درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
568 /
15

-

16

درر الفوائد في الحاشية على الفرائد

17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله رب العالمين، و الصّلاة و السّلام على محمّد (1) و آله أجمعين، الطّيبين الطّاهرين، و لعنة اللَّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين.

فيقول العبد الإثم، الفقير (2) إلى ربّه‏ (3) العاصم، محمد كاظم الطّوسي‏ (4)، إنّي بينما أراجع هذه الدّرر البهيّة، و أطالع تلك الغرر السّنيّة، الّتي صنّفها علامّة الآفاق، و أستاذ الكلّ على الإطلاق، عماد الملّة و الدّين، و مروّج شريعة سيّد المرسلين، و تاج الفقهاء و المجتهدين، من القدماء و المتأخّرين، فخر المحقّقين، و افتخار المدقّقين، الورع التّقيّ، الصّفيّ النّقيّ، علم الهدى، أستاذنا و مولانا، و آية اللَّه في الورى «الحاج شيخ مرتضى الأنصاري» تغمّده اللَّه بغفرانه، و أسكنه فسيح جنانه.

سنح بخاطري الفاتر، ان أعلّق عليه وجيزة لطيفة، و تعليقة (5) مشتملة على فوائد استفدتها

____________

(1)- و في «ق»: و الصلاة و السلام على محمد خاتم النبيين و على آله الطيبين ...

(2)- و في «ق»: المفتقر.

(3)- و في «ق»: إلى عفو ربه.

(4)- و في «ق»: محمد كاظم ابن الحسين الطوسي.

(5)- و في «ق»: تعليقة خفيفة ...

18

من الأساتيذ، و عوائد ادّخرتها من الأسانيد، و زوائد ظفرت عليها بالنّظر الثّاقب، و الفكر الصّائب ليكون تذكرة لي، و لمن راجعها من بعدي، و المرجوّ من الناظرين، ان ينظروا إليها بعين اللطف و الإنصاف، و يتجنّبوا التّعصب و الاعتساف، و باللّه أستعين انّه خير معين، و عليه توكلت و إليه أنيب.

19

المبحث الأوّل في القطع‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

قوله (قدّس سرّه) اعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي- إلخ-.

مراده بالمكلف، من وضع عليه القلم من البالغ العاقل، لا خصوص من تنجّز عليه التكليف، و إلاّ لما صحّ جعله مقسما لما ذكر من الأقسام، إذ بينها من لم يكن عليه تكليف أو لم ينجّز عليه، و لا خصوص من بلغ درجة الاجتهاد، كما ربّما يوهمه اختصاص بعض الأحكام الآتية به، إذ لا عبرة بظنّ غيره بالحكم أو شكّه فيه، لعموم أحكام القطع، و إمكان منع الاختصاص في أحكامها لعموم أدلتها. غاية الأمر انّ المجتهد لمّا كان متمكّناً من تعيين مفاد الأدلة و مجاري الأصول بما لها من الشروط، دون غيره، ينوب عنه في ذلك فتأمل.

و القيد على ما هو الأصل فيه، ان يكون احترازياً لا توضيحيّاً، ذكر توطئة لذكر الأقسام.

لا يقال: لا وجه لإخراج غير الملتفت، إذا القاصر منه معذور بحكم ما دلّ على البراءة من العقل و النّقل، و مقصّره غير معذور، لعموم ما دلّ على استحقاق من ثبت‏ (1) عليه الحجّة للعقوبة.

لأنّا نقول: انّ ما يهمّ الأصولي هو بيان القواعد العامّة، الّتي يستعملها الفقيه في مقام تعيين ما للعمل من الحكم عقلا أو شرعاً، الّذي يصحّ‏ (2) ان يستند إليه في الامتناع عنه أو الاقتحام فيه، و لاحظّ للغافل من ذلك أصلاً، ضرورة امتناع ان يكون الامتناع منه أو الإقدام، عن استناد إلى حكم أصلاً، لا كلّ ما للعمل من الآثار، مثل انّه يوجب العقوبة أوّلاً، و ان كان ربّما يذكره استطراداً. و مراده من الحكم الشرعي، الثابت للعناوين الكلّيّة للافعال الّذي من شأنه ان يؤخذ من الشّارع، لا ما كان لمصاديقها من مجرد تطبيقها

____________

(1)- خ ل: تمت.

(2)- و في «م»: صح.

22

عليها.

قوله (قده) فامّا ان يحصل له الشّك أو القطع- إلخ-.

لا يخفى انّ الظن و الشّك يتداخلان بحسب الحكم، فربّ ظنّ لا يساعد على اعتباره دليل، فيلحقه ما للشّك من الرّجوع في مورده إلى الأصول. و ربّ شكّ اعتبر في مورده ما لا يورث الظن أصلاً أمارة و طريقاً، كما إذا اعتبر مثلاً خبر من لم يتحرّز عن الكذب غالباً من جهة حكايته و نظره، فلا يبقى مجال معه للرّجوع إلى الأصل‏ (1) منها أصلاً.

فالأولى ان يقال: «امّا ان يحصل له القطع أولا» و على الثاني «امّا ان يقوم عنده طريق معتبر أولا» حتّى لا يتداخل الأقسام بحسب ما ذكر لها من الأحكام.

لكن لا يخفى انّ جهة البحث فيها تختلف و يكون في الطّرفين فيما لهما من الحكم عقلاً أو شرعاً، بخلاف الوسط فانّه في الأصل تحققه و ثبوته شرعاً أو عقلاً. و بعبارة أخرى يكون صغروياً، بخلافهما فانّه فيهما في الكبرى. و المراد بالقواعد ما لا يختصّ بباب دون باب، بل يعمّ أبواب الفقه، فلا يرد النّقض على حصرها بقاعدة الطّهارة في الشّبهة الحكميّة لاختصاصها بهذا الباب.

لا يقال: كيف! و ليس ذا إلاّ شأن الاستصحاب، إذ لا مجال لغيره في الحكم الوضعي و أكثر الفقه من قبيله، فانّه ما من وضع إلاّ و في مورده حكم تكليفيّ ملزوم أو لازم له يستتبع‏ (2) الشّك في أحدهما، الشّك في الاخر، فيظهر حكم العمل من إجراء واحد منهما (3) فيه. و وجه تسميتها بالأصول العمليّة، انّها متكفّلة لأحكام العمل الخالي عن الدليل، ينتهى إليه الفقيه بعد الاجتهاد في حكمه، و اليأس عن الظّفر بدليله بتطبيقها عليه من ان يوحد (4) في طريق استنباط حكم أصلاً. و ظهر بذلك وجه تسميتها بالأدلّة الفقاهتيّة أيضا، و هذا بخلاف الطّرق المعتبرة، فانّها بمفادها تؤخذ في طريق استنباط الأحكام، و لذا يسمّى بالأدلّة الاجتهاديّة. و حصرها في الأربعة انّما يكون بالاستقراء. و ما ذكره (قدّس سرّه) في تعليله من الوجه الدّائر بين النّفي و الإثبات، غير مرتبط به، و انّما هو الوجه في حصر مواردها.

و الظّاهر انّ ذكره في وجه حصرها، انّما هو بملاحظة مقدّمة مطويّة، و هي انّ استقراء حكم العقل و عموم النّقل في هذه الموارد الأربعة يشهد بأنّ القواعد المقرّرة فيها أيضاً أربعة.

____________

(1)- و في «م»: أصل.

(2)- خ ل: ليستتبع.

(3)- و في «م»: منها.

(4)- خ ل: يؤخذ.

23

ثمّ اعلم انّ الأحسن في ضبط مجاري الأصول ان يقال: انّ الشّك امّا ان يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا، و الأوّل مجرى الاستصحاب. و على الثاني امّا انّه ممّا يمكن الاحتياط، و ان لم يكن الشّك في أصل الإلزام، بل كان الإلزام في الجملة معلوماً، كما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء اخر، أو دار الوجوب أو الحرمة بين شيئين، حيث انّه يمكن الاحتياط فيهما، أو كان الشّك فيه و ان لم يمكن فيه الاحتياط، أم لا، كما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمته و إباحته، فانّه لا يمكن فيه الاحتياط و ان كان الشّك فيه في أصل التّكليف، فيكون مجموع أقسام هذا الشّق بكلا شقّيه أربعة، و الشقّان متداخلان في دوران الأمر بين وجوب شي‏ء أو حرمته و بين إباحته، و يتفارقان في دوران الأمر في الوجوب و الحرمة بين الشيئين، و الدوران بين وجوب شي‏ء و حرمة اخر، و الدوران بين الوجوب و الحرمة و الإباحة في شي‏ء كما لا يخفى على المتأمل. الثاني مجرى التّخيير، و على الأول: امّا ان يكون في البين حجّة ناهضة على التّكليف عقلاً أو نقلاً، أم لا. الأوّل مجرى الاحتياط، و الثاني مجرى البراءة. و ذلك لعدم انتقاض واحد من المجاري بالاخر طرداً و عكساً، بخلاف ما ذكره هاهنا، و في أصل البراءة كما بينّاه فيما علّقناه و حققناه سابقاً ما (1) ملخّصه:

هو انتقاض مجرى كل واحد من البراءة و الاحتياط بمجرى الاخر طرداً و عكساً في كلتا العبارتين بما إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء اخر، حيث انّ قضيّتهما ان يكون مجرى البراءة، حيث انّه شكّ في التّكليف، و يمكن فيه الاحتياط، و مختاره فيه الاحتياط، و انتقاض كلّ من مجرى البراءة و التّخيير بالاخر، طرداً و عكساً في العبارة الأولى، بما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة في شي‏ء واحد، حيث انّه ممّا لا يمكن فيه الاحتياط، و قد جعل فيها مطلقا ضبطاً لمجرى التّخيير، و مختاره فيما كان منه كذلك البراءة.

و في العبارة الأخرى بما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد، فانّ الشّك فيه في التكليف، و قضيّة الإطلاق في ضبط مجرى البراءة فيها ان يكون مجرى‏ (2) البراءة، و هو على مختاره من مجاري التخيير، انتهى.

و لا يخفى ما في عبارته (قدّس سرّه) في أول مسألة أصالة البراءة من الاختصاص بانتقاض كل واحد من مجرى التّخيير و البراءة بالاخر بخصوص ما يختصّ به العبارة الأولى من دون انتقاض اخر يشارك فيه الأخرى، كما لا يخفى.

____________

(1)- خ ل: بما

(2)- و في «م»: من مجاري.

24

لكن هذا كلّه انّما هو على تقدير ان يكون المراد من التّكليف نوعه الخاصّ من الإيجاب أو التّحريم، كما نصّ عليه في أول مسألة أصالة البراءة، و مما أمكن فيه الاحتياط، ما أمكن فيه الاحتياط التّام، لا ما إذا أريد مطلق الإلزام، و ما يمكن فيه الاحتياط في الجملة، حيث انّ دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي‏ء أو في شيئين على هذا من الشّك في المكلّف به، لا في التكليف، و دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة مما يمكن فيه الاحتياط في الجملة بالتزام جانب الإلزام، و معاملة الواجب معه أو الحرام، دون الأخذ باحتمال الإباحة و معاملة المباح لأقلية احتمال خلاف الواقع معه كما لا يخفى.

ثم انّ سلامة ضبط مجاري الأصول في العبارة الّتي قد ذكرناها، انّما هو على المختار من حجيّة الاستصحاب مطلقا. و اما على مختاره من عدم حجّيته في الشّك في المقتضى، فما ذكر فيها ضبطاً لمجراه و مجرى ساير الأصول من غير تفاوت فيها أصلاً، منتقض عكساً و طرداً، فلا جرم عليه ان يقيد مجرى الاستصحاب بكون تلك الحالة الملحوظة تبقى بنفسها لو لم يرفعها رافع.

ثم انّ المراد من التّخيير، و ان كان هو التخيير في العمل بعد التوقّف عن الحكم في مقام الفتوى و هو لم يتميّز عن البراءة عملاً أصلاً؛ إلاّ انّ ملاكه قبح التّرجيح بلا مرجّح مع عدم التّمكن من مراعاة الواقع، بخلافه فيها، فانّه قبح العقاب بلا بيان مع التّمكن من مراعاته بالاحتياط.

و بعبارة أخرى، انّ ترخيص العقل في الاقتحام فعلاً أو تركاً في مورد التّخيير، انّما هو لعدم التّرجيح في أحدهما، و عدم تمكنه من تمام المراعاة بالاحتياط، و من تركه هذا المقدار من المراعاة مع علمه الإجماليّ الّذي لو لا ذلك، كفى به برهاناً و بياناً، و فيها انّما هو لقبح العقاب بلا بيان، مع انّ مراعاة التّكليف المجهول في موردها بمكان من الإمكان.

قوله (قده) لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه- إلخ-.

اعلم انّ البحث فيه (تارة) من حيث انّه يوجب العمل على طبقه، و الحركة على وفقه بما هو كاشف، بان يؤتى بما قطع وجوبه مثلاً بما هو واجب، لا بما هو صفة عارضة، و خصوصية لاحقة، بان يؤتى‏ (1) به بما هو مقطوع الوجوب. (و أخرى) من حيث انّه يوجبه كذلك لا بما هو كاشف. (و ثالثة) من حيث انّه يورث استحقاق العقوبة على مخالفة الواقع بترك اتباعه و عدم استحقاقها عليها باتّباعه.

____________

(1)- و في «م»: يأتي.

25

و الكلام في المقام مسوقة (1) فيه من الحيثيّة الأولى، كما هو كذلك ممّا ينبغي ان يبحث عنه في الأصول، لما أشرنا إليه من انّ همّه بيان ما يصحّ ان يستند إليه في الاقتحام، و يفتى معه بالمنع أو الاذن في الإقدام. و امّا البحث فيه من غير هذه الحيثيّة، فهو أشبه بمباحث الكلام. و امّا من الحيثيّة الثّانية ففي مسألة التجري. و من الثالثة فسيجي‏ء في مطاوي كلماتنا عن قريب.

إذا عرفت ذلك فنقول: انّ وجوب اتباع القطع عقلاً، و لزوم العمل على وفقه بما هو كاشف، بمعنى انقداح الملزم العقلي، و المحرّك العقلائي في نفس القاطع، نحو فعل ما قطع وجوبه فعلاً، و ترك ما قطع حرمته كذلك بحيث يرى نفسه مذموماً على ترك الأول و فعل الثاني، و مستحقاً للعقوبة من قبل المولى على مخالفة امره أو نهيه، و انقداح ما يؤمّنه من الذّمّ و العقوبة، و استحقاق المولى للذّم‏ (2) على مؤاخذته، مع القطع بموافقة امره أو نهيه بديهي لا يحتاج إلى مزيد بيان و مئونة برهان، كما يشهد به الوجدان.

ثم انّ وجوب الاتّباع بهذا المعنى، انّما هو على نحو التنجيز و العليّة التّامة، لا على صرف الاقتضاء، و التّعليق على عدم المنع عنه شرعاً، و ذلك لأنّ القطع لمّا كان بنفسه يحكى الواقع، و يكشف عنه تمام الانكشاف بحيث يراه القاطع بلا سترة، و لا حجاب، و لا نقاب، كان كما (3) لا يمكن ان تناله يد التّصرف و الجعل أصلاً، لا تكويناً و لا تشريعاً، نفياً و إثباتاً.

اما التّكوين‏ (4) مطلقا، فَلأن الجعل التّأليفي، و هو جعل الشي‏ء شيئاً، انّما يكون بين الشّي‏ء و بين ما يمكن ثبوته له، كعوارضه المفارقة، لا بينه و بين ما كان ضروريّ الثّبوت له، فلا تكون الزوجية مجعولة لهذا الجعل للأربعة، و ان كانت مجعولة بعين جعلها بالعرض.

و اما التشريعي فإثباتاً، لأن الجعل التشريعي التعبدي، لا يعقل لتعلقه بالأمور التكوينية الواقعة معنىً، كما لا يخفى. و نفياً لأن نفي كشفه شرعاً الراجع إلى عدم وجوب اتباعه، أو إلى المنع عنه، راجع إلى ترخيص فعل ما يقطع حرمته، أو منع فعل ما يقطع وجوبه، فكيف يمكن ان يذعن به مع الإذعان، بضده و نقيضه من الحكم المقطوع به في مرتبة واحدة و هي مرتبة الحكم الواقعي لانكشاف الواقع، بحاقه من دون سترة موجبة لمرتبة أخرى، غير تلك المرتبة، ليكون الحكم فيها حكماً ظاهريا لا ينافي ما في المرتبة الأخرى.

