دراسات في الأصول / تقريرات - ج2

- السيد صمد علي الموسوي المزيد...
623 /
5

[تتمة المقصد الاول فى الاوامر]

الفصل الرابع في مقدّمة الواجب‏

و لا بدّ لنا قبل بيان الأقوال و أدلّتها في المسألة من ذكر أمرين بعنوان مقدّمة البحث:

الأمر الأوّل في تحرير محلّ النزاع من حيث إنّ هذه المسألة فقهيّة أو اصوليّة؟

و كان عنوان المسألة في أكثر الكتب الاصوليّة- كما في الأذهان- بأنّ مقدّمة الواجب واجبة أم لا؟ و لا شكّ في أنّه إذا كان عنوان البحث بهذه الكيفيّة تكون المسألة من المسائل الفقهيّة؛ لأنّ الملاك الفقهي متحقّق هاهنا، و هو أن يكون الموضوع في المسألة فعلا من أفعال المكلّفين، و المحمول فيها حكما من الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة، و كما أنّ ذا المقدّمة فعل للمكلّف كذلك مقدّمة الواجب فعل للمكلّف، و لا فرق بين هذه المسألة و القول بأنّ صلاة الجمعة في عصر الغيبة واجبة أم لا، إلّا أنّ هذا المثال جزئي و لا يحكي إلّا عن معنون واحد، و ما نحن فيه كلّي و يحكى عن معنونات متعدّدة، و نعبّر عنه بالقاعدة

6

الفقهيّة، و لكن الكلّيّة لا توجب خروج البحث عن الفقهيّة، فتكون هذه المسألة من المسائل الفقهيّة، و لذا استشكل بأنّه لا وجه للبحث عنها في الكتب الاصوليّة.

و لكنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) دفعا للإشكال- و استنادا إلى أنّ البحث عن مسألة في علم الاصول أو سائر العلوم ظاهر في أنّها منه- غيّر عنوان المسألة، و صورة القضيّة من حيث الموضوع و المحمول حتّى تنطبق عليها ضابطة المسألة الاصوليّة، و هي وقوعها في كبرى قياس استنباط المسألة الفقهيّة، حيث قال: إنّ الملازمة بين وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة ثابتة عقلا أم لا؟ و جعل الموضوع فيه الملازمة، و معلوم أنّ تحقّق الملازمة و عدمه بين الحكمين الشرعيّين ليس فعلا للمكلّف، مثلا: الوضوء مقدّمة للصلاة الواجبة، و الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و وجوب المقدّمة في جميع الموارد متحقّقة، فتحقّق الملازمة بين وجوب الصلاة و وجوب الوضوء. و هذه النتيجة عبارة اخرى عن الوضوء الواجب. و صاحب الكفاية (2) غيّر العنوان بهذه الكيفيّة حفظا للظاهر، و قال: «إن لم يمكن التغيير فلا بدّ من الحمل على خلاف الظاهر».

و توضيح كلامه: أنّ لبّ محلّ النزاع في ما نحن فيه- من دون فرق بين عنوان البحث- عبارة عن أنّ وجوب المقدّمة مثل وجوب ذي المقدّمة وجوب شرعي و مولوي أم لا؟ بعد كون اللابدّيّة العقليّة للمقدّمة ليست قابلة للإنكار حتّى لمنكري وجوب المقدّمة، و جعل صاحب الكفاية (قدّس سرّه) الموضوع في‏

____________

(1) كفاية الاصول 1: 139.

(2) المصدر السابق.

7

محلّ النزاع الملازمة العقليّة، و أحد طرفيها وجوب شرعي مولوي للمقدّمة، و الطرف الآخر وجوب شرعي مولوي لذي المقدّمة.

و أمّا أصل الوجوب العقلي الذي كان للمقدّمة فلا نزاع فيه أصلا، و لكنّ الحاكم بالملازمة هو العقل، و هي تستفاد من طريق العقل، فلا يكون هذا البحث من مباحث الألفاظ.

و لذا اعترض المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) على صاحب المعالم بأنّه مع ذكره هذا البحث في مباحث الألفاظ استدلّ لإنكار وجوب المقدّمة بنفي الدلالات الثلاث، و هذا شاهد على أنّ هذا البحث عنده بحث لفظي، و الحال أنّه ليس كذلك.

و لا يتوهّم أنّ الإشكال يرد على صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أيضا لذكره البحث أيضا في مباحث الألفاظ؛ مع أنّه صرّح بأنّها ليست مسألة لفظيّة.

و لا يتوهّم أيضا أنّ الظاهر من قوله: «تحقّق الملازمة بين الوجوبين» أنّه لا بدّ من تحقّق وجوب المقدّمة و وجوب ذي المقدّمة قبل إثبات الملازمة بينهما، تحقّق الرجل و المرأة قبل إيجاد العلقة الزوجيّة بينهما.

فإنّ مراده أنّا نستكشف من طريق الملازمة الوجوب الشرعي المولوي للمقدّمة، مثل استكشاف حكم الشرع من تحقّق حكم العقل بالملازمة، فيستفاد هاهنا من وجود أحد المتلازمين وجود الآخر. هذا توضيح كلامه (قدّس سرّه).

و هل تثبت و تتمّ بهذا البيان عقليّة هذه المسألة الاصوليّة أم لا؟ أشكل عليه استاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه)(2) بما توضيحه: أنّ الإنسان قد تتعلّق إرادته‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) مناهج الوصول إلى علم الاصول 1: 323- 327.

8

بإتيان العمل في الخارج مباشرة، و قد تتعلّق إرادته بإتيانه من قبل الغير بواسطة الأمر. و في الصورة الاولى تارة لا يتوقّف العمل على المقدّمة الخارجيّة بل يتحقّق المراد بمجرّد تحقّق الإرادة، و تارة يتوقّف عليها بحيث لا يمكن تحقّقه بدون تحقّقها.

أمّا القسم الأوّل- أي تعلّق الإرادة بإتيان العمل بالمباشرة و عدم توقّفه في الخارج على المقدّمة، مثل: حركة اليد و التكلّم و النظر ...- فهو مسبوق بمبادئ و مقدّمات الإرادة من تصوّر العمل و الإذعان بفائدته و سائر المبادئ، ثمّ تتحقّق الإرادة بخلّاقية نفس الإنسان من دون احتياج إلى مسبوقيّتها بإرادة اخرى، كما مرّ أن ذكرنا أنّ النفس الإنسانيّة تكون مظهرة لخلّاقية الباري تعالى بإفاضتها إليها بعناية ربّانيّة، و بمجرّد تحقّق الإرادة يتحقّق المراد بدون الاحتياج إلى مقدّمة، و هذا القسم لا يحتاج إلى البحث، كما لا يخفى.

و أمّا القسم الثاني- أي تعلّق الإرادة بإتيان العمل بالمباشرة، و توقّفه في الخارج على المقدّمة مثل إرادة الكون على السطح- فهو يتوقّف على المقدّمة الخارجيّة زائدا على مبادئ الإرادة، و هي نصب السلّم، و هل يحتاج نصب السلّم أيضا إلى مقدّمات الإرادة أم لا؟ يتحقّق في كلام الأعاظم- سيّما صاحب الكفاية (قدّس سرّه)- التعبير بأنّه يترشّح من الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة إرادة متعلّقة بالمقدّمة (1)، و الظاهر منه أنّه يتولّد من إرادة ذي المقدّمة إرادة المقدّمة بدون اختيار و احتياج إلى المبادئ و المقدّمات، فكما أنّه لا واسطة بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة و نفس ذي المقدّمة كذلك لا واسطة بين الإرادة المتعلّقة بذي المقدّمة و المقدّمة، و لكنّه لا واقعيّة لهذا الظاهر، فإنّ الإرادة تحتاج إلى‏

____________

(1) كفاية الاصول 1: 141.

9

المبادئ بدون الفرق بين إرادة المقدّمة و ذي المقدّمة، إلّا أنّ الغرض الأصلي يتعلّق بذي المقدّمة، و المقدّمة توجب التمكّن من الوصول إليه، و هذا لا يوجب عدم احتياج إرادتها إلى المبادئ، فيكون المراد من التعبير المذكور أنّ إرادة المقدّمة تابعة لإرادة ذي المقدّمة.

و أمّا القسم الثالث- أي تعلّق الإرادة بإتيان العمل عن الغير- فما يرتبط هاهنا بالمولى عبارة عن صدور الأمر و إيجاب المأمور به على المأمور، و نعبّر عنه بالبعث و التحريك الاعتباري، و هو من أفعاله الاختياريّة، و يكون مسبوقا بالإرادة، و معلوم أنّها لا تتحقّق إلّا بعد تحقّق مبادئها، و ما يرتبط بالمأمور عبارة عن شراء اللحم- مثلا- بحسب أمر المولى، و لا شكّ في أنّه يحتاج إلى المقدّمة الخارجيّة زائدا على مبادئ الإرادة.

ثمّ إنّ الإمام (قدّس سرّه) كأنّه يسأل صاحب الكفاية (قدّس سرّه) عن طرفي الملازمة؛ إذ تتحقّق في المسألة احتمالات أربعة، و لا يمكن الالتزام بأحدها:

الأوّل: أن يكون طرفي الملازمة عبارة عن الوجوب الفعلي المتعلّق بذي المقدّمة، و الوجوب الفعلي المتعلّق بالمقدّمة، فكما أنّ للمولى بعثا اعتباريّا فعليّا بالنسبة إلى شراء اللحم كذلك كان له بعث اعتباري فعلي بالنسبة إلى دخول السوق مثلا، إلّا أنّ البعث و الوجوب في الأوّل نفسي و في الثاني غيري، و لكنّ الكلام في أنّه إذا صدر عن المولى «اشتر اللحم» بدون «ادخل السوق» فأين الوجوب الفعلي للمقدّمة حتّى يكون طرفا للملازمة، مع أنّه لم يصدر عن المولى إلّا إيجاب ذي المقدّمة.

و نضيف إليه: أنّ الملازمة هاهنا غير الملازمة بين حكم العقل و الشرع، فإنّا نستكشف من وجود حكم العقل في مورد أنّ للشرع فيه حكما أيضا، إلّا أنّه‏

10

يمكن أن لا يصل إلينا، و لكنّ المفروض في ما نحن فيه أنّه لم يصدر من المولى سوى «اشتر اللحم»، فعلى هذا لا بدّ للمولى من الأمر بالمقدّمة في رديف الأمر بذي المقدّمة مثل: «ادخل السوق و اشتر اللحم»، و إلّا يكون الأمر غلطا أو ناقصا، مع أنّه لم يلتزم به أحد، و لا ضرورة لإلزام المقدّمة من المولى حتّى في صورة التفاته إليها عند العقلاء، و حينئذ نسأل أنّه كيف تتحقّق الملازمة بين الوجوبين الفعليّين مع أنّا نقطع بعدم صدور الأمر بالمقدّمة من المولى؟!

الاحتمال الثاني: أن يكون طرفي الملازمة عبارة عن الإرادتين، إحداهما:

الإرادة المتعلّقة بالبعث إلى ذي المقدّمة، و ثانيتهما: الإرادة المتعلّقة بالبعث إلى المقدّمة، فإن كان مراد صاحب الكفاية (قدّس سرّه) التلازم بين الإرادتين في نفس المولى يرد عليه:

أوّلا: أنّه إذا كان الأمر كذلك فما الدليل لتأثير الإرادة المتعلّقة بالبعث إلى ذي المقدّمة في المراد و عدم تأثير الإرادة المتعلّقة بالبعث إلى المقدّمة فيه؟ و لم يتحقّق المراد بعد الإرادة في الاولى دون الثانية؟!

و ثانيا: أنّ هذا المعنى متفرّع على التفات المولى إلى المقدّمة أو المقدّمات، و يمكن أن يكون المولى غافلا عنها، و لا يمكن الالتزام بالملازمة بين الإرادتين في صورة الغفلة عنها، فلا يصحّ هذا الاحتمال أيضا.

و الاحتمال الثالث عبارة عن الاحتمال الأوّل، و الاحتمال الرابع عبارة عن الاحتمال الثاني، و لكن مع حذف الفعليّة من طرف المقدّمة في هذين الاحتمالين و تبديلها بكلمة التقديريّة؛ بأنّ الملازمة متحقّقة بين الوجوب الفعلي لذي المقدّمة و الوجوب التقديري للمقدّمة، أم لا؟ أو أنّ الملازمة ثابتة بين الإرادة الفعليّة المتعلّقة بالبعث إلى ذي المقدّمة و الإرادة التقديريّة المتعلّقة بالبعث إلى‏

11

المقدّمة أم لا؟ و المراد من التقديريّة أنّ وجوب المقدّمة أو إرادتها لم يتحقّق فعلا في نفس المولى، و لكنّه يتحقّق في الآتية.

و إن فرض البحث بهذه الكيفيّة فيرد عليه: أنّ الملازمة أمر وجودي، فإن تحقّق أحد طرفيها فلا بدّ من تحقّق طرفها الآخر، و لا يمكن اتّصاف شي‏ء بوصف باعتبار وجوده في الاستقبال؛ لأنّ ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت مثبت له، بل الملازمة تكون من هذه الحيثيّة كالامور المتضايفة؛ إذ الملازمة وصف للطرفين، فيحتاج ثبوت الوصف إلى فعليّة وجود الموصوف.

