دروس في الرسائل - ج1

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
467 /
1

كلمة الدار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه عدد آلائه و الصلاة و السّلام على أشرف أنبيائه، محمّد المصطفى و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد لقد مرّ علم أصول الفقه عند أعلام الشيعة بأدوار متعدّدة، كانت سببا في تطوّر هذا العلم عندهم، و قد بلغ ذروة من العمق و التحقيق على يد علّامة العلماء الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، الذي كان محققا بارزا، و عالما قلّ نظيره، حتى اعتبروه مؤسسا لبعض قواعده، و منقحا لكثير من فوائده.

فلا غرو- و هو كذلك- أن يتّجه طلبة العلم للاستفادة من نمير علمه و عذب إفاضاته، فاستفاد من محضر درسه المئات، و من بركات يراعه الآلاف.

و قد خلّف في علم الأصول كتاب‏ (فرائد الأصول)، المشتهر بكتاب‏ (الرسائل)، الذي هو أدقّ ما ألّف في هذا الفن، و ما زال هذا الكتاب محور البحث و الدروس في الحوزات العلمية، و لذا كثرت شروحه و التعاليق عليه، حتّى أنّه قلّ عالم لا تجد له شرحا أو تعليقا عليه.

و من جملة ما ألّف في شرحه، هو هذا الكتاب‏ (دروس في الرسائل)، الذي جادت به يراع سماحة العلّامة الحجّة الشيخ المحمّدي البامياني (حفظه اللّه).

و هو أحد أعلام الأساتذة البارزين في حوزة السيدة زينب (عليها السلام) في سورية. و قد درّس الكتاب أكثر من عشر مرّات، و سجّل دروسه بقلمه في هذا الكتاب.

و قد نحا فيه مؤلّفه‏ (دام ظلّه) منحى الشرح المزجي و المقطعي بحسب ما رآه مناسبا في إيضاح مراد الشيخ (رحمه اللّه).

و قد آثرنا نشره، للاستفادة منه في حوزاتنا العلمية.

2

و قد قامت لجنة تقويم النص في دارنا بتقويم الكتاب بما هو متعارف عند أهل الفن، كما قامت لجنة تخريج المصادر بتخريج الآيات و الروايات، مكتفين بهذا المقدار، حسب ما رأيناه مناسبا في إبراز الكتاب.

و قد رأينا أنّ من المناسب طبع المتن معه، فجعلناه في أعلى الصفحات، مميزا عن الشرح، حتّى تعمّ الاستفادة منه. و قد اعتمدنا على بعض طبعاته المحقّقة، مع ملاحظة بعض نسخه المطبوعة على الحجر، و أبرزنا ما أخذناه من بعض الطبعات الحجرية بين معقوفتين، كما أنّا جعلنا الزيادات التي أضيفت على المتن مراعاة لما اقتضاه السياق و الترتيب داخل الخط المظلل هكذا

و جعلنا فهارس الكتاب- أخيرا- مراعين في ذلك المتن و الشرح.

و ختاما: نسأله تعالى التوفيق لإحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)، و الحمد للّه ربّ العالمين.

دار المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) لإحياء التراث‏

1/ 9/ 1417 ه

11/ 1/ 1997 م‏

3

ترجمة المؤلّف‏

ولد المؤلّف عام 1354 ه، و لمّا بلغ سنّ التكليف درس مقدّمات العلوم الحوزوية.

سافر إلى مشهد المقدّسة سنة 1379 ه لمواصلة الدراسة الحوزوية فيها، فدرس العلوم العربية و المنطق و شيئا من الأصول، و مكث فيها مدّة أربع سنوات.

ثمّ سافر إلى العراق سنة 1383 ه و درس في جامعة النجف الدينية- التي أسّسها السيّد محمد كلانتر (حفظه اللّه)- مراحل السطوح مدّة خمس سنوات، ثمّ حضر أبحاث آية اللّه العظمى السيّد الخوئي (قدّس سرّه) فقها و أصولا، كما حضر عند آية اللّه السيّد البجنوردي (قدّس سرّه) في الأصول، و حضر بحث آية اللّه العظمى السيّد الإمام الخميني (قدّس سرّه) في‏ (المكاسب).

و في سنة 1395 ه أجبرته السلطات الحاكمة في العراق على الخروج منه، فتوجّه إلى سورية، و دعي للتدريس في جوار العقيلة زينب (عليها السلام)، و بعد الإصرار الشديد عليه استحسن البقاء مع مجموعة من زملائه الأفاضل، و ما زال هناك حتّى هذه الفترة.

و هو (حفظه اللّه) من الأعلام الذين يشار إليهم بالبنان، و ممّن عرف بالمواظبة على التدريس بجدّ و نشاط فائق؛ إذ لم تسجّل إدارة الحوزة الزينبية أيّ غياب عليه في خلال أكثر من أربعة عشر عاما، و ما زال‏ (حفظه اللّه) مواظبا على التدريس.

و له مؤلفات في موضوعات مختلفة منها (أجود الشروح في الكفاية)، و (الخلافة و التغطية الإعلامية) و هذا الكتاب‏ (دروس في الرسائل).

و يتمتّع المؤلّف بصفات أخلاقية عالية، جعلته قدوة لمن غرف من بحر عطائه و نهل من معينه، أمدّ اللّه في عمره، و دام عطاؤه.

4

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين و أصحابه المنتجبين.

أمّا بعد فلمّا بدأت بتدريس «الرسائل» باللغة العربية في الحوزة العلمية في سورية- دمشق- أردت تنظيم و ترتيب أبحاثي فجمعتها فى كتاب بعنوان «دروس في الرسائل»، و قد تجنبت فيه عن الاختصار المخلّ و التطويل المملّ، و أسأل اللّه أن يجعله نافعا للمحصّلين و ذخرا لي في يوم الدين، و أستعين به كي يوفّقني في خدمة الدّين فإنّه خير مسئول و خير معين.

المحمّدي البامياني‏

دمشق- جوار عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السلام)

5

مقدمة [في مباحث الكتاب‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فاعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي؛ فإمّا أن يحصل له الشّكّ فيه، أو القطع، أو الظنّ، فإن حصل له الشك.

____________

(فاعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي).

لا بد أن نبحث عن امور:

الأمر الأول: ما هو المراد من الألفاظ المفردة المذكورة في كلام المصنّف (رحمه اللّه)؟ و هي:

المكلّف، ثم الالتفات، ثم الحكم.

فنبدأ من المكلّف و نقول: إنّ المراد منه هو المكلّف الواقعي، يعني من وضع عليه قلم التكليف، و هو من جمع الشرائط العامة كالبلوغ، و العقل، و القدرة، فيكون الالتفات قيدا احترازيا، يخرج به الغافل.

نعم، لو كان المراد منه المكلّف الفعلي أعني: البالغ العاقل القادر الملتفت كان قيد الالتفات حينئذ لغوا، إلّا أن يقال: إن الالتفات يكون سببا لتحقق العناوين المذكورة أعني:

القطع و الظن و الشك، فإنها لا تتحقق إلّا به، إذ لا يعقل القطع بحكم أو الظن به أو احتماله للغافل، فلا يكون لغوا، إذ فائدته تحقّق هذه العناوين. و من هنا ظهر ما هو المراد من الالتفات إذ المراد منه: توجّه المكلّف إلى الحكم الشرعي في مقابل غفلته عنه.

و بقي الكلام فيما هو المراد من الحكم، و الظاهر أن المراد منه هو الحكم الفعلي فقط، إذ لا يجب امتثال ما لم يبلغ مرتبة الفعليّة من الحكم الاقتضائي و الإنشائي مع القطع فضلا عن الظن أو الشك فما يترتّب عليه الأثر من وجوب الامتثال عند العلم به و الرجوع إلى الاصول عند الشك هو الحكم الفعلي.

6

فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة الثابتة للشاك في مقام العمل، و تسمّى بالاصول العمليّة.

و هي منحصرة في أربعة، لأنّ الشك إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا، و على الثاني‏

____________

ثم المراد من القطع و الظن واضح لا يحتاج إلى البيان.

نعم، المراد من الشك لا بد أن يكون بمعنى تساوي الطرفين حتى يكون مباينا للقطع و الظن كما يقتضيه قانون التقسيم؛ إذ التقسيم يقتضي تباين الأقسام، فالتقسيم الثاني كما في كلام المصنّف (رحمه اللّه)؛ مبنيّ على كون الشك بالمعنى المذكور، لا بمعنى عدم العلم في مقابل العلم، فالصحيح أن يجعل التقسيم على هذا المعنى الثاني ثنائيا.

و نستكشف من جعله التقسيم ثلاثيا أن الشك يكون بالمعنى الأول، إلّا أن يقال: إن مقصوده من التقسيم هو تبويب كتابه باعتبار حالات المكلّف، و لهذا جعل هذا الكتاب ثلاثة مقاصد: المقصد الأول: في القطع، و الثاني: في الظن، و الثالث: في الشك.

(فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية ... إلى آخره).

يمكن أن يقال: إن القواعد المذكورة بعضها شرعية كالاستصحاب على قول، و بعضها عقلية كالتخيير، و بعضها شرعية و عقلية كالبراءة و الاحتياط، فتسمية الجميع بالقواعد الشرعية لا معنى لها أصلا، فإنه يقال: و الأمر و إن كان كذلك الّا أنّ الشارع قد أمضى حكم العقل فترجع القواعد إلى الشارع جعلا أو امضاء.

(و تسمّى بالاصول العمليّة).

أي: القواعد العملية في مقابل الأدلة الاجتهادية، فيكون الأصل هنا بمعنى القاعدة و لمّا كان كل واحد من الاستصحاب و البراءة و التخيير قاعدة كلية كان الصحيح أن تجمع بالقواعد العملية: يعني تسمّى هذه القواعد بالعملية لأنها ثابتة للشاك في مقام العمل فيرجع إليها حينما لم يكن له دليل على الحكم.

الأمر الثاني: بيان حصر الاصول العملية في الأربعة، كما أشار اليه بقوله: (و هي منحصرة في أربعة).

و ظاهر كلامه- ابتداء- و إن كان حصر نفس الاصول في الأربعة، اذ الضمير في قوله:

(هي) يرجع إلى الاصول نفسها، الّا ان كلامه في مقام بيان تعليل الحصر نصّ في حصر مجاريها على الاربعة، ثم هذا الحصر حصر عقلي، لأنّه يدور بين النفي و الإثبات كما هو

7

فإمّا أن يمكن الاحتياط أم لا، و على الأوّل، فإمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به، فالأوّل: مجرى الاستصحاب، و الثاني: مجرى التخيير، و الثالث: مجرى أصالة البراءة، و الرابع: مجرى قاعدة الاحتياط.

[فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني مجرى أصالة البراءة، و الثالث مجرى قاعدة الاحتياط و الرابع مجرى قاعدة التخيير. خ ل‏].

[و بعبارة أخرى: الشكّ إمّا أنّ يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الشكّ فيه في التكليف أو لا، فالأوّل مجرى أصالة البراءة، و الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا، فالأوّل مجرى قاعدة الاحتياط، و الثاني مجرى قاعدة التخيير. نسخة].

____________

واضح في المتن.

نعم، حصر نفس الاصول في الأربعة استقرائي بمعنى أنّ الاصول التي تجري في جميع أبواب الفقه منحصرة فيها، و الّا فالاصول كثيرة.

(لأنّ الشك إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا).

و من تقييده الحالة السابقة بكونها ملحوظة يظهر أنّ مطلق الحالة السابقة لا يكفي في الاستصحاب، بل لا بد فيه من الحالة السابقة الملحوظة، و هي تتحقّق في مورد الشك في الرافع كما يأتي في الاستصحاب.

الأمر الثالث: بيان الفرق بين عبارتي المصنف (قدّس سرّه) في مجاري الاصول.

و خلاصة الفرق: إن مجرى التخيير في التعبير الأول أعمّ منه في التعبير الثاني، لأنّ مجراه في الأول ما لا يمكن الاحتياط فيه، سواء كان الشك في التكليف أو المكلّف به، و هذا بخلاف التعبير الثاني حيث جعل مجرى التخيير فيه الشك في المكلّف به فقط، فيكون التعبير الأول أعمّ موردا من الثاني، حيث يجري التخيير في الموردين بحسب التعبير الأول و في المورد الواحد حسب التعبير الثاني.

و ذكر بعض الشراح أنّ المصنف (قدّس سرّه) عبّر بالعبارة الاولى في الدورة الاولى من تدريسه، و بالثاني في الدورة الثانية منه، و كيف كان لا يخلو ما ذكره من إشكال عدم الاطّراد، أو عدم الانعكاس، و لكن ليس في هذا المختصر مجال للنقض و الإبرام.

8

و ما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الأربعة، و قد وقع الخلاف فيها، و تمام الكلام في كلّ واحد موكول إلى محلّه.

فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الأوّل: في القطع، و الثاني: في الظّن، و الثالث: في الاصول العمليّة المذكورة التي هي المرجع عند الشّك.

____________

(و ما ذكرنا هو المختار).

