موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏ - ج7

- عباس العزاوي المزيد...
376 /
3

الجزء السابع‏

موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين‏

العهد العثماني الثالث 1247 ه- 1831 م 1289 ه- 1872 م‏

يتضمن الشطر الأول من تاريخنا الحديث من بدء وزارة علي رضا پاشا اللاز إلى آخر أيام مدحت پاشا و فيه وقائع تاريخية و سياسية داخلية و صلات خارجية و أحوال ثقافية

تأليف المؤرخ الكبير

عباس العزاوي المحامي‏

المجلد السابع‏

الدار العربية للموسوعات‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

عواطف صديق إلى: العزاوي مؤرخ العراق‏

رأيت الرجال بآثارهم‏* * * و تاريخ (عباس) آثار

فأعظم بتاريخه المستفيض‏* * * و أكبر فقد حق اكباره‏

نماه إلى [الضاد] فرع شأى‏* * * فجاز الفراتين مضماره‏

تباهت به [العزة] المصطفاة* * * وضم العروبة إيثاره‏

فمن كأبي فاضل في الرجال‏* * * و أصل التواريخ أسفاره‏

كمال عثمان‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على رسوله الأمين و على آله و صحبه و من تبعه بإحسان إلى يوم الدين. (و بعد) فهذا التاريخ يتلو عهد المماليك مباشرة و يتناول أيام العراق من عهد علي رضا باشا اللاز إلى آخر زمن مدحت باشا و فيه حوادث و مشاكل عانى منها ما عانى و تهم معرفتها. و هو ملي‏ء بالأحداث العظيمة القريبة. و من الضروري التوسع فيها لتكون أمكن في المعرفة و العلاقة بها أجل. و إذا كان العراق لم يهدأ في وقت من توالي الوقائع و تنوعها. فالحاجة ملحة بنا أن ندرك ماضينا القريب لمساسه بشؤوننا التي لا نزال نتحدث بها، و نذكر ما جرى من غرائبها و مهماتها.

نظرة عامة

هذا العهد يبدأ من سنة 1247 ه- 1831 م و ينتهي بانتهاء ولاية مدحت باشا سنة 1289 ه- 1872 م. و من ذلك يتكون قسم كبير من تاريخه الحديث. دخل العراق في عهد جديد زالت به إدارة المماليك، و صار يعتقد الخير كله في هذا الانتقال و التحول، فلم يلبث أن تقلصت آماله، بل شعر بالخطر، و من ثم استعصى على الإدارة أمره و شمس عليها أو جمح جموحا لا هوادة فيه. فجعلها في ريب من أمرها. ارتبك الأمر في المدن، و اضطربت الحالة في العشائر، و دخلت الأمة في جدال‏

8

عنيف. تريد الدولة أن تستقل بالعراق، و الشعب يأمل الرفاه و الراحة، فاختلفت و جهات النظر و زادت الشؤون تعقيدا و قويت المشادة ..

كانت الحالة في أشد التوتر، فلم تتغلب الدولة على المدن إلا بشق الأنفس و بعد تعديل سياستها. و لم تغير أوضاعها ألا بعد أن شعرت بالخطر ... و كانت العشائر في غالب أوضاعها بنجوة. جربت الدولة تجارب عديدة، فباءت كلها أو أغلبها بالفشل فلم تستطع الإخلال بالمعهود، و لم تقدر أن تتجاوز حدود المألوف.

و حوادث العالم نبهت إلا أن التدخل كان قليلا و التجدد غير مشهود. و الإدارة تبغي المال لدولتها و تلح. و الولاة همّهم أن ينالوا نصيبا أيضا و من جهة تحاول الدولة تأسيس حكم مباشر و أن تقضي على الإمارات و على العشائر الكبيرة و أن تنظم إدارة المدن كما هو الشأن في أصل الدولة ... لتتمكن من الاستغلال، فكان دون ذلك خرط القتاد.

لم توفق في ذلك إلا بعض التوفيق بعد عناء كبير و كلفة عظيمة.

فإذا كان هذا حال الأمة في سياسة الدولة فلا شك أن الإدارة خابت في الثقافة أكثر من جراء أن مؤسساتنا عظيمة. لم تخذل من كل وجه.

و الحكومة في كل أعمالها لم تتمكن إلا من بعض الشي‏ء في حين أن الأفكار تنبّهت في هذا الاضطراب السياسي و الثقافي و تهيأت لتقوية الثقافة من ناحية الاتصال بالغرب.

كانت المشادة بالغة غايتها بين الحكومة و الشعب. يراد بالعراق أن يتابع الدولة في إدارتها و أن ينقاد بلا قيد و لا شرط فلم يسلس قياده، و لم تربح الدولة قضيتها. و بقي النضال مستمرا. فلم تستطع إدارته إلا أن تمضي بمألوفه. تريد أن توجهه إلى سياستها فخابت أو باءت بالفشل الذريع. و لا شك أن الحالة الاقتصادية في أمر كهذا نراها مضطربة قطعا. تعينها حوادث كثيرة و توضح هذا الاضطراب العلاقة المشهودة.

9

و تاريخ هذا النضال أولى بالتفهم. و منه ندرك الحالة الاجتماعية أيضا، و الاتصال بالشعب في هدوء نفسياته و اضطرابها، فيتجلى تاريخ ذلك بوضوح، و نتبيّنه في حالاته كلها مجموعة بالالتفات إلى حوادث الجدال و ظواهر الحياة و هدوئها أو اطراد الأوضاع أو اختلالها.

10

المراجع التاريخية

نعلم قطعا أن تبدل الحالات، و ما يبدو من الحوادث العظيمة ظواهر لا يصح أن تهمل أو أن تبقى بلا تفسير صحيح. و العراق من أعظم الأقطار حوادث و أكثرها مشاكل. لا يهدأ لحالة، و لا يرضخ لسياسة، و لا يقبل بفرض ثقافي أو اقتصادي ... و كل هذه تحتاح إلى مراجعة وثائق عديدة في تدوين تاريخه إلا أننا في هذا التدوين تهمنا الوثائق العامة ذات المساس بالوقائع على أن نذكر الخاصة في حينها نظرا لقيمتها في تفسير وقائع القطر و بسطها، بل هي الأولى و الأجل لعلاقتها بنا. و هذه كثيرة جدا. و قد بذلت منتهى الجهد في جمع شتاتها و تنظيمها.

المراجع العامة:

1- سياحتنامه حدود.

و هذه من أجل الآثار في بيان حالة القطر الاجتماعية كتبها خورشيد بك باللغة التركية و كان من موظفي الخارجية أمره السلطان عند إجراء تحديد الحدود العراقية الإيرانية أن يدوّن عن العراق و ما جاوره من قرى و بلدان و عشائر و شعوب و أحوال تاريخية و اجتماعية و اقتصادية ما يستطيع تدوينه، فقام بالمهمة. و لم نر من تعرض لمثل مباحثه مجموعة كما تعرض ... وقفت مدوناته في أواخر سنة 1268 ه- 1851 م. عندي نسخة مخطوطة منها بلغت الغاية في نفاستها

11

و إتقانها. و كان خورشيد بك قد عيّن بصحبة درويش باشا الفريق. ثم إنه صار خورشيد باشا و تقلب في مناصب عديدة. و كان من مماليك يحيى باشا الجليلي والي الموصل. فدخل قلم الخارجية فصار مكتوبيا. و توفي سنة 1296 ه- 1879 م. و هو وال على أنقرة. و علاقته بالعراق مشهودة.

و لا شك أنه متمكن من التفاهم مع الأهلين رأسا من جراء اتقانه اللغة العربية و العامية الدارجة. فهو عراقي عارف و كتابه جلا صفحة عن أحوال العراق.

2- تقرير درويش باشا الفريق كتبه باللغة التركية.

و كان أستاذا في المهندسخانة. فعهد إليه أمر (تحديد الحدود) بين إيران و العراق. و كان خورشيد بك في صحبته. طبع تقريره هذا مرات. و كان مقتضبا. يفسره كتاب (سياحتنامه حدود) و فائدته كبيرة في التعريف بالشعوب العراقية الإيرانية في الحدود كسابقه. توفي مؤلفه في 11 المحرم سنة 1296 ه- 1879 م. كانت علاقته بالوقائع التاريخية كبيرة. و هذا التقرير نقلته وزارة الخارجية العراقية إلى اللغة العربية و طبع في مطبعة الحكومة ببغداد سنة 1953 م.

3- مرآة الزوراء.

في تاريخ بغداد لما بعد دوحة الوزراء باللغة التركية للمرحوم سليمان فائق والد الأستاذ صاحب الفخامة حكمت سليمان. توفي في 27 جمادى الأولى سنة 1314 ه- 1896 م. و هو مهم جدا في بيان أحوال القطر لو لا نقص و تشوش في أوراق مسوداته و مع هذا كانت فائدته عظيمة، و بياناته جليلة في امتداد الحوادث إلى ما بعد المماليك حتى أيام نامق باشا الكبير. و كان يتعرض لما بعد ذلك بإشارة خفيفة أو بيان موجز فأتم ما هنالك بما أو ضحه في رسالتيه في المنتفق.

و لا شك أنه من أجل الوثائق لتاريخ العراق للمدة التي ذكرها. و كتب الأستاذ المرحوم متلازمة يوضح بعضها البعض. و نفعها عظيم.

12

4- رسالتان في المنتفق.

له أيضا مخطوطتان عندي نسخها. و لا تخلوان من نقص. و فيهما بيان عن أعظم مشاكل القطر في حوادث المنتفق و علاقة الدولة بها.

5- التاريخ المجهول المؤلف.

كتب باللغة العربية بدأ بأيام داود باشا و مضى في حوادثه إلى سنة 1279 ه. بعض أوراقه ساقطة و كانت حوادثه غير مطردة. و فيه تحامل على الولاة. لغته عامية و يعول على كتاب (ألف با)، و كتاب (تاريخ المنتفق) للرفاعي. و في كل أحواله يعد صفحة كاشفة عن الأهلين، و الولاة. و هو يبين روح الكاتب و أثر الوقائع في نفسه. ينسب بعض الحوادث إلى الولاة ببيان خرقهم أو قلة معرفتهم و لم يدر أن ذلك تطبيق لمنهاج الدولة. و قد حاولنا أن نعثر على كتاب (تاريخ المنتفق للرفاعي) و التمسناه كثيرا، فلم نتمكن من الحصول عليه.

و لعل الأيام تظهره.

6- تاريخ الشاوي.

تأليف الأستاذ محمود بن سلطان الشاوي المتوفى سنة 1932 م يبدأ بسنة 1246 ه و يمتد إلى احتلال بغداد سنة 1335 ه- 1917 م. مختصر جدا. و لا يخلو من بعض المهمات و إن كانت أغلاطه كثيرة. اعتمدناه فيما توسع فيه أو انفرد به عن غيره مما اعتقدنا وثوقه. عندي مخطوطته.

7- الزوراء.

أول صحيفة عراقية ظهرت في بغداد بل في العراق.

و لم تسبقها غيرها كانت حكومية تعين ما كان يجري ببغداد حذر أن تشوش الأخبار. أو تشوه. و يأتي الكلام عليها.

8- تاريخ السيد رشيد السعدي.

و يسمى (قرة العين في تاريخ الجزيرة و العراق و بين النهرين). كتبه إلى سنة 1294 ه. طبع سنة 1325 ه في بومبي. و توفي السيد رشيد السعدي سنة 1939 م. و من أولاده الأستاذ أحمد السعدي.