____________

(1)- خ ل: مسوق‏

(2)- خ ل: الذم‏

(3)- خ ل: مما

(4)- و في «م»: التكويني.

26

و منه يظهر فساد توهم قياس النهي عن اتباعه، على النهي عن القياس في صورة الانسداد مع ان الظن مطلقا و لو (1) على القياس، في هذه الصورة يجب اتباعه لولاه، و ذلك لأن النهي عنه إذا (2) صح ببعض الوجوه الآتية، لا يكون إلا حكما ظاهرياً لا ينافي الحكم الواقعي لو خالفه، كما إذا اصابه و وافقه.

و بالجملة وجوب الاتباع في القطع حكم تنجيزي من العقل غير معلق على شي‏ء أصلاً كما بيناه بما لا مزيد عليه بخلافه في الظن، فانه حكم تعليقي منه، معلق على عدم النهي عنه، و التفاوت انما هو انحطاط مرتبتي الواقع و الظاهر معه، دونه.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول‏

ان القطع لما كان بنفسه يكشف عن متعلقه تمام الانكشاف، كان متعلقه بمجرد تعلقه به ثابتا لدى القاطع، من دون مئونة تأليف قياس يقع في وسطه، و هذا أوضح من ان يخفى، بخلاف الظن المعتبر، و هكذا الأصول العملية فانه لا بد في إثباته به تعبدا من توسيطه من‏ (3) قياس مؤلف من صغرى وجدانية، و كبرى شرعية مأخوذة مما دل على اعتباره، مثل ان يقول‏ (4): صلاة الجمعة مثلاً مظنون الوجوب، و كل مظنون الوجوب واجب، هذا بالنسبة إلى المتعلق.

و اما آثاره، فمع القطع به انما يترتب عليه مطلقا، لكن لا من القطع به، بل من القطع بها الناشئ منه و من القطع بالملازمة، فلا بدّ فيه من تأليف قياس هكذا مثلا صلاة الجمعة واجبة و كل واجب يجب مقدمته، أو يحرم ضده و هكذا ساير ماله شرعا أو عقلاً أو إعادة، و مع الظن به انما يترتب عليه بعد ثبوته به، على النحو الّذي عرفته خصوص ما له شرعاً و لو بالواسطة بلا توسيط أيضا، بل بما يتألف من صغرى مأخوذة مما دل على اعتباره، و كبرى مستفادة مما دل على ثبوت تلك الآثار له، فيقال: صلاة الجمعة التي ظن وجوبها واجبة لما مر، و كلما كانت واجبة يكون كذا شرعاً لما دل على ذلك.

فظهر مما بيناه، ان الفرق انما هو توسيط الظنّ دون القطع في إثبات نفس ما تعلق‏ (5) به‏

____________

(1)- و في «م»: من.

(2)- و في «م»: يصح.

(3)- و في «م»: في.

(4)- خ ل: يقال‏

(5)- و في «م»: تعلقا.

27

من الحكم، لا في ترتيب آثاره عليه، كما أفاده (قدّس سرّه)، فتأمل جيداً.

الثاني‏

ان اختلاف افراد القطع إصابة و خطأ، قصوراً و تقصيراً، و ان كان يوجب تفاوت افراد القاطع في صورة اتباعه و عدمه في استحقاق العقوبة و عدمه، كما سنشير إليه كما يتفاوت معه الحال في طرف متعلقه بآثاره‏ (1)، و أحكامه العقلية و الشرعية، في الثبوت و عدمه، الا ان ذلك لا يوجب التفاوت أصلاً فيما هو اثره، من وجوب الاتباع بالمعنى المزبور، حيث انه تمام موضوع لهذا الحكم. فتفطن و لا تكن من الغافلين.

الثالث‏

الظاهر ان إطلاق الحجة عليه و على ساير الطرق و الأمارات المعتبرة، بل الأصول العملية من باب واحد، و معنى فارد، و هو عبارة عما قطع به عذره لو خالفه و قد صادف و يصير عذره لو وافقه فيما أخطأ و خالف. و بعبارة أخرى يطلق عليه و عليها بالمعنى الّذي يستعمل فيه في العرف العام، لا بما اصطلح عليه في الميزان، و الظاهر عدم اصطلاح جديد لها في الأصول، كما يظهر من عبارته (قده) «إذا المراد- إلخ-» حينئذ. كيف، و قد عرفت عدم توسيط واحد من الطرق و الأصول في ترتيب أحكام متعلقاتها، بل في إثبات نفس عناوينها. فتدبر جيداً.

الرابع‏

انه لا يخفى ان وجوب الاتباع، هو محض إرشاد من العقل من دون استتباع لحكم شرعي مولوي، لعدم ما هو ملاك مولوية الطلب هاهنا، و هو ان يصير داعيا للمأمور، لو لم يكن له في نفسه داعي اما خوفاً من العقوبة، أو طمعاً في المثوبة، أو محض الشوق إلى القرب على اختلاف مراتب العبيد في ذلك، و الاتباع بنفسه من دون طلب مولوي يكون تمام هذه الدواعي، فلما ذا أنشأ من جهة المولوية طلب و بدونه لا يكاد ان يكون ذلك أبداً. و سيجي‏ء لذلك مزيد بيان إن شاء اللَّه تعالى.

الخامس‏

ان القاطع لو أخطأ قطعه، فان كان عن قصور فلا إشكال في عدم استحقاقه العقوبة

____________

(1)- و في «م»: و آثاره.

28

على مخالفة الواقع، و ان كان عن تقصير فانّما يستحقّها فيما لولاه، لتمكنه من الواقع اما بإصابته، أو إصابة ما يرجع إليه عند فقده من أمارة أو أصل، لا مطلقا و لو فيما إذا لم يتمكن منه لخطإ ما يقوم عنده، و ذلك لأن المؤاخذة عليه حينئذ بلا بيان و لا برهان.

السادس‏

انه قد عرفت بعض الكلام في القطع بالحكم الكلي، كما هو المقصود الأصلي في المقام، و لا بأس بالاستيفاء ما للقطع مطلقا عن الأقسام، و بيان ما لها من الأحكام.

فاعلم انه (تارة) يكون كاشفا محضاً عما تعلق به من حكم أو موضوع ذي أثر، و حكم من دون ان يكون له دخل بنحو آخر في الموضوع أصلاً، و ان كان ربما يتفق كون الموضوع بما هو موضوع الحكم ملازماً للقطع، كما إذا أخذت فيه خصوصية لا يتحقق بدون القطع به.

(و أخرى) يكون له ذلك، اما بان يكون تمام الموضوع، مثل ما إذا كان المائع المقطوع كونه بولاً نجساً واقعاً و لو لم يكن بولاً، أو بان يكون جزئه و قيده، مثل ان يكون البول الواقعي المقطوع نجساً لا البول مطلقا و لا مقطوعه كذلك؛ و على التقديرين قد يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه، بان يكون كشف المتعلق به بما هو كشف له دخل على أحد الوجهين، أي تمام الموضوع، أو جزئه، أو قيده، كما انه على تقدير (1) الاخر بما هو صفة خاصة، أو كشف خاص له دخل كذلك، و قد يؤخذ بما هو صفة له، اما لإلغاء جهة كشفه و هو ملاحظة انه كيفية نفسانية كسائر كيفياتها إذا صار لها دخل في موضوع حكم من الأحكام، أو لا عتبار خصوصية فيه من كونه من سبب خاص أو لشخص كذلك أو غيرهما.

إذا عرفت هذه الأقسام، فمجمل الكلام في تفصيل ما لها من الأحكام، انها تكون بين فقهية و أصوليّة.

اما الفقهية منها، فهي ان الاجزاء و سقوط الإعادة فيما يكون القطع كشفاً محضاً على النحو الأول عنه، و كذا سائر الآثار الشرعية يدور مدار الواقع‏ (2) و لو لم يتعلق به قطع، و فيما كان له دخل في الموضوع على النحو الأول منه، يدور مداره و لو لم يكن متعلقه متحققاً، و في غيرهما يدور مدارهما.

____________

(1)- و في «م»: التقدير.

(2)- و في «م»: مدار تحقق الواقع.

29

و اما الأصولية، فهي انه لا إشكال و لا كلام في قيام الطرق و الأمارات بنفس دليل اعتبارها بمجرده مقام القطع على النحو الأول من الكشف المحض، كما لا ينبغي الإشكال في عدم قيامها بذلك مقامه على النحو الثاني منه، و كذا فيما له دخل في الموضوع على نحو الصفتية لا الكاشفية، و ذلك لأن قضية دليل حجية الأمارة انما هو الالتزام بمؤداها بآثاره الشرعية، و ليس له أثر فيها (1) يلتزم به، و انما هو لملازم القطع، أو للمقيد به، أو لنفسه، لا لنفس المؤدى، كما لا يخفى. و اما ما أخذ فيه على نحو الكشف موضوعاً أو قيداً له، فظاهره (قدّس سرّه)، لو لم يكن صريحه، قيامها بمجرد دليل الاعتبار مقامه أيضاً.

و قصارى ما يقال في تقريب ذلك، ان مفاده جعل الأمارة و تنزيلها بما هي شي‏ء في نفسه، و بما هي حاكية عن غيره؛ أي: سواء كان‏ (2) ملحوظة بنفسها و بما هي شي‏ء بحيالها كسائر الأشياء، أو بما هي حاكية و ينطبع فيها المحكي و وجهه و مرآته، بحيث لا ينظر إليها على الاستقلال بل يتبعه. و لا يخفى ان كل واحد من المنزل و المنزل عليه على هذا التقدير، أي مساعدة دليل اعتبار الأمارة على ذلك، يكون في الحقيقة اثنين و هما الحاكي و المحكي في الطرفين، و كذا ما بحسبه التنزيل من الأحكام يكون طائفتين: إحداهما ما للواقع فيترتب على مؤدى الأمارة، و الأخرى ما للقطع إذا كان له على نحو الكشف دخل في الموضوع سواء كان تمامه، أو قيده و قوامه.

قلت: لا إشكال في إمكان استفادة قيامها مقامه كذلك‏ (3) في خطاب واحد، إذا كان فيه ما يكون مفهومه‏ (4) العام جامعاً لذلك بتمامه، مثل ما عبرنا به في المقام. و اما إذا لم يكن في البين ما يكون له مفهوم عام كذلك، فلا إشكال فيه، بل للمانع مجال، إذ حينئذ لا بد له من دليل الاعتبار و التنزيل من نظرين و لحاظين، لحاظ كل من القطع و الأمارة بما هو مرآة و كاشف بحيث كان التفاته و توجهه حقيقة إلى المحكي، لا إليه كما هو الشأن في الحاكي بكون‏ (5) تنزيل المحكي منزلة الواقع، و لحاظ كل منهما على نحو الاستقلال بما هو موضوع من الموضوعات، بحيث كان التوجه و الالتفات إلى نفسهما (6) حتى يكون أيضاً تنزيل نفس الحاكي بما هو شي‏ء منزلة القطع كذلك. و لا يخفى وضوح التنافي بين اللحاظين، لا يكاد ان يمكن الجمع بينهما في خطاب واحد يكون من قبيل صدق العادل، و ألق‏ (7) احتمال الخلاف، فكيف يمكن ان يتوجه في إنشاء الإلزام بالتّصديق، و إلغاء الاحتمال بالحاكي، أو إلى‏

____________

(1)- و في «م»: أثر الشرعي فيها.

(2)- و في «م»: كانت.

(3)- و في «م»: من.

(4)- و في «م»: بمفومه.

(5)- خ ل: كي يكون‏

(6)- و في «م»: بنفسها.

(7)- خ ل: ألغ‏

30

المحكي‏ (1) حقيقة حيث ان الحاكي بما هو حاكي فانى‏ (2) في المحكي و إليه بما هو شي‏ء لا بما هو حاكي ينظر فيه المحكي. و لا يكاد ان يجمعهما وجود واحد، بان يكون لحاظ واحد جامعاً للحاظين، كيف و الواحد الخارجي لا يكون أبداً اثنين، مع ان تنافيهما يكون موجباً لاستحالة الجمع بين وجوديهما في إنشاء واحد، فما ظنك بجمعهما في وجود واحد.

ان قلت: ما ذكر انما يلزم إذا كان إنشاء الإلزام بالتصديق مع لحاظ، و اما إذا أنشأ بدون ذلك كان دليلا على التنزيل في كل من الحاكي و المحكي.

قلت: لا يكاد ان يكون حينئذٍ دليلا عليه في واحد منهما، لأنه لا يخلو، اما ان يكون الجعل و التنزيل بنفس هذا الخطاب، أو يكون هناك تنزيل خارج به إظهاره لا إنشائه و جعله. فان كان بنفس هذا الخطاب فلا بدّ فيه من اللحاظ، بداهة انه لا بد من تعيين المنزل و المنزل عليه و ما فيه التنزيل تصورا و لحاظاً، و لا يكاد يمكن بدونه. و ان كان هناك تنزيل خارج به إظهاره، فلو لم يكن محفوظاً (3) بما يعين المنزل و المنزل عليه، لم يكن دليلاً على تنزيلهما، و لا على تنزيل واحد منهما على التعيين، بل على التنزيل على نحو الإجمال و الإهمال، لاحتمال كل واحد منهما من دون معين في البين.

اللهم إلا ان يتشبث بذيل مقدمات الحكمة في إثبات كليهما، لكن لا يخفى ان ذلك انما يتأتى فيما إذا لم يكن تنزيل أحدهما متيقناً، و فيما نحن فيه يكون إرادة تنزيل المؤدى من أدلة الاعتبار، متيقنة مع ظهور كونها بنفسها إنشاء جعل و تنزيل. و يمكن ان يقال ان الدليل و ان لم يساعد الا على تنزيل المحكي منزلة الواقع، الا انه يكتفي في ترتيب آثار الواقع مطلقا على المحكي و لو كان القطع مأخوذاً في موضوعها، بتقريب ان الموضوع المقيد بالقطع في مورد الأمارة يكون محرزاً بنفسه بها، حيث ان المفروض كون الدليل دالا على ان المحكي بها واقع جعلاً، و بقيده بالوجدان إذا المفروض القطع بتحقق الواقع الجعلي هناك، فيكون كما إذا قطع بتحقق الواقع الحقيقي، فيترتب عليه ماله من الآثار، و يتضح ذلك بمقايسته على ساير الموضوعات المقيدة أو المركبة، حيث انه لا شبهة في إمكان إحرازها بقيدها أو بجزئها بالقطع بضميمة الأمارة المتعلقة بالجزء أو القيد، كإحرازها بتمامها بكل منهما، كما إذا قامت البينة مثلاً على كرّية ماء مقطوع به، أو مائية كر كذلك.

ان قلت: هذا قياس مع الفارق لأن الموضوع المركب من غير القطع، و مثله من الأمور الوجدانية أو المقيد كذلك إذا تعلقت به الأمارة بتمامه أو بجزئه و قيده و أصابت، لكان هو

____________

(1)- و في «م»: (و إلغاء الاحتمال إلى الحاكي، أي).

(2)- خ ل: فان‏

(3)- و في «م»: محفوفا.

31

نفس الموضوع الواقعي كما يظهر من المثال، بخلاف ما إذا كان التركيب أو التقييد بالقطع، فانه لا يتعلق بالواقع الحقيقي أصلاً و لو مع إصابة الأمارة في جزئه و قيده، بل بالواقع الجعلي مطلقا، بداهة انه لا واقع له إلا الوجدان، و هو بحسبه متعلق بتحقق ما هو واقع جعلاً فيهما من دون تفاوت بينهما أصلاً، فيكون موضوع الحكم في مورد (1) الأمارة مطلقا مقطوع الانتفاء فيه، لا في ساير الموضوعات، و معه لا يبقى مجال للحكم الظاهري المأخوذ في موضوعه الجهل بالحكم الواقعي، أو بموضوعه.

قلت: نعم، لكنه ليس بفارق فيما فيه المقايسة من إمكان إحراز الجزء أو القيد مطلقا بالأمارة و تسوية (2) دليل الجعل و التنزيل إلى موضوع أخذ فيه القطع‏ (3) ستمر ما يترتب عليه من الحكم ظاهرياً أم لا، إذ لا مشاحة في الاصطلاح.

