دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - ج1

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
441 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

مقدّمة

الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا أبي القاسم محمد و آله الطيبين الطاهرين.

يمكن القول بأن الحلقات الثلاث هي أفضل ثمرة لحياة آية اللّه العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) الشريف، و قد ذكر الشهيد في المقدّمة المبرّرات التي دعته إلى كتابة الحلقات الثلاث في علم أصول الفقه، و لقد طرح الشهيد (قدس سره) في الحلقات منهجيّة جديدة في أصول الفقه تختلف عن منهجيّة الكتب الأصوليّة الأخرى، فإن حركة الأصولي فى الحلقات تتناسب مع حركة الفقيه في استنباطه للأحكام الشرعية، فهناك تدرّج في أبحاث الحلقات حسب تدرّج عملية الاستنباط عند الفقيه، فالتدرّج في الأصول و الفقه واحد عند الشهيد (قدس سره)، فهناك تطابق في التدرّج في المنهجية بين علم الأصول و علم الفقه.

إن الفقيه عند ما يريد أن يستنبط حكما شرعيا فإنه يبحث أوّلا عن الدليل المحرز القطعي، و إذا لم يجده فإنه يبحث عن الدليل المحرز الظني، و إذا لم يجده فإنه يرجع إلى الأصول العملية، ثم إذا وجد عدة أدلة متعارضة

4

فإنه يحاول أن يوفّق بينها، و بنفس الطريقة يتم البحث في علم الأصول، فإن الأصولي يبدأ أوّلا بالبحث عن الأدلة المحرزة القطعية ثم الأدلة المحرزة الظنية ثم الأصول العملية ثم التعارض بين الأدلة، و بهذه الطريقة يتم التوفيق بين حركة الفقيه في استنباطه و حركة الأصولي في أبحاثه.

لقد وفقني اللّه تعالى إلى دراسة حلقات آية اللّه العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) و إلى تدريس الحلقة الأولى و الثانية عدة مرات، و لم أوفّق لتدريس الحلقة الثالثة لحد الآن مع أنني كتبت توضيحا للحلقة الثالثة و طبع الجزء الأول منه، و كنت خلال دراستي للحلقات الثلاث أكتب تقريرات الأساتذة الأعزاء و أكتب الملاحظات على تقريراتهم، و خلال تدريسي كنت أكتب ما أقرره على الطلبة و أكتب الملاحظات و التعليقات على الحلقات، و قد تجمعت خلال هذه السنوات عدة ملاحظات و تعليقات على الحلقات و لا سيما الحلقة الثانية، فكتبت شرحا للحلقة الثانية و أضفت إليه التعليقات التي كتبتها خلال هذه السنوات، و قد أضفت هذه التعليقات في الهامش، و أطلقت على الكتاب" دروس في أصول الفقه" توضيح الحلقة الثانية.

إن الهدف من هذه التعليقات هو إثارة جوّ من النقاش العلمي على المطالب التي طرحها الشهيد الصدر (قدس سره) في الحلقات، و بعض هذه التعليقات هي استفادات من الأساتذة الأعزاء حفظهم اللّه، و بعضها تأملات و أفكار خاصة خطرت في الذهن عند قراءة عبارات الشهيد، و أحببت أن أنشرها ليطّلع عليها أساتذة الحلقات بشكل خاص و الطلبة بشكل عام لإثارة ذلك الجو العلمي، و ليس بالضرورة أن أكون معتقدا بصحة كل ما أكتبه في هذه التعليقات، و إنما هي أفكار و تأملات انقدحت في الذهن، و هي كالبذرة

5

التي تحتاج إلى عناية و رعاية حتى تنمو و تثمر، فأرجو من الأساتذة الكرام و الطلبة الأعزاء مسك القلم و كتابة ملاحظاتهم و تعليقاتهم على هذه التعليقات حتى تتموا هذه الأفكار و يثبت خطؤها أو صحتها.

و على الطالب أن يكتب ما يقوله أستاذ الحلقات و يراجعه عدة مرات حتى يمكن له استيعاب مطالب الكتاب، و أن يفكر و يتأمل بها، و لا يقبلها كمسلّمات، فلا توجد عندنا آراء معصومة غير قابلة للنقاش، لذلك تطوّر علم الأصول إلى هذا المستوى الموجود الآن، فالعلماء كانوا لا يقبلون أفكار العلماء الذين سبقوهم كمسلّمات، و طوّروا هذا العلم عن طريق الإشكال و الجواب و إن قلت قلت، و علم الأصول لا يقف عند حدّ معيّن، بل هو قابل للتطوير و التجديد، و لا بد من استعمال الطالب لعقله الذي هو وسيلة و آلة التفكير عند الإنسان، و العقل من مصادر الاستنباط عندنا، و العقل له قيمة عالية في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، و الأفكار لا تأخذ بها كأمور مفروغ عنها، بل فكّر بما تسمع و ما تقرأ و انظر إلى أدلته، و بعد النظر في الأدلة تقتنع أو لا تقتنع بالفكرة، فتقبل أو ترفض على أساس التفكير و الاقتناع.

و قد حاولت في هذا الشرح أن أجعله موضّحا لكل مطالب الحلقة الثانية بأسلوب سهل و مبسّط، و قد قمت بتكرار بعض المطالب بعبارات مختلفة ليسهل الاستيعاب على الطلبة، و كان البحث الواحد يأخذ مني الوقت الطويل، و أحيانا يأخذ مني عدة أيام لكتابته حتى أصل إلى الدرجة التي أعتقد بأن الطالب سيكون مكتفيا به، و كنت أجعل نفسي في مكان الطالب باعتبار أنني كنت طالبا و ما زلت طالبا أنهل من نمير العلماء، و أرى ما يمكن أن يخطر في ذهن الطالب من تساؤلات، و أحاول أن أجيب على هذه التساؤلات.

6

و أسأل اللّه تعالى أن يتقبّل هذا العمل و أن يجعل ثوابه لوالديّ و للشهيد السعيد آية اللّه العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) الشريف، و لعلمائنا الأخيار، و أن يجعله نافعا لطلبة العلوم الدينية إلى يوم القيامة ليستمر الثواب و يدوم إلى ما شاء اللّه تعالى.

و قد استفدت في كتابة هذا الكتاب من كتاب المعالم الجديدة للأصول للشهيد الصدر (قدس سره)، و تقريرات الأستاذ الشيخ أسد قصير، و دروس السيد كمال الحيدري، و تعليقات الأستاذ السيد علي أكبر الحائري على الحلقة الثانية و هو الكتاب المحقّق من قبل مجمع الفكر الإسلامي، و شرح الحلقة الثانية للشيخ عبد الجبار الرفاعي في كتابه" محاضرات في أصول الفقه"، و شرح الشيخ محمد صنقور البحراني في كتابه" شرح الأصول من الحلقة الثانية"، حفظهم اللّه تعالى جميعا ذخرا لطلبة العلوم الدينية.

و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا أبي القاسم محمد و أهل بيته الطيبين الطاهرين.

محمد حسين أشكناني‏

25 جمادى الثانية 1422 ه

13/ 9/ 2001 م‏

7

خلاصة مقدمة الحلقات الثلاث‏

قبل الدخول في توضيح الحلقة الثانية من المناسب تقديم خلاصة لما كتبه الشهيد (قدس سره) في مقدمة الحلقات الثلاث لتوضيح الأسباب التي دعته إلى وضعها و ما فيها من خصائص و بعض الإرشادات في مجال درسها و تدريسها.

مبرّرات الشهيد لوضع الحلقات الثلاث:

لقد ذكر الشهيد (قدس سره) المبرّرات التي دعته إلى استبدال الكتب القديمة بكتب أخرى جديدة لها مناهج الكتب الدراسية و شرائطها و أساليبها في التعبير، و هذه المبرّرات هي:

المبرّر الأول: وجود فاصل زمني يمتدّ إلى مائة سنة بين الكتب القديمة و وقتنا الحاضر، فلقد بحث الأصوليون خلال هذه المدّة أفكارا جديدة كثيرة و تطوّرت طريقة البحث و استحدثت مصطلحات جديدة، و عند ما يدخل الطالب إلى بحث الخارج يفاجأ بهذه التطوّرات.

إذن: المطلوب هو التدرّج في الكتب الدراسية لا على أساس تاريخ علم الأصول لأن كثيرا من المطالب لم يعد لها موضع في العلم بحسب وضعه الحالي، و إنما يتدرّج فيها من ناحية الكم و الكيف في عرض آخر ما وصل إليه العلم من أفكار و تحقيقات و مصطلحات.

8

المبرّر الثاني: الكتب الدراسية مثل المعالم و القوانين و الرسائل و الكفاية لم تؤلّف من قبل أصحابها من أجل التدريس، و إنما ألّفت للتعبير عن آرائهم في المسائل الأصولية المختلفة، و قد كتبوها للعلماء أمثالهم لا للطالب المبتدئ الذي يفترض أن يتدرّج الكتاب معه من البسيط إلى المعقد و أن تبرز الثمرة له من كل المباحث.

المبرّر الثالث: هدف مرحلة السطح هو إعطاء الفكر الأصولي بما يتناسب مع غرض هذه المرحلة، و الغرض هو تكوين ثقافة عامة من علم الأصول لمن يريد أن يقتصر على تلك المرحلة، و الإعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس.

المبرّر الرابع: الطريقة المتّبعة في تحديد كل مسألة بعنوان من العناوين الموروثة لم تعد تعبّر عن الواقع تعبيرا صحيحا، فقد بحثت قضايا كثيرة ضمن هذه العناوين مع أنها تعتبر أهم من تلك المسائل الموروثة، و في بعض الأحيان تحشر المسألة تحت العنوان و تبحث استطرادا.

النقاط التي لاحظها الشهيد حينما كتب الحلقات:

لذلك كتب الشهيد الحلقات الثلاث، و حينما وضعها أخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:

النقطة الأولى: هدف الحلقات هو إيصال الطالب إلى مرحلة الإعداد لبحث الخارج و الاستيعاب للهيكل العام لعلم الأصول و الدقة في فهم قواعده، لذلك طرح الشهيد في الحلقات أحدث ما وصل إليه علم الأصول من أفكار و مطالب من دون تقيّد بما هو الصحيح من تلك الأفكار، من أجل ذلك لا يمكن التعرف على الآراء النهائية للشهيد من خلال الحلقات.

9

النقطة الثانية: الحلقات الثلاث تحمل منهجا واحدا، و تستوعب كل حلقة منها علم الأصول بكامله، و لكنها تختلف في العرض كمّا و كيفا حيث تتدرّج في ذلك.

النقطة الثالثة: لم يستوعب الشهيد كل الأدلة التي يستدل بها على قول من الأقوال لأن استيعابها يقع في بحث الخارج.

النقطة الرابعة: سار الشهيد في تنويعه للبحوث الأصولية حسب حركة الفقيه في استنباطه للأحكام الشرعية حيث يبدأ الفقيه بالبحث أوّلا عن الأدلة المحرزة ثم عن الأصول العملية، و في الأدلة المحرزة يبحث عن الدليل الشرعي أو الدليل العقلي، و في الدليل الشرعي يبحث عن الجهة و السند و الدلالة، كذلك يبحث علم الأصول هذه الأمور بنفس الطريقة و التسلسل.

النقطة الخامسة: لا يعرض الشهيد مسألة إلا بعد أن يستوفي في مرحلة سابقة كل ما له دخل في تحديد التصورات العامة فيها و الأصول الموضوعية لها حتى لا يحتاج الطالب إلى الرجوع إلى مسألة سابقة.

النقطة السادسة: رأى الشهيد أن تعدّد الحلقات أمر ضروري لأن إعطاء الكمية الموزّعة للمسألة الواحدة في الحلقات الثلاث ضمن حلقة واحدة تحميل فجائي فوق طاقة الطالب، و يشير الشهيد إلى عدم إمكان الاستغناء عن الحلقة الأولى لأنها تتكفّل بتزويد الطالب بالتصورات العلمية عن المطالب الأصولية و تعرّفه على المصطلحات الأصولية قبل الدخول في الاستدلال على المطالب الأصولية في الحلقات التالية.

النقطة السابعة: قد يذكر الشهيد بعض المسائل الأصولية في حلقة و لا يعيد بحثها في حلقة أخرى اكتفاء بما تقدّم إما لسهولة البحث و إما لوجود

10

حاجة ماسّة إلى فهمها بكاملها لارتباط فهم المسائل الأخرى المترتّبة عليها بها و إما للأمرين معا.