13

9- مؤلفات أبي الثناء الآلوسي.

و هذه كثيرة و التاريخ منتشر خلال سطورها. و أحوال الولاة لهذا العهد ذكرها في رحلاته بإشارة و تلميح أو بسط و توضيح. و ربما كانت الإشارة أبلغ. و هو العارف بالموارد و المصادر. و أبو الثناء هو السيد شهاب الدين محمود الآلوسي المتوفى في 25 ذي القعدة سنة 1270 ه- 1855 م و يعد من أعاظم مؤرخي العراق لهذه الحقبة.

و هناك مراجع ذكرناها في المجلد السابق. تمتد حوادثها إلى هذه الأيام مثل (تاريخ لطفي)، و جريدة (تقويم وقائع). و هكذا اعتمدنا الجوائب و كنز الرغائب و تواريخ جديدة ... كما أن الوثائق الخاصة كثيرة لا تكاد تحصى و بينها ما يخص حادثا أو يوضح أمرا.

و في هذا العهد كثرت المراجع العربية و الأجنبية إلا أننا في الغالب نلتمس منها المحلية، و نصحح ما جاء مغلوطا من تلقيات الأجانب، و بالتعبير الأصح نعين تاريخنا بالنقل من رجالنا مع العلاقة بأصل الدولة.

و إلا وقعنا بأوهام لا تعد و لا تحصى سواء كانت فارسية أو تركية أو غريبة و التمحيص صعب. و المقابلة تكشف.

لم يتسع المجال للمناقشات أو النقد العلمي و إنما تكفي المقابلة لإظهار ما وقع الآخرون به من خطأ. نقدم الزبدة الصافية فيما نعتقد، و إلا طال بنا الأمر.

و إذا كان الأجنبي يشكو من قلة الوثائق فلا شك أننا بذلنا أقصى جهودنا في سبيل تذليل المصاعب فتيسر لنا الكثير. و المادة عندنا غزيرة و مع هذا نرى فينا رغبة عظيمة لاستطلاع ما يزيد أو يوضح. و ليس لنا إلا أن نحكي ما وصل إلينا خبره.

و على كل حال نرى المراجع الخاصة كثيرة و ليس في الوسع تعدادها. و إنما يهمنا منها ما نذكره في حينه. و أكثر فائدة ما أوردناه.

14

المباحث‏

العراق للحقبة من انتهاء حكم المماليك إلى آخر أيام مدحت باشا طافح بالأحداث العظيمة نبهت حوادثه الغافل و الساهي. و كانت محل استفادة المعتبر و السياسي البارع. و الجهل بها لا يعذر، و الغفلة لا تعوّض. و استعراضها ليس بالأمر السهل. و من أجل ما هنالك:

1- فتح بغداد و تحول الحكم و عودته إلى الدولة العثمانية.

و هذا يعد (دور انتقال) تخلله اضطراب. أدى ألى نتائج مبصرة في بيان نزعات الأهلين، و آمال الدولة. و ما كان من جراء ذلك من مشادة.

2- التحول العام في سياسة الدولة بإعلان (التنظيمات الخيرية)

و الوعد بالإصلاح و هل تحقق لهذه التنظيمات من أثر في العراق؟

3- القضاء على بعض الإمارات العراقية و انقراضها مثل إمارة الرواندزي، و إمارة العمادية، و إمارة الجليليين، و إمارة بابان.

و لكن الدولة لم تتسلط على إمارة المنتفق و لا على العشائر. و إنما بقيت في جدال عنيف.

4- الجرائد و المطابع.

تكونت في آخر هذا العهد. و صارت مبدأ تحول لم يظهر أثره في حينه و إنما فقدت الفائدة المطلوبة مدة.

5- مجاري السياسة.

و هذه ظهرت في الحوادث المتوالية في نفس العراق و في الولاة و القضاة و في مالية الدولة و رغباتها الأخرى في الجندية ... و أن المجاري العامة أثرت كثيرا ...

6- الثقافة العلمية و مدارس الدولة.

و هذه الأخيرة لم تشاهد نتائجها في هذا العهد. و إنما ظهر أثرها في عصر تال، و لكنها لا تخلو من علاقة ما. و بجانب هذه تكونت المدارس الأهلية.

و كل هذه من أوضح المطالب و أجل الأوضاع. و لا نتوغل فيها

15

الآن. و إنما يأتي تفصيلها. و عندنا برزت أوضاعها عيانا. و الحوادث التي نذكرها مما يهم العراق أكثر و هي ذات علاقة مباشرة بنا و لها ملامسة بأوضاعنا و حالاتنا الأخرى. و لا ننس ما له اتصال قلّ أو كثر مما يؤثر تأثيرا مشهودا.

كل هذه مما نبّه العراق و جعله يفكر في مصالحه و يراعي ثقافته و يقرر اقتصادياته للنهوض بمستواها فوجد نفسه مكتوف الأيدي كما شاعت حوادث العالم و انتشرت فكان أثرها أكبر و إن كانت تلك ذات صلة أمكن.

و لا شك أن هذه دروس عملية لا تقتبس من كتاب و إنما أقرّها التاريخ. و هي نتيجة اتصال بالحوادث و صفحاتها المتحولة و المشهودة كل يوم فتتكرر و تمضي فلا تزول بزوال الشخص و لا تموت بموته بل هي حياة عامة. و حوادث العصر الثابتة هذه تحقق ما وراءها.

و هنا لا نقتصر على المهم العام وحده و إنما نراعي تسلسل المطالب للارتباط البين. و من اللّه تعالى التيسير.

حوادث سنة 1247 ه- 1831 م‏

الوزير علي رضا باشا اللاز

لا يختلف هذا العهد عن الأزمان السابقة. و أن التنظيمات الخيرية لم تؤثر فيه إلا قليلا فكان بعيدا عن الإصلاح. توالى فيه وزراء كثيرون يحملون عقليات جافة- كما حدثت فيه أحوال سياسية مهمة و أوضاع داعية للالتفات تيسرت لنا و كشفت عن أحوال هؤلاء و لم تتيسر لغيرنا ممن شكا من قلتها.

و هذا الوزير أحد ولاة الدولة. لا يفترق عنهم بما يمتاز به.

16

دخل بغداد ليلة الخميس 8 ربيع الأول سنة 1247 ه- 1831 م و بذلك انقاد العراق لدولته رأسا، فأزال عنه المتغلبة، فكان أول وزير بعد المماليك، إلا أن الأهلين لم يلبثوا أن تذمروا منه، و أن المماليك عادوا من طريق آخر للتدخل في الإدارة، يعرفون التركية و هم أبصر بالمداخل فاستعانت بهم.

لم يستطع الأهلون أن يتغلبوا من جراء أن الثقافة التركية في الأهلين كانت ضعيفة، و هؤلاء متسلحون بها، و التفاهم سهل .. إلا أن الإمارة زالت منهم.

صار العراق تتحكم به سلطة الدولة مقرونة بسيطرة المماليك باسم موظفين و علي رضا باشا اللاز قد سكر بخمرة الانتصار، فتحكم به أتباعه و موظفوه، و تجاوزوا الحد في الظلم و الاعتداء.

و من مختلف المراجع تتعين أوضاع هذا الوالي، و تعرف وقائعه، و بين هذه ما هو حكومي و ما هو أهلي .. و عرض مثل هذه يجعلنا على يقين من أمره. و كانت شهرته قد زادت في مقارعة داود باشا بل لم يكن ليعرف لولا هذه الحادثة .. و قد قيل لأم المخطئ الهبل، فالأوضاع ساعدته أكثر، و أن أكبر مسهل له الوباء و الغرق و إلا لتغيرت الأوضاع.

و للّه إرادات في خذلان داود باشا.

و هنا لا نود أن نعيد ذكرى (حادث بغداد)، و إنما يهمنا بيان ما جرى في أيام علي رضا باشا من وقائع أخرى. لنكون على بينة منها، و فيها ما يكفي للتبصر بها و بما خفي من أحواله الأخرى.

أخذ داود باشا إلى استنبول‏

من أهم الوقائع أن أخذ داود باشا إلى استنبول في شهر ربيع‏

17

الثاني. و يقال إن الحكومة احتفظت به و لم تقتله لئلا يتطير محمد علي باشا خديو مصر، فلا يتقرب من الدولة.

و حذره الوزير علي رضا باشا أن يتحرك بحركة أثناء سفره لأنه أمر المحافظين بأنه إذا حصلت حركة إنقاذ أو هرب فلا يتأخر في قتله. و لذا منع من أي عمل طائش مثل هذا فإنه يضرّ به.

هذا ما شاع عن داود باشا. و رأيت في وثيقة تاريخية لم أتمكن من معرفة مؤلفها في تاريخ ولاة بغداد و سميتها (التارخ المجهول) في حوادث أيامهم. قال:

أما هذا الوزير- داود باشا- فقد انقضت أيامه عند خلاص الطاعون من بغداد، و أما وقائعه فما تذكر لقبحها، و لمزيد ظلمه- قبحه اللّه- و ليس له مادة حسنة كي يعتني المؤرخون بذكرها- حتى لو أننا نذكر من تعديه على عباد اللّه لأفضى إلى كفره و إنكاره.

و أسس أشياء من الظلم ما تخطر في قلب فرعون. و كان بخيلا جدا مع زيادة أمواله، يغصب الناس أموالهم ظلما و عدوانا، و الحال سيّر إلى استنبول بأمر السلطان محمود، سيره علي باشا مهانا كما ذهب الحمار بأم عمرو ...» اه (1).

هذا مؤيد بغيره. كان قاسيا إلا أن غالب أعماله مصروفة إلى المصلحة العامة. لا تزال أعماله الخيرية محل الانتفاع. و هل كانت خالصة للّه تعالى؟ و على كل حال نقول: إنما الأعمال بالنيات كما هو منطوق الحديث الشريف.

____________

(1) التاريخ المجهول. و لفظه عامي فلم أتصرف به.

18

قتلة المماليك:

مرّ الكلام عليها في تاريخ المماليك، جعلناها تتمة لمباحثهم.

و كانت في 22 شعبان‏ (1).

سوء أعمال:

إن الوزير بعد أن فتح بغداد، و قضى على المماليك نصب الحاج يوسف آغا الشريف وكيل كتخدا، و كان من أعيان حلب. جاء بصحبة الوزير، و كذا السيد محمد آغا سيّاف زاده‏ (2). نصبه متسلما للبصرة، و أودع المهمات الأخرى لموظفين آخرين .. و صار يجمع بعجل مخلفات المماليك، و هذه مما جمعه و ادّخره هؤلاء خلال 90 سنة، أكثرها صار نهبا، فلم يصل إلى الوزير منها إلا القليل. باعها علنا بالمزايدة، و أرسل المبالغ المتحصلة إلى (الجيب الهمايوني) (3)، أو (الجيب السلطاني) ..

و في شهر رجب ورد بغداد عارف الدفتري. أرسلته الدولة. و لما وصل إلى الأعظمية استقبل بحفاوة، و أقيم في دار خاصة، و أجريت له مراسيم الضيافة و الحرمة. و ما استحصل من أموال المماليك كان قليلا فبيع و أرسل إلى الجيب السلطاني‏ (4) .. فلم تحصل فائدة تذكر من مجي‏ء الدفتري إلا أن الدفاتر التي هلكت أو نهبت كان قد جاء ببعض صورها فاستكتبت.

