دراسات في الأصول / تقريرات - ج3

- السيد صمد علي الموسوي المزيد...
543 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا

و لا بدّ من صرف الكلام إلى بيان بعضها في ضمن المسائل‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المسألة الاولى‏

في مباحث القطع‏

[تمهيد في أقسام حالات المكلف و لزوم العمل بالقطع عقلا]

قال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1): المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة شرعا- كحجّيّة خبر العادل و نحوه- أو عقلا- كحجّيّة الظنّ في حال الانسداد بناء على الحكومة- و قبل الخوض في ذلك لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من أحكام، و إن كان خارجا عن مسائل الفنّ، و كان أشبه بمسائل الكلام؛ لشدّة مناسبته في المقام.

و أشار (قدّس سرّه) إلى هذه المسألة بنحو من الإجمال، بدون ذكر أيّ دليل لخروج أحكام القطع عن مسائل علم الاصول، و شباهتها بمسائل الكلام و مناسبتها مع بحث الأمارات، و يستفاد من كلامه (قدّس سرّه) أنّ القطع ليس من مصاديق الأمارة و لا يطلق هذا العنوان عليه، مع أنّه لا فرق بينه و بين خبر الواحد من حيث الأماريّة و الكاشفيّة بحسب اللغة، بل القطع أظهر مصاديق الأمارة.

و لا بدّ من توجيه كلامه (قدّس سرّه) بأنّ الأمارة هنا ليست بالمعنى اللغوي بل تكون بالمعنى الاصطلاحي، و هي في الاصطلاح تستعمل في مقابل القطع كاستعمالها في مقابل الاصول العمليّة.

____________

(1) كفاية الاصول 2: 4.

8

و يستفاد دليل خروج مباحث القطع عن المسائل الاصوليّة ممّا ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)(1) و هو: أنّ إطلاق الحجّة على القطع ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا؛ لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير واسطة للقطع بثبوته له كالتغيّر لإثبات حدوث العالم، فقولنا: «الظنّ حجّة» يراد به كونه واسطة لإثبات حكم متعلّقه، فيقال: «هذا مظنون الخمريّة» و «كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه»، و هذا بخلاف القطع؛ لأنّه إذا قطع بخمريّة شي‏ء فيقال: «هذا خمر» و «كلّ خمر يجب الاجتناب عنه» و لا يقال: إنّ هذا معلوم الخمريّة و كلّ معلوم الخمريّة حكمه كذا؛ لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر لا لما علم أنّه خمر.

و الحاصل: أنّ كون القطع حجّة غير معقول؛ لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع. هذا تمام كلامه (قدّس سرّه).

و إذا لاحظنا صدر هذا الكلام بدون ذيله يكون قابلا للمناقشة، فإنّ في مورد قيام البيّنة المعتبرة على خمريّة مائع لا يمكن الالتزام بأنّ كلّ ما قامت البيّنة على خمريّته فهو حرام؛ إذ الخمر موضوع للحرمة، لا مظنون الخمريّة و لا مقطوع الخمريّة، و ليس لنا دليل على جعل موضوع الحرمة فيه مظنون الخمريّة، و بالتالي لا يصحّ هذا البيان.

مع أنّ الحجّة ليست المعنى الذي ذكره (قدّس سرّه)، أي ما جعل حدّا وسطا في القياس، بل هي بمعنى ما يصحّ به الاحتجاج من ناحية المولى في مقابل العبد، و بالعكس.

____________

(1) الرسائل: 2- 3.

9

و لعلّه كان ذيل كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ناظرا إلى عدم انطباق ضابطة المسألة الاصوليّة على أحكام القطع، و هي أنّ كلّ مسألة وقعت نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي فهي مسألة اصوليّة، و إذا ثبت حجّيّة ظاهر الكتاب- مثلا- تكون نتيجتها إثبات وجوب صلاة الجمعة- مثلا- فإنّه ممّا دلّ عليه ظاهر الكتاب، كقولنا: «وجوب صلاة الجمعة ممّا دلّ عليه ظاهر الكتاب»- أي الحجّة- و «كلّما دلّ عليه ظاهر الكتاب فهو واجب» فصلاة الجمعة واجبة.

و الحاصل: أنّ المسألة الاصوليّة تقع في سلسلة علل استكشاف الحكم الفقهي، و تكون مقدّمة و طريقا لاستكشافه، و هذه الخصوصيّة لا تتحقّق في مسائل القطع، فإنّ متعلّق القطع إمّا يكون نفس الحكم الفقهي كالقطع بوجوب صلاة الجمعة- مثلا- و إمّا يكون موضوعه و هو ملازم للقطع بحكمه، فمع القطع بوجوب صلاة الجمعة و خمريّة المائع لا مجال لوقوعه في طريق استنباط الحكم الفرعي، بل يبحث أنّ مخالفة هذا القطع يوجب استحقاق العقوبة أم لا؟ فمسألة القطع خارجة عن مسائل الفنّ، و الشاهد على ذلك عدم تعرّض القدماء لها في كتبهم الاصوليّة.

و لكنّ استاذنا المرحوم السيّد البروجردي (قدّس سرّه)(1) كان مصرّا على أنّ مسائل القطع من المباحث الاصوليّة، و حاصل كلامه (قدّس سرّه): أنّ موضوع علم الاصول عبارة عن الحجّة في الفقه، و هي بمعنى ما يصحّ أن يحتجّ به المولى في مقابل العبد، و بالعكس، لا بمعنى الحجّة التي يبحث عنها في المنطق، أي ما يطلق على القياس، و موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة، أي بلا واسطة

____________

(1) نهاية الاصول: 394.

10

في العروض؛ بمعنى عدم احتياج حمل العرض على المعروض إلى المسامحة و التجوّز، كما هو الحال في الواسطة في الثبوت، و مع ذلك يكون قولنا: «ظاهر الكتاب حجّة» مسألة اصوليّة.

و لا يقال: إنّ الحجّة هنا جعلت المحمول لا الموضوع، فإنّا نقول: إنّ معناه في الواقع أنّ الحجّة في الفقه كانت متعيّنة في ضمن ظاهر الكتاب أم لا؟ و هل تتّحد الحجّة في الفقه مع ظاهر الكتاب مثل اتّحاد الكلّي الطبيعي مع مصاديقه أم لا؟ فإذا كان ظاهر الكتاب حجّة بهذا التقريب من المسائل الاصوليّة تكون مسألة القطع أيضا كذلك، فإنّ أوّل ما يبحث فيها أنّ القطع حجّة أم لا، فلا فرق بينهما من هذه الناحية، و عدم تعرّض القدماء لها مستند إلى محدوديّة أحكام القطع و وضوحها.

و التحقيق: أنّ على فرض كون البحث عن تعيّن العوارض تحتاج جميع المسائل إلى القلب و الانقلاب؛ إذ لا بدّ من جعل الحجّة فيها موضوعا و الموضوعات محمولا؛ بأنّ الحجّة هل تتّحد مع القطع أو ظاهر الكتاب بحيث يكونان من مصاديق الحجّة أم لا؟ و هذا لا ينطبق مع العناوين المعنونة في علم الاصول، فالقطع خارج عن مسائل علم الاصول؛ لعدم انطباق الضابطة عليه، كما يستفاد من كلام صاحب الكفاية في موارد متعدّدة.

و أمّا أشبهيّة بعض أحكام القطع بمسائل الكلام فهي مبتنية على كون تعريف علم الكلام عبارة عمّا يبحث فيه عن ذات الباري و صفاته و أفعاله، و ما يحسن أن يتحقّق منه و ما يقبح أن يتحقّق عنه و لكن في محدودة الإسلام؛ إذ يبحث في القطع عمّا يترتّب على فعل المقطوع به أو تركه من استحقاق الثواب و العقاب، و أمّا على القول بكونه عبارة عمّا يبحث فيه عن عوارض‏

11

ذاتيّة الوجود بما هو هو في محدودة الإسلام فلا شباهة بينهما أصلا، كما يستفاد من كلام استاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه) في حاشيته على الكفاية.

و أمّا المناسبة بين بعض مسائل القطع و بيان الأمارات المعتبرة فيتحقّق من جهات: منها: أنّ حجّية الأمارات منحصرة بغير القاطع؛ إذ لا أثر للأمارة في مقابل القطع، و منها: أنّ البحث فيهما يدور مدار الحجّيّة بمعنى المنجّزيّة و المعذريّة.

قال الشيخ الأعظم الأنصاري‏ (1) بعد الفراغ عن المقدّمة: فاعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه أو القطع أو الظنّ.

و لا بدّ من البحث في هذه العبارة من جهتين:

الاولى: في نفس المقسم من حيث إنّ المقسم هل هو المكلّف أم لا؟ و أنّ المقصود منه خصوص المجتهد أو الأعمّ منه؟

الجهة الثانية: في التقسيم من حيث الثلاثيّة أو الثنائية، و أشار صاحب الكفاية (قدّس سرّه) إلى البحث عن الجهة الاولى في حاشيته على الرسائل‏ (2) بأنّ عنوان المكلّف ظاهر فيمن توجّه إليه التكليف بالفعل، و لذا لا يشمل جميع الأقسام؛ إذ التكليف بالنسبة إلى الشاكّ لا يكون فعليّا؛ لأنّ الشكّ مانع عن فعليّة التكليف، و لذا لا بدّ من العدول عن عبارة الشيخ (قدّس سرّه) و القول بأنّ البالغ الذي وضع عليه القلم إذا التفت إلى حكم واقعي أو ظاهري؛ بمعنى خروجه عن محدودة رفع القلم و وروده في دائرة وضع القلم و إنشاء التكليف، سواء كان التكليف بالنسبة إليه فعليّا أم لا.

____________

(1) الرسائل: 2.

(2) حاشية الرسائل: 1.

12

و التحقيق: أنّ هذا البيان ليس بصحيح، فإنّ عنوان المكلّف و إن كان ظاهرا في المكلّف الفعلي، و لكن ليس معناه فعليّة التكليف حتّى بالنسبة إلى هذه العناوين الثلاثة، بل معناه أنّ بعد الورود في دائرة التكليف يصير بعض التكاليف بالنسبة إليه فعليّا لا جميع التكاليف، و يتحقّق بالنسبة إلى البعض الآخر الحالات المذكورة.

و ما هو المهمّ في البحث أنّ المكلّف هنا مختصّ بالمجتهد أو أعمّ منه، و لا قرينة في كلام الشيخ (قدّس سرّه) لتعيين أحدهما، و يستفاد من عبارة صاحب الكفاية (قدّس سرّه) اختصاصه بالمجتهد بلحاظ قوله: متعلّق به أو بمقلّديه، كما قال به المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1).

و معلوم أنّ القطع حجّة سواء كان بالنسبة إلى الحكم أو الموضوع، و إن كان مخالفا لنظر مقلّد القاطع، فإنّ حجّيّة فتواه له تكون بعنوان الأمارة، و قد عرفت أنّ العمل بها وظيفة غير القاطع، و حجّيّة القطع أمر ذاتي و بديهيّ و لا يتوقّف على أمر المفتي، كما أنّ أصل التقليد و مراجعة الجاهل بالعالم يكون كذلك، فعموميّة دائرة القطع و شموله للمجتهد و المقلّد لا شكّ فيه، و هكذا الاصول العمليّة و الأمارات الجارية في الموضوعات، مثل استصحاب نجاسة الثوب و قيام البيّنة على خمريّة مائع لا يرتبط بالمجتهد، إلّا من جهة قوله بحجّيّة الاستصحاب و الأمارة.