النقطة الثامنة: حاول الشهيد في الحلقة الأولى أن يجعلها وفق أساليب التعبير الحديثة إلى حدّ ما، و أما في الحلقتين التاليتين فلم يجعلهما كذلك لاعتبارين هما:

1- إمكانية رجوع الطالب إلى الكتب الأصولية لأنها لم تكتب بالأسلوب الحديث، و بذلك يتكامل الطالب علميّا.

2- الكتب الأصولية و الفقهية لا تختص بأبناء لغة دون أخرى، و غير العربي يتلقّى ثقافته العربية من المصادر القديمة، فلا يمكن الكتابة لهم بأساليب التعبير الحديثة.

النقطة التاسعة: المفروض أن تدرس الحلقات الثلاث جميعا، و قد توخّى الشهيد سلامة العبارة و وضوحها بالدرجة التي تضمن تفهّم الطالب في حالة دراستها على يد الأستاذ المختص بالمادة، و الحلقات الثلاث تختلف عن الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلا، و تتفق مع مناهج الكتب الدراسية في أن العبارة تأتي وافية بالمراد لا بمعنى أن الطالب يقتنص المراد من العبارة فقط، بل بمعنى أنه حينما يشرح له أستاذه المعنى يجده منطبقا على العبارة، و لا يحس في التعبير بالتواء و تعقيد.

النقطة العاشرة: تبني وجهة نظر أو طريقة استدلال أو مناقشة برهان في الحلقات الثلاث لا يدل على أنه مختار الشهيد حقّا، و لا يمثّل تفاصيل المباحث الأصولية له، و للاطلاع على متبنّيات الشهيد و نظريّاته و أساليب استدلاله لا بد من الرجوع إلى كتاب (بحوث في علم الأصول).

11

إرشادات للطلبة الأعزاء:

الإرشاد الأول: على طلبة الحلقة الثانية و الثالثة مراجعة المسألة نفسها من الحلقة السابقة لأن ذلك يساعدهم على سرعة تفهّم الدرس الجديد.

الإرشاد الثاني: يناسب طلبة الحلقة الأولى مطالعة كتاب (المعالم الجديدة للأصول) للشهيد (قدس سره).

الإرشاد الثالث: اتخاذ بعض المراجع للطالب خلال البحث مثل كتاب (أصول الفقه) للشيخ محمد رضا المظفر (قدس سره) و كتاب (الكفاية) للآخوند الخراساني (قدس سره).

الإرشاد الرابع: ينبغي للطالب أن يكتب تقريرات أستاذه لكي تنمو لديه ملكة الكتابة العملية و تترسّخ في ذهنه مصطلحات العلم و لغته و أفكاره، و يكون مستعدّا لكتابة أبحاث الخارج فيما بعد.

و الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على سيدنا أبي القاسم محمد و آله الطيبين الطاهرين.

12

تمهيد

من المفترض أن الطالب قد انتهى من الحلقة الأولى، و أنه متمكّن منها بشكل جيد، و المصطلحات‏ (1) التي أراد الشهيد أن يبيّنها لا بد أن تكون واضحة لدى الطالب و يعرفها معرفة دقيقة بكل حدودها، و في الحلقة الثانية نطرح المصطلحات بدون تعريفها و شرحها و توضيح معناها باعتبار أن الطالب درس مصطلحات الأصول في الحلقة الأولى، و هدف الشهيد من دراسة الحلقة

____________

(1) لا بد من الالتفات إلى أن المصطلح في العلوم له أصل لغوي، ثم يأتي العالم و ينقل هذا المصطلح من أصله اللغوي إلى معنى جديد له ارتباط بأصله اللغوي بوجه ما و بعلاقة ما، و قد يأتي نفس المصطلح في علم آخر و يعطى معنى آخر يختلف عن المعنى في العلم الأول، و هذا المعنى الجديد له ارتباط أيضا بأصله اللغوي، لذلك قبل دراسة أي علم لا بد من معرفة معاني المصطلحات الموجودة في هذا العلم بدقة حتى لا يظن الطالب بأن معنى هذا المصطلح هو المعنى اللغوي أو المعنى الذي مرّ في العلم الذي درسه سابقا، و بذلك يستطيع أن يشرع في دراسة هذا العلم، و يمكن تشبيه اختلاف معاني المصطلحات في العلوم مع الحفاظ على الأصل اللغوي بالسمك الذي يكون من نوع واحد، و لكن نجده يتلون في المياه المختلفة، ففي ماء البحر نجده بلون و طعم معينين، و نفس السمك نجده في ماء النهر بلون و طعم آخرين، و نجده في ماء البحيرة بلون و طعم ثالث مع أنه من نفس نوع السمك، و هكذا نفس المصطلح له ألوان متعددة في العلوم المختلفة مع أن الأصل اللغوي له واحد.

13

الأولى هو تعرّف الطالب على مصطلحات علم أصول الفقه، لذلك فإن الحلقة الأولى مملوءة من أولها إلى آخرها بهذه المصطلحات، و الشهيد لا يناقش كثيرا و لا يطيل البحث و لا يبين الآراء المختلفة في المسائل، و إنما قد يناقش قليلا في بعض الموارد و يعطي رأيه بشكل مبسط و مباشر بدون الدخول في التفاصيل و الأخذ و الرد، و أما المناقشات و الآراء المختلفة و رأيه على مستوى الحلقات فستأتي في الحلقة الثانية و الحلقة الثالثة بشكل أوسع.

إن مطالب الحلقات عميقة جدّا، فهي بحر عميق ذو غور لا قرار له، و الشهيد يطرح في الكتاب برقيّات تحتاج إلى شرح و توضيح حتى نفهم ما يريده الشهيد، فقد يطرح الشهيد سطرا واحدا، و هذا السطر يحتاج إلى عدة صفحات لشرح و توضيح المطالب الموجودة فيه، و الطالب الجيّد هو الذي يستطيع أن يسبح في هذا البحر العميق و يستوعب المطالب بشكل جيّد.

و قد بدأ الشهيد في الحلقة الأولى ببيان معاني المصطلحات التي يستعملها في كتابه، و سنرى أن الشهيد يستعمل مصطلحات استعملها علماء الأصول، و لكن في نفس الوقت سنرى أن الشهيد له مصطلحات جديدة غير موجودة في كتب الأصول الأخرى، و تعتبر هذه المصطلحات من إبداعات الشهيد و مبتكراته في علم الأصول كالعناصر المشتركة و العناصر الخاصة و الأدلة المحرزة و التزاحم الحفظي و نظرية القرن الأكيد و مسلك حق الطاعة و وسائل الإحراز الوجداني و وسائل الإحراز التعبّدي و التعارض المستقر و غير المستقر و غير ذلك، و للشهيد عدة نظريات جديدة، منها ما يأتي في حجية القطع و في مسلك حق الطاعة و في كيفية الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري و في العلم الإجمالي و في السيرة العقلائية و في السيرة المتشرعية.

14

إن بعض المطالب التي يطرحها الشهيد في الحلقة الأولى لا يكررها في الحلقة الثانية، و الحلقة الأولى لا بد أن يدرسها الطالب مع أستاذ حتى يوضح الأستاذ له هذه المصطلحات، و لا يقرؤها الطالب بنفسه لأن الحلقة الأولى تعتبر أساسا و مبادئ للطالب للدخول في الحلقتين الثانية و الثالثة حيث إن الحلقة الأولى عبارة عن فهرسة للحلقتين التاليتين مع اختلاف في الكم و الكيف.

و أرجو من الطلبة قراءة المقدمة التي كتبها الشهيد للحلقة الثانية لأهميتها حيث يذكر المبرّرات التي دعته لكتابة هذا الكتاب الأصولي، و إذا انتهى الطالب من الحلقات الثلاث فإنه يكون متهيّئا لدخول بحث الخارج إذا استطاع أن يهضم هذه المطالب بشكل جيد بحيث تكون المطالب حاضرة في ذهنه، و هناك بعض الإرشادات يذكرها الشهيد في المقدمة، منها أن طالب الحلقة الأولى يمكن له الرجوع إلى كتاب (المعالم الجديدة للأصول)، و منها أن الطالب لا بد أن يكتب تقريرات أستاذه حتى يستطيع من جهة أن يستوعب المطالب، و من جهة أخرى يستطيع أن ينمّي قلمه بحيث تدريجيا يستطيع أن يكتب في المسائل الأصولية و غير الأصولية، إن الطالب الذي لا يمسك القلم و يكتب لا يستطيع أن يكتب و لا ينمو قلمه و لا تتطوّر كتابته، فالطالب لا بد أن يبدأ بالكتابة حتى يتعوّد على الكتابة.

مقدمة:

قبل الدخول في مباحث الحلقة الثانية لا بد من تقديم مقدمة للدخول في هذه الحلقة، و هي:

إن اللّه تعالى لم يخلق الإنسان عبثا، بل ألقى عليه مسئوليات عظيمة، و أراد منه أن يكون عابدا له تعالى لأنه سيرجع فيما بعد إليه عزّ و جل لكي‏

15

يحاسبه على ما فعله في هذه الدنيا، يقول تعالى:" أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ" (1)،" وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (2).

إن العقل يقول بوجوب شكر الخالق لأنه منعم على الإنسان بنعم كثيرة لا تحصى، و شكره يكون عن طريق عبادته و طاعته، و الإنسان لا يستطيع أن يحدّد ما يريده اللّه تعالى منه بدقة، و يريد أن يعرف تكليفه الشرعي تجاه ما يصادفه من أمور، فاللّه تعالى يريد من المخلوق بعض التكاليف لأنه يعلم ما يصلحه و ما يفسده لأنه هو الخالق و الصانع، و المخلوق يعرف بواسطة عقله انطلاقا من شكر المنعم أنه يجب عليه أن يكون مطيعا لخالقه، و لكنه لا يستطيع أن يصل إلى كل ما يريده اللّه تعالى منه، و اللّه تعالى خلق الإنسان مسئولا و كلّفه بتكاليف في كل أمر من أمور الحياة لأنه يوجد للّه تعالى حكم في كل واقعة، و الشريعة لها موقف عملي تجاه كل حدث، و لا بد أن يحدّد الإنسان موقفه العملي تجاه كل واقعة حتى يستطيع أن يوفّق بين سلوكه و بين الشريعة لأنه عبد للمشرّع سبحانه، كيف يتصرّف؟ هل يفعل أو يترك؟، و يجب على الإنسان الالتزام بالشريعة و امتثال أحكامها، و يجب عليه تعلّم الشريعة لأنه مقدمة للالتزام بالشريعة، و معرفة الشريعة مقدمة لامتثال أحكام الشريعة، و لا يستطيع الإنسان أن يصل عن طريق عقله إلى هذه التكاليف، لذلك بعث اللّه تعالى الأنبياء (عليهم السلام) ليعلّموا الناس أحكام اللّه سبحانه و ما يريده منهم و يبينوا التكاليف و المواقف العملية التي يريدها اللّه تعالى منهم.

____________

(1) المؤمنون: 115.

(2) الذاريات: 56.

16

يقول اللّه تعالى:" وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (1).

و يقول تعالى:" لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (2).

و بعث اللّه تعالى رسوله الأكرم (صلى اللّه عليه و آله) للناس كافة، و كانت رسالته خاتمة الرسالات، و جاء الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام) بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و قد بيّن الرسول (صلى اللّه عليه و آله) أحكام اللّه تعالى و ما يريده من عباده من خلال السنة الشريفة، و استمر الأئمة (عليهم السلام) من بعده في بيان أحكام اللّه سبحانه و شريعته الغرّاء، لذلك فنحن بحاجة إلى معرفة أحكام اللّه تعالى و المواقف العملية لنا عن طريق الدليل و البحث العلمي لأنها ليست واضحة لكل الناس، و لو كانت واضحة وضوحا بديهيا لجميع الناس لما احتاجت إلى الاستدلال و البحث العلمي لأن كل شخص يعرف أن الموقف العملي في الواجبات هو" أن يفعل"، و في المحرمات هو" أن يترك"، و في المباحات هو" بالخيار إن شاء فعل و إن شاء ترك"، و لكن عوامل كثيرة أدّت إلى عدم وضوح كثير من الأحكام الشرعية، من هذه العوامل البعد الزمني عن عصر التشريع، و من العوامل أيضا الدّسّ و التّزوير اللذان وقعا في أحاديث النبي (صلى اللّه عليه و آله) و في روايات أهل البيت عليهم‏

____________

(1) النحل: 36.

(2) آل عمران: 164.