و من جهة أخرى أن العشائر انتهبوا الأطعمة المدخرة بحيث إن‏

____________

(1) هامش مطالع السعود مخطوطتي.

(2) تذكرة الشعراء ص 21.

(3) مرآة الزوراء ص 150.

(4) تكاليف أو ضرائب تؤخذ من كل مدينة سنويا فترسل مبالغها إلى السلطان.

جاء ذكرها في ص 114 من كتاب (تكاليف قواعدي) و يجوز أن يكون مقدارها متساويا أو متفاوتا بالنظر للولايات.

19

الدولة لم تنل ما كانت تتطلبه من هذا الفتح، و الوزير في بغداد لم يتمكن من إعاشة الجيش و لا استيفاء راتبه إلا من طريق التغريم و المصادرة ..

فكان الملا علي (الخصي) كاتب مقاطعة الخالص، و محمد الليلاني، و آخرون أمثالهما أرادوا التقرب من الحكومة، فأجروا مظالم بلغت الغاية في القسوة و تعرضوا بالمخدرات من النساء، صاروا يعذبونهن بأنواع التعذيب .. فتجاوزوا على زوجة رضوان آغا المقتول في الواقعة. ضربوها بالفلقة، و كووا بدنها بالسيخ (الشيش) (1) مع أنها من المخدرات، و ارتكبوا فجائع مما لا يأتلف و الأخلاق المقبولة. آلموا الأهلين كثيرا (2) .. و ذلك بأمل تقديم مبالغ للجيب الهمايوني، و سدّ جشع الوالي و أعوانه. فكان أثر هذه الواقعة كبيرا جدا. ثم أدركت الدولة غلطها، و علمت ما ولدته من نفرة في نفوس الأهلين، فحاولت أن تتدارك الأمر فلم تفلح‏ (3) .. و البغض لا يبدل بسهولة فينقلب إلى حب.

آل رضوان آغا:

تنتسب إليه أسرته المعروفة باسمه. أعقب ولدا صغيرا لا يتجاوز عمره آنئذ الست سنوات اسمه عبد الوهاب، فهربه الأهلون، أخفوه في دار الأستاذ عبد الغني جميل، و أصاب أمه الاعتداء. و هي نائلة خاتون من أسرة نقيب (مندلي). و كان التضييق عليها أدى إلى أن تظهر (مشربات) (4) مملوءة ذهبا، و بعد ذلك صدر العفو عن المماليك، فعادوا

____________

(1) السيخ و الشيش عاميتان. مستعملتان اللفظة الأولى فارسية و الثانية تركية. معربتان.

دخلتا بعض كتب اللغة مثل محيط المحيط و أصل عربيتها (سفود) و مستعملة الآن في الموصل بهذا اللفظ و في مصر و بلاد أخرى.

و الفلقة معروفة من مدة طويلة. و كانت مستعملة في الكتاتيب لتأديب الصغار.

(2) مرآة الزوراء ص 153.

(3) تاريخ الشاوي ص 7.

(4) المشربة جرة نحاسية أو إناء يستعمل لنقل الماء و غيره من السوائل أو لحفظه.

20

إلى بغداد، و صار الحاج عبد الوهاب معروفا. أعقب أولادا لا يزال بعض بقاياهم.

عبد الغني جميل- السيد محمود الآلوسي:

العراق لم ير ما رآه في أيام علي رضا باشا. شاهد الأهلون منه قسوة شديدة. و كان الوزير قد استدعى الأستاذ عبد الغني جميل من الشام. فورد بغداد و عهد إليه بالإفتاء. و في أثناء ذلك وجد ما يثير حفيظته فسخط على حكومته، و ثار، و كذلك ثار لثورته جماعة كبيرة، و لكن مؤرخي الترك لم يعيّنوا سبب الواقعة، و لا ذكروا إيضاحا عنها فلا يودون إعادة أشجانها، جاءت مراجع كثيرة تنبئ بماهية الحادث مما ذكر من الجيب الهمايوني (السلطاني) و ما يلزم من المبالغ له.

و في تاريخ لطفي لم يصرح باسم الثائر المقبوض عليه، و راعى الكتمان و التخفي حذرا من توليد خواطر سيئة.

و في مجموعة الآلوسي أن عبد الغني آل جميل قام على الوزير علي رضا باشا و أهل بغداد معه. حاولوا إخراجه و كلفوا بذلك. هاجموا دار الحكومة و قتلوا بضعة أشخاص، و تقدموا نحو باب الحرم .. و لكن الوزير راعى الحكمة، و قام بحركات قويمة. استعان بالجيش، فتمكن من القضاء على الفتنة و فرق شمل الثوار .. اندلعت النيران في محلة قنبر علي، و سلّم عبد الغني آل جميل المفتي إلى الحكومة، و دخل في أمانها، فأخمدت الغائلة (1).

و في حديقة الورود:

«إن علي رضا باشا لما ولي العراق من قبل السلطان ... أبى أن‏

____________

(1) تاريخ لطفي ج 4 ص 71 و مجموعة الآلوسي. و مجموعة عبد الغفار الأخرس في شعر عبد الغني جميل نشرتها سنة 1368 ه- 1949 م.

21

يطيعه من في العراق، و قامت الحرب بين الطرفين على ساق، إلى أن دخل الوزير بغداد. فنسب إليه (إلى أبي الثناء محمود الآلوسي) من حادثة الحصار ما نسب، و شنّ عليه الأعداء إغارة البهتان و الكذب حتى أغلظوا قلب الوزير عليه، فضاقت عليه الأرض برحبها، و ظن أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه. جاور مختفيا في محلة الشيخ عبد القادر الگيلاني ... و لم يبرح خائفا و جلا، و لو رأى غير شي‏ء ظنه رجلا، إلى أن أقبل في هذه السنة من ناحية الشام الليث الهصور، و الشهم الغيور، غرة جبهة الكرام، و جمال محاسن الأيام، الذي لم تسمح بمثل سماحته و شجاعته الأيام في جيل، الجميل ابن الجميل، عبد الغني أفندي جميل، لا زالت سحب جوده منهلة على العفاة، و مطارف فتاويه تسحب ذيول النسيان على قاضي القضاة، فنصبه الوالي مفتي الحنفية، و ولاه أحكام الحنيفية، فلم ير مزيلا لخوفه و وجله، و مبلغا في خلاصه من تلك القضية غاية أمله، مثل الانتماء إليه، و الإقامة في داره لديه، فلما حلّ في جواره كسي حلة الأمان، و كان آمنا من دخل دار أبي سفيان، فصار عنده (أمين الفتوى)، كما أمن في ذراه من البلوى.

و في تلك الأثناء أنعم عليه الحضرة العلية- الوزير- توجيه تدريس (المدرسة القادرية)، فلما جرى ما جرى من حضرة الموما إليه (عبد الغني جميل) مع الوزير الخطير (1) .. مما أوجبه محض الغيرة المحمدية، و الشهامة العمرية، و قد شاع و ذاع، و ملأ الأسماع و البقاع، حتى انفصل بسببه عن منصب الإفتاء، و خرج من بغداد، و صار طريفه و تليده نهبا بيد الأجناد، نسب إليه- إلى الآلوسي- ما هو أعظم من الأول، و جفاه من الأصدقاء من كان يظنه السموأل، إذ تهّور الوزير

____________

(1) كان قيام عبد الغني جميل على الوزير في 27 من ذي الحجة سنة 1247 ه.

مجموعة الآلوسي.

22

عليه، حتى عزم على قتله، لولا أن منّ اللّه تعالى عليه، و نجاه من ذلك الخطب و هوله، و ذلك بشفاعة بعض مشايخ الطريقة العلية النقشبندية (و هو الشيخ عبد الفتاح أفندي العقراوي) (1) و كان منتسبا فيها إلى .. الشيخ خالد ... فأمر الوزير حينئذ بجلوسه في التكية الخالدية، فلم يمكث هناك إلا أياما قلائل .. حتى سعى فيه السيد محمود النقيب، فزاد على الطنبور نغمات ... فصدر أمر الوزير حينئذ بحبسه في محلة الشيخ عبد القادر ... فبقي نحوا من سنة و نصف و قد رفعت عنه وظائفه .. و لم تزل الأيام تعاديه إلى أن اتفق أن وعظ في الحضرة القادرية في رمضان، و اتفق أن كان هناك الوزير علي رضا باشا ..

فسمع من زاجر وعظه ما أخذ بقلبه .. فسأل عنه فقيل هو فلان ...

فلحقته إذ ذاك ندامة على ما صدر في حقه .. ثم وصله بعطية، و أجازه بجائزة سنية، و أمر بعض خواصه أن يأتي به في عيد الفطر، فأتى به فأكرمه غاية الإكرام .. و أرجع إليه جميع وظائفه .. و أمره بأن لا ينقطع عن حضرته العلية، و أن يشرح (البرهان في طاعة السلطان)، فبادر إلى شرحه فأكمله و سمّاه (التبيان) .. و قبل أن يتمه جعله خطيبا في الحضرة الأعظمية، و أهدى إليه ميزان الشعراني‏ (2) ..

هذا و أجازه بتولية مرجان، و هي من خواص مفتي الحنفية من زمن السلطان مراد خان إلى هذه الأيام. و كانت على ما يحكى في الزمن القديم مشروطة لأعلم أهل بغداد بكتاب اللّه تعالى و حديث نبيه الكريم ..» اه (3).

____________

(1) مجموعة الأخرس و غرائب الاغتراب.

(2) رأيته لدى حفيده الأستاذ محمد درويش ابن السيد شاكر ابن أبي الثناء الآلوسي رحمة اللّه عليه توقيع الوزير.

(3) حديقة الورود. عندي مخطوطة منها. و هي من تأليف عبد الفتاح الشواف. و هي أدبية و الكلام عليها في تاريخنا الأدبي. و مجموعة الأخرس.

23

منظر بغداد من ساحة الميدان- رحلة وليم فوغ‏

24

و في مجموعة ابن حموشي أن ابن جميل ضربت داره في قنبر علي بالمدافع فاحترقت. أمر الوالي و الكمركجي عبد القادر آغا ابن زيادة و الملا حسين الكهية بذلك و انهزم إلى الشام سنة 1249 ه. و أقول عاد الحريق إليها في 3 شوال سنة 1332 ه فقضى على ما بقي من الكتب.

و كانت نفيسة جدا (1).

أرادت الدولة أن تغير سياستها لما ولدت من نفرة، فقربت الأستاذ أبا الثناء الآلوسي. و هذا حدث مهم في تبديل تلك السياسة.

عبد الرحمن الأورفه لي- محمد أسعد النائب:

إن النقمة التي حصلت في الناس بحيث صاروا يثنون على حكم المماليك مما دعا أن يقربوا بعض رجالهم ممن كان خبيرا بالإدارة لتسكين الحالة.

جاء في مرآة الزوراء: أن عبد الرحمن الأورفه لي كان قد خالف العهد مع الأهلين، و فرّ أثناء المحاصرة إلى جهة علي رضا باشا اللاز.

فلما دخل الوزير بغداد نصبه دفتريا. فظهرت خيانته في ضبط مخلفات المماليك و أموالهم المتروكة، و من ثم عزله الوالي و نصب مكانه أسعد النائب في أواخر شهر ربيع الآخر. و أقول أراد الوزير أن يبرر العذر لدولته، فانتحل مثل هذه المعذرة .. و كان محمد أسعد بمنصب (مصرف) قبل أن يتولى الدفترية (2).