و حاصل كلام الإمام (قدّس سرّه): أنّه لا يمكن الالتزام بأن يكون محلّ النزاع بإحدى الاحتمالات المذكورة.

و يمكن أن يقال: إنّ هذا البيان أجنبي عن محلّ البحث في ما نحن فيه؛ بأنّ المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) يدّعي أنّ محلّ النزاع عبارة عن الملازمة بين الوجوبين أو الإرادتين، و أنكره الإمام (قدّس سرّه)، إلّا أنّ كلامه في مقام توضيح الإنكار ينتهي إلى إنكار الملازمة، و معلوم أنّ إنكار الملازمة مسألة، و إنكار كون الملازمة محلّا للنزاع مسألة اخرى، فلا ينطبق الدليل على المدّعى.

و لكنّه مدفوع بأنّ ما يقع محلّا للنزاع بين الأجلّة و الأعاظم و اختيار المشهور طرف الإثبات فيه لا يمكن أن يكون واضح البطلان مثل الاحتمالات المذكورة هاهنا، و لا يمكن نسبة ما هو واضح البطلان إلى المشهور، فلا تكون الملازمة بالكيفيّة التي ذكرها صاحب الكفاية (قدّس سرّه) محلّا للنزاع.

و توضيح محلّ النزاع يحتاج إلى مقدّمة، و هي: أنّ الإرادة المتعلّقة بفعل شي‏ء مباشرة عن الإنسان تكون المقدّمات و المبادئ أوّلها التصوّر و ثانيها التصديق بفائدته، و لكنّ التصديق بالفائدة لا يكون موافقا للواقع، فربما

12

يتخيّل تحقّق الفائدة، و لذا تتحقّق الإرادة و بعدها يتحقّق المراد، ثمّ ينكشف عدم تحقّق الفائدة واقعا بحيث إن التفت إليه حين الإرادة لم يتحقّق منه التصديق بالفائدة أصلا، كما أنّه في مقام التصديق بالفائدة ربما يتخيّل عدم تحقّق الفائدة، و يعتقد أنّ هذا الشي‏ء خال من الفائدة، و لذا لا تتحقّق الإرادة و المراد منه، ثمّ ينكشف ترتّب فائدة مهمّة عليه بحيث إن التفت إليه حين الإرادة تتحقّق منه الإرادة قطعا.

و هكذا في الإرادة المتعلّقة ببعث الغير إلى فعل، فإنّه قد يصدر البعث عن الآمر إلى ذي المقدّمة مع أنّه غافل عن مقدّميّة المقدّمة، و يمكن أن يتخيّل بعض الامور مقدّمة للمأمور به مع أنّه لا يرتبط بحسب الواقع به أصلا. و إن لم يمكن نسبة هاتين الجهتين- أي الغفلة عن المقدّمة و الخطأ في التشخيص- إلى الشارع فلا يجري هذا المعنى في الأحكام الشرعيّة، و لكنّ هذا البحث لا ينحصر في الأحكام الشرعيّة، بل هو عام يشمل جميع الأوامر المتحقّقة بين الموالي و العبيد و الآباء و الأبناء و أمثال ذلك؛ إذ الحاكم في المسألة عبارة عن العقل بدون أن تكون المسألة فقهيّة أو اصوليّة، إلّا أنّ النتيجة التي تستفاد من غفلة الآمر عن المقدّمة أو خطائه في تشخيص بعض المقدّمات تجري في الأحكام الشرعيّة أيضا.

ثمّ إنّ الإمام (قدّس سرّه) استنتج بأنّه لا بدّ لنا من جعل محلّ النزاع في ما نحن فيه عبارة عن الملازمة بين الإرادة الفعليّة المتعلّقة بالبعث إلى ذي المقدّمة و الإرادة الفعليّة المتعلّقة بالبعث إلى ما يراه المولى مقدّمة، فتكون للمسألة جهتان:

الاولى ترتبط بالمولى، و هي: أنّ طرفي الملازمة عبارة عن الإرادة الحتميّة الفعليّة المتعلّقة بالبعث إلى ذي المقدّمة و الإرادة الحتميّة الفعليّة المتعلّقة بالبعث‏

13

إلى ما يراه المولى مقدّمة، يعني أنّه أوّلا: التفت إلى المقدّمة، و ثانيا: أنّه قد يعتقد بمقدّميّة ما لم تكن مقدّمة، فتتحقّق بعده إرادته، و لا يكون هذا مخالفا لطرف الملازمة.

الجهة الثانية ترتبط بالعبد، و هي: أنّ وظيفته الأصليّة عبارة عن تحصيل غرض المولى من أيّ طريق أمكن، و إن كانت المقدّمة مغفولا عنها للمولى فلا يجوز له تركها في مقام الامتثال، فإنّ مع تركها يترك ذا المقدّمة أيضا، كما أنّه إذا تعلّقت إرادته بشي‏ء لتوهّم كونه مقدّمة فلا يجب على العبد إيجاده. و مع الالتفات إلى هاتين الجهتين تندفع جميع الإشكالات.

و لكن يرد عليه: أنّه سلّمنا إن جعلنا أحد طرفي الملازمة عبارة عمّا يراه المولى مقدّمة يوجب حلّ الإشكالات المذكورة إلّا أنّه يستلزم إشكالا آخر، و هو أنّ المولى إن التفت إلى مقدّمية المقدّمة- مثل: دخول السوق بالنسبة إلى شراء اللحم- فهل يجوز له الاكتفاء بالأمر بذي المقدّمة فقط أو لا بدّ له من الأمر بالمقدّمة أيضا، و إلّا يكون الأمر ناقصا؟ و الثاني مخالف للوجدان و الاستعمالات العرفيّة و أوامر الموالي العرفيّة، فلا يكون قابلا للبحث.

و إن قلنا بالأوّل فنسأل أنّه ما الدليل على تحقّق المراد بعد إرادة ذي المقدّمة و عدم تحقّقه بعد إرادة المقدّمة مع أنّك تقول بالملازمة بين الإرادتين؟!

و الحقّ أنّ طرفي الملازمة عبارة عن وجوب المتعلّق بذي المقدّمة و وجوب المتعلّق إلى ما يراه المولى مقدّمة، مع إصلاح من الإمام (قدّس سرّه)، و حينئذ إن قلنا بالملازمة ففي الأحكام الشرعيّة نقول: إنّ الشارع كما أوجب ذا المقدّمة كذلك أوجب المقدّمة، و لكن يمكن أن لا يصل إلينا في بعض الموارد. و أمّا عدم صدور الأمر إلى المقدّمة من الموالي العرفيّة مع التفاته إلى مقدّمية المقدّمة،

14

كقوله: «اشتر اللحم» بدون «ادخل السوق»، فيكون حلّ مسألة طرفي الملازمة بأنّ الواجب كما ينقسم إلى النفسي و الغيري كذلك ينقسم إلى الأصلي و التبعي.

و قال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1): «إنّ هذا التقسيم يرتبط بمقام الثبوت و لا يرتبط بمقام الإثبات و دلالة اللفظ».

و المراد من الأصلي ما يلاحظه المولى مستقلّا و تتعلّق به إرادته، و هو يتصوّر في الواجب النفسي و الغيري.

و المراد من التبعي ما لا يلاحظه المولى مستقلّا و لم تتعلّق به إرادته كذلك، بل تكون الإرادة المتعلّقة به بتبع الإرادة المتعلّقة بشي‏ء آخر، و هذا يتصوّر في الواجبات الغيريّة فقط، فالواجب الغيري قد يكون أصليّا و قد يكون تبعيّا، و بناء على هذا تتحقّق الملازمة بين الوجوبين في صورة اكتفاء المولى بوجوب ذي المقدّمة أيضا، إلّا أنّ وجوب المقدّمة يتحقّق تبعا، و لذا ينتهي النظر بعد التحقيق المستوفى بجعل الملازمة بين الوجوبين و مع الإصلاح المذكور.

و قبل الورود في بحث التقسيمات لا بدّ لنا من بحثين:

الأوّل: في أنّ هذه المسألة عقليّة محضة أو لفظيّة؟ و قد تقدّم أن نقلنا عن صاحب الكفاية (قدّس سرّه) القول بأنّها عقليّة محضة، و لكنّ المنطقيّين قالوا: إنّ الدلالة قد تكون بنحو المطابقة، و قد تكون بنحو التضمّن، و قد تكون بنحو الالتزام، و لا شكّ في أنّ الدلالة المطابقيّة و كذا التضمّنيّة دلالة لفظيّة، و أمّا الدلالة الالتزاميّة ففيها كلام؛ لأنّها عبارة عن دلالة اللفظ على الملزوم، و نحن ننتقل منه إلى اللازم، و لا دليل لجعل لازم الموضوع من الدلالة اللفظيّة، و لو التزم‏

____________

(1) كفاية الاصول 1: 139.

15

أحد بأنّها منها فيمكن قوله في هذه المسألة بكونها مسألة لفظيّة، و يؤيّده البحث عن مقدّمة الواجب في مباحث الألفاظ.

و أمّا على القول بعدم كونها من الدلالة اللفظيّة و أنّ العقل ينتقل من طريق الملازمة إلى اللازم فتكون مسألة عقليّة، و لا يمكن عدّها من مباحث الألفاظ.

إذا عرفت هذا فنقول: تترتّب ثمرة مهمّة على مبنى الإمام و ما قلنا به في ما نحن فيه، و هي أنّ الإمام (قدّس سرّه)(1) يقول: إنّ البحث في مقدّمة الواجب لا يكون بحثا لفظيّا و إن كانت الدلالة الالتزاميّة من مباحث الألفاظ، فإنّ طرفي الملازمة هاهنا عبارة عن الإرادتين، و لا تكون إحداهما مفاد اللفظ و مدلوله، و اللفظ كاشف عن إرادة المولى لا بما أنّه لفظ، بل بما أنّه فعل من أفعاله الاختياريّة، و كلّ عمل اختياري يكشف عن ثبوت الإرادة قبل العمل، و هذا غير دلالة اللفظ على الإرادة، فالمسألة عقليّة.

و أمّا على القول بجعل طرفي الملازمة عبارة عن الوجوبين، فيكون الوجوب مفاد اللفظ و هيئة «افعل»، و على هذا تكون المسألة مسألة عقليّة.

البحث الثاني: في ما أشرنا إليه سابقا من أنّ البحث عن مقدّمة الواجب مسألة فقهيّة أو اصوليّة أو كلاميّة أو من المبادئ الأحكاميّة، على اختلاف المباني و الأنظار، و قلنا: إنّ عنوان البحث إن كان بأنّ مقدّمة الواجب واجب أم لا كما يكون كذلك في أكثر الكتب الاصوليّة فلا شكّ في كونها مسألة فقهيّة، فإنّ الملاك الفقهي- أي كون الموضوع فعلا من أفعال المكلّف- متحقّق هاهنا، و تقدّم أنّ كلّيّة العنوان لا يمنع عن فقهيّة المسألة.

و أمّا إن كان عنوان البحث عبارة عن الملازمة فتكون المسألة مسألة

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 200- 201.

16

اصوليّة، سواء كانت الملازمة بين الإرادتين أو بين الوجوبين، فإنّ الملاك الاصولي- أي الوقوع في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة- متحقّق في ما نحن فيه.

و القائل بكلاميّة المسألة يقول: إنّ البحث هاهنا بحث عقلي، فلا محالة يكون البحث كلاميّا، و لم يلتفت إلى أنّ كلّ مسألة كلاميّة مسألة عقليّة، و ليس كلّ مسألة عقليّة مسألة كلاميّة، فلا أساس لهذا القول، كما أنّ احتمال كونها من مبادئ الأحكام تخيّل محض، فإنّها عبارة عن البحث عن العوارض و شئون الأحكام الخمسة كالبحث عن ماهيّة الوجوب، و أنّ التضادّ بين الوجوب و الحرمة متحقّق أم لا؟ و أمثال ذلك، و البحث عن مقدّمة الواجب أجنبي عن ذلك، فتكون المسألة مسألة اصوليّة.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) دخل في تقسيمات المقدّمة و قال: «إنّه ربما تنقسم المقدّمة إلى تقسيمات: منها: تقسيمها إلى الداخليّة، و هي الأجزاء المأخوذة في الماهيّة المأمور بها- أي المقولات المتباينة التي اعتبرها الشارع واحدا، كالركوع و السجود بالنسبة إلى الصلاة- و الخارجيّة و هي الامور الخارجة عن ماهيّتها ممّا لا تكاد توجد بدونها، مثل نصب السلّم بالنسبة إلى الكون على السطح.

و ربما يشكل كون الأجزاء مقدّمة لها و سابقة عليها، بأنّ المركّب ليس نفس الأجزاء بأسرها.

و حاصل الإشكال: أنّ المعتبر في المقدّمة خصوصيّتان: الاولى: التغاير بينها و بين ذي المقدّمة من حيث الوجود، الثانية: تقدّمها على ذي المقدّمة من حيث الزمان. و هاتان الخصوصيّتان لا تتحقّقان في الأجزاء؛ إذ الأجزاء عين‏

____________

(1) كفاية الاصول 1: 140- 141.