17

السلام حتى قال النبي (صلى اللّه عليه و آله):" ستكثر بعدي القالة عليّ فإذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه العزيز فإن وافقه فاعملوا به و إلا فردّوه" (1)، و حتى أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) حذّر أثناء حياته من الكذّابين عليه حيث يقول (صلى اللّه عليه و آله) في حجة الوداع:" قد كثرت عليّ الكذّابة و ستكثر، فمن كذب علي متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه و سنتي، فما وافق كتاب اللّه و سنتي فخذوا به، و ما خالف كتاب اللّه و سنتي فلا تأخذوا به" (2)، و توجد آلاف الأحاديث المنحولة على النبي (صلى اللّه عليه و آله) و على الأئمة (عليهم السلام)، و من العوامل أيضا ظروف التّقيّة التي كان يعيشها الأئمة (عليهم السلام) حيث كان للحكام دور في منع الأئمة (عليهم السلام) من اتخاذ دورهم الشرعي، و أيضا كان للناس دور في ذلك، و الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف‏) ينتظر الظرف المناسب الذي يتمكن فيه من ممارسة دوره الشرعي، و كما كان الناس حال ظهوره مسئولين عن حجبه و غيبته و عدم نصرته، كذلك نحن اليوم مسئولون عن مناصرته و التمهيد لظهوره و التوطئة له بإرشاد الناس و توعيتهم بأصل الإمامة و دعوتهم إلى نصرة الإمام (عجل اللّه فرجه‏)، و من العوامل أيضا التعارض الذي يبدو بين الروايات من أول وهلة.

إن الاستدلال و البحث العلمي يتكفّل به علم الفقه للوصول إلى الموقف العملي الذي هو" السلوك الذي تفرضه على الإنسان تبعيّته للشريعة لكي يكون تابعا مخلصا لها و قائما بحقّها"، و من هنا تأتي أهمية علم الفقه لأنه يبيّن‏

____________

(1) المعتبر للمحقق الحلي ج 1 ص 30.

(2) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج 2 ص 225.

18

للمكلف المواقف العملية التي لا بد أن يكون سلوكه مبنيّا على أساسها حيث إن المطلوب من الإنسان التطابق بين سلوكه و أحكام الشريعة، و هناك آيات قرآنية كريمة و روايات شريفة كثيرة تبيّن المواقف العملية للإنسان.

إن الذي يؤمن بالرسالة الإلهية يريد أن يعرف المسائل الفقهية، و هذه المسائل الفقهية لا يمكن أن تعرف بشكل مباشر و صريح من الآيات و الروايات، فنحتاج إلى الاستدلال ليصل الإنسان إلى الموقف العملي عن طريق الدليل، و جاء علم الفقه ليبيّن لنا كيفية الاستدلال و إقامة الدليل على المواقف العملية المطلوبة، فعلم الفقه هو الذي يعيّن للمكلّفين أحكام الشريعة في حالة غموضها و عدم وضوحها، و أما إذا كانت واضحة للجميع فلا تحتاج إلى الاستدلال مثل وجوب الصلاة و حرمة الخمر لأنها من الأحكام الضرورية الثابتة الانتساب إلى الدين، و احتاج علم الفقه إلى علم الأصول لمعرفة كيفية استنباط هذه الأحكام من الأدلة، فالفقيه يرى أن هناك عناصر تتكرّر، فيأتي إلى باب الاجتهاد و التقليد فيرى أن هناك عنصرا موجودا يستند إليه في الاستنباط كالاستناد إلى خبر الثقة، و يأتي إلى باب الطهارة فيرى أن نفس العنصر يتكرر هنا أيضا، و يرى أن خبر الثقة يتكرر في باب الصلاة و في باب الصوم و في باب الحج و في غير ذلك من الأبواب الفقهية، فبعض العناصر تتكرّر في كثير من أبواب الفقه، و هذا العنصر يسمى عنصرا مشتركا، و هناك بعض العناصر الخاصة في باب الطهارة مثلا، كرواية معيّنة تأتي في باب الطهارة فقط و لا تأتي في الأبواب الأخرى، فهذه العناصر المشتركة أو العناصر الموحّدة أو القواعد العامة تتكرّر، فيأتي و يأخذ هذه القواعد العامة و يجعلها في علم آخر، و يسمي هذا العلم علم القواعد العامة للفقه أو علم أدلة الفقه أو علم‏

19

أصول الاستنباط أو علم أدلة الاستنباط، و يجعل هذه العناصر المشتركة في كتاب خاص يطلق عليه" علم أصول الفقه"، لذلك لا بد للفقيه من دراسة علم الأصول ليكون قادرا على استنباط الموقف العملي المطلوب سواء كان الموقف العملي حكما شرعيا مستنبطا بواسطة الأدلة المحرزة- و الإحراز معناه الكشف- سواء كانت الأدلة المحرزة قطعية أم ظنية معتبرة- أي الأمارات-، فالأدلة المحرزة تحرز و تعيّن الحكم الشرعي الواقعي و تكشف عنه كشفا تاما إذا كان الدليل قطعيّا- كما في الآيات القرآنية الصريحة أو الروايات المتواترة التي تكون نصا في المعنى أي لها معنى واحد فقط- أو كشفا ناقصا مورثا للظن إذا كان الدليل ظنيا معتبرا قد ثبتت حجيته في رتبة سابقة- كما في الروايات غير المتواترة التي تسمى بروايات الآحاد-، فيكون الحكم الشرعي الواقعي محرزا، أم كان الموقف العملي وظيفة عملية مستنبطة بواسطة الأدلة غير المحرزة أو الأدلة العملية أو الأصول العملية غير الكاشفة عن الحكم الشرعي الواقعي و غير المحرزة له لأن الشك يظل باقيا و مستحكما في النفس و يتعذّر تعيين الحكم الشرعي الواقعي، و الأصول العملية لا تكون ناظرة إلى الحكم الشرعي الواقعي، لذلك فهي لا تحرز الحكم الشرعي الواقعي و لا تكشف عنه، و إنما تبيّن الوظيفة العملية فقط أي العمل المطلوب، و لا نستطيع أن نقول إن هذا هو الحكم الشرعي الواقعي المطلوب من اللّه عزّ و جل، و يظل الشك موجودا في النفس، و مع وجود الشك لا نعلم بالحكم الشرعي لأن الحكم الشرعي الواقعي يكون مجهولا، و لكن المطلوب من ناحية عملية أن نقوم بعمل ما، فالأصول العملية لا تحدّد لنا الحكم الشرعي، بل تبيّن لنا الوظيفة العملية لأنه لا بد أن نقوم بعمل معيّن حينما تصادفنا هذه المشكلة.

20

إن الفقيه يبحث عن الأدلة المحرزة، و لكن قد لا يجد دليلا محرزا، فإذا وجد الفقيه دليلا محرزا فإن الشك يرتفع من نفسه، و لكن مع عدم وجود الدليل المحرز الذي يعيّن لنا الحكم الشرعي فلا بد أن نقوم بعمل ما، فيأتي إلى الأصول العملية التي تبيّن لنا الوظيفة العملية، و لكن لا تبيّن لنا الحكم الشرعي، و هناك ترتّب طولي بين الأدلة، فلا تصل النوبة إلى الأصول العملية إلا بعد فقد الأدلة المحرزة.

و النتيجة هي أن علم الفقه هو علم عملية استنباط الموقف العملي عن طريق الدليل، و دور الفقيه هو الاستدلال و إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كل حدث من أحداث الحياة.

إذن: أنواع أدلة تحديد الموقف العملي هي:

أ- الأدلة المحرزة:

يحرز و يعيّن بها الحكم الشرعي، فهي تحرز الحكم الشرعيّ، و تكشف عن الحكم الشرعي، و بعد تحديد نوع الحكم الشرعي ننتقل إلى اتخاذ الموقف العملي المناسب، و هذا يسمى بالأسلوب غير المباشر لتحديد الموقف العملي لأن المكلف ينتقل إلى الموقف العملي بواسطة تعيين نوع الحكم الشرعي أولا عن طريق الأدلة المحرزة ثم الانتقال إلى الموقف العملي، فمثلا إذا اكتشف أن الحكم الشرعي هو الوجوب فإن موقفه العملي هو" أن يفعل".

ب- الأصول العملية:

يحدّد بها الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك بعد استحكام الشك و تعذّر تعيين الحكم الشرعي، فهي تحدّد الوظيفة العملية، و هذا يسمى بالأسلوب المباشر لتحديد الموقف العملي دون تعيين الحكم الشرعي أولا،

21

فننتقل مباشرة إلى تحديد الموقف العملي تجاه الحكم الشرعي المجهول الذي لم نتمكن من اكتشافه، و الأصول العملية تشمل البراءة و الاحتياط و الاستصحاب و التخيير و غير ذلك.

و الموقف العملي بناء على انقسام الدليل إلى نوعين ينقسم إلى قسمين:

الحكم الشرعي، و الوظيفة العملية (1).

____________

(1) مثل كتاب منهاج الصالحين أو تحرير الوسيلة الذي يسمى" الرسائل العملية" يحدد لنا الموقف العملي، فهو يبين لنا العمل المطلوب من المكلف، و المسائل الشرعية في الرسائل العملية تارة تكون مستنبطة عن طريق الأدلة المحرزة، و تارة أخرى تكون مستنبطة عن طريق الأصول العملية، لذلك يأتي مصطلح" الاستصحاب" في الرسالة العملية، مثلا تقول المسألة:" إذا كنت متيقنا من طهارة الماء ثم شككت بعد ذلك بنجاسته فإنك تبني على طهارته بالاستصحاب."، و الاستصحاب يعطي وظيفة عملية، و هنا لا تعلم بالحكم الشرعي الواقعي، و لا يزول الشك من النفس، فالشارع يقول ابن على طهارة الماء من ناحية عملية و تعامل مع هذا الماء على أنه طاهر، و لا تستطيع أن تقول إنه 100% طاهر، فهذا الشك يظل موجودا في النفس، و الشارع يريد أن يسهل الأمر على المكلف فيقول له ابن على الطهارة، و إذا كنت متيقنا بالنجاسة ثم شككت بالطهارة فإنك تبني على النجاسة بواسطة الاستصحاب، و هكذا بقية المسائل.

إذن: الرسائل العملية تحدد المواقف العملية للمكلف، و الموقف العملي إما أن يكون حكما شرعيا و إما أن يكون وظيفة عملية، و لو قيل بأن منهاج الصالحين كتاب للأحكام الشرعية، فإن الذي لم يدرس أصول الفقه يقول نعم كتاب للأحكام الشرعية، و الذي درس أصول الفقه يقول: لا، توجد فيه أحكام شرعية و وظائف عملية، أو إن الرسالة العملية كتاب للمواقف العملية، و لكنك تستطيع أن تقول كتاب للأحكام الشرعية من باب التغليب كما يطلق الأبوان على الأب و الأم، أو كما يقال في القرآن الكريم:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"*، و يقصد به المؤمنين و المؤمنات، و يستعمل صيغة المذكر من باب التغليب.

22

و إليكم الشكل التالي:

تنبيه:

أود أن ألفت انتباه الطلبة الأعزاء إلى ملاحظة مهمة جدا، و هي أن الطالب إذا انتهى من دراسة الحلقات الثلاث فإنه لا يكون مؤهلا لاستنباط الأحكام الشرعية، و لا يكون مؤهّلا للرد على الفقهاء، فإذا قرأ استدلالا معيّنا لفقيه من الفقهاء فقد يقول إنه درس الأصول و كما أن هذا الفقيه يستنبط فأنا أيضا أستطيع أن أتمكن من استنباط الأحكام الشرعية لأن يبدي حلقات ثلاث من الأصول، أقول إن هذا السلاح الذي بيد الطالب المفروض أن لا يستعمله بالعكس، فالمفروض أن لا يدخل الكبر إلى نفس الطالب لأنه استطاع أن يتلقى بعض المعلومات، فيرى نفسه كبيرا عظيما، فيقرأ مسألة لفقيه و يتجرّأ و يقول إن استنباط هذا الفقيه خطأ و أن هذا الفقيه لم يستنبط الحكم الشرعي بشكل صحيح، في عملية استنباط الأحكام الشرعية علم‏

23

الأصول جانب من جوانب عملية الاستنباط، و هناك جوانب أخرى، منها القواعد الفقهية و علم الرجال و علم الحديث و غير ذلك من العلوم التي يحتاجها الفقيه في عملية الاستنباط، فلا يظن الطالب أنه بمجرد ما انتهى من دراسة علم الأصول فإنه يكون مؤهلا لاستنباط الأحكام الشرعية، نعم يستطيع أن يفهم عملية الاستنباط و لكن ليس من حقه أن يستنبط و أن يرد على الفقهاء في استنباطاتهم، فنحذر من هذا الأمر حتى لا يغتر الطالب بنفسه، فيظن أنه بمجرد ما تكون عنده بعض المعلومات فقد أصبح إنسانا عظيما و يستطيع أن يكون في مستوى الفقهاء.