ان قلت: كيف ليس بفارق، و ما أخذ فيه القطع لا يكاد ان يتحقق تعبداً بتمامه بمجرد تسرية دليل الجعل إلى ما أدت إليه الأمارة، و تنزيله منزلة الواقع، لأن مؤداها و ان كان واقعاً جعلياً لمكان دليل اعتبارها، فيكون الواقع محرزاً، إلا ان قيده و هو القطع به قطعي الانتفاء، و هذا بخلاف اجزاء ساير الموضوعات، فان كرية ما شك مائيته، أو مائية ما شك كريته مثلاً، هو الّذي أخذ في الموضوع حقيقة، و ليس القطع بتنزيل ما أدت إليه الأمارة، القطع بالواقع الحقيقي قطعاً و لو مع اصابتها، و لا بمنزلة القطع به، لعدم قيام دليل على هذا التنزيل و (4) بدونها ليس القطع به، الا من قبيل القطع بتحقق جزء الموضوع في ساير الموضوعات المركبة، لا جزئه و قيده.

قلت: نعم. و لكن لا يبعد دلالة دليل الأمارة على هذا التنزيل بدعوى الملازمة العرفية بينه و بين تنزيل المؤدى، و لو كان فيما كان القطع به معتبراً في الحكم عليه الّذي دل عليه الدليل بعمومه، حيث انَّ العرف لا يرى التفكيك بين تنزيل ما قامت البينة على خمريّته منزلة الخمر مثلاً، و تنزيل القطع به كذلك منزلة القطع بها واقعاً، و ان لم يكن بينهما ملازمة عقلا.

ان قلت: هب هذه الملازمة، لكن لا يكاد ان يعم الدليل تنزيل ما يكون بجزئه أو بقيده مقطوع الانتفاء لعدم التمكن منه تعبداً بالتنزيل، كما في المقام.

قلت: هذا كذلك إذا لم يكن إلى تنزيل‏ (5) هذا الجزء أو القيد سبيل، و قد عرفت ان دليل تنزيل مؤدى الأمارة الشامل بعمومه المقام، يدل على تنزيل القطع به منزلة القطع بالواقع‏

____________

(1)- و في «م»: موضوع.

(2)- تسرية. ظ

(3)- و في «م»: سمي.

(4)- و في «م»: بدونهما.

(5)- و في «م»: إلى نفي تنزيل.

32

التزاماً، كما انه إذا كان هناك دليل على تنزيل المؤدى في خصوص المقام يدل عليه مطلقا، و لو لم يكن الملازمة في البين، اما بالالتزام أو بدلالة الاقتضاء حفظاً للكلام عن اللغو، و عليك بالتأمل التام في المقام، فانه دقيق، و به حقيق.

ثم لا يخفى انه لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما إذا أخذ القطع على الصفتية قيداً، و ما إذا أخذ قيداً على نحو الكشفية فتأمل. هذا كله في قيام الأمارات مقامه بأقسامه و أحكامه.

و اما الأصول، فلا يصلح لذلك غير الاستصحاب، لأنها بنفسها أحكام شرعية أو عقلية في مورد الشك من دون ترتيب ما للواقع على المشكوك بواسطة تعلقها به. هذا كله فيما إذا أخذ القطع على نحو الكشف في الموضوع. و اما إذا أخذ فيه على نحو الصفة (1)، فلا ينبغي الإشكال في عدم قيام الأمارة مقامه بمجرد دليل اعتبارها، فان غاية الأمر دلالته على جعلها كشفاً بعدم الاعتناء باحتمال خلافها، و هذا لا يقتضى قيامها مقامه فيما إذا أخذ فيه على نحو الصفتية، فان إلغاء احتمال الخلاف إتمام جهة كشفها تعبداً، فيقوم مقامه بما هو كاشف، لا بما هو صفة يلغى فيه جهة كشفه أو تراعى معه خصوصية خارجة، فلا بدّ في قيامها مقامه بما هو كذلك من دليل آخر دل على ذلك.

و اما الاستصحاب، فهو و ان كان أيضاً حكماً في مورده، الا انه لما كان بلسان تحقق أحد طرفي الشك فيما شك في بقائه و ارتفاعه أي البقاء، كانت قضيته ترتيب الآثار الشرعية للبقاء عليه، كما إذا تعلق به القطع أو الأمارة المعتبرة، و لا معنى لقيامه مقامه الا ذلك، ففيما إذا كان موضوع الآثار نفس البقاء فلا إشكال و لا كلام.

و اما فيما كان للقطع دخل فيه، ففيه ما تقدم في الأمارة من النقض و الإبرام على نحو الصفتية.

و ما أجاب به ((قدّس سرّه)) في مجلس الدرس‏ (2) على ما هو ببالي من إشكال قيام الاستصحاب مقام القطع المأخوذ على نحو الكشف في الموضوع، من انه لا مجال له حيث يكون لدليله عموم بحسب الأحوال، كما كان بحسب الافراد، و يكون مفاده لزوم الالتزام بما يلتزم به مطلقا في حال اليقين من الأحكام.

فيه ان عموم الحالي لليقين ان كان بحسب اللحاظ الاستقلالي و اللحاظ المرآتي الآلي، فلا مجال له لاستلزامه المحال كما عرفت، و ان كان بحسب أحدهما، فلا وجه للالتزام به‏

____________

(1)- الصّفتية. ظ.

(2)- خ ل: البحث‏

33

بلحاظ الاخر و ان كان بلا لحاظ، فقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه، من لزوم المحال على تقدير طرو الإهمال أو الإجمال على اخر، فتذكر.

الأمر السابع‏

لا يخفى امتناع ان يؤخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر مثله أو ضده، للزوم اجتماع المثلين أو الضدين، أو في موضوع هذا الحكم بعينه للزوم الدور، اما لزوم أحد الاجتماعين لدى القاطع حال قطعه مطلقا، فواضح أخطأ أو أصاب، و عدم لزومه بحسب الواقع فيما أخطأ، و ان كان مما لا يغفل عنه القاطع أيضاً أحياناً، الا انه ليس الا في مقام الحكم على نحو الكليّة و المفهوم لا في مقام التطبيق، بداهة استحالة التفات القاطع في حال قطعه إلى خطئه، و ان كان يلتفت إلى ان القطع ربما يخطئ. و امّا لزوم الدّور فلتوقف تحقق شخص هذا الحكم واقعاً على القطع به، بداهة توقف الحكم على موضوعه و توقف تحقق القطع به على تحققه، و إلا كيف يتعلق به.

ان قلت: كيف يمكن تعلقه به من دون تحققه، كما إذا أخطأ.

قلت: لا يمكن فيما إذا أخذ في موضوع‏ (1) شخصي حكم تعلق به كما هو المفروض، و فيما أخطأ انما تعلق بمثل حكم تعلق به، لا بنفس ذلك الحكم، فلا تغفل.

و لا يخفى أيضا امتناع ان يؤخذ القطع المتعلق بذي حكم في نفسه في موضوع هذا الحكم، للزوم الخلف، إذا المفروض ان الواقع بنفسه له الحكم، و كذا في موضوع حكم آخر، للزوم اجتماع المثلين أو الضدين. و بيان الملازمة واضح بما مر، فلا يقع وسطاً في إثبات تعلقه لموضوعه، و لا في إثبات ما لمتعلقه من حكمه، بخلاف ما إذا أخذ القطع في موضوع حكم آخر على ان يكون تمامه أو جزئه و قيده، فيقع وسطاً و يقال مثلا هذا ما قطع بخمريته، و كل ما قطع بخمريته فهو حرام؛ أو هذا ما قطع بوجوبه، و كلما قطع بوجوبه يوجب كذا، بناء على عدم كون الحكمين للخمر و الوجوب الواقعيين، بل لما أخذ فيه القطع منهما مطلقا، أي بأي نحو من أنحاء أخذه في الموضوع، من كونه على نحو الصفتية، أو الكشفية، تمام الموضوع أو قيده و جزئه، فتأمل جيداً.

الثامن‏

انه يظهر مما ذكرنا في المقام بعض الكلام في الظن، و انه يشارك القطع في بعض الأحكام، و بعض ماله من الأقسام؛ و مجمل القول فيه ان الظن يكون أيضاً على أنحاء:

____________

(1)- و في «م»: من موضوعه شخص.

34

(أحدها) ما لم يعتبر الا كشفاً، من دون ان يؤخذ في موضوع حكم شرعاً أصلاً، بل يقع تمام موضوع حكم العقل بوجوب الاتباع، كما في حال الانسداد فهو في هذا الحال على تقدير الحكومة كالقطع مطلقا في وجوب الاتباع، و ان كان بينهما تفاوت في ثبوت المتعلق و إحرازه لدى القاطع، دون الظان، لا حقيقة و هو ظاهر، و لا تعبداً حيث لا دليل عليه، و وجوب اتباعه و الجري على طبقه عقلا غير مقتضى لذلك، إذ العقل لا يحكم على الشي‏ء إلا بما هو عليه واقعا فلا يقع وسطاً لإثبات متعلقه، و لا لإثبات أحكامه، و ان كان يقع وسطاً لإثبات وجوب الجري على وفقه، و العمل على طبقه.

(ثانيها) ما اعتبر كذلك شرعاً بان أخذ في الشرع موضوعا لوجوب الاتباع، كما يكون في جميع أدلة الطرق في الأحكام و الأمارات في الموضوعات، فحينئذٍ يقع وسطاً لإثبات متعلقه تعبداً، فيقال: هذا ما ظن وجوبه، و كل ما ظن وجوبه فهو واجب، فالصغرى وجدانية و الكبرى شرعية مأخوذة من دليل حجيته و اعتباره، لا في إثبات أحكامه من وجوب المقدمة، و حرمة الضد، و غيرهما، و كذا الحال فيما إذا تعلق بالموضوعات، فيقال هذا ما ظن خمريته، و كل ما ظن خمريته فهو حرام تعبداً.

(ثالثها) ما أخذ في موضوع حكم خاص تكليفاً كان أو وضعا، سواء أخذ فيه كشفا لمتعلقه أو وصفاً له، على انه تمامه أو قيده و به قوامه، بان يكون الواقع المقيد به بما هو هو، أو بما هو مكشوف به بمقداره موضوعاً للآثار. ثم على‏ (1) على تقدير كونه تمام الموضوع تاماً (2) ان يكون ما أخذ في موضوعه من الحكم مثل متعلقه، أو مثل حكمه، أو من نوع آخر، و لا يتأتى هذا على تقدير كونه جزءا و قيداً حيث‏ (3) لا يعقل ان يؤخذ في موضوع حكم يكون مثل متعلقه، أو مثل حكم المتعلق و لا قيده، (4) للزوم اجتماع المثلين أو الضدين، فان الخمر الواقعي إذا كان حراماً فكيف يحكم عليها بحرمة أخرى إذا قيد بالظن كشفاً أو وصفاً؛ غاية الأمر انه يتأكد تلك الحرمة الواقعية الثابتة لها مطلقا، إذا وجدت مع هذا القيد لو كانت المقيدة بهذا القيد أشد مفسدة.

ان قلت: ان ذلك يلزم أيضا على تقدير ان يكون تمام الموضوع فيما أصاب، فلا يجوز ان يحكم على عنوان مظنون الخمرية بالحرمة أصلاً، لاستلزامه ذلك أحياناً.

قلت: نعم، و لكن على هذا التقدير يكون عنوان الواقع، و هذا العنوان عنوانين متباينين مفهوما و ان كانا متصادقين أحياناً، و كل عنوانين يكونان كذلك يصح ان يحكم عليهما

____________

(1)- و في «م»: أو.

(2)- خ ل: فامّا

(3)- و في «م»: حيث أنه.

(4)- و في «م»: ضده.

35

بحكمين متماثلين أو متضادين، من دون لزوم محال أصلاً في غير محل التصادق.

و فيه أيضا على خلاف و إشكال في كفاية تعدد الجهة و العنوان في عدم لزوم اجتماع المثلين أو الضدين، أو عدم كفايته كما (بما. ن. ل) هو ملاك النزاع في مسألة اجتماع الأمر و النهي، و هذا بخلاف تقدير أخذه قيداً للموضوع، فانه حينئذ ليس في البين الا عنوان واحد أخذ مطلقة موضوعاً لحكم، و مقيدة موضوعاً له أيضاً أو لضده، كما إذا كانت مثلاً الخمر الواقعي المظنون الخمرية حراماً أو حلالاً، و كانت الخمر مطلقاً حراماً، فيكون من قبيل النهي في العبادات و المعاملات.

و بالجملة أنحاء الظن صار ثمانية بين طوائف ثلاث:

(إحداها) ما اعتبر أمارة و طريقاً إلى متعلقه عقلاً، و قد عرفت عدم الحكم بثبوت متعلقه و ان وجب العمل على طبقه.

(ثانيها) ما اعتبر كذلك شرعاً، و قد عرفت الحكم بثبوت متعلقه به، و لا يخفى انه لا يكون مفاد دليل اعتباره حينئذ الا وجوب الجري على طبقه و العمل على وفقه على اختلاف لسانه، و هاتان الطائفتان يطلق عليهما الحجة، و يقوم مقامهما الأمارات و بعض الأصول بمجرد دليل اعتبارهما.

(ثالثها) ما أخذ في موضوع حكم خاص تكليفا كان أو وضعاً، كسائر الأمور التي يؤخذ في موضوعات أحكام خاصة كذلك، و اقسامها ستة حاصلة من ضرب نحويه من أخذه في موضوع متعلقه أو حكمه، و أخذه في موضوع حكم آخر في أنحائه الأربعة الحاصلة من أخذه على نحو الكشف، و أخذه على نحو الوصف تمام الموضوع أو قيده و جزئه بإسقاط ما إذا أخذ قيداً في موضوع متعلقه أو حكمه بكلا قسميه؛ هذا بخلاف القطع المأخوذ في موضوع حكم شرعاً، فان اقسامه أربعة بإسقاط أخذه مطلقا في موضوع متعلقه أو حكمه، و لا يخفى انه لا يصح إطلاق الحجة على هذه الطائفة مطلقا، إذ ليس حالها الا كسائر ما يؤخذ في موضوعات الأحكام. نعم انما يصح إطلاقها على ما أخذ منها قيداً لو اعتبر أمارة و طريقاً إلى الواقع المقيد به، و لو بدليل اعتباره في الموضوع كذلك بدعوى الملازمة بين اعتباره كذلك، و اعتباره أمارة إلى متعلقه، فتدبر جيداً.

ثم انه ظهر مما فصلنا ان ما يتراءى من عبارته- (قدّس سرّه)- من ان الظن إذا أخذ على نحو الطريقية إلى متعلقه موضوعاً لحكمه أو حكم آخر يطلق عليه الحجة، و يقوم مقامه الأمارات؛ لا يخلو عن إشكال، بل منع، كما هو واضح في الثاني و هو- قده- أيضاً اعترف بان الحجة ما وقع وسطاً لا ثبات حكم المتعلق، و في الأول حيث ظهر انه لا يمكن‏

36

ان يؤخذ في موضوع حكم المتعلق مطلقا، إلا على نحو التمامية، و لا يكون حاله حينئذ الا كحال متعلقه المحكوم بمثل حكمه، و دليله كدليله.

نعم لو كان أخذه في موضوع حكم متعلقه، كذلك مستفاداً من دليل الحجية و الاعتبار، كما تخيله- قده- على ما يظهر من الفرق الّذي أبداه بين القطع و ساير الأمارات، و هو وقوعها وسطاً لا ثبات أحكام المتعلقات دونه، لتم في الجملة بالنسبة إلى خصوص ما أخذ في موضوع حكم المتعلق، لكنه لا يكاد ان يكون ذلك أبداً، خصوصاً فيما تعلق بالاحكام كما هو محل الكلام، و عليك بالتأمل التام في المقام، فانه من مزال الإقدام.

قوله (قده): و ينبغي التنبيه على أمور الأول- إلخ-.

ينبغي أولاً تحرير الوجوه التي يمكن ان يقع النزاع في هذه المسألة عليها، أو ربما وقع؛ فاعلم ان القطع إذا تعلق بالوجوب أو الحرمة بعنوان عام، أو تعلق بمصداق واجب أو حرام، فلا كلام فيما أصاب في استحقاق الثواب إذا عمل على طبقه، و استحقاق العقاب إذا لم يجر على وفقه و فيما أخطأ، ففيه إشكال، و للنزاع فيه مجال. فيمكن ان يقع النزاع في مجرد استحقاق العقوبة في صورة المخالفة، و استحقاق المثوبة في صورة الموافقة من دون نظر إلى جهة أخرى، فيكون مسألة كلامية.

