دراسات في علم الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد علي الهاشمي الشاهرودي المزيد...
535 /
7

تمهيد

لا يخفى أنّ البحث عن القطع غير داخل في مسائل هذا العلم، لما ذكرناه في تعريفه من أنّ الميزان في كون المسألة أصولية أن تقع نتيجتها في طريق الاستنباط بأن تكون كبرى كلية لو انضم إليها صغراها أنتجت حكما فرعيا، و من البديهي انّ القطع بالحكم لا يقع في طريق الاستنباط، بل هو بنفسه قطع بالنتيجة و بنفس الحكم الفرعي، و هذا في القطع الطريقي واضح، و اما الموضوعي أعني القطع المأخوذ في موضوع الحكم كما إذا قال: إذا قطعت بحكم فرعي فتصدق، فهو و ان كان دخيلا في فعلية وجوب التصدق إلّا انّ نسبته إليه نسبة الموضوع إلى حكمه، كالخمر بالقياس إلى الحرمة، و ليس وجوب التصدق مستنبطا من القطع بالحكم الفرعي، و إنما هو مستنبط من الدليل الدال عليه. نعم انّ القطع يتعلق بنتيجة علم الأصول أعني الحكم الفرعي، أو هو بنفسه نتيجته، فله شدة مناسبة مع مسائله، و ينبغي أن يبحث عنه فيه استطرادا، كما له أيضا من بعض الجهات مناسبة مع علم الكلام الباحث عن المبدأ و المعاد و استحقاق العقاب.

و كيف كان قد قسم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه)(1) المكلف بأنه إذا التفت إلى حكم شرعي فاما أن يحصل له القطع به، و اما يحصل له الظن به، و اما يحصل له الشك، فجعل التقسيم ثلاثيا، و على هذا التقسيم بنى كتابه على مقاصد ثلاث (الأول) في القطع (و الثاني) في الظن (و الثالث) في الشك، ثم ذيلها بخاتمة باحث فيها عن التعادل‏

____________

(1) فرائد الأصول: 1- 47 (ط. جامعة المدرسين).

8

و التراجيح.

و أورد صاحب الكفاية (1) على هذا التقسيم حيث أفاد انه لا بدّ و ان يكون المراد من الحكم الأعم من الواقعي و الظاهري، لاشتراكهما في الأثر، فلا وجه للاختصاص، و كذلك لا بد و أن يراد منه الحكم الفعلي، إذ لا أثر للقطع أو الظن أو الشك في الحكم الإنشائي، و على ذلك فلا وجه لتثليث الأقسام، بل الصحيح أن يجعل التقسيم ثنائيا بأن يقال: انّ المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي واقعي أو ظاهري فاما أن يحصل له القطع به أو لا، و على الثاني لا بدّ له من الرجوع إلى ما يستقل به العقل من متابعة الظن و العمل به على الحكومة لو تم ذلك كبرى بتمامية مقدمات الانسداد و صغرى بحصول الظن الشخصي له بالحكم الواقعي أو الظاهري بمعنى الظن بالطريق، كالظن بحجية الشهرة، و إلّا فإلى الأصول العملية العقلية من قبح العقاب بلا بيان و الاشتغال و التخيير بحسب اختلاف الموارد، ثم قال: و إن أبيت إلّا عن تثليث الأقسام فالأولى أن يقال: انّ المكلف أما أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني أما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا، لأن لا يتداخل الأقسام، فإن الظن غير المعتبر يكون محكوما بحكم الشك، و الأمارة ربما لا توجب الظن بل تكون مع الشك و هي مع ذلك حجة، إذ لا يعتبر في حجيتها عدم الظن بالخلاف، فكيف باعتبار الظن بالوفاق، فانّ ظهور الأمر حجة و لو لم يوجب الظن الشخصي أصلا، هذا حاصل ما أفاده بتوضيح منا.

و نقول: الأنسب بمباحث الأصول هو الّذي صنعه الشيخ (قدّس سرّه) و ذلك لأنّ الغرض من الأصول هو تحصيل المؤمّن فانّ المكلف بعد التفاته إلى التكاليف و إلى أنه عبد لا يكاد يطمئن و يخرج من التحير إلّا بعد تحصيل المؤمّن في أعماله، و هذا هو

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 5.

9

غرض الأصولي، و المناسب لهذا الغرض هو تثليث الأقسام، لأنّ المؤمن الذاتي هو القطع، فانّ المكلف إذا قطع بالإباحة يرى نفسه مأمونا في الفعل و الترك، و إذا قطع بالحرمة يكون مأمونا في فرض الترك، و إذا قطع بالوجوب يكون مأمونا في فرض الفعل، فالمؤمن الأول هو القطع، فلا بدّ من البحث عنه في الأصول و لو استطرادا، و المؤمن الثاني هو الظن، و ذلك لأنّ مراد الشيخ (قدّس سرّه) من الظن على ما صرح به في أول بحث البراءة هو الكاشف المعتبر شرعا لا كل ظن، و من الواضح انه قطع تنزيلي و حجة، و هذا هو المؤمن الثاني، و إذا لم يحصل له هذا و لا ذاك و بقي شاكا فحيث لا معنى لحجية الشك و أن يكون طريقا فلا بدّ له من الرجوع إلى الأصول العملية الشرعية و العقلية، و هي تكون مؤمنا له، مثلا بعد ما ثبت نجاسة الماء المشكوك نجاسته المسبوق بها بحكم الاستصحاب يكون المكلف مأمونا في الإتيان بالتيمم بدل الوضوء عند انحصار الماء به، و بالجملة في فرض الشك لا بدّ له من تحصيل القطع بالحكم الظاهري، و هو الحكم الّذي أخذ في موضوعه الشك.

فما أفاده من انّ المراد من الحكم لا بدّ و أن يكون الأعم من الظاهري و الواقعي غير سديد، إذ القطع بالحكم الظاهري لا مورد له إلّا في فرض الشك في الحكم الواقعي و العلم بحكم الشاك فكيف يجعل في عرض الحكم الواقعي، و مجرد وجود الجامع بينهما لا يوجب جعل التقسيم ثنائيا، و إلّا فيمكن تصوير الجامع بين القسمين أيضا و هو حصول المؤمن، فلا وجه للتقسيم أصلا.

و الحاصل التقسيم إنما هو للإشارة إلى مباحث الكتاب، فالأولى ما أفاده الشيخ لا ما ذكره في الكفاية.

و بما بينا ظهر الجواب عن تداخل الأقسام، لأنّ المراد من الظن هو الكاشف المعتبر شرعا، فلا يدخل في الشك، و لا يدخل الشك فيه أصلا، و الظن غير المعتبر يكون داخلا في الشك فقط.

10

و اما ما أفاده من أنّ المراد من الحكم هو الفعلي دون الإنشائي فهو كما أفاد، إذ لا معنى للحكم الإنشائي كما سنبينه في أول مبحث الظن إن شاء اللّه إلّا الحكم المجعول على موضوعه المقدر وجوده، و من الواضح انّ تعلق القطع بالحكم الإنشائي بهذا المعنى لا أثر له من حيث العمل به إلّا بعد فعلية موضوعه، و اما الحكم الإنشائي بغير هذا المعنى و الفعلية بغير وجود الموضوع و إمكان كون الحكم فعليا من جهة دون أخرى فلا يرجع شي‏ء منها إلى محصل كما ستعرفه إن شاء اللّه.

إذا عرفت ذلك فيقع البحث في المقصد الأول في أمور:

11

مباحث القطع‏

حجية القطع التجري القطع الطريقي و القطع الموضوعي وجوب الموافقة الالتزامية القطع الحاصل من أسباب غير متعارفة منجزية العلم الإجمالي‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الأمر الأوّل: حجية القطع‏

و الكلام فيها يقع في جهات ثلاث:

الأولى: في انّ طريقيته ذاتية أو جعلية.

الثانية: في أنّ حجيته هل هي من لوازمه الذاتيّة أو ببناء العقلاء أو بحكم العقل؟

الثالثة: هل يمكن للشارع أن يمنع من العمل به أو لا؟

[الجهة الأولى: في انّ طريقية القطع ذاتية أو جعلية]

اما الجهة الأولى: فالحق انّ القطع هو نفس الانكشاف و الرؤية لا أنه مرآة و ما به ينظر، فهو بنفسه طريق بحسب ماهيته و ذاته، و من الواضح انّ ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري، و الماهية هي هي بنفسها، فلا معنى لتوهم جعل الطريقية له أصلا بجميع أنحائه لا بسيطا، إذ لا يتعلق ذلك بالماهية، و لا مركبا مستقلا أو تبعا، نعم يصح تعلق الجعل بوجوده، إذ يمكن للمولى القادر إيجاد القطع الّذي هو الانكشاف بالتوجه إلى نفس الإنسان و للموالي العرفية بإيجاد معدات القطع مع بيان البراهين و نحوها.

و لا يخفى انّ في كلام الشيخ (قدّس سرّه) خلطا بين مقام طريقية القطع و مقام حجيته‏ (1).

هذا كله في الجهة الأولى.

____________

(1) فرائد الأصول: 1- 5 (ط. جامعة المدرسين).

14

[الجهة الثانية: في انّ حجية القطع هل هي من لوازمه الذاتيّة أو ببناء العقلاء أو بحكم العقل؟]

و اما الجهة الثانية: أعني حجية القطع و كونه مما يصح أن يحتج به العبد على مولاه عند موافقة القطع للواقع، و ربما يعبر عن هذا المعنى بوجوب متابعة القطع و لزومه، فالأقوال فيها ثلاثة:

الأول: ما اختاره في الكفاية (1) و هو انّ حجية القطع بمعنى وجوب متابعته و العمل على طبقه من لوازمه الذاتيّة، بل زاد على هذا مؤثريته في ذلك حيث قال:

و تأثيره في ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد.

الثاني: أن تكون ببناء العقلاء، و عليه تكون داخلة في القضايا المشهورة باصطلاح المنطقيين، و هي القضايا التي بنى عليها العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع، و مرجع جميعها إلى حسن العدل و قبح الظلم، و بما انّ الشارع رئيس العقلاء و لم يردع عن هذا البناء يكون ممضى عنده فيجب اتباعه.

الثالث: أن يكون بحكم العقل و إلزامه.

و التحقيق: انّ القول الثالث لا يمكننا المساعدة عليه، لأن العقل ليس شأنه إلّا الإدراك، و أما الإلزام و البعث أو الزجر فهو من وظائف المولى و شئونه، نعم الإنسان بما أنه حيوان يكون محبا لنفسه فبحسب جبلته يتحرك نحو ما يراه منفعة لنفسه، و يفر عما يراه ضررا على نفسه دنيويا كان أو أخرويا، و بعبارة أخرى: الحيوان بما هو حيوان يميل بفطرته إلى مشتهيات نفسه و يجتنب عما ينافر طبعه، و لكن هذا المعنى أجنبي عن إلزام العقل.

و امّا القول الثاني فالعقلاء و ان بنوا على أحكام و قضايا حفظا للنظام و إبقاء للنوع كما ذكر، إذ لو لا قبح الظلم لتعدى كل قوي على ضعيف و اختل النظام، و لكنها أجنبية عن المقام.

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 8.

15

اما أولا: فلأنّ حجية القطع و لزوم الحركة على طبقه كانت ثابتة في زمان وجود آدم (عليه السّلام) و قبل وجود عقلاء في العالم.

و ثانيا: انّ حكمهم بتلك القضايا إنما هو في الأمور الراجعة إلى حفظ النظام، و ليس متابعة أوامر الشارع في جميع الموارد دخيلة في حفظ النظام، مثلا الإتيان بالصلاة ربما يقال: لا دخل له في إبقاء النوع، و لا يلزم من تركه اختلال أصلا.

فالصحيح: هو القول الآخر و ان يقال: انّ وجوب متابعة القطع إنما هو بحكم العقل، لا بمعنى البعث من القوة العاقلة و إلزامها، بل بمعنى إدراكه حسن متابعته و قبيح مخالفته و صحة ان يعاقب المولى عبده المخالف لقطعه إذا كان مصادفا للواقع، و استحالة ذلك إذا كان متابعا لقطعه و إن كان مخالفا للواقع، و كثيرا ما يطلق الحكم على الإدراك العقلي كما هو واضح، و على هذا فيكون من الأمور النظرية لا من القضايا المشهورة.

و لا يخفى انّ التعبير بموافقة القطع و مخالفته لا يخلو عن مسامحة، فانّ المراد موافقة المقطوع و مخالفته، و هذا هو المراد من لزوم متابعة القطع عقلا، و هو من لوازم القطع القهرية لا الجعلية، فانّ الإدراك من الأمور التكوينية و هكذا متعلقه و هو استحالة العقاب على تقدير موافقته و إمكانه على تقدير مخالفته، فانّ كلا من الأمرين غير قابل للجعل التشريعي فتلخص انّ حجية القطع حكم عقلي نظري، و من لوازم القطع بهذا المعنى، فلا تكون مجعولة.