آل الأورفه لي:

و الملحوظ أن عبد الرحمن الأورفه لي ابن الحاج علي الرهاوي.

و آل الأورفه لي ببغداد يتفرعون منه. كان له من الإخوة حسن آغا، و محمود آغا و محمد صالح فلم يعقبوا. و أما عبد الرحمن فقد ترك من‏

____________

(1) مجموعة السيد محمود حموشي المتوفى 18 رمضان سنة 1333 ه.

(2) شعراء بغداد و كتابها ص 21.

25

الأولاد داود آغا فتوفي عن سعد آغا، و هذا مات عن بنات و عن ابن اسمه محمد سليم أعقب عدة أولاد .. و من أولاده علي آغا لم يعقب بنين. و أما ابنه عثمان آغا فقد أعقب:

1- إبراهيم:

و أولاده الأساتذة جميل و إسماعيل و خليل و مكي و ناظم و جلال.

2- عبد الرحمن:

و أولاده الأساتذة مكي و عثمان و نوري و نشأت.

3- نجيب:

و أولاده الأساتذة سامي و نافع و نامق و مدحت.

و هذه الأسرة لا يعرف بالضبط تاريخ ورودها العراق إلا أن مكانتها معلومة من سنة 1215 ه .. و أن داود آغا كان معروفا بشعره العامي، و لا يزال يتغنى به. و ظهر من هذه الأسرة أفاضل اشتهروا بالمحاماة و الحاكمية و الوزارة و المناصب العسكرية. و منهم ملاكون بل غالبهم.

تزوج الوالي:

إن هذا الوالي دخل بغداد بنفسه، و أن المماليك بعد انقراضهم بقيت زوجاتهم أرامل، و كان بقاء الوزير أعزب لا يليق به. فأشاروا عليه أن يتزوج. و أن زوجته أبقاها في حلب، و هي أسماء خاتون بنت الصدر الأعظم قوجة يوسف باشا (1)، و لم يكن لها ولد ذكر، فتزوج الوزير بنت‏

____________

(1) لها مسجد في بغداد يعرف ب (مسجد أسما خاتون) ذكرته في كتاب (المعاهد الخيرية).

26

سليمان باشا الصغير والي بغداد و هي سلمى خاتون، عقد عليها في أواسط جمادى الأولى سنة 1247 ه (1).

شمر و المنتفق:

كان الشيخ صفوق الفارس رئيس شمر منفورا من حكومة المماليك، و شيخ المنتفق الشيخ عجيل السعدون مقربا منها.

أما علي رضا باشا فإنه قرب الشيخ صفوقا من حين كان في حلب. و لذا هاجم الشيخ عجيلا شيخ المنتفق من آل السعدون، و كان فريق من المنتفق محبوسين سنين عديدة فلما وقع الوباء سنة 1246 ه فرّ هؤلاء من السجن، و بينهم شيوخ المنتفق ممن كان يضمر العداء للشيخ عجيل، التجأ هؤلاء إلى الشيخ صفوق، و انضمت إليهم عشائر البعيج و الأسلم‏ (2) في أنحاء الحلة، و كذا عشائر أخرى مالت إليهم.

أما بغداد فقد اختلّت حالتها بتأثير الوباء. و من ثم هاجم الشيخ صفوق المنتفق بما عنده من قوة، فظهر الشيخ عجيل لمحاربته و معه نحو 1500 من الفرسان و المشاة إلا أن الجموع التي كانت مع صفوق لا تكاد تحصى كثرة، فلا يستطيع أن يقابلها أولئك فجرى الحرب بينهم في أواخر جمادى الثانية و بذلك انفرط عقد من كان مع الشيخ عجيل من الجموع. أما هو فقد كبا به فرسه فسقط و مات لساعته‏ (3) ..

و بهذا انتصر صفوق و من معه من شيوخ المنتفق. و لعله من جراء

____________

(1) مرآة الزوراء ص 150.

(2) البعيج منهم من يعدهم من غزية و آخرون من عنزة ذكرتهم في عشائر العراق ج 4 و الأسلم في المجلد الأول بين عشائر شمر.

(3) الشيخ عجيل هو أخو سعدة بن محمد بن ثامر السعدون و كان شجاعا. أخواله أمراء ربيعة: (عشائر العراق ج 4).

27

هذه الواقعة لقب- (سلطان البر) (1).

حوادث سنة 1248 ه- 1832 م‏

قتلة الأدهمي:

كان السيد محمد الأدهمي قاضي الحلة، فجاء خبر قتله في 25 شعبان سنة 1248 ه (2)، و هذا هو ابن السيد جعفر الأدهمي الأعظمي.

كان مثابرا على العلوم و الكمالات فنال منها نصيبا و افرا، و برع بها، و له نظم و نثر، توفي في الحلة.

آل الأدهمي- آل الواعظ:

عرف بآل الأدهمي جماعة من العلماء و المتوفى المذكور رأس أسرتهم، أنجب أولادا منهم السيد عبد الفتاح الشهير (بالواعظ) توفي بالطاعون سنة 1246 ه (3). و كذا السيد محمد أمين و عرف بالواعظ، و توفي سنة 1273 ه، و له من الأولاد الذين اشتهروا بالعلم السيد مصطفى الواعظ مفتي الحلة، و من أولاده السيد إسماعيل الواعظ، و هو من المدرسين، و السيد إبراهيم الواعظ كان محاميا معروفا و اليوم هو رئيس التفتيش العدلي. و لهما أولاد كثيرون. دام فيهم العلم و الوعظ مدة طويلة. و من مشاهيرهم السيد جعفر أخو السيد مصطفى ثم مالوا إلى نواحي الثقافة الأخرى. و الملحوظ أن آل الأدهمي الآخرين احتفظوا باسم أسرتهم الأصلية (آل الأدهمي)، و لا تزال بقية باقية منهم‏ (4).

____________

(1) مرآة الزوراء ص 96. و ذكر الشيخ صفوق في عشائر العراق ج 1 ص 151.

(2) مجموعة الآلوسي.

(3) ترجمته في المسك الأذفر ص 102.

(4) التفصيل في كتاب الروض الأزهر. طبع سنة 1368 ه- 1948 م في مطبعة الاتحاد بالموصل و هو من تأليف السيد مصطفى الواعظ نشر بتعليق صديقنا الأستاذ إبراهيم الواعظ ابن المؤلف.

28

عشائر الشامية و الهندية

امتنع عشائر الشامية و الخزاعل و تابعهم أهالي الهندية من أداء الرسوم الأميرية البالغة نحو ثلاثين ألف شامي‏ (1). فجهز عليهم الوالي نحو أربعة آلاف جندي من الموظفين. جعلهم في قيادة الحاج أبي بكر الكتخدا السابق، و عثمان بك آل إبراهيم باشا و آخرين. ساروا إلى تلك الأنحاء في أوائل جمادى الآخرة، فلما وصلوا إلى الحلة حدث بين أمراء الجيش خلاف أدى إلى تعطيل الحركة.

ذلك ما جعل الوزير يبعث محمد أسعد النائب الدفتري بصلاحية واسعة. و هذا حين وصوله اختار عثمان بك رئيسا. و تعهد أن يستوفي الأموال المطلوبة من أهل الهندية، و أعاد إلى بغداد الحاج أبا بكر و آخرين ... و ذهب هو بنفسه إلى الهندية و معه نحو أربعين أو خمسين من الأفراد، فجبى من الهندية عشرة آلاف شامي. استوفى ذلك كله في بضعة أيام، و عاد إلى بغداد، و أن عثمان بك آل الشيخ أجرى بعض المعارك فحصل الأموال الأميرية و أمهل عن الباقي و هو القسم القليل و أصلح ما بينهم، و عاد ناجحا في المهمة، فأبقى الجيش في الحلة و عاد بمن معه من أتباعه إلى بغداد (2) ..

قتلة أسعد ابن النائب‏

كان قد صار دفتريا، و كان منصب (كتخدا) من المناصب الجليلة في تشكيلات الدولة، فالكتخدا مرجع العام و الخاص، و بيده تصريف أمور الوالي. و كان وكيل الكتخدا الحاج يوسف آغا من رجال الوالي‏

____________

(1) الشامي نقد. و يسمى القرش الرومي. ذكرت تفصيلا عنه في (كتاب النقود العراقية).

(2) مرآة الزوراء ص 152.

29

و أهل دائرته إلا أن هذا لا يعلم عن أحوال بغداد شيئا، فلا يصلح للقيام بالمهمة، فاختار ابن النائب كتخدا- في شعبان- لأنه كان مستكملا الصفات المطلوبة، عارفا بالداخل و الخارج، و له المعلومات الوافية، و في أيام داود باشا كانت له المنزلة المقبولة رأى عيانا ما قام به.

بذل ما استطاع في إرضاء الوزير. و حصر به الأعمال كافة، فأقلق راحة رجال الوزير كما تعقب المجرمين و أهل الشقاء فاضطرب الكل لما استولى عليهم من الخوف، و حسبوا أن قد عاد زمن المماليك مرة أخرى.

تألبوا عليه، و لكن خدماته كانت مقبولة في نظر الوزير، فلم يتمكنوا من تغييره عليه بسهولة، و إذا عزل أيضا فلا يبعد أن يستعيد مكانته بعد قليل.

فلا يوجد من يعدله في مقدرته. صاروا يخشون بطشه .. فاتفقوا أن يغروا الوزير بقتله، فتم لهم الأمر، و اضطر أن يقتله.

و ذلك أنه من حين صار كتخدا قرب إليه رجال المماليك فأحال إليهم المهمات، جلب لجهته أعيان العراق و شيوخهم و أمراءهم و في أيامه استعاد (جيش بغداد) (1). فأخذهم و صار شأنه كسائر الكهيات السابقين، يسير بخدمته نحو ثلاثمائة أو أربعمائة من رجاله. فاتخذوا ذلك وسيلة لتنفيذ ما أضمروه من الوقيعة به .. فأفهموا الوزير بأن هذا قد أمّن الخارج، و لم يبق له إلا الداخل، و أن يستولي عليك و على من معك. نواياه ظاهرة من أعماله هذه .. و قالوا له (تغدّ به قبل أن يتعشّى بك). فتردد الوالي في بادئ الأمر، و لكنه لما لم يزاول أمور السياسة بتدبير و حذق ظن أنه سوف يستقل بأعماله هذه، و هكذا حذره القاضي تقي أفندي الحلبي، و كان جريئا، حديد اللسان .. و رأى من أهل دائرته‏

____________

(1) الجيش العثماني هو (جيش بغداد). من الينكجرية الأهليين دون الذين يأتون من استنبول على حساب الدولة و إن كان زال عنهم اسم الينكجرية و صار يطلق عليهم الجيش الموظف إذ لم يكونوا من الجيش

النظامي.

30

اتفاقا في بيان خطر الوضع إذا بقي بعيدا عنهم، و كل واحد منهم قدم بعض المقدمات، فخوفوا الوالي، و تمكنوا من إمالته.

و في 27 رمضان‏ (1) ليلة الجمعة بعد التراويح نفذوا ما عزموا عليه، فباشر قتله السلحدار ضربه ب (طبانجة) و يقال لها (فرد) أو قربينة. فقتل على حين غرة، و بقيت جنازته مطروحة على الأرض في الميدان مدة 24 ساعة مكشوفة العورة، ثم غسل و كفن و دفن في المدرسة العلية (2). و له جامع باسمه في كركوك يسمى (جامع ابن النائب) لا يزال عامرا إلى هذه الأيام ذكرته في كتاب المعاهد الخيرية.