إنّما الإشكال في الأمارات الدالّة على أصل الحكم و الاصول العمليّة الجارية في الشبهات الحكميّة، و المحقّق النائيني (قدّس سرّه) قائل بعدم ارتباطها بالمقلّد العامّي؛ لعدم اطّلاعه بقيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة- مثلا- و عدم‏

____________

(1) فوائد الاصول 3: 6.

13

علمه بحجّيّة الخبر الواحد- مثلا- بعد اختلاف العلماء فيها، و اختلاف القائلين بالحجّيّة بأنّ خبر العادل حجّة أو الثقة، أو موثوق به، و عدم علمه بالخبر المعارض، و تشخيصه عن غير المعارض، مع أنّه لا بدّ في جريان الاصول العمليّة في الشبهات الحكميّة من الفحص عن الدليل و اليأس عن الظفر به، فلا محالة يكون المكلّف المقسم عبارة عن المجتهد.

و أنكره المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1) بأنّ المجتهد إذا انتهى نظره بحسب الروايات بأنّ الماء الكرّ إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة يصير نجسا، و لكنّه لاحظ خارجا أنّ الماء المذكور زال تغيّره من قبل نفسه بعد مدّة، فهو حينئذ صار شاكّا ببقاء نجاسته و عدمه، فإن كان قائلا بحجّيّة الاستصحاب يجري الاستصحاب و يحكم بنجاسته.

و أمّا المقلّد في أصل الحكم بالنجاسة يقول به حسب فتوى المجتهد، و لكنّه بعد زوال تغيّر الماء من قبل نفسه أيضا يشكّ في بقاء النجاسة ثمّ يرجع إلى المجتهد و يسأل منه بأنّ هذا هل وقع مورد تعرّض الروايات نفيا أو إثباتا أم لا؟ و يقول المجتهد بعدم تعرّضها له و كونه مشكوكا عنده، و حينئذ يجري الاستصحاب نيابة عن المقلّد، فلا دليل لاختصاص جريان «لا تنقض اليقين بالشكّ» في الشبهات الحكميّة بالمجتهد، فالمكلّف المقسم لا يختصّ بالمجتهد، بل يعمّ المجتهد و العامّي معا.

و التحقيق: أنّ التفكيك بين المراحل الثلاثة- أي مرحلة نجاسة الماء بالتغيّر، و مرحلة المشكوكيّة بزوال التغيّر، و مرحلة جريان الاستصحاب- من حيث الرجوع إلى المجتهد ليس بصحيح، و هذا أمر بديهيّ، مع أنّ السيرة العملية

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 3.

14

للمتشرّعة في الرجوع إلى المجتهد ليس كما ذكره؛ إذ المقلّد يراجع الرسالة العمليّة التي ذكر فيها خلاصة الأحكام و النتائج، مع أنّ النيابة أمر مخالف للقاعدة و يحتاج إلى الدليل، و لا يتحقّق هنا دليل، فلا بدّ من القول باختصاص المقسم بالمجتهد؛ إذ القطع و إن كان حجّة للقاطع، و لكنّه خارج عن مسائل علم الاصول، و تعميمه للمقلّد و المجتهد لا يقتضي تعميم ما هو من الاصول- أي تعميم المقسم لهما- بعد أنّ التقسيم يكون بلحاظ الاصوليّة.

و هكذا في جريان الأمارات و الاصول العمليّة في الشبهات الموضوعيّة، و إن كان الشاكّ هو المقلّد- مثلا- و لكن لا بدّ من بيان حكم الشكّ من ناحية المجتهد، مثل: الحكم بجريان الاستصحاب عند الشكّ في البقاء، و جريان أصالة البراءة في الشبهة التحريميّة الموضوعيّة، و نحو ذلك، فإنّ جميعها من شأن المجتهد.

و المهمّ هنا البحث في الجهة الثانية، [أي في التقسيم من حيث الثلاثيّة أو الثنائية]

و قد عرفت من الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) التقسيم الثلاثي، و أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه أو القطع أو الظنّ، و الظاهر منها الشكّ الشخصي و القطع و الظنّ الشخصيّين.

و اشكل عليه: أوّلا: بأنّ الظنّ الشخصي إذا لم يكن معتبرا- مثل حصوله من طريق الشهرة الفتوائيّة- فهو في حكم الشكّ و مجرى الاصول العمليّة. و هذا الإشكال وارد عليه؛ لعدم تقييده بالظنّ الشخصي المعتبر.

و ثانيا: أنّ الأمارة المعتبرة قد تقوم عند المجتهد و لم يحصل له القطع و لا الظنّ الشخصي، مع أنّه لا بدّ له من الحكم بمفاده؛ إذ لا ضرورة لإفادة الخبر الواحد الصحيح السند للظنّ الشخصي، فيرد على هذا التقسيم إشكال التداخل و الاختلاط.

15

و قال المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) في مقام الدفاع عنه: إنّ بيانه (قدّس سرّه) هنا بيان تمهيدي و لتوجيه الأذهان إلى التقسيم إجمالا، و بيان المسائل بالتفصيل في محلّه، و لا تكون للعناوين المذكورة خصوصيّة عنده.

و لكنّه ليس بتامّ؛ إذ التقسيم في أوّل الكتاب يكون بمنزلة الأساس للبحث، و لا بدّ من ملاحظة جميع خصوصيّاته.

و لا يخفى أنّ الملتفت إليه في كلام الشيخ (قدّس سرّه) هو الحكم الواقعي و إن لم يقيّده به و لكن يتحقّق في العبارة ما هو شاهد عليه، و هو أنّ مجرى الاصول العمليّة هو الشكّ في الحكم الواقعي، فإنّ بعد جريانها و استفادة الحكم الظاهري منها لا يبقى شكّ في البين، و معلوم أنّ الحكم الواقعي هو الذي يصلح لتعلّق الشكّ به بخلاف الحكم الظاهري.

و لكنّ الملتفت إليه عند صاحب الكفاية (قدّس سرّه) أعمّ من الحكم الواقعي و الظاهري، و لذا عدل من التقسيم الثلاثي إلى الثنائي، و قال:

إنّ البالغ الذي وضع عليه قلم التكليف إذا التفت إلى حكم شرعي- سواء كان واقعيّا أم ظاهريّا- فإمّا أن يحصل له القطع بذلك الحكم أو لا، و يدخل الحكم المستفاد من الأمارات و الاصول الشرعيّة حتّى الظنّ الانسدادي على القول بالكشف في الحكم الذي يقطع به، و إن لم يحصل له القطع به فلا بدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظنّ لو حصل له، و قد تمّت مقدّمات الانسداد على تقدير الحكومة، و إلّا فالرجوع إلى الاصول العقليّة من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فوائد الاصول 3: 4.

16

و أشكل عليه الإمام (قدّس سرّه)(1): أوّلا بأنّ خروج الظنّ الانسدادي على الحكومة عن دائرة القطع ليس بتامّ؛ إذ لو كان مراده من القطع العلم التفصيلي فلا يبقى مجال للبحث عن العلم الإجمالي في مبحث القطع، و إن كان مراده منه الأعمّ من العلم التفصيلي و الإجمالي فلا يصحّ عدّ الظنّ الانسدادي من القسم الثاني، فإنّ أساس دليل الانسداد هو العلم الإجمالي.

و ثانيا: أنّ الأولى من كلامه جعل الملتفت إليه عنوان الوظيفة حتّى لا يبقى مجال للتقسيم؛ إذ المجتهد قاطع بالوظيفة دائما حتّى في مورد جريان الاصول العقليّة كالبراءة و التخيير.

و يرد عليه إشكال آخر، هو: أنّه يستفاد من كلامه (قدّس سرّه) في بحث الظنون الخاصّة أنّ الشارع في باب الأمارات لا يعمل عملا سوى جعل الحجّيّة لها بمعنى المنجّزيّة و المعذّريّة، و لا يكون فيها من جعل الحكم الظاهري أثر و لا خبر، إلّا في مورد جريان أصالة الطهارة و الحلّيّة و الاستصحاب على القول بجعل الحكم المماثل، و في مورد أصالة البراءة لا يكون سوى رفع الحكم حسب حديث الرفع، فكيف يمكن أن يكون الملتفت إليه أعمّ من الحكم الواقعي و الظاهري؟!

ثمّ قال صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(2): و إن أبيت التقسيم إلّا عن كونه ثلاثيّا، فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا؛ لئلّا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام، و مرجعه على الأخير إلى القواعد المقرّرة عقلا أو نقلا لغير القاطع و من يقوم‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 7.

(2) كفاية الاصول 2: 5.

17

عنده الطريق.

و الملتفت إليه عنده على هذا التقسيم هو الحكم الواقعي، و الترتيب بين الحالات و الطوليّة أيضا ملحوظ عنده كما يدلّ عليه ظاهر كلامه، و على هذا يرد عليه أنّ المقصود من الطريق المعتبر هل هو الطريق المعتبر الشرعي أو الأعمّ منه و من الطريق المعتبر العقلي، و على الأوّل لا يشمل الأقسام للظنّ الانسدادي على الحكومة؛ إذ هو ليس بقطع و لا من الطريق المعتبر الشرعي، و لا من الاصول العمليّة.

إن قلت: إنّه داخل في دائرة القطع و العلم الإجمالي.

قلت: إنّ بعد فرض الترتّب و الطوليّة في التقسيم يكون معناه تقدّم الظنّ الانسدادي على نحو الحكومة على الطرق و الأمارات الشرعيّة و الاصول العمليّة الشرعيّة، مع أنّه (قدّس سرّه) صرّح في التقسيم الثنائي بتأخّر رتبة الظنّ الانسدادي عنها.

و على الثاني يدخل الظنّ الانسدادي في القسم الثاني، و لازم ذلك تقدّمه على الاصول الشرعيّة من الاستصحاب و أصالة الطهارة و أصالة الحلّية، مع أنّه ليس كذلك كما صرّح في التقسيم الثنائي بتقدّم الاصول الشرعيّة التي تكون من القطع عليه، فلا يصحّ تثليث الأقسام بهذه الكيفيّة.

و يصحّ تثليث الأقسام بعد كون الملتفت إليه هو الحكم الواقعي بعد حفظ أمرين:

الأوّل: أن يكون المراد من الطريق المعتبر هو خصوص الطريق المعتبر الشرعي.

الثاني: أن لا يلاحظ الترتّب و الطوليّة بين الأقسام في التقسيم، فإنّه لا يتقوّم‏

18

عليه، كما أنّه لا يتحقّق في التقسيمات مثل: الحيوان إمّا ناطق و إمّا غير ناطق، و الإنسان إمّا أبيض و إمّا أسود، و نحو ذلك، فنقول: المكلّف إمّا يحصل له القطع بالحكم، و إمّا يقوم عنده طريق معتبر، و إمّا يكون مرجعه الاصول العمليّة عند الشكّ في الحكم، و هذا التقسيم خال من الإشكال، كما ذكره المحقّق الحائري (قدّس سرّه) إجمالا.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في أحكام القطع و أقسامه و مسائله، قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)(1): «لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا؛ لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا».

و لا بدّ قبل الخوض في البحث من ملاحظة العناوين المربوطة بالمسألة مثل:

عنوان وجوب متابعة القطع، و عنوان حجّيّته بمعنى المنجّزيّة عند إصابة الواقع، و المعذّريّة عند عدم إصابة الواقع، و عنوان طريقيّته و كاشفيّته، من حيث كونهما ذاتيّتين له أو مجعولتين.