[الجهة الثالثة: هل يمكن الشارع أن يمنع من العمل بالقطع أو لا؟]

و اما الجهة الثالثة: فحيث ان صاحب الكفاية (قدّس سرّه) تعرض لها بعد مبحث التجري فنحن نتبعه في ذلك، و نحيل البحث عنها إلى ذلك المبحث.

ثم انك بعد ما عرفت أنّ ذات القطع هو الانكشاف و الطريقية و انّ حجية القطع أي صحة احتجاج العبد به على مولاه و بالعكس إنما هي من لوازم القطع سواء كان قطعا حقيقيا أي موافقا للواقع أو خياليا و هو الجهل المركب، نقول: لا

16

اختصاص لحجية القطع بقطع المجتهد، بل قطع المقلد أيضا يكون حجة له، فإذا قطع بالحكم يلزمه متابعته، و هكذا أحكام الظن و الشك غير مختصة بالمجتهدين، بل يعم المقلدين، فلا بدّ للمقلد أيضا من تحصيل المؤمن لنفسه و هو اما القطع الوجداني أو القطع التنزيلي أو الرجوع إلى الأصول العملية، فإذا حصل له القطع بالحكم الواقعي يعمل به، و إلّا فلا بدّ له من الرجوع إلى ما استقل به العقل من الاحتياط و الرجوع إلى المجتهد، فإذا قطع بفتوى المجتهد أخذ بها، و إلّا فان كان عنده طريق معتبر فهو و إلّا فيعمل بالأصل العملي، مثلا إذا كان فتوى المجتهد عنده معلوما سابقا و شك في تبدله يستصحب عدمه.

و الحاصل: انّ الفرق بين المجتهد و المقلد انما هو في انّ متعلق قطع المقلد أو ظنه أو شكه يكون ما أفتى به مقلده و طريقه إليه فتواه، بخلاف المجتهد فانّ متعلق قطعه و ظنه و شكه هو الحكم الواقعي و طريقه إليه هو الكتاب و السنة و العقل، و إلّا فظهور كلام المجتهد يكون حجة على المقلد و يتمسك بإطلاق كلامه كما يتمسك المجتهد بظهورات الكتاب و السنة. و هكذا جميع الطرق العقلائية تكون حجة للمقلد أيضا على ما عرفت، فلا وجه لتخصيص المقسم و هو المكلف في مقام التقسيم بخصوص المجتهد.

نعم لا يتمكن المقلد من إجراء البراءة، لا من جهة عدم شمول دليلها له، بل لأنّ المقلد لا يتمكن من إيجاد شرطها و هو الفحص، و هذا أيضا لا يوجب اختصاصها بالمجتهد، بل يكون المقلد نظير المجتهد المحبوس غير المتمكن من الفحص، فكما لا يجوز له الرجوع إلى البراءة حينئذ لا يجوز للمقلد ذلك بملاك واحد و هو عدم الفحص هذا كله في المقلد.

و اما المجتهد فإذا التفت إلى حكم فعلي في حقه فلا إشكال في انه يفتي على طبق قطعه أو ظنه أو الأصول العملية المجعولة للشاك، و اما إذا التفت إلى حكم لا

17

يكون في حقه فعليا بل و لا في حق غيره، كما لو التفت إلى بعض أحكام الحج قبل الموسم، أو التفت إلى الأحكام المختصة بالنساء كأحكام الحيض، أو التفت إلى حكم لا يصير فعليا إلى الأبد كبعض فروع العلم الإجمالي، فوظيفة المجتهد حينئذ تكون كوظيفة الإمام (عليه السّلام) و هي بيان الحكم المجعول، غاية الأمر انّ الإمام (عليه السّلام) يخبر عن الواقع و المجتهد عن مؤدى الطريق.

و بالجملة في هذا الفرض لا يتم ما ذكره في الكفاية (1) من انه لا بدّ و ان يراد من الحكم خصوص الفعلي إذ لا أثر للإنشائي، نعم انما يتم ذلك فيما إذا التفت إلى الحكم المتعلق بنفسه. و كيف كان فلو حصل له القطع بالحكم أو الظن به من طريق معتبر يفتي به، و إلّا فلا بدّ له من الرجوع إلى الأصول العملية، و هذا المقام من المشكلات من حيث انّ الأصول العملية جريانها بالقياس إلى كل أحد فرع حصول الشك له، مثلا الرجوع إلى الاستصحاب فرع أن يكون نفس ذاك المكلف متيقنا سابقا و شاكا لاحقا في الحكم الفعلي عليه، فكيف يفتي المجتهد بمؤدى الأصول في فرع لا يكون له مساس به و لا يكون فعليا عليه مع انّ المقلد الّذي يريد أن يعمل ليس له يقين سابق و لا شك لاحق بل لم يلتفت إلى الحكم بعد أصلا، و لذا التجأ الشيخ (رحمه اللّه) إلى نيابة المجتهد عن المقلد و لكن لا بدّ و ان يسأل (قدّس سرّه) عن الدليل على هذه النيابة.

و حاصل الكلام في المقام انّ المكلف إذا التفت إلى حكم نفسه فان حصل له القطع يكون منجزا، و إلّا فان كان عنده طريق معتبر فيعمل على طبقه، و ان لم يكن هذا و لا ذاك فينتهي إلى الأصول العملية، و في هذا الفرض لا فرق بين المجتهد و المقلد إلّا في خصوص البراءة، فانّ المقلد لا يكون متمكنا من إحراز شرط إجرائها و هو الفحص، و إلّا فالأصول تجري في حق المقلد كما تجري في حق المجتهد.

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 5.

18

و اما إذا التفت إلى حكم غيره، أعني الحكم الكلي المجعول بنحو القضية الحقيقية و يختص ذلك بالمجتهد، فان حصل له القطع يكون أثره جواز الإفتاء بما قطع به لا تنجز متعلقه عليه، إذ لا يكون متعلقا بحكم نفسه، و إلّا فان كان له طريق معتبر عنده فيفتي على طبقه و يكون قيام الطريق مجوزا لإفتائه، فانه لا فرق بين قيام طريق معتبر على حكم و بين تعلق القطع به إلّا في أنّ الثاني قطع وجداني و الأول قطع تعبدي. و ان لم يكن هذا و لا ذاك و بقي شاكا، فان كان شكه موردا للاستصحاب بأن كان مسبوقا باليقين فهو ينقسم إلى قسمين: لأنّ الشك في الحكم بعد كونه متيقنا تارة: يكون من جهة احتمال النسخ، و أخرى: يكون من جهة الشك في سعة المفهوم و ضيقه، كالشك في حرمة العصير الزبيبي بسبب الشك في شمول دليل حرمة العصير العنبي للزبيبي أو يكون لغير ذلك.

أما في الأول فللمجتهد أن يجري الاستصحاب في يقينه و شكه، فانه كان متيقنا بالحكم السابق المجعول و يشك في ارتفاعه بالنسخ، فيفتي ببقائه بحكم الاستصحاب، و لا مجال في هذا الفرض لإجراء الاستصحاب بلحاظ حال المقلد، إذ ليس له يقين و لا شك.

و اما في الثاني مثل ما لو شك في طهارة الماء القليل المتنجس المتمم كرا و نجاسته، فيمكن إلحاقه بالقسم الأول، بأن يجري المجتهد فيه الاستصحاب بلحاظ يقينه و شكه في الحكم الكلي كما في القسم الأول بعينه، و يمكن أن يجري الاستصحاب بلحاظ حال المقلد و يقينه و شكه، فانّ المقلد على الفرض كان عالما بنجاسة هذا الماء و يشك في طهارته بعد إتمامه كرا، لأنه مقلد لهذا المجتهد الّذي هو شاك في ذلك، فيجري الاستصحاب في حقه و يفتي له بمؤداه، و هكذا فيما إذا شك في ثبوت بعض أقسام الخيار و نفوذ الفسخ إلى غير ذلك و أمثلته كثيرة في الفقه، و امّا ان كان موردا للاحتياط كما في الشبهة قبل الفحص مثلا، أو كان موردا للتخيير فالأمر واضح، إذ

19

لا فرق في حكم العقل بلزوم الاحتياط في موارده بين المجتهد و المقلد، فكلاهما محكومان بذلك، و هكذا في حكمه بالتخيير، و الإشكال انما هو فيما إذا كان الشك موردا للبراءة فانّ حديث الرفع و قبح العقاب بلا بيان إنما يجريان عند الشك في الحكم الفعلي بعد الفحص عن الدليل، و المفروض انّ المجتهد ليس شاكا في الحكم الفعلي فلا بدّ و أن يكون إجراء البراءة بلحاظ حال المقلد، فانّ المقلد لهذا المجتهد الشاك لا محالة في مقام العمل و الالتفات إلى وظيفته الفعلية يبقى شاكا في حكمه الفعلي، و المفروض أنّ هذا المجتهد قد فحص و لم يظفر على دليل فيرشد مقلده إلى ذلك و يعرّفه مورد البراءة و يفتي له بمقتضاها، مثلا إذا التفت المجتهد إلى حكم الحائض و انه هل يجوز لها الاجتياز في المسجد أم لا، فلا معنى لإجراء البراءة عن حرمته بلحاظ شكه، و لكن حيث انّ هذه المرأة تقلده فتتحير في ظرف العمل و بعد ما فحص المجتهد عن البيان و لم يظفر به تكون المرأة بنظره موردا لجريان البراءة فيفتي بها في حقها.

و الحاصل مما ذكرناه انّ حق التقسيم أن يكون هكذا بأن يقال: المكلف إذا التفت إلى حكم نفسه، فاما أن يحصل له القطع فهو منجز له، و اما أن يحصل له طريق معتبر فكذلك، و إلّا فيرجع إلى الأصول العملية، و إذا التفت إلى حكم كلي فان قطع بالحكم فأثره جواز الإفتاء به، و ان حصل عنده طريق معتبر فكذلك، و إلّا فينتهي إلى الأصول العملية، فان كان الشك موردا للاستصحاب و كان من قبيل الأول له أن يجري الاستصحاب بلحاظ يقينه و شكه، و ان كان من قبيل الثاني فله إجراء الاستصحاب بلحاظ حال المقلد كما له إجرائه بلحاظ حال نفسه، و هكذا إذا كان موردا للاحتياط أو التخيير، و أما ان كان موردا للبراءة فلا مناص من إجرائها بلحاظ حال المقلد فقط بعد ما يراه موردا لها، و هكذا كله واضح.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الأمر الثاني: التجري‏

و البحث فيه يقع من جهات:

الجهة الأولى: الجهة الفرعية، و هي حرمة الفعل المتجري به.

الجهة الثانية: الجهة الأصولية. و البحث عنها أيضا يكون من وجهين.

أحدهما: دعوى شمول إطلاق الأدلة لما تعلق به القطع و لو كان مخالفا للواقع.

و ثانيهما: دعوى ثبوت المصلحة أو المفسدة في ما تعلق به و لو كان مخالفا للواقع، و حيث انّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد على مسلك العدلية فمن جهة الملاك يستكشف العقل حرمة ذلك الفعل أو وجوبه شرعا.

و الفرق بين الوجهين ظاهر، فانّ الدليل على الأول يكون لفظيا و هو الإطلاق على تقدير ثبوته، و على الثاني يكون حكم العقل، و لذا يختص الأول بما إذا كانت الشبهة موضوعية، و لا يعم الشبهة الحكمية، بخلاف الثاني فانه تعم الشبهة الموضوعية و الحكمية معا. و مرادنا من الشبهة الموضوعية في المقام ليست الشبهة الموضوعية باصطلاح الشيخ (قدّس سرّه) بل مرادنا منها ما كان الشك فيها في الانطباق و سعة المفهوم و ضيقه، و التعبير بها غير خال عن المسامحة.

و بالجملة الوجه الثاني يجري فيما إذا كان متعلق القطع موردا للشك في الانطباق، كما إذا تعلق القطع بموضوع الحكم أو بمتعلقه، و فيما إذا لم يكن كذلك كما إذا

22

تعلق بنفس الحكم، كالدعاء عند رؤية الهلال إذا قطع المكلف بوجوبه و لم يأت به، و شرب التتن إذا قطع بحرمته و أتى به، ثم تبين الخلاف في القطع و انكشف مخالفته للواقع، بخلاف الوجه الأول فانه إنما يجري في خصوص الشك في الانطباق و ثبوت إطلاق يحتمل شموله لما تعلق به القطع.