و الظاهر أنه عاد إلى ظلمه، فنفر منه الأهلون و الموظفون و من هنا داهمه الخطر، و إلا فقد اختير كتخدا آخر من المماليك و لم يقصدوا القضاء عليه لينالوا منصبه. و لا شك أن الأستاذ سليمان فائق كان عارفا بالحالة جيدا.

آل النائب:

لا تزال هذه الأسرة في الحلة و بغداد و كركوك و هم أمويون. رأيت لهم بعض الفرامين المشعرة بذلك، و ابن النائب يعد من أدباء العربية و التركية، و له ديوان في العربية و التركية. و لا يزال يحفظ له أهل كركوك و إربل مقطوعات مختارة منه. و هو كاتب مبدع‏ (3) و (آل عبد الوهاب النائب) غير هؤلاء.

____________

(1) ذكرها الآلوسي في نسخته، و لم تكن سنة 1247 ه كما يفهم من نص مرآة الزوراء و هو الأصوب.

(2) مرآة الزوراء ص 155 و هامش مطالع السعود.

(3) في (تاريخ الأدب التركي في العراق) أوضحت عنه كما في تاريخ الأدب العربي في العراق أيضا. و نشرت مقالة في حياته في مجلة (الحديث) في كركوك.

31

أحمد آغا كهية بغداد:

اختير لهذا المنصب أحمد آغا، و كان في أيام داود باشا، و شوهدت منه خدمات .. إلا أنه لم تتوفر له وسائل الإدارة ليتولى مصالحها كافة و يستطيع القيام بالمطلوب لما هناك من خطر ذاقه سلفه.

تبين له الأمر بوضوح فزاول المهمة باحتراس زائد، و لم يتوغل حذرا من الوقيعة (1) ..

و يلاحظ هنا أن هذا الكتخدا استقر في وظيفته هذه مدة .. ثم توفي فصار مكانه أحد مماليكه (الحاج أحمد آغا) المشهور، فظلم ما شاء أن يظلم. و من هذا نرى الإخفاق في الإدارة أدى إلى أن التجأت الحكومة إلى المماليك. فأعادوا نفوذهم، و لم يحصل تجدد.

هذا، و إن أحمد آغا الأول والد الحاج حسن الكولهمن و من أولاده كامل و كمال و منهم مدحت و توفي. و بنات تزوج إحداهن الحاج محمد رفعت و كان قبل احتلال بغداد قائد المركز (رتبة عسكرية مهمة) نالها في الحرب الأولى. و رتبته الأصلية بكباشي أي (مقدم). و هو والد الدكاترة أكرم و بسيم و نهاد المعروفين. و إن الحاج أحمد آغا من مماليك أحمد آغا الأول. توفي بلا عقب. و يضرب المثل بظلمه و قسوته تنقل حكايات كثيرة عن قسوته.

تقليل الجيش‏

في السنة التالية للطاعون وجد أن قد نهب العشائر المقاطعات، و استقلوا بإدارتها، و لم تبق بذور تزرع. تعطلت المقاطعات، و أن واردات البصرة بقيت بيد المتغلبين، و كانت آنئذ عدة الجيش نحو عشرة

____________

(1) مرآة الزوراء ص 155.

32

آلاف من الخيالة. و المشاة. كانوا من الهايته (الباشي بوزق)، فلم تتيسر الإدارة بهم إدارة صالحة. و لم يبق من يقوم بالمهمة .. فاقتصر على ثلاثة آلاف منهم و سرح الآخرين، فذهبوا جماعات (إلى الأناضول).

فكان العجب كل العجب في إدارة المملكة بهذا القدر من الجيش، في حين أن ديار بكر و حلب و العراق كلها كانت تدبر بمثل هذا الجيش‏ (1) ..!

كور باشا و اليزيدية:

قالوا عاث كور باشا بالأمن. و قتّل في اليزيدية تقتيلا ذريعا، و نهب و سلب حتى وصل إلى الموصل فقطع الجسر حذرا منه. و ذلك أن اليزيدية قتلوا علي آغا البالطي عم الشيخ يحيى المزوري فاستصرخه المزوري على هذا العدوان فانتصر له و انتقم منهم و كان ذلك أيام والي الموصل محمد سعيد باشا آل ياسين المفتي‏ (2).

جرت هذه الواقعة في هذه الأيام و تلتها وقائع بهدينان على ما يأتي: في حادث القضاء على إمارته. و يقال له (ميره كوره). و يتغنّى الأكراد بشجاعته. و لم يكن ما نسب إليه من أنه عاث بالأمن صوابا.

و إنما حذرت الدولة من توسعه فشنعت عليه، و اهتمت في أمر غائلته.

عزير آغا و محمد المصرف:

إن عزير آغا من أعوان داود باشا، كان متسلم البصرة مدة أربع سنوات أو خمس فلما خرج منها ذهب إلى المحمرة (خرمشهر)، و من هناك فرّ إلى إيران. و أما محمد أفندي المصرف فإنه مال إلى العشائر في‏

____________

(1) مرآة الزوراء ص 156.

(2) في تاريخ اليزيدية فصلت هذه الواقعة في النسخة المعدة للطبع ثانية.

33

الحدود الإيرانية، و صار يتجول هناك، فتمكنوا من جلب بني لام لجهتهم و كذا بعض العشائر الأخرى، و مضى لجهتهم العثمانيون الذين تفرقوا بعد قتلة ابن النائب‏ (1).

و في تاريخ لطفي أن عزير آغا بعد أن فرّ إلى إيران صار يكاتب الأهلين بقصد إحداث الاضطراب. فجمع على رأسه جموعا كثيرة، و عزم على المجي‏ء إلى بغداد، و لكن نظرا للمصافاة آنئذ بين إيران و العراق لم تقبل إيران أن تخل بالأمن، بل كان عليها أن تراعي حقوق الجوار، و تمنع عزير آغا أن يقوم بعمل.

فاتحها علي رضا باشا بالأمر و كتب إلى حاكم كرمانشاه الشهزادة حسين ميرزا بواسطة رسول خاص، و من ثم ألقي القبض حالا على عزير آغا في أنحاء شوشتر (تستر)، و كان في حراسته مائتا جندي و التمست إيران أن يعطى له الأمان، و أن يحافظ على حياته‏ (2).

آل عزير آغا:

و يلاحظ هنا أن مرآة الزوراء وقفت عند ما نقلت، و لو لا تاريخ لطفي لبقي البحث مبتورا. و كل ما نعلمه أن آل عزير آغا لا يزالون في بغداد. تولوا مناصب كبيرة في الدولة العراقية و صاروا أصحاب مكانة مقبولة. أعني الأساتذة أمين خالص و كان بمنصب رئاسة المفتش الإداري فأحيل إلى التقاعد، و كان ولي متصرفيات مهمة مثل البصرة، و محمود خالص يشغل عضوية محكمة تمييز العراق، و كان كل منهما قد تقلد بمناصب مهمة لما نالوا من ثقة و اعتماد. و هما ابنا خالص بن أمين بن عزير آغا. و لعزير آغا أوقاف خيرية في البصرة و أوقاف ذرية أيضا.

____________

(1) مرآة الزوراء ص 156 و ص 99.

(2) تاريخ لطفي ج 4 ص 71.

34

بكر بك البصري:

من جراء حادث بغداد، و أثناء الواقعة جلب إلى استنبول فبقي في الما بين الهمايوني، و خصص له راتب شهري ألف قرش‏ (1).

إيالة حلب:

كانت منضمة إلى والي بغداد فانفصلت في هذه السنة و كان القائممقام عن والي بغداد في حلب محمد باشا المعروف ب (اينجه بير قدار).

إيالة البصرة:

ثم إن الدولة رأت أن اللائق لإدارة البصرة والي حلب محمد باشا المعروف ب (اينجه بيرقدار) فوجهت منصبها إليه‏ (2). و لا شك أن ذلك برأي الوزير علي رضا باشا. و الظاهر أنه لم يذهب إلى البصرة أو لم تطل إقامته هناك فنقل إلى شهرزور على ما يأتي.

حوادث سنة 1249 ه- 1833 م‏

منصب الإفتاء- الأستاذ الآلوسي:

إن الأستاذ أبا الثناء محمودا الآلوسي كان قد ظهر بين العلماء بالمظهر اللائق و أبدى القدرة العلمية، فصار أمين الفتوى أيام المفتي الأستاذ عبد الغني جميل. ولي هذا المنصب سنة 1249 ه أو أوائل سنة 1250 ه. و في أيامه زها الإفتاء و اكتسب جمالا و جلالا و مهابة بما اشتهر به من علم جم و أدب فياض. بقي في هذا المنصب نحوا من خمس عشرة سنة. و هو المفسر الكبير و صاحب المؤلفات المفيدة.

____________

(1) تاريخ لطفي ج 4 ص 71.

(2) تاريخ لطفي ج 4 ص 57 و ص 73.

35

أوضحت عنه في (ذكرى أبي الثناء) بمناسبة مرور مائة سنة على وفاته، و بينت حالة الإفتاء و مكانه منه. و كان قبله محمد سعيد الطبقجه لي ثم عبد الغني جميل و بعده محمد سعيد أيضا ثم صار الأستاذ الآلوسي.

هنأه بهذا المنصب جماعة من الشعراء و الأدباء و مدحوه‏ (1).

صفوق الجرباء:

لم يلتئم الشيخ صفوق مع الوزير، فحدث بينهما خلاف. بسببه اختل الأمن فأرادت الدولة أن تحقق الأمر، و أن يعاد النظام كما كان، فأرسلت آگاه أفندي من الخواجكان للقيام بالمهمة في بغداد. و إثر وروده إلى بغداد زالت هذه الغائلة .. و كل ما عرف أن والي الموصل يحيى باشا كانت بينه و بين علي رضا باشا نفرة .. فحرك رئيس عشائر شمر الشيخ صفوقا فقام في وجه علي رضا باشا، فالتقى الجيشان قرب الكاظمية، فعلم صفوق أن لا طاقة له بحرب علي رضا باشا فترك أثقاله و أحماله و انهزم، فتجاوز حدود الموصل، فاضطر جيش بغداد إلى العودة و كان بين متروكات الشيخ صفوق كتاب من يحيى باشا يدل على العلاقة بينهما.

آل الجليلي و انقراض إمارتهم:

مما مرّ عرف السبب في اتخاذ الوسيلة للقضاء على هذه الإمارة.

و دامت في إمارة الموصل من أمد بعيد جدّا من أيام إسماعيل باشا الجليلي والد الحاج حسين باشا الجليلي ولي سنة 1139 ه- و هو أول و ال من آل عبد الجليل. ثم صار ابنه الحاج حسين باشا الجليلي ولي‏

____________

(1) مقامات الأستاذ أبي الثناء، و حديقة الورود و فيها تفصيل. و دواوين الشعراء الشيخ صالح التميمي و عبد الغفار الأخرس و مجموعته و محمد أمين العمري المعروف بالكهية و قاسم الحمدي الموصلي و جماعة.