17

المركّب، و المركّب ليس إلّا نفس الأجزاء، فتنحصر المقدّمة بالخارجيّة، و لا يمكن تصوّر المقدّمة الداخليّة.

و قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) في جواب الإشكال: إنّ المقدّمة هي نفس الأجزاء بالأسر، و ذو المقدّمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، فتحصل المغايرة بينهما.

و مراده منه أنّا سلّمنا اعتبار التغاير بينهما، و لكنّه لا ضرورة تقتضي أن يكون التغاير تغاير حقيقي و وجودي، بل التغاير الاعتباري كاف في اتّصاف الأجزاء بالمقدّميّة؛ إذ الجزء إن لوحظ لا بشرط فهو المقدّمة، و إن لوحظ بشرط الانضمام فهو ذو المقدّمة، و أمّا مسألة التقدّم الزماني فلا دخل لها بعنوان المقدّميّة أصلا.

و إن كان الظاهر من عبارة «أنّ المقدّمة هي نفس الأجزاء بالأسر» أنّها عبارة عن مجموعة الأجزاء، و لكنّه لا يكون مراده قطعا، فإنّه يستلزم أن تكون جميع الأجزاء مقدّمة واحدة، مع أنّ المقدّمة الداخليّة تتعدّد بتعدّد الأجزاء.

على أنّه يستلزم عدم التغاير بين المقدّمة و ذي المقدّمة، و يقع البحث هاهنا في مقامين:

الأوّل: في صحّة هذا التقسيم و ثبوت المقدّمات الداخليّة و عدمه.

المقام الثاني: في أنّه لو فرضنا صحّة التقسيم هل تكون المقدّمات الداخليّة كالخارجيّة داخلة في محلّ النزاع أم لا؟

قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1): إنّه ينبغي خروج الأجزاء عن محلّ النزاع كما

____________

(1) كفاية الاصول 1: 141.

18

صرّح به بعض، و ذلك لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتا، و إنّما كانت المغايرة بينهما اعتباريّة، فتكون واجبة بعين وجوبه، و مبعوثا إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر؛ لامتناع اجتماع المثلين.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) دفع التوهّم الذي يمكن أن يحصل هاهنا، و حاصل التوهّم: أنّه مع تعدّد الجهة لا يلزم الاجتماع؛ بأنّ مرحلة تعلّق التكليف بطبيعة المأمور به في عالم المفهوم من المولى غير مرحلة الامتثال في الخارج من المكلّف، و تعدّد الجهة و العنوان في مرحلة الاولى يكفي في تعلّق الأمرين المتضادّين أو مثلين كالصلاة الواقعة في الدار المغصوبة، فإنّها من جهة كونها صلاة واجبة، و من جهة كونها غصبا حرام، و المفروض تعدّدها في ما نحن فيه، حيث إنّ متعلّق الوجوب النفسي هي الأجزاء بعنوان كونها عين الكلّ و متعلّق الوجوب الغيري هي الأجزاء بعنوان كونها مقدّمة لوجود الكلّ، و الاجتماع بين العنوانين في الخارج لا يوجب الضرر بالتغاير المتحقّق بينهما في مقام تعلّق التكليف، فيجوز اجتماع الأمرين هاهنا أيضا.

و توضيح جوابه (قدّس سرّه) عنه: أنّ الجهة إمّا تقييديّة، و هي ما يقع موضوعا للخطاب، و إمّا تعليليّة و هي ما يكون علّة للحكم لا موضوعا له، فإن كانت الجهة تقييديّة فتعدّدها يجدي في دفع محذور اجتماع الحكمين على موضوع واحد؛ إذ المفروض تعدّد الموضوع بتعدّد الجهة، و لذا يندرج في باب التزاحم لا التعارض. و إن كانت الجهة تعليلية فتعدّدها لا يجدي في دفع المحذور المذكور؛ لعدم تعلّق الحكم بالجهة حتّى يكون تعدّدها موجبا لتعدّد الموضوع.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ للصلاة في مثل‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* جهة تقييديّة،

19

فإنّها عبارة عن الركوع و السجود و سائر الأجزاء، فلا إشكال من جهة تعلّق الوجوب النفسي بالأجزاء، و أمّا من جهة الوجوب الغيري فلا شكّ في أنّ متعلّقه عبارة عن ذات المقدّمة لا عنوانها و مفهومها؛ إذ لا يمكن الإيصال إلى السطح بسبب مفهوم المقدّمة، فيكون موضوعه ذات المقدّمة، و علّة وجوبه عنوان المقدّميّة، و على هذا تكون المقدّميّة من الجهات التعليليّة و إن كانت الأجزاء متعلّقة بالوجوب الغيري أيضا، و المفروض أنّها عين الكلّ فتصير متعلّقة للحكمين المتماثلين، فالوجوب العارض لها نفسي لا غيري، و لذا لا يمكن أن تكون المقدّمات الداخليّة داخلة في محلّ النزاع.

و ملخّص كلامه: أنّه كان للأجزاء عنوان المقدّميّة، سواء كان المركّب حقيقيّا بالأجزاء التحليليّة العقليّة- كالجنس و الفصل للماهيّة- أو بالأجزاء الخارجيّة- كالهيولى و الصورة للإنسان- أم كان المركّب غير حقيقيّا صناعيّا- كالمسجد و السيارة- أو اعتباريّا كالصلاة و الحجّ، و لكنّه أنكر دخول الأجزاء في محلّ النزاع.

و أمّا الإمام (قدّس سرّه)(1) فأنكر أصل المقدّميّة في المركّبات الحقيقيّة، و استدلّ بأنّه يشترط في المقدّميّة المغايرة مع ذي المقدّمة و لو اعتبارا، و هو مفقود هاهنا؛ إذ العقل يأبى عن القول بأنّ الحيوان أو الناطق مقدّمة لماهيّة الإنسان، و كذا المادّة و الصورة؛ فإنّهما عين الإنسان، لا أنّ المادّة- مثلا- مقدّمة لوجود الإنسان و سلّم في المركّبات الغير الحقيقيّة، فكلتا المرحلتين من البحث- أي عنوان المقدّميّة للأجزاء و دخولها في محلّ النزاع- من دون فرق بين المركّب الصناعي و الاعتباري. و قال: «توضيح المقام يتوقّف على بيان كيفيّة الإرادة

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 203- 208.

20

الفاعليّة؛ كي يعلم منه حال الإرادة الآمريّة».

و محصّل كلامه: أنّه إذا تعلّقت إرادة الإنسان ببناء المسجد- مثلا- للتوصّل به إلى ما فيه من المصلحة و الأجر، كما يدلّ عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من بنى مسجدا- كمفحص القطاة- بنى اللّه له بيتا في الجنّة» (1) فلا بدّ قبل تحقّق الإرادة من تحقّق مبادئها من التصوّر و التصديق بالفائدة و سائر المبادئ، و لا شكّ في أنّ بناء المسجد يتوقّف على موادّ مختلفة الحقائق من حيث الكمّية و الكيفيّة، فنسأل الآن أنّه يلزم على المريد حين الإرادة تصوّر جميع الموارد الملازمة كمّا و كيفا، و إلّا تكون الإرادة ناقصة؟ و بعبارة اخرى هل يتحقّق الفرق بين إرادة الملتفت إليها و الغافل عنها من حيث النقص و الكمال؟ و من البديهي أنّه لا فرق بينهما، و لذا يتحقّق مرادهما في الخارج.

ففي بادئ الأمر تتعلّق الإرادة بأصل بناء المسجد و إحداثه، فإذا التفت إلى توقّفه على الأرض و الأحجار و الأخشاب- مثلا- فلا محالة تحتاج إرادة كلّ منها إلى المبادئ من التصوّر و التصديق بفائدتها، أي التمكّن بها من بناء المسجد ثمّ تتعلّق الإرادة بها، فتعدّد الإرادة بتعدّد المراد، و يشهد له تعلّق الإرادة ببناء المسجد في حال كونه غافلا عن الأجزاء و المواد، فهذه إرادة واحدة مستقلّة، و الإرادة المتعلّقة بكلّ واحد من المقدّمات إرادة مستقلّة اخرى، و هكذا إرادات المتعلّقات بالمقدّمات الخارجيّة مثل: استئجار البناء و المهندس و أمثال ذلك.

و بالنتيجة: الإرادة المتعلّقة بالمركّب الصناعي غير الإرادة المتعلّقة بالمقدّمات، مع أنّ المركّب الصناعي- مثل المسجد- عنوان من العناوين‏

____________

(1) الوسائل 5: 204، الباب 8 من أحكام المساجد، الحديث 2.

21

لا مسبّب من الأسباب، هذا في الإرادة الفاعليّة.

و هكذا في الإرادة الآمريّة إذا قال المولى: أيّها العبد، ابن مسجدا، و على القول بالملازمة فمعناه أنّ شراء الأرض و سائر المواد و الأجزاء يكون متعلّقا للبعث المستقلّ الغيري و المقدّمي؛ إذ يتعلّق بكلّ واحد منها إرادة مستقلّة تكشف عن تعدّد المراد، فيكون متعلّق الوجوب النفسي أصل بناء المسجد، و متعلّق الوجوب الغيري و المقدّمي كلّ واحد من الأجزاء، و ليس من اجتماع المثلين خبر و لا أثر، و هذا المعنى يجري بعينه في المركّبات الاعتباريّة كالصلاة و الحجّ أيضا؛ إذ لا فرق بينهما إلّا في تحقّق اعتبار الوحدة في الثانية، بخلاف الاولى فيكون لأجزاء الصلاة عنوان المقدّميّة كما أنّها تدخل في محلّ النزاع.

و لكنّ المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1) فصّل بين المركّبات الاعتباريّة بأنّ المولى قد يلاحظ الأشياء المختلفة الحقائق، و يعتبرها شيئا واحدا في رتبة قبل الأمر ثمّ يجعلها متعلّقا للأمر، و لا بدّ لنا في هذا القسم من المركّبات الاعتباريّة من القول بمقدّميّة أجزائها و دخولها في محلّ النزاع. هذا في القسم الأوّل من المركّبات الاعتباريّة.

و أمّا القسم الثاني منها فهو عبارة عن أن يتحقّق عنوان المقدّميّة في رتبة متأخّرة عن الأمر؛ بأنّ المولى يلاحظ الأشياء المختلفة الحقائق و يجعلها متعلّقا للأمر بدون اعتبار الوحدة بينها، و لكنّ المكلّف بعد إيصال الأمر إليه يعتبرها شيئا واحدا، ففي الحقيقة يتقوّم المركّب الاعتباري باعتبار الوحدة، و الاتّصاف بالمقدّميّة يتوقّف على تحقّق عنوان المركّب الذي يتحقّق بعد تعلّق الأمر باعتبار المكلّف.

____________

(1) نهاية الأفكار 1: 262- 270.

22

و هذا القسم من المركّبات خارج عن محلّ النزاع، فإنّ مقدّميّة الأجزاء تتحقّق بعد الأمر بذي المقدّمة، فكيف يمكن ادّعاء الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و وجوب ما صار جزء و مقدّمة بعد وجوب ذي المقدّمة؟!

و لكنّ التحقيق: أنّ هذا التقسيم ليس بصحيح، بل المركّب الاعتباري منحصر بالقسم الأوّل، و القسم الثاني الذي ذكره غير معقول؛ فإنّه لا شكّ في تحقّق المصلحة الملزمة في المأمور به، و تعلّق الأمر بأشياء مختلفة الحقائق كاشف عن تحقّقها فيها، و نقول: إن لم تتحقّق اعتبار الوحدة قبل الأمر بها من المولى فهل تتحقّق المصلحة التامّة اللازمة الاستيفاء في كلّ واحد من الأشياء المذكورة أو في مجموعها من حيث المجموع؟ إن كان الأوّل فلا يمكن جعل المجموع مأمورا به بأمر واحد؛ إذ لا بدّ من تعدّده بتعدّد المأمور به كتعدّد الإرادة بتعدّد المراد، فتحقّق المصلحة الملزمة اللازمة الاستيفاء في كلّ واحد منها مستقلّا أمر غير معقول، و إن كان الثاني- أي دخل المجموع في ترتّب المصلحة المذكورة- بحيث إن لم تتحقّق أحدها لم تتحقّق المصلحة، فهذا ما نعبّر عنه باعتبار الوحدة، و يشهد له قولك: إنّ المكلّف بعد إيصال الأمر إليه يعتبر الوحدة بينها؛ إذ المولى إن لم ير ضرورة لاعتبار الوحدة في مقام تعلّق الأمر، فما الذي يلزم المكلّف أن يعتبرها؟ و هذا يكشف عن تحقّقه قبل الأمر؛ إذ لا بدّ قبله من ملاحظة المجموع بلحاظ ترتّب الأثر على المجموع، و هذا عبارة عن اعتبار الوحدة. هذا. أوّلا.