أي: ما ذكرنا من الرجوع إلى البراءة فيما إذا كان الشك في التكليف التحريمي هو المختار لا ما ذهب اليه الاخباريون حيث قالوا بوجوب الاحتياط فيه، و كذلك المختار في الشك في المكلّف به هو الحكم بوجوب الاحتياط إن أمكن، و الحكم بالتخيير إن لم يمكن، دون ما ذهب إليه المحقّق القمّي (رحمه اللّه) حيث قال بالبراءة في الشبهة المحصورة التي هي من موارد الشك في المكلّف به. هذا تمام الكلام في البحث عن الامور.

ثم ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) أخيرا يكون بمنزلة الفهرست الإجمالي للكتاب حيث قال:

(فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الأول: في القطع، و الثاني: في الظن، و الثالث: في الاصول العملية المذكورة).

***

9

المقصد الأول‏

____________

[المقصد الأول في القطع‏]

في القطع‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[مقدمة]

بحث القطع مقدمة:

و قبل البحث عن القطع نطرح سؤالين لا يخلو طرحهما عن مناسبة و فائدة:

السؤال الأول: لما ذا قدم المصنف (قدّس سرّه) بحث القطع على بحث الظن و الشك؟ ثم لما ذا قدّم بحث الظن على الشك؟

السؤال الثاني: لما ذا اختار في المقصد الأول عنوان القطع، و لم ينتخب عنوان اليقين و العلم مع أنّ هذه العناوين مشتركة في أنّها اعتقاد جازم؟

أما الجواب عن السؤال الأول فنقول: إنّه قدّم بحث القطع لأحد أمرين:

الأول: لشرافة القطع على الظن و الشك.

أمّا شرافته على الظن فلأنّ حجّيته ذاتية بخلاف الظن، إذ هو حجّة بجعل من الشارع.

و أمّا شرافته على الشك فلا يحتاج إلى البيان، إذ الشك ليس بحجّة، بل لا يعقل أن يكون حجّة، و من هنا يظهر وجه تقديم الظن على الشك.

و الثاني: لاختصار بحث القطع دونهما.

و أمّا الجواب عن السؤال الثاني، فنقول: إنّ المصنف (قدّس سرّه) أراد أن يبحث عن التجرّي، و البحث عنه يناسب عنوان القطع دون اليقين و العلم، و ذلك لأنّ التجرّي- كما سيجي‏ء- هو مخالفة القطع غير المطابق للواقع، فيكون مقابلا للمعصية، و هي مخالفة القطع المطابق للواقع.

12

مقدمة فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليست طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا.

____________

ثم القطع هو: الاعتقاد الجازم سواء كان مطابقا للواقع أم لم يكن، فيأتي فيه بحث التجرّي، و يصح أن يبحث عنه تحت عنوان القطع، كما يصحّ أن يبحث عن المعصية، و هذا بخلاف العلم و اليقين لأنّ اليقين: هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، و كذا العلم، إذ المطابقة للواقع قيد فيهما، و بهذا لم يبق مجال لبحث التجرّي تحت عنوان اليقين و العلم، و لهذا اختار عنوان القطع.

(لا إشكال في وجوب متابعة القطع، و العمل عليه ما دام موجودا لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و ليست طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا).

يقع الكلام في بحث القطع من جهتين:

الجهة الاولى: يقال على القطع بأنّه طريق.

و الجهة الثانية: يقال: إنّه حجّة، فهنا قضيتان هما:

1- القطع طريق.

2- القطع حجّة.

فيبحث في كلتا الجهتين عن محمول القضيتين بأنّه ذاتي للقطع أم لا؟

و يقع الكلام في الجهة الاولى في أنّ طريقيّته ذاتية أو جعلية؟

قال المصنّف (قدّس سرّه): إن طريقيّته ذاتية لا تنالها يد الجعل و التشريع إثباتا و لا نفيا، إذ لا معنى لجعل ما هو حاصل بذاته، بل الجعل مستلزم لتحصيل ما هو حاصل بالتكوين بالتشريع و هو محال.

و بعبارة اخرى: إنّ طريقيّة القطع ذاتية له؛ إمّا بذاتي باب البرهان، أو الايساغوجي، إذ لو كانت ماهية القطع نفس الانكشاف كانت طريقيّته ذاتية بذاتي باب الايساغوجي، فالقاطع حينئذ يرى الواقع، و ينكشف له انكشافا تامّا، فيكون القطع بحسب ماهيته طريقا، فلا

13

معنى لتوهّم جعل الطريقية لأنّ ثبوت الشي‏ء لنفسه ضروري، كما لا معنى لتوهّم نفي الطريقيّة عنه لأنّ سلب الشي‏ء عن نفسه محال، فإذا لم تكن الطريقيّة مجعولة لم تكن حجّيته مجعولة، إذ الحجّية لازمة لها، و ثبوت لازم الشي‏ء له ضروري.

و أمّا إذا لم تكن ماهية القطع نفس الانكشاف و الطريقيّة بل كانت طريقيّته لازمة لماهيّته لكانت طريقيّته ذاتية بذاتي باب البرهان، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة فلا تقبل الجعل- أيضا- إثباتا لأنّ لازم الماهية لا ينفك عنها، فيكون ثبوته لها ضروريا، و لا نفيا لأنّ سلبه عنها محال.

و من هنا يظهر أنّ حجّيته كطريقيّته لا تقبل الجعل إثباتا أو نفيا لأنّها لازمة لها لا تنفك عنها، فلا تقبل الجعل إثباتا لكون ثبوت اللّازم ضروريا، و لا نفيا لكون سلب لازم الشي‏ء عنه محالا. هذا تمام الكلام في الجهة الاولى.

و الكلام في الجهة الثانية يقع في حجّية القطع.

و المراد من حجّيته هو وجوب متابعته، و العمل على طبقه فيكون وجوب العمل على طبقه من لوازم طريقيّته، كما يظهر من التعليل حيث علّل وجوب المتابعة بقوله: لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، فلا يكون قابلا للجعل إثباتا و نفيا، كما تقدّم، ثم المراد من وجوب متابعة القطع ليس وجوبا شرعيا بل يكون حكما عقليا.

و هناك وجوه أخر ذكرت لعدم قابلية حجّية القطع لجعل الشارع:

منها: إنّه لو كانت حجّيته بالتعبّد الشرعي لزم التسلسل، إذ اعتبار كل شي‏ء موقوف على العلم به من الشارع، فالقطع لو لم يكن حجّة بنفسه فلا بدّ من أن يتوقف على قطع آخر و هكذا، فيلزم التسلسل أو الدور.

و منها: إنّه لو كان اعتباره بجعل من الشارع فلا بدّ- حينئذ- أن يكون قابلا لحكم الشارع نفيا و إثباتا فلو كان كذلك لزم التناقض.

بيان ذلك: إنّ من علم كون هذا المائع خمرا، و كون الخمر محرّما شرعا، يحصل له من هذه الصغرى الوجدانية و تلك الكبرى المقطوع بها العلم بكون هذا المائع محرما.

و بتعبير آخر: هذا المائع خمر، و كل خمر حرام، فهذا المائع حرام، فيعلم نهي الشارع‏

14

و من هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة

____________

عن ارتكاب هذا المائع، فلو قال الشارع: لا تعمل بهذا القطع و العلم، يرجع هذا القول منه إلى الإذن في ارتكاب الخمر بنظر القاطع، و هو التناقض.

و منها: عدم معقولية تكليف القاطع بخلاف قطعه لعدم احتماله خلاف ما قطع به، فتكليفه به تكليف بما لا يطاق.

(و من هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا).

يعني: ممّا ذكرنا من عدم كون حجّية القطع بجعل من الشارع يعلم أنّ إطلاق الحجّة على القطع ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات، إذ ما يطلق على الأمارات هو الحجّة بما هو عند الاصولي و لا يطلق على القطع الحجّة بما هو عند الاصولي، و لا يطلق عليه- أيضا- الحجّة بما هو عند المنطقي.

فيأتي هذا السؤال: لما ذا لا يطلق عليه الحجّة بما هو عند الاصولي، و لا بما هو عند المنطقي؟

و الجواب يحتاج إلى بيان معنى الحجّة عند الاصولي و المنطقي، و الفرق بينهما، فنقول:

إنّ الحجّة عند المنطقي هي: الأوسط الذي يوجب العلم بثبوت الأكبر للأصغر في شكل من الأشكال، فيكون الأوسط واسطة في الإثبات دائما، و مع ذلك قد يكون واسطة في الثبوت أيضا، فيسمّى بالبرهان اللّمي.

و الحاصل أنّه لا بدّ للأوسط أن تكون له علاقة بالأكبر الذي هو محمول النتيجة، ثم تلك العلاقة؛ إمّا علاقة العليّة، أي: يكون الأوسط علّة للأكبر؛ أو المعلولية بأن يكون معلولا له؛ أو هما معلولان لعلّة ثالثة، و على الأخيرين يسمّى القياس بالبرهان الإنّي، هذا هو معنى الحجّة عند المنطقي.

و أمّا الحجّة عند الاصولي فهي: الوسط الذي يوجب العلم بثبوت الحكم لمتعلّقه، أو يقال: إنّه يوجب العلم بثبوت الأكبر للأصغر، و المراد من الأكبر هو الحكم، و المراد بالأصغر هو المتعلّق.

و من هنا يظهر الفرق بين الحجّة عند الاصولي، و الحجّة عند المنطقي من حيث الأكبر

15

شرعا، لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغيّر لإثبات حدوث العالم، فقولنا: «الظنّ حجّة، أو البيّنة

____________

و الأصغر، لأن الأكبر في الاصول هو حكم من الأحكام و في المنطق ليس كذلك، و الأصغر في الاصول هو متعلّق الحكم، و في المنطق ليس كذلك، هذا مضافا إلى اشتراط العلاقة بين الأوسط و الأكبر في حجّة المنطقي دون الاصولي، و الجامع بينهما هو: أنّ الحجّة و هي الأوسط يكون سببا للقطع بثبوت الأكبر للأصغر سواء كان الأكبر حكما و الأصغر متعلّقا كما هو عند الاصولي، أم لا كما هو عند المنطقي.

و من هنا يتّضح عدم إطلاق الحجّة بما هو عند الاصولي و المنطقي على القطع، لأنّ الحجّة عندهما هي ما يكون سببا للقطع بالحكم على متعلّقه أو بالأكبر للأصغر فكيف يطلق على نفس القطع؟

و قد أشار إليه- كما سيأتي- بقوله: (و الحاصل أنّ كون القطع حجّة غير معقول لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع).

هذا مضافا إلى أنّ الحجّة عند المنطقي يعتبر فيها وجود العلاقة بين الأوسط و الأكبر كما تقدّم، و هذه العلاقة منتفية في القطع الطريقي المحض الذي يكون محلّا للبحث، فإذا قطعنا بوجوب صلاة الجمعة مثلا لما كانت العلاقة بين الوجوب و القطع ثابتة لأنّ القطع ليس علّة للوجوب، و لا معلولا له، و لا كونهما معلولين لعلّة ثالثة، فلا يطلق عليه الحجّة بما هو عند المنطقي، إذ الحجّة عنده مشروطة بوجود العلاقة، و هذه العلاقة منتفية في القطع.

و الحقّ أنّ الحجّة عند المنطقي عبارة عن مجموع المقدّمتين أي: الصغرى و الكبرى اللتين تحصل منهما النتيجة كما في الحاشية، فلا تطلق على القطع لأنّه أمر يحصل من المقدّمتين، فيحصل من جميع ما ذكرنا جواب السؤال المتقدم: لما ذا لا يطلق عليه الحجّة بما هو عند المنطقي و بما هو عند الاصولي؟

و قد اتّضح أنّ الحجّة بما هو عند الاصولي لا تطلق على القطع. نعم، الحجّة بهذا المعنى تطلق على الأمارات المعتبرة شرعا، لأنّ الحجّة عند الاصولي كما يقول المصنف (قدّس سرّه):

(عبارة عن الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر) أي: ثبوت الحكم‏

16

حجّة، أو فتوى المفتي حجّة»، يراد به كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها، فيقال: هذا مظنون الخمريّة، و كل مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه، و كذلك قولنا: هذا الفعل ممّا أفتى المفتي بتحريمه، أو قامت البيّنة على كونه محرّما، و كلّ ما كان كذلك فهو حرام.

____________

لمتعلّقه، كما هو المستفاد من كلامه (قدّس سرّه) حيث قال: (فقولنا: الظن حجّة، أو البيّنة حجّة، أو فتوى المفتي حجّة، يراد به كون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها) فتكون الأحكام هي الأكبر، و المتعلّقات هي الأصغر كالخمر مثلا.

و عبارة المصنّف (قدّس سرّه) حيث قال: (لإثبات أحكام متعلّقاتها) لا تخلو من مسامحة، لأنّها ظاهرة فيما إذا تعلّق الظن بالموضوع، كالخمر في المثال الأول فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه.

و الفعل في المثال الثاني، هذا الفعل ما أفتى المفتي بتحريمه، و كل ما افتى المفتي بتحريمه يجب الاجتناب عنه، فهذا الفعل يجب الاجتناب عنه، فلا تشمل المثال الثالث و هو قوله:

(أو قامت البيّنة على كونه محرّما، و كلّ ما كان كذلك فهو حرام).