بحوث علم الأصول:

يمكن تقسيم بحوث علم الأصول إلى ثلاثة أقسام:

1- التمهيد:

يتناول فيها مجموعة من المقدمات و المسائل، و هذه المسائل تشكّل أساسا للدخول في المطالب الأصولية.

2- الأدلة:

يتناول فيها أدلة المواقف العملية من أحكام شرعية و وظائف عملية.

3- التعارض بين الأدلة:

و هو العلاقة بين الأدلة، فإذا تعارضت الأدلة فأي دليل نقدّم، مثلا يقدّم الدليل المحرز على الدليل غير المحرز لأن الدليل المحرز فيه كشف عن الواقع بخلاف الدليل غير المحرز فإنه لا يوجد فيه كشف عن الواقع، و يقدّم الدليل القطعي على الدليل الظني، و يقدّم الاستصحاب على البراءة.

24

التمهيد:

يتناول الشهيد في الحلقة الثانية الأمور التالية تمهيدا للدخول في أبحاث علم أصول الفقه، و الأبحاث الموجودة في التمهيد ليست جزءا من علم الأصول بل هي أبحاث خارجة عن هذا العلم، و هي تمثل بعض المبادئ التصورية لعلم الأصول و التي تعطي تصورا عن هذا العلم قبل الدخول في نفس العلم، و هذه الأمور هي:

1- تعريف علم الأصول.

2- موضوع علم الأصول و فائدته أو الغاية منه.

3- الحكم الشرعي و تقسيمه.

4- تنويع البحوث الأصولية أو منهج البحوث الأصولية.

5- حجية القطع و أحكامه: و القطع يعتبر أبا للأدلة الأصولية الأخرى، و حجية القطع تعتبر الأساس لحجية الأدلة الأصولية الأخرى.

و نطرح هنا السؤال التالي:

سؤال: لما ذا جعل الشهيد البحوث الأصولية بهذا التسلسل؟

الجواب:

قبل أن يشرع الطالب في علم الأصول لا بد أن يعرف تعريف علم الأصول لينطلق منه إلى البحوث الأخرى الموجودة في هذا العلم، و بذلك يعرف في أي شي‏ء يبحث، و بعد معرفة تعريفه يأتي ليعرف موضوع علم الأصول ليصل إلى الموضوع الذي تدور حوله بحوث العلم، و بذلك يعرف من أين يبدأ، و الموضوع هو العنوان الجامع لموضوعات مسائل العلم، فعلم الطب مثلا يبحث عن بدن الإنسان من حيث الصحة و المرض، و علم النحو يبحث‏

25

عن الكلمة من حيث الإعراب و البناء، و بعد ذلك يعرف الفائدة و الغاية و الغرض من علم الأصول حتى يعرف إلى أين ينتهي.

و قد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:" رحم اللّه امرءا عرف من أين و في أين و إلى أين".

و بعد ذلك يأتي الطالب لبحث الحكم الشرعي و تقسيماته، و هو الغاية النهائية لعلم الأصول، فعلم أصول الفقه من العلوم الآلية للوصول إلى علم الفقه، و من علم الفقه نعرف الحكم الشرعي و أقسامه، هذا أولا، و ثانيا و هو السبب الأهم للبحث عنه في المقدمات هو أن تحديد حقيقة الحكم و أقسامه يتوقف عليه البحث في بعض المسائل الأصولية المهمة، و تقسيم الأبحاث الأصولية يخضع لأقسام الحكم الشرعي، فالدليل المحرز- القطعي أو الظني- ينتج حكما شرعيا بالمعنى الأخص، و الدليل غير المحرز ينتج وظيفة عملية، و الحكم الشرعي بالمعنى الأعم يشمل الحكم الشرعي بالمعنى الأخص و الوظيفة العملية، و قال الشهيد في الحلقة الأولى إن الحكم الشرعي ينقسم إلى تكليفي و وضعي، و هذا التقسيم له مدخلية في تنويع البحوث الأصولية، و هكذا تتنوع البحوث الأصولية على أساس أقسام الحكم الشرعي، ثم يأتي الطالب إلى حجية القطع، و المفروض أن يتم دراسة القطع في أول بحث لأنه إذا لم يكن عندنا القطع و حجية القطع فلا يمكن الوصول إلى أي نتيجة في علم الأصول و لا في علم الفقه، و حجية القطع لها جانبان، و هما التنجيز و التعذير، فالحكم الشرعي أو التكليف إما أن يكون منجزا على المكلف عند ما يقطع بوجوب التكليف أو بحرمة التكليف، و إما أن يكون المكلف معذورا عند عدم الإتيان بالتكليف عند ما يقطع بعدم التكليف و يتبين يوم القيامة أنه كان واجبا

26

أو يقطع بوجوب التكليف و يأتي به و يتبين يوم القيامة أنه حرام واقعا، و هذا هو الهدف من دراسة حجية القطع للدخول في علم الأصول.

عناصر العلوم:

يتناول في المقدمة عادة في كل علم من العلوم ثلاثة عناصر تسمى" عناصر العلوم"، و هي:

1- تعريف العلم.

2- موضوع العلم.

3- الغاية و الفائدة من العلم‏ (1).

و قد سار الشهيد في هذا الكتاب على نفس المنوال و الطريقة التي سار عليها العلماء في مقدمة كتبهم.

____________

(1) الأفضل في عناصر العلوم إعادة الترتيب بين هذه العناصر بحيث تجعل الغاية أولا ثم الموضوع ثم التعريف لأن الشخص قبل أن يقدم على أي علم من العلوم لا بد أن يعرف الغاية من هذا العلم حتى تكون هذه الغاية معروفة لديه قبل الشروع في العلم، و بعد أن يعرف الغاية من العلم يعرف موضوعه و عن أي شي‏ء يبحث ليكون عنده تصور عن موضوعه قبل الدخول في التعريف و الشروع في العلم، ثم يأتي إلى تعريفه بعد معرفة غايته و موضوعه، و هذا هو التدرج الطبيعي لدراسة عناصر العلوم، و ما يدرس الآن من التعريف و الموضوع و الغاية هو خلاف التدرج الطبيعي للشروع في دراسة أي علم من العلوم.

27

تعريف علم الأصول‏

قبل الدخول في التعريف نطرح السؤال التالي:

ما هو الهدف من التعريف؟ و لما ذا نريد أن نطرح تعريفا للأشياء؟

طرح في مقدمة علم المنطق تعريف علم المنطق و موضوعه و الغاية منه، التعريف بشكل عام بحث في علم المنطق، ما هو التعريف؟ و كيف نعرف الأشياء عن طريق الجنس و النوع و الفصل؟

فما هو الهدف من التعاريف التي يطرحها الإنسان للأشياء؟

الجواب:

إن الهدف من التعريف هو بيان الضابط الموضوعي لمسائل العلم، فالعلم عبارة عن مجموعة مسائل، و على أساس هذا الضابط تدخل هذه المسألة المعينة في هذا العلم و تخرج تلك المسألة عن هذا العلم، إن التعريف لا بد أن يكون جامعا مانعا أي جامعا للأفراد و منطبقا على جميع مسائل نفس العلم، و مانعا من دخول الأغيار بحيث لا يشمل هذا العلم مسائل العلوم الأخرى، فيكون التعريف جامعا لمسائل العلم مانعا من مسائل العلوم الأخرى، و على أساس هذا الضابط الموضوعي يدون علماء الأصول في علمهم هذه المسألة دون تلك المسألة، إن هدف التعريف هو الإدخال و الإخراج أي إدخال الأفراد و إخراج الأغيار، لذلك لا بد أن يكون التعريف جامعا مانعا أي جامعا للأفراد مانعا من دخول الأغيار، أو عاكسا للأفراد طاردا للأغيار.

28

إن الضابط الموضوعي لا بد أن يكون متقدما من حيث الرتبة على تدوين العلم و كتابته، و لا يأتي الضابط الموضوعي بعد تدوين العلم، فلا يكون الضابط متأخرا من حيث الرتبة عن تدوين العلم، بمعنى أنه قبل جعل المسألة في هذا العلم لا بد أن نعرف أن هذه المسألة داخلة فيه فنجعلها فيه أو خارجة عنه فلا ندخلها فيه، و بالتالي يكون كل ما هو مكتوب في هذا العلم داخلا فيه، و لا نكتب في هذا العلم المسائل التي تكون خارجة عنه، فلا ندخل مسائل علم النحو- مثلا- في علم الأصول.

و التعريف لا بد أن يحدد لنا من البداية أن هذه المسألة مسألة أصولية فنجعلها في علم الأصول أو أنها ليست مسألة أصولية فلا ندخلها في علم الأصول، و ليس بعد أن نكتب علم الأصول نقول إن هذه المسائل المكتوبة في هذا الكتاب داخلة في علم الأصول، فالتعريف يحدد لنا أن هذه المسألة داخلة في العلم قبل كتابة العلم.

إن القواعد الممهّدة تكون متأخرة من حيث الرتبة عن تدوين و كتابة العلم فكيف يمكن أن تكون هي المحددة للمسائل التي تبحث في هذا العلم في مرتبة سابقة؟!

تعريف علم الأصول عند المشهور:

إن التعريف الذي يذكر عادة- و قال" عادة" لأن هذا التعريف هو تعريف المشهور عند الأصوليين القدماء- هو أن علم الأصول هو" العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي"، و نركز على كلمة" الممهّدة"- بالفتح على صيغة اسم المفعول- و ليست هي" الممهّدة"- بالكسر على صيغة اسم الفاعل-، و توجد عدة قيود في هذا التعريف: العلم، القواعد،

29

الممهّدة، الاستنباط، الحكم الشرعي، و كل قيد من هذه القيود يحتاج إلى تعريف‏ (1).

____________

(1) نأتي إلى القيود الذي ذكرت في التعريف، و هي:

1- العلم: إن العلم له عدة معاني، و قد مر في علم المنطق، من هذه المعاني: مطلق الإدراك الشامل للتصور و التصديق، أو خصوص التصور، أو خصوص التصديق، أو خصوص التصديق اليقيني، أو مطلق الجزم سواء كان مطابقا للواقع أم غير مطابق للواقع، أو الظن، أو الملكة التي يقتدر بها على استنباط المسائل، أو نفس المسائل المبينة في العلوم، أو المسائل المبينة في العلوم بقيد تعلمها أي المسائل المتعلمة.

و هنا لو أردنا أن نأخذ" العلم" المذكور في التعريف بأي معنى من المعاني المذكورة لما كان إدخاله في التعريف مناسبا، فإن العلم لا دخالة له في تعريف علم الأصول، فلا بد من إلغاء كلمة" العلم" من التعريف، فنقول إن علم الأصول هو" العلم الذي يبحث عن القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي"، و لكن يوجد معنى من معاني العلم يتناسب مع التعريف و هو" مجموعة المسائل المبينة فيه"، و أما العلم بمعنى" الإدراك" مثلا فليس له دخالة في تعريف العلم لأن إدراكنا للقواعد أو عدم إدراكنا بها لا يضر علم الأصول و لا أي علم آخر.

النتيجة: لا بد من إلغاء كلمة" العلم" من تعريف علم الأصول.

2- القواعد: أولا لا بد من معرفة معنى القاعدة، في المصباح المنير:" القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط، و هي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته"، و في المنجد:" و القاعدة في الاصطلاح تطلق على الأصل و القانون و الضابط، و تعرف بأنها أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته"، و في محيط المحيط لبطرس البستاني:" و الضابط عند العلماء حكم كلي ينطبق على جزئياته، و الفرق بينه و بين القاعدة أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، و الضابط يجمعها من باب واحد".

نرى من هذه التعريفات لكلمة" القاعدة" أنها تعني الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، أو ما نطلق عليه في العلوم الحديثة القانون العام، و أكثر من‏

30

____________

ذلك فقد ذكر في" محيط المحيط" أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، أي أن القاعدة بنفسها تتضمن معنى الاشتراك، فلا حاجة لإضافة قيد" المشتركة" إلى القاعدة إلا إذا قصدنا أن يكون قيدا توضيحيا، و لكن يشترط في التعريف أن تكون القيود في أصلها احترازية لا توضيحية حتى لا يكون هناك تطويل بلا طائل، فيشترط في التعريف الاختصار و الدقة، و من هذه الجهة لا حاجة لإدخال قيد" المشتركة" في التعريف لأن القاعدة معناها العنصر المشترك.

و أما إذا كان المقصود من" القواعد الممهّدة للاستنباط" كل مقدمة تدخل في عملية الاستنباط أو كل ما يقع في عملية الاستنباط فلا بد من إضافة قيد" المشتركة" حتى نخرج القواعد الخاصة و العناصر الخاصة مثل ظهور كلمة" الصعيد" أو ظهور كلمة" التحية"، و لكن ظاهر كلمة" القاعدة" أنها هي القاعدة الكلية.