ثم لا يخفى انه لا ينبغي البحث عن الجهة الأولى، أي عن الحكم الفرعي في قبال البحث عن الجهة الثانية أعني الأصولية، و ذلك لأن ثبوت الحكم الفرعي و عدمه يبتني على هذين الوجهين.

[عدم اختصاص التجري بمخالفة القطع المخالف للواقع‏]

الجهة الثالثة: في المسألة الكلامية، و انّ التجري هل يوجب استحقاق العقاب من جهة كشفه عن خبث سريرة المتجري و لو كان الفعل المتجري به في الواقع محبوبا للمولى أم لا يوجب ذلك؟

و ليعلم انّ التجري لا يختص بمخالفة القطع المخالف للواقع، بل يعم مخالفة كل طريق معتبر بجميع أقسامه، بل كل منجّز و لو لم يكن طريقا شرعيا، و الجامع بينها هو قيام الحجة، مثلا لو قامت البينة على خمرية شي‏ء و شربه و لم يكن في الواقع خمرا يكون متجريا، أو ثبت خمرية شي‏ء بالاستصحاب فشربه فتبين الخلاف، أو تنجز على المكلف حرمة شي‏ء بحكم العقل كالاشتغال في الشبهات قبل الفحص أو بغيره من الأصول المثبتة للتكليف، و ذكر القطع من بينها انما هو لكونه أظهر أفراد الحجج و المنجزات لا لخصوصية فيه، و قد أشار الشيخ (قدّس سرّه) إلى ذلك في أواخر المبحث‏ (1).

[الكلام فيما يتوهم من انه لا معنى للتجري في الأحكام الظاهرية]

ثم ربما يتوهم أو توهم انه لا معنى للتجري في الأحكام الظاهرية، أي في باب الطرق و الأمارات و الأصول العملية و جامعها الحكم الظاهري، بدعوى: انها أحكام مجعولة في مورد الشك أو للمكلف الشاك، فبكشف الخلاف ينتهي أمدها،

____________

(1) فرائد الأصول: 1- 58 (ط. جامعة المدرسين).

23

نظير النسخ، لا انه يستكشف به عدم ثبوت الحكم من الأول كما في الأحكام الواقعية.

و فيه: انّ هذا إنما يتم على القول بالسببية و الموضوعية، فانه بناء على ذلك يكون في موردها أحكاما ينتهي أمدها بانكشاف الخلاف، و لكن هذا القول فاسد لا يعبأ به و ان كان منسوبا إلى بعض قدماء الأصحاب، لاستلزامه التصويب الباطل أو المحال على بعض الوجوه.

و الصحيح أنّ المجعول في باب الطرق و الأمارات إنما هو الطريقية و تتميم الكشف، و جعلها طريقا تاما نظير القطع، و لا يستفاد من أدلة اعتبارها أزيد من ذلك، و لو سلمنا أنّ مفاد الأدلة هو جعل الحكم المماثل فالمجعول إنما هو الحكم الطريقي الناظر إلى الواقع الّذي يوجب مخالفته العقاب لو صادف الواقع لا مطلقا، و هكذا الكلام في الاستصحاب. فالصحيح جريان التجري في موارد قيام الطرق و الأمارات مطلقا.

[الكلام في الجهة الأصولية لبحث التجري‏]

و كيف كان فيقع الكلام في الوجه الأول من الجهة الثانية، و هو دعوى شمول إطلاقات الأدلة لما قطع بموضوعيته للحكم أو بأنه متعلقه، أو قام طريق أو حجة معتبرة على ذلك، و قد عرفت انّ هذا الوجه مختص بما إذا كان هناك إطلاق و كان الخطأ في تطبيقه، و لا يعم الموارد التي ليس الخطأ فيها من حيث التطبيق.

[دعوى شمول إطلاق الأدلة لما تعلق به القطع و لو كان مخالفا للواقع‏]

و يستدل لشمول الإطلاقات لذلك بمقدمات:

الأولى: انّ ما يتعلق به التكليف لا بدّ و أن يكون مقدورا للمكلف، و إلّا لم يصح التكليف به من الحكيم، و عليه لا بد و أن يكون موضوع الحكم و متعلقاته خارجة عن حيز التكليف، فلو قال المولى: «أكرم العالم» يكون وجود العالم خارجا عن حيز الطلب، و هكذا لو قال: «لا تشرب الخمر» يكون خمرية الخمر مفروض الوجود في مقام الحكم، فيفرض العالم و يبعث نحو إكرامه، و يفرض وجود الخمر

24

و خمريته فيزجر عن شربه، و على هذه المقدمة بنى المحقق النائيني (رحمه اللّه) إنكار الواجب التعليقي، و قد تقدم الكلام فيه، إلّا أن المقدمة غير قابلة للإنكار.

الثانية: ان السبب لحركة العضلات نحو العمل و الداعي لتعلق الإرادة بشي‏ء إنما هو نفس القطع و الانكشاف، غايته بما انه طريق و مظهر للواقع لا بما انه صفة نفسانية، و جهة كونه مطابقا للواقع أو مخالفا و جهلا مركبا أجنبية عن محركيته و باعثيته أو زاجريته و ان كان الإنسان يرى انّ محركه هو الوجود الواقعي، و لذا لو قطع الإنسان بوجود الأسد يفر و لو لم يكن هناك أسد واقعا، و بالعكس لو كان هناك أسد و هو لا يعلم به لا يفر و لو افترسه، و هكذا في الحركة نحو المحبوب، فانّ العطشان لو قطع بوجود الماء في مكان يتحرك نحوه و لو كان في الواقع سرابا، و بالعكس لو كان الماء عنده و هو لا يعلم به ربما يموت من العطش و لا يتحرك نحوه، فالتأثير و التأثرات الروحية و الإرادية ليست كالتأثرات الطبيعية المترتبة على مؤثرها قهرا نظير الإحراق المترتب على وجود النار الّذي لا يتوقف حصوله منها على قطع و إرادة أو نحو ذلك، و إنما هي تابعة للصور العلمية، فانّ الروح أسير الإرادة، و مرجح الإرادة كما عرفت هو القطع و اليقين موافقا كان للواقع أو مخالفا، و هذا واضح جدا، فما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من أن المحرك هو وجود المقطوع بما تعلق به القطع غير صحيح‏ (1).

الثالثة: ان الإرادة التشريعية حيث تتعلق بالفعل الصادر عن إرادة المكلف و اختياره لا بفعله الاضطراري فلا محالة تكون محركة لإرادته، بمعنى أن المولى يريد تحقق اختيار المكلف في أفق النّفس، فالمطلوب للمولى هو هذا، و إذا فرضنا ان إرادة العبد تتبع قطعه، فلا محالة يكون متعلق بعثه هو ما يتعلق به قطعه، و هكذا في‏

____________

(1) فوائد الأصول: 3- 38.

25

النهي، فكأن المولى يبعث نحو ما تعلق به القطع و يزجر عما تعلق به القطع سواء كان قطعه موافقا للواقع أو مخالفا له، و نسبة عصيان التكليف إلى من كان قطعه موافقا للواقع أو كان مخالفا تكون على حد سواء، فانّ مطابقة القطع و مخالفته تكونان خارجتين عن تحت اختيار المكلف، و لا معنى لإناطة العقاب على الخارج عن الاختيار.

و بالجملة حاصل المقدمة الأولى هو أنّ التكليف لا بد و أن يتعلق بالحصة الاختيارية من حيث الموضوع و المتعلق، فما هو في حيز التكليف في قولك «لا تشرب الخمر» مثلا إنما هو شرب ما فرض خمريته لا ما هو الخمر واقعا اختيارا، و هكذا في قولك «أكرم عالما» متعلق الطلب هو ما فرض انه إكرام العالم لا الإكرام الواقعي فانه خارج عن قدرة المكلف و اختياره. و حاصل المقدمة الثانية انّ ما يكون مرجحا لاختيار العبد و داعيا لإرادته إنما هو الصور الذهنية بما انها طريق سواء كان مطابقا للواقع أو لم يكن. و حاصل المقدمة الثالثة و هي العمدة في المقام انّ متعلق غرض المولى حيث يكون الفعل الصادر عن اختيار المكلف لا محالة يكون متعلق إرادة المولى و تحريكه هو اختيار المكلف لا العمل الخارجي، و قد عرفت بمقتضى المقدمة الثانية ان للقطع و الصور الذهنية موضوعية في تحقق الاختيار، و ليس الوجود الواقعي دخيلا في ذلك.

و المتحصل من جميع المقدمات انّ متعلق تكاليف المولى في الحقيقة هو اختيار ما تعلق القطع بانطباق الموضوع أو المتعلق عليه فعلا أو تركا فقول المولى: «لا تشرب الخمر» يكون زاجرا عن اختيار شرب مقطوع الخمرية و قوله: «أكرم عالما» باعث إلى إكرام ما فرض عالميته و إيجاد ما قطع بكونه إكرام العالم، فيشمل إطلاق الأدلة صورة مصادفة القطع للواقع و مخالفته، فكل من الشخصين اللذين صادف قطع أحدهما الواقع و خالف قطع الآخر اختار شرب ما فرض خمريته و ما

26

هو مبغوض المولى، و جهة المصادفة و عدمها قد عرفت انها خارجة عن اختيار المكلف و قدرته و لم يكن في حيز الطلب، و هذا غاية ما يمكن من توضيح المقدمات.

و نقول: في المقدمة الثالثة نقضا و حلّا.

اما نقضا، فبالواجبات فانه إذا فرضنا ان متعلق التكليف هو الاختيار ففي قوله: «صلّ في الوقت» مثلا يكون الواجب اختيار ما قطع بكونه صلاة في الوقت، فإذا صلى باعتقاد دخول الوقت فبان خلافه لا بد و ان يلتزم بسقوط التكليف لحصول المأمور به و هو اختيار الصلاة في الوقت. و بعبارة أخرى: نسأل هذا المستدل و نقول: ان التجرّي هل يختص بالمحرّمات أو يجري في الواجبات أيضا؟ مثلا لو أفطر في يوم باعتقاد أنه من شهر رمضان و لم يكن منه في الواقع، هل يكون متجريا بذلك أم لا؟ من الواضح انه متجر و عاص، و لازم كونه متجريا أن يكون الواجب اختيار صوم ما قطع بكونه من رمضان ليكون تركه عصيانا، و لازم ذلك هو الالتزام بالاجزاء في امتثال الحكم العقلي أيضا، و لم نر أحدا من الفقهاء التزم بذلك. نعم الاجزاء في امتثال الأوامر الظاهرية مورد خلاف بينهم، و اما مورد القطع بالحكم خطأ فالظاهر انه لا خلاف بينهم في عدم الاجزاء.

و اما حلّا: فالأحكام الشرعية إنما تكون تابعة للمصالح و المفاسد، و ظاهر الأدلة انّ المصلحة و المفسدة في نفس العمل، و لازم ذلك أن يكون البعث نحو نفس العمل و الزجر عن نفسه دون اختياره سواء كان اختياريا أو غير اختياري، غاية الأمر حيث ان العقل يحكم بقبح تكليف العاجز أو أن نفس التحريك يقتضي قدرة المكلف على التحرك منه فلا محالة يخصص العقل تكاليف المولى بصورة القدرة، هذا على مسلك القوم القائلين باعتبار القدرة في التكليف الفعلي، و اما على مسلكنا من عدم اعتبارها فيه و انّ القدرة مأخوذة في حكم العقل بالامتثال فالامر أوضح.

27

و الحاصل: ان الاختيار يكون مأخوذا في تكاليف المولى بنحو المعنى الحرفي أي طريقا إلى العمل الخارجي لا بنحو المعنى الاسمي و الموضوعية، و كم فرق بين القسمين. و بهذا يظهر ان صحة العقاب على تقدير المصادفة و عدمها على تقدير عدم المصادفة لا يوجب دخول الأمر الخارج عن الاختيار في حيز الطلب أصلا، و عدم العقاب في فرض عدم المصادفة انما هو من جهة عدم تحقق المخالفة و العصيان و عدم الإتيان بما فيه المفسدة و لو كان عن غير اختيار. هذا كله في الوجه الأول.

[دعوى ثبوت المصلحة أو المفسدة في ما تعلق به القطع و لو كان مخالفا للواقع‏]

و اما الوجه الثاني فتارة يقال: انّ تعلق القطع بانطباق عنوان ذي مصلحة على شي‏ء يوجب طروّ المصلحة في ذلك الشي‏ء، كما ان القطع بانطباق عنوان ذي مفسدة يوجب حدوث المفسدة فيه.