إذ الظن في هذا المثال تعلّق بنفس الحكم، فلا يصدق عليه أنّه وسط لإثبات حكم متعلّقه لأنّ المتعلّق هو نفس الحكم، فكان على المصنف (قدّس سرّه) أن يقول: يراد به كون هذه الامور أوساطا لإثبات الأحكام، سواء كانت أوساطا لإثبات أحكام متعلّقاتها كالمثال الأول و الثاني، أو لإثبات الأحكام على الموضوعات كالمثال الثالث حيث تعلق الظن بنفس الحكم، و كيف كان، فتكون هذه الامور أوساطا لإثبات أحكام ظاهرية من سنخ الأحكام الواقعية الثابتة لمتعلّقات هذه الامور في الواقع.

ففي قولنا: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه. يكون الظن وسطا يوجب العلم بوجوب الاجتناب عن مظنون الخمرية، فيكون وجوب الاجتناب حكما ظاهريا، و الظن قد اخذ في موضوع هذا الحكم الظاهري دون الحكم الواقعي، فلا يرد عليه أنّ موضوع الحكم الواقعي هو الخمر فقط، فكيف اخذ الظن في موضوع الحكم في قولك: هذا مظنون الخمرية ... الى آخره؟ بل لا يعقل أن يؤخذ الظن في موضوع الحكم الواقعي مع فرض كونه مجرّدا عن أي قيد، إذ ثبوت الحكم الواقعي للموضوع المقيد

17

و هذا بخلاف القطع لأنّه إذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال: هذا واجب، و كلّ واجب يحرم‏

____________

مستلزم للخلف.

و من هنا يعلم الفرق بين الظن بالموضوع، كالظن بالخمرية، و بين القطع به حيث يقع الظن وسطا دونه، و ذلك لتصور الحكم الظاهري في مورد الظن، فيصح أن يجعل وسطا لإثبات الحكم الظاهري، و هذا بخلاف القطع حيث لا يقع وسطا لإثبات الحكم مطلقا لا الواقعي و لا الظاهري.

أمّا عدم وقوعه وسطا للحكم الواقعي فظاهر لأنّ المفروض أنّ القطع طريقي محض من دون أن يكون قيدا للموضوع، و معنى كونه وسطا للحكم الواقعي أنّه قد أخذ في الموضوع، و هذا مخالف للمفروض.

و أمّا عدم وقوعه وسطا لإثبات الحكم الظاهري فهو لعدم تصوّر الحكم الظاهري في مورد القطع، لأنّ موضوعه هو الشك المنتفي، فينتفي الحكم الظاهري، لأنّ الحكم ينتفي بانتفاء موضوعه.

فالحاصل أنّ الظن يصح أن يكون وسطا لإثبات الحكم الظاهري فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، و لا يصح أن يقال: هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، و ذلك لكذب الكبرى، لأنّ الحكم بوجوب الاجتناب يكون ثابتا في الواقع للخمر نفسه، لا للخمر المعلوم، فلا يصح أن يجعل القطع وسطا.

فتحصّل ممّا ذكرنا أمران:

الأمر الأول: عدم إطلاق الحجّة بما هو عند الاصولي أو المنطقي على القطع. نعم، يطلق عليه الحجّة بالمعنى اللغوي، و هو صحّة الاحتجاج به، اذ أن العقل يحكم بصحة احتجاج المولى على العبد إذا خالف القطع، كما يحكم بصحّة احتجاج العبد على المولى إذا عمل به، فحكم العقل بوجوب متابعة القطع يصحّح الاحتجاج.

الأمر الثاني: هو الفرق بين الحجّة بما هو عند المنطقي، و ما هو عند الاصولي، حيث يكون الثاني أعمّ من الأول لاعتبار وجود العلاقة بين الأوسط و الأكبر عند المنطقي فقط، كما تقدم، و بالجملة لا يصحّ أن يجعل القطع وسطا.

18

ضدّه أو تجب مقدّمته.

و كذلك العلم بالموضوعات، فإذا قطع بخمريّة شي‏ء، فيقال: هذا خمر، و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه، و لا يقال: إنّ هذا معلوم الخمريّة، و كل معلوم الخمريّة حكمه كذا، لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر، لا لما علم أنّه خمر.

____________

و حينئذ إذا قطع المكلف بوجوب شي‏ء (فيقال: هذا واجب، و كلّ واجب يحرم ضدّه أو تجب مقدمته ... إلى آخره).

ففي هذا المثال لو جعل القطع وسطا لم يكن الشكل الأول منتجا لعدم كونه واجدا للشرائط من جهة كذب الكبرى، كما تقدم في مثال الخمر، و يكون الشكل جامعا للشرائط لو لم يجعل القطع وسطا كالمثال المذكور في المتن، أعني: هذا واجب، و كل واجب يحرم ضدّه أو تجب مقدمته، فهذا يحرم ضدّه أو تجب مقدمته، فيكون الشكل الأول جامعا للشرائط لأنّ الصغرى وجدانية و الكبرى صادقة بالأدلّة التي ذكرت في مسألة الضد أو مقدمة الواجب، فتكون النتيجة مسلّمة.

و هكذا لا يصحّ أن يجعل القطع وسطا فيما إذا تعلّق بالموضوع كالقطع بالخمرية، بل يقال: هذا خمر، و كل خمر يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، فيكون الشكل الأول جامعا لشرائط الإنتاج، حيث تكون الصغرى وجدانية، و الكبرى صادقة بالأدلة الشرعية التي دلّت على حرمة الخمر.

و لا يصح أن يجعل القطع وسطا في المثالين المذكورين بأن يقال: هذا معلوم الوجوب أو الخمرية، و كل معلوم الوجوب يجب الإتيان به، و كل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه، حتى تكون النتيجة هو الإتيان بما هو معلوم الوجوب، و الاجتناب عمّا هو معلوم الخمرية.

و أمّا عدم صحّة جعل القطع وسطا في المثال الأول، فلأنّ الوجوب الذي تعلّق به القطع لا يخلو في الواقع عن أحد حالين:

1- إمّا ثابت لنفس الموضوع من دون تقييده بالعلم.

2- أو ثابت للموضوع المقيّد بكونه معلوما، و على كلا الحالين لا يصحّ أن يجعل وسطا.

19

و الحاصل أنّ كون القطع حجّة غير معقول لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.

هذا كلّه بالنسبة إلى حكم متعلّق القطع، و هو الأمر المقطوع به.

____________

أمّا على الأول فلأنّ الوسط- كما عرفت- يكون سببا للقطع بثبوت الأكبر. أي: الحكم للأصغر و هو الموضوع، و هذا القطع حاصل بالفرض، لأنّا نعلم الوجوب، فلو جعلناه وسطا لزم أن يكون القطع سببا لنفسه، فيلزم اتّحاد السبب و المسبّب، و هو محال و باطل، و قد أشار إليه بقوله: (و الحاصل أنّ كون القطع حجّة غير معقول لأنّ الحجّة ما يوجب القطع، فلا يطلق على نفس القطع).

و أمّا على الثاني، أي: على فرض ثبوت الوجوب للموضوع المقيّد بالعلم، فعدم صحة جعل القطع وسطا يكون من جهة أنّه طريق إلى الحكم، فيجب أن يكون الحكم و هو الوجوب ثابتا قبل تعلّق القطع به، فلو توقف الحكم على القطع من باب توقف كل حكم على موضوعه- و المفروض أن القطع قد اخذ في الموضوع- يلزم الدور الباطل، فلا يصحّ أن يجعل القطع وسطا. هذا تمام الكلام في المثال الأول.

و أمّا عدم صحة جعل القطع وسطا في المثال الثاني فلكذب الكبرى في الشكل الأول لو جعل وسطا، و ذلك بأن يقال: هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، لأنّ الحكم بوجوب الاجتناب مترتّب على الخمر نفسه في الأدلة حيث قال الشارع: الخمر حرام، كما في قوله تعالى‏ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ‏ (1) أي: يجب الاجتناب عن الخمر لا عن الخمر المعلوم، فهذا الشكل لم يكن جامعا لشرائط الانتاج، لكذب الكبرى فيه و إن كانت الصغرى وجدانية.

و قد أشار إلى هذا الاشكال بقوله: (لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر لا لما علم أنّه خمر) هذا أولا.

و ثانيا: إنّ جعل القطع وسطا مستلزم لتقدّم الشي‏ء على نفسه، فإنّ المفروض هو حرمة

____________

(1) المائدة: 90.

20

و أما بالنسبة إلى حكم آخر فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه، فيقال: إنّ الشي‏ء المعلوم بوصف كونه معلوما حكمه كذا، و حينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم لمتعلّقه و إن لم يطلق عليه الحجّة، إذا المراد بالحجّة في باب الأدلّة ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلّقه شرعا، لا لحكم آخر، كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها

____________

الخمر في الواقع قبل تعلّق القطع به، كما هو مقتضى كون القطع طريقا إلى الواقع، فلو جعل القطع وسطا و اخذ قيدا للموضوع لكان الحكم مترتّبا عليه، و متأخّرا عنه لتأخّره عن الموضوع، فيلزم ما قلناه: من تقدم الحكم على نفسه، و هو محال و باطل.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ القطع الطريقي المحض لا يصح أن يجعل وسطا سواء كان متعلّقا بالحكم أو بالموضوع.

(و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر فيجوز أن يكون القطع مأخوذا في موضوعه).

و من هنا يبدأ المصنف (قدّس سرّه) في بيان حكم القطع الموضوعي حيث يقع وسطا بالنسبة إلى حكم آخر فيطلق عليه الحجّة، و يتألف منه القياس في باب الأقيسة و يكون أشبه بالحجّة في الاصطلاح المنطقي، حيث يكون القطع المأخوذ في موضوع الحكم الآخر بجعله وسطا لإثباته بمنزلة العلّة لذلك الحكم.

لأنّ نسبة الموضوعات إلى الأحكام هي بمنزلة العلل إلى معلولاتها و إن لم تكن العلل الحقيقية، الّا أنّه لمكان عدم تخلّف الحكم عن الموضوع كان الموضوع بمنزلة العلّة.

فالحاصل هو صحة جعل القطع الموضوعي وسطا لحكم آخر.

و الكلام يتّضح في بيان مراد المصنف (قدّس سرّه) من‏ (حكم آخر) و ذلك يتمّ بعد تقديم مقدّمة، و هي:

إن الحكم ينقسم باعتبار موضوعه إلى قسمين:

أحدهما: ما تقدم من أنّ الموضوع هو ذات الشي‏ء من دون أن يكون العلم أو الجهل قيدا له، فقد عرفت أنّ القطع لا يصح أن يقع وسطا بالنسبة إلى هذا الحكم لأنّ المفروض هو ثبوته لذات الموضوع، لا الموضوع مع قيد العلم، فيكون جعل القطع وسطا مستلزما للخلف باعتبار أخذ القطع قيدا للموضوع، و هو خلاف المفروض.

و ثانيهما: أن يكون الموضوع مقيّدا بالعلم فيكون الحكم ثابتا للموضوع المقيد، فيصح‏

21

خمرا، لا على نفس الخمر، و كترتّب وجوب الإطاعة عقلا على معلوم الوجوب لا الواجب الواقعيّ.

____________

أن يجعل القطع وسطا لهذا الحكم.

إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك أنّ مراده من‏ (حكم آخر) هو هذا القسم لا القسم الأول.

و المراد من القطع هو القطع الموضوعي، فيكون موضوع هذا الحكم مركّبا من أمرين:

أي: ذات و علم، كما إذا فرضنا أنّ موضوع الحكم بوجوب الاجتناب هو الخمر المعلوم لا ذات الخمر، فحينئذ يصح أن يقال: هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، أو يقال: كل معلوم الخمرية حرام فهذا- أي معلوم الخمرية- حرام.

فلا بدّ أن يكون المشار إليه كما فسّرناه هو معلوم الخمرية لثبوت الحكم للخمر المعلوم لا لذات الخمر، و هذا بخلاف باب الظن و جعله وسطا، حيث يكون المشار اليه ذات الخمر فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا- أي الخمر- يجب الاجتناب عنه، فيكون اطلاق الحجّة على الظن على نحو الحقيقة، لأنّ الحجّة عند الاصولي- كما تقدم- هو ما يكون وسطا لإثبات الأكبر، أي: الحكم للأصغر، أي: الموضوع.

و الظن في المثال المذكور يكون كذلك، فإنّه مثبت لحكم متعلّقه شرعا، و لا يكون إطلاق الحجّة على القطع الموضوعي على نحو الحقيقة لأنّه مثبت لحكم آخر لا لحكم متعلّقه، فيكون إطلاق الحجّة عليه من باب المسامحة.

و بعبارة اخرى: إنّ كل ما يقع وسطا لا يسمّى حجّة، بل الحجّة في باب الأدلة ما يكون وسطا لثبوت الأكبر، أي: الحكم للأصغر، أي: الموضوع وحده، أي: لذات الموضوع، لا له مع قيد آخر، فيختص بالظن لأنّه في المثال المتقدم يكون وسطا لثبوت الحكم بوجوب الاجتناب للخمر وحده، حيث قلنا: إن المشار إليه في قولنا: فهذا يجب الاجتناب عنه، هو نفس الخمر لا الخمر المظنون.

و هذا بخلاف القطع حيث يقع وسطا لثبوت الحكم على الموضوع المقيّد- أي: الخمر

22

و بالجملة فالقطع قد يكون طريقا للحكم، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم.