النتيجة: كلمة" القواعد" بنفسها تتضمن معنى الاشتراك و العموم، لذلك لا حاجة لإضافة القيد التوضيحي" المشتركة" إليها.

3- الممهّدة: يمكن أن نطرح سؤالا: هل الممهّدة تكون على صيغة اسم المفعول أي الممهّدة، أو صيغة اسم الفاعل أي الممهّدة، لنأخذ أولا الممهّدة على صيغة اسم المفعول:

إن معنى" الممهّدة" هو المدونة و المكتوبة أي القواعد المدونة و المكتوبة في علم الأصول، و لكن إذا كانت بهذا المعنى يكون لدينا مصادرة على المطلوب أي أن الدليل هو عين المدعى، و المطلوب هو الضابط الموضوعي كما مر في المتن، و كلمة" الممهّدة" لا تعطي هذا الضابط، و لنأخذ ثانيا الممهّدة على صيغة اسم الفاعل: أي" الممهّدة"، فتكون هي القواعد التي تمهّد الطريق لاستنباط الحكم الشرعي، و بذلك يكون عندنا الضابط الموضوعي لمرحلة ما قبل التدوين و الكتابة في علم الأصول، فمثلا كلمة" الصعيد" تمهّد لاستنباط الحكم الشرعي، و كلمة" تمهّد للاستنباط" مثل كلمة" تقع في طريق الاستنباط"، فكل ما يقع في طريق الاستنباط يكون ممهّدا لاستنباط الحكم الشرعي، و أخذ" الممهّدة" على صيغة اسم الفاعل يكون هو الأنسب، و الدليل على ذلك هو أن" الممهّدة" يلزم منها انحصار العلم بقواعد أصولية ثبتت قاعديتها و تمهيدها و دونت فيه، و بذلك تكون محدودة و لا يمكن إضافة قواعد جديدة عليها، و هذا يتنافى مع‏

31

____________

غرض علم الأصول و هو استنباط الحكم الشرعي المتطوّر، لذلك لا بد من جعل التمهيد على صيغة اسم الفاعل ليكون التعريف متناسبا مع تطوّر علم الأصول، و تطوّر علم الأصول يتناسب مع تطوّر عملية الاستنباط في علم الفقه، فيكون بحثنا عن القواعد التي تكون طريقا لاستنباط الحكم الشرعي المتطوّر، و هناك قواعد أصولية جديدة يكتشفها الأصوليون، فإذا اقتصرنا على" الممهّدة" فلا يمكن إضافة هذه القواعد الجديدة إلى علم الأصول لأننا نكون قد اقتصرنا على القواعد المدوّنة في العلم و التي دوّنها القدماء، و لا يمكن إضافة شي‏ء جديد عليها، و أما بأخذ" الممهّدة" على صيغة اسم الفاعل فإننا نستطيع إضافة هذه القواعد الجديدة إلى علم الأصول.

النتيجة: لا بد من جعل كلمة" الممهّدة" على صيغة اسم الفاعل لا على صيغة اسم المفعول، نعم يرد عليه نفس الإشكال الذي يرد على التعريف المعدّل و هو دخول بعض العناصر الخاصة في علم الأصول مثل كلمة" الصعيد".

4- الاستنباط: لغة هو الاستخراج و المعرفة و الوصول إلى و الانتهاء إلى، و اصطلاحا هو استخراج الحكم الشرعي من أدلته، و هو يرادف الاجتهاد.

5- الحكم الشرعي: هو الحكم الذي يأتي من الشارع، إن ورود" الحكم الشرعي" في التعريف صحيح إذا أخذناه على تعريف الشهيد، و أما على تعريف القدماء فيكون ناقصا، فلقد عرّف القدماء الحكم الشرعي بأنه" خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين".

و يرد على هذا التعريف ثلاثة إشكالات:

الإشكال الأول: جعل الحكم الشرعي خطاب اللّه أي الخطاب الشرعي الشامل للآية القرآنية و الرواية الشريفة يؤدي إلى أن هذا التعريف لا يكون جامعا لأن الحكم الشرعي المستنبط من الدليل العقلي يكون خارجا عن علم الأصول لأن الدليل العقلي ليس خطابا شرعيا.

الإشكال الثاني: أخذ قيد" المتعلّق بأفعال المكلّفين" في التعريف: نحن نعرف أن الحكم الشرعي يتعلّق بأفعال المكلّفين و بأمور أخرى ليست أفعالا للمكلّفين كالصحة و البطلان و الطهارة و النجاسة و الجزئية و الشرطية و غيرها من الأحكام الوضعية التي ليس لها توجيه عملي مباشر للمكلفين، إن الحكم الشرعي لا بد أن يشمل هذين النوعين: أفعال الإنسان‏

32

مثال لتوضيح تعريف علم الأصول:

يوضح الشهيد هذا التعريف من خلال مثال من مصدر من مصادر الاستنباط و هو القرآن الكريم، و هذا المثال هو قوله تعالى:

____________

و غير أفعاله، فالحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول و هو الحكم التكليفي الشامل للوجوب و الاستحباب و الحرمة و الكراهة و الإباحة، و هذه الأحكام الخمسة هي المتعلقة بأفعال المكلفين، و القسم الثاني هو الحكم الوضعي الشامل للصحة و البطلان و الطهارة و ...، و هو ليس متعلقا بأفعال المكلفين بصورة مباشرة، و إذا قلنا بأن الحكم الشرعي يكون شاملا للقسمين فإن التعريف يكون جامعا، و لكن إذا قلنا بأن الحكم الشرعي متعلق بأفعال المكلفين فقط فإنه لا يكون جامعا لأن الحكم الشرعي يكون خارجا عن علم الأصول.

و قد يقال أيضا إن الحكم الشرعي إذا كان هو" خطاب اللّه المتعلق بأفعال المكلفين" فإنه لا يكون شاملا للوظيفة العملية المستنبطة من الأصول العملية لأن الوظيفة العملية ليست خطابا من اللّه عزّ و جل.

الإشكال الثالث: جعل الحكم الشرعي هو الخطاب الشرعي ليس صحيحا لأنهما ليسا نفس الشي‏ء، فالحكم الشرعي هو مدلول الخطاب الشرعي أو مستنبط من الخطاب الشرعي أو نتيجة للخطاب الشرعي.

النتيجة: جعل الحكم الشرعي في تعريف علم الأصول صحيح، و لكن يمكن تعريف الحكم الشرعي بأنه: الحكم الصادر من اللّه عزّ و جل لتنظيم حياة الإنسان في الدنيا و الحصول على الثواب في الآخرة، و يشمل الأحكام التكليفية و الأحكام الوضعية، و يجب الانتباه إلى أن الحكم الشرعي أعم من الحكم الشرعي بالمعنى الأخص و الوظيفة العملية، فيقصد بالحكم الشرعي المعنى الأعم و هو الحكم سواء كان واقعيا أم ظاهريا، و الحكم الظاهري يشمل نوعان من الحكم: النوع الأول هو الحكم الناتج من الأمارة و هي الدليل الظني الذي أعطاه الشارع الحجية، و النوع الثاني هو الحكم الناتج من الأصول العملية و هي التي تحدد الوظيفة العملية.

33

" وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها" (1).

نطرح السؤال التالي: هل رد التحية واجب أو ليس بواجب‏ (2)؟

الفقيه يعرف أن القرآن قطعي الصدور من الشارع عن طريق التواتر حيث إن القرآن متواتر بين المسلمين منذ الصدر الأول من الإسلام، و يستنبط الفقيه من هذه الآية الكريمة" وجوب رد التحية" من خلال الاستعانة بقاعدتين عامتين مشتركتين، و هاتان القاعدتان هما:

القاعدة الأولى: ظهور صيغة الأمر في الوجوب:

إذا كانت عندنا كلمة أمر- مادة أو صيغة-، و مادة الأمر هي الكلمة التي تحتوي على كلمة" أ م ر" مثل" آمركم" أو" أوجه لكم أمرا"، و صيغة

____________

(1) النساء: 86.

(2) يظن الناس أن الفقيه يستنبط الحكم الشرعي من خلال آية واحدة أو رواية واحدة، فهم لا يعرفون أنه قد تكون هناك رواية أخرى معارضة مخصّصة أو مقيّدة، فعند ما يبحث الفقيه في الآية السابقة يقول إن" حيّوا" صيغة أمر، و لكن هل صيغة الأمر تدل على الوجوب أو على الاستحباب أو على كليهما معا؟ أو أنها هل تدل على الوجوب حقيقة و على الاستحباب مجازا؟ أو العكس هل تدل على الاستحباب حقيقة و على الوجوب مجازا؟، و قد يتبنى الفقيه أن صيغة الأمر تدل ظاهرا (ظنّا) على الوجوب، و الظن بحاجة إلى دليل قطعي لإثبات حجيته و أن الشارع سمح بالأخذ بهذا الظن، و يبحث الفقيه عن حجية الدلالة الظاهرية أو حجية الظهور، فقد يتبنى الفقيه أن الشهرة مثلا ليس لها الحجية، و أما خبر الثقة فهناك دليل على حجيته لأن رواية الثقة دليل ظني يحتاج إلى إثبات حجيته بدليل قطعي، و لو فرضنا وجود رواية شريفة بدل الآية الكريمة في رد التحية فلا بد من البحث في السند و أنها غير معارضة برواية أخرى ثم نبحث في دلالة متن الرواية.

34

الأمر هي التي تأتي على وزن" افعل" مثل" اكتب" أو" اقرأ"، فنقول إن صيغة الأمر" افعل" لها ظهور في الوجوب بمعنى أنها تدل على الوجوب بحسب ظهور الكلمة في هذا المعنى، و هذه الدلالة ظاهرية أي ظنية و ليست قطعية، فنحن لا نقطع بأنها تدل على الوجوب و إنما لها دلالة ظنية على الوجوب، و تدل ظاهرا على الوجوب لأنه يوجد ظهور لغوي للكلمة في المعنى الحقيقي، و العرف يأخذ بهذا الظهور اللغوي و يعمل على أساسه و يرتب الآثار عليه إلا إذا كانت هناك قرينة صارفة على استعمال هذه الكلمة استعمالا مجازيا في الاستحباب، فالأمر يدل ظاهرا على الوجوب، فيستنبط الفقيه" وجوب رد التحية" من هذه الآية الكريمة لأن صيغة الأمر" حيّوا" تدل ظاهرا على الوجوب.

القاعدة الثانية: حجية الظهور:

ظهور الوجوب من صيغة الأمر ظهور عرفي و فهم عرفي، و الظهور يعطي ظنا لا قطعا، و الظن بحاجة إلى إعطائه الشرعية من قبل الشارع، و قد أعطاه الشارع الحجية، فيكون الظهور العرفي و الفهم العرفي حجة (1) لأن الشارع أعطاه الحجية، فيستنبط الفقيه من هذه الآية" وجوب رد التحية" بالظهور العرفي لأن صيغة الأمر تدل بالظهور العرفي على الوجوب، فيمكن لنا

____________

(1) سيأتي معنى الحجية في المصطلح الأصولي فيما بعد، و معناه هو التنجيز و التعذير، فالحجية معناها أن الدليل صالح لاحتجاج المولى على العبد و مؤاخذته إذا لم يعمل العبد به، و هذا هو جانب التنجيز، و لاحتجاج العبد على المولى حتى يتخلص من العقاب إذا عمل به، و هذا هو جانب التعذير، فكل دليل له أحد هذين الجانبين- أي المنجزية و المعذرية- فهو حجة في المصطلح الأصولي.

35

أن نستعين بهذا الظهور العرفي لفهم الآيات الكريمة و الروايات الشريفة، و يمكن أن نشكل قياسا من صغرى و كبرى و نتيجة لإثبات هذه الحجية، و هنا تكون كلتا القاعدتين كبرى القياس، و عندنا هنا قياسان من الشكل الأول:

القياس الأول:

الصغرى:" حيوا" صيغة أمر.

الكبرى: كل صيغة أمر ظاهرة في الوجوب (القاعدة الأولى).

النتيجة:" حيوا" ظاهرة في وجوب رد التحية.

القياس الثاني:

ثم نأخذ النتيجة و نجعلها صغرى في قياس آخر و هو:

الصغرى:" حيوا" ظاهرة في" وجوب رد التحية".

الكبرى: و كل ظهور حجة (القاعدة الثانية).

النتيجة: ظهور" حيوا" في" وجوب رد التحية" حجة.