و فيه: ان المصالح و المفاسد من التأثير و التأثرات الواقعية و القطع بانطباق عنوان على شي‏ء لا يوجب سلب آثاره التكوينية عنه و لا إيجاد أثر فيه، مثلا إذا قطع الإنسان بأن هذا السم الخارجي ماء فشربه يترتب عليه الموت و هلاك النّفس، و لا يتخلف عنه أثره بمجرد انكشاف مائيته، و هكذا في العكس، و هذا واضح وجدانا، ثم لو سلمنا إمكان حدوث المصلحة أو المفسدة في الشي‏ء عند القطع بطرو عنوان عليه في بعض الموارد بنحو الموجبة الجزئية فإثبات أن المورد الخاصّ من تلك الموارد محتاج إلى دليل.

و أخرى يقرب الاستدلال بنحو آخر و يقال: انّ التجري يكون كاشفا عن سوء سريرة العبد و انه في مقام الطغيان على المولى، و هذا يوجب قبح الفعل المتجري به أو حدوث مفسدة فيه.

و الجواب عن هذا أوضح من سابقه، فان القبح الفاعلي لا يوجب القبح الفعلي، و مجرد كون الفعل كاشفا عن سوء سريرة فاعله لا يكون من العناوين المقبحة للفعل. و بالجملة القبح الفاعلي في التجري مسلّم لكنه أجنبي عن القبح‏

28

الفعلي.

و تحقيق الكلام في المقام يقتضي التكلم عن جهات ثلاثة.

الأولى: ان تعلق القطع بانطباق عنوان ذي مفسدة على شي‏ء يوجب حدوث مفسدة فيه، كما ان القطع بانطباق عنوان ذي مصلحة على شي‏ء يوجب حدوث المصلحة فيه في باب الانقياد. و قد عرفت الجواب عنه بأن المصالح و المفاسد يكونان من قبيل الأمور التكوينية و الآثار و الخواصّ المترتبة على الأشياء و الأدوية، فكما لا يتغير ذلك بتعلق القطع و عدمه كذلك المصالح و المفاسد.

الثانية: ان الفعل المتجري به يكون كاشفا عن سوء سريرة العبد و انه بصدد الطغيان على مولاه فيكون فيه القبح الفاعلي، و يسرى ذلك إلى نفس الفعل المتجري به و يوجب قبحه أيضا. و الجواب عنه انّ قبح المنكشف لا يوجب قبح الكاشف، كما انّ حسن المنكشف لا يوجب حسن الكاشف في الانقياد.

الثالثة: ان نفس الانكشاف و تعلق القطع بشي‏ء لا يوجب تعنونه بالحسن أو القبح، و بعبارة أخرى: عنوان القطع يكون من العناوين المحسنة و المقبّحة و ان لم يكن موجبا لحدوث مصلحة أو مفسدة في متعلقه؟

[هل القطع من العناوين المحسنة و المقبحة أو لا؟]

و الكلام في هذه الجهة أيضا يقع في نقطتين: إحداهما: في بيان ان القطع من العناوين المقبحة و المحسنة أو لا؟ ثانيتهما: في انه بعد صحة هذه الدعوى هل يستتبع ذلك حكما شرعيا لقاعدة الملازمة أم لا؟

أما الأولى: فادعى المحقق النائيني (قدّس سرّه) ان عنوان القطع ليس موجبا لتعنون متعلقه بالحسن و القبح أصلا، و أفاد انّ هذا وجداني و لم يستدل على مدعاه بشي‏ء (1). و لكن المحقق الخراسانيّ (قدّس سرّه) برهن على ذلك، و حاصل ما أفاده: انّ العناوين‏

____________

(1) فوائد الأصول: 3- 41.

29

المحسنة و المقبحة لا بد و أن تكون من العناوين الاختيارية، و عنوان القطع لا يكون كذلك، فانّ الفاعل إنما يقصد الفعل بعنوانه الواقعي لا بعنوان انه مقطوع الحرمة أو الوجوب أو الخمرية مثلا، و بهذا العنوان لا يكون مقصودا، بل لا يكون غالبا ملتفتا إليه‏ (1).

و لا يخفى ما في كلامه (قدّس سرّه) فانه لا وجه للترقي عما ذكره من أن الفاعل إنما يقصد الفعل بعنوانه الواقعي لا بعنوان ... إلخ، بقوله: بل لا يكون غالبا ملتفتا إليه، و ذلك لأنّ مراده من عدم كون عنوان المقطوع مقصودا لو كان عدم كونه داعيا له كما هو ظاهر كلامه فهو و ان كان صحيحا، إذ داعي شارب الخمر للشرب ليس إلّا جهة إسكاره لا عنوان كونه مقطوع الخمرية، و لكن لا يعتبر في الجهات المحسنة أو المقبحة أن يكون داعيا في مقام العمل، و لذا ضرب اليتيم مع الالتفات إلى انه يتألم و يتأذى يكون ظلما و قبيحا و لو لم يكن بداعي الإيلام و الإيذاء، بل كان بداعي امتحان العصا مثلا، و ان كان المراد عدم كونه ملتفتا إليه فلا وجه للترقي و الاستدراك بقوله بل لا يكون ... إلخ، لأن أحد الأمرين يرجع إلى الآخر. هذا مضافا إلى أن أصل البرهان غير تام، و ذلك لأن الالتفات إلى العناوين الموجبة للحسن أو القبح و ان كان معتبرا كما أفاد و لكن عنوان المقطوعية يكون ملتفتا إليه دائما، غاية الأمر بالالتفات الإجمالي غالبا و التفصيليّ في بعض الموارد، بل القطع هو الملتفت إليه أولا و متعلقه يكون ملتفتا إليه ثانيا و بالتبع، فكيف يمكن أن يكون مغفولا عنه.

و اما ما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من الوجدان فالظاهر ان خلافه وجداني، و ذلك لأنّ المراد من الحسن و القبح في المقام هو العقليان منهما أي إدراك العقل حسن تحسين العقلاء و توبيخهم فاعل الفعل، و أن المدح و الذم منهم واقع في محله،

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 13.

30

و ملاك هذا الحكم العقلي ليس إلّا انطباق عنوان العدل أو عنوان الظلم على الفعل، و من الواضح ان هذا العمل المقطوع مبغوضيته بنفسه يكون تعديا على المولى و خروجا عن زي العبودية و الوظيفة و ظلما عليه، كما ان العمل المقطوع وجوبه مصداقا للعدل خصوصا إذا كان عملا شاقا و تبين عدم وجوبه بعد الإتيان به.

و الظاهر ان ما ذكره مبني على الخلط بين القبح العقلي و الحرمة و المبغوضية الشرعية، و لا ملازمة بين الأمرين، و سيتضح إن شاء اللّه، فانه ربما لا يكون الفعل قبيحا عقلا و هو حرام واقعا كما في موارد الجهل، و ربما ينعكس كما في المقام و تفصيل الكلام في ذلك: هو انه اختلفت كلمات القدماء في ان حسن الأشياء و قبحها هل يكونان ذاتيين نظير خواص الأشياء و آثارها المترتبة عليها، أو أنهما بحكم الشرع و مع قطع النّظر عن ذلك ليس في شي‏ء حسن و لا قبح، أو يكونان بحكم العقل و يختلفان بالوجوه و العناوين؟

و الحق من الاحتمالات هو الأخير، و ذلك لأن احتمال كون الحسن و القبح ذاتيا و أمرا واقعيا نظير المصالح و المفاسد ينافي ما نراه وجدانا من اختلافهما باختلاف الوجوه و الاعتبارات، إذ الكذب لو كان منجيا يكون متصفا بالحسن و مع عدمه يكون قبيحا، و إيلام المولى و هتكه في حد نفسه يكون قبيحا، و أما لو كان بعنوان إنجائه من القتل يكون حسنا و يمدح عليه فاعله، و من الواضح انهما لو كانا ذاتيين كالخواص لم يكونا قابلين للتخلف.

و أما احتمال أن يكونا بحكم الشارع كما عليه الأشاعرة فهو مستلزم لسد باب إثبات نبوة الأنبياء، و ما أخبر اللّه تعالى به من الوعد و الوعيد، إلى غير ذلك من التوالي الفاسدة المترتبة على إنكار الحسن و القبح العقليين التي لا يمكن الالتزام بها من عاقل، إذ من الضروري انه لو لا قبح إجراء المعجز على يد مدعي النبوة كذبا لم يكن لإثبات نبوة من يأتي بالمعجز طريق، إذ لا دافع لاحتمال كذبه و لو أتى بألف‏

31

معجز خارق للعادة بعد ما فرضنا انه لا قبح في إجرائها بيد الكاذب، و هكذا لو لم يكن الكذب و خلف الوعد قبيحا لم يكن لنا طريق إلى الجزم بتحقق وعده تعالى شأنه.

و بالجملة التوالي الفاسدة المترتبة على هذا المسلك مما يضحك الثكلى، فلا يحتمل صحته أصلا، فيبقى الاحتمال الثالث، و هو أن يكونا من الأحكام العقلية العملية، بمعنى إدراك العقل استحقاق الفاعل للمدح و الثناء أو الذم و اللوم، و على هذا فالحسن و القبح العقليان يكونان مختصين بالأفعال الاختيارية، و لا يجريان فيما يصدر عن غير اختيار، إذ لا معنى لمدح العبد على إنقاذ ابن المولى في حال النوم، كما لا معنى لحكم العقل بقبح ضرب العبد مولاه في حال الإغماء. نعم حسن الشي‏ء و قبحه بمعنى كونه ذا منفعة أو مضرة، أو كونه ذا مصلحة أو مفسدة، أو كونه منافرا للطبع أو ملائما لا ينحصران بالأمور الاختيارية، كما لا يكونان اختياريين، و لذا تقول: مدحت اللؤلؤ على صفائها، و لكنهما أجنبيان عن الحسن و القبح العقليين.

و لا يخفى ان حكم العقل بحسن شي‏ء أو قبحه إنما يكون بانطباق عنوان العدل و الظلم عليه، فما يكون حسنا بحكم العقل أولا و من دون حاجة إلى أن يدخل تحت عنوان آخر هو العدل، و ما يكون قبيحا كذلك هو الظلم، و الأول هو الحسن ذاتا كما ان الثاني هو القبيح ذاتا، بخلاف سائر الأمور و الأفعال، فالقبيح منه لا يتصف بالقبح عقلا إلّا بعد انطباق عنوان الظلم عليه، و الحسن منه لا يتصف بالحسن إلّا بعد انطباق عنوان العدل عليه، و العدل لغة بمعنى الاستقامة، و استقامة كل شي‏ء يكون بحسبه، و منه العادل أي من له ملكة الاستقامة و عدم الخروج عن جادة الشرع.

إذا عرفت ذلك نقول: لا فرق في نظر العقل في قبح الإتيان بما هو مقطوع الحرمة بين أن يكون مصادفا للواقع أو مخالفا له، إذ لا تفاوت بين الصورتين في صدق عنوان الظلم و هتك المولى و الجرأة عليه على ذلك الفعل، فان الظلم و القبح لا

32

يدوران مدار الحرمة الواقعية، و لذا في صورة الجهل لا يكون الفعل قبيحا مع ثبوت الحرمة واقعا، و إنما يدوران مدار هتك حرمة المولى و الجرأة عليه الثابتة في الصورتين. و الّذي يشهد لما ذكرناه تسالمهم على حسن الفعل المنقاد به عقلا و مدح فاعله على ذلك من غير خلاف و لا فرق بين الانقياد و التجري في حكم العقل في الأول بالحسن و في الثاني بالقبح. فما أفاده المحقق النائيني من عدم قبح الفعل المتجري به غير تام.

كما عرفت انّ البرهان الّذي أفاده في الكفاية أيضا غير صحيح، و حاصل برهانه هو أن عنوان القطع غير ملتفت إليه فلا يكون اختياريا، و أفاد انه في فرض التجري ربما لا يكون هناك فعل اختياري أصلا، إذ ما أتى به واقعا و هو شرب الماء لم يكن مقصودا، و ما قصده و اختار شربه لم يقع في الخارج.

و قد ذكرنا في جوابه انّ القطع ملتفت إليه بالالتفات الحضوري، إذ القطع بنفسه حاضر لدى النّفس، نعم تصور القطع و العلم به تفصيلا مفقود غالبا، و يكفي في قبح الفعل الالتفات إلى عنوانه القبيح بهذا المقدار. ثم انه لو تم هذا البرهان فهو مختص ببعض موارد التجري و هو فرض تعلق القطع بالموضوعات، و لا يجري في فرض تعلق القطع بالحكم، كما لو قطع بحرمة شرب التتن فشربه، فانّ الالتفات إلى القطع بالحكم غالبا يكون موجودا في مقام العمل. هذا كله في النقطة الأولى.