و ثانيا: أنّه لو فرضنا صحّة التقسيم المذكور و تعقّل القسم الثاني فلا وجه لخروجه عن محلّ النزاع، فإنّ الملاك في المقدّميّة هو حين الامتثال و إتيان المأمور به لا حين صدور الأمر، و تأخّر المقدّميّة عن الأمر لا يكون مانعا عن‏

23

الدخول في محلّ النزاع، فإنّا نرى في المقدّمات الخارجيّة أنّ بعضها تتّصف بالمقدّميّة حال صدور الأمر عن المولى، و بعضها تتّصف بذلك حال امتثال الأمر، مثل توقّف الحجّ في زماننا هذا على تسجيل الأسماء و عدم توقّفه عليه في السابق، أو عدم احتياج المكلّف بمقدّمة حال صدور الأمر و توقّفه بها حال امتثال الأمر لعروض عارضة كالمرض- مثلا- و لم يسمع من أحد التفصيل بين المقدّمات الخارجيّة، فما الفرق بينها و بين المقدّمات الداخليّة؟ و ما أوجب التفصيل في الثانية دون الاولى؟

و الجواب بالحلّ: فإنّه مرّ عن صاحب الكفاية (قدّس سرّه) عدم تعلّق الوجوب الغيري بنفس العنوان و مفهوم المقدّمة، بل يتعلّق بما هو مقدّمة بالحمل الشائع الصناعي- أي المصداق و نصب السلّم الخارجي مثلا- إذ يتوقّف عليه تكوينا الكون على السطح و لا يتحقّق بدونه، لا على مفهوم المقدّمة، فإنّ الجهة و الحيث فيه تعليليّة، و إذا سئل عن علّة مقدّميّة الوجوب الغيري بأنّه لما ذا يكون نصب السلّم واجبا؟ فيقال في الجواب: لأنّه مقدّمة، فيكون تمام العلّة لوجوبه عبارة عن كونه مقدّمة، فلا فرق بين كون المقدّميّة سابقة على الأمر بذي المقدّمة أو لاحقة به، و لا دخل للسابقيّة في العلّيّة أصلا.

إذا عرفت هذا فنقول: و الذي يصاحبه الوجدان من الأقوال المذكورة عبارة عمّا اختاره سيّدنا الاستاذ الإمام (قدّس سرّه) من التفصيل بين المركّبات الحقيقيّة و غير الحقيقيّة. و بالنتيجة: أنّ أجزاء المركّبات الاعتباريّة- كالصلاة و الحجّ- داخلة في محلّ النزاع بالبيان الذي ذكرناه عنه (قدّس سرّه).

و قال بعض بالتفصيل بين المقدّمات الخارجيّة أيضا؛ بأنّها على قسمين:

قسم منها بصورة العلّة التامّة- أي مجموعة السبب و الشرط و عدم المانع-

24

و قسم منها بصورة جزء العلّة، و الأوّل خارج عن محلّ النزاع بخلاف الثاني.

و بعبارة اخرى: إن لاحظنا أجزاء العلّة بصورة المجموع من حيث المجموع فهي خارجة عن محلّ النزاع، و إن لاحظناها واحدة واحدة فهي داخلة في محلّ النزاع.

و تقريب ذلك يتوقّف على مقدّمة، و هي: أنّه لا فرق بين الإرادة الفاعليّة و الإرادة الآمريّة من حيث المراد و أصل الإرادة، إلّا أنّ المراد يتحقّق في الاولى بالمباشرة و في الثانية بوساطة الأمر.

ثمّ استفاد منها أنّ الإرادة الفاعليّة إذا تعلّقت بإحراق شي‏ء فمن المعلوم أنّها تتعلّق بالعلّة دون المعلول فإنّ الإحراق خارج عن دائرة قدرة المريد، و هو يترتّب على العلّة، و ربما لا يعدّ فعلا للفاعل، بل هو عمل و خصوصيّة للنار، و إذا كان الأمر في الإرادة الفاعليّة كذلك فيكون في الإرادة الآمرية أيضا كذلك، فإن قال المولى: «أحرق هذه الكتب الضالّة» يكون معناه في الواقع «ألق هذه الكتب في النار»؛ إذ لا بدّ من أن يكون المأمور به مقدورا و فعلا للمكلّف، و ما هو المقدور له هاهنا ليس إلّا إيجاد العلّة التامّة، و لذا لا بدّ من خروج العلّة التامّة عن محلّ النزاع.

و لكنّ الحقّ أنّ هذا الكلام مخدوش:

أوّلا: بأنّ نتيجة الاستدلال لو فرضنا صحّته: أنّ العلّة التامّة ليست بمقدّمة، بل هي بنفسها ذو المقدّمة.

و ثانيا: أنّه استفاد منه المقدّميّة لأجزاء العلّة التامّة كالمقتضي و الشرط و عدم المانع، و نحن نسأل أنّها مقدّمة لمجموع العلّة التامّة أو للمعلول؟ فإن قلنا بالأوّل تكون المقدّمة داخليّة، فلا يكون لنا مقدّمة خارجيّة أصلا؛ لأنّها

25

ليست سوى المقتضي و الشرط و عدم المانع.

و إن قلنا بالثاني يعود الإشكال؛ بأنّ المعلول ليس مقدورا للمكلّف من دون فرق بين أن يلاحظ مع العلّة التامّة أو أجزائها، فإن كانت العلّة التامّة خارجة عن محلّ النزاع فتكون أجزاؤها أيضا كذلك، فتخرج جميع المقدّمات الخارجيّة عنه، فلا معنى للبحث عن مقدّمة الواجب للقائل بخروج المقدّمات الداخليّة عن محلّ البحث كالمحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1).

ثالثا: أنّ هذا الكلام باطل من أصله حتّى في الإرادة الفاعليّة، فإنّا نرى بالوجدان أنّ الإحراق مقدور للإنسان و تتعلّق إرادتنا به بعد تصوّره و التصديق بفائدته و تماميّة سائر المبادئ، إلّا أنّ المقدور للإنسان قد يكون بلا واسطة- كحركة اليد و أمثاله- و قد يكون مع الواسطة كالإحراق، فهو مقدور لنا مع وساطة العلّة التامّة، و إلّا يلزم أن تكون نسبة الإحراق إلى الإنسان مجازيّا، و هو كما ترى.

ثمّ قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه): و منها: تقسيمها إلى العقليّة و الشرعيّة و العاديّة، فالعقليّة هي ما استحيل واقعا وجود ذي المقدّمة بدونه، و الشرعيّة- على ما قيل- ما استحيل وجوده بدونه شرعا، و لكنّه لا يخفى رجوع الشرعيّة إلى العقليّة؛ ضرورة أنّه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا، إلّا إذا اخذ فيه شرطا و قيدا، و استحالة المشروط و المقيّد بدون شرطه و قيده يكون عقليّا».

و لا بدّ لنا من تكميل هذا البيان من حيث الورود في البحث و اختتامه.

التكملة الاولى: أنّ جعل الشارع الطهارة- مثلا- مقدّمة للصلاة لا يخلو من أحد احتمالين:

____________

(1) كفاية الاصول 1: 143.

26

أحدهما: أنّ مقدّميّتها لها واقعيّة من الواقعيّات- كواقعيّة استحالة تحقّق ممكن الوجود بدون تحقّق العلّة المرجّحة و الموجبة- و لكنّ العقل قاصر عن إدراكها، و كشفها الشارع لاطّلاعه على الامور الواقعيّة، و لا شكّ في انطباق تعريف المقدّمة العقليّة عليها أيضا، و هو استحالة وجود ذي المقدّمة بدونها.

و ثانيهما: أنّ مقدّميّتها لها أمر من الامور الاعتباريّة كالملكيّة و الزوجيّة، لا بمعنى انكشاف واقعيّة ما فوق إدراك العقل بها، و على هذا أيضا ترجع إلى المقدّمة العقليّة؛ إذ لا بدّ في مقدّميّة المقدّمة من أمرين: الأوّل: جعل الشارع قوله بأنّ الطهارة شرط للصلاة، و الثاني: الحكم بأنّه إذا جعل الشارع الطهارة شرطا لها فعلم أنّ تحقّق المشروط بدون الشرط ممتنع، و الحاكم بهذا الامتناع هو العقل. و الأساس في باب المقدّميّة عبارة عن الأمر الثاني الذي يكون الحاكم به العقل، فلا بدّ من حمل عبارة صاحب الكفاية (قدّس سرّه) على هذا، لا أنّ المقدّميّة واقعيّة كشف عنها الشارع.

و الحاصل: أنّ المقدّمات الشرعيّة ترجع إلى المقدّمات العقليّة على هذا البيان أيضا.

التكملة الثانية: أنّه يمكن أن يقال: إنّ كلام المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) تام، بل ليس قابلا للإنكار فيما إذا كان تعبير الشارع مثل: «جعلت الطهارة شرطا للصلاة» أو «اعتبرتها شرطا لها»، و أمّا إذا كان التعبير مثل: «لا صلاة إلّا بطهور» فمعناه أنّ الصلاة لا تتحقّق إلّا بوجود الطهور، فالشارع تعرّض إلى ما هو الأساس في المقدّميّة و لا دخل للعقل و حكمه فيه، فكيف تكون المسألة مسألة عقليّة؟!

قلت: أوّلا: أنّ الشارع بيّن بقوله: «لا صلاة إلّا بطهور» الأمر الأوّل الذي‏

27

لا بدّ منه في مقدّميّة المقدّمة، و لكن بالتعبير الكنائي، فمعناه أنّه يشترط في الصلاة الطهارة.

و ثانيا: إن قلنا: إنّه بيّن به الأمر الثاني الذي لا بدّ منه في المقدّميّة، و لا شكّ في أنّه إرشاد إليه، و من البديهي أنّه يكون في صورة المفروغيّة عن الأمر الأوّل، و على أي حال يرتبط ما هو الأساس في المقدّميّة بحكم العقل- أي عدم تحقّق ذي المقدّمة بدون المقدّمة- و لذا ترجع المقدّمات الشرعيّة إلى المقدّمات العقليّة.

و أمّا المقدّمة العاديّة فكان لصاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) فيها بيان يوافقه التحقيق، و حاصله: أنّ المقدّمة العاديّة إن كانت بمعنى عدم توقّف ذيها عليها بحسب الواقع بحيث يمكن تحقّق ذيها بدونها، إلّا أنّ العادة جرت على الإتيان به بواسطتها، فهي و إن كانت غير راجعة إلى العقليّة إلّا أنّه لا ينبغي توهّم دخولها في محلّ النزاع؛ إذ المقدّمة العاديّة بهذا المعنى ليست بمقدّمة حقيقة، مثل عدم مقدّميّة نصب السلّم للصعود على السطح، إلّا بحسب العادة؛ لإمكان الصعود بالحبل أو الطيران أو غيرهما. و إن كانت بمعنى أنّ التوقّف عليها و إن كان فعلا واقعيّا- كنصب السلّم و نحوه للصعود على السطح لأجل عدم التمكّن عادة من الطيران الممكن عقلا- فهي أيضا راجعة إلى العقليّة؛ لاستحالة الصعود على السطح لغير الطائر الفعلي عقلا بدون نصب السلّم، و إن كان الطيران بذاته ممكنا فيصدق ما ذكرنا في تعريف المقدّمة العقليّة- أي ما استحيل واقعا وجود ذي المقدّمة بدونه- على المقدّمة العاديّة بهذا المعنى أيضا؛ إذ المراد من الاستحالة المذكورة فيه أعمّ من الاستحالة الذاتيّة

____________

(1) كفاية الاصول 1: 143.

28

و الوقوعيّة على الظاهر، فلا فائدة لهذا التقسيم في بحث مقدّمة الواجب.

و قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1): «و منها: تقسيمها إلى مقدّمة الوجود، و مقدّمة الصحّة، و مقدّمة الوجوب، و مقدّمة العلم ...» إلخ.

توضيح كلامه: أنّ مقدّمة الوجود عبارة عمّا يتوقّف عليه وجود الواجب و تحقّقه، و أصل تحقّق عنوان هذه المقدّمة و دخولها في محلّ النزاع ممّا لا شبهة فيه كطيّ المسافة بالنسبة إلى مناسك الحجّ. و أمّا مقدّمة الصحّة- كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة- فلا شكّ في رجوعها إلى مقدّمة الوجود، أمّا على الوضع للصحيح فواضح، فإنّ غير الصحيح ليس فردا للماهيّة المأمور بها حتّى يكون وجودا لها، و أمّا على الوضع للأعمّ فلأنّ محلّ الكلام فيما نحن فيه هو مقدّمة الواجب و المأمور به، لا مقدّمة المسمّى بالصلاة مثلا، فمقدّمة الصحّة ترجع إلى مقدّمة الوجود مطلقا.

و أمّا مقدّمة الوجوب فهي ممّا يتوقّف عليه وجوب الواجب كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، و هي و إن كانت مغايرة لمقدّمة الوجود و لكن لا إشكال في خروجها عن محلّ النزاع؛ لعدم إمكان اتّصافها بالوجوب الترشّحي من قبل الوجوب المشروط بها، فإنّ بعد تحصيل الاستطاعة يلزم تحصيل الحاصل، و أمّا قبله فالحجّ ليس بواجب، فكيف يكون تحصيل الاستطاعة واجبا من باب مقدّمة الواجب؟! و الحاصل: أنّ النزاع هاهنا في مقدّمة الواجب لا في مقدّمة الوجوب.

و أمّا مقدّمة العلم فهي ممّا يتوقّف عليه العلم بتحقّق الواجب كالإتيان بالصلاة إلى الجهات المتعدّدة عند اشتباه القبلة و سائر موارد جريان قاعدة

____________

(1) كفاية الاصول 1: 144.