و الظاهر من وجوب المتابعة في كلام الشيخ (قدّس سرّه) هو الوجوب و اللزوم الشرعي، و لا بدّ هنا من التأمّل و الدقّة، بأنّ القطع من صفات ذات الإضافة و قائم بنفس الإنسان، كما أنّ الشكّ و الظنّ يكون كذلك، و معلوم أنّ مراد الشيخ (قدّس سرّه) ليس لزوم متابعة القطع من حيث إنّه صفة نفسانيّة و قائم بالنفس، بل مراده أنّ متعلّق القطع لازم المتابعة، فالقاطع بوجوب صلاة الجمعة يلزمه إتيانها في الخارج، كما هو الظاهر من كلامه، و على هذا لا يصحّ أن يكون المراد من لزوم المتابعة اللزوم الشرعي؛ إذ لا يتحقّق هنا حكمان وجوبيّان حتّى‏

____________

(1) الرسائل: 2.

19

يكون أحدهما متعلّقا بصلاة الجمعة و الآخر متعلّقا بمتابعته ليترتّب على مخالفة القطع عقابان، فلا محالة يكون اللزوم هنا لزوما عقليّا، و لا يرتبط بالشرع.

و أمّا عنوان الحجّيّة فيكون بمعنى المنجّزيّة في صورة مطابقة القطع للواقع، و المعذّريّة في صورة مخالفته له. و قد مرّ عن صاحب الكفاية أنّ للحكم أربعة مراحل: 1- الاقتضاء. 2- الإنشاء. 3- الفعليّة. 4- التنجّز. يعني استحقاق العقوبة على مخالفته، و قلنا: إنّ التنجّز ليس من مراحل الحكم، بل هو من آثاره؛ بأنّ القطع إذا تعلّق بوجوب صلاة الجمعة و كانت في الواقع أيضا كذلك يحكم العقل بترتّب استحقاق العقوبة على مخالفته، و هكذا في المعذّريّة. و لا يخفى أنّ إسناد المنجّزيّة و المعذّريّة إلى القطع لا يخلو عن مسامحة و تجوّز، فإنّ بحسب الواقع إيصال التكليف إلى المكلّف و عدم إيصاله إليه يكون منجّزا و معذّرا.

و أمّا عنوان كاشفيّة القطع عن الواقع و طريقيّته إليه فهو كما يستفاد من ظاهر كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) و صريح كلام النائيني (قدّس سرّه)(1) يكون من لوازم ذات القطع كزوجيّة الأربعة، فكما أنّ الزوجيّة تكون من لازم ماهيّة الأربعة كذلك الكاشفيّة و الطريقيّة تكون من لازم ماهيّة القطع، و لا يمكن الانفكاك بينهما، و لا يكون ذلك بجعل جاعل؛ لعدم إمكان الجعل التكويني التأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه، فإنّه يتصوّر في المحمولات المفارقة، كالقائم و العادل المحمولين على زيد- مثلا- و أمّا جعل اللازم فيكون بالعرض و المجاز، و بتبع جعل الشي‏ء الملزوم بسيطا، أي إيجاده بمفاد «كان» التامّة لا بمفاد «كان» الناقصة.

و التحقيق: أنّ الكاشفيّة و الطريقيّة لا تكون لازم ماهيّة القطع، فإنّا نرى‏

____________

(1) فوائد الاصول 3: 6.

20

الانفكاك بينهما أحيانا، مثل: تعلّق القطع بوجود ما لا واقعيّة له، فكيف يمكن أن يكون القطع هنا طريقا إلى الواقع و كاشفا عنه؟!

و إذا قيل: إنّ كاشفيّة القطع و طريقيّته تكون بحسب اعتقاد القاطع، و هو بنظره لا يرى إلّا الواقع.

قلنا: إنّ هذا دليل للفرق بين مسألة كاشفيّة القطع و مسألة لازم الماهيّة، فإنّ الزوجيّة- مثلا- من لازم ماهيّة الأربعة في كلّ وعاء و عند جميع الأنظار و الأشخاص، و لا يتصوّر الانفكاك بينهما، فلا تكون كاشفيّة القطع قابلة للمقايسة معها.

و لكنّك قد لاحظت في المنطق تعريف العلم بأنّه إن كان إذعانا للنسبة فتصديق، و إلّا فتصوّر، أي كما أنّ التصديق علم كذلك التصوّر علم، و قد عرفت مرارا أنّ في مورد تحقّق العلم يتحقّق معلومان: أحدهما معلوم بالذات و هو الصورة الحاصلة عند النفس، و الآخر معلوم بالعرض و هو الموجود الخارجي.

و لا يتحقّق في العلم و القطع معلوم بالعرض في بعض الموارد بحسب الواقع، كما إذا كان القطع بمجي‏ء زيد من السفر مخالفا للواقع مع وجود العلم و المعلوم بالذات، فإن كانت كاشفيّة القطع و طريقيّته بالنسبة إلى معلوم بالعرض فلا يصحّ المقايسة بينها و بين لازم الماهيّة؛ لتحقّق الانفكاك بينهما كما عرفت، و إن كانت الكاشفيّة و الطريقيّة بالنسبة إلى معلوم بالذات فتصحّ المقايسة بينهما؛ إذ لا يمكن الانفكاك بين القطع و المعلوم بالذات.

و يؤيّده ما صرّح به المحقّق النائيني (قدّس سرّه) بعد المقايسة بينهما بقوله: بل بوجه يصحّ أن يقال: إنّها عين القطع. و يستفاد منه جعله (قدّس سرّه) ملاك الكاشفيّة عبارة

21

عن المعلوم بالذات.

و ما يمكن أن يكون عين القطع هي الصورة الحاضرة عند النفس؛ إذ يصحّ أن يقول: بأنّه لا يتحقّق في النفس شيئان: أحدهما القطع و الآخر المعلوم بالذات، و على هذا تكون كاشفيّة القطع كاشفيّة كاملة و طريقيّته طريقيّة تامّة؛ لعدم الانفكاك بينهما أصلا بلا فرق بين صورة الإصابة و الخطأ.

و قد عرفت أنّ حجّيّة القطع تكون بمعنى المنجّزيّة و المعذّريّة، و الجامع بينهما صحّة الاحتجاج به إمّا من العبد في مقابل المولى، و إمّا من المولى في مقابل العبد. و لا يخفى أنّ الحجّيّة لا ترتبط بماهيّة القطع و معناه، أي أنّه إدراك لا شكّ فيه، لا بوجوده الذهني و تصوّره، بل يرتبط بوجوده الواقعي، أي الصفة النفسانيّة التي نسمّيها بالقطع و ما يكون معروضا للحجّيّة هو وجوده الواقعي فقط، و لا يكون قابلا للمقايسة من حيث الرتبة مع الكاشفيّة التي تكون من لوازم ماهيّته.

و من المعلوم أنّ حجّيّة القطع من الأحكام العقليّة البديهيّة، و لا تحتاج إلى جعل الشارع، و إلّا يلزم اللّغوية؛ إذ لا يترتّب عليه أثر بعد حكم العقل بحجّيّته بالبداهة، و لا يمكن جعل الحجّيّة له من الشارع و لو بنحو الإمضاء نظير جعلها لخبر الواحد، فإنّ دأب الشارع لا يكون إمضاء جميع ما يكون معتبرا و رائجا بين العقلاء، فإنّا نرى في بعض الموارد تأييده منه، و في بعض الموارد نفيه كنفي الربا- مثلا- بخلاف الأحكام العقليّة البديهيّة؛ إذ لا يمكن للشارع نفيها و إثباتها لاستلزام اللغويّة، و الانتهاء إلى تزلزل أساس الاعتقادات، مثل:

إثبات الصانع و وحدانيّته، و لزوم إطاعة قوله و أمثال ذلك ممّا يترتّب عليه.

و لذا لا يصحّ القول: بأنّه لا مانع من حكم العقل و الشرع معا بحجّيّة القطع،

22

نظير حكم العقل بقبح الظلم و حكم الشرع بحرمته؛ لأنّ ما حكم به العقل في باب الظلم غير ما حكم به الشرع، و لا تتحقّق العينيّة بينهما، فإنّ ما حكم به العقل- أي القبح- يكون بمنزلة الملاك و العلّة للحكم الشرعي- أي الحرمة- و أمّا في باب القطع بعد إدراك العقل صحّة الاحتجاج به بإدراك الضروري فلا مجال لحكم الشرع بها.

و ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) دليلا آخر لعدم إمكان نفي حجّيّة القطع من الشارع، و هو أنّه مستلزم لاجتماع الضدّين بحسب اعتقاد القاطع في صورة عدم إصابة القطع للواقع، و بحسب الواقع و الاعتقاد في صورة الإصابة.

و هذا مبتن على ما ذكره (قدّس سرّه) في باب اجتماع الأمر و النهي من تحقّق التضادّ بين الأحكام الخمسة التكليفيّة، و قد ذكرنا تبعا استاذنا السيّد الاستاذ الإمام (قدّس سرّه) أنّ دائرة التضادّ محدودة بالامور الواقعيّة التكوينيّة، مثل: عروض السواد و البياض على جسم واحد في آن واحد، و الأحكام التكليفيّة من الامور الاعتباريّة، و لذا قلنا في مفاد هيئة «افعل»: إنّه عبارة عن البعث الاعتباري، و في مفاد هيئة «لا تفعل» أنّه عبارة عن الزجر الاعتباري في مقابل البعث و الزجر التكويني، و هكذا في سائر الأحكام التكليفيّة، و لا يتحقّق التضادّ في الامور الاعتباريّة، و الشاهد على ذلك عدم إمكان اجتماع المتضادّين- كالسواد و البياض- في آن واحد و لو من ناحية اثنين.

و أمّا في باب الأوامر و النواهي فيمكن أن تكون طبيعة واحدة بالنسبة إلى مكلّف حراما و بالنسبة إلى آخر واجبة، فكيف يتحقّق التضادّ بين الأحكام؟!

إن قلت: إن لم يتحقّق التضاد بين الأحكام يصحّ للمولى أن يقول لعبده:

____________

(1) كفاية الاصول 2: 8.

23

«صلّ في هذه الساعة» و «لا تصلّ فيها»، أي تحريم طبيعة واحدة و وجوبها بالنسبة إلى شخص واحد، مع أنّه مستحيل بالبداهة.

قلنا: إنّ منشأ الاستحالة هنا اجتماع الحبّ و البغض، و هما أمران تكوينيّان و من مبادئ البعث و الزجر الاعتباري، فإنّ البعث الاعتباري ناش عن حبّ المولى بتحقّق المأمور به في الخارج، كما أنّ الزجر الاعتباري ناش عن بعضه بتحقّقه فيه، و لا يعقل أن يكون شي‏ء واحد في آن واحد محبوبا و مبغوضا له.

و أشكل استاذنا السيّد الإمام (قدّس سرّه)(1) على ما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه) بأنّ هذا الاجتماع نظير اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري في مورد الشكّ إذا كان مشكوك الطهارة بحسب الواقع نجسا، فإنّه طاهر بمقتضى قاعدة الطهارة و نجس بحسب الحكم الأوّلي، فلما ذا لا تتحقّق هنا مسألة اجتماع الضدّين؟ ففيما نحن فيه أيضا يمكن أن تكون المسألة بهذه الكيفيّة، بأن يقول الشارع: «إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة لا تكون صلاة الجمعة عليك واجبة» بدون تحقّق التضادّ أصلا.

نعم، يكون جعل الحكم الظاهري امتنانا و تسهيلا على المكلّف الشاكّ بدون استلزام اللغوية، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ قول الشارع بعدم وجوب صلاة الجمعة على القاطع به لغو، و صدوره قبيح عن الحكيم، و لكنّ اللّغويّة مسألة و اجتماع الضدّين مسألة اخرى، و سيأتي تفصيل هذا الكلام إن شاء اللّه.