و يمكن ان يقع النزاع فيه بالنظر إلى أن ما يؤتى به في الصورتين من فعل ما قطع بوجوبه أو ترك ما قطع بحرمته أو بالعكس، بعنوان انه واجب أو حرام هل يتصف بالحسن و القبح العقليين بما لهما من هذا العنوان الطاري عليهما بسبب تعلق القطع بوجوبه أو بحرمته كي يستتبعان الوجوب و الحرمة الشرعيين أم لا، فيكون مسألة عقلية أصولية.

و يمكن ان يكون بالنظر إلى انه بهذا العنوان هل يحكم عليه بالوجوب و الحرمة شرعاً فيكون مسألة فرعية، كما جعله- قده- هكذا على ما هو صريح كلامه حيث يقول في مقام الرد على كون الذم على الفعل المتجري به.

و الحاصل ان الكلام في ان الفعل الغير المنهي عنه واقعاً يصير محرماً شرعياً أو مبغوضاً، بسبب تعلق اعتقاد المكلف بكونه كذلك- انتهى-. فان كان النزاع‏ (1) على هذا الوجه، فالحقّ عدم اتّصاف الفعل المتجري به بالحرمة، و فعل المنقاد به بالوجوب، و ذلك لما تقدّم من استحالة أخذ القطع بالحكم أو موضوعه مطلقا في موضوع مثل متعلقه، أو مثل حكمه،

____________

(1)- خ ل: النزاع فيهما، و في «م»: النزاع فيها.

37

للزوم اجتماع المثلين لدى القاطع و ان لم يكن بلازم لدى الحاكم في محل الفرض، الا انه غير مجد، مع استحالة توجيه الطّلب إلى من لا يكاد ان يلتفت إليه فضلاً عن ان يذعن به مع انّ الفعل المتجري به أو المنقاد به بما هو مقطوع الوجوب أو الحرمة لا يكون اختيارياً كي يتوجه إليه خطاب تحريم أو إيجاب، إذ القاطع لا يقصده الا بما قطع انه عليه من العنوان الواقعي الاستقلالي، لا بهذا العنوان الطاري الآلي، بل لا يكون اختيارياً أصلاً إذا كان التجري أو الانقياد بمخالفة القطع بمصداق الواجب أو الحرام أو موافقته، فمن شرب الماء باعتقاد الخمرية لم يصدر منه ما قصده و ما صدر منه لم يقصده، بل و لم يخطر بباله.

لا يقال: ان ما صدر منه لا محالة يندرج تحت عام يكون تحته ما قصده مثل شرب المائع في المثال.

فانّه يقال: كلا كيف يصير العام المتحقق في ضمن خاص مقصوداً فيرى إليه قصده، و اختيارياً بمجرد قصد خاص آخر قصد بخصوصيّته. نعم لو عمد إلى خاص تبعاً للعامّ و صادف غيره من افراده لم يخرج عن اختياره بما هو متحد مع ذاك العام و ان كان بخارج عنه بما هو ذاك الخاصّ. هذا كله، مع انه لا ملاك فيه للخطاب بتحريم أو إيجاب، حيث ان الوجدان السّليم يشهد بان طرو هذا العنوان لا يوجب تغيير الشي‏ء عما هو عليه من الخصوصيات التي يصلح ان تصير ملاكات الأحكام؛ مع انه لو كان موجباً له، لا يكاد يوجب امراً أو نهياً مولويين، بان يكون طلب المولى من جهة مولويته و سيادته، و ذلك لأنّ إعمال جهة المولوية و السيادة في الطلب، انما يتأتى فيما كان موجباً للثواب و العقاب بالموافقة و المخالفة و التمكن من التقرب إلى المولى بالموافقة، بحيث لولاه لما كان في البين ما يتقرب به، و لا ثواب و عقاب كي يصح ان يصير داعياً نحو المطلوب، اما بمجرد التقرب، أو للطمع في المثوبة، أو للخوف من العقوبة على حسب اختلاف العباد لمن لم يكن له داعي آخر، أو فيما كان موجباً للتنجز أو العذر، كما في الأوامر و النواهي المولوية الواردة في مقام جعل الأمارات و بعض الأصول العملية، لا فيما إذا لم يوجب شيئاً من ذلك، حيث لا يكون لإعمال جهة المولوية حينئذ ملاك كما هو كذلك هاهنا، لإمكان التقرب و حصول المثوبة بموافقة القطع و حصول البعد و العقوبة بمخالفته من دون طلب مولوي، كما يأتي وجهه عن قريب، و ليس بطلب طريقي لو كان، كما هو واضح.

ثم انه ظهر أيضا بما ذكرنا هاهنا ان الفعل المتجري به لا يكاد ان يتصف بالقبح عقلاً أصلاً، لا فعلاً و لا شأناً، حيث ظهر انه لا يكون بما هو مقطوع الوجوب أو الحرمة اختيارياً، و لا يكون فيه‏ (1) بما هو كذلك ملاكه، بل يكون بعنوانه الواقعي بما فيه من الملاك متصفاً

____________

(1)- و في: ما

38

بالحسن أو القبح شأناً، و كذا الحال في المنقاد به، كما ظهر انه لا وجه لاستحقاق العقوبة أو المثوبة عليه بنفسه، لما عرفت من عدم كونه بهذا العنوان اختيارياً، و لا بعنوان آخر مقتضى لذلك.

لا يقال: يكفي كونه اختيارياً بما هو تجري أو انقياد حيث انّه بما هو كذلك مقصود و مراد.

لأنّا نقول: ذلك انما يكفي لو كان القصد إلى مطلقهما، لا إذا قصد خصوص التجري بالعصيان و الانقياد بالإطاعة، كما هو كذلك هاهنا، و قد عرفت انّ العام لا يكون اختيارياً بمجرد العمد إلى فرد منه لم يصادفه، بل صادف غيره. نعم الظاهر ان القاطع المتجري أو المنقاد يستحق العقوبة أو المثوبة بمجرد العزم على المخالفة أو الموافقة، بل بما سبقه من الجزم عليها.

و بالجملة صفة التجري و الانقياد ما دامتا كامنتين في العبد و لم يصر بصدد إظهارهما و ترتب‏ (1) الأثر عليهما، لم يستحق الا اللوم و المدح، كسائر الصفات الخبيثة و الأخلاق المرضية، و إذا صار بصدد الإظهار يستحق مضافاً إلى ذلك، العقوبة و المثوبة على أوّل مقدمة اختيارية من المقدمات التي يفعلها القلب، و يتوقف عليها صدور الأفعال بالاختيار، كما يشهد بذلك الآيات، و الاخبار، و صحيح الاعتبار.

و تفصيل ذلك ان ما يرد على القلب قبل صدور الأعمال من الجوارح أمور حديث النّفس المسمى بالخاطر أيضاً و هو تصوير العمل و خطور صورته بالبال، كما لو خطر له شرب الخمر مثلا، ثم هيجان الرغبة إليه المسمى بالميل، ثم الجزم و هو حكم القلب بأنه ينبغي صدوره بدفع صوارفه و موانعه، ثم العزم و القصد بناء على اتحادهما، أو القصد بناء على انّ العزم قد ينفسخ، و امّا القصد فهو الجزء الأخير من العلّة التّامة.

و لا يخفى انّ حديث النّفس لا يدخل تحت الاختيار، فلا يؤاخذ به أو يعطى، و كذا الميل. و امّا الجزم فهو بحسب اختلاف الأحوال يختلف بالاضطرار و الاختيار، حيث انّ الإنسان ربما يقدر على الصرف بعد الميل بالتأمل في الصوارف و الموانع، و ربما لا يقدر عليه بحيث لا يلتفت إلى ما لحقه أو لا يعتنى به، فيؤاخذ و يعطى بالاختياري منه دون الاضطراري.

و اما العزم فهو كالجزم يختلف بالاختيار و الاضطرار، فربما يقدر على كل من‏

____________

(1)- خ ل: ترتيب‏

39

فسخه و تأكيده و تشديده إلى ان صار إرادة جازمة، لضعف مبدئه و التّأمل في ما لحق العمل و تبعه و إصغائه إلى حديث النّفس حتّى طالب محادثته لها و تأكّد بذلك العزم و صار إرادة.

و ربّما لا يقدر على ذلك، لقوّة مبدئه بحيث يريد بمجرّد الجزم، و ان كان ربّما يعوّقه عائق فيتعذّر عليه العمل، فالمتجرّي و المنقاد يعاقب و يثاب عند مخالفة القطع و موافقته خارجاً على بعض ما سبقهما من الجزم و العزم، لا على نفس العمل.

نعم لو ندم بعد ما جزم و همّ، لا يؤاخذ و لا يعطى بهما، بل ربّما يكون هذا حسنة له إذا كان عن عزم المعصية، و سيّئة له إذا كان عن عزم الطّاعة، و ذلك لأنّ النّدم بعد الهم فيهما أشد و أعظم من العزم أولاً، حيث ان الانقياد به أشد من التجري به في الأول، لأنه على وفق طبعه فلا يكون عن تمام الغفلة عن اللَّه تعالى شأنه، بخلاف الانقياد به فانه تمام الإقبال إليه، حيث انه على خلاف طبعه سيما بعد العزم على وفقه. و في الثاني بالعكس لأنه بعد مسبوقيته بالعزم على الطاعة يكشف عن تمام الغفلة عنه تعالى، و تمام الإقبال إلى موافقة الشيطان بالعمل على وفق طبعه؛ و يشهد على ذلك في الجملة ما روى انه قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله): «قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد ان يعمل سيئة! و هو أبصر، فقال: ارقبوه فان عملها فاكتبوها له بمثله و ان تركها فاكتبوها له حسنة، انما تركها عن جزائي» (1).

ان قلت: ان كان الأمر على ما ذكرت يلزم ان يستحق العاصي أزيد من عقوبة واحدة بل عقوبات على نفس الفعل و الاختيار من المقدمات، و لا استحقاق في معصية واحدة الا عقوبة واحدة بالضرورة.

قلت: انما يكون تعدد العقوبة أو المثوبة استحقاقاً بتعدد إظهار الطغيان و الكفران، أو الموافقة و الطاعة، و وحدتها بوحدته، و ليس في كل واحد من المعصية و التجري بمجرد القصد، أو مع العمل، أو الإطاعة و الانقياد كذلك الا إظهار واحد، فالإنسان من أول ما صار بصدد طاعة أو معصية إلى ان فرغ منها، أو يرجع بفسخ عزمه مطلقا، فلم يظهر الانقياد له تعالى، أو التجري عليه تعالى الا إظهاراً واحدا و ان اختلف ما به الإظهار فيهما طولاً و قصراً، كما هو الشأن أيضا في افراد ما امر به أو نهى عنه إذا اختلفت كذلك، فلا يكون الطول فيهما بموجب، لتعدد الطويل منها و لو كان بمقدار افراد كثيرة قصيرة، فلا يكون شرب القدح من الخمر إذا كان في مجلس واحد بحيث يعد شرباً واحداً الا كشرب جرعة منها.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 36- ح 20 (عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) مع تفاوت يسير).

40

و بالجملة ملاك العقوبة و المثوبة عن استحقاق، هو إظهار المخالفة و الشقاق و إظهار الانقياد له و الوفاق، و هو في كل واحد من المعصية و الإطاعة و التجري و الانقياد بأنحائهما واحد، و لا ينافي ذلك تفاوت مقدار المثوبة و العقوبة في المعاصي و الطاعات، و كذا في أنحاء التجري و الانقياد، فانه بحسب تفاوت ما قصده في الصغر و العظم.

ثم انه بقي الكلام في النقض و الإبرام فيما ذكره- قده- من الوجوه في المقام:

اما الإجماع المدعى على ان ظان ضيق الوقت عصى، فيمكن ان يكون ذلك لأجل مخالفة الحكم الشرعي فيه حقيقة و هو حكم الشارع بلزوم اتباع الظن بالضيق، و هذا بخلاف القطع به، فلا يشمله معقده.

و اما عدم الخلاف بينهم في ان سلوك الطريق المظنون الضرر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه، فلا دلالة فيه أيضاً، لظهور ان الحكم بوجوب الإتمام ليس للضرر، بل انما هو لخوفه الناشئ حقيقة من الظن و القطع به و لو لم يكن هناك ضرر، و لهذا صحت الصلاة قصراً مع الأمن منه و لو كان و انكشف، و لعله أشار إليه بامره بالتأمل.

و اما بناء العقلاء على الاستحقاق، فانما هو على نفس الجزم و العزم لا على ما به القصد و الهم، هذا، مضافاً إلى الذم على ما هو عليه من الصفة الخسيسة.

و اما حكم العقل بالقبح، فقد ظهر مما حققناه حاله و تقبيح المتجري انما هو على قصده لا على فعله.

و اما الدليل العقلي، فالشق الثالث لا يستلزم إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، فان استحقاق من صادف قطعه انما هو لتحقق سببه و هو المخالفة اختياراً، و عدم استحقاق من لم يصادف قطعه انما هو لعدم تحقق سبب الاستحقاق و لو بدون الاختيار، ضرورة انعدام المعلول بانعدام سببه و علته مطلقا، فليس عدم الاستحقاق محتاجاً إلى مئونة أخرى سوى انتفاء المخالفة الاختيارية كما لا يخفى.

و ما أفاده- قده- في وجه الفرق بين الاستحقاق و عدمه فيه، مضافاً إلى ما عرفت من وضوح الفرق و عدم الحاجة إلى إتعاب النّفس في بيان ذلك، انه أريد من قوله- قده- «الا ان عدم العقاب- إلخ-»، عدم العقاب فعلاً كما هو ظاهر الكتاب، فهو و إن كان كذلك بل عدم قبحه معلوم، الا انه خارج عن محل الكلام و مورد النقض و الإبرام، و لا يكون بمستلزم له، لأنه أعم من عدم الاستحقاق و ان أريد منه عدم العقاب استحقاقاً، فهو و ان كان مناسباً للمقام، الا ان الاستحقاق و عدمه ليسا من الأفعال فيكونا موردين للحسن أو القبح، و لا من الأخلاق و الخصال فيكونا محلين للمدح و الذم، بل‏

41

هما كما عرفت من اللوازم القهرية لوجود العلة و عدمها.

و ينبغي التنبيه على أمور:

الأول‏

قد ظهر مما قدمناه في المقام من جريان تمام النقض و الإبرام في الانقياد مثل التجري، انهما توأمان يرتضعان من لبن واحد، فلا وجه لما ربما يظهر من مطاوي كلامه- قده- في البراءة، انه يوجب استحقاق الثواب مع إنكاره هاهنا ان يكون التجري موجباً للعقاب.

الثاني‏

انه يجري كل من الانقياد و التجري في جميع موارد القطع بأنحائه التي تقدمت الإشارة إليها حيث ان القطع بالتكليف يكون فيها لا محالة و هو قد يخطئ و قد يصيب، و كذا في مورد الظن إذا كان تمام الموضوع بالقطع، حيث انه كسائر الأمور التي قطع لها أحكام خاصة في إصابة القطع تارة و خطائه أخرى، كما لا يخفى.

و اما إذا اعتبر أمارة و طريقاً إلى متعلقه عقلاً أو شرعاً، سواء أخذ على نحو الكشف أو الوصف له في الموضوع قيداً أو جزءاً، أم لا، فالتجري أو الانقياد انما هو بملاحظة خطاء هذا الظن نفسه و ان كان شرعاً، القطع بالحكم الشرعي الظاهري حاصلاً من دليل اعتباره على نحو الطريقية شرعاً، الا انه لا واقع على التحقيق لا طاعة هذا الحكم بما هو هو، و لا لمعصية كذلك، فضلاً عن التجري و الانقياد بالنسبة إليه. نعم هذا القطع مطلقا محقق لموضوع الإطاعة و المعصية، و لموضوع التجري و الانقياد فيما كان الظن أخطأ أو أصاب، فتدبر جيداً.

