و ما بقي فمهتم بتحصيله. غضب گورچي باشا و استغرب من مثل هذه البيانات الغريبة من هذا الرجل و أمر بلزوم إحضاره.

و من الجهة الأخرى إن متسلّم محمد باشا الدباغ وصل إليها فوجده مشغولا بجمع الأموال، و إنه منتظر الأمر بخصوص ما كتب و من ثم أبرز الفرمان و ضبط المدينة ثم ذهب إلى ذلك الرجل و كان نصب خيامه خارج المدينة بأمل مطالبته بالأموال التي استوفاها من أهل الموصل. و حينئذ ضرب المتسلّم بغدارته‏ (1) في ذراعه و ركب مع اتباعه و ذهب إلى أنحاء البصرة بخفارة بعض الشيوخ. و من ثم وصل إلى البصرة فنجا (2).

حوادث سنة 1063 ه- 1652 م‏

حفر نهر السيب:

في هذه السنة كان النهر الواقع بين دجلة و الفرات المسمى (نهر السيب) قد اندثر من مدة طويلة. و في هذه الأيام قام محمد و عمر و عثمان من الينگچرية في بغداد بحفر هذا النهر فحفروه مجددا بهمة لا مزيد عليها و جمعوا الناس لزرعه. و غرس البساتين فيه فصار يعطي من الخراج لبيت المال ألفي طغار (تغار) من الحنطة و الشعير و هذا هو عشر المحاصيل‏ (3).

____________

(1) الغدارة أشبه بالسيف ذات حدين و إنها غير منحنية.

(2) تاريخ نعيما ج 5 ص 194.

(3) كلشن خلفا ص 84- 1.

54

عزل الوالي:

لا تذكر عنه وقائع مهمة في هذه الأيام سوى أنه كان ولي بغداد ثلاث مرات و سيمر بنا الايضاح عنها في حينها. و في هذه المرة عزل و خرج من بغداد في 13 شوال سنة 1063 ه و كان أول حكومته في 22 من شهر رمضان سنة 1061 ه (1).

الوزير مرتضى باشا:

هذا الوزير خلف سابقه. و كان ممن عاش في البلاط. ثم صار برتبة سلحدار و ولي الشام و الروم. و منها صار واليا على بغداد. لا يبالي من عمل سوء و غضب في طبعه. إلا أنه كان موافقا للعوام في طباعهم، جالبا لحبهم حتى أنه ليس له في دار حكومته حاجب يمنع المراجعين أو يوصد الباب في وجوههم بل ترى بابه مفتوحا في كل وقت لمن يتطلب العدل لحد أنه كان نائما يوما للاستراحة و قد انفض عنه خدمه فدخل عليه بعض أصحاب الشكوى فأيقظه و قدم إليه عريضة. فلم يجد من يأتيه بالقلم فطلب من صاحب الشكوى أن يأتي بمحبرته فكتب أمرا قطعيا، نافذا للحال فجبر خاطر صاحب المظلمة.

و من خصائله أنه كان يقرأ المولد الشريف كل سنة فيطعم و يقدم الشراب للحضار.

و من المؤسف أنه كان يميل إلى الإفراط في معاشرة النساء.

راجت الفحشاء في زمنه. فكان مجلسه ملوثا بتصاوير أمثال هذه الفواحش. و مع كل هذا كان وحيدا في الفروسية، شجاعا، فأذعن العابثون بالأمن لحكمه و لم يتمكن أحد منهم أن يعصي فصار الداخل و الخارج زمن حكومته في حراسة تامة و أمن فاشتهر في الانحاء.

____________

(1) كلشن خلفا ص 84- 1.