و قد مرّ في مسألة كاشفيّة القطع أنّه بالنسبة إلى المعلوم بالعرض قد يكون مصيبا و كاشفا عنه، و قد لا يكون كذلك، فبالنسبة إلى المعلوم بالعرض تكون كاشفيّته تامّة، و عرفت القول بعينيّة القطع مع المعلوم بالذات، و على هذا

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 8.

24

لا معنى للكاشفيّة المتقوّمة على اثنينيّة، و أمّا على القول بعدم العينيّة و تحقّق الشيئين في النفس أحدهما كاشفا و الآخر مكشوفا، فيصحّ البحث في إمكان جعل الكاشفيّة للقطع من الشارع و عدمه.

و الظاهر أنّ طريقيّة القطع إلى الصورة النفسانيّة تكوينيّة و لا يمكن للشارع بما هو شارع الدخالة في الامور التكوينيّة، لا نفيا و لا إثباتا. فهو نظير إيجاد الشمس مشرقة و إيجاد النار حارّة في عدم الارتباط بعالم التشريع. هذا تمام الكلام في المسألة الاولى من مسائل القطع.

25

المسألة الثانية

في التجرّي‏

و لا بدّ قبل الخوض في هذا البحث من ذكر امور بعنوان المقدّمة:

الأمر الأوّل: في معنى التجرّي و الانقياد بحسب الاصطلاح،

و التجرّي: ارتكاب ما يعتقد كونه حراما مع عدم حرمته بحسب الواقع، و ترك ما يعتقد كونه واجبا مع عدم كونه كذلك واقعا، و الانقياد: موافقة ما يعتقد كونه تكليفا لزوميّا، مع أنّه ليس كذلك بحسب الواقع في مقابل الإطاعة و العصيان، مع أنّهما بحسب اللغة أعمّ منهما.

الأمر الثاني: أنّ التجرّي لا يختصّ بالقطع و إن كان هو مصداقه البيّن،

كما إذا ارتكب ما يقطع بحرمته أو خالف ما يقطع بوجوبه، مع أنّهما لا يكونان كذلك بحسب الواقع، و لكن ينطبق في مورد الأمارات و الاصول العمليّة أيضا، كما إذا دلّ خبر الواحد المعتبر على وجوب صلاة الجمعة، و تركها من قام عنده الخبر، مع أنّها بحسب الواقع ليست بواجبة، فيصدق هنا عنوان التجرّي، إلّا أنّ هذا بناء على القول بحجّيّة الأمارات من باب الطريقيّة، كما هو الحقّ و المشهور عند الإماميّة، و أمّا على القول بحجّيّتها من باب السببيّة- بمعنى إحداث الحكم مطابقا لمؤدّى الأمارة بالنسبة إلى من قام عنده الخبر مثلا- فيصدق العصيان‏

26

على مخالفته، فإنّ قيام الخبر على وجوب صلاة الجمعة يجعلها واجبة بالنسبة إليه و هو قد خالفها، فيتحقّق العصيان.

و أمّا في مورد الأمارات، مثل: قيام الاستصحاب على وجوب صلاة الجمعة و عدم إتيان المكلّف بما يكون واجبا بمقتضى الاستصحاب، فلا يصدق هنا عنوان التجرّي؛ إذ المقصود من الشكّ في «لا تنقض اليقين بالشكّ» هو الشكّ الفعلي الاستقراري، لا الشكّ المستمرّ إلى الأبد، فلا بدّ من الالتزام بجعل الحكم المماثل و الظاهري في مورد جريان الاستصحاب، و معلوم أنّ مخالفة الحكم الظاهري اللزومي معصية، بلا فرق بين مخالفته للواقع و مطابقته.

و هذا بخلاف قاعدة الطهارة و الحلّية لجعلهما تسهيلا و امتنانا على العباد في مشكوك الطهارة و الحلّية، و ليس لهما لزوم الموافقة و المخالفة.

الأمر الثالث: أنّ القطع قد يكون طريقيّا و قد يكون موضوعيّا،

و القطع الطريقي ما لم يؤخذ في لسان الدليل و موضوع الحكم، كما إذا قال الشارع:

«لا تشرب الخمر» و حصل القطع للمكلّف بخمريّة مائع في الخارج، و القطع الموضوعي: ما اخذ في موضوع الحكم و لسان الدليل بعنوان تمام الموضوع أو جزء الموضوع، كقوله: «لا تشرب مقطوع الخمريّة»، مثلا: إذا شربه القاطع، لا يقال له: إنّه متجرّي، بل يقال له: إنّه عاص؛ لتحقّق موضوع حكم الشارع و إن لم يكن بحسب الواقع خمرا.

إذا عرفت هذا فيقع البحث في التجرّي‏

- بمعنى نيّة المعصية و ارتكاب ما لا تكون معصية واقعا- مرّة في ترتّب استحقاق العقوبة عليه و عدمه، و اخرى في حرمته و عدمها، و ثالثة في قبحه و عدمه، و لا إشكال في كون البحث على الأوّل كلاميّا، كما لا إشكال في كونه بحثا فقهيّا على الثاني، و أمّا على الثالث‏

27

فجعل عنوان البحث: أنّ التجرّي هل يكون قبيحا أم لا؟ فهل ينطبق عليه عنوان المسألة الاصوليّة أم لا؟ لقائل أن يقول باصوليّته؛ إذ البحث إن انتهى إلى قبح التجرّي فيمكن بضميمة قاعدة الملازمة- أي كلّ ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته- إليه استنباط الحكم الفقهي، و هو أنّ التجرّي من المحرّمات في الشريعة، و معلوم أنّ هذا ضابطة لاصوليّة المسألة.

و جوابه: أوّلا: أنّ ملاك الاصوليّة أن تقع نتيجة البحث في كبرى القياس، كقولنا: «صلاة الجمعة ما دلّ خبر الواحد المعتبر على وجوبه»، و «كلّ ما دلّ الخبر على وجوبه فهو واجب»، فصلاة الجمعة بما أنّها دلّ الخبر على وجوبها تكون واجبة، بخلاف ما نحن فيه، فإنّا نقول: «التجرّي قبيح عقلا»، و «كلّ ما حكم العقل بقبحه فهو حرام شرعا»، فالتجرّي حرام شرعا، و أنت ترى وقوع مسألة الملازمة في كبرى القياس و وقوع مسألة التجرّي في صغرى القياس.

و ثانيا: أنّ جريان قاعدة الملازمة محدود بالنسبة إلى الحسن و القبح الواقعين في رتبة متقدّمة على الحكم الشرعي و سلسلة علله، نظير حكم العقل بقبح الظلم، و استكشاف حرمته شرعا من قاعدة الملازمة، و إذا كان حكم العقل في رتبة متأخّرة عن حكم الشرع فلا مجال لقاعدة الملازمة، نظير حكم العقل بقبح المعصية، فإنّه متأخّر عن حكم الشرع بحرمة شرب الخمر مثلا، و هكذا التجرّي متأخّر عن حكم الشرع بحرمة شرب الخمر و القطع بخمريّة مائع و شربه بنيّة المعصية، فصدق التجرّي متوقّف على ذلك، و لذا لا محلّ لجريان قاعدة الملازمة هنا، فلا يمكن أن يكون التجرّي بهذه الكيفيّة من مسائل علم الاصول.

28

و لكنّ المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) ذكر طريقا آخر لجعل المسألة اصوليّة، و هو أنّ الإطلاقات و العمومات نظير «لا تشرب الخمر»- مثلا- هل يشمل مقطوع الخمريّة و إن لم يكن بحسب الواقع خمرا أم لا؟ و على كلا التقديرين يستنبط الحكم الفقهي الفرعي.

و اشكل عليه بأنّ بحث الشمول و عدمه لا يكون بحثا اصوليّا؛ إذ البحث الاصولي فيها هو البحث عن حجّيّة العام و الإطلاق و قابليّتهما للتمسّك، و أمّا البحث عن تحقّق الإطلاق أو العموم لدليل و عدمه فلا يرتبط بالاصول؛ إذ البحث بهذه الكيفيّة يكون بحثا فقهيّا، كما نبحث في كتاب المكاسب بأنّ إطلاق: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ هل يشمل بيع المعاطاة أم لا؟

و جوابه: أوّلا: أنّه لا فرق بين ما نحن فيه و بحث الخطابات الشفاهيّة من حيث اختصاصها بالموجودين الحاضرين في زمان الخطاب أو الأعمّ منها و الغائبين بل المعدومين، مع أنّه لا شكّ في اصوليّة هذه المسألة، و هكذا البحث في أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما أنّهم مكلّفون بالاصول أم لا؟ و إن كان له عنوان القاعدة الفقهيّة.

و ثانيا: أنّ البحث هنا كلّي لا يختصّ بخطاب معيّن، و ذكر «لا تشرب الخمر» يكون بعنوان المثال، فإنّا نقول: إنّ متعلّق الأدلّة الواردة في باب المحرّمات مثل: «لا تشرب الخمر» و «لا تغصب» و ... هل يختصّ بالعناوين الواقعيّة أو أعمّ منها و من مقطوع الخمريّة و مقطوع الغصبيّة و إن لم يكن خمرا و غصبا بحسب الواقع؟ و هذه ليست بمسألة فقهيّة، بل تكون مسألة اصوليّة أو قاعدة فقهيّة. هذا تقريب كلام المحقّق النائيني (قدّس سرّه).

____________

(1) فوائد الاصول 3: 37- 39.

29

و أمّا التجرّي- سواء كان له عنوان اصولي أو غيره-

فيقع البحث فيه من جهتين:

الجهة الأولى: في أنّه قبيح عقلا أم لا؟

و لا خلاف في أنّ العقل كما يحكم بقبح المعصية كذلك يحكم بقبحه، إنّما الكلام في أنّه صفة الفاعل أو الفعل، و يستفاد من كلام الشيخ الأنصاري‏ (1) و المحقّق النائيني (قدّس سرّهما) (2) أنّه صفة الفاعل؛ إذ المتحقّق في الخارج هو شرب الماء، و اعتقاد كونه خمرا لا يوجب اتّصافه بالقبح؛ لعدم تغيير الواقع عمّا هو عليه بالاعتقاد، إلّا أنّ إبراز نيّة المعصية يكون بواسطة الفعل، فالفاعل متّصف بالقبح.

و المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(3) قائل بالقبح الفعلي؛ إذ القبيح في الواقع هو هتك حرمة المولى عملا، و الطغيان الخارجي عليه بعد النيّة و اعتقاد كونه معصية، و محصّل الطغيان و محقّقه هو الفعل، فلا محالة يكون الفعل متّصفا به.

و جوابه: أنّ بعد الاعتراف بأنّ المتحقّق في الخارج هو شرب الماء و أنّ الاعتقاد لا يوجب تغيير الواقعيّة، كيف يمكن أن يكون الفعل موصوف القبح؟!

و لكن لا يبعد أن يكون النزاع لفظيّا، بلحاظ أنّ العمل مبرز لقصد المعصية، و الإبراز معتبر في صدق عنوان التجرّي، و يمكن أن يكون صفة للفعل، و بلحاظ كشفه عن سوء سريرة المكلّف و جرأته في مقابل المولى، و يمكن أن يكون صفة الفاعل.

الجهة الثانية: في أنّ التجرّي حرام شرعا أم لا؟

فإنّ الدليل الأوّل على‏

____________

(1) الرسائل: 5.

(2) فوائد الاصول 3: 42.

(3) نهاية الأفكار 3: 30- 31.