الثالث‏

انه ظهر مما بيناه من ان الواقع لا يتغير عما هو عليه من الحسن أو القبح، أو الوجوب أو الحرمة بما يطرأ عليه من العنوان الآلي، بل على ما هو عليه من الصفة بما هو عليه من العنوان الاستقلالي، فساد ما في الفصول على ما استظهره- قده- من ملاحظة التعارض بين الجهة الواقعية للشي‏ء المعتقد وجوبه أو حرمته التي هي له واقعاً مع قطع النّظر عما طرء

42

عليه من الاعتقاد بوجوبه أو حرمته، و الجهة الظاهرية التي هي له بهذا النّظر معللاً ذلك بعدم كون قبح التجري بذاتي عنده.

و اما ما أورده عليه من الوجهين، ففيه ان عنوان التجري و ان كان قبحه ذاتياً لا يختلف و لا يتخلف و لا يمكن ان يعرضه ما يحسنه بعنوانه كالكذب حيث انه يمكن ان يعرض عليه ما يحسنه بعنوانه فصار بما هو كذب حسنا، الا انه لا يمنع من عدم كون قبح المعنون به أي الفعل المتجري به، كما هو المراد بالتجري في كلامه بلا ريب ذاتياً، بل كان قبحه بما هو عليه من عنوانه واقعاً و هذا العنوان، فيزاحم أحدهما بالآخر و يقع بينهما الكسر و الانكسار.

و بالجملة كون الفعل المتجري به بالوجوه و الاعتبارات لا ينافي كون قبح ما وجه به من عنوان التجري ذاتياً لا يحسن أبداً.

ان قلت: سلمنا لكن لا وجه لمزاحمة هذا الوجه بما له من الوجه الواقعي في تأثيره القبح، إذ لا علم به و لا يكاد ان يؤثر شيئاً بدونه، حيث لا يكون حينئذ بهذا الوجه اختيارياً، و الحسن و القبح من صفات الأفعال الاختيارية.

قلت: قد عرفت ان هذا الوجه ليس باختياري أيضاً، فليكن غير مؤثر للقبح مثله. نعم على ما اعترف به من تأثيره أحياناً يرد ذلك عليه جدلاً، فتدبر جيداً.

و اما ما ذكره- ره- من ان التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما؛ ففيه ان البداهة كما تشهد باستحقاق العاصي حقيقة للعقوبة، يشهد بعدم استحقاقه الا عقوبة واحدة، لا عقوبتين تداخلا أولا، و ذلك لما عرفت من انه ليس‏ (1) في كل منهما واحد لا يكون منه في المعصية اثنان، مع انه لو كان فلا وجه للتداخل، كما أفاده- قده-.

الرابع‏

انه ظهر مما قدمناه حال التجري و الانقياد بمجرد العزم و الاعتقاد بالمخالفة أو مع العزم و القصد، و انه يوجب استحقاق الثواب و العقاب و يرفعه الندم، و لا ينافي ذلك ما ورد في الاخبار (2) و الآثار من ان هم المعصية لا يوجب ذنباً و لا عقاباً و لا يكتب، و ذلك مضافاً إلى معارضتها بالآيات و الاخبار الكثيرة مما ذكرها و غيرها، مثل قوله تعالى: «و لا تقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً» (3). و قوله تعالى: «و لا تكتموا الشهادة

____________

(1)- و في «م»: (من أنه ليس في كل من المعصية الحقيقية و الإعتقادية، إلا منشأ واحد للإستحقاق و هو صيرورة العبد بصدد التمرد و المخالفة لمولاه و تجريه عليه و إظهاره الشقاق و النفاق و هتكه إياه بذلك و هو في كل ...).

(2)- مسند أحمد بن حنبل 3- 149

(3)- الإسراء- 36

43

و من يكتمها فإنه آثم قلبه» (1). و قوله تعالى: «لا يؤاخذكم اللَّه باللغو في أيمانكم و لكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم» (2)، إلى غير ذلك مما دل على المؤاخذة، لأن عدم إيراث هم المعصية عقاباً و عدم كتابته أعم من عدم الاستحقاق به لذلك، بل لعله كان عفواً، أو لأن المراد به خصوص ما لا يكون تحت الاختيار، أو خصوص ما لحقه الندم و لو كان من اختيار، و بأحد هذه الوجوه يمكن التوفيق بينها و بين ما يعارضها من الآيات و الاخبار.

الخامس‏

ان حسن قصد الطاعة الواجبة و وجوبه عقلاً، و قبح قصد المعصية و حرمته كذلك، لا يستتبعان الوجوب و الحرمة المولويين شرعاً و لو على القول بالملازمة، لما حققناه من ان مجرد الحسن و القبح ليس ملاكاً للطلب المولوي، بل انما يكون ملاكاً فيما لم يكن الحسن و القبح بنفسهما مقرباً و معبداً عنه تعالى و مورثاً للثواب و العقاب، حيث لا يبقى معه وجه لاعمال جهة المولوية و السيادة في الطلب و البعث، و القصد بنفسه يوجب القرب أو البعد، و الثواب أو العقاب، فلا يكون قصد الحرام حراماً شرعاً بل عقلاً، فافهم.

السادس‏

ان مزاولة التجري و مداومته يمنع عن تحقق العدالة بمعنى الملكة قبل تحققها، و يرفعها بعده كالمعصية بعينها من غير تفاوت بينهما أصلاً. نعم يمكن ان يلتزم بالفرق بينهما فيما تعاطى الإنسان أحدهما من دون مزاولة بعد تحققها فيحكم بعدم عدالته قبل التوبة في المعصية و بها في التجري، و كذا مع المزاولة بناء على ان العدالة نفس الاجتناب عن المعاصي، و للنظر فيه مجال واسع.

قوله (قده): الثاني انك قد عرفت انه لا فرق- إلخ-.

لا فرق في محل النزاع بين القطع الحاصل من حكم العقل المستقل، أي من حكمه بملازمة حسن شي‏ء أو قبحه عقلاً لوجوبه أو حرمته شرعاً، و غير المستقل، أي الحاصل من حكمه و حكم شرعي كالقطع بوجوب شي‏ء لكونه مقدمة للصلاة من الحكم شرعاً بوجوبها،

____________

(1)- البقرة- 283

(2)- البقرة- 225

44

و عقلاً بوجوب مقدمة الواجب.

ثم لا يخفى انه قد ظهر فساد ما ذكره وجهاً لهم من انتهاء العقل من الركون إليه لكثرة خطائه و من النهي عنه في الاخبار، مما قدمناه من ان غلبة الخطاء فيه و ان كان مما يصدقه العقل على نحو الكلية قبل تحققه، الا انه لا يجدى بعد تحققه، لكشف الواقع عنده تمام الانكشاف نحو كشفه بغيره مما ليس بغالب الخطاء، فلا يوجب غلبة الخطاء فيه نوعاً، تفاوتاً فيه شخصاً بعد تحققه، كي يوجب انتهائه بنفسه من الحكم بوجوب الاتباع و الركون إليه، و من ان النهي عنه شرعاً لذلك أو لغيره لا يكاد ان يذعن به القاطع، للزوم اجتماع الضدين لديه، فلا بدّ من التأويل فيما دل عليه، أو الطرح لو لم يكن إليه سبيل.

هذا، مع منع كثرة الخطاء في استعمال المقدمات العقلية في تحصيل المطالب أزيد مما في استعمال المقدمات النقليّة الشرعية، و التوهم انما نشأ من المقايسة بينه و بين التمسك بكلام أهل العصمة (صلوات اللَّه عليهم أجمعين)، كما يظهر مما فرعه المحدث الأسترآبادي على ما مهده من المقدمة، و هذه مغالطة لو لم يكن غفلة عن انه انى لنا التمسك بكلامهم، و معرفة مرامهم، هيهات هيهات، فانه ليس في البين غالباً الا اخبار الآحاد، مع ما هي عليه من كثرة الاختلافات، و الكتاب، و المتواترات من الروايات من الأحكام لا تفي بتفصيل الأحكام مع الحاجة في فهم المراد فيهما إلى ما لا يؤمن الخطاء فيه غالباً، و المقايسة الصحيحة انما يكون بينه، و التمسك بالروايات التي وقع الشكوى عن الاختلافات الواقعة فيها بين الروايات في زمانهم (عليهم السلام)، فما ظنك بزمان الغيبة مع ما حدث فيه ما حدث، و منع ظهور دلالة الاخبار في النهي عن اتباعه، و ذلك مضافاً إلى ما أفاده- قده- فيها، ان خبر نفي الثواب انما هو بصدد بيان ان عمل الخير من مثل هذا الشخص لما كان فيه عيب و نقص، من حيث ان عمله لا يؤثر استحقاق الثواب، أو ان نقص هذا الشخص بواسطة عدم إيمانه لا خلاله بما هو ركين أركانه، كما يشهد به ما عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) «من مات و لم يعرف امام زمانه- إلخ-» (1) يمنع عن استحقاقه له، حيث لا يحصل له القرب منه تعالى، و ان تقرب بالأعمال الخيريّة إليه تعالى كالكافر، لا ان ما قطع بوجوبه أو استحبابه بالعقل بدون واسطة النقل، لما لم يكن مما يلزم به أو ندب إليه ليس له عليه تبارك و تعالى ثواب، و هذا واضح لا سترة عليه.

و من هنا يمكن ان يوجه كلامهم بان مرامهم انه لما كان الواجب على العبد في مقام‏

____________

(1)- بحار الأنوار 23- 89- ح 35

45

الامتثال موافقة الأوامر و النواهي على نحو يحصل معه، و الغرض منها كما يأتي تحقيقه عن قرب إن شاء اللَّه تعالى.

و كان الظاهر من مثل هذا الخبر عدم حصوله بمجرد العمل على وفقها بدون واسطة (1) ولى اللَّه لا جرم، كان العقل مما لا يركن إليه في الشرعيات. بل لا بد من النقل، لكن لا لعدم وجوب اتباع القطع الحاصل منه، كي يقال بأنه غير معقول بل للتمكن من امتثال ما تنجز به أو بغيره، حيث اعتبر في مقام الامتثال ان يأتمر أو ينتهى إلى‏ (2) دلالة الولي، لعدم حصول الغرض بدونه، بل الحال على هذا المنوال لو لم يكن في البين الا احتمال ذلك، لقاعدة الاشتغال على ما سيأتي تحقيقه، فافهم.

و ينحصر دفعه حينئذٍ بدعوى القطع بحصول الغرض بمجرد موافقتهما، و يمكن ان يوجه أيضاً مرامهم، و لو تم يساعد عليه كلامهم بان القطع بالحكم الشرعي الحقيقي و البعث الفعلي، و ان كان يجب اتباعه مطلقا، و يستحيل ان يؤخذ في موضوع هذا الحكم كما تقدم، فلا تناله يد التصرف أصلاً، لكن القطع بمحض إنشاء طلب لفظاً أو كتابة، من دون البعث به فعلاً نحو المطلوب، يمكن ان يؤخذ في موضوع الحكم الحقيقي و الطلب الفعلي، بحيث لا يكون له تعلق بمن ليس له علم به، كأن يقال مثلاً: يجب فعلاً الصلاة الجمعة على من علم‏ (3) بإنشاءاتها المحضة من طريق النقل.

و بالجملة لما كان إنشاء الطلب محضاً غير ملازم للطلب حقيقة و البعث نحو المطلوب واقعاً، بل ربما ينشئه من دون بعث لغاية أخرى، كان أخذ القطع به مطلقا، أو على نحو خاص في موضوع الطلب الحقيقي بمكان من الإمكان، كما لا يخفى.

غاية الأمر يبقى إثبات ان الأحكام الشرعية قد أخذ في موضوعاتها غير القطع الحاصل من العقل فيصير النزاع على هذا صغروياً، بعد الوفاق على حجية القطع بالحكم الحقيقي مطلقاً، فلا تغفل و تأمل.

قوله (قده) الثالث قد اشتهر في ألسنة المعاصرين- إلخ-.

و ليكن المراد من قطع القطاع خصوص قطع حصل على نحو خارج عن المتعارف مطلقا، بان يكون من سبب لا ينبغي ان يحصل منه القطع و لو كان للمتعارف في غيره، لا ما

____________

(1)- خ ل: ولاية

(2)- خ ل: بعد

(3)- و في «م»: (بإنشاء وجوبها لفظا أو كتابة، فحينئذ يصح أن يناله يد التصرف، و يؤخذ في الموضوع على نحو خاص و يمنع من القطع الحاصل من العقل بدعوى دلالة الأخبار، على أن الأحكام الشرعية الحقيقية مرتبة على الظفر بإنشائاتها).

46

يعم القطع الحاصل على نحو المتعارف من باب الاتفاق لغيره.

و مجمل القول فيه انه تقدم مراراً أن القطع بحكم شرعي أو بموضوعه يجب اتباعه مطلقا عقلاً، و يستحيل أخذه في موضوع هذا الحكم شرعاً، كي تناله يد الجعل و التصرف بأخذ نحو خاص منه فيه، دون نحو آخر، و ان ما أخذ في موضوع حكم شرعي مطلقا، و لو كان القطع بإنشائه المحض لفظاً أو كتابة، على ما مر تفصيله آنفاً، انما هو بيد الحاكم و له التصرف فيه كيف شاء، و يتبع في تعيين ما أخذه من نحوه دليل ذلك الحكم، فقطع القطاع يتبع كغيره فيما لم يؤخذ في الموضوع، بل كان متعلقاً به أو بحكمه، و يتبع الدليل كغيره أيضاً فيما أخذ فيه، فكما ربما ينصرف عنه، ربما ينصرف إليه، و ربما يشملها من دون انصراف عن أحدهما حسب اختلاف الأدلة و الأحكام.

و اما ما وجه به- قده- الحكم بعدم اعتبار قطع القطاع مما حكاه عن بعض المعاصرين‏ (1)، فهو لا يأبى عن التنزيل على ما وجهنا به أخيراً ما ذهب إليه الأخباريون، بان يراد من القطع الّذي حكم باشتراط حجيته بعدم منع الشارع عنه القطع بالاحكام، بمعنى الإنشاءات المحضة التي يمكن أخذ القطع بها مطلقا، أو على نحو خاص في موضوع الأحكام الحقيقية، و الطلب و المنع و الترخيص الواقعية الفعلية، و لا ينافي ذلك الحكم، بحجيته ظاهراً و لو احتمل المنع عنه واقعاً، لإمكان دعوى القطع بلزوم البناء على واقعية متعلق القطع و كونه حقيقياً ما لم يمنع عنه الشارع، و على ذلك ينزل تنزيله. نعم لو أريد من القطع، القطع بالحكم الحقيقي، فلا مجال لاجتماع المنع عنه لعاقل الا غافل.

قوله (قده) الرابع ان المعلوم إجمالاً هو كالمعلوم بالتفصيل- إلخ-.

لا يخفى ان القطع الإجمالي ان كان كالتفصيلي في تأثيره على نحو العلية التامة في وجوب الجري على طبقه و العمل على وفقه، لا يبقى مجال لعقد بحيث في البراءة و الاشتغال، للشك في المكلف به، كما لا يخفى. و ان ثبت انه ليس كمثله في ذلك، فكذلك ان لم يكن له تأثير أصلاً، بل يكفي عقد بحث واحد، للشك مطلقا في البراءة و الاشتغال، و لا بد من عقد بحث له على حدة ان كان له ذلك على نحو الاقتضاء، لا العلية التامة، فيبحث فيه عن ان الجهل هل يمنع عنه شرعاً بعد ان لم يكن بمانع عقلاً، أم لا؛ و هذا من غير تفاوت بين كونه كذلك بالنسبة إلى وجوب الموافقة و حرمة المخالفة كليهما، و كونه كذلك بالنسبة إلى خصوص وجوب الموافقة دون حرمة المخالفة، بل كان بالنسبة إليها على نحو العلية التامة.

إذا عرفت ذلك، تبين لك ان الحري ان يبحث هاهنا عن ان الإجمال في متعلق القطع‏

____________

(1)- و في «م»: معاصريه.

47

هل يمنع عن وجوب اتباعه رأساً، بحيث كان وجوده كعدمه؟ أو لا يمنع عنه أصلاً، بحيث كان على ما هو عليه من التأثير على نحو العلية كما إذا لم يكن هناك إجمال؟ أو لا يمنع عنه اقتضاءً، لا مطلقا؟ أو مطلقا بالنسبة إلى خصوص حرمة المخالفة، كي يناسب لأصل البحث، و يتحقق بذلك ان للبحث عن البراءة و الاشتغال في الشك في المكلف به مجالاً، أو ليس بمجال.