[الكلام في أن قبح الفعل لا يكون ملازما لحرمته شرعا]

و أما الثانية: فالحق فيها أنّ قبح الفعل لا يكون ملازما لحرمته شرعا، بل يكون على ما هو عليه واقعا، و قضية كل ما حكم به العقل حكم به الشرع أجنبية عن حكم العقل بمعنى إدراكه قبح الفعل أو استحقاق فاعله للذم، و إنما هي في حكم العقل بمعنى إدراكه المصالح و المفاسد المستتبعة للحكم الشرعي. و بعبارة أخرى:

الحسن و القبح بالمعنى الأول يكونان في طول الحكم الشرعي و من توابعه، و لا يكونان مناطا له، بخلاف الحسن و القبح بالمعنى الثاني، فانهما يكونان ملاكا للحكم‏

33

الشرعي، فإذا أحرز العقل وجود المصلحة الملزمة غير المزاحمة في فعل كما في حفظ النّفس المحترمة مثلا فبالملازمة يستكشف ثبوت الحكم الشرعي بوجوبه، و لا يبعد أن يكون مدرك وجوبه هو هذا الحكم العقلي، إذ لم نجد ما يدل على وجوبه من الأدلة اللفظية، و هكذا إذا أحرز وجود مفسدة ملزمة في شي‏ء يستكشف ثبوت الحرمة فيه، فهذه القضية المشهورة أي الملازمة لا ربط لها بالمقام، و إنما هي في مرحلة إدراك علل الأحكام و ملاكاتها لا إدراك ما في مرتبة معلولاتها كحسن الإطاعة و قبح العصيان، فان هذا الحسن و القبح فرع ثبوت الحكم الشرعي المولوي، و ثبوت حكم شرعي مولوي في هذه المرتبة لغو لا أثر له، إذ العقل و هو الباعث و الزاجر الداخليّ يكون مستقلا بذلك، فمعه لا حاجة إلى الحكم المولوي، و مع عدمه لا فائدة فيه لوضوح انه لو لا حكم العقل بصحة عقاب المولى عبده على العصيان لما حصل للمكلف خوف من العقاب و لما امتثل التكاليف أصلا، و لهذه الجهة حملوا الأوامر الواردة في مقام الإطاعة على الإرشاد دون المولوية.

هذا مضافا إلى أنه يستحيل أن يكون هذا القبح في المقام مستتبعا للحكم الشرعي، و ذلك، لأن القبح الّذي يتوهم استتباعه للحكم الشرعي لو كان خصوص القبح الثابت لعنوان التجري أي مخالفة القطع المخالف للواقع بهذا العنوان، ففيه.

أولا: انه لا وجه لهذا الاختصاص، لما عرفت من انّ حكم العقل بالقبح بالقياس إلى صورة مصادفة القطع للواقع و مخالفته يكون على حد سواء، و ملاكه و هو الهتك و الجرأة على المولى يكون موجودا في كلتا الصورتين.

و ثانيا: لازم هذا أن يكون المحرّم مخالفة القطع بعنوان كونه مخالفا للواقع، و هذا الحكم غير قابل للمحركية أصلا، لأن من مبادئ قدرة المكلف على الامتثال المعتبرة عندهم في صحة التكليف هو الالتفات إلى الموضوع، و الالتفات إلى هذا العنوان يكون مساوقا لزواله نظير الالتفات إلى النسيان، فكما لا يمكن تكليف الناسي بهذا

34

العنوان كذلك لا يمكن تكليف القاطع بعنوان مخالفة قطعه للواقع، فعلى مسلك المشهور لا يصح هذا التكليف.

و اما لو كان القبح المستتبع للحكم المولوي الشرعي القبح الجامع الثابت في التجري و المعصية الواقعية فلازمه التسلسل و أن يكون هناك أحكام غير متناهية و عصيانات غير متناهية و عقوبات غير متناهية، و ذلك لأن العصيان لو كان حراما شرعا فحرمته أيضا حكم شرعي فعصيانها أيضا قبيح فلا بد و أن يكون حراما، و هكذا إلى ما لا نهاية له، و التجري قبيح فلا بد و أن يكون حراما، فعصيانه أيضا كذلك و هكذا إلى أن يتسلسل، و من البديهي انا إذا راجعنا وجداننا لا نرى في أنفسنا إرادات أو كراهات عديدة في البعث نحو شي‏ء واحد أو الزجر عنه. هذا مضافا إلى انه لا يبعد أن يكون ذلك مستلزما لعدم الفرق بين المعاصي من حيث العقوبة، فانها في جميعها غير متناهية على الفرض.

ثم لا يخفى انّ هذا القبح العقلي و ان لم يكن مستتبعا للحكم الشرعي لكنه يستلزم حكم العقل باستحقاق العقاب عليه كما في المعصية الواقعية، لما بيناه في ملاك حسن الأفعال و قبحها، و لا يبعد دعوى تساوي التجري المحض و المعصية الواقعية من حيث مقدار ما يستحقه العامل من العقاب، فانّ ملاك ذلك و هو الهتك فيهما على حد سواء. و أما ما أفاده في الفصول‏ (1) من الأمثلة لبيان الفرق بين التجري و العصيان في استحقاق العقاب، فهو أجنبي عن المقام، و إنما هو في مقام التشفي المستحيل في حقه تعالى، نعم من حيث التشفي ربما يختلف العقاب بنظر العقلاء بينما أراد العبد قتل ابن المولى و صادفه أو أراد ذلك و لكنه صادف عدوه، و لكن مع قطع النّظر عن التشفي لا فرق بين الصورتين من حيث الاستحقاق.

____________

(1) الفصول الغروية: 431- 432.

35

و بالجملة استحقاق العقاب يكون على نفس التجري أعني الفعل المتجري به، لا على العزم و الاختيار كما أفاده في الكفاية (1)، و وقع لذلك في إشكال استلزامه استحقاق العقاب على أمر غير اختياري، و الجواب عنه بأنّ ذلك يكون من تبعات البعد عن المولى و الشقاوة الذاتيّة التي هي نظير إنسانية الإنسان و حمارية الحمار، و غير قابل للتعليل، و قد مرّ الجواب عما ذكره في المقام في بحث الطلب و الإرادة مفصلا فراجع. و بما تقدم ظهر الحال في الجهة الثالثة أيضا:

تنبيهات:

[الأول: أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر]

الأول: لا إشكال في أن القطع من العناوين التي يختلف بها جهات الحسن و القبح، و يمكن أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر. و لا إشكال أيضا في أن النسبة بين موضوعات الأحكام و بين القطع من حيث هو عموم من وجه، فيمكن أن يكون هناك خمر و لم يتعلق به القطع، كما يمكن أن يقطع بخمرية شي‏ء و لم يكن في الواقع خمر، و يمكن اجتماعهما كما هو واضح، نظير عنوان العلم و العدالة مثلا، و لا مانع من جعل حكمين متماثلين عليهما بأن يجعل على كل من العنوانين حكم مماثل لما جعل على الآخر.

و لكن يظهر من كلام المحقق النائيني (قدّس سرّه) أن في خصوص عنوان القطع و نفس متعلقه لا يعقل ذلك و ان كان بينهما عموما من وجه، و ذلك لاستلزامه اجتماع المثلين في نظر القاطع دائما، لأن القاطع بخمرية شي‏ء لا يحتمل مخالفة قطعه للواقع، ففي نظره يكون هناك حكمان متماثلان في محل واحد، مثلا لو كان شرب الخمر حراما و كان شرب مقطوع الخمرية أو الحرمة أيضا حراما فالحرمة الثانية المأخوذ في موضوعها عنوان القطع لا تصير فعلية إلّا بعد تحقق القطع بالخمرية أو بالحرمة، و حيث ان‏

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 13- 14.

36

القاطع بذلك دائما يرى قطعه موافقا للواقع فيرى ان شربه هذا محكوم بحكمين متماثلين، فلا يمكن جعل الحرمة لعنوان القاطع بحرمة الشرب أو بخمرية الخمر بعد جعل الحرمة على شرب الخمر الواقعي، مضافا إلى أنه غير قابل للفعلية و الباعثية (1).

هذا ملخص ما أفاده (رحمه اللّه) في بيان عدم استتباع قبح التجري للحكم المولوي، و لكنه غير صحيح.

أما أولا: فلأن في القطع بالموضوع يمكن تصوير مورد الافتراق من الطرفين، مثلا لو قال المولى، لا تشرب الخمر «و قال أيضا: «لا تشرب معلوم الخمرية» و فرضنا ان المكلف قطع بخمرية شي‏ء و هو غير عالم بحرمة الخمر الواقعي و لم يصل إليه دليله و إنما علم حكم مقطوع الخمرية فقط يكون حينئذ حكم مقطوع الخمرية فعليا عليه من غير أن يستلزم اجتماع المثلين حتى في نظره و هكذا عكسه، نعم في مورد العلم بالحكمين معا يلزم ذلك، فلا بد من الالتزام هناك بالتأكد كما في جميع موارد اجتماع العامين من وجه، فما أفاده مختص بالقطع بالحكم.

و ثانيا: لا ملزم لأن يكون بين موضوعي الحكمين المتماثلين عموما من وجه، بل يمكن أن يكون بينهما عموم مطلق، نظير ما إذا تعلق النذر أو الشرط في ضمن العقد اللازم بالواجبات كالصلاة المفروضة فانها حينئذ تكون واجبة من جهتين، من جهة الأمر الصلاتي و من جهة الأمر النذري و يكون فيها ملاكهما غاية الأمر نلتزم فيها بالتأكد في مقام الفعلية، و اما في مرحلة الإنشاء و الملاك فالتعدد ثابت، و المقام من هذا القبيل، فانّ القطع بالحكم و ان كان في نظر القاطع لا ينفك عن ثبوته واقعا و لا يمكننا تصوير مورد الافتراق من ناحية القطع بأن يكون هناك قطع بالحكم و لم يكن حكم حتى في نظر القاطع، و إنما الافتراق يكون من طرف الحكم‏

____________

(1) فوائد الأصول: 3- 45- 46.

37

فقط فيما إذا ثبت بغير القطع من الطرق و الأمارات، و لكن قد عرفت انه لا يعتبر أن يكون بين الموضوعين عموم من وجه، و بالالتزام بالتأكد في أمثال المقام يندفع إشكال اجتماع المثلين.

فالوجه الصحيح لعدم الحكم المولوي هو ما ذكرناه من أن الحكم العقلي إنما يستتبع الحكم المولوي إذا تعلق بما يكون واقعا في سلسلة علل الأحكام لا معلولاتها و إلّا لتسلسل كما عرفت.

التنبيه الثاني: ربما يتمسك لحرمة التجري بالإجماع‏

من جهة اتفاقهم على أن سلوك طريق مظنون الضرر خصوصا إذا كان الضرر مما يجب التجنب عنه كتلف النّفس يكون معصية و لو انكشف الخلاف، و هكذا الظان بضيق الوقت يجب عليه البدار و لو لم يبادر يكون عاصيا و لو انكشف بقاء الوقت، فليس المعصية إلّا من جهة التجري.

و فيه: ما لا يخفى، فانّ الظاهر انّ حرمة السلوك إنما هي من جهة ان خوف الضرر له موضوعية في نظر الشارع، و لذا ليس فيه كشف خلاف أصلا، و كذلك الظن بضيق الوقت، فانّ المستفاد من قوله (عليه السّلام) في صحيحة الحلبي الواردة في الظهرين: «ان كان في وقت لا يخاف فوت إحداهما فليصلّ الظهر ثم ليصلّ العصر، و إن خاف أن تفوته فليبدأ بالعصر» (1) هو أن خوف فوت الصلاة هو الموضوع لوجوب البدار، و عليه فلا ارتباط بين المسألتين و مسألة التجري أصلا.

التنبيه الثالث: ربما يستدل لحرمة التجري بالروايات الواردة في ترتب العقاب على قصد السوء و انه يحاسب عليه‏

(2)، و هناك روايات أخر دالة على عدم‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 3- باب 4 من أبواب المواقيت، ح 18.

(2) وسائل الشيعة: 1- باب 6 من أبواب مقدمة العبادات، ح 3.

38

ترتب العقاب على القصد (1) و انّ نية السوء لا تكتب [1] فتقع المعارضة بين الطائفتين. و الشيخ (قدّس سرّه) جمع بينهما بحمل الطائفة الأولى على القصد المستتبع للاشتغال ببعض المقدمات و الثانية على القصد المجرد عن ذلك‏ (2)، و لكنه لا شاهد عليه، فيكون جمعا تبرعيا.