29

الاشتغال، و لا شكّ في حكم العقل بلزوم هذه المقدّمة، و إرشاد الروايات‏ (1) الكثيرة إليه، كما أنّه لا شكّ في مغايرتها لمقدّمة الوجود، و لكنّها خارجة عن محلّ النزاع فيما نحن فيه، فإنّا نبحث في مقدّمة الواجب- أي مقدّمة تحقّق الواجب و وجوده- لا في مقدّمة العلم بتحقّق الواجب.

و يمكن أن يتوهّم أنّ الحاكم بلزوم الإتيان بمقدّمته العلميّة هو العقل، و النزاع في مقدّمة الواجب أيضا نزاع عقلي، فكيف يكون هذا قابلا للجمع مع خروجها عن محلّ النزاع؟!

و جوابه: أنّ الحاكم بالملازمة فيما نحن فيه و إن كان عبارة عن العقل إلّا أنّ طرفي الملازمة عبارة عن الوجوب الشرعي المولوي للمقدّمة و ذي المقدّمة، و لا فرق بينهما إلّا في النفسيّة و الغيريّة، و أمّا المقدّمة العلميّة فليس لها سوى اللزوم العقلي الإرشادي، و الروايات المذكورة أيضا ترشد إلى ما حكم به العقل.

و منها: تقسيم المقدّمة إلى المتقدّمة و المقارنة و المتأخّرة بحسب الوجود بالإضافة إلى ذي المقدّمة، و نبحث هاهنا أوّلا: في أصل صحّة التقسّم و معقوليّته و عدمه، و ثانيا: بعد الفراغ عن صحّته من حيث دخول الأقسام في محلّ النزاع و عدمه.

و أمّا البحث في المرحلة الاولى فيحتاج إلى مقدّمة، و هي: أنّ علماء أهل المعقول اتّفقوا في باب العلّة و المعلول على تقدّم العلّة على المعلول من حيث الرتبة، و مقارنتها معه من حيث الزمان؛ بمعنى تحقّق المعلول في حال تحقّق العلّة، سواء تحقّقت العلّة قبله أو معه، لا تحقّقه من دون أن تتحقّق قبله علّة،

____________

(1) الوسائل 4: 310، ب 8 من أبواب القبلة.

30

و لا تحقّقه في حال انعدام العلّة بعد الحدوث.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ المقدّمة حيث كانت من أجزاء العلّة لوجود ذي المقدّمة، و لا بدّ من تقدّمها بجميع أجزائها على المعلول أشكل الأمر في المقدّمة المتأخّرة، بل في الشرط أو المقتضي المتقدّم على المشروط زمانا المتصرّم حين المشروط، لا فيما استمرّ وجودا. و ما يلزمنا على حلّ الإشكال عبارة عن تحقّق موارد متعدّدة في الشرعيّات من العبادات و المعاملات كالأغسال الليليّة المعتبرة في صحّة صوم المستحاضة عند بعض، و الإجازة في صحّة العقد على الكشف الحقيقي عند بعض، لا بناء على النقل و لا على الكشف الحكمي.

هذا في الشرط المتأخّر و الشرط المتقدّم كالعقد في الوصية و الصرف و السلم؛ إذ الملكيّة في الوصيّة تترتّب على الموت مع انعدام العقد حينه، و الملكيّة فيهما مترتّبة على القبض و الإقباض مع انعدام العقد حينهما، بل في كلّ عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه لتصرّمها حين تأثيره مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا، فإنّ الإيجاب و القبول و كذا أجزاءهما من الامور التدريجيّة المتصرّمة، فالجزء الأخير من القبول مقارن للأثر دون غيره من سائر أجزاء القبول و جميع أجزاء الإيجاب.

و ذكر الأعاظم و الفحول في الفنّ طرقا متعدّدة لحلّ الإشكال، و نحن نتعرّض إليها حتّى نصل إلى ما هو التحقيق في المسألة، فقال المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1) بما حاصله: إنّ المسائل الشرعيّة تكون من الامور الاعتباريّة و لا ترتبط بقاعدة عقليّة، فإنّها تجري في الواقعيّات و التكوينيّات، فتكون سببيّة غسل الليلة لصحّة صوم يوم الماضي مثل سببيّة العقد للملكيّة و إتلاف مال الغير

____________

(1) نهاية الأفكار: 279- 286.

31

للضمان من الامور الاعتباريّة، و لا دخل لها بقاعدة عقليّة. هذا أوّلا.

و ثانيا: أنّ الإشكال المذكور يكون في التكوينيّات أيضا قابلا للجواب، و لا يلزم انخرام القاعدة أصلا، مثلا: النار سبب لإحراق الخشب بشرط مجاورته لها و يبوسته، و معلوم أنّ طبيعي النار لا يكون مؤثّرا في الإحراق، بل حصّة خاصّة منها تكون كذلك، فإنّ للطبيعة حصصا متعدّدة، و يترتّب الأثر المذكور على حصّة متميّزة عن سائر الحصص بالخصوصيّة المتحقّقة في الخشب مثلا، و هذه الخصوصيّة في الواقع عبارة عن الإضافة المتحقّقة بين النار و الخصوصيّات المعتبرة في الجسم من المجاورة و القابليّة للإحراق، فيكون سبب ترتّب الأثر الخاصّ على هذه الحصّة بعد ملاحظة سائر الحصص عبارة عن الإضافة المذكورة.

و من البديهي أنّ طرف الإضافة كما يصحّ أن يكون أمرا فعليّا كذلك يصحّ أن يكون أمرا استقباليّا أو أمرا متحقّقا فيما مضى و المنعدم فعلا، و لا ضرورة تقتضي لفعليّة طرفي الإضافة، بل يكفي فعليّة أحد طرفي الإضافة كالعلم بالإضافة إلى الإنسان و المعلوم، و لا يلزم أن يكون معلوم الإنسان فعليّا أبدا، و علمنا بالأمر الاستقبالي- كظهور الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)- و الأمر الماضي- كمبعث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- لا يكون قابلا للإنكار، مع أنّ المعلوم قد وجد و تصرّم أو لم يتحقّق بعد مع أنّ العلم به فعلي.

و إذا كانت المشكلة قابلة للحلّ في التكوينيّات فتكون في الامور الشرعيّة بطريق أولى قابلة للحلّ. هذا تمام كلامه بتوضيح منّا.

و أجاب استاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه)(1) عنه بما حاصله: أنّ من القواعد المسلّمة

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 210- 211.

32

و القطعيّة عند أهل المعقول القاعدة الفرعيّة في القضايا الموجبة، يعني ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت مثبت له.

نعم، القضايا السالبة المحصّلة تصدق مع انتفاء الموضوع أيضا، و لكن في غيرها يجب تحقّق الموضوع في مقام الصدق، و إذا كان الأمر كذلك- أي كانت تلك الخصوصيّة حاصلة من إضافتها إلى الشيئين- فلا معنى لحصول أحد الطرفين- أعني الواجب- دون الطرف الآخر- أعني الشرط- إذ الإضافة الفعليّة تستلزم تحقّق الطرفين بالفعل كالابوّة و البنوّة الفعليتين تستلزم وجود الأب و الابن فعلا حتّى تتحصّل بين الطرفين.

و أمّا مسألة العلم بالحوادث الماضية و الآتية فعلا بدون تحقّق المعلوم الفعلي فجوابه يظهر بما ذكرناه مرارا من أنّ المعلوم بالعرض- يعني خارجيّة الشي‏ء- لا يتحقّق عند العلم به، و لكنّ المعلوم بالذات- يعني الصورة الحاصلة من وجوده- متحقّق في النفس و مقارن مع العلم به. و أمّا شرطيّة المجاورة و يبوسة الجسم للإحراق فلا يرتبط بالمعلوم بالذات، و طرف الإضافة هاهنا عبارة عن واقعيّة المجاورة و اليبوسة، و لا يتصوّر فيها تحقّق الإضافة فعلا بدون طرف الإضافة، فلا تصحّ المقايسة بين العلم و شرطيّتهما أصلا. فجواب المحقّق العراقي (قدّس سرّه) عن الإشكال ليس بتام.

و الجواب الآخر: ما قال به صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) و تبعه الإمام (قدّس سرّه)(2) في قسم منه، و هو قوله:

و التحقيق في رفع هذا الإشكال أن يقال: إنّ الموارد التي توهم انخرام‏

____________

(1) كفاية الاصول 1: 145- 146.

(2) تهذيب الاصول 1: 213.

33

القاعدة فيها لا تخلو إمّا أن يكون المتقدّم أو المتأخّر شرطا للتكليف أو الوضع- أي الحكم الوضعي كالزوجيّة و الملكيّة مثلا- أو المأمور به، ثمّ شرع في الجواب عن كلّ واحد منها مستقلّا.

و وافقه الإمام في جوابه عن شرط التكليف و أضاف إليه مثالا، و هو: أنّ من شرائط العامّة لأصل التكليف و ثبوت الحكم عبارة عن قدرة المكلّف على الامتثال في ظرف الامتثال لا في حال التكليف، و إذا قال المولى: يجب عليك أن تسافر غدا فلا شكّ في فعليّة التكليف بمجرّد صدور الحكم عنه، و معلوم أنّ القدرة المضاف إلى الغد لا تتحقّق حينئذ، فالتكليف المشروط يتحقّق فعلا بدون شرط.

و تقريب الجواب: أنّ الأمر يكون من الأفعال الاختياريّة لفاعل المختار، فيكون مسبوقا بالإرادة، و هي تحتاج إلى المبادئ، و من مبادئها تصوّر الشي‏ء و التصديق بفائدته، أي الاعتقاد بفائدة المراد لا فائدته الواقعيّة. و معلوم أنّ التصوّر و التصديق و العزم و الجزم و سائر مبادئ الإرادة بأجمعها ترتبط بالنفس، و توجد كأصل الوجود الذهني بخلّاقيّة نفس الإنسان بعناية من اللّه تعالى، و إن كان لصاحب الكفاية (قدّس سرّه) في مسألة الإرادة مقالة غير قابلة للالتزام به، و لكن أصل نفسانيّة الإرادة مع مبادئها محطّ الاستدلال هاهنا فأمر المولى في المثال يدور مدار اعتقاده بقدرة المكلّف على الامتثال و عدمه، و يحكم بالمسافرة في صورة تحقّقه، و لا يدور مدار القدرة الواقعيّة و عدمها، فما هو مأخوذ في التكليف بعنوان الشرط مقارن له من حيث الزمان و هو لحاظ المتقدّم و المتأخّر، و ما هو متقدّم عليه أو متأخّر عنه غير مأخوذ فيه بعنوان الشرط و هو وجودهما الواقعي و الخارجي، فلا انخرام للقاعدة.

34

و لكنّ التحقيق: أنّ التكليف الذي جعل مضافا إليه الشرط قد يكون بالمعنى المصدري، و يعبّر عنه بالإيجاب، و هو مسبوق بالإرادة و مبادئها كسائر الأعمال الاختياريّة للإنسان، و قد يكون بمعنى الاسم المصدري، و يعبّر عنه بالوجوب، و ربما لا يكون الشي‏ء شرطا للإيجاب بدون الوجوب، و الأوّل مرحلة الإنشاء، و الثاني مرحلة الفعليّة، مثل قول المولى: «إن جاءك زيد فأكرمه»، و من البديهي أنّ المولى بعد تصوّر الشرط و المشروط و التصديق بالفائدة و سائر المبادئ أنشأ و أوجب الإكرام فعلا، و لكنّ فعليّة هذا الحكم التعليقي الإنشائي متوقّف على تحقّق مجي‏ء «زيد» في الخارج، فيكون مجي‏ء «زيد» بوجوده الخارجي لا بوجوده الذهني شرطا لفعليّة التكليف و الوجوب، لا لإنشاء التكليف و الإيجاب، إلّا أنّ المجي‏ء شرط مقارن لفعليّة وجوب الإكرام مثل شرطيّة الزوال لفعليّة وجوب الصلاة.

و أمّا مثال شرطيّة المتقدّم فنحو أن يقول المولى: «إن جاءك زيد فأكرمه بعد ساعة»، أو يقول: «إن تحقّق المجي‏ء في الخارج يجب عليك الإكرام بعد ساعة»، فلا طريق لنا لإرجاعه إلى الوجود الذهني، فكيف يكون الإشكال قابلا للحلّ هاهنا؟!

و أمّا المثال للشرط المتقدّم في الشرعيّات فهو عبارة عن شرطيّة الاستطاعة لوجوب الحجّ على قول؛ إذ المشهور في مسألة الواجب المعلّق- مثل الحجّ- قائل بأنّه يجب الحجّ بمجرّد تحقّق الاستطاعة في وقته، أي الوجوب فعلي و الواجب معلّق بإيصال الموسم. و أنكره عدّة من الأعاظم و قالوا: إنّ الإرادة لا تتعلّق بالأمر الاستقبالي، فتكون الاستطاعة بوجوده الخارجي شرطا لوجوب الحجّ في الموسم؛ بحيث يكون الزمان قيدا للوجوب‏

35

لا للواجب، و هذا شرط متقدّم للتكليف و لا يكون قابلا للحلّ بما ذكره الإمام و المحقّق الخراساني (قدّس سرّهما)، و لذا نحتاج إلى جواب آخر عن الإشكال.