____________

المعلوم- لا الخمر وحده، كما فسّرنا المشار إليه بقولنا: فهذا- أي: معلوم الخمرية- يجب الاجتناب عنه.

و من هنا ظهر وجه ما ذكرناه من أنّ إطلاق الحجّة على الظن على نحو الحقيقة، و على القطع الموضوعي على نحو المسامحة.

فظهر مما ذكرناه أنّ القطع على قسمين: أحدهما: طريقي، و ثانيهما: موضوعي، و سمّي الثاني بالموضوعي لكونه مأخوذا في موضوع الحكم.

(و بالجملة فالقطع قد يكون طريقا للحكم، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم) و الأول يسمى بالقطع الطريقي، و الثاني بالموضوعي.

فالمصنف (قدّس سرّه) قد أشار إلى تقسيم القطع إلى الطريقي و الموضوعي أولا، و إلى الفرق بينهما ثانيا، فلا بدّ لنا أن نبيّن أقسام القطع الموضوعي قبل بيان الفرق بينه و بين الطريقي المحض، فنقول:

إن القطع الموضوعي يكون على أربعة أقسام، و ذلك لأنّ القطع يكون من الأوصاف ذات الإضافة، و ليس صفة محضة كالعدالة و الشجاعة، بل فيه جهتان: جهة أنّه صفة من أوصاف النفس، و جهة أنّه كاشف عن الواقع المقطوع حكما أو موضوعا.

و حينئذ إذا اخذ في موضوع حكم من الأحكام، فقد يؤخذ من الجهة الاولى فيسمّى بالقطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية، و قد يؤخذ من الجهة الثانية فيسمّى بالمأخوذ في الموضوع على وجه الطريقية، و على كلا التقديرين يمكن أن يكون تمام الموضوع أو جزءه، فتصبح الأقسام أربعة، ثم الفرق بينها يتلخّص في جهتين:

الاولى: الفرق بين ما يؤخذ على نحو الصفتية، و ما يؤخذ على وجه الطريقية.

و الثانية: الفرق بين ما يؤخذ تمام الموضوع و ما يؤخذ جزء له.

و أمّا الفرق من الجهة الاولى فواضح، إذ معنى أخذ القطع بعنوان الصفتية أنّه اخذ في الموضوع باعتبار وجوده الخاص الذي هو من مقولة الكيف النفساني، و معنى أخذه بعنوان الطريقية أنّه اخذ فيه باعتبار كونه طريقا إلى ما تعلّق به و كاشفا عنه، و لهذا سمّي بالقطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقية.

23

و أمّا الفرق من الجهة الثانية، فلأن لازم القطع المأخوذ تمام الموضوع هو تحقق الحكم حين وجود القطع لتحقق موضوعه، و لا فرق في ثبوت الحكم بين أن يكون القطع مطابقا للواقع أو لم يكن مطابقا له لأنّ الموضوع هو نفس القطع من دون دخالة الواقع في ثبوت الحكم أصلا، كالقطع المأخوذ في موضوع جواز الاقتداء بالعادل فيجوز الاقتداء، و إن لم يكن الإمام عادلا في الواقع، فإذا انكشف الخلاف لا يجب عليه القضاء.

و هذا بخلاف القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الجزئية، حيث يكون معناه أنّ القطع أحد جزئي الموضوع، و جزؤه الآخر هو الواقع، فيكون لازمه ثبوت كلا الأمرين، أي: القطع و الواقع معا، فلا بدّ أن يكون مطابقا للواقع، فإذا لم يكن مطابقا له انتفى الحكم، إذ الحكم كما ينتفي بانتفاء تمام الموضوع كذلك ينتفي بانتفاء جزئه، فإذا انتفى القطع ينتفي الحكم أيضا.

و كذلك إذا قطع المكلّف و لم يكن قطعه مطابقا للواقع ينتفي الحكم، و مثال ذلك: هو القطع المأخوذ في موضوع جواز الطلاق عند العدلين، فلا بدّ للمطلّق أن يقطع بالعدالة، و يكون قطعه مطابقا للواقع.

و بالجملة: إنّ القطع قد يؤخذ تمام الموضوع، فيدور الحكم مداره وجودا و عدما صادف الواقع أم لا، و قد يؤخذ جزء الموضوع، فيكون للواقع دخل في ثبوت الحكم و على كلا التقديرين يمكن أن يؤخذ على نحو الصفتية أو على وجه الطريقية.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ أقسام القطع خمسة:

الأول: هو القطع الطريقي المحض.

الثاني: هو ما يكون مأخوذا في الموضوع على نحو الصفتية حال كونه تمام الموضوع، كما إذا فرض ثبوت حرمة الشرب لمقطوع الخمرية و إن لم يكن خمرا في الواقع.

الثالث: هو ما يؤخذ جزء للموضوع على نحو الصفتية، كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائية و الثلاثية و الركعتين الأوليين من الرباعية.

الرابع: هو ما يؤخذ جزء للموضوع على نحو الطريقية.

24

ثم ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه، إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه، فتترتّب عليه أحكام متعلّقه، و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، لأنّه مستلزم للتناقض.

____________

الخامس: ما يؤخذ تمام الموضوع على وجه الطريقية.

هذا كلّه فيما إذا تعلّق القطع بموضوع خارجي.

و أمّا إذا تعلّق بحكم شرعي كوجوب الصلاة مثلا، فيمكن أخذه موضوعا لحكم آخر غير ما تعلّق به، كوجوب التصدق مثلا حيث يؤخذ في موضوعه القطع بوجوب الصلاة، كما لو ورد في الشرع: إذا قطعت بوجوب الصلاة فيجب عليك التصدق، و يأتي في هذا الفرض جميع الأقسام الجارية في تعلّق القطع بموضوع خارجي. ثم إنّ جميع الأقسام المتصوّرة في القطع الموضوعي ممكنة من دون محذور.

إلّا أنّه يظهر من بعض الإشكال في أخذ القطع تمام الموضوع على وجه الطريقية حيث قال بعدم الإمكان لأنّ أخذه في الموضوع كذلك مستلزم للجمع بين متنافيين، و ذلك لأنّ معنى أخذه في الموضوع على وجه الطريقية و الكاشفية عن الواقع هو أنّ لثبوت الواقع المنكشف دخلا في تحقق الحكم، و معنى كونه تمام الموضوع عدم دخل الواقع في تحقق الحكم، بل الحكم يترتّب على القطع سواء كان هناك واقع أم لم يكن، و ليس هذا الّا الجمع بين المتنافيين و المتناقضين.

و بعبارة أخرى: أخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ الواقع، و يكون النظر في الحقيقة إليه، و كونه تمام الموضوع يقتضي عدم لحاظ الواقع أصلا، و هذا يستلزم الجمع بين المتناقضين.

فعلى فرض قبول هذا الإشكال تكون الأقسام الممكنة في القطع الموضوعي ثلاثة، و مع القطع الطريقي المحض تكون الاقسام أربعة، و المصنف (قدّس سرّه) لم يتعرض إلّا إلى قسمين منها:

أحدهما: ما يكون مأخوذا في الموضوع على وجه الطريقية.

و الثاني: على نحو الصفتية.

(ثم ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته من حيث القاطع و المقطوع به‏

25

فإذا قطع كون مائع بولا- من أيّ سبب كان- فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته او عدم وجوب الاجتناب عنه، لأنّ المفروض أنّه بمجرّد القطع يحصل له صغرى و كبرى، أعني قوله: هذا بول، و كلّ بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له.

إلّا إذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ما علم بوليّته على وجه خاصّ من حيث السبب أو الشخص أو غيرهما، [فخرج العلم حينئذ عن كونه طريقا] و يكون مأخوذا في الموضوع، و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره مطلقا أو على وجه خاصّ دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه.

فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به، بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة للانكشاف، كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فإنّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة أو المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسنا أو قبيحا عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده.

____________

و أسباب القطع و أزمانه ... إلى آخره).

هذا الكلام من المصنف (قدّس سرّه) إشارة إلى الفرق بين القطع الطريقي المحض و الموضوعي و يمكن الفرق بينهما بوجوه:

الأول: ما تقدّم من أنّ القطع الطريقي لا يقع وسطا، فلا يطلق عليه الحجّة بما هو عند الاصولي، و هذا بخلاف القطع الموضوعي حيث يقع وسطا و يطلق عليه الحجّة و لو مسامحة.

و الثاني: ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) حيث قال: لا يفرق فيه، أي: في الطريقي بين أفراده، و أسبابه و أزمانه، فإنّه حجّة مطلقا، و لا يمكن التصرف فيه أصلا، لما عرفت من أن حجّيته كطريقيّته غير قابلة لتعلّق الجعل نفيا و إثباتا.

و هذا بخلاف القطع الموضوعي حيث تكون حجّيته تابعة لدلالة الدليل الدال على اعتباره، و أخذه في الموضوع سعة و ضيقا، فقد يدل الدليل على أخذ خصوص القطع من جهة القاطع أو السبب، أو غيرهما في الموضوع و قد يدل على أخذ مطلق القطع في الموضوع من دون كونه مقيّدا بشي‏ء من الخصوصيات كما في المتن.

26

و كما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنّه خمر، أو نجاسته بقول مطلق، بناء على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيّتين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم، لا في نفس الأمر، كما هو قول بعض.

و قد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ أو شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز العمل في الشرعيّات بالعلم غير الحاصل من الكتاب و السّنة كما سيجي‏ء، و ما ذهب إليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى.

و أمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم غير القاطع كثيرة، كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعي إذا علم به من الطرق الاجتهاديّة المعهودة، لا من مثل الرمل و الجفر، فإنّ القطع الحاصل من هذه و إن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه، إلّا أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك، و كذلك العلم الحاصل للمجتهد الفاسق أو غير الإمامي من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة، فإنّه لا يجوز للغير العمل بها؛ و كحكم الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ، لا من الحدس، إلى غير ذلك.

ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعيّة و الاصول العمليّة مقامه في العمل.

____________

الثالث: ما أشار إليه بقوله: (ثم من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية و الاصول العمليّة مقامه في العمل) و في بعض النسخ [و بعض الاصول العملية] و الصحيح هو قيام بعض الاصول كالاستصحاب مقام القطع الطريقي لا جميعها، و ذلك لأنّ الاصول على قسمين:

أحدهما: هي الاصول المحرزة.

و ثانيهما: غير المحرزة.

الاصول المحرزة: هي التي تقوم مقام القطع، إذ فيها جهة يحرز بها الواقع فتشابه القطع، و لهذا تقوم مقامه كالاستصحاب.

و أمّا الاصول غير المحرزة كالبراءة فلا تقوم مقام القطع أصلا.

و بالجملة: إنّ الأمارات الشرعية كخبر الواحد- مثلا- و بعض الاصول العملية

27

بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة فإنّه تابع لدليل ذلك الحكم، فإن ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقيّة للموضوع- كالأمثلة المتقدّمة- قامت الأمارات و الاصول مقامه.

و إن ظهر منه اعتبار صفة القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره، كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في‏

____________

كالاستصحاب- مثلا- تقوم مقام القطع الطريقي.

و هذا بخلاف القطع الموضوعي‏ (فإنّه تابع لدليل ذلك الحكم، فإن ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع- كالأمثلة المتقدّمة- قامت الأمارات و الاصول مقامه) كأن يكون لسان الدليل الدال على الحكم: اجتنب عن الخمر المنكشف بالقطع، ثم قام الدليل على كون هذا القطع المأخوذ في موضوع وجوب الاجتناب عن الخمر طريقيا، فتقوم الأمارات مقام هذا القسم من القطع الموضوعي.

ثم اعلم أنّ محل الكلام في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي هو قيامها مقامه بنفس الأدلة الدالة على اعتبارها؛ لأن قيامها مقامه بالدليل الخاص لا كلام فيه، فيقع الكلام في أنّ الأمارات بنفس الأدلة الدالة على الاعتبار، هل تقوم مقام القطع أم لا؟

و حينئذ فلا بدّ من البحث عن مفاد أدلة الاعتبار فنقول: الأمارات كلّها فيها طريقية ناقصة، بمعنى أنّها طريق إلى الواقع مع احتمال مخالفتها له، فأدلة اعتبارها تلغي هذا الاحتمال، فنزّلت الأمارات بعد إلغاء احتمال خلافها للواقع بأدلة الاعتبار بمنزلة العلم، فمعنى كونها حجّة هو عدم الاعتناء باحتمال مخالفتها للواقع، فيجب العمل على طبقها، و على هذا تقوم مقامه بنفس أدلة الاعتبار.

فلو فرضنا أنّ الشارع حكم بحرمة نفس الخمر، و المكلّف قطع بخمريّة شي‏ء، فيكون قطعه هذا طريقيا، لوجب عليه العمل به، فإن لم يحصل له القطع بالخمرية و لكن قامت البيّنة عنده عليها، تقوم هذه البينة مقام القطع إذ الشارع قد جعل لها كشفا تاما، فيقوم الكشف التام الجعلي مقام الكشف التام الذاتي، فإن انتفت الأمارة- أيضا- كالقطع، و لكن اقتضى الاستصحاب خمريّته فيعمل به، لأنّ الشارع نزّل مقتضى الاستصحاب منزلة الواقع، فيقوم ما يحرز به الواقع تعبّدا مقام ما يحرز به الواقع وجدانا.