و الصحيح ان يجمع بينهما بحمل الطائفة الثانية على القصد الّذي ارتدع الإنسان بنفسه عنه و الأولى على ما إذا لم يرتدع بنفسه حتى إذا شغله شاغل خارجي، و الشاهد على هذا الجمع هو النبوي المشهور من أنه «إذا التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل و المقتول في النار، قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل، فما بال المقتول؟

قال (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): لأنه أراد قتل صاحبه» (3)، فانّ ظاهر التعليل هو إرادة القتل مع عدم حصول الرادع له عن نفسه، و انّ عدم تحقق القتل منه كان لعدم تمكنه على ذلك، و بعبارة أخرى: حيث ان كل رواية تكون نصا في موردها، و مورد النبوي إنما هو قصد القتل مع عدم انقداح رادع له عن نفسه فيكون نسبته مع الطائفة الثانية من الروايات نسبة الخاصّ إلى العام فبه تخصص تلك الأخبار، و تختص بصورة تحقق الرادع له عن نفسه، فتنقلب النسبة بينها و بين الطائفة الأولى من الروايات من العموم من وجه إلى العموم المطلق، فتخصص الطائفة الأولى بالطائفة الثانية فيخرج صورة وجود الرادع عن قصد السوء عن الروايات الدالة على المؤاخذة على القصد و تبقى الصورة الأخرى تحتها، فالمقام من صغريات مبحث انقلاب النسبة، و نتعرض‏

____________

[1] لا يبعد أن يكون تلك الروايات ظاهرة في انّ نفس المعصية لا تكتب بمجرد قصدها، لا انّ القصد لا يكتب، فراجع الأخبار، و عليه فلا تعارض أصلا.

____________

(1) وسائل الشيعة: 1- باب 6 من أبواب مقدمة العبادات، ح 8.

(2) فرائد الأصول: 1- 59 (ط. جامعة المدرسين).

(3) وسائل الشيعة: 11- باب 67 من أبواب جهاد العدو.

39

له في محله.

و كيف كان فهذه الرواية تكون شاهدة للجمع الّذي ذكرناه، و أما الجمع الّذي ذكره الشيخ (قدّس سرّه) فلا شاهد عليه. و لا يخفى انه لا يحتمل في النبوي أن يكون لإرادة القتل خصوصية في الحرمة للقطع بعدم الفرق بين القتل و غيره من المعاصي من هذه الجهة، فتأمل.

و على أي تقدير الاستدلال بما يدل على المؤاخذة على قصد المعصية و لو بعد الاشتغال بمقدماتها على حرمة التجري غير صحيح.

أما أولا: فلأنّ مورد النبوي المتقدم الّذي جعلناه شاهدا للجمع و خصصنا به ما دل على ثبوت المحاسبة و المؤاخذة على نية السوء من جهة كونه نصا في مورده إنما هو إرادة القتل الواقعي و الاشتغال بمقدماته و عدم ارتداعه عنه بنفسه، و لا ربط له بالحرام الخيالي أي ما يعتقده حراما.

و ثانيا: لو سلمنا أن مورده أعم من ذلك و من قصد الإتيان بما قطع بحرمته، فليس في الروايات ما يدل على حرمة ذلك القصد، بل غاية ما فيها انه يحاسب عليه أو يعاقب، و هذا التعبير لا يدل على أزيد مما كان العقل مستقلا به من استحقاق المتجري للعقاب، و لا يستفاد منها الحرمة المولوية.

[الرابع: ما ذكره صاحب الفصول من انّ قبح التجري لا يكون ذاتيا بل يختلف باختلاف الوجوه و الاعتبار]

التنبيه الرابع: ان صاحب الفصول‏ (1) بعد ما سلم قبح التجري و استحقاق العقاب عليه أفاد ما حاصله: انّ قبح التجري لا يكون ذاتيا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار، فإذا صادف الفعل المتجري به المعصية الواقعية كان فيه ملاكان للقبح، ملاك التجري و ملاك المعصية الواقعية، فلا محالة يتداخل العقابان، و قبح التجري في هذا الفرض يكون أشد و أكثر مما إذا كان الفعل المتجري به في الواقع مكروها، كما انّ القبيح في هذا الفرض أيضا يكون أكثر مما إذا كان الفعل المتجري به مباحا،

____________

(1) الفصول الغروية: 431.

40

و هكذا يكون القبيح في هذه الصورة أكثر مما إذا كان الفعل في الواقع مستحبا، و اما إذا كان الفعل في نفس الأمر واجبا فيقع التزاحم بين ملاك الوجوب و ملاك قبح التجري، فربما يتساويان، و ربما يكون ملاك الوجوب أقوى فيتقدم، أو يكون ملاك قبح التجري أقوى فيكون قبيحا، انتهى.

و أفاد المحقق النائيني (رحمه اللّه) و يظهر من كلام الشيخ أيضا (1) ان ما في الفصول مركب من دعاوى ثلاثة:

الأولى: انّ التجري بعنوانه يكون قابلا لأن يختلف قبحه بالوجوه و الاعتبارات، و يمكن اختلاف قبحه بمزاحمته مع العناوين الواقعية.

الثانية: وقوع هذا الأمر الممكن و انّ الجهات الواقعية في الفعل المتجري به يوجب اختلاف مرتبة قبح التجري أو زواله في بعض الموارد.

الثالثة: تداخل العقابين عند مصادفة الفعل المتجري به للمعصية الواقعية و للحرام الواقعي.

و جواب الجميع واضح بعد ما قدمناه و نزيده وضوحا.

أما الأولى ففيه: انّ التجري أعني الفعل الصادر بهذا العنوان يكون بنفسه مصداقا للظلم، و حكم العقل بقبح الظلم ذاتا يكون من الأحكام العقلية العملية الضرورية، كما انّ حكمه باستحالة اجتماع النقيضين يكون من الأحكام الضرورية النظرية، فهو غير قابل للتخلف.

و اما الثانية فبطلانها أوضح، و ذلك لأنّ الأمر غير الاختياري لا يمكن أن يكون رافعا لقبح الفعل الصادر قبيحا، نعم الأمر غير الاختياري يمكن أن يكون مانعا عن صدور الفعل القبيح، كما لو فرض أن نزول المطر مثلا منع الإنسان من أن‏

____________

(1) فوائد الأصول: 3- 54- 56، فرائد الأصول: 1- 57- 58 (ط. جامعة المدرسين).

41

يشرب الخمر، و أما ما يكون رافعا للقبح فلا بدّ فيه من أن يكون اختياريا، و قد ذكرنا أن باب الحسن و القبح أجنبي عن المحبوبية و المبغوضية و عن المصلحة و المفسدة، فلا يقاس أحد البابين بالآخر، و أن المصادفة ليست من الأمور الاختيارية.

و أما الثالثة فقد عرفت انّ العقاب دائما يكون على التجري و هتك المولى حتى في المعصية الواقعية، فالقول بتعدد العقاب ثم بالتداخل لا مجال له.

هذا تمام الكلام في التجري.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الأمر الثالث: تقسيم القطع إلى الطريقي و الموضوعي‏

[الغرض من هذا التقسيم‏]

و الغرض من هذا التقسيم مع عدم وجود القطع الموضوعي في الأدلة- و على فرض وجوده ففي غاية القلة- إنما هو بيان ما ذكره بعض الأخباريين من المنع عن العمل بالقطع إذا لم يكن ناشئا من الكتاب و السنة، و هذا هو الجهة الثالثة من الكلام في حجية القطع التي وعدنا التكلم فيه، و حيث انّ الأخباريين جوزوا المنع عن العمل بالقطع قسم الشيخ‏ (1) (قدّس سرّه) و من تأخر عنه القطع إلى ما يكون طريقا إلى متعلقه و إلى ما يكون مأخوذا في الموضوع، و ادعوا أن القطع الطريقي يستحيل المنع عن العمل به لاستلزامه تحقق التناقض أما واقعا و أما في نظر القاطع. نعم يمكن منع غير القاطع عن العمل بالقطع الحاصل لغيره كالمقلد بالقياس إلى قطع مقلّده إذا لم يكن ناشئا عن الكتاب و السنة. و ذكروا أيضا أن القطع بالحكم لا يعقل أن يؤخذ في موضوع نفسه لا شرطا و لا مانعا، و هكذا في موضوع مثله أو ضده، لاستلزامه الدور في الأول، و اجتماع المثلين أو الضدين في الثاني، و العقل لا يصدّق ورود حكم من الشارع مستلزم لذلك.

[مناقشة ما ذكره المحقق النائيني من إمكان أخذ خصوص القطع الناشئ عن سبب خاص أو لشخص خاص بالحكم في موضوعه‏]

و لكن المحقق النائيني (رحمه اللّه) ذهب إلى إمكان تقييد الحكم بالقطع به من طريق‏

____________

(1) فرائد الأصول: 1- 51 (ط. جامعة المدرسين).

44

خاص‏ (1)، أو بعدم كونه مقطوعا به من طريق مخصوص، غاية الأمر انه لا دليل على ذلك وقوعا إلّا في بعض الموارد، مثل القطع الحاصل من القياس لرواية أبان‏ (2) أو الحاصل من غير الطرق المتعارفة كالجفر و الرمل.

و بالجملة فالغرض من هذا التقسيم إنما هو بيان كلام بعض الأخباريين، و منعهم عن العمل بالقطع إذا لم يحصل عن الكتاب و السنة، و انه هل يكون هذا ممكنا بعد ما فرضنا أن طريقية القطع و حجيته ذاتية بالمعنى المتقدم، أو يكون ذلك مستحيلا؟

فالكلام يقع في موردين:

الأول: في بيان الصغرى، و أنه هل ادعى أحد منهم المنع عن العمل بالقطع أم لا؟ و الإنصاف ان كلمات جملة منهم و إن كانت ظاهرة في دعوى عدم حصول القطع من المقدمات العقلية، و لا يحصل منها إلّا الظن الّذي لا دليل على اعتباره، و لكن كلام جملة منهم بعد ما قسّم القطع إلى الحاصل من المقدمات العقلية و الحاصل من الكتاب و السنة صريح في المنع عن العمل بالأول، فإسناد المنع إليهم موجبة جزئية غير قابل للإنكار.

الثاني: في بيان الكبرى، ظاهر كلام المحقق النائيني (رحمه اللّه) على ما عرفت إمكان المنع عن ذلك، بمعنى أخذ خصوص القطع الناشئ عن سبب خاص أو لشخص خاص بالحكم في موضوعه، و أن هذا لا يرجع إلى المنع عن العمل بالقطع حتى ينافيه حجيته الذاتيّة. و تقريب ما أفاد يكون بمقدمات‏ (3).

الأولى: إنا و إن لم نلتزم بما التزم به العلامة (قدّس سرّه) من أن العلم ملازم لثبوت‏

____________

(1) فوائد الأصول: 3- 13- 14.

(2) وسائل الشيعة: 19- باب 44 من أبواب ديات الأعضاء، ح 1.

(3) فوائد الأصول: 3- 11- 14.

45

متعلقه واقعا، و لكن لا مناص لنا من الالتزام بأن تعلق القطع بشي‏ء ملازم لثبوته في نظر القاطع، و على ذلك فأخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه و تقييده به يستلزم ثبوت الدور في اعتقاده، لأن فعلية الحكم يدور مدار فعلية موضوعه، و إذا فرضنا أن للقطع بالحكم دخلا في موضوع نفسه، ففعلية الحكم حينئذ تتوقف على فعلية القطع به، و تحقق القطع بالحكم مستلزم لتحقق الحكم أو متوقف عليه، و هذا دور واضح، فلا يكون مثل هذا الحكم قابلا للفعلية، و إذا لم يكن قابلا للفعلية لا يكون قابلا للإنشاء، و ما يستحيل فعليته يستحيل إنشائه.

المقدمة الثانية: ان العلم بالحكم أو الجهل به يكون من الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن أخذه فيه، لما تقدم هنا و في بحث التعبدي و التوصلي، و إذا استحال التقييد يستحيل الإطلاق أيضا، لأن التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، فمهما لم يكن المحل قابلا للتقييد لا يكون هناك مجال للإطلاق، فلا إطلاق حينئذ و لا تقييد، و هذا كقولهم لا خلأ و لا ملأ حيث لا موضوع لهما.

و نتيجة هاتين المقدمتين هو أن الأحكام الأولية لا بد و أن تكون مهملة بالقياس إلى علم المكلف و جهله بها.

المقدمة الثالثة: أن أخذ العلم بالحكم قيدا فيه إنما يكون مستحيلا فيما إذا كان مأخوذا في نفس دليله، و بعبارة أخرى: الاستحالة إنما تكون في فرض وحدة الجعل، و أما اعتباره فيه بنتيجة التقييد أي بجعل ثانوي يعبر عنه بمتمم الجعل فلا مانع منه و لا استحالة فيه، و عليه فحيث ان الإهمال الثبوتي غير معقول، ففي أمثال المقام لا بد من ثبوت جعلين، إذ الملاك أما أن يكون في خصوص العالم بالحكم فلا بد من تقييده به، و أما أن يكون في الأعم فلا بد من تعميمه، فأحد الجعلين يكون جعل أصل الحكم بنحو الإهمال من حيث علم المكلف و جهله به، و الجعل الثاني يتمم هذا الجعل و يبين اختصاصه بالعالمين أو شموله للجاهلين، و لا يكون هذا مستلزما للدور في نظر

46

القاطع أصلا.