أو نجعل القاعدة الأولى صغرى القياس، و القاعدة الثانية كبرى القياس:

القياس الأول:

الصغرى: صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب (القاعدة الأولى).

الكبرى: و كل ظهور حجة (القاعدة الثانية).

النتيجة: ظهور صيغة الأمر في الوجوب حجة.

القياس الثاني:

نأخذ النتيجة السابقة و نجعلها كبرى في قياس آخر و هو:

الصغرى:" حيوا" صيغة أمر ظاهرة في" وجوب رد التحية".

الكبرى: و كل صيغة أمر ظاهرة في الوجوب حجة.

36

النتيجة: ظهور" حيوا" في" وجوب رد التحية" حجة.

إذن: هكذا يستنبط الفقيه من الآية حكما شرعيا و هو" وجوب رد التحية" من خلال الاستعانة بهاتين القاعدتين الممهدتين و المدونتين و المكتوبتين في علم الأصول و هما: ظهور صيغة الأمر في الوجوب، و حجية الظهور.

و نرى هنا أن عملية الاستدلال على حكم شرعي و استنباط حكم شرعي ليست عملية بسيطة و سهلة، بل لا بد أن يعرف الطالب كيف يرتب المقدمات من الصغرى و الكبرى حتى يصل إلى النتيجة، و كيف يأخذ نتيجة القياس الأول ليجعلها مقدمة في القياس الثاني، و قد يأخذ نتيجة القياس الثاني ليجعلها في مقدمة قياس ثالث، و هكذا.

سؤال: أي ظهور هو الحجة؟ هل الظهور في عصر المعصوم (عليه السلام) فقط أو الظهور في زماننا أيضا؟

الجواب:

إذا وردت رواية عن أحد المعصومين (عليهم السلام) نسأل: ما ذا فهم المسلمون من الكلمات الواردة في الرواية في زمان المعصوم (عليه السلام)؟

هذا الفهم العرفي في زمان المعصوم (عليه السلام) لهذه الكلمات تكون حجة علينا، فالمعصوم (عليه السلام) كان يتكلم بلغة عصره، فيستعمل الكلمات التي يفهم المخاطب معانيها المتداولة في زمانه، و المعاني التي كانت متداولة في ذلك الزمان نحاول أن نستكشفها و نطبقها على الروايات، و هذا الظهور العرفي للكلمة حجة، نعم قد يتغير المعنى من زمان إلى آخر، و لكن مهمتنا أن نعرف المعنى المتداول في زمان المعصوم (عليه السلام) بالرجوع إلى الزمان الماضي لمعرفة المعنى الذي كان يفهمه الناس في ذلك الزمان.

37

ملاحظة هامة:

لا بد من الالتفات إلى أن الظهور- كما ورد في الحلقة الأولى- دليل ظني له كشف ناقص و لا يعطينا قطعا و يقينا بمؤداه و مضمونه، و الدليل الظني بحاجة إلى تأييد و غطاء من الشارع حتى يكون حجة و منجزا و معذرا، و بالتالي يمكن الأخذ به و الاعتماد عليه، و الأصل هو حرمة العمل بالدليل الظني إلا إذا سمح الشارع بالعمل به، فمثلا القياس دليل ظني، و خبر الثقة دليل ظني، و لكن الشارع سمح لنا بالاعتماد على خبر الثقة في عملية الاستنباط، و لم يسمح لنا بالاعتماد على القياس في عملية الاستنباط، و الشارع قد أعطى أيضا الحجية للظهور العرفي، و ستأتي الأدلة على حجية الظهور فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

إذن: يستنبط الفقيه من الآية الكريمة حكما شرعيا هو" وجوب رد التحية" من خلال الاستعانة بهاتين القاعدتين الممهّدتين- بفتح الهاء أي على صيغة اسم المفعول- و المدوّنتين و المكتوبتين في علم الأصول.

إشكال على التعريف:

وضح الشهيد تعريف المشهور أولا، و تعريف المشهور لعلم الأصول هو" العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي"، ثم ذكر إشكالا على هذا التعريف‏ (1)، فقال:

____________

(1) هذا الإشكال يأتي إذا قرأنا" الممهّدة" على صيغة اسم المفعول أي الممهّدة بمعنى المدوّنة و المكتوبة حيث إن الفقيه هو الذي يمهّد و يدوّن و يكتب هذه القواعد ليستنبط بواسطتها الحكم الشرعي حينما يجعلها ضمن مقدمات من صغرى و كبرى ليصل إلى النتيجة و هي الحكم الشرعي، و لا يرد إذا قرأناها على صيغة اسم الفاعل أي الممهّدة حيث إن هذه‏

38

إن تقييد القاعدة بوصف التمهيد و التدوين و الكتابة (1) في علم الأصول يعني أنها تكتسب صفة الأصولية و تصير قاعدة أصولية بعد كتابتها في علم الأصول مع أن المطلوب هو معرفة أن القاعدة أصولية قبل كتابتها في علم الأصول حتى نجعلها في هذا العلم بعد معرفة أنها أصولية، و المفروض أن يكون الضابط الموضوعي لمرحلة ما قبل تدوين المسألة و كتابتها لا بعد تدوينها، فالتعريف يقول إن علم الأصول هو العلم بالقواعد التي كتبت من أجل الاستنباط، فالتعريف لا يبين لنا أنه لما ذا تكتب هذه المسألة أو تلك المسألة في علم الأصول، بل يقول التعريف إن ما هو مكتوب و مدوّن في علم الأصول فهو علم الأصول، و هنا إذا سألك شخص:" هل هذه القاعدة أصولية أو لا؟"، فإنك تجيب لا أدري بل أنتظر حتى تكتب في علم الأصول، و بعد كتابتها في علم الأصول أقول إنها أصولية، فقبل كتابتها في علم‏

____________

القواعد هي التي تمهّد للفقيه استنباط الحكم الشرعي، و إذا قرئت على صيغة اسم الفاعل فسيكون للتعريف نفس معنى التعريف المعدل و هو" العلم بالقواعد التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي" لأن معنى" القواعد الممهّدة للاستنباط" هو نفس معنى" القواعد التي تقع في طريق الاستنباط"، و يرد عليه نفس الإشكال الذي يرد على التعريف المعدل.

(1) سؤال: لنفرض أن القاعدة معلومة عند الفقيه و لكنها ليست مكتوبة. الجواب:

عادة إذا كانت القاعدة معلومة عند الفقيه فإنه يكتبها ضمن كتابه الأصولي، فكل فقيه لا بد أن تكون عنده القواعد الأصولية و أن يحققها و يبحث فيها و ينقحها حتى يستطيع أن يتبنى قاعدة معينة، فهذا الذي حققه لا بد أنه قد كتبه لا أنه يحتفظ به في ذهنه فقط، و التحقيق يحتاج إلى كتابة لئلا ينسى المطالب التي حققها، فالقواعد التي يتبناها الفقيه تكون مكتوبة عنده و إلا كيف يكون فقيها؟!

39

الأصول لا ندري أنها أصولية أو لا، مع أن المطلوب معرفة أنها قاعدة أصولية قبل كتابتها في كتاب لعلم الأصول، لذلك يتبين أن هذا التعريف لا يبين لنا القانون و المعيار و الضابط الموضوعي الذي من خلاله يدوّن و يكتب علماء الأصول هذه المسألة في علم الأصول أو لا يدوّنونها و لا يكتبونها، نريد ضابطة تتميّز من خلالها المسألة الأصولية من غير الأصولية، نريد ضابطة تحدد المسائل الداخلة في علم الأصول و المسائل الخارجة عنه، بمعنى أنه إذا أتت إلينا مسألة معينة فإننا نسأل هل هذه المسألة من علم الأصول أو لا؟، فيكون الجواب:" لا ندري أنها داخلة في علم الأصول أو لا"، و ذلك لعدم وجود الضابطة التي على أساسها ندخل هذه المسألة في علم الأصول و لا ندخل تلك المسألة في علم الأصول، فنريد أن نوجد ضابطة معينة بحيث إنه لو أتت إلينا مسألة معينة فإننا نجعلها في علم الأصول، و لو أتت إلينا مسألة أخرى فلا نجعلها في علم الأصول، فنحتاج إلى هذا الضابط الموضوعي الذي على أساسه نجعل هذه المسألة في علم الأصول أو لا نجعلها في علم الأصول، إن الضابط الموضوعي يعني أن التعريف لا بد أن يكون جامعا مانعا أي جامعا للأفراد و مانعا من دخول الأغيار، و الضابطة تدخل الفرد داخل هذا العلم و تخرج غير الفرد إلى خارج هذا العلم.

و في تعريف علم الأصول عند ما يقال" قواعد ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي" فإن كلمة" التمهيد" يعنى التدوين و الكتابة، و كلمة" الممهّدة" تعني" المدوّنة" و" المكتوبة"، فإذا دوّنت المسألة و كتبت في علم الأصول فنقول إن هذه المسألة من علم الأصول، و إذا لم تدوّن و لم تكتب في علم الأصول فنقول إنها ليست من علم الأصول، فإذا كانت عندنا مسألة نحوية

40

مثل" الفاعل مرفوع" و أتى علماء الأصول و دونوها و كتبوها و جعلوها في علم الأصول فإنها تصير مسألة أصولية- مع أنها في الواقع ليست مسألة أصولية- لأن التعريف ينطبق عليها إذ أنها مهدت و دونت في علم الأصول، و معنى ذلك أنه بمجرد ما أن تكتب في كتاب في علم الأصول تصير هذه المسألة أصولية مع أنها في الواقع قد لا تكون مسألة أصولية، فالقاعدة تكتسب أصوليتها من تدوينها في علم الأصول لغرض الاستنباط، و هذا خلاف ما نريده من تعريف العلم لأننا نريد من التعريف أن يدخل المسألة الأصولية في علم الأصول و يخرج غير المسائل الأصولية من علم الأصول، فالمسألة النحوية كيف يمكن أن تدخل في علم الأصول لمجرد أن هذا العالم الأصولي كتبها في كتابه الأصولي؟!

إن هذا التعريف يعطينا ضابطا و مائزا لما بعد مرحلة التدوين و الكتابة، و نحن نريد من التعريف أن يعطينا ضابطا و مائزا لما قبل مرحلة التدوين و الكتابة، فالضابط و المائز لا بد أن يكون ضابطا و مائزا قبليا لا ضابطا و مائزا بعديا، فالمسألة حسب هذا التعريف تكتسب أصوليتها بعد تدوينها، و لكن توجد مرتبة قبل مرتبة التدوين حيث نسأل: ما هي المسألة التي تكتب في علم الأصول؟ و ما هو الضابط الموضوعي الذي من أجله ندخل هذه المسألة في هذا العلم؟ و لما ذا اختار الأصوليون بعض البحوث و جعلوها في علم الأصول و تركوا بعض البحوث الأخرى و لم يجعلوها في علم الأصول؟ فما هو الميزان الذي من أجله ندخل هذا المطلب في علم الأصول دون المطالب الأخرى؟

إن المطلوب من التعريف أن يبين لنا أن هذه المسألة في الواقع و نفس الأمر مسألة أصولية قبل تدوينها حتى بالتالي يدونها العلماء في علم الأصول‏

41

لأنها مسألة ينطبق عليها الضابط، أو أن هذه المسألة ليست أصولية حتى بالتالي لا يدوّنها العلماء في علم الأصول لأنها مسألة لا ينطبق عليها الضابط، فالمفروض من التعريف أن يبيّن لنا هل ندخل هذه المسألة في هذا العلم أو لا ندخلها، و ليس المطلوب من التعريف أن يبيّن لنا أنه بعد تدوين هذه المسألة في هذا العلم تصبح المسألة جزءا من هذا العلم لمجرد أنها دوّنت في هذا العلم، فبمجرد تدوين المسألة في العلم تصير جزءا من هذا العلم، و التعريف بهذا الشكل لا يعطي ضابطا موضوعيا لمعرفة المسائل الداخلة في العلم و المسائل الخارجة منه، فنحن نريد أن نعرف أن هذه المسألة أصولية سواء كانت مكتوبة في كتب الأصول الآن أم كانت غير مكتوبة بل يتوصّل إليها علماء الأصول فيما بعد و يكتبونها في كتبهم، فهذا التعريف تعريف لما بعد التدوين، و نحن نريد تعريفا لما قبل التدوين.