28

حفظ عدد الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة، فإنّ غيره- كالظن بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد- لا يقوم مقامه إلّا بدليل خاصّ خارجيّ، غير أدلّة حجّيّة مطلق الظن في الصلاة و أصالة عدم الأكثر.

و من هذا الباب عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد على قول، و إن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا، لأنّ العلم بالمشهود به مأخوذ في مقام العمل على وجه الطريقيّة، بخلاف مقام أداء الشهادة، إلّا أن يثبت من الخارج أنّ كلّ ما يجوز العمل به من الطرق الشرعيّة يجوز الاستناد إليه في الشهادة كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد.

____________

نعم، الاصول غير المحرزة، و هي ما حكم الشارع بمجرد العمل على وفقها من دون تنزيل مقتضاها منزلة الواقع كأصالة البراءة و التخيير، فلا تقوم مقام القطع لأنّ مفاد أدلتها هو مجرد الرخصة، و عدم المنع لا تنزيلها منزلة الواقع، بل لا يعقل التنزيل فيها.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الأمارات تقوم مقام مطلق القطع الطريقي سواء كان طريقيا محضا أو مأخوذا في الموضوع على نحو الطريقية، و لا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية لأنّ أدلة اعتبارها لم تجعلها صفة القطع، فيكون مقتضى الأدلة الدالة على اعتبارها هو قيامها مقام القطع الطريقي مطلقا.

هذا هو المستفاد من كلام المصنف (قدّس سرّه) مقابل من قال بعدم قيام الأمارات مقام القطع مطلقا، و من قال بقيامها مقامه مطلقا، و بجميع أقسامه الأربعة.

حيث قال المصنف (قدّس سرّه): إن الأمارة لا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية (الّا بدليل خاص خارجي) كما إذا دلّ الدليل على جواز قيام الظن مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتية فنلتزم به.

(و من هذا الباب عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة أو اليد على قول).

أي: من باب اعتبار صفة القطع في الموضوع عدم جواز أداء الشهادة استنادا إلى البيّنة.

و توضيح المقصود يحصل بعد تقديم مقدمة و هي: أنّ في باب الشهادة مقامين:

أحدهما: مقام أداء الشهادة.

و ثانيهما: مقام عمل الشاهد بقطعه.

29

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو نذر أحد أن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ولده، فانّه‏

____________

ثم إنّ القطع في المقام الأول قد اخذ في موضوع جواز الشهادة على نحو الصفتية و في المقام الثاني يكون القطع طريقيا.

إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك أنّ القطع في المقام الأول لمّا كان مأخوذا في الموضوع على وجه الصفتية لا يجوز للشاهد الاستناد إلى البيّنة، فلا بدّ له من الاستناد إلى القطع، فإذا كان قاطعا جاز له أداء الشهادة و إلّا فلا.

نعم، يجوز له الاستناد إلى البيّنة في المقام الثاني، و هو مقام العمل بالقطع لأنّ القطع فيه طريقي فتقوم البيّنة مقامه، كما تقدّم.

(كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد).

و هي من الروايات المشهورة، رواها حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال له رجل:

إذا رأيت شيئا في يد رجل أ يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: (نعم)، قال الرجل: أشهد أنّه في يده، و لا أشهد أنّه له، فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (أ فيحلّ الشراء منه؟) قال: نعم، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (فلعلّه لغيره، من أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك:

هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك)، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): (و لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق!) (1).

فالمستفاد من هذه الرواية هو ثبوت التلازم بين جواز العمل و هو الشراء و بين جواز أداء الشهادة، فدلالة الرواية على جواز الاستناد إلى اليد في الشهادة ممّا لا تخفى، بل تدل على جواز الاستناد في الشهادة إلى كلّ ما يجوز الاستناد إليه في مقام العمل، كما يظهر من كلام المصنف (قدّس سرّه).

و ظاهر قول الإمام (عليه السلام) حيث قال: (من أين جاز لك أن تشتريه) هو ثبوت التلازم بين ترتيب أحكام الملك بمقتضى الأمارات الشرعية، و بين جواز الشهادة من غير اختصاص ذلك باليد، و إن وقعت موردا للسؤال.

(و ممّا ذكرنا يظهر) أي: و ممّا ذكرنا من أنّ الأمارات لا تقوم مقام القطع المأخوذ في‏

____________

(1) فروع الكافي 7: 387/ 1. الوسائل 27: 292، أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ب 25، ح 2.

30

لا يجب التصدّق عند الشكّ في الحياة، لأجل استصحاب الحياة، بخلاف ما لو علّق النذر بنفس الحياة، فانّه يكفي في الوجوب الاستصحاب.

ثم إنّ هذا الذي ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة و أخرى على وجه الموضوعيّة، جار في الظنّ أيضا، فإنّه و إن فارق العلم في كيفيّة الطريقيّة- حيث إنّ العلم طريق بنفسه، و الظنّ المعتبر طريق بجعل الشارع، بمعنى كونه وسطا في ترتّب أحكام متعلّقه، كما أشرنا اليه سابقا- لكنّ الظنّ قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه، و قد يؤخذ

____________

الموضوع على نحو الصفتية، يظهر أنّه لو نذر أحد (أن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ولده) بأن يقول: للّه عليّ أن أتصدّق كل يوم درهما ما دمت متيقّنا بحياة ولدي، فيجب عليه التصدق بما ذكر، و قد اخذ اليقين في موضوع وجوب التصدّق.

و الظاهر أنّ لصفة اليقين دخلا في الحكم، فيكون القطع وصفيا فلا يجب عليه التصدق عند الشك في الحياة لأجل الاستصحاب، و ذلك لما تقدّم من عدم قيام الاستصحاب مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتية.

نعم، لو علّق الحكم المزبور بنفس الحياة لكان القطع- حينئذ- طريقيا، فلازم ذلك أنّه يجب التصدّق ما دام كونه متيقّنا بالحياة بمقتضى القطع و التيقّن، و يجب التصدّق عليه عند الشك بمقتضى الاستصحاب لقيامه مقام القطع الطريقي.

(ثم إنّ هذا الذي ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة و أخرى على وجه الموضوعية) أي: الصفتية (جار في الظن أيضا).

و هذا الكلام من المصنف (قدّس سرّه) إشارة إلى بيان أقسام الظن، و ظاهر كلامه (قدّس سرّه) هو أن حال الظن يكون كحال القطع المأخوذ في الموضوع في كونه على أربعة أقسام، غاية الأمر بينهما افتراق من جهتين، و كذلك اشتراك من جهتين.

فيشترك الظن مع القطع:

أولا: في الطريقية، إذ فيه جهة الطريقية إلى الواقع و إن كانت طريقيّته ناقصة، و هذا بخلاف الشك حيث ليس فيه جهة الكشف أصلا.

و ثانيا: في صحة أخذه موضوعا للحكم الواقعي.

و يفترق عن القطع:

31

موضوعا للحكم، [سواء كان موضوعا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر تقوم مقامه سائر الطرق الشرعيّة، فيقال حينئذ: إنّه حجّة؛ و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه‏

____________

أولا: من جهة أنّ القطع تكون حجّيته ذاتية لا تنالها يد الجعل نفيا و إثباتا، و هذا بخلاف الظن حيث تكون حجّيته جعلية.

ثانيا: من جهة أنّ القطع لا يمكن أن يؤخذ في موضوع الحكم الظاهري لأنّ موضوع الحكم الظاهري هو الشك و القطع رافع له فكيف يمكن أن يؤخذ فيه؟

هذا بخلاف الظن حيث يصح أن يؤخذ موضوعا للحكم الظاهري لأنّ موضوعه هو عدم العلم الشامل للظن، ثم هذا الحكم الظاهري يمكن أن يكون مطابقا للواقع بأن يكون الحكم الظاهري و الواقعي من سنخ الوجوب أو الحرمة، فحينئذ يكون الظن موضوعا لحكم متعلّقه، و يمكن أن يكون مخالفا للواقع بأن يكون أحدهما الحرمة و الآخر الحلّية، فحينئذ يكون الظن موضوعا لحكم آخر، أي: غير متعلّقه.

و قد أشار إلى الأول- أي: توافق الحكمين- بقوله: (موضوعا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه).

و إلى الثاني- أي: تخالفهما- بقوله: (أو لحكم آخر).

اعلم أنّ ما في شرح الاعتمادي أوضح ممّا ذكرنا، حيث قال في مثال الأول: كوجوب الصلاة إلى مظنون القبلة لو علم من القرائن أن الظن يكون طريقيا، ثم جعل نفس هذا المثال مثالا لكون الظن وصفيا بالقرينة أو لحكم آخر، بأن يقول الشارع: إذا ظننت بخمريّة شي‏ء يجب عليك التصدّق، يكون الظن طريقيا لو علم من القرائن اعتباره كذلك، أو يكون وصفيا لو علم من الخارج اعتباره كذلك.

(تقوم مقامه سائر الطرق الشرعية).

يعني تقوم سائر الطرق الشرعية مقام الظن اذا اخذ في الموضوع على نحو الطريقية.

(و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقية).

يعني يؤخذ على نحو الصفتية، فتارة يؤخذ موضوعا لحكم متعلّقه كوجوب الصلاة إلى مظنون القبلة إذا علم من القرائن بأن الظن هنا وصفي، و يظهر الفرق بين كونه وصفيا أو طريقيا فيما إذا كشف الخلاف، فتجب الإعادة على الثاني دون الأول، و قد يؤخذ موضوعا

32

الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر و لا يطلق عليه الحجّة حينئذ] فلا بدّ من ملاحظة دليل ذلك ثم الحكم بقيام غيره من الطرق المعتبرة مقامه، لكنّ الغالب فيه الأوّل.

____________

لحكم آخر كوجوب التصدّق فرضا عند الظن بخمرية شي‏ء إذا علم من القرائن أنّ الظن اعتبر على وجه الصفتية، (و لا يطلق عليه الحجّة حينئذ) لأنّه ليس طريقا لإثبات الحكم، بل إنّه صفة خاصة كسائر الصفات، و لا تقوم سائر الطرق الشرعية مقامه.

(فلا بدّ من ملاحظة دليل ذلك).

أي: مطلق الظن المأخوذ في الموضوع، فإذا استفدنا من الدليل أنّه وصفي لا يطلق عليه الحجّة، و لا تقوم الطرق الشرعية مقامه، (لكن الغالب فيه الأول) أي: الغالب في الظن بحكم الاستقراء هو الطريقي.

***

33

تنبيهات و ينبغي التنبيه على امور:

الأول: هل القطع حجّة سواء صادف الواقع أم لم يصادف؟

إنّه قد عرفت أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الأدلّة المثبتة لأحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها فيقطع بالنتيجة، فإذا قطع بكون شي‏ء خمرا و قام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة، فيقطع بحرمة ذلك الشي‏ء.

____________

[ينبغي التنبيه على امور]

[الأول هل القطع حجّة سواء صادف الواقع أم لم يصادف‏]

(و ينبغي التنبيه على امور).

و قبل البحث عن التجرّي لا بدّ من ذكر أمرين:

الأمر الأول: أن بحث التجرّي هل هو من المسائل الاصولية أو من المسائل الكلامية، أو من المسائل الفقهية؟

الأمر الثاني: هو بيان الفرق بين التجرّي و المعصية و كذلك بين الانقياد و الإطاعة.

أمّا الأمر الأول، فنقول: إنّ مسألة التجرّي يمكن أن تكون من المسائل الكلامية، فيبحث فيها عن استحقاق المتجرّي للعقاب و عدم استحقاقه له، و يمكن أن تكون من المسائل الفقهية، فيبحث فيها عن أنّ الفعل المتجرّى به هل يكون محرّما أم لا؟

و يمكن أن تجعل من المسائل الاصولية، فيبحث فيها عن أن التجرّي هل يوجب قبح الفعل المتجرّى به فيترتّب عليه الحكم بالحرمة، فتقع في طريق استنباط الحكم الشرعي فتكون من المسائل الاصولية؟

أمّا الأمر الثاني، فنقول: إنّ التجرّي لغة هو أعمّ من المعصية لأنّه عبارة عن الطغيان و التمرد الشامل للعصيان، و كذلك يكون الانقياد أعمّ من الإطاعة، هذا بحسب اللغة.

و أمّا بحسب الاصطلاح الاصولي يكون التجرّي مباينا للعصيان، و هكذا يكون الانقياد مباينا للإطاعة، و ذلك أنّ التجرّي عند الاصوليين هو مخالفة القطع غير المصادف للواقع، أو مخالفة مطلق الحجّة غير المصادف للواقع، و المعصية تكون بالعكس، و كذلك بالنسبة إلى الانقياد و الإطاعة، فالأول هو موافقة القطع غير المصادف للواقع. و الثاني بالعكس.

34

لكنّ الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع و إن كان مخالفا للواقع في علم اللّه فيعاقب على مخالفته، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع؟ بمعنى أنّه لو شرب الخمر الواقعيّ عالما عوقب عليه، في مقابل من شربها جاهلا، لا أنّه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا و إن لم يكن خمرا في الواقع.

ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتّفاق على الأوّل، كما يظهر من دعوى جماعة

____________

هذا تمام الكلام في الأمرين.

فيقع الكلام في تحرير ما هو محل النزاع في المقام.

و الظاهر هو عدم الخلاف في حجّية القطع، بمعنى صحة الاحتجاج من المكلّف على الشارع في مورد الإطاعة و الانقياد، و من الشارع على المكلّف في مورد المعصية، و إنّما النزاع في حجّية القطع للشارع على المكلّف فيما إذا خالفه و كان مخالفا للواقع، هل يكون قطعه هذا حجّة حتى يعاقب على المخالفة أم ليس بحجّة؟ فيكون معنى الحجّة في قوله (رحمه اللّه) (في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من الشارع؟) أنّه كان للشارع أن يحتج به عليه، و يعاقبه عند مخالفته لقطعه و إن كان جهلا مركبا. و فيه وجوه و أقوال:

قال المصنّف (رحمه اللّه): إنّ التجرّي لا يقتضي شيئا سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل و خبث باطنه الذي لا يترتب عليه سوى اللوم، كالبخل و الحسد و نحوهما من الأوصاف المذمومة التي لا يترتب عليها استحقاق العقوبة ما لم تظهر في الخارج، مع بقاء العمل المتجرّى به على ما هو عليه من الحكم قبل تعلّق القطع به.

و قيل: باقتضاء التجرّي لاستحقاق العقوبة على مجرد العزم على العصيان محضا، لا على الفعل المتجرّى به نظرا إلى أنّ التجرّي من المحرمات الجنانية لا الجوارحية كما في الكفاية.

و قيل: باقتضائه لاستحقاق العقوبة على نفس التجرّي، أعني: الفعل المتجرّى به لا على العزم من جهة انطباق عنوان الطغيان عليه.

و المحصّل في محل النزاع أن التجرّي هل يوجب استحقاق العقوبة أم لا؟

اختار المصنف (رحمه اللّه) الاحتمال الثاني، و اختار كثير من الأصحاب الاحتمال الأول، كما أشار إليه بقوله:

35

الإجماع على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى و إن انكشف بقاء الوقت، فإنّ تعبيرهم بظنّ الضيق لبيان أدنى فردي الرجحان، فيشمل القطع بالضيق.

نعم، حكي عن النهاية و شيخنا البهائي التوقف في العصيان، بل في التذكرة: «لو ظنّ ضيق الوقت عصى لو أخّر إن استمرّ الظنّ، و إن انكشف خلافه فالوجه عدم العصيان» انتهى.

و استقرب العدم سيّد مشايخنا في المفاتيح، و كذا لا خلاف بينهم ظاهرا في أنّ سلوك الطريق المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه و لو بعد انكشاف عدم‏

____________

(ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتّفاق على الأول) أي: حجّية القطع مطلقا و إن كان مخالفا للواقع، و ذكروا في توجيه ذلك وجوها:

منها: إنّ مناط استحقاق العقوبة هو إظهار التمرد و الطغيان على المولى و هتك حرمته، فمن قطع بخمرية مائع فشربه عدّ عاصيا لانطباق تلك العناوين عليه، فاستحقاق العقاب ليس لأجل المصادفة في مورد المعصية بل لأجل انطباق العناوين المذكورة.

و منها: ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) حيث قال: (الاتّفاق على الأول) و هذا الاتفاق الذي ذكره الاصوليون في مقام آخر يكون دليلا على المقام بالأولوية، و ذلك من اعتقد ظنا بأنّه لم يبق من الوقت الّا مقدار أداء الصلاة الواجبة يجب عليه العمل بالظن، فلو خالفه و أخّرها عدّ عاصيا بالإجماع، صادف اعتقاده الواقع أو لم يصادف بأن انكشف بقاء الوقت، و ليس هذا الّا لكونه حجّة مطلقا، فإذا ثبت بهذا الإجماع حجّية الظن مطلقا تثبت حجّية القطع كذلك بطريق أولى، لأنّه يكون أقوى من الظن، فإذا كانت مخالفة الظن مطلقا موجبة للعقاب كانت مخالفة القطع توجب استحقاق العقوبة بطريق أولى.

(نعم، حكي عن النهاية) هذا من المصنّف (رحمه اللّه) ردّ للإجماع لوجود المخالف في المسألة.

و منها: ما ذكره (رحمه اللّه) بقوله: (و كذا لا خلاف بينهم ظاهرا ... إلى آخره).

هذا هو الاتفاق الثاني الذي يدل على المقام بطريق أولى.

و بيان ذلك: إنّ الفقهاء حكموا بأنّ من سلك طريقا مظنون الضرر يجب عليه إتمام الصلاة لكون سفره سفر معصية و لو انكشف عدم الضرر، و هذا لا يتمّ إلّا بناء على حرمة

36

الضرر فيه، فتأمّل، و يؤيّده بناء العقلاء على الاستحقاق و حكم العقل بقبح التجرّي.

و قد يقرّر دلالة العقل على ذلك: بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا، و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر، فأمّا أن يستحقّا العقاب، أو لا يستحقّه أحدهما، أو يستحقّه من‏

____________

التجرّي، كمسألة ظن ضيق الوقت، فتكون حرمة التجرّي في مورد القطع بطريق أولى.

(فتأمّل) لعلّه إشارة إلى خروج هذا الظن عمّا نحن فيه لأنّ الظن في هذا المورد موضوعي و بحثنا في القطع الطريقي.

و منها: (و يؤيّده بناء العقلاء).

يعني: يؤيّد الإجماع بناء العقلاء على استحقاق المتجرّي للعقاب و المذمّة، فحكم العقلاء باستحقاق العقاب لمن خالف قطعه دليل على حجّية هذا القطع.

(و حكم العقل بقبح التجرّي).

يعني و منها: حكم العقل بقبح التجرّي، فإذا كان التجرّي قبيحا كان المتجرّي مستحقا للعقاب، و ليس هذا إلّا لأجل حجّية القطع المخالف للواقع، إذ العقاب على مخالفة ما ليس بحجّة قبيح جزما.

الفرق بين بناء العقلاء، و حكم العقل هو أنّ الأول حكم اجتماعي، و الثاني حكم انفرادي، بمعنى: إنّ كل عاقل يحكم بمقتضى عقله مع قطع النظر عن حكم سائر العقلاء، و يمكن الفرق بينهما بالإجمال و التفصيل حيث إنّ في حكم العقل لا بدّ أن يكون عنوان حكمه و منشؤه معلوما، إذ من المحال أن يحكم حاكم- عقلا أو شرعا- بشي‏ء لا يعلم مدركه و عنوانه، هذا بخلاف بناء العقلاء فإنّه فيه الكشف من حكم العقل إجمالا، و أمّا ملاكه ما ذا؟ فليس بمعلوم.

(و قد يقرّر دلالة العقل على ذلك ... إلى آخره).

قال (رحمه اللّه): إذا فرضنا شخصين قاطعين، بأن قطع أحدهما بكون مائع معيّن خمرا، و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا، فشرباهما، فاتّفق مصادفة أحدهما للواقع، و مخالفة الآخر له، فأمّا أن يستحقّا العقاب أو لا يستحقّاه كلاهما، أو يستحقّه من صادف قطعه الواقع و هو شارب الخمر دون الآخر الذي هو شارب الخل مثلا.

37

صادف قطعه الواقع دون الآخر، أو العكس. لا سبيل إلى الثاني و الرابع، و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، و هو مناف لما يقتضيه العدل، فتعيّن الأوّل.

و يمكن الخدشة في الكلّ:

____________

(أو العكس) أي: يستحقه من لم يصادف قطعه الواقع، و لا يستحقه من يصادف قطعه الواقع.

(لا سبيل إلى الثاني) عقلا و هو عدم استحقاقهما، لأنّ معناه أنّ العاصي لا يعاقب، و عدم استحقاق من يشرب الخمر للعقاب مخالف لضرورة من ضروريات الدين، بل هو تشجيع للعاصي على عصيانه فينفتح باب المعاصي لكل المكلّفين.

و كذا لا سبيل إلى‏ (الرابع) و هو عدم استحقاق العقاب لمن شرب الخمر، و استحقاقه لمن شرب المائع باعتقاد أنّه خمر لأنّه مستلزم لعقاب غير العاصي و عدم عقاب العاصي، و هذا مضافا إلى كونه مخالفا لضروريات الدين و تشجيعا للعاصي و منافيا لمقتضى العدل و الحكمة يكون ترجيحا للمرجوح- و هو عدم المصادفة- على الراجح و هو المصادفة.

(و الثالث) هو استحقاق من صادف قطعه الواقع للعقاب دون من لم يصادف قطعه الواقع، و هذا باطل أيضا، لاستلزامه العقاب بما هو خارج عن القدرة و الاختيار و هو المصادفة، و العقاب بأمر غير اختياري قبيح و مناف لمقتضى العدل، و هو لا يصدر من عاقل فضلا عن الشارع الحكيم، فالمتعيّن هو الأول و هو أنّ كليهما يستحق العقاب، فثبت أنّ التجرّي يوجب العقاب، فيكون القطع المخالف للواقع حجّة.

(و يمكن الخدشة في الكل).

نقول: أمّا الاشكال في مسألة ظن ضيق الوقت، و مسألة سلوك الطريق المظنون الخطر اللتين أدّعي عليهما الاجماع، فهما ليستا من موارد التجرّي.

أمّا الاولى: فلأنّ خوف الضيق يكون تمام الموضوع لوجوب الاتيان بالواجب فورا فلا يتصوّر الخلاف ليكون من باب التجرّي، فيخرج عن مبحث التجرّي.

و أمّا الثانية: فلأن حكمهم بوجوب الاتمام لمن ظن الخطر في الطريق مبنيّ على وجوب دفع الضرر عقلا ظنيا كان الضرر أو قطعيا، لأنّ إلقاء النفس فيما لا يؤمن من ضرره قبيح‏

38

أمّا الإجماع فالمحصّل منه غير حاصل، و المسألة عقليّة خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية و ستعرف من قواعد الشهيد (قدّس سرّه)، و المنقول منه ليس حجّة في المقام.

و أمّا بناء العقلاء فلو سلّم فإنّما هو على مذمّة الشخص من حيث أنّ هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيث لو قدر على قتل سيّده لقتله، فإنّ المذمّة على المنكشف، لا الكاشف.

____________

عقلا، و عليه فلا يتصوّر هنا انكشاف الخلاف، اذ عدم الأمن من الضرر يكون تمام الموضوع فلا يكون من باب التجرّي أصلا.

(أمّا الإجماع فالمحصّل منه) أي: من الإجماع الذي هو اتّفاق الكل أو جماعة من العلماء بحيث يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) فمردود من وجوه:

الأول: أنّه غير حجّة لمخالفة كثير من الأصحاب كما تقدم منه (قدّس سرّه).

و الثاني: أن‏ (المسألة عقلية) و دعوى الإجماع في المسألة العقلية غير مجدية لعدم كشفه عن رضا المعصوم (عليه السلام).

و الثالث: أن الإجماع المحصّل لم يحصل، و يمكن ارجاع الوجه الثالث إلى الأول، فلا يكون وجها مستقلّا.

(و المنقول منه ليس حجّة في المقام) و ذلك بعين ملاك المنع في الإجماع المحصّل، و هو أنّه لا يكشف عن رضا المعصوم (عليه السلام) في المسألة العقلية، فإذا كان المحصّل مردودا كان المنقول منه غير حجّة بطريق أولى.

(و أمّا بناء العقلاء).

يعني: و أمّا الإشكال في بناء العقلاء، فنمنع و لا نسلّم ثبوت بناء العقلاء على الاستحقاق و المذمّة، و لو سلّم فإنّما تكون المذمّة في المنكشف، أي: سوء السريرة، لا الكاشف الذي هو الفعل، فيذمّ العقلاء على أنّه شقي لا على أنّه أتى بما هو محرم، فذمّهم يرجع إلى الفاعل لا إلى الفعل الخارجي الذي هو في الواقع يكون شرب الخل، فنفس الفعل لا يكون موردا للذم و لا يكون محرما.

و الحاصل أنّ محل الخلاف هو الحكم بحرمة هذا الفعل الذي اعتقد حرمته، و ليس محرما في الواقع، و أمّا مجرد كشف هذا الفعل عن خبث سريرة فاعله و فساد طينته فلا

39

و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي، فإنّه لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل لكونه جريئا عازما على العصيان و التمرّد، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.

و الحاصل أنّ الكلام في كون هذا الفعل- غير المنهي عنه واقعا- مبغوضا للمولى من حيث تعلّق اعتقاد المكلّف بكونه مبغوضا، لا في أنّ هذا الفعل المنهي عنه باعتقاده ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيّده و كونه جريئا في مقام الطغيان و المعصية و عازما عليه، فإنّ هذا غير منكر في هذا المقام- كما سيجي‏ء- و لكن لا يجدي في كون الفعل محرّما شرعيّا، لأنّ استحقاق المذمّة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل.

و من المعلوم أنّ الحكم العقلي باستحقاق الذمّ إنّما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلّق بالفعل لا بالفاعل.

و أمّا ما ذكر من الدليل العقليّ فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع، لأنّه عصى‏

____________

خلاف فيه ظاهرا.