36

إمارة الموصل مرات عديدة و استمرت هذه الأسرة في الحكم فلم تقو عليها الدولة العثمانية فبقيت في الإدارة. طال حكمها أكثر من حكم المماليك. دام إلى سنة 1250 ه- 1834 م تتخلله فواصل إلا أنها لم تفارق الحكم من بعض الوجوه، فلم يكن الولاة الجليليون متوالين و لكن المواهب قوية فلا تلبث أن تعود إلى الإدارة. و عندي مشجر مخطوط في أسرتهم. ورد في تاريخ العراق بين احتلالين ذكر بعض ولاتهم لا سيما الحاج حسين باشا الجليلي و ما قام به من الدفاع عن الموصل أيام نادر شاه فوقف في وجهه. و أخبارهم في تاريخ الموصل للأستاذ الصائغ، و في كتاب مخطوطات الموصل، و في كتاب منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء لياسين بن خير اللّه الخطيب العمري نشره و حققه الأستاذ سعيد الديوه جي مدير متحف الموصل. و في تاريخ العراق بين احتلالين (ج 5 و 6). و آخر الأمراء من هذه الأسرة يحيى باشا ابن نعمان باشا الجليلي. و في ولايته الأولى من سنة 1238 ه إلى 1242 ه- 1827 م كتب الشاعر عبد الباقي العمري الموصلي المعروف (كتاب نزهة الدنيا في الوزير يحيى). و هو من آثاره المهمة. عندي مخطوطته الأصلية كما أعتقد. و في ولايته الأخيرة من سنة 1249 ه إلى سنة 1250 ه كان ما نسب إليه من سبب الاتفاق مع الشيخ صفوق غير صحيح فإن تدابير الدولة الأصلية انصرفت إلى القضاء على المتنفذين قضت على المماليك و ثنت بالجليليين. و همها القضاء على هؤلاء قبل كل شي‏ء فاتخذوا سببا ظاهريا و هو قضية الشيخ صفوق للمعذرة. و سبق ذلك استخدام الولاة من العمرية و من آل ياسين المفتي. و هي أسباب غير مباشرة أيضا.

و هذه الإمارة نالت منزلة كبيرة و خدمة عظيمة للثقافة قامت بها في تأسيس المعاهد الخيرية من مدارس و جوامع حافظت بها على الآداب و العلوم و ناصرت المؤلفين و كفاها هذا. و ما تقوله البعض عليهم فلا قيمة له و يدل على تفكير ضيق و حنق زائد إذ لو لاهم لكانت الموصل في‏

37

جهل ... و لو عددنا المعاهد الخيرية من مؤسساتها لهالنا الأمر و في كتابنا (المعاهد الخيرية) تعرضنا لما قاموا به.

و الأسرة اليوم انصرفت إلى ناحية ثقافة جديدة و لا تزال محتفظة بمقامها المعتبر. و أصدقاؤنا من هذه الأسرة الدكتور محمود الجليلي، و الأستاذ عبد الرحمن الجليلي و صديق الجليلي و هم من المعروفين من هذه الأسرة في الأوساط العراقية. و لم تكن في أيامنا بأقل نصيبا من سابق عهدها و المواهب تظهر.

أما آگاه أفندي فقد استأذن حكومته في الأمر فجاءه الأمر بلزوم إبداء الشكر للوالي على ما قام به، و أن يذهب إلى إيران للمفاوضة بخصوص القضاء على التعديات في ديار الكرد. و أن يعزّي شاه إيران بوفاة الشهزاده ولي العهد عباس ميرزا .. و من هنا نشأت نكبة يحيى باشا (1).

حوادث سنة 1250 ه- 1834 م‏

تسيير البواخر الإنكليزية:

كان قد أذن للإنكليز بتسيير باخرتين في نهر الفرات من البواخر النقلية. و لم تكن تستعمل قبلها سوى الوسائط القديمة. و هاتان الباخرتان قد أصابهما العطب. و يعدّ هذا أول دخول البواخر العراق. و لم يستفد العراق منها إلا أنه ورد الإذن في سنة 1257 ه- 1842 م إلى الوزير علي رضا باشا اللاز بتسيير الباخرتين. و هو الأمر الأول فاستغلته شركة لنج لاستخدام البواخر في دجلة. و سيأتي الكلام على ذلك.

____________

(1) تاريخ لطفي.

38

القصمان أو عقيل:

في 2 شعبان سنة 1250 ه خرج القصمان (أهل القصيم) في نجد عن الطاعة و نهبوا جانب الكرخ، فأجلوا عن ديارهم .. و هؤلاء يقال لهم عگيل (عقيل) فهم من عشائر متعددة نجدية الأصل‏ (1).

المدرسة الحربية:

في هذه السنة تأسست المدرسة الحربية باستنبول، فكانت فاتحة الجيش المنظم على أساس علمي عصري فكان لها تأثير كبير في حياة الدولة العثمانية (2) ..

و كان للعراق نصيب وافر منها. فقد تخرج كثيرون من طلاب العراق لا سيما بعد أن تكونت في العراق (المدارس الرشدية العسكرية)، و (الإعدادية العسكرية) سارت بانتظام، و كان الطلاب بوفرة، و الرغبة قوية. و كانت تعد من أنظم المدارس في الدولة.

حوادث سنة 1251 ه- 1835 م‏

والي شهرزور:

عزل محمد باشا اينجه بيرقدار والي شهرزور، و وجهت الإيالة إلى أشقر باشا، و كان قد سماه الأستاذ الآلوسي علي أشقر باشا. جاء مع الوالي علي رضا باشا. و كان من موالي بيت السلطنة، صار واليا على شهرزور و أقام ببغداد، و هو يد علي رضا باشا في حضره، و قائممقامه في سفره‏ (3). ثم إن محمد باشا صار بعد ذلك واليا على الموصل‏ (4).

____________

(1) مجموعة الآلوسي رقم 251.

(2) تاريخ لطفي ج 4 ص 169.

(3) غرائب الاغتراب و تاريخ الموصل للأستاذ الصائغ و منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء ص 283.

(4) تاريخ لطفي ج 5 ص 25 و ورد فيه (عشقر) بالعين، و ليس بصواب.

39

و في (تاريخ الموصل) للأستاذ الصائغ بيان عن مجيئه إلى الموصل ثم دعوة علي رضا باشا له، و صيرورته في شهرزور. و فيه مخالفة لما سبق أن ذكرت من أنه كان قائممقام الوزير في حلب.

مختارو المحلات:

في هذه السنة حدث انتخاب المختارين للمحلات في البلاد، فكتبت الأوامر للولاة اتباعا لنظامات البلدية .. و كذا كان لكل محلة إمام، و صارت تراعى أصول انضباط لهذا الغرض‏ (1) ..

و لا يزال مختار و المحلات على أوضاعهم القديمة. لم يحدث تبدل إلا أن سلطتهم تعيّنت نوعا في ملاحظة سكان المحلة، و من يتوفى بلا وارث، و تنظيم بيان لإصدار قسامات بانحصار الوراثة، و صار يسأل المختارون عن حال الشهود و ما ماثل من الأمور كعقود النكاح و ما يتعلق به ..

الشاعر عمر رمضان‏

في هذه السنة أو التي بعدها توفي الشاعر المعروف السيد عمر رمضان الهيتي. و كانت له صلات أدبية بالأخرس و مهاجاة، و بالشيخ صالح التميمي، و بأبي الثناء الآلوسي و آخرين. رثاه السيد عبد الغفار الأخرس بقصيدة مطلعها:

رمينا بأدهى المعضلات النوائب‏* * * و فقد الذي نرجو أجل المصائب‏

و عندي مجموعته بخطه و تحوي شعره و مختاراته. و أوسعت الكلام‏

____________

(1) تاريخ لطفي ج 5 ص 35.

40

عليه في (التاريخ الأدبي). و هو عالم فاضل و أديب كامل. و ترجمته في المسك الأذفر و في حديقة الورود ...

حوادث سنة 1252 ه- 1836 م‏

نفي السيد محمود النقيب:

كان نقيب الأشراف أخرجه علي رضا باشا من بغداد متوجها إلى السليمانية يوم الخميس 24 من المحرم سنة 1252 ه، و بقي خلف باب الإمام الأعظم إلى ليلة الثلاثاء الساعة الثانية، فذهب إلى السليمانية في منتصف صفر سنة 1252 ه ليلة الثلاثاء (1). و كان ممن نفي معه السيد محمد سعيد التكه لي (التكرلي).

و الملحوظ أن السيد محمود أفندي النقيب ابن السيد زكريا. دفن في رواق المكتبة للحضرة القادرية و كذا دفن السيد محمد سعيد التكرلي هناك كما أن السيد علي الكبير دفن هناك .. و من هؤلاء السيد رمضان و من ذريته السيد عبد الفتاح الكليدار ..

و ذمه الأستاذ أبو الثناء لما رأى من معاملة جافة و قاسية. و هو من آل عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الكيلاني. و بعدها انتقلت النقابة إلى السيد علي الكيلاني من آل عبد العزيز ابن الشيخ عبد القادر الكيلاني و استقرت النقابة فيهم و لا تزال إلى أيامنا.

كور باشا الرواندزي- القضاء على إمارته:

كان أمراء الصورانيين زال ذكرهم من البين ب (آل بابان). و لم تظهر حوادث عنهم إلا قليلا. و إنما بدأت حوادثهم أيام (كور باشا).

و يعرف ب (مير كوره). و هو محمد باشا الرواندزي و كان من الصورانيين‏

____________

(1) مجموعة السيد عبد الفتاح الأدهمي.

41

و منهم من قال إنه من أمراء (لپ زيرين) (1) في برادوست من أمراء زرزا شنّ غارات عديدة و أوقع وقائع قاسية وقعت أيام داود باشا، و منها ما كان على (اليزيدية) أيام علي رضا باشا إجابة لاستغاثة الشيخ يحيى المزوري‏ (2) المتوفى سنة 1252 ه. مطالبا بدم عمّه (علي آغا البالطي) (3). قتله اليزيدية. فأفتى أحد علمائه الشيخ محمد الخطي العالم المعروف جد الأستاذ خورشيد بن عبد الحكيم ابن الشيخ محمد الخطي بقتلهم ما دعا كور باشا أن يقاتلهم. و توفي الخطي سنة 1252 ه. بعد القضاء على كور باشا و كان من مشاهير العلماء في أيامه. و عندي له رسالة قدمها إلى داود باشا (في العلم الإلهي). و له مؤلفات أخرى ...

صال كور باشا على اليزيدية (4) عبر الزاب الأعلى من جهة (ياسين كلك)، و تعقب أثرهم حتى الموصل، فقطع أهل الموصل الجسر حذرا منه، فاعتصم اليزيدية بالنبي يونس (عليه السّلام) و تحصنوا فيه إلا أنه استولى عليهم بعد المحاصرة و دمرهم تدميرا. و كان الأستاذ أبو الثناء رآهم في ياسين كلك بعد تلك الواقعة و ذكرهم في رحلته. و الظاهر أنهم رأوا

____________

(1) أصلها (لب زرين) أي ذو الكف الذهبي و هم رؤساء زرزا. و كانت تسميته باسم امرأة عرفت بهذا اللقب تولت الإمارة و انتقمت من أعدائها الذين قتلوا أخاها.