إن قولنا إن ما يكتب في علم الأصول هو علم الأصول لا يعطي الضابط الموضوعي لاختيار بعض المطالب و إدخالها في علم الأصول دون المطالب الأخرى، و التعريف بهذا الشكل يلزم منه الدور و هو توقف الشي‏ء على نفسه لأن علم الأصول هو العلم بالقواعد التي دوّنت في علم الأصول، فصار معرفة علم الأصول متوقّفا على معرفة علم الأصول أي أن" أ" يتوقف على" أ"، فلو سألنا ما هو علم الأصول؟، لأجبنا بأنه هو المدوّن في علم الأصول، و إذا سألنا لما ذا دوّن علماء الأصول هذه المسألة في علم الأصول؟، لأجبنا لأنها من علم الأصول.

إذن: هذا التعريف لا يعطينا الضابط الموضوعي لإدخال هذه المسألة المعيّنة في علم الأصول أو إخراجها و عدم إدخالها في علم الأصول لأن المطلوب‏

42

من التعريف أن يكون جامعا مانعا، أي جامعا للأفراد و مانعا عن دخول الأغيار، و الجامعيّة تعني أن كل صفة يتركب منها المعرّف لا بد أن تنطبق على كل أفراد المعرّف و لا يخرج أي فرد منها، و المانعيّة تعني أن كل صفة يتركب منها المعرّف لا تنطبق إلا على أفراد المعرّف فقط و لا تشمل غيرهم.

إن المسائل اللغوية و النحوية و الفقهية من المفروض أن لا تدخل في علم الأصول، فكيف تصير المسألة اللغوية أو النحوية أو الفقهية مسألة أصولية لمجرّد أنها مهّدت و دوّنت و كتبت و جعلت في كتاب أصولي، فالمسألة النحوية لو دوّنت في الكتاب الأصولي فإنها تظلّ على نحويّتها و لا تتحوّل إلى مسألة أصولية، فهي لعدم كونها مسألة أصولية لا تكتب في كتب الأصول، و حتى لو كتبت في كتب الأصول فإنها لا تنقلب إلى مسألة أصولية.

فهذا التعريف الذي لا بد أن يكون جامعا مانعا أو عاكسا للأفراد و طاردا للأغيار هذا التعريف بهذه الصورة لا يعطينا هذا الأمر لأنه ليس جامعا مانعا حيث إنهم إذا دوّنوا المسألة في علم الأصول صارت المسألة أصولية و إذا لم يدوّنوها فيه فهي ليست مسألة أصولية، فمثل" صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب" مسألة أصولية لا لأنها دوّنت و كتبت في كتب الأصول بل لأنها من المسائل الأصولية قبل تدوينها و كتابتها في كتب الأصول، و لأنها مسألة أصولية فإنها دوّنت في كتب الأصول لا لأنها دوّنت في كتب الأصول فصارت مسألة أصولية، فسبب إدخالها في علم الأصول هو كونها مسألة أصولية، و ليس سبب كونها مسألة أصولية هو تدوينها في الكتب الأصولية.

بعبارة أخرى: كونها مسألة أصولية علة لتدوينها في كتب الأصول لا أن تدوينها في كتب الأصول علة لكونها مسألة أصولية.

43

تعديل التعريف السابق:

جاء الشهيد و قال إنه بسبب وجود الإشكال السابق أجرى علماء الأصول اللاحقون تعديلا على التعريف السابق فقالوا إن علم الأصول هو" العلم بالقواعد التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي"، فكل قاعدة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي تكون قاعدة أصولية، و أي قاعدة لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي لا تكون قاعدة أصولية.

إشكال على التعريف المعدل:

يرد نفس الإشكال السابق أيضا على هذا التعريف الجديد و هو أنه لا يعطي الضابط الموضوعي المطلوب من التعريف لإدخال المسألة أو إخراجها من هذا العلم، نعم التعريف الجديد جامع و لكنه ليس مانعا من دخول الأغيار لأنه يشمل بعض المسائل غير الأصولية كالمسائل اللغوية و المسائل الرجالية و المسائل النحوية و المسائل الحديثية و غيرها لأن كل هذه المسائل تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي مع أنها ليست من المسائل الأصولية.

مثلا هناك بعض المسائل اللغوية التي تقع في طريق الاستنباط مع أنها ليست مسائل أصولية، مثل ظهور كلمة" الصعيد" (1) في مطلق وجه الأرض‏

____________

(1) في التعريف المعدل قالوا العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط، فإذا قلنا" القواعد التي تقع في طريق الاستنباط" فيكون الإشكال الذي ذكره الشهيد غير تام، إن القاعدة هي القانون العام الذي ينطبق على موارد كثيرة، و ظهور كلمة" الصعيد" و أمثالها من المسائل اللغوية ليست قوانين أو قواعد عامة- أو عناصر مشتركة كما في تعريف الشهيد، فالعنصر المشترك يعطي نفس معنى القاعدة و إن اختلفت الألفاظ- ليبحث عنها في علم الأصول كما يبحث عن القاعدة العامة" الأمر ظاهر في‏

44

أو في خصوص التراب، أو ظهور كلمة" الكعب" في مفصل القدم أو النتوء البارز و القبة في أعلى القدم.

يقول اللّه تعالى:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ‏

____________

الوجوب"، فظهورات الألفاظ المعينة في معانيها المعينة ليست قواعد حتى نحتاج إلى إخراجها من التعريف، بل هي خارجة من الأساس لأن المسألة اللغوية ليست قاعدة أصلا، فالقاعدة هي التي تتكرر كثيرا في مختلف أبواب الفقه، و مثل مسألة" الصعيد" تأتي في باب التيمم فقط، فظهور كلمة" الصعيد" شي‏ء جزئي و عنصر خاص يبحث عنه في اللغة فلا يشمله التعريف و لا يدخل في علم الأصول، إن معنى الكلمة و استخراجه من كتب اللغة ليس قاعدة عامة و لا عنصرا مشتركا، فلا يرد هذا الإشكال على هذا التعريف، فيكون التعريف تاما من هذه الجهة.

نعم يأتي إشكال آخر و هو أنه قد توجد عندنا قواعد لغوية أو نحوية أو فقهية أو رجالية أو حديثية، و هذه القواعد تقع في طريق الاستنباط، فيشملها التعريف مع أنها خارجة عن علم الأصول، و لكن هذا إشكال آخر.

رد الإشكال السابق: يمكن رد الإشكال السابق بأن معنى كلمة" الصعيد" عنصر خاص لا مشترك بتوجيه كلام الشهيد بأن قصده هو أن" اللفظ ظاهر في معناه اللغوي"، و هذا يعتبر قاعدة عامة، و كانت كلمة" الصعيد" تطبيقا و مصداقا لهذه القاعدة العامة، فكلمة" الصعيد" ظاهرة في معناها اللغوي، و كلمة" الكعب" ظاهرة في معناها اللغوي، فذكر الشهيد المصداق و هو يريد القاعدة العامة، فذكر الخاص و أراد العام، و هذه القاعدة اللغوية تقع في طريق الاستنباط، فتكون القواعد اللغوية داخلة في العلم مع أنها يجب أن تكون خارجة عنه، فلا يكون التعريف مانعا من دخول الأغيار.

45

الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (1).

إن ظهور كلمة" الصعيد" و ظهور كلمة" الكعب" يقعان في طريق الاستنباط مع أنهما ليسا من المسائل الأصولية، و هذه المسائل تظل على لغويتها و لا تتحول إلى مسائل أصولية.

إذن: هذا التعريف المعدل لا يعطينا أيضا الضابط الموضوعي الذي على أساسه تدخل هذه المسألة في علم الأصول و تخرج المسألة الأخرى من علم الأصول.

تعريف الشهيد لعلم الأصول:

جاء الشهيد و قال نأتي بتعريف جديد لعلم الأصول بحيث يكون جامعا مانعا و لا يرد عليه الإشكالات السابقة و يعطينا الضابط الموضوعي المطلوب، و هذا التعريف هو أن علم الأصول هو:" العلم‏ (2) بالعناصر المشتركة في عملية

____________

(1) المائدة: 6.

(2) عند ما يقول" العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي" يأتي السؤال التالي: إذا علمت بهذه العناصر أو لم تعلم بها فما هي علاقة العلم و الجهل بعلم الأصول و ما دخل العلم و الجهل بعلم الأصول؟، بمعنى أنه إذا علم الإنسان بعلم الأصول يكون علم الأصول موجودا، و إذا جهل الإنسان بعلم الأصول فلا يوجد علم يعرف بعنوان علم الأصول، و المفروض أن نقول إن علم الأصول هو" العلم الذي يبحث في العناصر المشتركة أو القواعد العامة في عملية استنباط الحكم الشرعي"، أو هو" العناصر المشتركة أو القواعد العامة في عملية استنباط الحكم الشرعي"؛ بناء على أن العلم هو

46

استنباط الحكم الشرعي" (1)، و هذا التعريف يتفق مع التعريف المعدل في أن الضابط الموضوعي لعلم الأصول هو كل ما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، و لكن الشهيد أضاف إليه قيدا.

____________

مجموعة المسائل، فعلمنا و جهلنا لا دخل لهما في تعريف العلم، فسواء علمنا بالعناصر المشتركة أم لم نعلم بها فإن علم الأصول موجود و لا دخل لهما في وجود العلم و عدم وجوده، إن العلم هو حضور صورة الشي‏ء في الذهن أو انكشاف الشي‏ء على ما هو عليه، و الجهل هو عدم حضور صورة الشي‏ء في الذهن، فسواء حضرت صور العناصر المشتركة في الذهن أم لم تحضر فإن علم الأصول موجود، فوجود العلم لا علاقة له بعلم أحد به أو جهله به.

إذن: كلمة" العلم" لا نحتاج إليها في تعريف علم الأصول و لا في تعريف غيره من العلوم، لذلك فإن علم الأصول هو:" العلم الذي يبحث في العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي"، و لا دخل للعلم و الجهل في أي علم من العلوم، فعلم الفيزياء- مثلا- موجود سواء كان يوجد علماء في علم الفيزياء أم لم يوجدوا لأنه يبحث في الطبيعيات، و الأشياء الطبيعية موجودة حولنا، فهذه العلوم موجودة سواء علمنا بها أم لم نعلم بها.

و لكن قد يقال إنه إذا علم شخص بالعناصر المشتركة و جعلها ضمن كتاب و أطلق عليه عنوانا معينا فهنا يعرف هذا العلم و يوجد لأن العلم بالعناصر المشتركة هو الذي يولّد الأثر و يؤدي إلى استنباط الأحكام الشرعية لا نفس القواعد بما هي هي، و مع عدم علم أحد بالعناصر المشتركة فإنه لا يوجد هذا العلم، و بهذا التوجيه يكون تعريف الشهيد تاما.

(1) سؤال: هل كلمة" المشتركة" تكون على صيغة اسم الفاعل أي" المشتركة" أو على صيغة اسم المفعول أي" المشتركة"؟ و لما ذا؟

الجواب: يأتي الجواب ضمن النقاط التالية:

1- يقول الشهيد في الحلقة الأولى: عمليات الاستنباط تشترك في عناصر موحدة.

47

____________

إذن: عمليات الاستنباط تشترك في العناصر، فالعناصر يقع عليها الاشتراك، فتكون العناصر مشتركة- بفتح الراء-.

2- إذا قلنا إن العناصر تشترك في عمليات الاستنباط، فتكون العناصر مشتركة- بكسر الراء-، كما نقول اشترك عدة أفراد في الاحتفال، فهم مشتركون فيه و إن لم يعرف بعضهم البعض، فقد يكون كل فرد قد أتى بمفرده و لا يعرف الآخرين، فهو مشترك في الاحتفال، و هذا مثل قاعدة التكليف بغير المقدور فهي قاعدة بمفردها يستنبط منها حكم شرعي، فهي بمفردها تشارك في عمليات الاستنباط، و ليس بالضرورة أن تكون هناك قاعدة أخرى معها ليستنبط الحكم الشرعي، ففي مسألة معينة قد نستعمل عنصرا واحدا فقط فلا يصدق أن هذا العنصر اشترك مع غيره في الاستنباط.

3- عند ما تشترك عدة نقاط في خط مستقيم، نقول: الخط المستقيم مشترك- بفتح الراء- بين هذه النقاط، كذلك فإن عمليات الاستنباط تشترك في عناصر موحدة، فتكون العناصر مشتركة- بفتح الراء- و يمكن أن نقول إن العناصر الموحدة تشترك في عمليات الاستنباط، فتكون العناصر مشتركة- بكسر الراء-.

4- إذا قلنا إن الشارع قد جعل للعناصر الحجية أو عدم الحجية فتكون على صيغة اسم المفعول أي المشتركة- بفتح الراء-، و هذه النقطة تحتاج إلى تأمل لأنه لا علاقة للحجية و عدم الحجية بكونه عنصرا مشتركا.