و إن قيل: إنّ حدوث الاستطاعة لا يكفي لوجوب الحجّ، بل لا بدّ من بقائها له، فهذا هو الشرط المقارن لا المتقدّم إن بقيت الاستطاعة إلى الموسم، و إن انعدمت بعد الحدوث فلا يجب الحجّ أصلا.

قلنا: إنّه كان لوجوب الحجّ شرطان: أحدهما: مقارن له، و هو عبارة عن الموسم و الزمان، و الآخر: متقدّم عليه، و هو الاستطاعة. و من المعلوم أنّ الاستطاعة الدخيلة في الوجوب هي الاستطاعة الحاصلة قبل الموسم لا الحاصلة حين الموسم فقط، و إلّا يلزم القول بوجوب الحجّ على من استطاع في الموسم أيضا مع أنّه كما ترى، و على أيّ حال لا بدّ لنا من حلّ الإشكال، و إن لم نجد للشرط المتقدّم في الشرعيّات مثالا.

و الأولى في الجواب ما أشار إليه المحقّق العراقي (قدّس سرّه) من أنّ مورد القاعدة العقليّة المذكورة عبارة عن التكوينيّات و الواقعيّات الخارجيّة، و لا تجري في الامور الاعتباريّة كالبعث و التحريك الاعتباري الذي يعبّر عنه بالتكليف، فإنّها تدور مدار الاعتبار.

إن قلت: كيف لا تجري القاعدة في الشرائط الشرعيّة مع أنّها ترجع إلى الشرائط العقليّة كما مرّت؟! فلا بدّ من جريانها فيهما بدون التفكيك بينهما.

قلت: إنّ دليل رجوعها إليها- كما مرّ- عبارة عن أنّه لا بدّ في المقدّميّة من صغرى و كبرى. و بيان الصغرى بيد الشارع بقوله: هذا شرط- مثلا- و الحاكم بالكبرى- أي الذي يحكم بعدم تحقّق ذي المقدّمة بدون المقدّمة- هو العقل، و محلّ النزاع هاهنا هو الصغرى بعد قول الشارع بأنّ الزوال شرط لوجوب‏

36

الصلاة- مثلا- فيبحث و يستفاد أنّ القاعدة لا تجري فيما كان الشرط و المشروط أو أحدهما اعتباريّا.

و منشأ الإشكال الاشتراك في الاصطلاح و استعمال الألفاظ كالسبب و الشرط و المانع في التكوينيّات و التشريعيّات معا، مع أنّ كلّ واحد منها يطلق في التكوينيّات بملاك خاصّ، بحيث لا يصحّ إطلاق كلّ من السبب و الشرط مكان الآخر، مثل النار سبب للإحراق و مجاورة الجسم شرط له و رطوبته مانعة عنه، و ليست نسبة الجميع إلى الإحراق نسبة واحدة؛ إذ يتولّد من النار الإحراق، و للمجاورة دخل في تأثيرها في الإحراق و تكون مؤثّرة فيه، و إن انعدم المعلول بانعدام كلّ منها، إلّا أنّ ارتباط كلّ منها بالمعلول ارتباط خاصّ.

و نحن نرى نظائر هذه التعبيرات في الشرعيّات أيضا، مثل الاستطاعة شرط لوجوب الحجّ، و عقد البيع سبب لمالكيّة المشتري للمبيع و البائع للثمن، و عقد النكاح سبب لحصول العلقة الزوجيّة بين الزوجين، و البلوغ شرط للتكليف، و الحدث مانع عن الصلاة.

و معلوم أنّ الملكيّة و الوجوب و الزوجيّة تكون من الامور الاعتباريّة، و لا ضابطة لاستعمال هذه التعبيرات في الشرعيّات، و لذا لا إشكال في إطلاق كلمة السبب مكان الشرط و بالعكس.

و بالنتيجة كان إطلاق هذه العناوين في الشرعيّات من باب المجاز و الاستعارة بعلاقة المشابهة، و لا يكون إطلاقها أساسا و لا ملاكا واقعيّا كإطلاقها في التكوينيّات، و لذا لا تجري القاعدة في الشرعيّات أصلا. هذا تمام الكلام بالنسبة إلى شرائط التكليف.

37

و أمّا شرائط الحكم الوضعي كالإجازة للملكيّة في العقد الفضولي على الكشف الحقيقي، فقال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) بما حاصله: إنّ حالها حال شرائط التكليف في أنّ الشرط حقيقة في الحكم الوضعي هو اللحاظ أيضا، فالعقد الفضولي الملحوظ معه الإجازة يؤثّر في الملكيّة- مثلا- و لا شكّ في أنّ لحاظ الإجازة مقارن للملكيّة، فليس في الحكم الوضعي شرط متأخّر حتّى يوجب انخرام القاعدة العقليّة.

و يرد عليه ما أوردناه عليه في شرط التكليف من أنّ هذا الكلام تام في مرحلة إنشاء الحكم، و أمّا في مرحلة الفعليّة فلا بدّ من تحقّق الإجازة خارجا كما مرّ توضيحه في ضمن مثال: «إن جاءك زيد فأكرمه بعد ساعة» و حلّ الإشكال بأنّ الشرط الشرعي لا يكون قابلا للقياس مع الشرط العقلي و التكويني و لا تجري القاعدة فيه، بل إطلاق الشرط عليه بالعناية كما مرّ.

و أمّا الشرائط المأمور بها فهي عبارة عن الشرائط الشرعيّة الدخيلة في صحّة المأمور به، و ما يرجع إلى شرط الوجود كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، و الغسل الليلي للمستحاضة بالنسبة إلى صوم اليوم السابق، و أمثال ذلك.

و قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(2) في مقام الجواب عن الإشكال هاهنا بما حاصله:

إنّ المأمور به لا بدّ من كونه حسنا و المنهي عنه قبيحا عند بعض، و الاتّصاف بالحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات عند بعض آخر؛ بأنّ نفس العنوان يوجد الحسن و يقع متعلّقا لغرض المولى، و ممّا كان دخيلا في تحقّق هذه الاعتبارات و العناوين عبارة عن الاضافات، و إذا راجع تحقّق الحسن و القبح‏

____________

(1) كفاية الاصول 1: 146.

(2) كفاية الاصول 1: 148.

38

إلى الإضافة، فمن المعلوم أنّ دائرة الإضافة وسيعة كما يصحّ إضافة المضاف إلى المضاف إليه المقارن كذلك يصحّ إضافته إلى المضاف إليه المتقدّم و المتأخّر، فمعنى شرطيّة أغسال الليلة الآتية لصحّة صوم يوم الماضي أنّه يتحقّق بينهما الإضافة التي توجب حسن الصوم و تجعله متعلّقا لغرض المولى، و لذا نقول:

يجب على المستحاضة الصوم المتعقّب بالغسل، و هذه الإضافة توجب اشتمال الصوم على المصلحة اللازمة الاستيفاء، فلا فرق فيها بين تقارن المضاف إليه مع المضاف و تقدّمه عليه و تأخّره عنه.

و التحقيق: أنّ هذا البيان و إن كان أقلّ إشكالا ممّا قال به المحقّق العراقي (قدّس سرّه) و لكن مع ذلك يرد عليه ما أوردناه عليه من أنّه لا بدّ في المتضايفين من تحقّق طرفي الإضافة و أنّ الابوّة- مثلا- ملازم للبنوّة و لا يمكن التفكيك بينهما، كما أنّه لا يمكن اتّصاف العلّة بالعلّيّة قبل اتّصاف المعلول بالمعلوليّة، و إن كانت العلّة متقدّمة على المعلول من حيث الرتبة، فكيف يمكن تحقّق الإضافة فعلا بدون المضاف إليه، و كيف يمكن اتّصاف الشي‏ء بأنّه مضاف بدون تحقّق المضاف إليه؟!

و أمّا حلّ الإشكال هاهنا فبأنّه مرّ في تقسيم المقدّمة إلى العقليّة و الشرعيّة و العاديّة، و قلنا: إنّ المقدّمة الشرعيّة يحتمل أن تكون واقعيّة لا نقدر على إدراكها لنقصان عقولنا، و لكنّ الشارع لإحاطته بالواقعيّات يدركها و يرشدنا إليها بقوله: «لا صلاة إلّا بطهور»، و يحتمل أن تكون كالملكيّة و الزوجيّة من الامور الاعتباريّة، كما أنّ أصل وجوب إقامة الصلاة أمر اعتباري و مجعول شرعي، فشرطيّة الطهارة لها أيضا كذلك.

و إن قلنا باعتباريّتها- كما هو الحقّ في المسألة- فتخرج عن مورد القاعدة

39

العقليّة، فإنّ موردها عبارة عن الواقعيّات، و لا تجري في الامور الاعتباريّة كما مرّ في شرائط التكليف و الوضع.

و إن قلنا بواقعيّتها فنحتاج إلى حلّ المعضلة في مثل شرطيّة أغسال الليلة لصحّة صوم اليوم الماضي للمستحاضة، و كان لاستاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه)(1) جواب و له مقدّمة و هي: أنّ أجزاء الزمان- كالوجودات اللفظيّة- من الامور التدريجيّة و المتصرّمة، و لا يجتمع جزءان منها في آن واحد، مثلا: يوم الأحد جزء من الزمان و يوم الإثنين جزء آخر منه، و من المعلوم أنّهما لا يجتمعان معا، فلا محالة يتقدّم بعضها و يتأخّر بعضها الآخر. و حينئذ يتولّد الإشكال بأنّ تقدّم يوم الأحد على يوم الإثنين و تأخّره عنه أمر وجداني غير قابل للإنكار، و مع ذلك مخالف للقاعدتين العقليّتين المسلّمتين:

إحداهما: أنّ التقدّم و التأخّر من مصاديق المتضايفين، و مقتضى التضايف تقارنهما من حيث الرتبة و الزمان، و لازم اتّصاف يوم الأحد بوصف التقدّم اتّصاف يوم الاثنين بوصف التأخّر في هذا الآن و الزمان كاتّصاف الإمام بالإمامة و المأموم بالمأموميّة، فلا يعقل التقدّم الرتبي و الزماني لأحدهما على الآخر.

و ثانيتهما: القاعدة الفرعيّة، أي ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له، فثبوت وصف التأخّر ليوم الإثنين فرع تحقّقه و ثبوته، و كيف يمكن أن يتّصف يوم الإثنين الذي لم يتحقّق بعد بوصف التأخّر؟! و إذا لم يمكن اتّصاف يوم الإثنين بوصف التأخّر فلا يمكن اتّصاف يوم الأحد أيضا بوصف التقدّم؛ إذ لا يعقل التفكيك بين الأمرين المتضايفين.

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 213- 216.

40

و إن كنّا في يوم الإثنين ينعكس الإشكال بأنّ يوم الأحد وجد و انعدم، و لا يمكن اتّصافه بوصف التقدّم فلا يمكن اتّصاف يوم الإثنين أيضا بوصف التأخّر.

ثمّ قال في مقام الجواب عن الإشكال بأنّا قد نبحث في الاتّصاف و إثبات وصف التقدّم لشي‏ء و التأخّر بشي‏ء آخر، و قد نبحث في واقعيّة شي‏ء و نحن نرى بعد ملاحظة يوم الأحد بالنسبة إلى الاثنين و تدريجيّة الزمان أنّ يوم الأحد بحسب الذات متقدّم على يوم الإثنين، و أنّ التقدّم لا يكون وصفا له بل يكون جزء ذاته و داخل في ذاته، بل التعبير بالتقدّم و التأخّر يكون بعنوان المشيريّة؛ إذ يمكن التعبير بالأوّليّة و الثانويّة و أمثال ذلك أيضا، فإذا راجع المسألة إلى الذات دون الاتّصاف و الوصفيّة فلا ينافي القاعدتين العقليّتين، و مسألة الوجدان باقية بقوّتها، كما أنّا نعبّر ارتكازا بأنّ يومنا هذا مقدّم على الغد مع أنّه ليس من الغد أثر و لا خبر.

ثمّ ذكر لهذا المعنى أدلّة و مؤيّدات:

منها: أنّه مرّ أنّ للعلّة تقدّما رتبيّا على المعلول، مع أنّ وصفي التقدّم و التأخّر يتحقّقان في زمان واحد و في رتبة واحدة، فاجتمعت في العلّة جهتان:

الاولى: يرتبط بالذات و الرتبة فهي متقدّمة فيها، الجهة الثانية: ترتبط بالوصف و الاتّصاف بالتقدّم، و هي في رتبة واحدة مع المعلول فيها، و لا بدّ من التفكيك بين الجهتين، و يجري هذا التفكيك في أجزاء الزمان؛ بأنّ يومنا هذا متقدّم على الغد وجدانا و ذاتا، مع أنّهما في الاتّصاف متقارنان.