و من ثم لازم هذا اللقب رؤساءها. و صار يحكي الكرد قصصا عن (لب زيرين) تمثل حوادث البطولة كقصة عنترة و أمثالها عند العرب و زرزا ذكرت في عشائر العراق الكردية (ج 2 ص 217) و وردت في تاج العروس في مادة كرد و مروج الذهب. و أصلها (ابن الذهب) لا (ابن) الذئب فقد جاء مصحفا لأن زر بمعنى الذهب و (زا) مخفف (زاده) أي ابن و المجموع ابن الذهب و نبه على ذلك الأستاذ (ورنر كاسكل) عند ذكره في مجلة المشرقيات كتاب عشائر العراق الكردية.

(2) من العلماء المشهورين. توفي ببغداد سنة 1252 ه عنوان المجد، و حديقة الورود و المسك الأذفر ص 129. و دفن في جامع العادلية الكبير.

(3) نسبة إلى بالطة قرية بجوار بريفكان على مسافة بضع دقائق منها.

(4) في تاريخ اليزيدية المعد للطبع أوضحت هذه الواقعة.

42

مدحت باشا- عن تبصره عبرت‏

43

ضعفا، فمالوا إلى أبناء طائفتهم‏ (1) و كان قبل ذلك رآهم نيبور السائح الهولندي و ذكر بعض قراهم قبل واقعة كورباشا الرواندزي‏ (2). رآهم في الجانب الأيمن من الزاب الأعلى. و مثله في رحلة المنشي البغدادي و سميت قريتهم ب (حسين كفتي). و لعلها نفس قرية (ياسين كلك) (3). ثم مال الأمير كور باشا إلى العمادية و فعل بها ما فعل. و توالت حوادثه، فشغل الدولة و من ثم اهتمت للأمر خوفا من توسع هذه الإمارة.

عزمت الدولة على القضاء عليه، و عدت غائلته من أمهات الغوائل، فجهزت والي سيواس الصدر الأسبق و السردار الأكرم رشيد محمد باشا. اختارته للأمر و عهدت إليه بالمهمة. و أمرت والي الموصل محمد باشا (اينجه بيرقدار)، و وزير بغداد علي رضا باشا اللاز أن يكونا على أهبة و موعد للتعاون معه و أن يهتما في دفع هذه الغائلة.

قام الكل بما عهد إليهم مجتمعا. و من ثم و قبل الشروع في حرب كور باشا حذره السردار من العصيان، و كتب إلى العلماء أن ينصحوه لتقديم الطاعة. و في الوقت نفسه تعهد له السردار رشيد محمد باشا أن لا يلحقه ضرر و لا يمسّه سوء، فأبدى انقياده و أذعن للسلطان، فأخذ إلى استنبول و عفي عنه. ثم صدر الفرمان بقتله في طربزون و منهم من قال في سيواس و دفن فيها. و في رجب سنة 1252 ه توفي الصدر الأعظم السردار رشيد محمد باشا و لعل لوفاته دخلا في قتله بعد العفو عنه.

مات بلا عقب. و الباقون اليوم من ذرية أخيه رسول آغا. و منهم إسماعيل بن سعيد بن عبد اللّه مخلص قتل قبل بضع سنوات و هو ابن أخي إسماعيل قتل غيلة.

____________

(1) نشوة المدام في العود إلى مدينة السلام ص 98.

(2) رحلة نيبور المنشورة في مجلة (سومر) ج 9 ص 250.

(3) رحلة المنشي البغدادي ص 77.

44

و كان رشيد محمد باشا من أكابر رجال الدولة نال الصدارة في أوائل شهر رمضان سنة 1244 ه، و فصل عنها في أوائل شهر رمضان سنة 1284 ه و ولي سيواس في جمادى الآخرة سنة 1249 ه. و في ذي القعدة من تلك السنة بمناسبة غائلة الرواندزي أضيفت إليه ولاية ديار بكر لزيادة الاهتمام بالأمر.

و على كل حال انقرضت إمارة الرواندزي سنة 1252 ه- 1836 م.

قام لها الترك و قعدوا. و قالوا كانت أقلقت راحة الأهلين مدة اضطرب فيها حبل الأمن و سلبت الطمأنينة ... و على كل عادت في طيات التاريخ. عاشت في حياة كور باشا و ماتت بموته. و كان التشنيع عليه بسبب توسع إمارته و نجاحها في ديار الكرد و حسبوا لها خطرها عليهم.

فأرسلوا إليها أحد الصدور العظام بلقب (سردار أكرم). و بهذا كان قد حصل رشيد محمد باشا و (اينجه بيرقدار) و علي رضا باشا اللاز على إنعامات السلطان من جراء هذا العمل الجدير بالإنعام و التقدير. و إن الشيخ صالح التميمي مدح الوزير علي رضا باشا اللاز بقصيدة على هذا النجاح الباهر.

و الملحوظ أن ما جاء في تاريخ الموصل للأستاذ الصائغ من أن قيادة الجيش كانت بيد (مصطفى رشيد باشا) فغير صواب. تسرب إليه الخطأ من سالنامة الموصل. و سماه الأستاذ الدكتور داود الچلبي (رشيد باشا الگوزلكي) ظنا منه أنه وزير بغداد المذكور. و جاء في كتاب (إمارة بهدينان) أنه (محمد رشيد باشا). وقع فيما وقع فيه معالي الأستاذ المرحوم محمد أمين زكي في كتابه (تاريخ الدول و الإمارات الكردية) (1)

____________

(1) (سياحتنامه حدود) ص 310، و تاريخ لطفي ج 5 ص 57 و 62 و تاريخ الموصل ج 1 ص 311- 313 و سجل عثماني ج 2 ص 391 و سالنامة الموصل لسنة 1325 ه ص 100- 101 و ديوان التميمي ص 52، و مخطوطات الموصل ص 253 و تاريخ الدول و الإمارات الكردية ص 398.

45

دون أن يصرح بالنقل منه‏ (1).

إمارة العمادية- انقراضها:

هذه الإمارة كنت ذكرتها في (عشائر العراق الكردية) و في الأجزاء السابقة من تاريخ العراق و في هذا العهد على ما جاء في مجموعة السهروردي أن العمادية كانت بيد إسماعيل باشا ابن طيار باشا (محمد الطيار) و كان أخوه عبد القادر بك رهنا لدى علي رضا باشا. ثم إن إسماعيل باشا هذا خرج على الوزير فأرسل إليه جيشا بقيادة الملا حسين آغا كتخدا ففرق إسماعيل باشا جماعتهم، فاحتاج الوزير أن ينكل به و ينهض عليه بنفسه. و حينئذ عين أخاه عبد القادر بك بلقب باشا أميرا على العمادية. و في آخر الأمر تغلبوا على العمادية و قبضوا على إسماعيل باشا و أخيه عبد القادر باشا و أتي بهما إلى بغداد حنقا عليهما و ولي على العمادية محمد سعيد پاشا من أقاربهما.

و من ثم عرفنا كيف ولي محمد سعيد پاشا و كيف ابتدأت وقائع أيامه هذه. فكشفت هذه المجموعة عن الحالة و ما كانت عليه قبل أمير العمادية محمد سعيد پاشا و كيف صار هو أميرا عليها. و هذا- على ما جاء في النصوص الأخرى- استولى عليه كور باشا و نصب مكانه (موسى باشا). و كان موسى باشا هذا قد نازع محمد سعيد باشا في الإمارة و لما أيس من بلوغ أمنيته التجأ إلى الأمير كور باشا فنصره و قلده الإمارة

____________

(1) إمارة بهدينان للأستاذ صديق الدملوجي. طبع سنة 1372 ه- 1952 م. نقل من غيره و لم يصرح بالنقل مع أنه منع أن ينقل منه أو أن يقتبس كأنه كله مشاهد.

و يغلب على المؤلف أنه سرح في الخيال و ذكر بعض المشاهدات المهمة و غير المهمة إلا أنه لم يذكر المراجع الأصلية التي اعتمدها في غير المشاهد، فكانت دعواه كبيرة. و يعوزه أن يقول (النقد ممنوع) و إظهار الغلط جريرة.

و كتابه بسبب فقدان النصوص لا يعرف خطأه من صوابه. و الغريب أنه نقل من ياسين العمري الخطيب و تحامل عليه. و لعله أراد تبرير النقل بسب من أخذ منه.

46

و رجع إلى رواندز فتعصب الأهلون عليه فطردوه و أعادوا محمد سعيد باشا. و حينئذ أقبل الرواندزي على العمادية فأقام على حصارها ثلاثة أشهر حتى نفدت مؤن الأهلين و لم يبق لهم صبر على المقاومة فطلبوا الصلح و سلموا إليه (محمد سعيد باشا). و من ثم دخل القلعة فغدر بالأهلين فنهبهم و قتل رؤساءهم، فأقام عليهم أخاه (رسول آغا) واليا.

دامت في يده إلى أن ولي الموصل محمد باشا اينجه بيرقدار.

ثم إن إسماعيل باشا كان يأمل أن محمد باشا اينجه بيرقدار يعيده إلى العمادية فطلب أن يوليه مملكته فلم يجبه فمال إلى الجزيرة و راسل أكابر رجال العمادية يفاوضهم حتى انقادوا له و سلّموا إليه العمادية. و إثر ذلك جرت حوادث بين البيرقدار و بينه. و هذه الحوادث منها ما جرى في (عين توثة). و كذا حوادث الرواندزي مما شغل الدولة فقطعت بلزوم القضاء عليهما معا لا سيما بعد أن ربحت قضيتها في بغداد على يد علي رضا پاشا.

جهزت الصدر الأسبق رشيد محمد باشا على الرواندزي فقبض عليه. ثم مال الجيش إلى العمادية و شدد الحصار عليها أياما، فاضطرت إلى التسليم. افتتحها، و قبض على إسماعيل باشا، فأرسل مكبلا إلى الموصل. و من هناك أبعد إلى بغداد. بقي فيها إلى أن مات عقيما في شوال سنة 1289 ه- 1872 م‏ (1). و ما جاء في (تاريخ الدول و الإمارات الكردية) من أن إسماعيل باشا توفي سنة 1259 ه- 1843 م فغير صواب.

و بهذا الاستيلاء انقرضت (إمارة بهدينان) و هي إمارة العمادية و صارت تابعة مدينة الموصل هي و العقر (عقرة) إلى سنة 1265 ه. ثم‏

____________

(1) الزوراء عدد 309 و 23 شوال سنة 1289 ه.

47

انفصلت عن الموصل و صارت تابعة إلى لواء حكاري من ألوية (وان) و لم تعد إلى الموصل إلا بعد أكثر من أربعين سنة.

و الملحوظ أن ما جاء في (تاريخ الموصل) من أن إسماعيل باشا عاد إلى العمادية سنة 1258 ه- 1842 م فغير صحيح لما عرف من تاريخ الانقراض‏ (1).

كان الأستاذ الصائغ اعتمد كتابا خطيّا في تاريخ العمادية فتسرب إليه الخطأ منه، و هذا المخطوط موجود عند أحد أشراف قرية زيروا من قرى العمادية. ذكره في تاريخ الموصل. و لم يظهر لحد الآن.

هذا. و كنت نشرت مقالات في العمادية في جريدة النداء للمرحوم الأستاذ نور الدين داود. ثم كتبت كتابا في (تاريخ العمادية) لا يزال مخطوطا أوضحت فيه تاريخ تكونهم، و دوام إمارتهم مدة، و انقراضهم ... و هكذا بينت نطاق الإمارة و حالة الأهلين ... أما كتاب (بهدينان) للأستاذ صديق الدملوجي فإنه لا يصلح أن يكون مرجعا لخلوه مما يعتمد من مراجع تاريخية.