الاشتراك لغة: طريق مشترك: يستوي فيه الناس، و اسم مشترك: تشترك فيه معان كثيرة كالعين و نحوها (من لسان العرب)، علينا هنا أن نحدد أيهما هو الذي يشترك: هل عمليات الاستنباط تشترك في العناصر فتكون العناصر مشتركة- بفتح الراء- أم أن العناصر تشترك في عمليات الاستنباط فتكون العناصر مشتركة- بكسر الراء-؟

إن مراد الشهيد هو الأول أي أن عمليات الاستنباط تشترك في العناصر فتكون العناصر مشتركة، فيوجد اشتراك بينها و بين العناصر الأخرى في الاستنباط، و قد يكون عندنا عنصر واحد في استنباط حكم مسألة معينة، و يوجد عنصر آخر في استنباط حكم مسألة معينة أخرى، و يتكرر العنصران في عمليات أخرى، فالعنصر المشترك هو الذي يتكرر في عمليات استنباط كثيرة، فيكونان عنصرين مشتركين.

48

____________

سؤال: هل يمكن أن نقول عن العناصر إنها مشتركة؟

الجواب: نعم، يمكن ذلك على القول الثاني أي أن العناصر تشترك في عمليات الاستنباط، فالعنصر المشترك هو الذي يشترك مع غيره في عملية الاستنباط، و العنصر المشترك قد يكون عنصرا خاصا، و قد يكون عنصرا عاما، و هذا كما نقول إن الخط المستقيم يشترك في نقاط فتكون النقاط مشتركة، أو نقول إن النقاط تشترك في الخط المستقيم فتكون النقاط مشتركة، و تكون النسبة بين العناصر المشتركة و العناصر المشتركة نسبة العموم و الخصوص المطلق، فالعناصر المشتركة أعم مطلقا من العناصر المشتركة لأن العنصر المشترك قد يكون عاما و قد يكون خاصا، و أما العنصر المشترك فيكون عاما فقط.

النتيجة: مراد الشهيد من العناصر هو" المشتركة"، و لكن يمكن القول بالوجه الثاني أيضا.

إشكالات:

إشكال 1: إن العناصر لا تشترك بنفسها في عمليات الاستنباط، بل هي تشرك من قبل الفقيه، فلا نستطيع أن نقول إنها" مشتركة"، بل الأصح هو" المشتركة".

إشكال 2: و لكن لا نستطيع أن نقول" مشتركة" على هذا القول، بل يجب أن نقول" مشركة"، فهي عناصر مشركة من قبل الفقيه الذي يشركها في عمليات الاستنباط، فلا يصح أن نقول" مشتركة".

سؤال: كيف يمكن التوفيق بين الإشكالين؟

على الإشكال الأول لا يصح أن نقول" مشتركة"، و على الإشكال الثاني لا نستطيع أن نقول" مشتركة"، فما هو الحل؟

الجواب: نستطيع أن نقول إن العناصر" تشترك" على نحو المجاز لا الحقيقة، كما نقول إن النقاط تشترك في الخط المستقيم، و هذا جائز لغة و لا إشكال فيه، و بذلك يسقط الإشكال الأول، و بالنسبة للإشكال الثاني أصل الاشتقاق هو" اشترك" لا" أشرك"، فالإشكال الثاني خارج عن محل البحث، و هنا أيضا عند ما نقول عناصر" مشتركة" لأن عمليات الاستنباط اشتركت في هذه العناصر، و هنا أيضا يأتي المجاز، فهذه العمليات تشترك على نحو المجاز لا الحقيقة، و بذلك يسقط الإشكال الثاني‏

49

و أضاف الشهيد هذا القيد بهدف تضييق دائرة ما يقع في طريق الاستنباط، و هو قيد" المشتركة"، و هذا القيد يضيق من دائرة ما يدخل في التعريف، فيكون الداخل في التعريف خصوص القواعد العامة المشتركة التي تتكرر في كثير من أبواب الفقه المختلفة لا كل القواعد التي تقع في طريق الاستنباط، و تخرج بهذا القيد الزائد العناصر الخاصة في كل مسألة مثل ظهور كلمة" الصعيد" أو ظهور كلمة" التحية" أو زرارة ثقة (1)، فعملية استنباط الحكم الشرعي تمر بمقدمات عامة أو عناصر مشتركة و مقدمات خاصة أو عناصر خاصة بكل حكم شرعي.

سؤال: ما هو المقصود من الاشتراك؟

الجواب:

الاشتراك معناه أن هذا العنصر صالح للدخول في استنباط الحكم الشرعي لأي مورد من الموارد التي يتصدّى الفقيه لاستنباط حكمها، و الصلاحية تعني إمكانية تكرر العنصر في كثير من موارد الاستنباط بالقوة لا بالفعل، و العنصر المشترك في علم الأصول هو القاعدة الكلية أو القانون العام الذي يتكرر في كثير من موارد استنباط الأحكام الشرعية و الذي له صلاحية الدخول في استنباط أي حكم شرعي.

____________

(1) الرواية تناقش من جهتين: السند و المتن، فمن حيث السند يتكفل به علم الرجال، و من حيث المتن يتكفل به علم الحديث و علم أصول الفقه و علوم اللغة من النحو و البلاغة و الصرف، فعدة علوم تجتمع لكي يستنبط الفقيه الموقف العملي، و كأن الفقيه يقوم بعملية طبخ و مزج بين عدة أشياء ثم يعطي الطبخة جاهزة للمكلف، فالفقيه يمزج بين عدة أشياء حتى في النهاية يعطي المكلف المسألة الشرعية.

50

مثال:" ظهور صيغة الأمر في الوجوب" (1) عنصر مشترك لأنه يتكرر في كثير من أبواب الفقه حيث إن له القابلية و الصلاحية لاستنباط كثير من الأحكام، منها وجوب الصلاة من" أقيموا الصلاة"، و وجوب الصوم من" صوموا"، و وجوب الزكاة من" آتوا الزكاة"، و وجوب الحج و وجوب أشياء أخرى، هذا من جهة، و من جهة أخرى فإن اللغويين لم يبحثوا في دلالة

____________

(1) سؤال: لما ذا يعتبر تحديد معنى" صيغة الأمر" عنصرا مشتركا مع أنه من المسائل اللغوية، و لكن تحديد معنى" الصعيد" يعتبر عنصرا خاصا مع أنه من المسائل اللغوية أيضا؟

الجواب: إن معنى الاشتراك هو صلاحية العنصر للدخول في عملية الاستنباط، فإذا تكرر العنصر في كثير من عمليات الاستنباط فإنه يعتبر عنصرا مشتركا.

و إذا أخذنا كلمة" الصعيد" فإننا نرى أولا: أن اللغة قد تكفلت بإظهار معناها، فإذا أردنا معرفة معناها رجعنا إلى قواميس اللغة و بحثنا تحت باب" صعد" و وجدنا معناها، و قد تكفلت اللغة بذلك، و ثانيا: أن هذا العنصر لا يتكرر في كثير من عمليات الاستنباط إلا إذا كانت الكلمة واردة في آية أو رواية فنبحث عن معناها، و طالما أنها لا تتكرر فلا تعتبر عنصرا مشتركا لأن محور الاشتراك هو تكرر العنصر، و لهذين السببين فإن كلمة" الصعيد" لا تعتبر عنصرا مشتركا.

و إذا أتينا إلى صيغة الأمر فإنها تعتبر عنصرا مشتركا لسببين: السبب الأول: إن صيغة الأمر تتكرر في كثير من الآيات و الروايات، و هذا التكرار يدل على أنها عنصر مشترك، و السبب الثاني: إن علماء اللغة لم يبحثوا في دلالة صيغة الأمر أنها تدل على الوجوب أو على الاستحباب أو على كليهما لأنها مشترك لفظي، فإنهم لم يبحثوا ذلك لعدم دخالة هذا البحث في علم اللغة، و أما في علم الأصول و الفقه فإن البحث يدور حول الأحكام التكليفية و الأحكام الوضعية، و في الأحكام التكليفية نريد أن نحدد الأحكام الخمسة من وجوب و استحباب و إباحة و كراهة و حرمة، لذلك فإن دلالة صيغة الأمر لها دخل في هذين العلمين من أجل تحديد الأحكام الخمسة، و لهذين السببين كان تحديد معنى" صيغة الأمر" عنصرا مشتركا و إن كانت من المسائل اللغوية.

51

صيغة الأمر، و لكن الأصوليين بحثوا فيها، لذلك دخلت دلالة صيغة الأمر في علم الأصول.

و أما مثل" القياس" فإنه و إن كان مرفوضا عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلا أنه يعتبر مسألة أصولية لأنه عنصر مشترك في عملية الاستنباط و إن كنا لا نعترف به و لا نأخذ به في استنباط الأحكام الشرعية، فهو بالقوة صالح للدخول في عملية الاستنباط و يمكن أن يستفاد منه في كثير من أبواب الفقه، و لكن يمكن أن نثبت دخوله فعلا في الاستنباط أو نثبت عدم دخوله فعلا في الاستنباط.

النتيجة:

تعريف علم الأصول عند الشهيد و هو:" العلم‏ (1) بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي"؛ لا يرد عليه الإشكالات السابقة مثل دخول‏

____________

(1) إشكال: لما ذا أدخل الشهيد كلمة" العلم" في التعريف مع أن علم الأصول هو عبارة عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط؟

إن العلم و الجهل لا دخل لهما في العلوم حيث يمكن أن نقول" نعلم بعلم الأصول" و" نجهل بعلم الأصول"، فمتعلق العلم و الجهل هو علم الأصول أي أنه يوجد لدينا شي‏ء اسمه" علم الأصول"، فهو موجود و ثابت بدون دخالة العلم و الجهل به، و انتفاؤه غير متوقف على الجهل به، فهو ثابت على كلا الحالين، لذلك يتعلق به العلم تارة، و يتعلق به الجهل تارة أخرى، إذن: لا معنى لإدخال كلمة" العلم" في تعريف علم الأصول.

جواب الإشكال: إن العلم لا يكون موجودا إلا بعد أن يعلم و يدرك لأن الإنسان هو الذي ينشئ العلوم و يضع لها العناوين، و من خلال هذه العلوم يحاول أن يكتشف العلاقات و القوانين بين الأشياء الخارجية الواقعية، صحيح أن الواقع موجود في الخارج‏

52

المسائل اللغوية كظهور كلمة" الصعيد" الذي يعتبر عنصرا خاصا و لا يعتبر عنصرا مشتركا، فلا يكون داخلا في علم الأصول لأنه من العناصر الخاصة و يأتي في الاستدلال الفقهي في باب التيمم فقط في استنباط الأحكام المتعلّقة بمادة" الصعيد"، و لا يصلح للدخول في استنباط أحكام الأبواب الأخرى غير المتعلّقة بمادة" الصعيد".

____________

و لكن إذا لم يلتفت إليه الإنسان فإن العلوم لا تتكوّن عنده مثل علم الهندسة و علم الكيمياء، فمثلا الجاذبية موجودة في الخارج، و بدأ الإنسان يبحث فيها عند ما وضع علما بعنوان" الفيزياء"، و كانت غاية علم الفيزياء البحث في الأمور الطبيعية و منها الجاذبية، فصار علم الفيزياء هو العلم الذي يبحث في الأمور الطبيعية، و لو لا العلم بقوانين الطبيعة لما وجد عندنا علم باسم" الفيزياء".

و هكذا علم الأصول فبعد أن أحس الفقهاء بأهمية وضع علم لدراسة القواعد العامة لاستنباط الحكم الشرعي وضعوا علما أطلقوا عليه" علم أصول الفقه"، و بذلك أدركوا و علموا بوجود عناصر مشتركة، و بعد هذا الإحساس و الإدراك صار عندنا شي‏ء يسمى بعلم الأصول، و لذلك تم إدخال كلمة العلم و الإدراك في تعريف علم الأصول، فبعد أن تعلم بوجود هذه العناصر المشتركة يكون عندك علم الأصول، فبعد إدراك علم الأصول يوجد شي‏ء اسمه علم الأصول.

رد الجواب: العلم موجود سواء أدرك أم لم يدرك من أي أحد، فعلم الأصول الذي هو علم يبحث في العناصر المشتركة لاستنباط الحكم الشرعي يكون علما سواء أدرك أم لم يدرك من كل الناس، و يظل علما ثابتا حتى لو جهل الناس به، فلا دخل للعلم و الإدراك به في تعريفه، فليس من الصحيح أن نقول إذا علمت بالشي‏ء صار موجودا، و إذا جهلت به و لم تعلم به فلا يصير موجودا، فلا توجد علاقة للعلم بتعريف علم الأصول، لذلك من المفروض أن لا توجد كلمة" العلم" في تعريف علم الأصول و في تعريف أي علم من العلوم.