30

حرمته ادّعاء الإجماع، و القول بأنّه و إن لم ينعقد على حرمة عنوان التجرّي و لكن انعقد في موارد لا ينطبق عليها سوى هذا العنوان، منها: في من ظنّ ضيق الوقت و أخّر الصلاة، ثمّ تبيّن الخلاف وسعة الوقت، حيث ادّعى الإجماع على عصيانه بتأخير الصلاة و استحقاقه العقاب، و ذلك لا يكون إلّا بناء على حرمة التجرّي.

و منها: في من سلك طريقا مظنون الضرر حيث ادّعي الإجماع أيضا على عصيانه و وجوب الإتمام عليه؛ لكون سفره سفر معصية و لو انكشف عدم الضرر، و هذا لا يتمّ أيضا إلّا بناء على حرمة التجرّي.

هذا، و لكن يرد عليه: أوّلا: أنّ الإجماع في الموردين المذكورين لم يتحقّق، و ليس بإجماع محصّل، و لا اعتبار للإجماع المنقول، و على فرض كونه محصّلا يحتمل أن يكون مستند المجمعين عبارة عن الأدلّة الاخرى، فلا فائدة في الإجماع على فرض صحّتها، و لا محلّ للفرع على فرض عدم تماميّة الأصل.

و ثانيا: أنّ كلّا من الموردين اللذين ادّعي عليهما الإجماع خارج عمّا نحن فيه و ليس من موارد التجرّي، أمّا في الأوّل فلأنّ ظنّ الضيق يكون تمام الموضوع؛ لوجوب المبادرة بالصلاة شرعا، فيكون الظنّ هنا موضوعيّا- نظير «لا تشرب مقطوع الخمريّة»- لا طريقيّا، ففي صورة المخالفة يتحقّق العصيان.

و هكذا في الثاني؛ إذ تكون للعلم بالضرر و ما يقوم مقامه حتّى الاحتمال العقلائي موضوعيّة للحكم، فلا محلّ هنا للتجرّي؛ لأنّ نفس الخوف موضوع للحرمة، كما أنّه مجوّز للإفطار في باب الصوم و إن انكشف الخلاف، فلا يتمّ الإجماع على حرمة التجرّي.

و يمكن أن يقال بحرمة التجرّي من طريق قبحه العقلي و انضمام قاعدة «كلّ‏

31

ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته».

و جوابه: أوّلا: أنّ قبح التجرّي قبح فاعلي لا قبح فعلي كما ذكرناه.

و ثانيا: على فرض كون القبح قبحا فعليّا و لكن مورد جريان قاعدة الملازمة المذكورة منحصر فيما كان حكم العقل في سلسلة المبادئ و علل حكم الشرع، و في رتبة متقدّمة عليه، و حكم العقل بقبح التجرّي هنا متأخّر عن حكم الشرع بمراتب، مع أنّ أصل قاعدة الملازمة محلّ كلام.

و ذكر المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) طريقا آخر لحرمة التجرّي و هو: أنّ الخطابات الأوّليّة تعمّ صورتي مصادفة القطع للواقع و مخالفته، و يندرج المتجرّي في عموم الخطابات الشرعيّة حقيقة، ببيان: أنّ التكليف لا بدّ و أن يتعلّق بما يكون مقدورا للمكلّف، و التكليف الذي له تعلّق بموضوع خارجي، كقوله:

«لا تشرب الخمر» و «صلّ في الوقت» و إن كان وجوده الواقعي مشروطا بوجود ذلك الموضوع من غير دخل للعلم و الجهل في ذلك، إلّا أنّ مجرّد الوجود الواقعي لا يكفي في انبعاث المكلّف و حركة إرادته نحوه، فإنّ الحركة و الانبعاث إنّما يكون بالوجود العلمي، و لا أثر للوجود الواقعي في ذلك، فالعلم و إن كان بالنسبة إلى الموضوع طريقيّا، إلّا أنّه بالنسبة إلى الاختيار و الإرادة و الانبعاث يكون موضوعيّا، و متعلّق التكليف إنّما يكون هو الاختيار و الانبعاث الناشئ عن العلم بالموضوع و التكليف، فيكون مفاد قوله:

«لا تشرب الخمر» هو لا تختر شرب ما أحرزت أنّه خمر، و هذا المعنى موجود في كلتي صورتي مصادفة العلم للواقع و مخالفته، فإنّه في صورة المخالفة قد تحقّق اختيار شرب ما احرز أنّه خمر، و المصادفة و المخالفة ليست اختياريّة،

____________

(1) فوائد الاصول 3: 44.

32

فلا تصلح لأن يتعلّق بها التكليف، فالذي يصلح لأن يتعلّق به التكليف ليس إلّا اختيار شرب ما أحرز أنّه خمر.

ثمّ قال: إنّ حاصل هذه الدعوى تتركّب من مقدّمتين:

الاولى: دعوى أنّ متعلّق التكليف هو الانبعاث و حركة الإرادة و الاختيار نحو ما احرز أنّه من مصاديق الموضوع الذي تعلّق به التكليف الواقعي.

الثانية: دعوى أنّ الإحراز و العلم يكون موضوعا على وجه الصفتيّة، بمعنى الاختيار و الإرادة و إن كان طريقا بالنسبة إلى الموضوع.

ثمّ أشكل عليهما بقوله: و لا يخفى عليك ما في كلتي المقدّمتين من المنع، أمّا في الاولى فلأنّ المتعلّق هو الفعل الصادر عن إرادة و اختيار، لا نفس الإرادة و الاختيار، فإنّ الإرادة و الاختيار تكون مغفولا عنها حين الفعل و لا يلتفت الفاعل إليها فلا يصلح لأن يتعلّق التكليف بها، فإذا كان متعلّق التكليف هو الشرب المتعلّق بالخمر الصادر عن إرادة و اختيار فالمتجرّي لم يتعلّق شربه بالخمر.

و أمّا في الثانية فلأنّ الإرادة و إن كانت تنبعث عن العلم لكن لا بما أنّه علم و صورة حاصلة في النفس، بل بما أنّه محرز للمعلوم، فالعلم يكون بالنسبة إلى كلّ من الإرادة و الخمر طريقا، بل العلم يكون في باب الإرادة من مقدّمات وجود الداعي، حيث إنّه تعلّق الإرادة بفعل شي‏ء بداعي أنّه الشي‏ء الكذائي، و هذا الداعي ينشأ عن العلم به، فدخله في الإرادة إنّما يكون على وجه الطريقيّة و الكاشفيّة عن المراد، لا على وجه الصفتيّة و الموضوعيّة.

و لكنّ المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1) استشكل على مجموعة مقالته بأنّ بعد الاعتراف‏

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 31.

33

بأنّ الخمر بوجوده الواقعي كان شرطا للتكليف، فضمّ المقدّمة الاخرى- أي دخالة العلم به في الانبعاث و الإرادة- لا ينتج إلّا فعليّة التكليف في ظرف العلم المصادف لا المطلق، فاستنتاج هذه النتيجة- أي كون مفاد قوله: «لا تشرب الخمر»: لا تختر شرب ما أحرزت أنّه خمر- ينافي دخل الخمريّة الواقعيّة في شرط التكليف.

كما أنّ في جعل الاختيار و الانبعاث تحت التكليف مسامحة اخرى؛ إذ هذه باصطلاحه من الطوارئ اللاحقة للتكليف، فيلحق بالانقسامات اللّاحقة.

مضافا إلى أنّ التكليف بشي‏ء إذا كان من شأنه الدعوة فلا جرم يكون المدعو إليه عنوانا في طول عنوان المعروض و إن كان العنوانان متّحدين ذاتا و منشئا، فما هو المعروض لا يعقل أخذ الإرادة فيه و لو قيدا؛ لأنّ الإرادة الناشئة عن التكليف معلول التكليف، فكيف يكون قيد موضوعه؟! فما توهّم في دفع المقدّمة الاولى مندفع بهذا الكلام؛ إذ الفعل الصادر عن الإرادة الناشئة عن دعوة التكليف معلول التكليف لا معروضه، فلا محيص من تجريد المعروض عن الإرادة رأسا، كما لا يخفى على الناظر الدقيق، و حينئذ هذا البرهان شاهد خروج الإرادة عن حيّز التكليف لا جهة الغفلة، كيف؟ و كثيرا ما نلتفت إلى إرادتنا حين الامتثال كما في العبادات، خصوصا عند الإخطار في النيّة.

مع أنّ شمول الخطابات للعاصي و المتجرّي ببيان المحقّق النائيني (قدّس سرّه) مستلزم للغويّة بحث التجرّي، مضافا إلى اشتمال بعضها للتعليل، مثل: «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر»، و من المعلوم أنّ المسكريّة من شأن الخمر الواقعي، و مضافا إلى اعتقاد العدليّة بتبعيّة الأوامر و النواهي للمصالح و المفاسد المتحقّقة في المتعلّق،

34

و لا شكّ في تقوّمها بالواقعيّات لا بما قطع كونه خمرا- مثلا- فلا طريق لإثبات الحرمة للتجرّي.

ثمّ إنّ المتجرّي بعد ما لم يكن مشمولا للخطابات الأوّليّة هل يمكن توجّه الخطاب إليه من الشارع باستناد القبح الفاعلي أم لا؟ و أشار المحقّق النائيني (قدّس سرّه) إلى طريقين لإمكانه:

الأوّل: أن يقول: أيّها المتجرّي أو العالم المخالف علمه للواقع، يجب عليك الاجتناب عن معلوم الخمريّة.

و يرد عليه: أوّلا: بأنّه لا يعقل؛ لأنّ الالتفات إلى العنوان الذي تعلّق به الخطاب ممّا لا بدّ منه، و المتجرّي لا يمكن أن يلتفت إلى أنّه متجرّ؛ لأنّه بمجرّد الالتفات يخرج عن كونه متجرّيا، فلا يمكن توجيه الخطاب على وجه يختصّ بالقبح الفاعلي فقط.

و ثانيا: أنّه لا موجب إلى هذا الاختصاص، فإنّ القبح الفاعلي مشترك بين المصادفة للواقع و المخالفة، بل هو في صورة المصادفة أتمّ و أكمل، فلو كان القبح الفاعلي مناطا للخطاب فلا بدّ و أن يكون الخطاب على وجه يعمّ صورة المصادفة و المخالفة.

و من هنا أشار إلى الطريق الثاني بأن يتحقّق هنا مضافا إلى الخطاب الأوّلي الذي موضوعه العناوين الواقعيّة خطاب آخر على وجه يعمّ العاصي و المتجرّي؛ بأن يقال: لا تشرب معلوم الخمريّة، ففي صورة إصابة القطع للواقع يتحقّق العصيان بالنسبة إلى الحكمين، و في صورة عدم الإصابة يتحقّق التجرّي بالنسبة إلى الخطاب الأوّل و يتحقّق العصيان بالنسبة إلى الخطاب الثاني.

35

ثمّ استشكل عليه: أوّلا: بأنّ الخطاب على هذا الوجه لا يمكن، لا لمكان أنّ العلم لا يكون ملتفتا إليه غالبا، فإنّ العلم عين الالتفات و لا يحتاج إلى التفات آخر، فلو لم يمكن أخذ العلم موضوعا في المقام فكيف يعقل أخذه موضوعا لحكم آخر؟! فهذا لا يصلح أن يكون مانعا لتوجيه الخطاب كذلك، كما لا يصلح عدم ثبوت المصلحة و المفسدة في المتعلّق في صورة المخالفة لأن يكون مانعا عن الخطاب بعد ما كان القبح الفاعلي مناطا للخطاب، بل المانع من ذلك هو لزوم اجتماع المثلين في نظر القاطع دائما، و إن لم يلزم ذلك في الواقع؛ لأنّ النسبة بين حرمة الخمر الواقعي و معلوم الخمريّة هي العموم من وجه و في مادّة الاجتماع يتأكّد الحكمان، إلّا أنّهما بالنسبة إلى المتجرّي عامّ و خاصّ مطلق، فإنّه يرى دائما علمه مطابقا للواقع، ففي مادّة الاجتماع إمّا يكون اجتماع المتضادّين أو المثلين.