و السريرة: قد تطلق على السجية و الجبلّة، و قد تطلق على النيات الباطنية و الامور الخفية.

و في مجمع البحرين: السرائر ما أسرّ في القلوب، و العقائد و النيات و غيرها و ما خفى من الأعمال.

(و من هنا يظهر الجواب عن قبح التجرّي).

فإنّه قبيح لكشف ما تجرّى به عن خبث الفاعل و عن كونه شقيّا لكونه جريئا و عازما على العصيان و التمرد، و ليس حكم العقل على القبح من جهة كون الفعل مبغوضا للمولى لأنّ شرب الخل ليس مبغوضا للمولى.

و الحاصل أنّ التجرّي فيه جهتان:

الاولى: أنّ التجرّي كاشف عن سوء سريرة الفاعل، و لا خلاف في هذه الجهة.

الثانية: أنّ التجرّي يوجب قبح الفعل المتجرّى به، فيكون محرما شرعا.

فالنزاع في الجهة الثانية بمعنى أنّ التجرّي هل يوجب قبح الفعل ليكون حراما أم لا؟

المصنّف (رحمه اللّه) يقول ليس فيه قبح فعلي بل فيه قبح فاعلي، و القبح الفاعلي لا يستلزم الحرمة الشرعية.

40

اختيارا، دون من لم يصادف.

قولك: «إنّ التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار» ممنوع، فإنّ العقاب بما لا يرجع بالآخرة إلى الاختيار قبيح، إلّا أنّ عدم العقاب لأمر

____________

(و أمّا ما ذكر من الدليل العقلي ... إلى آخره).

اختار المصنّف (رحمه اللّه) التفصيل بين المصادف و غيره، و يقول باستحقاق الأول دون الثاني، و ذلك لأنّ من صادف قطعه الواقع قد عصى اختيارا، إذ الفعل الاختياري ما يكون مسبوقا بالإرادة، و شرب الخمر في المقام يكون كذلك، فيكون اختياريا، فيقع العقاب عليه، و من لم يصادف قطعه الواقع لم يكن مستحقا للعقاب لأنّه لم يشرب الخمر.

(قولك: «إنّ التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار» ممنوع).

أي: لا يحسن، بل يحسن أن يناط عدم العقاب بما هو خارج عن الاختيار لأن عدم العقاب بأمر غير اختياري لا قبح فيه، كما هو المستفاد من الأخبار.

نعم، العقاب بما لا يكون اختياريا، أو بما لا يرجع بالآخرة إلى أمر اختياري لا يحسن بل يكون قبيحا، فعدم العقاب في المقام و إن كان منوطا بأمر خارج عن الاختيار- و هو عدم المصادفة أو شرب الخل، إذ المكلّف أراد شرب الخمر فشرب الخل- لم يكن مسبوقا بالإرادة فيكون غير اختياري، و لكن عدم العقاب على أمر غير اختياري أو ما لم يرجع بالآخرة إلى الاختيار ليس قبيحا، بل قبحه ممنوع عند المشهور.

و العقاب في المقام لم يكن على أمر غير اختياري بل يكون على أمر اختياري، و هو شرب الخمر، أو على أمر يرجع بالآخرة إلى الاختيار، و هو المصادفة، و لا شبهة في استحقاق العقاب على أمر يرجع بالآخرة إلى الاختيار.

و يمكن أن نجعل‏ (ممنوع) في قول المصنف خبرا لقوله: (قولك) أي: و قولك إنّ التفاوت ... ممنوع، بل التفاوت بالاستحقاق و العدم يحسن أن يكون منوطا بما هو خارج عن الاختيار، لأن ما هو خارج عن الاختيار على قسمين:

الأول: ما لا يرجع بالآخرة إلى الاختيار، و العقاب على هذا القسم قبيح.

و الثاني: ما يرجع بالآخرة إلى الاختيار فلا يكون العقاب عليه قبيحا.

41

لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم، كما تشهد به الأخبار الواردة في أنّ: (من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، و من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها)

(1)

.

فإذا فرضنا أنّ شخصين سنّا سنّة حسنة أو سيئة و اتّفق كثرة العامل بإحداهما و قلّة العامل بما سنّه الآخر، فإنّ مقتضى الروايات كون ثواب الأوّل أو عقابه أعظم.

و قد اشتهر: (أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا) و الأخبار في أمثال ذلك في‏

____________

و المقام من القسم الثاني؛ لأنّ المصادفة بنفسها و إن كانت غير اختيارية و لكن ترجع بالآخرة إلى الاختيار، بمعنى أنّها نتيجة للشرب الاختياري، و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، هذا في جانب العقاب، و أمّا عدم العقاب فيصح أن يكون منوطا بأمر خارج عن الاختيار كما ذكرنا.

فالمخلّص أن التفاوت بالاستحقاق و العدم يحسن أن يكون منوطا ببعض ما هو خارج عن الاختيار، فقول القائل: بأن التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بمطلق ما هو خارج عن الاختيار ممنوع و باطل.

(كما تشهد به) أي: بعدم قبح التفاوت بأمر خارج عن الاختيار (الأخبار الواردة).

و لتوضيح مضمون هذه الأخبار و تطبيقها في المقام نقول:

الظاهر من هذه الأخبار أن الامور الخارجة عن الاختيار قد تكون دخيلة في استحقاق كثرة الثواب و العقاب و قلّتهما كمدخليّتها في المقام في أصل الاستحقاق و عدمه، اذ المستفاد منها ان كثرة العامل بسنّة أحد الشخصين و قلّته بسنّة الآخر مؤثّرتان في كون ثواب الأول أو عقابه أكثر و أعظم من الثاني مع أن كثرة العامل و قلّته خارجتان عن اختيارهما.

فالحاصل أن ما يصلح أن يكون مؤثّرا في الكثرة و القلّة من أمر غير اختياري كما في مورد الأخبار هو يصلح أن يكون مؤثّرا في أصل الاستحقاق و عدمه كما في المقام.

(و قد اشتهر: (أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا)) مع أن الإصابة أمر خارج عن الاختيار لكنه مؤثر في الأجر، و كذلك نقصان ثواب المخطئ عن ثواب المصيب ليس‏

____________

(1) الوسائل 15: 24- 25، أبواب جهاد العدوّ و ما يناسبه، ب 5، ح 1. غوالي اللآلئ 1: 285، ح 136. صحيح مسلم 2: 583/ 1017. المعجم الأوسط 4: 421/ 3705، بتفاوت يسير في الجميع.

42

طرفي الثواب و العقاب بحدّ التواتر، فالظاهر أنّ العقل إنّما يحكم بتساويهما في استحقاق المذمّة من حيث شقاوة الفاعل و خبث سريرته مع المولى، لا في استحقاق المذمّة على الفعل المقطوع بكونه معصية.

و ربّما يؤيّد ذلك أنّا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة العقاب بين من صادف فعله الواقع و بين من لم يصادف.

إلّا أن يقال: إنّ ذلك إنّما هو في المبغوضات العقلائيّة من حيث إنّ زيادة العقاب من المولى و تأكّد الذمّ من العقلاء بالنسبة إلى من صادف اعتقاد الواقع لأجل التشفّي المستحيل في حقّ الحكيم تعالى، فتأمّل.

و قد يظهر من بعض المعاصرين: «التفصيل في صورة القطع بتحريم شي‏ء غير محرّم‏

____________

الّا لأمر غير اختياري و هو عدم الإصابة:

(و ربّما يؤيّد ذلك أنّا نجد من أنفسنا الفرق ... إلى آخره).

يعني: يؤيد ذلك، أي: التفاوت بين من صادف قطعه الواقع فيكون مستحقا للعقاب، و من لم يصادف قطعه الواقع فلا يكون مستحقا له، أنّا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة الذم بين من صادف و بين من لم يصادف فنذم المصادف من جهتين: إحداهما من حيث الفعل، و ثانيتهما من حيث الفاعل، بخلاف غير المصادف، فنذمّه على كونه غير مبال، فيكون الذم في حقه من جهة واحدة و هي جهة خبث الباطن فقط، و زيادة الذم في حق المصادف ليس الّا بأمر غير اختياري، فهذا التفاوت عند العرف يؤيّد التفاوت في المقام بأن يستحق شارب الخمر للعقاب دون شارب الخل‏ (إلّا أن يقال:) إن ذلك التفاوت إنّما هو في المبغوضات العقلائية من جهة التشفّي المحال في الحكيم تعالى، فلا يكون مؤيّدا لما نحن فيه.

(فتأمّل) لعلّه إشارة إلى الفرق بين المصادف و غيره مع قطع النظر عن التشفّي لأنّنا نرى ذلك من حال غير المتشفّي، فحكم العقلاء من حيث إنّهم عقلاء باستحقاق عقاب من صادف قطعه الواقع دون غيره مؤيّد للمقام.

(و قد يظهر من بعض المعاصرين التفصيل ... إلى آخره).

و هو صاحب الفصول، و حاصل ما ذكره من التفصيل: إن المكلّف إذا اعتقد بحكم‏

43

واقعا، فرجّح استحقاق العقاب بفعله، الّا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فإنّه لا يبعد عدم استحقاق العقاب عليه مطلقا، أو في بعض الموارد، نظرا إلى معارضة الجهة الواقعيّة للجهة الظاهريّة فإنّ قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيّا، بل يختلف بالوجوه‏

____________

إلزامي سواء كان بالاعتقاد الجزمي أو الظني المعتبر فلا يخلو الأمر؛ إمّا أن يكون موافقا للواقع أو مخالفا له، و على الثاني؛ إمّا أن يكون الحكم الواقعي المخالف لما اعتقده حكما إلزاميا كالوجوب أو غير إلزامي كالإباحة و الاستحباب، و على تقدير كونه إلزاميا لا يخلو؛ إمّا أن يكون تعبّديا يعتبر في سقوطه قصد القربة، أو توصّليا، فإن كان موافقا للواقع فليس عليه إلّا عقاب واحد، و يأتي في كلام المصنّف (رحمه اللّه) حيث نسب إلى صاحب الفصول القول بتداخل العقاب فيما لو صادف التجرّي المعصية، فإن كان مخالفا للواقع و كان الواقع حكما غير إلزامي أو إلزاميا تعبّديا فيحكم باستحقاق العقاب على مخالفة ما اعتقده.

نعم، لو كان الواقع حكما إلزاميا توصّليا كما أشار اليه بقوله: (تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة) فيحكم بعدم استحقاق العقاب عليه‏ (مطلقا) أي: سواء كانت مصلحة الواقع أقوى من مفسدة التجرّي أو مساوية لها أو (في بعض الموارد) أي: فيما لم تكن الجهة الظاهرية غالبة على الجهة الواقعية، و أمّا إذا كانت مفسدة التجرّي أقوى، فيحكم حينئذ بقبحه.

قوله: (غير مشروط بقصد القربة) التقييد بقصد القربة يكون لإخراج الواجب التعبّدي اذ لا يتصوّر في مورده التعارض بين المصلحة الواقعية في الواجب مع المفسدة الظاهرية في التجرّي حتى يرتفع قبحه، لأنّ الواجب التعبّدي من دون قصد القربة لا مصلحة فيه، و قصد القربة لا يتمشّى من المكلّف مع اعتقاده بالحرمة، إذ لا يتقرّب بفعل الحرام، فيختصّ التعارض بين الجهة الواقعية و الجهة الظاهرية بالواجب التوصّلي.

فتحصّل ممّا ذكر أنّ الأقوال في مسألة التجرّي ثلاثة:

الأول: قول المشهور، فيقولون: إنّ التجرّي علّة للقبح من حيث الفعل مطلقا.

و الثاني: ما عند المصنّف (رحمه اللّه) من أنّ التجرّي علّة للقبح من حيث الفاعل مطلقا.

و الثالث: هو التفصيل المنسوب إلى صاحب الفصول.

ثم الدليل و الوجه على تفصيل صاحب الفصول:

44

و الاعتبارات.

فمن اشتبه عليه مؤمن ورع بكافر واجب القتل، فحسب أنّه ذلك الكافر و تجرّى فلم يقتله، فإنّه لا يستحقّ الذمّ على هذا الفعل عقلا عند من انكشف له الواقع، و إن كان معذورا لو فعل، و أظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبيّ أو وصيّ فتجرّى و لم يقتله.

أ لا ترى أنّ المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدوّ له فصادف العبد ابنه و زعمه ذلك العدوّ، فتجرّى و لم يقتله، أنّ المولى إذا اطّلع على حاله لا يذمّه على هذا التجرّي بل يرضى به، و إن كان معذورا لو فعل.

و كذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوّه، فأدّى الطريق إلى تعيين ابنه فتجرّى و لم يفعل، و هذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع، و لذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب، لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب، بخلاف ما لو ترك العمل به، فإنّ المظنون فيه عدمها.

____________

(فإن قبح التجرّي عندنا ليس ذاتيا بل يختلف بالوجوه و الاعتبارات).