فانقدح بذلك المتكفل للبحث في كلتا المرتبتين من الامتثال، انما هو مسألة البراءة و الاشتغال، لكنه من حيث بيان المانع شرعاً أو عقلاً منهما، أو من أحدهما، لا من حيث بيان إثبات المقتضى بذلك بعد الفراغ منه، لأن‏ (1) الكلام في كلتا المرتبتين من هذه الحيثية على عهدة هذا المقام.

فاعلم ان التحقيق على ما يساعد عليه النّظر الدّقيق، ان العلم الإجمالي يقتضى لا كالعلم التفصيلي على نحو العلية، بل على نحو الاقتضاء مطلقا أو (2) بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية؛ اما انه يقتضى فبشهادة الوجدان على نحو عدم قبح المؤاخذة معه، و عدم قبول الاعتذار من المخالفة بالجهل بها تفصيلاً، كما يشهد به أيضاً مراجعة حال الموالي و العبيد.

و اما انه على نحو الاقتضاء و التعليق بعدم الاذن في الإقدام، و الترخيص في الاقتحام في كل الأطراف أو في طرف منها على الاختلاف، فلأن الاذن في المخالفة هاهنا لا يستلزم الجمع بين الضدين في نظر القاطع، لأنه بما هو مجهول الحكم فيكون ظاهرياً حيث يكون مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، فلا مضادة و لا منافاة بينه و بين الحكم المعلوم، لما سيأتي إن شاء الله تعالى، من عدم المنافاة بين الحكم الظاهري و الواقعي.

و بالجملة يكون مع الإجمال مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، لا يكون في ورود حكم على خلاف الحكم الواقعي إشكال أزيد من توهم المنافاة بين الظاهري و الواقعي، كالشبهات البدوية بعينها، فانه لو كانت هناك منافاة في صورة المخالفة لا يرفعها الجهل فيها، و ان لم يكن بينهما منافاة لا يوجبه القطع بالمخالفة هاهنا.

هذا، مع القطع بان الأمارات و الأصول كثيراً ما يؤدى إلى خلاف الواقع، فافهم.

فانقدح بذلك ان المتكفل للبحث في كلتا المرتبتين من الامتثال، انما هو مسألة البراءة و الاشتغال من حيث دفع‏ (3) المانع عنهما أو عن إحداهما، لا من حيث المقتضى، بل بعد

____________

(1)- و في «م»: كذلك.

(2)- خ ل: و لو

(3)- خ ل: رفع‏

48

الفراغ عنه. اما الكلام فيهما من هذه الحيثية فهو في عهدة المقام.

قوله (قده) و لنقدم الكلام في المقام الثاني، و هو كفاية العلم الإجمالي في الامتثال- إلخ-.

توضيح الحال في كفاية العلم الإجمالي في الامتثال أو عدم كفايته، يستدعى صرف عنان المقال أولاً إلى بيان لزوم تحصيل الغرض عقلاً في مقام الإطاعة أو عدم لزوم شي‏ء الا الموافقة للأمر و النهي؛ و ثانياً إلى بيانه انه هل يعتبر في تحصيل الغرض على تقدير لزومه ما لا يتمكن منه الا مع القطع‏ (1) التفصيلي، و لا يكاد ان يحصل مع الإجمالي أولا، و ذلك لبداهة إناطة كفايته بعدم لزوم تحصيل الغرض، و كفاية الموافقة مطلقا، أو عدم توقف تحصيله على ما لا يتمكن منه معه.

فهاهنا مقامان:

الأول‏

اعلم انه يجب تحصيل الغرض عقلاً و لا يعقل ان يسقط الأمر أو النهي بالموافقة بدونه، و الا لزوم تخلف العلة من معلولها، و ذلك لأن المراد من الغرض هاهنا ما هو الباعث على الطلب و السبب لحدوثه، فكيف يرتفع مع بقائه على ما هو عليه، و البقاء لو لم يكن أخف مئونة من الحدوث، لا يكون بأكثر، و مع عدم بقائه على ما هو عليه، بان بدا للأمر (2) فيما بدا له من الغرض، أو حصل بالموافقة، أو بفعل الغير يسقط الطلب بإسقاط ملاكه بالموافقة و الإطاعة، أو بغيرها (3).

ان قلت: نعم لا بد من تحصيله، لكنه يحصل بالموافقة، للزوم أخذ كل ما لا بد منه في تحصيله في متعلق الأمر أو النهي، ضرورة ان العاقل انما يأمر و ينهى بما يوافق غرضه لا بالأعم.

____________

(1)- خ ل: العلم‏

(2)- خ ل: بدور الأمر و في «م»: بأن بدأ للأمر فيما بدأ.

(3)- و في «م»: (فيما بدأ من الغرض الطلب و أن كان ينتفي مع الموافقة مطلقا، إلا أنه بانتفاء ملاكه لا بالوافقة و الإطاعة).

49

قلت: مضافاً إلى النّقض بأنه كثيراً مّا يكون الطّلب متعلّقاً بالأخصّ مما يوافق الغرض، انّه انّما يجب أخذه فيه إذا أمكن، و بعض ما لا بدّ فيه في تحصيله لا يكاد يمكن تحصيله‏ (1)، و هو كلّ ما ينشأ من قبل نفس الطّلب، مثل قصد القربة و قصد الوجه و التّميز، حيث انّه من الواجب بأدنى تأمّل عدم التمكن من قصد القربة بالصّلاة مثلاً بإتيانها بداعي امرها إلاّ إذا كان الأمر متعلّقاً بها نفسها، بداهة انّ الأمر انّما يدعو إلى ما تعلّق به، لا إلى غيره، و كذا لا تصير موجّهة بالوجوب إلاّ إذا كان كذلك، و إلاّ لما كان الوجوب وجهاً لها، بل لما كانت مقيّدة به.

و بالجملة ما لم يكن الأمر متعلّقاً بنفس الصّلاة بما اعتبر فيها من الأجزاء و الشّرائط وحدها، من دون تقييد بالقربة و نحوها، لم يكد يتمكّن منها، بداهة توقّف إتيانها بداعي امرها على كون الأمر بها وحدها.

و من هنا انقدح لزوم الدّور الصّريح في ذلك في اتّصاف الصّلاة المأتيّ بها بقصد القربة مثلاً بالوجوب أو الاستحباب؛ تقريره انّه يتوقّف حينئذ اتّصافها بأحدهما و كونها واجبة أو مستحبّة على قصد امتثال الأمر بها، ضرورة توقّف الصّفة و الاتّصاف على الموصوف، و المفروض انّه لا يتوقّف بدونه، و يتوقف قصد امتثال الأمر بها و إتيانها بداعي امرها على كونها واجبة أو مستحبّة و محكومة بأحدهما، لما عرفت من عدم التّمكن منه بدونه، و كذا الحال في غير قصد الامتثال.

و بالجملة كيف يمكن أخذ مثل قصد الامتثال في متعلّق الأمر، و أخذه فيه يستلزم اختصاص ساير الاجزاء و الشّرائط بالأمر لما عرفت، و هو مساوق لعدم أخذه في متعلّقه فلزم من أخذه فيه عدم أخذه فيه، و ما لزم من وجوده عدمه فهو محال.

ان قلت: نعم لكنّه إذا كان الأخذ بأمر واحد، و امّا إذا كان بأمرين يتعلّق أحدهما بذات الصّلاة مثلاً و الآخر بها مقيّدة بقصد القربة و غيرها، لا يلزم منه محذور أصلاً كما لا يخفى، فان كان له أو لمثله دخل في تحصيل الغرض فليأخذه الأمر في متعلّق الأمر حيث تمكّن منه كذلك.

قلت: نعم، لكنّه لو لم يلزم منه المطلوب، أي عدم كفاية مطلق الموافقة في مقام الإطاعة، أو عدم توسّل المولى إلى غرضه بذلك و هو لازم جدّاً، و ذلك لأنّه لا يخلو إمّا ان يقال بسقوط الأمر الأوّل بمجرّد موافقته حينئذٍ من دون موافقة الثّاني، أم لا بل لا بدّ في سقوطه أيضا من‏

____________

(1)- خ ل: أخذه‏

50

موافقة الثاني؛ و على الأوّل يلزم الثّاني فيما إذا وافق الأوّل لسقوطه به و سقوط الثاني بسقوطه.

و على الثّاني يلزم الأوّل حيث التزم بعدم سقوط الأمر بمجرّد الموافقة. هذا، مع لزوم كون موافقة الأمر الأوّل امتثالا له موجبة لاستحقاق الثّواب، و لم يكن مخالفته بما هي مخالفة موجبة لاستحقاق العقاب و إلاّ كانت موافقته مطلقا و بدون قصد الامتثال رافعة له.

لا يقال: موافقته امتثالا له ليست بما هي موافقة موجبة للثّواب، بل بما هي موافقة للثّاني، فلا تفكيك! لأنّا نقول: كلاّ لأنّها توجبه و لو كان غافلاً عن الثّاني، و مع لزوم كون إطاعة الأمر الأوّل موجباً للتّقرّب و ليس امراً المقصود، بل هو لمجرّد التّمكن من الأمر به و يكون امره أهون من الأمر الغيري الّذي لا يوجب طاعته بما هي طاعة شيئاً من القرب، كما حقّق في محلّه.

ان قلت: بقي إشكال، و هو انّه كيف يحرّك و يبعث نحو ما لا يهمّه و لا يوافق عرضه، و هل هذا إلاّ سفهاً.

قلت: ينبعث من الغرض الأصلي و هو حصول القرب بالإطاعة، غرض آخر أوسع منه يدعو إلى الأمر بشي‏ء نفسه، لملاحظة خصوصيّة فيه و هو التّوصّل به إلى الغرض الأصليّ بحيث يجب موافقته حينئذ بقصد الامتثال عقلاً و هو يوجب القرب بما لا (1) إشكال، فلا يكون بعثه لغواً و عبثاً.

فقد اتّضح بما حقّقناه انّ قصد الامتثال و نحوه فيما كان له دخل في حصول الغرض كما في الأوامر و النّواهي التّعبّدية. انّما يكون من وجوه الطّاعة و كيفيّات الإطاعة بلا إشكال، لا ممّا يمكن أخذه في المأمور بها و المنهيّ عنها؛ و يؤيّده ملاحظة الأوامر التّوصّليّة، و انّما قد يكون بلا قصد الامتثال، فيوجب رفع تبعيّة العصيان من استحقاق العقوبة، و قد يكون معه‏ (2) القرب الموجب للمثوبة من دون ان يكون مجال لاحتمال ان يكون مأخوذاً في متعلّق هذه الأوامر و من له حدس يحدس منه انّه ليس حال الأوامر التّعبّدية إلاّ كحالها، و ليس التّفاوت بينهما إلاّ انّ هذه الكيفيّة لازمة بحكم العقل في الموافقة، لدخلها في حصول الغرض، فلا بدّ منها في رفع العقوبة كما يكون بها المثوبة، بخلافها.

ان قلت: هب ذلك كلّه، لكنّه ليس قصد القربة المعتبرة في العبادات بمنحصر في‏

____________

(1)- خ ل: بلا

(2)- خ ل: فيوجب معه‏

51

قصد الامتثال كي يكون ناشئاً من قبل الأمر فلا يمكن أخذه في متعلّقه، بل فوقه مرتبة أخرى غير متوقّفة على الأمر، فيمكن أخذه في متعلّقه و هي قصد كون الفعل للّه تعالى، فكما يمكن ان يلزم بعمل لغيره تعالى، كذلك يمكن ان يؤمر به له تعالى.

قلت: إمكان أخذ هذه المرتبة العليا في متعلّقه لا يجدى بعد بداهة جواز الاقتصار بما دونها من قصد الامتثال لا يمكن أخذه فيه أصلاً و لو بأخذ ما يعمّه على نحو القضيّة الطّبعيّة الّتي يسرى الحكم فيها إلى جميع ما ينطبق عليه من الافراد و لو كان ممّا يتوقّف على تحقّق الحكم، و لا يكاد يتحقّق بدونه مثل كونها مقرباً، و ذلك لأنّه لا يسرى إلى قصد الامتثال الّذي لا يتأتّى إلاّ إذا كان الأمر متعلّقاً بنفس العمل و إلاّ لما كان المأتيّ بداعي الأمر و بقصد الامتثال، كما بيّناه بما لا مزيد عليه. و امّا المرتبة الّتي دون هذه المرتبة مثل الشوق إلى الجنّة أو الخوف عن النّار، فهي ممّا لا يتحقّق بدون الأمر و النهي كما لا يخفى على المتأمّل، فتأمّل جيّداً.

ثمّ هذا كلّه فيما علم دخله في حصول الغرض، و امّا إذا شكّ فيه فلا مجال إلاّ للاشتغال، و لو قيل بالبراءة في الشّك في الأجزاء و الشرائط، فانّه يتوهّم جريان أدلّة البراءة بالنّسبة إلى الزّائد فيكون بالنسبة إليه تكليف بلا بيان، فالمؤاخذة عليه بلا برهان، و لا محل هاهنا له أصلاً حيث انّها ليست إلاّ على ما نهضت عليه الحجّة و اشتغلت به الذّمّة، و هو العلم بالأمر مع احتمال عدم فراغ الذّمّة عنه إلاّ بالموافقة على هذا النّهج الخاصّ، فيجب لتحصيل القطع بسقوط ما يقطع بثبوته، لما عرفت من انّه لا يسقط إلاّ بالموافقة المحصّلة للغرض.

و منه ينقدح صحة جريان الاستصحاب هاهنا للعلم بثبوت الإيجاب سابقاً و الشّك في ارتفاعه لا حقاً، بل لا مجال معه لقاعدة الاشتغال.

و من هنا انقدح انّ الأصل عند الشّك في التّعبّديّة و التّوصّليّة في الواجبات، يقتضى تعبديّتها، و عند الشّك في اعتبار شي‏ء في كيفيّة الإطاعة في التّعبديّات اعتباره فيها. نعم لا يبعد دعوى القطع بعدم اعتبار ما شك فيه ابتداءً ممّا يغفل عنه غالباً بحيث لو لم ينبّه عليه و انّه ممّا لا بدّ منه في تحصيل الغرض، لم يلتفت إليه إلاّ نادراً إذا لم يكن في الاخبار و الآثار منه عين و لا أثر بحيث يقطع بأنه لو كان به خبر لظفر به، فانّه حينئذ يقطع بعدم اعتباره و إلاّ كان الواجب عليهم (عليهم السلام) ان ينبّهوا عليه لئلا يلزم نقض الغرض، إذا المفروض انّه لا يلتفت إليه غالباً فيشك في اعتباره و يحكم به عقلاً، و يكتفي به عن التّنبيه عليه، فلا محيص في الغرض عن التّنبيه لئلا يلزم النّقض إلاّ انّ الشّأن إثبات هذه‏

52

المقدّمات فيما يشكّ في اعتباره ابتداءً، و لا يبعد تحققها في كثير منها، كما سنشير إليه.

المقام الثاني‏

لا إشكال في عدم منافاة الإجمال لقضيّة (1) الامتثال و التّمكن معه من إتيان المأمور به بداعي امره في ضمن الأكثر أو المتباينين، كما لا ينبغي الإشكال في إمكان قصد الوجه فيهما توصيفاً و غاية لو قيل بلزومه عقلاً، بان يقصد الصّلاة الواجبة عليه بين الصّلاتين، أو في ضمن الأكثر، أو يأتي بهما، أو به لوجوبها عليه، فانّه ما أخلّ بالوجه حينئذ بوجه، و ان أخلّ بالتّميز في كل واحد من وجه، حيث انّه لم يتميّز المأمور به بعنوانه في الأوّل، و باجزائه في الثّاني. نعم لو قيل باعتبار الوجه في الاجزاء أيضاً يوجب الإجمال في الثّاني الإخلال به في الجملة.

و من هنا ظهر انّه انّما يخلّ بالتّميز مطلقا، لكنّه في كل منهما من وجه كما عرفت، هذا في الشّبهة الحكميّة. و امّا في الشّبهة الموضوعيّة فكلّ واحد من اجزاء الواجب و عنوانه و ان كان متميّزاً، إلاّ انّه لا يتميّز مصداقاً فلا يتميّز أنّ أي واحدة من هذه الصلوات إلى الجوانب الأربعة تكون صلاة إلى القبلة مثلاً. و لكن لا يخفى ان التّميز في الشّبهة الموضوعيّة يمكن أخذه في متعلّق الأمر و ليس كتميزه بعنوانه أو باجزائه في الشّبهة الحكميّة ممّا لا يمكن أخذه فيه.