و ثانيا: بأنّه لو فرض أنّ للخمر حكما و لمعلوم الخمريّة أيضا حكما، فبمجرّد العلم بخمريّة شي‏ء يعلم بوجوب الاجتناب عنه، الذي فرض أنّه رتّب على ذات الخمر، فيكون هو المحرّك و الباعث للاجتناب، و الحكم الآخر المترتّب على معلوم الخمريّة لا يصلح لأن يكون باعثا و يلزم لغويّته، و ليس له موردا آخر يمكن استقلاله في الباعثيّة.

و جواب الإشكال الأوّل: أنّ مقام الإنشاء و جعل الحكم لا يرتبط بمقام الامتثال كما مرّ في مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإنّ متعلّق الأحكام في مقام الجعل عبارة عن الطبائع و الماهيّات، و مقام الامتثال عبارة عن عالم الوجود الخارجي، و لذا قلنا بجواز الاجتماع في محلّه.

و فيما نحن فيه أيضا لا منافاة بين الحكم بحرمة الخمر، و الحكم بحرمة معلوم‏

36

الخمريّة في مقام الجعل و الإنشاء؛ لكونهما عامّين من وجه، و مخالفة المكلّف في مقام الامتثال و شربه معلوم الخمريّة بسوء الاختيار لا يرتبط بمقام الإنشاء، مع أنّ كون المكلّف متجرّيا لا يوجب تغيير النسبة بينهما، و هو أيضا يعتقد بكون النسبة عامّين من وجه مع قطع النظر عن نفس هذه الواقعة، فلا يصحّ الإشكال باجتماع المثلين.

و جواب الإشكال الثاني: أنّ إنشاء الحكم بحرمة معلوم الخمريّة يمكن أن يكون بداعي انبعاث العبد.

توضيح ذلك: أنّ غرض المولى عدم تحقّق المنهي عنه أصلا، و لكنّه يلاحظ عدم انبعاث العبد بحكم واحد و حرمة واحدة، و أمّا إذا تعدّد الحكم و العقاب فيحصل له الانبعاث، فما ذكره من لغويّته و عدم ترتّب الأثر عليه ليس بصحيح، كما لا يخفى.

و استدلّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) على عدم إمكان توجّه خطاب خاصّ إلى المتجرّي بأنّ الخطاب بعنوان المتجرّي مستحيل، و خطاب «لا تشرب معلوم الخمريّة» و إن كان في نفسه صحيحا، و لكنّه غير ملتفت إليه، فإنّه يرى قطعه مطابقا للواقع، و لذا يقول في مقام جواب: «ما ذا شربت؟» شربت الخمر، مع أنّه لا بدّ في الموضوع و المتعلّق من كونهما موردا للالتفات.

و ما ذكرناه عن المحقّق النائيني (قدّس سرّه) من أنّ العلم عين الالتفات و لا يحتاج إلى التفات آخر ... ناظر إلى الجواب عن صاحب الكفاية (قدّس سرّه).

و التحقيق: بعد تماميّة كلام النائيني (قدّس سرّه) في الجملة: أنّ القطع- سواء كان موافقا للواقع أو مخالفا له- لا استقلال له وجدانا، بل يكون طريقا و آلة إلى‏

____________

(1) كفاية الاصول 2: 13.

37

الواقع، و الآلة تكون مغفولا عنها نوعا.

و لكنّ الالتفات إلى العناوين الغير الملتفتة قد يكون مستلزما لزوال هذه العناوين، مثل: عنوان النسيان و التجرّي و نحو ذلك، و قد لا يكون كذلك، مثل:

عنوان العلم؛ إذ العلم عين الالتفات، و لذا يقول المتجرّي في جواب سؤال: «ما ذا شربت؟»: شربت الخمر عن علم و عمد، فيلاحظه استقلالا.

و الحاصل: أنّ طريق حرمة التجرّي منحصر بثلاثة طرق:

الأوّل: توجيه الخطاب إلى نفس عنوان التجرّي، و قد عرفت أنّه ليس بصحيح؛ إذ لا بدّ في كلّ المحرّمات من إحراز الموضوع، و هو هنا مستلزم لزوال الموضوع.

الطريق الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني (قدّس سرّه) و هو: أن يكون الخطاب بنحو يعمّ العاصي و المتجرّي، كقوله: «لا تشرب معلوم الخمريّة» و قد مرّ عن المحقّق النائيني (قدّس سرّه)(1) أنّه لغو بعد تحقّق الخطاب الأوّلي، أي «لا تشرب الخمر».

و يرد عليه: أنّ المقصود من معلوم الخمريّة في موضوع الحكم إن كان العلم المخالف للواقع فهذا نظير عنوان المتجرّي، فإنّ العالم لا يرى علمه مخالفا للواقع، فلا يصحّ توجّه الخطاب إلى عنوان لا يمكن أن يكون موردا للالتفات أصلا.

و إن كان المراد منه العلم المطابق للواقع فلا يثبت المدّعى؛ لشموله صورة العصيان فقط، مع أنّ المدّعى هو حرمة التجرّي.

و إن كان المراد منه مطلق العلم- سواء كان مطابقا للواقع أو مخالفا له- فهو مستلزم لتعدّد العصيان و العقوبة في صورة موافقة العلم للواقع، مع أنّه لم يلتزم‏

____________

(1) فوائد الاصول 3: 45- 46.

38

به أحد، و القول بالتداخل يحتاج إلى دليل.

الطريق الثالث: أن يقول الشارع في الابتداء: «لا تشرب الخمر» ثمّ قال:

«كلّ معلوم الحرمة حرام بالحرمة الاستقلاليّة»، و هو مستلزم للتسلسل، فإنّه من القضايا الحقيقيّة التي تشمل نفسها؛ إذ لا شكّ في كون معلوم الحرمة من المحرّمات الواقعيّة، ففي كلّ مورد صدق عنوان «حرام» ينطبق هذا الكلّي عليه، و هذا ينتهي إلى التسلسل.

الجهة الثالثة في التجرّي: أنّه يوجب استحقاق العقوبة أم لا؟

و اختار صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) و المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه)(2) القول بثبوت استحقاق العقوبة في مورده، و خالفهما الشيخ الأعظم الأنصاري‏ (3) و المحقّق النائيني (قدّس سرّهما) (4)، و قد عرفت عدم ثبوت حرمته و لكن مع ذلك قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه): بأنّ الحقّ أنّه يوجبه؛ لشهادة الوجدان بصحّة مؤاخذة المتجرّي و ذمّه على تجرّيه، و هتك حرمته لمولاه، و خروجه عن رسوم عبوديّته، و كونه بصدد الطغيان و عزمه على العصيان، و لا تفاوت بين المعصية و التجرّي من هذه الناحية؛ إذ الوجدان يشهد بوحدة مناط استحقاق العقوبة فيهما.

و قال المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه)(5) توضيحا لذلك: إنّ مناط استحقاق العقوبة في مورد المعصية و ارتكاب الحرمة، هل يكون صرف مخالفة التكليف التحريمي، أو تفويت غرض المولى، أو اشتمال الشي‏ء الحرام على مفسدة لازمة

____________

(1) كفاية الاصول 2: 10.

(2) نهاية الدراية 3: 41.

(3) الرسائل: 5.

(4) فوائد الاصول 3: 49.

(5) نهاية الدراية 3: 29.

39

الاجتناب؟ و معلوم أنّ الجميع لا يصلح أن يكون مناطا له، فإنّها تتحقّق في مورد ارتكاب الحرام جهلا، و لكن مع ذلك لا خلاف في أنّ الجاهل لا يستحقّ العقوبة، و من هنا نستكشف أنّه يتحقّق في المعصية الواقعيّة مناط آخر لاستحقاق العقوبة، و هو الطغيان في مقابل المولى و الخروج عن رسم العبوديّة و العزم على العصيان، و هتك حرمة المولى، و تتحقّق هذه العناوين في المتجرّي أيضا من دون فرق بينهما.

و لكن لا بدّ لنا من ذكر أمرين بعنوان المقدّمة للبحث:

الأوّل: أن يكون وحدة الملاك لاستحقاق العقوبة في المعصية الواقعيّة مفروغا عنه، و من الامور المسلّمة.

الأمر الثاني: أن يكون الملاك في باب التجرّي لاستحقاق العقوبة عين ما هو الملاك له في المعصية الواقعيّة، فيتوقّف إثبات استحقاق العقوبة في مورد التجرّي على إحراز المناط في المعصية و جريانه بعينه في التجرّي.

إذا عرفت ذلك فنقول: لا شكّ في عدم صلاحية تصوّر شرب الخمر- مثلا- لأن يكون مناطا لاستحقاق العقوبة في المعصية، كما أنّ التصديق بفائدته لا يصلح لذلك، و هكذا إرادته و العزم على ارتكابه؛ إذ العقل حاكم بعدم استحقاق العقوبة بمجرّد نيّة المعصية قبل تحقّقها خارجا.

و لكن تدلّ عدّة روايات على تحقّق استحقاق العقوبة في مورد نيّة المعصية، و عدّة منها على عدم تحقّقه فيه، و لا بدّ من حمل الروايات النافية على نفي العقوبة الفعليّة، و المثبتة على استحقاق العقوبة بعد فرض تماميّتها سندا و دلالة، إلّا أنّه مستلزم لتحقّق العقوبتين في مورد المعصية؛ إذ لا شكّ في الفرق شرعا بين من عزم على ارتكاب المعصية و لكنّها لم تتحقّق منه لمانع خارجي و من‏

40

عزم و ارتكبها، مع أنّه لم يلتزم أحد بتعدّد العقوبة في المعصية.

و هذا يهدينا إلى عدم قابليّة الروايات للاستناد، فلا تكون إرادة المعصية أيضا مناطا لاستحقاق العقوبة.

ينبغي الالتفات إلى أنّ العناوين الثلاثة قد تقدّمت عند نقله (قدّس سرّه) عبارة المحقّق الأصفهاني حيث جاء فيها: «إنّ مناط استحقاق العقوبة في مورد المعصية و ارتكاب الحرمة، هل يكون صرف مخالفة التكليف التحريمي، أو تفويت غرض المولى، أو اشتمال الشي‏ء الحرام على مفسدة لازمة الاجتناب».

العنوان الرابع‏ (*) الذي يمكن أن يكون ملاكا لاستحقاق العقوبة في باب المعصية: هو ارتكاب ما فيه المفسدة، و ما هو مبغوض للمولى واقعا، و لكن قد عرفت النقض فيه بأنّ الجاهل الذي يشرب الخمر اعتمادا على أصالة الحلّية أو في صورة القطع بمائيّته يرتكب ما فيه المفسدة اللازمة الاجتناب و ما فيه مبغوض للمولى، مع أنّ استحقاق عقوبة الجاهل لا يكون قابلا للالتزام، و من هنا يستفاد أنّ هذا العنوان أيضا لا يكون مناطا لاستحقاق العقوبة.

العنوان الخامس الذي يصلح للمناطيّة: هو مخالفة تكليف عن علم و عمد و اختيار، و لا يفيد إضافة هذا القيد إلى العنوان الرابع؛ لعدم شموله للنواهي الاختياريّة؛ إذ لا مفسدة في متعلّقها أصلا، كما ذكره استاذنا السيّد البروجردي (قدّس سرّه).