ثم أنه في كل مورد كان متمم الجعل موجبا لثبوت نتيجة التقييد و تخصيص الحكم بخصوص العالمين به، كما في وجوب القصر لقوله (عليه السّلام): «إن كانت قرأت عليه آية التقصير و فسّرت له» (1) أو الجهر و الإخفات مثلا نلتزم بالتقييد و في غيره نقول بنتيجة الإطلاق و عدم الاختصاص، لعموم ما دل على اشتراك العالم و الجاهل في التكاليف، و من ذلك ما ورد من أنّ يوم القيامة يقال للعبد: هلّا عملت؟ فيقول: ما عملت، فيقال له: هلّا تعلّمت‏ (2). و قد ادعى الشيخ (قدّس سرّه) تواتر هذه الأخبار، و لكنه قابل للمنع.

و كيف كان فان أمكن تقييد الحكم بالقطع به و لو بنتيجة التقييد فلا مانع من أن يؤخذ القطع الحاصل من سبب خاص أو لشخص مخصوص قيدا في الحكم أو مانعا عنه غايته بمتمم الجعل و حينئذ لا يكون للقطع الحاصل لغيره، أو من غيره أثر في ثبوت الحكم، و لا يجوز العمل به إذا حصل، و ليس هذا منعا عن العمل بالقطع و تصرفا في حجيته، و إنما هو تصرف في المقطوع، فالمنع عن العمل بالقطع بهذا المعنى لا يكون مستحيلا، و لكن لا دليل على وقوعه إلّا في موارد مخصوصة، كالقطع الحاصل من القياس على ما يظهر من رواية أبان، أو الحاصل من بعض العلوم الغريبة كالجفر و الرمل لو تم هناك إجماع على عدم جواز العمل به. و أما القطع الحاصل من المقدمات العرفية فلا دليل على المنع عن العمل به، و لا يتم ما استدل به بعض الأخباريين على ذلك، هذا حاصل ما أفاده (قدّس سرّه).

و نقول: ما ذكره من كون التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة

____________

(1) وسائل الشيعة: 5- باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

(2) أمالي الشيخ المفيد: المجلس 26، ح 6.

47

و ان كان متينا، فانّ الإطلاق عدم التقييد فيما من شأنه ذلك، و لكن لا يعتبر في العدم و الملكة الشأنية بحسب شخص المورد، أو شخص الصفة، بل يكفي القابلية بحسب النوع أو الصنف، و لذا يطلق الأعمي على العقرب مع أنه غير قابل للبصر على ما قيل، و لا يطلق الجاهل على الجدار لعدم قابليته للعلم و لو بحسب نوعه، و يصح أن يقال الممكن جاهل بذات الواجب، مع أن تعلق علمه به مستحيل، و ليس ذلك إلّا من جهة كفاية الشأنية النوعية أو الصنفية في العدم و الملكة، و على هذا فالحكم بالقياس إلى قيد خاص و إن لم يكن قابلا للتقييد لكن حيث أنه قابل للتقييد بنوع القيود لا يضر بالملكة استحالة التقييد الخاصّ، و عليه فيستلزم استحالة تقييد الحكم بكل قيد ضرورية الإطلاق فيه أو التقييد بضده، كما أن استحالة القدرة على بعض الأمور يستلزم ضرورية العجز عنه.

و بالجملة عدم قابلية المورد للتقيد بوصف لخصوصية في ذلك يستلزم ضرورية عدمه و لو كان ذلك من قبيل العدم و الملكة، لا أن استحالة الوجود تستلزم استحالة عدمه أيضا، فانه ليس في الإطلاق و عدم التقييد منشأ للاستحالة من دور و غيره، و المحذور إنما كان في التقييد فقط. هذا مضافا إلى أن الإهمال النّفس الأمري غير معقول بالإضافة إلى الحاكم، سواء في ذلك الشارع و العقل و الموالي العرفية، و قد تقدم بيان ذلك في بحث التعبدي و التوصلي، فإذا فرضنا أن تقييد الحكم بالعلم به مستحيل و مستلزم للدور فلا محالة يكون أحد الأمرين من إطلاقه بالقياس إليه أو تقييده بخلافه ضروريا، و إذا لم يكن مقيدا بعدمه فلا محالة يكون مطلقا، و إذا كان كذلك و قطع به المكلف يستحيل منعه عن العمل بقطعه لاستلزامه التناقض أو الجمع بين الضدين، أما واقعا لو كان قطعه مصادفا للواقع، و أما في اعتقاد القاطع لو كان مخالفا، و يستحيل جعل حكم غير قابل لأن يصدق به المكلف و لأن يصير فعليا.

و أما ما أفاده من أخذ القطع بالحكم في موضوعه شرطا أو مانعا بمتمم الجعل‏

48

فقد ظهر فساده أيضا، لأنه كان متوقفا على كون الجعل الأولى بنحو الإهمال، و قد عرفت أنه لا محالة يكون مطلقا.

و أما ما أفاده من كون العلم مأخوذا في مسألة الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فليس كما ذكره و ذلك لأن غاية ما يستفاد من تلك الأدلة إنما هو اجزاء أحدهما عن الآخر عند الجهل بالحكم، لا أن الحكم مختص بالعالم به، و يؤيده أن العنوان المأخوذ في الرواية الإجهار فيما ينبغي الإخفات فيه أو الإخفات فيما ينبغي الإجهار به، و هذا ظاهر في ثبوت الحكم الأولي في حق الجاهل أيضا، و يؤيد ما ذكرناه التسالم على ثبوت العقاب على الجاهل بالحكمين عند المخالفة في بعض الصور.

و أما ما أفاده من ثبوت المنع عن العمل بالقطع الحاصل من القياس لرواية «أبان» ففيه:

أولا: أن رواية «أبان» ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها.

و ثانيا: إنه لا دلالة فيها على كونه قاطعا بالحكم. نعم يظهر منها أنه كان مطمئنا به، و لذا قال: «كنا نسمع ذلك بالكوفة، و نقول: انّ الّذي جاء به شيطان».

و ثالثا: ليس فيها إشعار بالمنع عن العمل بالقطع، و إنما أزال الإمام (عليه السّلام) قطعه ببيان أن السنة إذا قيست محق الدين، نعم ظهورها في المنع عن الغور في المقدمات العقلية لاستنباط الأحكام الشرعية غير قابل للإنكار، بل لا يبعد أن يقال، إنه إذا حصل منها القطع و خالف الواقع ربما يعاقب على ذلك في بعض الوجوه.

و تلخص مما ذكر أن أخذ القطع الطريقي بالحكم في نفسه غير معقول، و على تقدير إمكانه لا دليل على تقييد حكم من الأحكام به أصلا، كما لا دليل على المنع عن العمل بالقطع مضافا إلى استحالته، نعم أخذ العلم بالحكم بمرتبة في فعليته ممكن،

49

و سنتعرض له عن قريب إن شاء اللّه تعالى. هذا كله في أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه.

[أخذ القطع بالحكم في موضوع مثله‏]

و أما أخذه في موضوع مثله كما لو قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة يجب عليك الصلاة بوجوب آخر، فقد ظهر إمكانه بما قدمناه، لأنه يرجع الحكم الثاني إلى التأكيد، و لا يلزم منه اجتماع المثلين أصلا، كما إذا تعلق النذر بالإتيان بواجب أو أخذ ذلك شرطا في ضمن عقد فانه موجب للتأكد، و لا إشكال فيه.

[أخذ القطع بالحكم في موضوع ضده 49]

و أما أخذه في موضوع ضده، كما لو قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة يحرم عليك الصلاة مثلا فاستحالته واضحة، لاستلزامه اجتماع الضدين واقعا لو كان قطعه مصادفا للواقع، و في نظر القاطع لو كان مخالفا، فيستحيل فعلية مثل هذا الحكم، فيستحيل إنشائه. هذا كله في أخذ القطع الطريقي في الحكم بأنحائه.

[الكلام في القطع الموضوعي الاصطلاحي‏]

بقي الكلام في القطع الموضوعي الاصطلاحي، و هو القطع المتعلق بالموضوع الخارجي الّذي له دخل في الحكم أو المتعلق بالحكم إذا كان مأخوذا في موضوع حكم آخر يخالفه أو يماثله لا مضاده، و القسم المتقدم و إن كان موضوعيا بمعنى إلّا أنه غير الاصطلاحي كما هو واضح.

[المراد من القطع الموضوعي‏]

و ليعلم أولا أن المراد من القطع الموضوعي ليس القطع المأخوذ في لسان الدليل فقط، و إنما المراد منه القطع المأخوذ في موضوع الحكم الواقعي، فانه ربما يؤخذ القطع في لسان الدليل مع أنه غير دخيل في الحكم، بل يكون أخذه في لسان الدليل من جهة طريقيته للواقع و أنه أظهر أفراد الطرق و أصنافه، فليس ذلك قطعا موضوعيا، و أمثلته كثيرة، منها قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (1) فان الحكم بوجوب الإمساك مترتب على طلوع الفجر واقعا و مع ذلك‏

____________

(1) البقرة: 187.

50

جعل انتهاء أمد الترخيص التبين من غير أن يكون له دخل في ذلك، و منها قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (1) بناء على أن يكون المراد المشاهدة لا حضور الشهر، فانه ليس لمشاهدة الهلال دخل في وجوب الصوم، و لذا يجب الصوم على من علم بدخول الشهر أو قامت عنده حجة على ذلك و لو لم يشاهد الهلال إلى غير ذلك من الأمثلة، فالميزان في القطع الموضوعي ما ذكرناه.

و البحث في المقام يقع في جهات:

[الجهة الأولى: تقسيمات القطع الموضوعي‏]

الأولى: ان الشيخ (رحمه اللّه) قسم القطع الموضوعي إلى قسمين: ما يكون مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية، و ما يكون مأخوذا فيه على نحو الطريقية و الكاشفية (2).

و قسّم في الكفاية كلّا من القسمين إلى قسمين آخرين، فالأقسام تكون أربعة (3):

المأخوذ بنحو الصفتية جزء للموضوع و تمامه، و بنحو الكاشفية جزء الموضوع و تمامه.

الجهة الثانية: في بيان تقسيم الشيخ و تقريبه.

لا يخفى ان العقل بالملكة إذا صار عقلا بالفعل، و معناه أن قابلية الإدراك إذا خرجت عن القابلية و صارت إدراكا فعليا تكون من الصفات الحقيقية التعلقية، أي ذات الإضافة و التقييد بالحقيقة احترازا عن الأمور الإضافية المحضة التي لا واقع لها في الخارج، فانّ العلم ليس كذلك بل هو صفة حقيقية قائمة بالنفس، و حيث انّ حقيقته الانكشاف يكون من الأوصاف التعلقية ذات الإضافة، نظير الجهل و القدرة و العجز و أمثال ذلك من الأوصاف التي لا تتحقق إلّا متعلقة بشي‏ء، ففيه جهتان: جهة كونه صفة قائمة بالنفس و جهة كونه مضافا إلى ما في الخارج و انكشافا له. و الأغراض العقلائية تارة: تتعلق‏

____________

(1) البقرة: 185.

(2) فرائد الأصول: 1- 52- 53 (ط. جامعة المدرسين).

(3) كفاية الأصول: 2- 18.

51

به من الجهة الأولى، كما لو فرضنا أن الوسواسي لا يحصل له القطع بصحة وضوئه أو بدخول الوقت فينذر إذا تحقق له القطع و ارتفعت حيرته و اضطرابه يتصدق، فبالقطع ترتفع الحيرة و الاضطراب النفسانيّ، و لذا يسمى قطعا حيث أنه يقطعها، فهذا الشخص ليس له غرض بالواقع، و إنما غرضه زوال حيرته و اضطرابه.

و أخرى: ينعكس الأمر و يتعلق الغرض بجهة كشفه عن الواقع، كما لو فرضنا أنه يريد القطع بدخول الوقت للإفطار أو للصلاة في أول وقتها مثلا، فهذا الشخص يكون غرضه متعلقا بالقطع من الجهة الثانية. و يمكن دخل القطع بكل من القسمين في غرض الشارع أيضا، فتارة: يؤخذ في الموضوع بما أنه صفة للقاطع سواء كان مطابقا للواقع أو جهلا مركبا، و أخرى: يؤخذ من حيث كونه كاشفا و مطابقا للواقع.