فانقدح بما فصّلناه، انّه لا وجه لما أفاده من إخلال الإجمال بالوجه مطلقا، و إلاّ لما أفاده من ان اعتباره التّميز ليس تقييداً في دليل العبادة في الجملة، فتدبّر جيّداً.

ثمّ لا يخفى انّه ليس في الاخبار و الآثار من اعتبار الوجه و التّميز عين و لا أثر، و لم يكن في الصّدر الأوّل ممّا يلتفت إليه إلاّ نادراً، فلا يكون معه مجال لاحتمال اعتبارهما في الامتثال، لما عرفت. فانقدح انّه لا يعتبر فيه ما ينافيه الإجمال.

لا يقال: انّه إذا استلزم التّكرار كما في المتباينين، لا يخلو من اللّعب بالأمر المولى‏ (2) و هو ينافي إطاعته و امتثاله.

لأنّا نقول: مضافاً إلى انّه ربّما يكون لداعي عقلائيّ لا عبثاً و لغواً، إذا العبث ان لم يكن إلاّ في الكيفيّة (3) الإطاعة بعد كونه بصدد الإطاعة حقيقة، بان لا يكون له في اختيار (4) هذه‏

____________

(1)- و في «م»: بقصد

(2)- خ ل: العبث‏

(3)- خ ل: كيفية

(4)- خ ل: اعتبار

53

الكيفيّة داعي عقلائيّ مع تمكّنه من الإطاعة التّفصيليّة، لا يوجب اللعب‏ (1) بأمر المولى المنافي لطاعته و امتثال امره، و انّما المنافي له هو اللعب‏ (2) بامره بالموافقة و لو تفصيلاً لا امتثالا له بل سخريّة، فيكون بين العبث و كلّ واحد من الموافقة التّفصيليّة أو الإجماليّة عموماً و خصوصاً من وجه، فلا تغفل. هذا كلّه فيما إذا تمكّن من العلم التّفصيلي أو ما يقوم مقامه من الظنون بغير دليل الانسداد، من غير تفاوت بينهما أصلاً في الاكتفاء بالإجمالي و عدم الاكتفاء به. نعم انّما التّفاوت إذا اعتبر الظّنّ في خصوص ما لم يتمكّن من الامتثال العلمي مطلقاً، لا مطلقاً كما لا يخفى؛ فما يتراءى من ظاهر كلامه من التّفاوت بينهما، ليس بوجيه.

و امّا ما يقوم مقامه بدليل الانسداد، ففيه تفصيل إجماله انّه لو كان عدم الاكتفاء به لتوهّم إخلاله بالوجه أو لاعتبار التّميز (3) من التّفصيلي، فالوجه الاكتفاء به بل تعيّنه مع عدم التّمكن منه على تقرير مقدّمات دليل الانسداد على نحو الحكومة، لعدم التّمكن من الوجه أو التّميز بالظّنّ حينئذ، لا وجداناً و لا تعبّداً، غاية الأمر اكتفاء العقل بالطّرف الرّاجح من دون تعبّد لواقعيّته، و عدم الاكتفاء به على تقريرها على نحو الكشف للتّمكن منهما حينئذ شرعاً، و ليس حاله إلاّ كحاله فيما إذا اعتبر بغير دليل الانسداد إلاّ ان يدّعى انّ الاستكشاف يختصّ بما إذا لم يتمكّن من الامتثال العلمي مطلقا و لو على وجه الإجمال، بان يكون الإخلال بالوجه أو التّميز مخلاً بالامتثال عقلاً فيما إذا تمكّن من التّفصيل لا مطلقاً، فيتعيّن الامتثال الإجمالي مع عدم التّمكن من التّفصيلي و لو كان عدم الاكتفاء به في حال الانفتاح لإلغاء هذا النّحو من الامتثال في نفسه مطلقا، أو في خصوص ما استلزم التّكرار لتوهّم اللّعب بأمر المولى منه، كما تقدّم مع دفعه، فالوجه عدم الاكتفاء به مطلقا و لزوم التّنزل إلى الامتثال الظّنيّ، إلاّ ان يدّعى أيضا انّ ذلك انّما هو مع التّمكن من التفصيلي، و امّا مع عدم تمكّنه فلا أقلّ من التّخيير بينه و بين الامتثال الظّنّي لو لم نقل بتعيينه حينئذ عقلاً.

و إذا عرفت انّه لا وجه لعدم الاكتفاء بالامتثال الإجمالي في حال الانفتاح، عرفت انّه متعيّن في حال الانسداد و يمنع من ان تصل النّوبة إلى الظّن كشفا أو حكومة، و لا يخفى انّ هذا مع قطع النّظر عن قيام دليل خارجيّ على عدم جواز الاكتفاء به، كما ادعى تحقّق‏

____________

(1)- خ ل: العبث‏

(2)- خ ل: العبث‏

(3)- خ ل: لاعتبار التميز في صورة التمكن‏

54

الإجماع عليه فيما إذا استلزم التّكرار، أو على عدم وجوبه كما إذا استلزم العسر و الحرج المنفيّين في الشّرعية، كما سيجي‏ء تفصيله في طيّ مقدّمات الانسداد.

ثم لا يخفى انّ ما أفاده- قدّه- في بيان كيفيّة الاحتياط من تحصيل الظّنّ و إتيان الطرف المظنون ثم الإتيان بالطّرف الآخر، انّما يتمّ في الظّنّ الخاصّ مطلقا، و في المطلق على تقرير الكشف لا مطلقا، لما عرفت من انّه على تقرير الحكومة لا يوجب التّمكن من الوجه و لا التّميز الموجب لهذا الاحتياط، كما انّ ما يتراءى منه من لزوم هذا التّرتيب، لا يساعده وجه إلاّ صرف اعتباران العكس لا يخلو من شائبة عدم الاعتناء بما عينه المولى له و هو كما ترى.

قوله (قده): إلاّ انّه وقع في الشّرع موارد يوهم خلاف ذلك، منها ما حكم به بعض- إلخ-.

لا يخفى انّ عدّ هذه الموارد من الموارد الّتي يوهم عدم الاعتناء بالعلم التّفصيلي الناشئ من العلم الإجمالي، انّما يصحّ إذا كانت مخالفة الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال ممنوعاً عقلاً بحيث لا يجوّز للشّارع ترخيصها، و هو محلّ الإشكال بل المنع كما عرفت مفصّلاً، و امّا ما اختاره الشّيخ- قدّه- من التّخيير، فالظّاهر انّه تخيير بين القولين كالتّخيير بين الخبرين المتعارضين، فيعيّن عليه كلّ ما اختاره من القولين من دون قطع بالمخالفة أصلاً، لاحتمال الموافقة مع كلّ واحد منهما كما (1) بيّناه فيما علّقناه سابقاً على الكتاب في مسألة البراءة و الاحتياط، فتدبّر جيّداً.

و امّا ما حكم بعض بجواز ارتكاب كلا المشتبهين، فلا وجه في عدّه من تلك الموارد أيضاً، فانّ الميتة المشتبهة بينهما إذا جاز الاقتحام فيها و المعاملة معها معاملة المذكى شرعاً كما هو المفروض، لا يكون البيع بالنّسبة إلى ما يقع بإزائها باطلاً، كي يكون وطي الجارية الّتي يكون هذه الميتة المشتبهة بعض ثمنها محرّماً، بل يكون شراؤها بالمشتبهين بها في تمامها صحيحاً حتّى فيما يقع بإزاء الميتة المشتبهة، فانّ حال ما بإزائها حينئذ يكون حالها، فكما جاز تملّكها و ترتيب تمام آثار الملكيّة عليها لذلك، جاز تملكه و ترتيب آثار الملكيّة عليه و منها جواز الوطء إذا كانت جارية، و منشأ توهم كون هذا من الموارد الموهمة، كون الميتة غير قابلة للنّقل و الانتقال، و قد عرفت انّ المشتبه بها و لو في الشّبهة المحصورة بحكم غير الميتة،

____________

(1)- خ ل: بما

55

فتدبّر.

و امّا مسألة حكم بعض بصحّة الائتمام فيمكن ان يكون نظره إلى منع مانعيّة الحدث للصّلاة ما لم يعلم حدوثه من شخص معيّن، أو منع شرطيّة صحّة صلاة الإمام لصحّة الائتمام، بل الشّرط انّما هو مجرّد إحراز المأموم انّ الإمام يصلّي على نحو لا يخلّ بما يجب عليه ظاهراً و لو كان إحرازه ذلك مستنداً إلى عدالته مطلقا و لو ظهر بعد ذلك انّه أخلّ ببعض ذلك سهواً أو عمداً، تقصيراً أو قصوراً، كما يظهر من فتواهم بعدم بطلان صلاة المأموم لو انكشف بطلان صلاة الإمام، بل و لو ظهر كونه يهوديّاً كما في الخبر (1).

و امّا مسألة حكم الحاكم بتنصيف الّتي العين تداعيها رجلان، فحالها كحال المسألة الأولى في انّ عدّها من الموارد انّما يكون على مذهبه، و عليه لا بدّ ان يلتزم بان تلقّي الملك فهو حكم له‏ (2) شرعاً بسبب ملك كهبة، أو شراء، أو غيرهما، يوجب كون المتلقّي مالكاً له ظاهراً، كما سيأتي شرحه في بعض هذه المسائل، أو واقعاً حيث ليس بكثير مئونة، بل يكفى فيه حكم الشّارع بجواز الشّراء و الاتّهاب منه إذا ليست الملكيّة الواقعيّة إلاّ اعتبار اختصاص خاصّ من الشّارع، و لا خفاء في انّ حكمه بجواز هما منشأ له، فافهم.

و امّا مسألة حكمهم في الدّرهم و الدّرهمين، فحالها حال سابقيها بعينها كما هو المشهور بين الأصحاب، و به رواية ضعيفة (3) منجبرة بذلك، و ان كان الّذي يشهد له القواعد، القول بالقرعة حيث انّ التّالف لا يحتمل كونه لهما، بل من أحدهما (4) خاصّة لعدم الإشاعة هاهنا (5) فكيف يقسم الدّرهم بينهما مع انّه مختصّ بأحدهما قطعاً، لكن قاعدة القرعة موهونة لكثرة ورود التّخصيص عليها، فلا يجوز ان يستند إليها ما لم ينجبر باستناد الأساطين إليها، فكيف بها فيما إذا أعرض عنها المشهور، هذا.

و امّا مسألة الإقرار فلازم تجويز اجتماع العين و القيمة عند واحد و تصرّفه في كليهما الالتزام بانتقال ما يقع ثمناً لهما إليه بتمامه ظاهراً و ان كان بعض المثمن‏ (6) مال المقر في‏

____________

(1)- وسائل الشيعة 5- 435- ح ا.

(2)- خ ل: ممن له حكم‏

(3)- مستدرك الوسائل: 2- 499- ب 4- و مثله صحيح عبد اللَّه بن المغيرة كما صرح به صاحب الجواهر (ره)- الجواهر: 26- 223- و أشار إليه صاحب الوسائل في المجلد 13- 169

(4)- خ ل: لأحدهما

(5)- خ ل: هنا

(6)- خ ل: مثمنه‏

56

الواقع، لكونه بتمامه ماله ظاهراً، فيكون حال الثّمن، حال المثمن من غير تفاوت. و مجرّد العلم بكون بعض المثمن مال الغير في الواقع، لا يوجب العلم بكون المثمن غير منتقل إليه أصلاً و لو ظاهراً، و انّما يوجبه لو لم يكن بتمامه ماله في الظّاهر شرعاً، و يكفي في الحكم بانتقال الثّمن إليه ظاهراً بتمامه، عدم علمه تفصيلاً بأنّ أيّ جزء من المثمن المحكوم بكونه بتمامه ماله شرعاً مال الغير في الواقع، فالمرتبة للحكم الظّاهري بملكيّة تمام الثّمن محفوظة.

و بالجملة يكون ملك المثمن على نحو كان الثّمن ملكاً له، ضرورة انّه انّما انتقل إليه بإزاء ما انتقل عنه، فيكون بحكمه في كونه بتمامه ملكاً له ظاهراً، فتدبّر جيّداً.

و امّا حكمهم بانفساخ العقد المتنازع في تعيين مثمنه أو ثمنه على وجه يقضى بالتّحالف، فلا يكون أيضاً من الموارد الموهمة، لمخالفة العلم التّفصيلي في الشّريعة، ضرورة انّ ردّ الثّمن أو الجارية إلى صاحبهما بعد الحكم بانفساخ العقد الواقع عليهما، ليس إلاّ ردهما إلى مالكهما فعلاً حيث انّهما رجعا إلى ملكه بانفساخ العقد بعد انتقالهما عنه بسببه، و انّما يكون موهما لو قيل به بعد التّحالف بدون الانفساخ، و لا أظنّ ان يكون به قائل و ان كان بينهم خلاف في كون الانفساخ بالتّحالف من حينه أو من أصله، و على احتماله أو تقدير القول به فلا مناص عن الالتزام بكون هذا تقاصّاً خاصّاً يلزم به المالك شرعاً، حسماً لمادّة النّزاع.

قوله (قده): إذا عرفت هذا فلنعد إلى حكم مخالفة المعلوم بالإجمال- إلخ-.

لا يخفى انّه كان الأولى ان يجعل من جملة الأمور الّتي نبّه عليها: أولاً بيان انّ العلم بالحكم تفصيلاً هل يوجب لزوم موافقته أو عدم مخالفته التزاماً، كما يوجب عملاً بان يكون تنجّزه به موجباً لأمرين عقلاً لا يرتفع تبعيّة التّكليف إلاّ بهما، أولا، بل لا يبقى منه تبعيّة أصلاً بمجرّد موافقته عملاً. و ثانياً بعد الفراغ عن كونه موجباً لذلك بيان انّ العلم الإجمالي هل يكون كالتّفصيلي في ذلك؟ أولا بل يكون إجمال متعلّقه مانعاً عن لزوم الموافقة الالتزاميّة القطعيّة أو الاحتماليّة.

فنقول: لا يخفى انّه كما لا مزيّة في تنجّز التّكليف بالعلم التّفصيلي، بمعنى لزوم موافقته عملاً على نحو مرّ تفصيله، كذلك لا ريب في سقوطه و براءة الذّمة عنه بذلك مطلقا و لو لم يوافقه التزاماً، بحيث لا يبقى معه له تبعة أصلاً.

نعم يكون الالتزام و التّعبد بالأوامر و النّواهي و ساير الأحكام من قبل المولى من كمال‏

57

العبوديّة، لا يبعد استحقاق الفاقد له للذّم كسائر الصّفات الذّميمة، و الواجد له للمدح كسائر الأخلاق الكريمة، و تفاوتها فيما يحصل لهما من القرب بالموافقة عملاً، ضرورة تفاوت الدّرجات بحسب الأخلاق و الصّفات كالحسنات و السّيئات، بل اختلافهما بحسبها، كيف و كانت حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، هذا إذا علم تفصيلاً، فكيف به إذا علم إجمالاً، مع انّه لا مجال للزوم الالتزام مع الإجمال و لو قيل به مع العلم التّفصيلي، و ذلك بالنّسبة إلى الالتزام بالواقع على التّعيين واضح، للجهل به، و امّا على نحو التّخيير فان كان المراد به التّخيير بين نفس الالتزامين، أي الالتزام بأحد طرفي الاحتمال، و الالتزام بطرفه الآخر كالتّخيير بين الرّوايتين، فالتّكليف المعلوم بالإجمال على فرض الاقتضاء لا يقتضى الالتزام بنفسه، لا التّخيير بينه و بين الالتزام بضدّه، و كذا الحال ان كان المراد منه التّخيير في الملتزم به، بان يكون الملتزم به امراً تخيّريا و هو أحد الالتزامين، ضرورة انّه انّما يقتضى الالتزام به أو بضدّه تخييرا، و لا يجدى في تحقيق المرام و مراعاة جانب الالتزام بالتّكليف المعلوم بالإجمال أصلاً فرض وجود خطاب بإلزام الفعل أو التّرك على نحو التّخيير، يلتزم به، ضرورة ان الالتزام بحكم لا يكون التزاماً بحكم آخر، و لا يقاس هذا بما ورد من الحكم الظّاهري مراعاةً للواقعي مثل مؤدّى الأمارات، فانّ موافقته عملاً فيما أصاب موافقته له أيضا حقيقة، بخلاف موافقته التزاماً فانّه ليس بالموافقة الالتزاميّة للواقع أصلاً و لو فيما أصاب، بل في الحقيقة التزام بالخطاب الناشئ مما دلّ على اعتبار الأمارات، و أين هو من الخطاب الواقعي، فافهم. هذا، مع انّ مضمون هذا الخطاب فيما إذا كان الاشتباه في وجوب شي‏ء و حرمته حاصل، فيكون طلبه طلباً للحاصل و هو محال، و في غيره أو فيه لو فرض كون هذا الخطاب تعبديّاً كي لا يكون مضمونه حاصلاً، لا يكون عليه دلالة من عقل و لا نقل.