و هذا العنوان ممّا يصلح للمناطيّة بنظر العقل كما يشهد به الوجدان و عليه آراء العقلاء، فمخالفة تكليف المولى عن عمد و التفات ملاك لاستحقاق‏

____________

(*) ينبغي الالتفات إلى أنّ العناوين الثلاثة قد تقدّمت عند نقله (قدّس سرّه) عبارة المحقّق الأصفهاني حيث جاء فيها:

إنّ مناط استحقاق العقوبة في مورد المعصية و ارتكاب الحرمة هل يكون صرف مخالفة التكليف التحريمي، أو تفويت غرض المولى، أو اشتمال الشي‏ء الحرام على مفسدة لازمة الاجتناب.

41

العقوبة، سواء كان التكليف ناشئا عن المصلحة أو المفسدة في المتعلّق، أم صدر لأغراض أخر و لكنّه مختصّ بالمعصية.

العنوان السادس الذي يمكن أن يكون الملاك: هو الطغيان على المولى و هتك حرمته و الخروج عن رسم العبوديّة و إن كان العاصي و المتجرّي مشتركين فيه، و لكن لا يمكن جعله مناطا مستقلّا لاستحقاق العقوبة، فإنّه مستلزم لتعدّد العقوبة على معصية واحدة بعد فرض كون العنوان الخامس ملاكا بنظر العقل و العقلاء، ففي معصية واحدة يتحقّق الملاكان و يترتّب عليهما عقابان، مع أنّه ليس بصحيح، كما ذكرناه في مقدّمة البحث.

فالمستفاد ممّا ذكرناه أنّ ما يصلح للمناطيّة هو العنوان الخامس الذي يختصّ بالمعصية الواقعيّة، و بهذا يظهر ضعف ما ذكره المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه)، فإنّ عدم صلاحية العنوان الرابع للملاكيّة لا يستلزم لأن يكون العنوان السادس ملاكا للعقاب، فلا يتحقّق في التجرّي مناطا لاستحقاق العقوبة كعدم تحقّق الحرمة الشرعيّة فيه.

و لكنّ القائلين باستحقاق العقوبة في التجرّي اختاروا طرقا متعدّدة للتفصّي من تعدّد العقوبة في معصية واحدة، و قال المحقّق العراقي (قدّس سرّه)(1): إنّ الملاك لاستحقاق العقوبة هو الطغيان على المولى و الجرأة عليه، و هذه جهة مشتركة بين العاصي و المتجرّي، بلا فرق بينهما حتّى في الشدّة و الضعف و النقص و الكمال، فكما أنّ العاصي يكون طاغيا على المولى و خارجا عن رسم العبوديّة، كذلك المتجرّي يكون طاغيا عليه، فلا مجال لتعدّد العقوبة في المعصية.

____________

(1) نهاية الأفكار 2: 31.

42

و لكن بعد مراجعة الوجدان يتّضح كمال الفرق بين العاصي و المتجرّي كما ذكرناه، و هذا يقتضي عدم تحقّق العقوبة في التجري أو تعدّدها في المعصية.

و قال صاحب الفصول (قدّس سرّه)(1) بتداخل العقابين في المعصية.

و أجاب عنه الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)(2) بأنّه إن اريد بتداخل العقابين وحدة العقاب فلا وجه له، مع كون التجرّي عنوانا مستقلّا في استحقاق العقاب؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح.

و إن اريد عقاب زائد على عقاب محض التجرّي فهذا ليس تداخلا؛ لأنّ كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد على ما كان فيه أحدهما.

و التحقيق في المسألة: أنّ التجرّي بالمعنى الاصطلاحي لا يكون قابلا للاجتماع مع المعصية؛ إذ العمل الخارجي إمّا يكون تجرّيا، و إمّا يكون معصية، فينتفي موضوع مسألة التداخل، و لا تصل النوبة إلى البحث من أنّ المقصود من التداخل ما هو، فعلى فرض مناطيّة الطغيان لاستحقاق العقوبة يكون لكليهما عنوانان مستقلّان للعقاب، و لا يمكن اجتماعهما في مورد، فلا مجال لهذا البحث، من دون فرق بين القول باستحقاق العقوبة في باب التجرّي و عدمه.

و لا وجه لكون الفعل المتجرّى به موجبا لاستحقاق العقوبة؛ إذ لا قبح فيه، و الاعتقاد المخالف للواقع لا يوجب تبديل عنوان حسنه بعنوان القبح؛ لعدم تأثير جهل المكلّف و خطأه الاعتقادي في الواقعيّة الخارجيّة عقلا، و لا نرى وقوع مقطوع الخمريّة منهيّ عنه في الأدلّة، و بالتالي لا يكون حراما، فلا دليل على استحقاق العقوبة في الفعل المتجرّى به بعد ما لم يكن قبيحا و لا محرّما.

____________

(1) الفصول الغروية: 89.

(2) الرسائل: 7.

43

و لكن ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) دليلا آخر لعدم القبح و الحرمة و استحقاق العقوبة فيه، و هو: أنّ الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع الحرمة لا يكون اختياريّا، فإنّ القاطع لا يقصده إلّا بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي- كعنوان الخمريّة- لا بعنوانه الطارئ الآلي- أي عنوان مقطوع الخمريّة- بل لا يكون غالبا بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلا و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا مع كونه مغفولا عنه؟! و لا يكاد تكون صفة موجبة لذلك إلّا إذا كانت اختياريّة.

ثمّ ذكر في ذيل كلامه بعد القول بعدم إراديّة الإرادة و ذاتيّة الكفر و العصيان و عدم اختياريّة السعادة و الشقاوة، أنّه لم يصدر من المتجرّي فعل اختياري، فإنّ ما أراده من شرب الخمر لم يتحقّق في الخارج، و ما تحقّق فيه من شرب الماء لم يكن مقصودا له.

و نصّ كلامه أنّه: بل عدم صدور فعل منه في بعض أفراده بالاختيار- كما في التجرّي- بارتكاب ما قطع أنّه من مصاديق الحرام، فلا معنى للحكم بقبح الفعل المتجرّى به، أو حرمته أو استحقاق العقوبة عليه.

و لكن لا شكّ في بطلان هذا الكلام؛ إذ الوجدان حاكم بأنّه ليس كالمكره؛ لصدور شرب المائع عنه عن اختيار، و إن لم يصدر شرب الماء منه اختيارا، و لازم كلامه (قدّس سرّه) عدم بطلان الصوم من شرب مقطوع الخمريّة إذا كان في الواقع ماء؛ لعدم صدور أيّ فعل اختياري منه، و هذا ليس قابلا للالتزام، فلا يصحّ هذا الاستدلال.

و الحاصل: أنّه لا يتحقّق في الفعل المتجرّي به جهة مقبّحة، و لا يدلّ دليل‏

____________

(1) حاشية الرسائل: 13، كفاية الاصول 2: 14- 16.

44

على حرمته الشرعيّة، و لا محالة تنتفي مسألة استحقاق العقوبة.

إلى هنا تمّ البحث في باب التجرّي، و جميع ما ذكرناه فيه يجري في باب الانقياد أيضا، طابق النعل بالنعل.

45

الإرادة اختياريّة أم لا؟

ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه)(1) قد تعرّض لمسألة الإرادة و عدم إراديّتها، و لا بدّ لنا من ذكرها إجمالا، و نقول:

الكلام هنا يقع في مسائل:

المسألة الأولى: أنّه تتحقّق هنا قاعدة كلّية،

و هي: أنّ كلّ فعل اختياريّ- سواء كان من الأفعال الجوارحيّة أم الجوانحيّة- لا بدّ و أن يكون مسبوقا بالإرادة و الاختيار.

ثمّ وقع البحث في نفس الإرادة من حيث كونها اختياريّة أم لا، و الالتزام بعدم اختياريّتها مستلزم لعدم اختياريّة أساس جميع الأفعال الاختياريّة، فلا مجال لترتّب الآثار من الثواب و العقاب عليها؛ إذ كيف يمكن تعلّق التكليف بما كان أساسه اضطراريّا، فلا يمكن القول بعدم اختياريّة الإرادة.

و إن قلنا باختياريّتها فتحتاج إلى إرادة اخرى؛ إذ لا بدّ في كلّ فعل اختياري أن يكون مسبوقا بالإرادة، و ينقل الكلام إلى الإرادة الثانية، و هي إن كانت اختياريّة تحتاج إلى إرادة اخرى للقاعدة المذكورة، فإن كانت هذه الإرادة هي الاولى لزم الدور، و إن كانت إرادة ثالثة فيلزم التسلسل إلى ما لا نهاية، بعد عدم إمكان الالتزام باضطراريّة الإرادة الثانية كالاولى؛ إذ لا يبقى‏

____________

(1) كفاية الاصول 2: 14.

46

مجال لاستحقاق العقوبة على المخالفة و استحقاق المثوبة على الموافقة.

و قال المحقّق الخراساني (قدّس سرّه)(1) في مقام الجواب عنه: إنّ الاختيار و إن لم يكن بالاختيار إلّا أنّ بعض مبادئه غالبا يكون وجوده بالاختيار؛ للتمكّن من عدمه بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللّوم و المذمّة.

و يستفاد من ذيل كلامه (قدّس سرّه) أنّ المراد من بعض المبادئ الذي يكون غالبا بالاختيار هو العزم و ما بعده، و أنّ المبادئ التي تتحقّق قبله- مثل: تصوّر المراد و التصديق بفائدته و الميل النفساني و الرغبة إليه- تكون غير اختياريّة، بخلاف العزم و الشوق المؤكّد و تحريك العضلات نحو المراد؛ إذ يمكن للإنسان بعد تحقّق المقدّمات ترك المراد لترتّب العواقب و المفاسد عليه.

و يرد عليه: أوّلا: أنّ لازم هذا البيان التفصيل بين صورة الغالب و غير الغالب، و أنّ التكليف و آثاره لا يتحقّق في صورة غير الغالب، و هذا ممّا لا يكون قابلا للالتزام، و لم يلتزم به أحد.

و ثانيا: ما معنى اختياريّة العزم و ما بعده؟ إن كانت بمعنى المسبوقيّة بإرادة اخرى فننقل الكلام إليها، و يعود إشكال الدور و التسلسل بعينه.

و إن قلت: لا يلزم في العزم و ما بعده المسبوقيّة بالإرادة.

قلنا: ما الدليل لنقض القاعدة المذكورة هنا، و لذا لا يندفع الإشكال بهذا البيان.

و أجاب المرحوم صدر المتألّهين عن الإشكال في كتاب الأسفار بما حاصله: أنّ الوجدان حاكم بالفرق بين الأفعال الصادرة عن الإنسان بالاختيار- مثل: حركة اليد الناشئة عن الإرادة- و الأفعال الصادرة عنه‏

____________

(1) المصدر السابق.

47

من غير اختيار، مثل: حركة يد الإنسان المبتلى بمرض الارتعاش، فإن لاحظنا الأفعال الاختياريّة بنظر العرف و العقلاء يصحّ تعلّق التكليف بها و جعل القانون بالنسبة إليها، و ترتّب الثواب و العقاب و المدح و الذمّ على موافقته و مخالفته، فيكون التكليف في محدودة الأفعال الاختياريّة قابلا للجعل و التصويب.