و منها: أنّ من المعروف تقسيم المتقابلين إلى المتناقضين و المتضايفين و المتخالفين و المتضادّين، مع أنّ هذا التقسيم مع قطع النظر عن الدقّة المذكورة

41

في أجزاء الزمان مواجه بالإشكال المهمّ، و هو: أنّ المقسم من مصاديق قسمه؛ إذ لا شكّ في أنّ وصف التقابل كالابوّة و البنوّة من مصاديق التضايف، و كيف يعقل أن يكون المقسم من مصاديق أقسامه؟! و هكذا في الأقسام؛ إذ التضادّ من مصاديق التضايف، فإنّ اتّصاف البياض بوصف التضادّ يحتاج إلى تحقّق السواد في رتبته، و معلوم أنّ المراد من السواد هو سواد الجسم المتّصف بالبياض مع أنّه ليس بموجود، فكيف يمكن أن يتّصف سواد المعدوم بعنوان التضادّ؟! على أنّ التضادّ قسيم التضايف في حال أنّه مصداقه و هكذا عنوان التناقض.

و حلّ المشكلة بأنّه إذا لاحظنا التضادّ و التضايف بحسب الذات مع قطع النظر عن الوصف و العنوان تكونان قسيمين، و هكذا التقابل يكون مقسما للأقسام بحسب الذات لا بحسب الوصف و العنوان، فالتفكيك بين تقدّم الشي‏ء ذاتا و عدم تقدّمه عنوانا و وصفا يوجب حلّ المعضلة في أجزاء الزمان.

و هكذا الحكم في الزمانيّات، مثلا: «زيد قائم اليوم» و «عمرو يقوم غدا»، و معلوم أنّ لقيام «زيد» تقدّما ذاتيّا على قيام «عمرو»، كما أنّ نفس هذا اليوم متقدّم ذاتا على الغد كذلك قيام «زيد» الذي كان ظرف تحقّقه عبارة عن هذا اليوم، إلّا أنّ تقدّم بعض أجزاء الزمان على بعض تكون بالأصالة و تقدّم بعض الزمانيّات على بعض تكون بالتبع.

على أنّ قطعيّة تحقّق أجزاء الزمان تقتضي الحكم بتقدّم بعضها على بعض قبل تحقّق الجزء المتأخّر، بخلاف الزمانيّات، فتكون الإجازة اللاحقة ببيع الفضولي كاشفة بالكشف الحقيقي عن تحقّق الملكيّة حال العقد؛ إذ الإجازة لا تكون شرطا للملكيّة، بل الشرط عبارة عن تقدّم العقد ذاتا على الإجازة،

42

و هو مقارن مع العقد، إلّا أنّ علمنا بتقدّمه عليها متوقّف على لحوق الإجازة، فما يعتبر في صحّة بيع الفضولي و تأثيره في الملكيّة هو تقدّم العقد على الإجازة بتقدّم الذاتي بتبع الزمان، و لا شكّ في مقارنته مع العقد، فلا انخرام في القاعدة العقليّة. هذا في شرائط الوضع.

و أمّا شرائط المكلّف به مثل الأغسال الليليّة بالنسبة إلى صوم المستحاضة، فالمستفاد من ظاهر الكلمات و إن كان شرطيّة الأغسال الليليّة بوجودها الخارجي، و لكنّ واقع الأمر أنّ ما له الشرطيّة لصحّة صوم المستحاضة عبارة عن تقدّم الصوم على غسل الليل بالتقدّم الذاتي، إلّا أنّه بلحاظ كونه ممكن التحقّق لا بدّ لنا من الانتظار إلى الليل، فإن تحقّق الغسل يستكشف من أنّ صوم يوم الماضي كان واجدا للشرط حين تحقّقه؛ إذ التقدّم الذاتي كان مقارنا له، و لذا لا نسمّيه شرطا متأخّرا. هذا تمام الكلام للإمام (قدّس سرّه).

و لكنّ التحقيق: أنّ هذا البيان مع متانته و دقّته لا يحتاج إليه في شرائط الوضع، فإنّها خارجة عن مورد الإشكال كما مرّ، و جريانها في شرائط المكلّف به مبني على القول بواقعيّة الشرائط الشرعيّة، مع أنّه ضعيف جدّا. و الحقّ أنّ الشرائط الشرعيّة كشرائط التكليف و الوضع من الامور الاعتباريّة، فلا يرد الإشكال على شرط من الشرائط المذكورة؛ لأنّها امور اعتباريّة، و مورد الإشكال عبارة عن الامور الواقعيّة.

و لا بدّ لنا من نقل ما قال به المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) لتكميل البحث، و إجمال كلامه أنّه ذكر امورا بعنوان تحرير محلّ النزاع:

الأوّل: أنّه لا إشكال في خروج الشرائط المأمور بها من حريم النزاع، فإنّ‏

____________

(1) فوائد الاصول 1: 271- 280.

43

شرطيّة شي‏ء للمأمور به كالأغسال الليلية لصوم المستحاضة لا تكون إلّا مثل أجزاء المركّب في أنّ كلّ جزء منه يقع، و يتحقّق في جزء من الزمان، و لا فرق بين وقوع الجزء المتأخّر في الزمان المتأخّر و وقوع الشرط المتأخّر في الزمان المتأخّر، فكما أنّه لا إشكال في الجزء المتأخّر كذلك لا إشكال في الشرط المتأخّر، و كما أنّ تحقّق المركّب يتوقّف على أجزائه كذلك تحقّق المشروط يتوقّف على شرطه، هذا أوّلا.

و ثانيا: أنّ حقيقة الاشتراط ترجع إلى الإضافة بين المشروط و الشرط، و لا شكّ في مقارنة الإضافة مع الصوم المشروط، إلّا أنّ المضاف إليه متأخّر زمانا، فلا إشكال في شرطيّة الأغسال الليليّة لصحّة صوم المستحاضة، و لا نقول بأنّ غسل الليل دخيل في رفع حدث اليوم الماضي حتّى استشكل علينا بإشكال شرطيّة المتأخّر.

الثاني: أنّ شرائط الجعل و العلل الغائيّة فبما أنّها بوجودها الخارجي لا تكون مؤثّرة في الحكم بل بوجودها العلمي، فلا محالة يكون مقارنا مع الجعل، فهي أيضا خارجة عن محل النزاع، و على هذا تكون علل التشريع- كالنهي عن الفحشاء و المعراجيّة بالنسبة إلى الصلاة- خارجة عن حريم النزاع.

الثالث: أنّه لا إشكال في خروج العناوين الانتزاعيّة- كالسبق و اللحوق و التقدّم و التأخّر- عنه، فإنّ عنوان التقدّم ينتزع من ذات المتقدّم، و لا دخل للمتأخّر في انتزاعه عن منشائه، و لكن بشرط تحقّق المتأخّر في ظرفه.

الرابع: أنّه لا إشكال في خروج العلل و المقدّمات العقليّة عنه، و أنّه لا إشكال في عدم جواز تأخّرها عن معاليلها، فالنزاع ينحصر في شرائط

44

الحكم، سواء كان تكليفيّا أو وضعيّا، و نحن نعبّر عنها بموضوع الحكم، و الحقّ فيه أنّ الشرط المتأخّر ممتنع.

و توضيح ذلك يتوقّف على امور:

الأوّل: في الافتراق بين القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة، و أنّ القضيّة الخارجيّة هي التي يكون الموضوع فيها الأشخاص الموجودة في الخارج حين الحكم، و لا يتوقّف الحكم فيها على غير دواعي الحكم المؤثّرة فيه بوجودها العلمي، طابق الواقع أم لا.

و أمّا الحقيقة فهي التي يكون الموضوع فيها العناوين الكلّيّة التي تنطبق على مصاديقها، سواء كانت محقّقة أو مقدّرة، و لا مدخل لعلم الحاكم في انطباق الكلّي على المصاديق، بل ربما كان الحاكم غافلا عن بعضها.

الأمر الثاني: أنّ القضايا الواردة في الشريعة لبيان الأحكام تكون من قبيل الثانية، مثل‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، أي كلّ من وجد في الخارج و كان مستطيعا يجب عليه الحجّ، فلا فرق بين قولنا:

الاستطاعة شرط لوجوب الحجّ، و قولنا: المستطيع موضوع لوجوب الحجّ.

الأمر الثالث: أنّه إذا رجعت المسألة إلى القضيّة الحقيقيّة فلا بدّ من القول بامتناع الشرط المتأخّر فيها، سواء قلنا بأنّ المجعول و هي السببيّة- أي الشارع جعل الموضوع سببا لترتّب الحكم- أو المجعول هو الحكم عند وجود السبب، أمّا الأوّل فواضح؛ لأنّه يرجع إلى تأخّر أجزاء العلّة الفعليّة عن المعلول، و أمّا الثاني فللزوم الخلف و المناقضة من وجود الحكم قبل وجود موضوعه. هذا تمام كلامه ملخّصا.

و التحقيق: أنّ هذا البيان مورد للمناقشات المتعدّدة، أمّا مقايسته بين‏

45

الأجزاء و الشرائط في الأمر الأوّل الذي ذكره لتحرير محلّ النزاع فلا وجه له؛ لأنّ محلّ البحث في شرطيّة الأغسال الليليّة لصحّة صوم المستحاضة هو الحكم باتّصافه بالصحّة في ظرف وقوعه لا من حين الغسل؛ إذ الشرط المتأخّر عبارة عن الكشف الحقيقي عن تحقّق المشروط في ظرفه صحيحا، مع أنّه لم يقل أحد في باب المركّب من الأجزاء؛ بأنّ تحقّق جزئه الأخير يكشف عن تحقّق المركّب قبله، بل المركّب يتحقّق حين تحقّق جزئه الأخير كما لا يخفى.

و أمّا إرجاع الشرطيّة إلى الإضافة فمع أنّه باطل في نفسه- كما مرّ- مناقض لدليله الأوّل، فإنّ لازم القول بدليل الأوّل تحقّق المشروط بعد تحقّق الشرط، و لازم القول بهذا الدليل تحقّق المضاف بدون تحقّق المضاف إليه، و الالتزام بهما يستلزم التناقض.

و أمّا ما قال به في الأمر الثاني و الرابع من خروج العلل الغائيّة و العقليّة من حريم النزاع فهو صحيح لا إشكال فيه، و أمّا مقالته في الأمر الثالث من خروج العناوين الانتزاعيّة كالتقدّم و التأخّر و أمثالهما عن محلّ النزاع، فإن كان مراده التقدّم الذاتي كما ينتزع العرف مفهوم التقدّم من ذات اليوم قبل حلول الغد- كما مرّ عن استاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه)- فهو صحيح، و لكنّه طريق لحلّ الإشكال لا أنّه دليل الخروج عن محلّ النزاع، فاستفادته منه ليس بصحيح.

و إن كان مراده التقدّم الوصفي و العنواني فقد مرّ أنّه من الامور المتضايفة، و لا يمكن تحقّق التقدّم الوصفي لشي‏ء قبل تحقّق الشي‏ء المتأخّر، فعلى كلا التقديرين لا يخلو هذا الأمر عن إشكال.

و أمّا ما قال به في أصل المطلب و ما دخله في محلّ النزاع- أي شرائط الحكم التكليفي و الوضعي مع قطع النظر عن إشكال دخالة العلم في الفرق بين‏

46

القضيّة الحقيقيّة و الخارجيّة- فهو تسليم للإشكال لا الجواب عنه؛ إذ المستشكل يقول: كيف يعقل دخالة الإجازة المتأخّرة على الكشف الحقيقي في الملكيّة السابقة؟ فيجيب: نعم يمتنع الشرط المتأخّر، فتمام كلامه صدرا و ذيلا تسليم للإشكال في جميع الموارد، مع أنّا كنّا في مقام الجواب عنه، و أساس الجواب اعتباريّة المسألة كما مرّ.

و تعرّضنا في صدر المسألة بأنّا نبحث في تقسيمات المقدّمة في مرحلتين:

الاولى: في صحّة التقسيم و عدمها، و الثانية: في دخول الأقسام و خروجها عن محلّ النزاع في باب مقدّمة الواجب، كما مرّ كلا البحثين في التقسيمات السابقة، فعلى هذا نبحث في التقسيم الأخير- أي تقسيم المقدّمة إلى المقارنة و المتقدّمة و المتأخّرة- أيضا في مرحلتين، و استشكل في المرحلة الاولى من البحث فيه بقاعدة عقليّة مذكورة بين العلّة و المعلول، و قلنا: إنّه لا مانع من كون المقدّمة متقدّمة أو متأخّرة أو مقارنة.

و لكن لتوسعة دائرة البحث و توهّم انخرام القاعدة العقليّة في موارد متعدّدة ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) تقسيما لحلّ الإشكال، و هو: تقسيم المقدّمة إلى مقدّمات التكليف و مقدّمات الوضع و مقدّمات المأمور به، و لا يخفى أنّ حلّ الإشكال فيها لا يوجب دخول الجميع في محلّ النزاع في باب مقدّمة الواجب، فإنّ مقدّمة التكليف هي مقدّمة الوجوب و مرّ خروجها عن محلّ النزاع، و هكذا مقدّمة الوضع كالإجازة في البيع الفضولي للملكيّة؛ لأنّها ليست بمقدّمة للواجب.

فما هو داخل في حريم النزاع منها عبارة عن مقدّمة المأمور به بتمام أنواعها،

____________

(1) كفاية الاصول 1: 147.

47

سواء كانت مقارنة أم متأخّرة أم متقدّمة، و القائل بالملازمة بين وجوب ذي المقدّمة و المقدّمة يقول بوجوب تحصيل كلّ واحد منها في ظرفه، و منكر الملازمة منكر لوجوب الجميع في ظرفه.