نعم انّما يجب الالتزام بأحد المحتملين تخييراً بمقدمات ثلاث: (أولاها) ان يكون الالتزام واجباً شرعيّا كسائر الواجبات الشّرعيّة. (ثانيها) ان يكون الواجب هو الالتزام بالاحكام بعناوينها الخاصّة و لا يكفي مجرّد الالتزام بها لما هي عليها من العناوين. (ثالثها) ان يكون الواجب هو الالتزام بها بعناوينها مطلقا من دون اعتبار العلم بها تفصيلاً، ضرورة انّ وجوب الالتزام حينئذ يكون ممّا يجب موافقته و لو احتمالاً، و يحرم مخالفته قطعاً كوجوب ساير الأمور شرعاً فيما لا يمكن من موافقته إلاّ احتمالاً، كما هو كذلك في المقام.

و لكن لا يخفى انّ كلّها ممنوعة:

امّا الأولى فلعدم مساعدة دليل على وجوبه كذلك، و لا يكاد يمكن استفادته من نفس أدلة الأحكام و العقل لو ساعد على لزوم الالتزام بها يكون حكمه بذلك و حكمه بلزوم الموافقة

58

عملاً بها من واد واحد لا يمكن استكشاف حكم شرعيّ مولوي منه، كما قدّمنا وجهه.

و امّا الثّانية فلأنَّ دعوى القطع بأنّ الغرض من الالتزام بالاحكام يحصل من الالتزام بها بما هي عليها من العناوين الواقعيّة و لو لم يعلم بها، و لا يتوقف على الالتزام بها بعناوينها الخاصّة غير بعيدة.

و امّا الثّالثة فدعوى اختصاص وجوب الالتزام كذلك لو سلّم بصورة العلم بها تفصيلاً قريبة جدّاً. هذا، مع انّه لو سلّم جميع المقدّمات يخرج الالتزام عن الموافقة الالتزاميّة و يدخل في الموافقة العمليّة للخطاب به شرعاً الّتي يكون واجبة في الجملة بلا كلام.

ثمّ لا يخفى انّه لا مجال للتّمسك في وجود (1) المخالفة الالتزامية بالأصول مطلقا، موضوعيّة كانت كأصالة عدم تعلّق الحلف مثلاً، أو حكميّة مثل أصالة عدم الوجوب أو الحرمة، لما عرفت من عدم المقتضى لوجوب الالتزام بالحكم أصلاً و وجود المانع عنه فيما إذا علم بالإجمال، و كذا الحال لو قيل بوجود المقتضى له مطلقا و عدم كون الإجمال مانعاً إلاّ في الجملة أي من الموافقة القطعيّة لعدم التّمكن منها معه لا الاحتماليّة للتّمكن منها، كما هو الحال في الموافقة العمليّة فيما علم بالإجمال لو لم يتمكّن من الموافقة القطعيّة، لكنّه على مختاره- قدّه- من تنجّز التّكليف بالعلم الإجمالي على نحو التّنجيز بالنّسبة إلى وجوب الموافقة الاحتماليّة و حرمة المخالفة القطعيّة و ان كان على نحو التّعليق بالنّسبة إلى الموافقة القطعيّة. و اما على المختار من كونه على نحو التّعليق مطلقا، كما عرفت وجهه فيما أسلفناه، فانّما يجوز التّمسّك بها لو كانت أدلّتها بعمومها أو بإطلاقها شاملة للمقام؛ و فيه كلام لعلّنا نتعرّضه في المخالفة العمليّة عند التّمسّك بالأصول في جوازها.

ثمّ انّ ما استشهد به- قدّه- لحمل إطلاقات كلمات القوم الموهمة لعدم جواز المخالفة الالتزاميّة على إرادة عدم الجواز في العمليّة من انّ ظاهر شيخ الطّائفة- قده- في مسألة اختلاف الأمة على قولين الحكم بالتّخيير الواقعي لا شهادة له أصلاً ان كان الأمر كما استظهره، كما هو كذلك على ما حكى لي بعض الثّقات من انّه في العدّة (2) يستدلّ عليه بطريق اللّطف، و انّه لو لم يكن التّخيير رأيه (عليه السلام) كان عليه إظهار رأيه، بداهة انّ التّخيير حينئذ انّما يكون قول الإمام، لا أحد القولين، كذا و ان كان التّخيير تخييراً بين القولين بحيث يتعيّن عليه ما اختاره، كما حملنا عليه كلامه في التّعليقة، و يشهد به تنظيره‏

____________

(1)- خ ل: جواز

(2)- عدة الأصول: 2- 65

59

بالتّخيير بين الخبرين، ضرورة انّه لا يكون في حكم المسألة الفرعيّة حينئذ إلاّ مخالفة احتماليّة لا قطعيّة.

ثمّ لا يخفى انّ ما استدركه بقوله «نعم ظاهر هم في مسألة دوران الأمر- إلخ-» من انّ عدم الرّجوع إلى الإباحة، لعلّه كان لعدم وجود مقتضى لها فيها عندهم، و منع شمول أدلّتها بعمومها أو إطلاقها لتلك المسألة، كما ضعّفه- قدّه- في تلك المسألة فلاحظ، لا لوجود المانع و هو لزوم المخالفة الالتزاميّة، و كان مراد القائل بالتّخيير، التّخيير عملاً مع التّوقّف في الفتوى و عدم الالتزام بأحد الحكمين كما اختاره‏ (1)- قدّه-، لا التّخيير بين الاحتمالين، و كذا مراد القائل بتعيين الأخذ بالحرمة ترجيح ما يوافقه عملاً مع التّوقّف عن الفتوى بها، إلاّ انّها بذيلها تدلّ على حرمة أحدها، أو نجاسة، أو نقض يقينه، و من المعلوم انّ حلّية كلّ مثلاً يناقض حرمة أحدها فيلزم من شمولها لها التّناقض في مداليلها، فيكشف من عدم شمولها، لكن يمكن دعوى ظهريّة الصّدر في شموله لكلّ واحد منها من الذّيل في شموله لحكم واحد منها بدعوى انّه من المعلوم انّ لفظ الشّي‏ء بما هو معيّن بنحو من التّعيين كالإشارة إليه، و لم يعرف بعد حرمة واحد كان معيّناً بذلك التّعيين الموجب- لإدراجه تحت العموم، و ان عرف حرمة أحدهما بلا عنوان أو بعنوان لا يكون تعيّن كل واحد منهما به، و الغاية انّما هي معرفة حرمة الشّي‏ء المعيّن بذلك التّعيين الملحوظ في المعنى كما لا يخفى، ضرورة ظهور تبعيّة الضّمير للمرجع لا معرفة حرمة أحدهما أو نجاسته بلا عنوان أصلاً، كما إذا عرفت حرمة إحدى (أحد. ن. ل) الإناءين أو نجاستها بدون تعيينها بعنوان من العناوين، كعنوان إناء زيد أو عمرو، أو مع عنوان كما إذا عرفت حرمة إناء زيد بين الإناءين، فافهم.

و لا يخفى انّ هذا غير دعوى انصراف المعرفة إلى المعرفة التّفصيليّة، كي يقال انّها مجازفة حيث لا منشأ للانصراف أصلاً، و كذا الحال في قوله «و لكن تنقضه بيقين آخر» (2) حيث انّ الظّاهر منه نقض اليقين بالشّي‏ء بيقين آخر و ليس اليقين بأحد الشّيئين اليقين بالشّي‏ء عرفاً، و الظّاهر انّ هذا هو السّرّ في ان المنصرف إلى الأذهان الصّافية غير المغشوشة بالمباحث العلميّة شمول هذه الاخبار لأطراف الشّبهة المحصورة، كيف و شمولها لأطراف الشّبهة غير المحصورة ممّا لا ينكر ظاهراً و في المناقضة اللاّزمة في مداليلها، مداليلها من‏

____________

(1)- خ ل: هو مختار

(2)- وسائل الشيعة 1- 175- ح 1

60

شمولها لأطراف الشّبهة المقرونة بالعلم لا يتفاوت المحصورة و غيرها، كما لا يخفى.

هذا، مع إمكان دعوى كون الذّيل‏ (1) في اخبار الاستصحاب بمجرّد تقريب عدم صلاحية الشّكّ ناقضاً لليقين عقلاً ببيان ما يصلح ناقضاً له، من دون نظر إلى كون انّه ينقض باليقين مطلقاً شرعاً.

و بالجملة يكون قضيّة عقليّة محضة، من دون إعمال جهة شرعيّة فيها أصلاً، فلا يكون مانعة بظهورها عن شمولها للصّدر (2) بعمومه أو بإطلاقه جميع ما يمكن ان يعمّها و منها الأطراف؛ و هكذا يمكن ان يكون حال الغاية في الرّوايتين بان يكون غاية عقليّة، من دون ان يكون حكم شرعيّ في جانبها، فلا يمنع عن شمول المغيا بإطلاقه ما يصحّ ان يعمّه، فتأمّل فانّه دقيق.

امّا الكلام في وجود المانع عقلاً، فقد تقدّم انّ العلم الإجمالي لا يوجب التنجز على نحو التّنجّز و العليّة التّامّة، كي يمنع عن عموم أدلّتها أو إطلاقها في أطرافه، لكن لا يخفى انّ ذلك انّما يتمّ فيما إذا لم يحرز إلاّ الإيجاب أو التّحريم من دون إحراز اهتمام من الشّارع يوجب بعثه فعلاً نحو فعل الواجب، أو ترك الحرام، ضرورة عدم جواز الاذن في الاقتحام معه لكونه نقضاً للغرض، بل لا يجوز الاذن في الإقدام في الشّبهة البدويّة الموضوعيّة على هذا الفرض، إلاّ انّ الفرق بينهما استكشاف إيجاب الاحتياط شرعاً فيها، إذ بدونه يكون المؤاخذة عليه بلا بيان دون المقام، لاستقلال العقل بلزوم الموافقة القطعيّة معه حينئذ كالعلم التّفصيلي.

و بالجملة ما قدّمناه من كون مرتبة الحكم الظّاهريّ مع العلم الإجمالي محفوظة، و لا ينافى الاذن في الاقتحام في الأطراف فعلاً أو تركاً ما علم بينهما من الواجب أو الحرام، انّما هو إذا علم مجرّد الخطاب بتحريم أو إيجاب، لا من دون ان يصل إلى حدّ البعث و الزّجر فعلاً، بحيث كان الشّارع بالفعل يبعث و يحرّك نحو الفعل، أو يردع عنه و يزجر كذلك.

ان قلت: ان كان الأمر كذلك فالعلم بالخطاب تفصيلاً ما لم يصل إلى هذا الحدّ لا يمنع عن الاذن في الإقدام على ترك الواجب أو فعل الحرام.

قلت: العلم به كذلك مع كونه عن جدّ و بلا شرط فاقد أو مانع واجد يوصله إلى هذا الحدّ لا محالة، و إلاّ لم يكن من‏ (3) جدّ بل بوجه آخر، أو كان فاقداً للشّرط و لو كان اعتبار

____________

(1)- خ ل: الدليل‏

(2)- خ ل: شمول الصدر

(3)- خ ل: عن‏

61

كون العلم به من سبب خاصّ و لم يكن العلم الحاصل بسببه أو واجداً للمانع و المفروض خلافه، و هذا بخلاف العلم الإجمالي فانّه بنوعه ليس بواجبين يوصله إلى هذا الحدّ ان لم يصل بنفسه إليه، و لو لا اعتبار ان لا يكون العلم به إجماليّاً. و الحاصل انّه لو لم يصل بدونه إلى هذا الحدّ مع كونه من الحدّ جامعاً للشّرائط فاقداً للموانع، لا محالة يصل إليه مع التّفصيليّ في الجملة، و ان اعتبر خصوص فرد منه، فلا يلزم ان يصل إليه مع الإجمالي أصلاً، لا مكان اعتبار خصوص التّفصيلي في الوصول، و لا مجال لاحتمال اعتبار الإجمال فيه، ضرورة تأثير أقوى الشّيئين لو كان أضعفهما مؤثّراً من دون عكسٍ، فتفطّن. هذا كلّه في وجود المانع عقلاً.

و امّا شرعاً فمجمل القول فيه انّ قضيّة الجمع بحسب الدّلالة بينهما و بين ما دلّ على وجوب الاحتياط في الشّبهات حملها على غير الشّبهة المحصورة، كما يظهر تفصيله ممّا ذكره- (قدّس سرّه)- في مسألة البراءة و الاحتياط، مضافاً إلى ما علّقناه عليه، فراجع.

ثمّ انّ جميع ما ذكرنا في المقام جار في المخالفة لخطاب مردّد بين الخطابين طابق النّعل بالنّعل، و ان كان ربّما يوجب تردّده خفاء في جريان بعض ما ذكرناه.

قوله (قده): مع انّه يمكن إرجاع الخطابين إلى خطاب واحد- إلخ-.

لا يخفى انّ انتزاع الجامع من الخطابين لا يوجب وحدة الخطاب، و إلاّ ما من خطابين إلاّ و يمكن انتزاع الجامع منهما، فلا يبقى خطاب مردّد في البين. نعم ليس المدار في التّفصيل و التّردد على وحدة الخطاب و التّعدد، بل على وحدة الواجب أو الحرام عنواناً كالغضّ و اللّبس في المقام و تعدّده، كما جمع بين واجبات أو محرّمات في خطاب واحد في غير مقام.

ثمّ انّ حكمه- قدّه- بلزوم الجهر على الخنثى على تقدير كونه رخصة للأنثى يكون مبنيّا على لزوم الاحتياط في الشكّ في التّخيير و التّعيين عقلاً، أو لزومه في الشّك في الاجزاء و الشّرائط، و إلاّ فلا وجه للزومه، فلا تغفل.

ثم انّه تمسّك بعموم آية الغضّ‏ (1) على وجوب الغضّ على كلّ واحد من الذّكر و الأنثى عن الخنثى، و امر بالتّأمل و ذكر وجهه في الهامش انّه تمسّك بالعموم في الشّبهة المصداقيّة.

قلت: هذا، مضافاً إلى إمكان ان يقال بعدم جوازه في مثله ممّا لا يستقرّ له ظهور في‏

____________

(1)- النّور- 30

62

العموم إلاّ في غير ما استثنى فيه بقرينة الاستثناء و لو قيل بجوازه فيما استقرّ له ظهور في العموم، ثم خصّص بدليل آخر حيث لا ينعقد له ظهور يقال بوجوب اتّباعه فيما انطبق عليه العامّ ما لم يعلم انطباق الخاصّ عليه، بخلاف ما إذا كان له ذلك، فتدبّر جيّداً.

و امّا التّناكح فلا ينفذ بينها و بين الذّكر أو الأنثى، إذ بعد عدم التّمكن من إحراز كونها ذكراً أو أنثى و لو بالأصل، حيث لا حالة سابقة لها من الذّكوريّة أو الأنوثيّة كي يستصحب، بل خلقت ذكراً أو أنثى، لا بدّ من الرّجوع إلى الأصل الجاري فيما يتسبّب عن هذا الشّك من الشّك في تأثير العقد. نعم لو وقع العقد بينها و بين كلّ من رجل و امرأة يوجب عليها كلّ ما علم إجمالاً بثبوته من التّكاليف لو قلنا بعدم جريان الأصل في أطراف العلم على ما تقدّم تفصيله.

و امّا ما ذكره الشّيخ‏ (1) من مسألة فرض الوارث الخنثى المشكل زوجاً أو زوجة، فلو لم يكن مجرّد فرض لا بد ان ينزّل على ما إذا لم يكن الزّوج و الزّوجة من أهالي‏ (2) الإسلام، بل من ساير الملل ممّن يجوّزون ذلك.

____________

(1)- المبسوط 4- 117.

(2)- ن: أهل.

63

المبحث الثّاني في الظّن‏

64

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}