و مما يصح التنبيه عليه أنه جاء في كتاب (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) المنقول إلى اللغة العربية في الطبعة الأولى منه ص 307 أن رشيد پاشا الصدر الأعظم و والي سيواس الأسبق استولى على (ماردين) و اعتقد أنها (العمادية) فجاء ذلك سهوا من الأصل أو من النقل، فاقتضت الإشارة إلى ذلك إذ لا محل لذكر ماردين و لا لفصلها من الموصل.

____________

(1) عشائر العراق الكردية ص 191، و تاريخ العراق بين احتلالين ج 4، و تاريخ الدول و الإمارات الكردية ص 398 و تاريخ الموصل ج 1 ص 311 و 313 ...

48

وفيات:

1- توفي العلامة الشيخ يحيى المزوري.

من أكابر علماء الأكراد.

أخذ عنه الأستاذ أبو الثناء فهو من أساتذته. و هو الذي حضّ الأمير كور پاشا الرواندزي على قتل اليزيدية مطالبا بدم عمه البالطي. و الأشهر أنه توفي في هذه السنة (سنة 1252 ه). و رثاه الأستاذ عبد الباقي العمري بقصيدة مذكورة في ديوانه.

حوادث سنة 1253 ه- 1837 م‏

واقعة المحمرة:

خرج علي رضا باشا اللاز على قبيلة كعب، فأخذ المحمرة، و نصب حاكما من قبله في الفلاحية يقال له (عبد الرضا) بعد أن نكل بهم تنكيلا مرا، و نهب و أسر. جرت هذه الواقعة في شعبان سنة 1253 ه (1).

و المحمرة في الجانب الشرقي من شط العرب و تبعد عن كردلان جنوبا نحو ثماني ساعات. و تقع على يمين نهر كارون بالقرب من مصبه.

و بقربها أطلال قرية بهذا الاسم و فيها مقاطعات على هذا النهر في اليسار تمتد نحو ساعتين و في اليمين منه نحو أربع ساعات. و هذه البلدة حديثة العهد بنيت نحو سنة 1236 ه و تم بناؤها نحو سنة 1240 ه. و تليها جزيرة الخضر و تمتد إلى ساحل شط العرب حتى الخليج و هي محصورة بينهما بين نهر بهمشر و كارون. و في غربي هذه الجزيرة (جزيرة المحلة) في نفس شط العرب. و كلها كانت للعراق فصارت إيران تطالب بها من جراء أن هذه العشيرة تريد أن تكون بنجوة فإنها تميل تارة إلى إيران و أخرى إلى العراق فكلما رأت تضييقا من جانب صارت إلى الآخر.

____________

(1) ديوان عبد الباقي العمري ص 239، (و الآلوسي السيد محمود شهاب الدين) في حديقة الورود.

49

و قبيلة كعب قديمة، و معروفة. كانت في العراق فمالت إلى أنحاء المحمرة و جزيرة الخضر و جزيرة المحلة و الفلاحية. و لا تزال منها مجموعات كبيرة في العراق. قامت على أطلاق المشعشعين، و حلّت محلّهم في الحكم على الحويزة. انقادت لإيران أو أن إيران اكتفت منها بالقليل.

و محل إمارتها الفلاحية. و الإمارة كانت للشيخ جابر. و كانت إمارة كعب قبله بيد (البو ناصر) إلا أن نشاطها في أيام جابر هو الذي مكن إمارتها. و توفي سنة 1298 ه فخلفه الشيخ مزعل. و توفي سنة 1315 ه، فخلفه الشيخ خزعل و طالت مدة إمارته و اكتسبت استقرارا. و إن دولة إيران سخطت عليه و على أمراء آخرين فانتزعت الإمارة منه في 20 نيسان سنة 1925 م و بقي في حجر إيران إلى أن توفي في 26 مايس سنة 1936 م.

و من أهم فروع كعب المحيسن و هي فرقة الإمارة، و من فروع كعب الدريس و النصار و لا محل لتفصيل فروعها الآن. بسطت القول عنها في المجلد الرابع من عشائر العراق.

و في 12 شعبان سنة 1253 ه كتب علي رضا باشا اللاز كتابا بتوقيعه (علي الرضا محافظ بغداد و البصرة و شهرزور) إلى مفتي بغداد السيد محمود الآلوسي. ينطق بانتصاره على أهل المحمرة، و قمع غائلتها و تسخير حصونها، و ذكر في كتابه أن عبد الباقي العمري نظمها في قصيدة أرسلها إليه للاطلاع على منطوياتها، ثم إعطائها إلى الشيخ علي الهروي ليثبتها في (تحفة الرضا) (1) ...

____________

(1) نص الكتاب في مجموعة السيد عبد الفتاح الأدهمي الواعظ و في حديقة الورود.

و الهروي لم نعرف عنه شيئا و لا وقفنا على مدوناته في وقائع علي رضا باشا. و لا شك أنه مؤرخ رسمي و سمي كتابه (تحفة الرضا) باسم الوزير. و لو كنا وقفنا عليه لتوضحت لنا و جهات النظر في بسط الوقائع.

50

و كتب الوزير إلى الأستاذ السيد محمود المفتي جوابا لكتابه المرسل مع أحمد آغا الكتخدا السابق أنه عازم على زيارة مشهد الحسين رضي اللّه عنه أثناء عودته. و القصيدة مثبتة في ديوان العمري. و في حديقة الورود تفصيل.

و ممن ذكر هذه الواقعة عبد الجليل البصري في ديوانه المطبوع في بومبي ... و كذا جاء في (تاريخ الشاوي) بعض الإيضاح إلا أنه مزج بين هذا الحادث و بين واقعة (تحديد الحدود) بين إيران و العراق المتأخرة عنها و هذا ناجم من اضطراب المحفوظ أو تداخله.

و هذه الواقعة بلا ريب فتحت بابا للمفاوضات بين إيران و الدولة العثمانية و دامت إلى سنة 1263 ه، فأدت إلى عقد (معاهدة أرضروم) فطالت نحو إحدى عشرة سنة فانتهت بتلك المعاهدة و بتحديد الحدود أثر انعقادها بلا فاصلة. و لا تزال لم تحسم قضية الحدود. و يستفاد كثيرا من كتاب (سياحتنامه حدود)، و من تقرير درويش پاشا لمعرفة الاتجاه و الأدلة التاريخية.

و كان يوجه اللوم على الوزير علي رضا پاشا من جراء أنه لم ينظم إدارة المحمرة و يجعلها منقادة للبصرة مما أدى إلى دوام النزاع ... و كل ما كانت تفسر به هذه الواقعة أنها غزو و نهب و عودة كما تفعل بالعشائر الأخرى. و هي أيضا عشيرة بل عشائر لا تستقر و لا يتسلط عليها حكم فمن الصعب تأسيس إدارة لها.

والي شهرزور- تبدلات في المناصب:

كانت شهرزور ملحقة ببغداد، و في هذه الأيام انفصل و اليها أشقر باشا (1). و كان استخدم في بغداد بخدمات أخرى اقتضت ... فلزم تعيين‏

____________

(1) ورد بلفظ عشقر باشا أيضا و هو علي أشقر باشا. ولي الموصل سنة (1265 ه-

51

فريق إلى هناك، فاختير لهذا المنصب عزت بك آل قپوجي باشي و كان و يودة (يني ايل). و من ثم نصب فريق آخر مكانه للعساكر ببغداد و كذا نصب للدفترية عارف أفندي خليفة المخلفات.

و الملحوظ أن هذا الفريق كان مستقيما، عدلا. جرى تعيينه فريقا من جهة أنه من أقربي علي رضا باشا. قال لطفي في تاريخه: توفي قبل سنوات. و مدح خصاله و أثنى عليه كثيرا (1) ..

حوادث سنة 1254 ه- 1838 م‏

و مما حدث:

1- أبدل لقب (صدر أعظم)، ب (رئيس الوكلاء) في 4 المحرم من هذه السنة.

2- جواز السفر، قرّر لزوم مراعاته في وزارة الخارجية. و بهذا تابعت الدولة ما هو معروف لدى دول الغرب .. و كان معروفا قديما.

3- الحجر الصحي. أسس الحجر الصحي في الدولة العثمانية.

4- المكاتب الرشدية. تكونت في عاصمة الدولة (استنبول) إلا أنها لم تعم الولايات .. و لم يؤسس في بغداد المكتب الرشدي إلا بعد أكثر من ثلاثين سنة (2).

____________

- 1266 ه) و هو من موالي بيت السلطنة قال أبو الثناء الآلوسي جاء صحبة الوزير علي رضا باشا و صار واليا على شهرزور مع مكثه في بغداد معينا لهذا الوزير و كان إحدى يديه في الحضر و قائممقامه إذا خرج للسفر. و كان يظهر الصلاح و تقلب في مناصب فتغير على ما سمع الأستاذ و شاهد منه في استنبول ذلك التغير انتهى بتلخيص من غرائب الاغتراب ص 159.

(1) تاريخ لطفي ج 5 ص 110.

(2) تاريخ لطفي ج 5 ص 110- 137.

52

حوادث سنة 1255 ه- 1839 م‏

خط كلخانه- التنظيمات الخيرية:

في 26 شوال أعلنت التنظيمات الخيرية (خط كلخانه) المؤرخ 26 شعبان. قررت فيه الدولة لزوم الإصلاحات العدلية، و النظامات اللازمة لتهدئة الرأي العام الأوروبي الهائج على الدولة و أملها أن تجلب ودّ الدول الغربية و قررت لزوم تشكيل سفارات في باريس و لندن و عزمت على إصلاح التشكيلات الإدارية و قبول النظم المالية. قرئ خط كلخانة بصوت جهوري بمحضر من العلماء و الوزراء و الأعيان و سائر رجال الدولة في (ميدان كلخانة) في القصر العالي بحيث فهمه الكل .. و أعلن أيضا في سائر البلاد العثمانية و منها بغداد .. فأجريت له الاحتفالات الكبيرة و أطلقت المدافع .. و تلته التنظيمات الخيرية ..

و هذا الفرمان يصرح أن الدولة كانت تراعي الأحكام الشرعية فبلغت قمة المجد، و منذ مائة و خمسين سنة أهملت الإدارة الشرعية بسبب الغوائل، و ما عرض من الحوادث .. فاقتضى مراعاة ما يجب لوضع قوانين جديدة لانكشاف القابليات في الأهلين، و حفظ نفوسهم، و أموالهم و أعراضهم، و أن تقوم بحسن الإدارة، و تعيين الضرائب، و تحديد مدة الجندية و تأكيد الثقافة، فأوضح المنهج للعمل، و هدد المخالف بأعظم العقوبات و أمر أن يرتب (قانون عقوبات) .. و أن يكون الإصلاح عاما شاملا فلا يقتصر على ناحية دون أخرى‏ (1).

و الحق أن الدولة كانت بيد المتنفذين و الينكچرية فبلغ سوء الإدارة

____________

(1) تاريخ لطفي ج 6 ص 60 و ما يليها نص هذا الخط .. و الدستور القديم التركي و العربي ج 1 ص 2 و فيه نصه العربي و كتاب (تركيا و تنظيمات) تأليف سفير فرنسا (اد. انكله لهارد) نقله إلى التركية المؤرخ علي رشاد في تاريخ الإصلاحات في الدولة العثمانية. طبع سنة 1328 ه.