و إن لاحظناها بنظر فلسفي بعد ارتباط الفلسفة بالواقعيّات و الحقائق يصحّ القول بأنّ الفعل الاختياري ما يكون مسبوقا بالإرادة، و معلوم أنّ الإرادة واقعيّة نفسانيّة كسائر الصفات النفسانيّة، فلا بدّ لنا من ملاحظة أوصاف مشابهة للإرادة لاستفادة أنّ نفس الإرادة هل تقع متعلّقا لإرادة اخرى أم لا؟

و نقول: إنّ صفة الحبّ من الصفات النفسانيّة ذات الإضافة و يتوقّف وجودها بالمحبّ و المحبوب، و لذا يصحّ السؤال هنا عن المحبّ و متعلّق الحبّ بأنّه بما تعلّق؟ و من المحبّ؟ فلا مجال للسؤال عمّا كان خارجا عن دائرة الحبّ و المحبّ و المحبوب، كقولنا: هل تعلّق بحبّك حبّ آخر أم لا؟ حتّى ننقل الكلام إلى الحبّ الثاني، و هكذا؛ إذ لا واقعيّة وراء ذلك.

و هكذا في باب العلم فإنّه أيضا صفة ذات إضافة إلى العالم و المعلوم، و إذا تحقّق العلم تتحقّق ثلاثة عناوين، و يصحّ السؤال في محدوديّتها، و لا يصحّ السؤال: هل لك علم بعلمك؟ حتّى يلزم الإشكال المذكور؛ لعدم تحقّق واقعيّة رابعة حتّى نسأل عنها.

و الإرادة نظير العلم و الحبّ واقعيّة نفسانيّة ذات الإضافة و تحقّقها متوقّف على تحقّق المريد و المراد، و لا مجال هنا أيضا للسؤال عن أنّ نفس الإرادة المتعلّقة بشي‏ء المراد هل تقع متعلّقة لإرادة اخرى أم لا؟ هذا تمام كلامه (قدّس سرّه).

48

و التحقيق: أنّ هذا البيان و إن كان صحيحا و لكنّه ليس بكامل؛ إذ يصحّ السؤال عن منشأ الإرادة التي تكون واقعيّة من الواقعيّات النفسانيّة؛ لكونها أمر حادث و مسبوقة بالعدم، و يمكن أن يقال: إنّ العامل المؤثّر في تحقّق الإرادة أمر غير اختياري و لذا لا بدّ لنا من ذكر متمّم لهذا البيان بأنّ أفعال الإنسان و أعماله قد تكون جوارحيّة و قد تكون جوانحيّة، أمّا الأعمال الجوارحيّة فبعضها اختياري و بعضها غير اختياري كحركة يد المرتعش، و الفارق بينهما أنّ العمل الاختياري مسبوق بالإرادة بخلاف العمل الاضطراري.

و أمّا الأعمال الجوانحيّة و الأوصاف النفسانيّة- كالإرادة- فلا بدّ لها من المقدّمات و المبادئ مثل التصوّر و التصديق بالفائدة ... و لا شكّ في أنّ التصوّر أيضا واقعيّة قائمة بالنفس يحتاج في وجوده إلى شخص متصوّر و شي‏ء متصوّر، فهل هو اختياري أم لا؟

و القول بعدم اختياريّته خلاف الوجدان، فإنّ الاستاذ إذا أمر تلامذته بتهيئة العناوين الفقهيّة لأخذ واحد منها لغرض التحقيق حوله يكون مختارا في تصوّرها و اختيار واحد منها بعد إتيانهم بها.

و إن قلنا: باختياريّته فما معنى اختياريّته؟ هل تجري هنا أيضا القاعدة المذكورة بأنّ كلّ فعل اختياري لا بدّ و أن يكون مسبوقا بالإرادة؟ و الوجدان يأبى ذلك، فلا محالة تكون القاعدة المذكورة محدودة بالأعمال الجوارحيّة، و أمّا اختياريّة التصوّر فتكون بمعنى عناية الباري بحصّة من خلّاقيّته إلى النفس الإنسانيّة بمقتضى قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي‏ (1)، و النفس تقدر على أن تتصوّر بالقدرة الإلهيّة التي أعطاها الباري، و هكذا التصديق بالفائدة فهو أمر

____________

(1) الحجر: 29.

49

اختياري، لا بمعنى اختياريّته المسبوقة بالإرادة؛ لاستلزامه للدور و التسلسل مع مخالفته للوجدان، بل معناها القدرة على التصديق بالفائدة بعناية اللّه تبارك و تعالى، و هكذا نفس الإرادة فإنّها من الامور الاختياريّة لا بمعنى المسبوقيّة بالإرادة، بل بمعنى إهداء الخالق حصّة و شعاعا من خلّاقيّته إلى النفس الإنسانيّة؛ و لذا يكون الإنسان قادرا على خلق التصوّر و التصديق بالفائدة و الإرادة، و من هنا يقول: أنا القادر على الإرادة.

و القاعدة المذكورة هنا نظير ما يقول به المادّيّون: بأنّ كلّ موجود يحتاج إلى العلّة، و أنّه يشمل الواجب الوجود أيضا، و الحال أنّ الافتقار إلى العلّة يرتبط بالماهيّات الممكنة التي تكون نسبتها إلى الوجود و العدم على السواء، و أمّا واجب الوجود فلا معنى لاحتياجه في الوجود إلى العلّة؛ إذ الوجود له ضروريّ الثبوت فلا بدّ من ملاحظة محدودة هذه القواعد.

و يؤيّد اختياريّة الإرادة ما ذكره صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في باب المشتقّ من إطلاق المشتقّات على الواجب الوجود و الممكن الوجود على السواء، فلا فرق بين قولنا: «اللّه تعالى عالم» و قولنا: «الإنسان عالم» من حيث مفهوم العالم، و الفرق بينهما من حيث إنّ علم اللّه تعالى عين ذاته، و علم الإنسان خارج عن ذاته و زائد عليه، و أنّه تعالى عالم بكلّ شي‏ء و علم الإنسان محدود، و لكن لا فرق من حيث إطلاق العالم عليهما.

و نحن نقول: يتحقّق هذا المعنى في باب الإرادة أيضا، فإنّ إطلاق المريد على اللّه تعالى و على الإنسان على السواء، إلّا أنّ إرادة اللّه تعالى عين ذاته و إرادة الإنسان أمر حادث توجدها النفس الإنسانيّة، و هذا فرق الواجب و الممكن لا فرق الإرادة فيهما.

50

فالملاك في اختياريّة الفعل هو صدوره عن إرادة من دون أن تكون هذه الإرادة مسبوقة بإرادة اخرى، فإنّ هذا المعنى في إرادة الباري مستلزم لأن يكون سبحانه و تعالى محلّا للحوادث، فإنّ حدوث صفة في محلّ مستلزم لحدوث قابليّة و استعداد في المحلّ لها، فيلزم تركّبه تعالى من جهة الفعليّة بالنظر إلى الذات وجهة القابليّة و الاستعداد بالنظر إلى حدوث الإرادة، و المركّب محتاج إلى أجزائه، و المحتاج ممكن، و الممكن لا يكون واجبا لذاته، فيلزم انقلاب الواجب إلى الممكن، و هو محال.

المسألة الثانية: في بيان المراد من جملة: «الذاتي لا يعلّل»

و أنّ السعادة و الشقاوة من مصاديقه أم لا؟

و الذاتي قد يطلق و يراد به ذاتي باب الإيساغوجي- أي الكلّيات الخمسة- و المراد منه الجنس و الفصل و النوع المركّب منهما، و قد يطلق و يراد به ذاتي باب البرهان، و معناه أعمّ من الذاتي في باب الإيساغوجي؛ لأنّه يشمل لوازم الماهيّة كالزوجيّة للأربعة، بل مثل الوجود للواجب الوجود، و الامتناع لشريك الباري.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ المراد من الذاتي في قاعدة «الذاتي لا يعلّل» هو الذاتي في باب البرهان، و أمّا الدليل على أنّه لا يعلّل فهو: أنّ كلّ محمول إذا قسناه إلى موضوعه لا يخلو عن أحد الامور التالية:

الأوّل: أن يكون المحمول ضروريّ الثبوت بالنسبة إلى موضوعه كالحيوان الناطق بالقياس إلى الإنسان.

الثاني: أن يكون المحمول ضروري العدم بالنسبة إليه كالحيوان الناهق بالقياس إلى الإنسان.

51

الثالث: أن يكون المحمول بالنسبة إليه متساوي الطرفين كالوجود بالقياس إلى ماهيّة الإنسان.

و من الواضح أنّ التعليل في الأوّل يخالف كون المحمول ضروريّ الثبوت لموضوعه، كما أنّ التعليل في الثاني ينافي كونه ضروري العدم للموضوع، و أمّا إذا كانت النسبة متساوية الطرفين فلا بدّ من العلّة في اتّصاف الموضوع بالمحمول؛ لأنّ ما يمكن أن يتّصف بشي‏ء و أن لا يتّصف به لا يمكن أن يتّصف به بلا علّة، و لذا يصحّ السؤال عن علّة اتّصاف الإنسان بالوجود و اتّصاف زيد بالقيام، و لا يصحّ السؤال عن علّة ناطقيّة الإنسان و إنسانيّته، و عن موجوديّة واجب الوجود، و امتناعيّة شريك الباري، و عن عدم ناهقيّة الإنسان؛ إذ الذاتي لا يعلّل.

المسألة الثالثة: أنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) صرّح بأنّ السؤال عن شقاوة الإنسان و سعادته يكون بمنزلة السؤال عن ناطقيّة الإنسان و ناهقيّة الحمار؛

لكونهما ذاتيّين له، و الذاتي لا يعلّل، و لا بدّ لنا من ملاحظة السعادة و الشقاوة من حيث المفهوم، و أنّ الإنسان في أيّ مرحلة يتّصف بهما.

و لا يخفى أنّه لا فرق بين العرف و الشرع في مفهوم السعادة و الشقاوة، و السعيد يقال لمن كان واصلا بآماله النفسانيّة و أغراضه الدنيويّة، و الشقيّ في مقابله، إلّا أنّ الآمال و الأهداف تتفاوت بحسب الأشخاص و الأفراد، و بنظر الشرع و العقلاء؛ إذ الشارع يلاحظ الدنيا بعنوان المزرعة و المعبر للآخرة و الجنّة و لذا يعبّر في القرآن: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ* وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي‏

52

الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ... (1).

و أمّا العقلاء الغير المتديّنين فيعتقدون بأنّ السعادة عبارة عن الإيصال إلى الأهداف و الآمال الدنيويّة من مقام الرئاسة ... بحسب اختلاف أنظارهم، و البحث هنا حول السعادة و الشقاوة بنظر الشرع، و قد عرفت في الآية السابقة أنّ السعادة طريق ينتهي إلى الجنّة، و الشقاوة طريق ينتهي إلى النار.

و آية اخرى تكون بمنزلة التفسير لها، و هي قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى‏* وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى‏* وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏ (2)، و الظاهر أنّ السعادة عبارة عن الخوف من مقام الربّ، و نهي النفس الأمّارة بالسوء عن الهوى بالاختيار و الإرادة، و هذا يوجب الإيصال إلى الجنّة، و الشقاوة عبارة عن الطغيان و اختيار الحياة الدنيويّة، و هذا ينتهي إلى النار، و يستفاد من إسناد الفعل إلى الإنسان أنّهما أمران اختياريّان.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّه لا ترتبط السعادة و الشقاوة بقاعدة «الذاتي لا يعلّل»، فإنّهما ليستا من مقولة الجنس و لا الفصل، و لا النوع بالنسبة إلى الإنسان، كما هو واضح.

و هكذا لا يكونا من لوازم ماهية الإنسان؛ إذ تتحقّق في لازم الماهيّة خصوصيّتان:

الاولى: أنّ تصوّر الماهيّة يوجب الانتقال إلى اللازم.

الثاني: أنّه لا مدخليّة للوجود الذهني و الخارجي في لازم الماهيّة؛ لكون‏

____________

(1) هود: 106- 108.

(2) النازعات: 37- 41.