و بما ذكرناه ظهر فساد ما في الكفاية من أن القطع يؤخذ في الموضوع بما أنه صفة للمقطوع‏ (1)، و ذلك لأن أخذه صفة للمقطوع به مستلزم لأخذه كاشفا و مع قطع النّظر عن جهة كشفه لا يكون صفة للمقطوع به كما هو واضح.

[بيان تقسيم صاحب الكفاية]

و أما تقسيم الكفاية فالقطع المأخوذ على نحو الصفتية كما أفاد ينقسم إلى قسمين: تارة: تكون تلك الصفة النفسانيّة تمام الموضوع و يترتب عليها الحكم، سواء كان متعلقه ثابتا أم لم يكن، نظير دخل العلم بالملكية في معذورية المتصرف، و أخرى: يؤخذ جزء للموضوع و جزئه الأخير تحقق متعلقه واقعا كما في العلم المأخوذ في الشهادة، حيث أشار (عليه السّلام) إلى الشمس و قال: «على مثلها فاشهد أو دع» (2) فانّ ظاهره أن العلم جزء للموضوع.

و أما القطع المأخوذ بنحو الطريقية و الكاشفية فأخذه جزء للموضوع في غاية

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 20.

(2) وسائل الشيعة: 18- باب 20 من أبواب الشهادات، ح 3.

52

الصحة و الوضوح، و أما أخذه تمام الموضوع فلا يمكن، لأنه من قبيل الجمع بين متناقضين، فان معنى أخذه بنحو الانكشاف عن الخارج هو أن لثبوت المنكشف دخلا في تحقق الحكم، و معنى كونه تمام الموضوع أنه لا دخل للواقع في تحقق الحكم، و أنه يترتب على القطع سواء كان هناك واقع أم لم يكن، و بعبارة أخرى: الانكشاف و ان كان ذاتيا للقطع، بل كما عرفت ذاته هو الانكشاف، و لكن الانكشاف إنما يكون في فرض ثبوت المنكشف واقعا، و إلّا فلا انكشاف، بل هو تخيل الانكشاف ليس إلّا. و بالجملة أخذ العلم بلحاظ كشفه عن المعلوم بالذات يرجع إلى أخذه بنحو الصفتية، و أخذه بلحاظ كشفه عن الخارج يستلزم دخل الواقع في الحكم أيضا، فلا معنى حينئذ لكونه تمام الموضوع.

فالتحقيق: هو تثليث الأقسام كما أفاده المحقق النائيني‏ (1)، و بالقطع الطريقي المحض تكون الأقسام أربعة.

مدى قيام الأمارات و الأصول مقام القطع:

[قيام الأمارات و الأصول المحرزة مقام القطع الطريقي المحض‏]

ثم لا كلام في أن الطرق و الأمارات و الأصول المحرزة تقوم مقام القطع الطريقي المحض بنفس أدلة حجيتها، و يترتب عليها جميع الآثار المترتبة عليه من تنجيز الواقع به إذا أصاب، و كونه عذرا إذا أخطأ، و كون مخالفته تجريا و موجبا لاستحقاق العقاب إلى غير ذلك من الآثار المترتبة على القطع الطريقي، مثلا إذا قامت إمارة على حرمة شي‏ء يكون منجزا للواقع و لو كانت مخالفة للواقع، و إذا قامت على عدم وجوب شي‏ء يكون معذرا و لو كان في الواقع واجبا، و جميع هذه الأمور شأن القطع الطريقي.

[قيام الطرق و الأمارات مقام القطع الموضوعي‏]

و إنما الخلاف في قيامها مقام القطع الموضوعي بنفس تلك الأدلة، و الأقوال‏

____________

(1) فوائد الأصول: 3- 10- 11.

53

فيه ثلاثة:

أحدها: قيامها مقامه بجميع أقسامه من المأخوذ بنحو الصفتية أو الكاشفية جزء للموضوع و تمام الموضوع.

ثانيها: ما يقابل هذا القول، و هو عدم قيامها مقامه مطلقا بجميع أقسامه، و هذا مختار صاحب الكفاية (1).

ثالثها: هو التفصيل‏ (2)، و القول بقيامها مقام المأخوذ في الموضوع بنحو الكاشفية، و عدم قيامها مقام المأخوذ على نحو الصفتية سواء كان جزء الموضوع أو تمامه، و هذا هو مختار الشيخ (قدّس سرّه) و تبعه في ذلك جماعة منهم المحقق النائيني (قدّس سرّه).

و التحقيق: أن قيامها مقام القطع المأخوذ على نحو الصفتية غير ممكن، و ذلك لأن غاية ما يستفاد من أدلة حجية الطرق و الأصول المحرزة إنما هو تنزيل مؤداها منزلة الواقع و إلغاء احتمال الخلاف فيها، و القطع و ان كان ذاته انكشافا إلّا أنه بعد أخذه في الموضوع صفة لا يكون إلّا كبقية الصفات النفسانيّة من العدالة و الشجاعة و السخاوة، و من البديهي أن دليل إلغاء احتمال الخلاف في مؤدى الطرق لا يوجب تنزيلها منزلة الصفات النفسانيّة، و هكذا دليل الأصول المحرزة. و بالجملة ان الشارع و ان كان له تنزيل كل شي‏ء منزلة كل شي‏ء، كما نزل الطواف منزلة الصلاة، و الفقاع منزلة الخمر، إلّا أنه محتاج إلى دليل، و أدلة حجية الأمارات و الأصول المحرزة لا تتكفل ذلك كما عرفت.

و أما قيامها مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الكاشفية و الطريقية بتلك الأدلة فأفاد صاحب الكفاية في استحالته ما حاصله: أن تنزيل شي‏ء منزلة شي‏ء متوقف على لحاظ طرفي التنزيل، و لحاظ القطع الطريقي لا بد و أن يكون آليا، بخلاف‏

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 20- 21.

(2) فرائد الأصول: 1- 53 (ط. جامعة المدرسين). فوائد الأصول: 3- 21.

54

القطع الموضوعي فانه يكون ملحوظا استقلالا، و على هذا ففي مقام تنزيل الطرق و الأصول المحرزة منزلة القطع الطريقي لا بد و أن يلحظ المنزل و المنزل عليه باللحاظ الآلي بأن يكون الملحوظ حقيقة هو الواقع و المؤدى، و في مقام تنزيلها منزلة القطع الموضوعي لا بد من لحاظها باللحاظ الاستقلالي، فإذا أريد جعل كلا التنزيلين و إنشاؤهما بدليل واحد يلزم لحاظ كل من القطع و الطرق أو الأصول في أن واحد بلحاظين، أحدهما آلي و الآخر استقلالي، و يستحيل تعلق لحاظين في آن واحد بملحوظ واحد، سواء كانا استقلاليين أو آليين، أو كان أحدهما آليا و الآخر استقلاليا، و هذا المحذور إنما يجري فيما إذا كان التنزيلان في آن واحد و بدليل فارد، بخلاف ما لو كان بدليلين، كأن يقال صدق العادل مثلا، و يراد به التنزيل من حيث الطريقية، ثم يقول ثانيا صدق العادل و يقصد به التنزيل من حيث الموضوعية، فانه لا محذور في ذلك.

ثم بعد هذا البيان أورد على نفسه بأنّ لازمه أن يكون دليل التنزيل مجملا إذا لم يعلم أن المصحح للتنزيل و الجعل كان هو اللحاظ الآلي أو اللحاظ الاستقلالي، و لا يكون لأحدهما مرجح على الآخر.

ثم أجاب عن ذلك: بأنّ تنزيل شي‏ء منزلة القطع يكون ظاهرا عرفا في التنزيل من حيث الطريقية، و يعرف ذلك من مراجعة العرف، فإذا لم يكن قرينة على الموضوعية يحمل على ظهوره الأولي.

هذا حاصل ما أفاد (1).

و فيه: أولا: أنه مناف لما التزم به من أن المجعول في الطرق و الأمارات هو الحجية، أي المنجزية على تقدير موافقتها للواقع و المعذورية على تقدير المخالفة،

____________

(1) كفاية الأصول: 2- 21- 22.

55

و ذلك لأن ما ذكره من الجمع بين اللحاظين إنما يلزم فيما إذا كان التنزيل في المؤدى المستلزم للحاظ القطع و الطريق آليا، و أما بناء على القول بجعل المنجزية و المعذرية كما اختاره و صرح به غير مرة فلا يلزم من تنزيلها منزلة القطع بقسميه إلّا لحاظها بلحاظ واحد استقلالي من دون أن يكون هناك نظر إلى الواقع و المؤدى.

و بعبارة أخرى: بعد لحاظ كل من الطريق و القطع استقلالا كما يمكن تنزيل الأول منزلة الثاني بلحاظ خصوص الحكم العقلي المترتب على القطع تارة و من حيث خصوص الحكم الشرعي المترتب عليه أخرى بأن يكون جهة التنزيل ما أخذ القطع في موضوعه من الحكم الشرعي، كذلك يمكن أن يكون التنزيل من الحيثيتين معا، فان كلّا من الحكمين مترتب على نفس القطع بما هو لا بما أنه طريق أو مأخوذ في الموضوع، فيترتب عليها حينئذ الحكم العقلي الثابت للقطع و هو التنجيز و التعذير و الحكم الشرعي المترتب عليه معا.

و ثانيا: كما لا يمكن أن يكون المجعول في الطرق و الأمارات هو المؤدى لاستلزامه التصويب و كون الأحكام الواقعية تابعة لقيام الأمارات- على أنه مستحيل في نفسه كما سيأتي تفصيله- كذلك لا يمكن أن يكون المجعول فيها نفس المنجزية و المعذرية لاستلزامه التخصيص في الحكم العقلي، و تخصيص حكم العقل بعد ثبوت ملاكه خلف محال، و ذلك لأن العقل مستقل بقبح العقاب بلا بيان و عدم تنجز الأحكام الواقعية ما لم تكن واصلة بأحد أنحاء الوصول، فتخصيص هذا الحكم العقلي بمورد دون مورد غير ممكن.

و بعبارة أخرى الشارع في مقام التنزيل أما أن يتصرف في موضوع هذا الحكم العقلي و يجعل اللابيان بيانا فبالتعبد يثبت توسعة في الوصول، و عليه فالعقل بنفسه يستقل بالتنجيز عند قيام الأمارة، فجعله شرعا يكون لغوا، و إما يريد أن يتصرف في الحكم دون الموضوع، و هذا تخصيص في حكم العقل، و هو محال كما بين‏

56

في محله. فعلى أي حال لا معنى لجعل المنجزية و المعذرية ابتداء، بل المجعول في الطرق و الأمارات هو الوسطية في الإثبات أو تتميم الكشف أو الطريقية، و ما شئت فعبر، فان المراد واحد.

بيان ذلك: أن القطع فيه جهتان: إحداهما: جهة كونه صفة في النّفس رافعا للاضطراب و التحير، و هذا أمر تكويني غير قابل للجعل و الاعتبار، ثانيهما: جهة كونه انكشافا للواقع، و الطرق و الأمارات، منزلة منزلته من هذه الجهة لا من الجهة الأولى، و لذا يكون التحير النفسانيّ بعد التعبد و قيام الطريق أيضا باقيا على حاله و لا يزول بالتعبد، فتأمل.

و معنى التنزيل من الجهة الثانية أن الأمارات التي كانت لها كاشفية ناقصة ألغى الشارع نقصانها تعبدا فصارت كاشفا تاما، و توضيحه: هو أن المجعولات الشرعية غير منحصرة بالأحكام التكليفية الخمسة، بل هناك قسم آخر يسمى بالأحكام الوضعيّة نظير الملكية و الزوجية و أمثال ذلك، و الملكية عبارة عن السلطنة على الشي‏ء، و هي تارة تكون خارجية، و أخرى اعتبارية شرعية من دون أن يكون في الخارج سلطنة، و لذا ربما تعتبر بين شيئين أحدهما بالمشرق و الآخر بالمغرب بحيث لا يجتمعان خارجا فضلا عن تحقق السلطنة الخارجية لأحدهما على الآخر، و من هذا القبيل الكاشفية و الطريقية، فالكاشف الخارجي الحقيقي هو القطع، و الكاشف الاعتباري هو الطرق و الأمارات التي اعتبر لها الشارع الكاشفية التامة بعد ما كانت كاشفيتها ناقصة و جعلها كالقطع، و بنفس هذا الاعتبار و التنزيل تترتب آثار الواقع على مؤداها، لا من جهة جعل المؤدى، بل لكونه محرزا تعبدا، و تترتب آثار نفس القطع على نفسها بالأولية و الأولوية، فتكون منجزة للواقع و معذرة عنه، و يلتئم منها الموضوع المأخوذ فيه القطع على وجه الطريقية.

ثم لا يخفى أن إشكال التصويب لا يرد على ما ذكرناه، فان الواقع بعد التنزيل‏