و قد مرّ عن المحقّق النائيني (قدّس سرّه) أنّ شرائط الحكم و الوضع بلحاظ رجوعها إلى موضوع الحكم داخلة في محلّ النزاع لإشكال الشرطيّة المتأخّرة، و شرائط المأمور به خارجة عنها، و تنعكس المسألة هاهنا، أي في محلّ نزاع مقدّمة الواجب، فما هو الداخل فيها خارج هاهنا، و ما هو الخارج عنها داخل هاهنا.

و قد تقدّم أن ذكرنا في النزاع الأوّل أنّ شرائط التكليف و الوضع و المأمور بأجمعها داخلة فيها، و أمّا في النزاع الثاني فلا تدخل إلّا شرائط المأمور به.

هذا تمام الكلام في المقدّمة الثانية من بحث مقدّمة الواجب.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الأمر الثاني في تقسيمات الواجب‏

الأوّل: المطلق و المشروط

و معلوم أنّه ليس لكلمة المطلق و المشروط وحدها اصطلاح خاصّ عند الفقهاء و الاصوليّين و هكذا لكلمة الواجب، و لكن كان لهذا الموصوف مع إحدى الصفتين المذكورتين اصطلاح خاصّ عندهم، و لذا ذكروا تعاريف متعدّدة و متكثّرة لهما. و لا بدّ لنا قبل الورود فيها من الإشارة إلى نكتة، و هي:

أنّ التقابل بين المطلق و المشروط هل يكون تقابل التضادّ أو التضايف؟ و بعد الفراغ من عدم تقابل التناقض و الإيجاب و السلب، فإنّهما أمران وجوديّان.

و الظاهر أنّه ليس بنحو التضادّ أيضا، فإنّ اجتماع المتضادّين في معروض ممتنع مطلقا، و لازم ذلك ألّا يكون الواجب المطلق أصلا في العالم؛ لأنّ كلّ تكليف مشروط بالشرائط الأربعة العامّة- أي البلوغ و العقل و القدرة و العلم- مع أنّه ليس كذلك، هذا أوّلا.

و ثانيا: أنّا نرى اتّصاف كثير من الواجبات في زمن واحد بالإطلاق و الاشتراط معا كالصلاة- مثلا- فإنّها واجب مشروط بالنسبة إلى الوقت‏

50

و واجب مطلق بالنسبة إلى الطهارة، فلا مانع من اجتماعهما في واجب واحد، و هذا من خصوصيّات التضايف؛ إذ الابوّة و البنوّة في شخص واجد قابل للاجتماع بلحاظ تعدّد النسب و الإضافات، فتعيّن أنّ تقابلهما يكون بنحو التضايف.

و قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1): و قد ذكر لكلّ من المطلق و المشروط تعريفات و حدود تختلف بحسب ما اخذ فيها من القيود.

و ربما اطيل الكلام بالنقض و الإبرام في النقض على الطرد و العكس، مع أنّها كما لا يخفى تعريفات لفظيّة لشرح الاسم و ليست بالحدّ و لا بالرسم، و لكن لم يتعرّضها صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، و نحن نذكر بعضها:

منها: ما عن المشهور أنّ الواجب المطلق: ما لا يتوقّف وجوبه على ما يتوقّف عليه وجوده، و المشروط: ما يتوقّف وجوبه على ما يتوقّف عليه وجوده، و الظاهر منه أنّهما متضادّان و لا يجتمعان معا في شي‏ء واحد، و لا يقعان وصفا لموصوف واحد، فلذا يشكل عليه بواجبات، مثل الصلاة و الحجّ و أمثال ذلك، فإنّ الصلاة بالنسبة إلى الطهارة يتوقّف عليها وجودها و لا يتوقّف عليها وجوبها، و أمّا بالنسبة إلى الوقت فيتوقّف عليه وجوبها كما يتوقّف عليه وجودها، فيصدق عليها تعريف المطلق و المشروط معا.

و منها: ما عن صاحب الفصول‏ (2) من أنّ الواجب المطلق ما لا يتوقّف وجوبه على أمر زائد على الشرائط العامّة المعتبرة في التكليف من البلوغ و العقل و القدرة و العلم، و الواجب المشروط ما يتوقّف وجوبه بعد الشرائط

____________

(1) كفاية الاصول 1: 151.

(2) الفصول الغروية: 79.

51

العامّة على شي‏ء آخر.

و الظاهر من هذا التعريف أيضا تحقّق التضادّ بينهما مع أنّهما عنوانان متضايفان، مع أنّه لا يكون واجب لم يتوقّف على أمر زائد من الشرائط العامّة، فإنّ الصلاة- مثلا- تتوقّف على الوقت، و الصوم على زمان خاصّ، و الحجّ على الاستطاعة و الموسم، و الزكاة على النصاب، و هكذا.

و التحقيق:

أنّ هذه التعاريف تعريفات لفظيّة لشرح الاسم، و لا بدّ لنا من ملاحظة كلّ واجب بالنسبة إلى واحد من الشرائط، و كثير من الواجبات بل جميعها تتّصف بالإطلاق و الاشتراط معا، و لعلّه لا يوجد واجب مطلق محض أو مشروط محض، هذا بالنسبة إلى التعريفات.

و البحث المهمّ هاهنا عبارة عن اختلاف الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)(1) مع المشهور في الخطاب التعليقي المشتمل على الشرط و الجزاء، و كانت لجزائه مادّة و هيئة كقولنا: «إن جاءك زيد فأكرمه». و المشهور قائل بأنّ الشرط من قيود الهيئة، و أنّ طلب الإكرام و إيجابه معلّق على المجي‏ء بحيث لا وجوب حقيقة قبل حصول الشرط.

و لكنّ الشيخ (قدّس سرّه)(2) قائل بأنّ الشرط من قيود المادّة لا الهيئة، و أنّ الواجب فيه يكون مقيّدا به كتقيّده بكونه مضافا إلى «زيد» بحيث يكون الطلب و الإيجاب في الخطاب فعليّا و مطلقا، و إنّما الواجب- أي الإكرام- يكون خاصّا و مقيّدا على تقدير المجي‏ء.

و الظاهر أنّ هذا الاختلاف يكون في مقام الإثبات و إفادة اللفظ و دلالته،

____________

(1) مطارح الأنظار: 48- 49.

(2) المصدر السابق.

52

و أمّا بلحاظ ارتباط بعض أدلّة الشيخ (قدّس سرّه) بمقام الثبوت فلا بدّ من تحقيق المسألة في هذا المقام أيضا، فإن كانت نتيجة البحث فيه ارتباط جميع القيود بالمادّة فلا محالة يكون في مقام الإثبات أيضا كذلك، و إن كانت نتيجة البحث فيه ارتباط جميع القيود بالهيئة فيكون في مقام الإثبات أيضا كذلك، و إن كان ظاهر اللفظ في مقام الإثبات مخالفا لمقام الثبوت فلا بدّ من التصرّف في الظاهر، و إن كانت نتيجة البحث فيه اختلاف القيود من حيث الارتباط بالهيئة و المادّة فحينئذ يجري النزاع في مقام الإثبات.

و تحقيق البحث في مقام الثبوت يحتاج إلى مقدّمة، و هي: أنّ الأمر الصادر عن المولى تسبيب منه لتحقّق المأمور به من طريق العبد، فالأمر يقوم مقام الإرادة، و المأمور به مقام مراد الفاعل المباشري، و لا فرق بينهما إلّا في المباشرة و التسبيب، و لا شكّ في أنّ الإرادة الفاعليّة تختلف بحسب الموارد، فإنّها قد تتعلّق بالمراد المطلق بحيث لا يكون قيدا في البين أصلا، لا من جهة الإرادة و لا من جهة المراد، كإرادة المشرف على الموت من شدّة الجوع و العطش بالنسبة إلى شرب الماء و أكل الطعام بأيّة كيفيّة و خصوصيّة حصل، و المراد عبارة من حفظ النفس، و هو يتوقّف على أكل الطعام و شرب الماء.

و قد تتعلّق إرادة الإنسان بشرب الماء مقيّدا بكونه باردا أو واقعا في ظرف كذا، و هل ترتبط القيود هاهنا بالإرادة أو بالمراد؟ و لا شكّ في أنّ التصوّر و التصديق بالفائدة تكونان من مبادئ الإرادة و أنّهما يرتبطان بالمراد لا بالإرادة، فالقيود في هذه المرحلة ترجع إلى المراد، و هكذا في مرحلة تعلّق الإرادة و الشوق المؤكّد نحو المراد، أي المراد مع القيود و الخصوصيّات.

و قد تتعلّق الإرادة بمراد مطلق، و لكنّ القيد يرتبط بالإرادة، كما لو فرض‏

53

تعلّقها بإكرام العدو بعد وروده على الإنسان و صيرورته ضيفا له، فلا تكون له إرادة مطلقة في إكرام العدو حتّى تحرّكه إلى تحصيل عنوان الضيافة، بل ربما يكون مجيئه مبغوضا له، و لكن على فرض مجيئه تتعلّق به الإرادة، فتكون إرادته بحسب اللبّ و مقام الثبوت مقيّدة بتحقّق الضيافة، و تكون هي دخيلة في تحقّق الإرادة و تعلّقها بالإكرام، و نظيره قول المريض المحتضر للطبيب: «إن كنت قادرا نجّني من الموت»، فإنّ مراده- أي الشفاء و العلاج- مطلق، و لكن علمه بعدم قدرة كلّ طبيب على المعالجة يقتضي أن تكون إرادته مقيّدة.

فتحقّق إلى هنا: أنّ القيود بحسب اللبّ على نوعين: يرجع بعضها إلى الهيئة و بعضها إلى المادّة، و ملاكهما عبارة عن أنّ القيود التي ترتبط بالإرادة بحسب مقام الثبوت، فهي ترجع إلى الهيئة و الحكم في مقام الإثبات، و القيود التي ترتبط بالمراد في هذا المقام فهي ترجع إلى المادّة و المأمور به في ذاك المقام.

و لكن يظهر من كلام المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1) قاعدة اخرى في الفرق بين نحوي القيدين، و نذكره لتأييد ما ذكرناه من تنوّع القيود و إن كانت ضابطته قابلة للمناقشة كما سيأتي إن شاء اللّه، و هو: أنّ القيود في دخلها في المصلحة على ضربين: إن كانت ممّا يتوقّف عليه اتّصاف المأمور به بكونه ذات مصلحة في الخارج- كالوقت و الاستطاعة بالنسبة إلى الصلاة و الحجّ- فهو من شرائط التكليف و الوجوب، و إن كانت ممّا يتوقّف عليه فعليّة المصلحة و حصولها في الخارج بمعنى أنّها لا تكاد تحصل إلّا إذا اقترن الفعل بتلك القيود و الشرائط- كالطهارة و الستر و الاستقبال بالنسبة إلى الصلاة- فهو من شرائط الواجب و المكلّف به.

____________

(1) نهاية الأفكار 1: 292- 295.

54

و نظيره قول الطبيب للمريض: إذا مرضت بمرض كذا- كقطع الأخلاط مثلا- فاشرب المسهل، و لكن قبل شربه اشرب المنضج (جوشانده)، فالمرض أوجب تحقّق المصلحة في شرب المسهل؛ بحيث لو لا المرض لا مصلحة فيه، بل ربما كان فيه كمال المفسدة.

و أمّا فعليّة المصلحة المذكورة في الخارج فتتوقّف على شرب المنضج، و التعليق يتحقّق في شرائط التكليف، و لذا نقول: «إذا مرضت بمرض كذا فاشرب المسهل»، و يعبّر في الروايات: «إذا طلعت الشمس فيجب عليك الصلاة»، و «إذا استطعت فيجب عليك الحجّ»، و لا يعبّر: «إذا طهّرت ثوبك فيجب عليك الصلاة»، و هكذا. هذا ملخّص كلامه (قدّس سرّه).

و أشكل عليه الإمام (قدّس سرّه)(1) أوّلا: أنّ قيد الهيئة و شرط الوجوب لا يلزم تحصيله و إن كان باختيار المكلّف- كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ- بخلاف قيد المادّة و شرط الواجب، فإنّه يلزم تحصيله عقلا و إن لم نقل به شرعا، فنسأل بأنّه هل يمكن ما هو الدخيل في إيجاد المصلحة للمأمور به أن يكون قيدا للمأمور به و يلزم تحصيله- مثل أن يقول المولى: حجّ مع الاستطاعة- أو يمتنع؟ و من البديهي أنّه لا شكّ في إمكانه، و مع إمكانه تنتفي الضابطة.

و جوابه دفاعا عن المحقّق العراقي (قدّس سرّه) أنّ ما يوجب تحقّق المصلحة الملزمة في الحجّ عبارة عن الاستطاعة الحاصلة بنفسها لا نفس الاستطاعة بدون خصوصيّة، و معلوم أنّ الاستطاعة الموصوفة بهذا الوصف لا يلزم تحصيلها، فإن كان مراده إيجاد المصلحة بنفس الاستطاعة يرد عليه الإشكال بأنّها يمكن أن تكون قيدا للواجب و يلزم تحصيلها.

____________

(1) تهذيب الاصول 1: 222.