و توضيح ذلك يحتاج إلى ذكر أمرين من باب المقدمة:

الأمر الأول: ما هو المراد من القبح و الحسن؟

و الأمر الثاني: ما هو المراد من الوجه و الاعتبار؟

فنقول: يمكن أن يكون المراد من القبح ذمّ العقل على فعل ما هو مبغوض عند المولى، أو على ترك ما هو المطلوب عنده، لا بمعنى المفسدة في شي‏ء أو الضرر فيه، فبالمقابل يكون المراد من الحسن هو مدحه على فعل ما هو مطلوب عند المولى لا بمعنى المصلحة أو النفع في شي‏ء.

ثم المراد من الوجه و الاعتبار- و هو الأمر الثاني- أنّ الأشياء بالنسبة إلى الحسن و القبح تختلف، بمعنى: إنّ بعض الأشياء قبحه أو حسنه ذاتي، الأول: كالظلم حيث يكون علّة تامة للقبح، و الثاني: كالإحسان حيث يكون علّة للحسن، و بعض الأشياء يقتضي القبح لو لا المانع كالكذب أو يقتضي الحسن كذلك كالصدق، و بعض الأشياء لا يقتضي شيئا منهما كالضرب مثلا، فالضرب بعنوان أنّه ضرب لا يقتضي القبح و لا الحسن، و لكن يختلف بالوجه و الاعتبار بمعنى: إنّه إذا كان بعنوان التشفّي كان قبيحا، و إذا كان بعنوان التأديب كان‏

45

و من هنا يظهر أنّ التجرّي على الحرام في المكروهات الواقعيّة أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ منه في مندوباتها، و يختلف باختلافها ضعفا و شدّة كالمكروهات، و يمكن أن يراعى في الواجبات الواقعيّة ما هو الأقوى من جهاته و جهات التجرّي» انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: يرد عليه:

____________

حسنا، هذا هو معنى الوجه و الاعتبار.

و يمكن أن يكون مراد صاحب الفصول من الوجوه و الاعتبارات ما ليس ذاتيا فيشمل ما يقتضي الحسن أو القبح، فحينئذ لو كان مراده (قدّس سرّه) أنّ قبح التجرّي ليس ذاتيا كالظلم بل يكون مقتضيا له كالكذب أو لا يقتضي القبح أصلا لكان ما ذكره صحيحا، و إنّما الكلام في الصغرى، فعلى فرض كون قبح التجرّي بالوجه و الاعتبار يختلف الفعل المتجرّى به قبحا و حسنا شدّة و ضعفا.

(و من هنا) يعني: من ارتفاع قبح التجرّي من جهة معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية (يظهر أنّ التجري على الحرام في) مورد (المكروهات الواقعية أشدّ منه) أي: من التجرّي‏ (في مباحاتها) الواقعية لتأكّد قبح التجرّي بما في المكروه الواقعي، (و هو فيها) أي:

في المباحات الواقعية (أشدّ منه في مندوباتها) لعدم تأكّد التجرّي بما في المباح الواقعي، بخلاف مورد المندوبات الواقعية لضعف قبح التجرّي بما في المندوب الواقعي من المصلحة، ثم يختلف التجرّي‏ (باختلافها) أي: المندوبات ضعفا و شدّة، فيكون قبحه ضعيفا في المندوب المؤكّد، و شديدا في مورد غير المؤكّد، و كذلك في المكروهات، كما هو واضح.

و أما الواجبات فيراعى ما هو الأقوى من مصلحتها و مفسدة التجرّي، و هذا يختلف باختلاف مراتب المحرمات و الواجبات، هذا فيما إذا اعتقد حرمة ما هو غير محرم في الواقع، و أما إذا اعتقد وجوب ما هو غير محرم واقعا تنعكس سلسلة الأشدّية، فيكون التجرّي على ترك الواجب في المندوبات الواقعية أشدّ منه في مباحاتها، و هو فيها أشدّ منه في مكروهاتها.

(أقول: يرد عليه: أولا ... إلى آخره).

46

أوّلا: منع ما ذكره من عدم كون قبح التجرّي ذاتيا لأنّ التجرّي على المولى قبيح ذاتا، سواء كان لنفس الفعل أو لكشفه عن كونه جريئا [كالظلم، بل هو قسم من الظلم‏] فيمتنع عروض الصفة المحسّنة له، و في مقابله الانقياد للّه سبحانه، فإنّه يمتنع أن تعرض له جهة مقبّحة.

و ثانيا: أنّه لو سلّم أنّه لا امتناع في أن تعرض له جهة محسّنة، لكنّه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة، و ليس ممّا لا يعرض له في نفسه حسن و لا قبح إلّا بملاحظة ما يتحقّق في ضمنه.

و بعبارة اخرى: لو سلّمنا عدم كونه علّة تامّة للقبح، كالظلم، فلا شكّ في كونه مقتضيا له، كالكذب، و ليس من قبيل الأفعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها و لا قبحها، و حينئذ فيتوقف ارتفاع قبحه على انضمام جهة يتدارك بها قبحه كالكذب المتضمّن لإنجاء نبيّ.

____________

ذكرنا أنّ الأشياء بالنسبة إلى كل واحد من القبح و الحسن ثلاثة أنحاء:

قسم: ما يكون قبحه ذاتيا كالظلم، أو حسنه ذاتيا كالإحسان.

و قسم: ما يقتضي القبح كالكذب، أو الحسن كالصدق.

و قسم: ما لا يقتضي شيئا منهما، و ما ذكره صاحب الفصول يبتني على أن يكون التجرّي من القسم الثاني أو الثالث، و المصنّف (رحمه اللّه) يقول: إنّ التجرّي من القسم الأول، فيكون قبحه ذاتيا لا ينفك عنه و لا يطرأ عليه الحسن حتى يعارض قبحه، كما أنّ الانقياد يكون حسنه ذاتيا لا يعرض عليه جهة مقبّحة، فيكون التجرّي قبيحا في جميع الموارد، سواء قطع بتحريم ما هو مباح في الواقع أو واجب توصّلي أو مكروه، فعلى المشهور يوجب استحقاق العقاب في جميع الموارد لأنّ قبحه عندهم فعلي، و عند الشيخ (رحمه اللّه) لا يوجب استحقاق العقاب مطلقا، لأنّ قبحه عنده فاعلي، فما ذكره صاحب الفصول من التفصيل مردود.

(و ثانيا أنّه لو سلّم ... إلى آخره).

يعني: لو تنزّلنا عن كون التجرّي علّة تامّة للقبح و هو القسم الأول، فنقول: إنّه من القسم الثاني الذي يقتضي القبح كالكذب لا من القسم الثالث الذي لا يقتضي القبح و لا الحسن،

47

و من المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن- بوصف أنّه مؤمن في المثال الذي ذكره- كفعله ليس من الامور التي تتّصف بحسن أو قبح للجهل بكونه قتل مؤمن، و لذا اعترف في كلامه بأنّه لو قتله كان معذورا.

فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقّق التجرّي في ضمنه ممّا يتّصف بحسن أو قبح، لم يؤثّر في اقتضاء ما يقتضي القبح، كما لا يؤثّر في اقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض: أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره، فإنّه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد، و عدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.

و دعوى: «أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي و إن لم يتّصف في نفسه بحسن و لا قبح‏

____________

و لكن يبقى على اقتضائه ما لم يعرض له جهة محسّنة، و حينئذ يتوقف ارتفاع قبحه على عروض ما يتدارك به قبحه من الجهة المحسّنة كعروض إنجاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) للكذب مثلا، و لا تعرض هذه الجهة إلّا على فعل اختياري لأنّ الفعل لا يتصف بالقبح أو الحسن الّا أن يصدر عن الفاعل بإرادته و اختياره، و صدور الفعل كذلك يلازم توجّه الفاعل إلى العنوان.

و من المعلوم أنّ ترك قتل المؤمن المشتبه بالكافر في المثال الذي ذكره صاحب الفصول بوصف أنّه مؤمن‏ (كفعله) أي: قتل المؤمن ليس من الامور التي تتصف بحسن أو قبح للجهل بكونه قتل مؤمن، فلا يكون فعلا اختياريا و لذا لو قتله كان معذورا لأنّه لا يتصف بالقبح الملازم لاستحقاق العقاب شرعا، إذ القتل صدر عنه بعنوان قتل الكافر لا قتل المؤمن، فما وقع لم يقصد، و ما قصد لم يقع.

و الحاصل أنّ قبح التجرّي باق و لا رافع له في المقام، و أمّا ترك قتل المؤمن غافلا عن كونه مؤمنا لا يتصف بالحسن حتى يرتفع به قبح التجرّي، لأنّه لم يكن عن إرادة، بل ما صدر عن إرادة هو ترك قتل الكافر، و كذلك الانقياد ممّا يقتضي الحسن و لا يرتفع الّا أن يعرض له جهة مقبّحة و لا تعرض الّا بأمر اختياري، فلو فرض: أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا باعتقاد كفره، ثم انكشف أنّه مؤمن، لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد، فيكون حسن الانقياد باقيا على حاله لعدم عروض القبح، لأنّ قتل المؤمن في الواقع لم يكن عن إرادة حتى يتّصف بالقبح.

(و دعوى: «أنّ الفعل الذي يتحقّق به التجرّي و إنّ لم يتّصف في نفسه بحسن و لا قبح)

48

لكونه مجهول العنوان، لكنّه لا يمتنع أن يؤثّر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه، إلّا أن نقول بعدم مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذّم، و هو محلّ نظر بل منع.

و عليه يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجرّي» مدفوعة- مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه و بين ما تقدّم من الدليل العقلي، كما لا يخفى على المتأمّل-

____________

لكونه فعلا غير اختياري الّا أنّه يمكن أن يؤثر في قبح التجرّي بأن يرفعه، لما تقدّم في الجواب عن دلالة العقل أنّ الأمر الخارج عن الاختيار يمكن أن يناط به عدم العقاب، ففي المقام يجوز أن يناط به عدم قبح التجرّي.

(إلّا أن نقول بعدم مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذم) بمعنى: إن مصادفة التجرّي بالواجب الواقعي في المثال الأول خارجة عن الاختيار، فكيف يرتفع بها قبح التجرّي؟ و كذلك مصادفة الانقياد بترك الواجب في المثال الثاني خارجة عن الاختيار، فلا تتّصف بالقبح و لا توجب الذمّ، فكيف يرتفع بها حسن الانقياد؟ فقبح التجرّي في المثال الأول، و حسن الانقياد في المثال الثاني لا يرتفع بما هو خارج عن الاختيار.

ثم أجاب عن هذا الإشكال بقوله: (و هو محل نظر بل منع).

يعني: عدم مدخليّة الامور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذمّ محل نظر، يعني: يمكن أن يكون للامور الخارجة عن القدرة مدخليّة في المدح، فيكون لها تأثير في قبح التجرّي، و تكون رافعة لقبحه، و قد تقدّم الشاهد عليه في الجواب عن الدليل العقلي.

(و عليه) أي: على منع عدم مدخلية الامور الخارجة عن القدرة على المدح أو الذمّ‏ (يمكن ابتناء منع الدليل العقلي السابق) يعني: بطلان الدليل العقلي السابق مبني على كون الأمر الخارج عن الاختيار مؤثّرا في عدم العقاب.

و الحاصل أنّ المصنّف قال في الجواب عن الدليل العقلي: إن عدم المصادفة مؤثّر في عدم العقاب، فكذا صاحب الفصول يقول: إنّ مصادفة التجرّي بالواجب مؤثّرة في رفع قبح التجرّي.

(مدفوعة) أي: الدعوى المذكورة باطلة أولا: ب (الفرق).

49

بأنّ العقل مستقلّ بقبح التجرّي في المثال المذكور، و مجرّد تحقّق ترك قتل المؤمن في ضمنه مع الاعتراف بأنّ ترك القتل لا يتصف بحسن و لا قبح لا يرفع قبحه، و لذا يحكم العقل بقبح الكذب و ضرب اليتيم إذا انضمّ إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك، ثم إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: «إنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعيّة تداخل عقابهما».

____________

و ملخّص الفرق: إنّ ما انيط به عدم استحقاق العقاب في الدليل العقلي من الأمر غير الاختياري، أعني عدم المصادفة محرز و معلوم لا يحتاج إلى الإثبات، فيصح أن يقال بعدم العقاب لعدم المصادفة، و هذا بخلاف ما نحن فيه، حيث يكون رفع قبح التجرّي منوطا بحسن ما هو خارج عن الاختيار، فعلى صاحب الفصول أن يثبت حسن ما هو خارج عن الاختيار كي يكون رافعا لعقاب التجرّي.

و بعبارة اخرى: إنّ الفرق بين المقام و بين ما تقدم في الدليل العقلي بأن الخصم في السابق يدّعي اقتضاء ارتكاب ما اعتقده حراما لاستحقاق العقاب، و عدم مانعية عدم المصادفة، فيكفي في ردّه احتمال مانعية عدم المصادفة، فعليه إثبات عدم المانعية، هذا بخلاف ما نحن فيه، لأن المفصّل يدّعي كون التجرّي مقتضيا للاستحقاق، و أن حسن الفعل في الواقع مانع، حيث منعنا حسن ما هو الخارج عن الاختيار، فعليه أن يثبت مانعية ما هو خارج عن الاختيار، و لا يكفيه احتمال المانعية.

و ثانيا: (بأن العقل مستقل بقبح التجرّي في المثال المذكور ... ثم إنّه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: «إنّ التجرّي إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما»).

و يرجع حاصل كلامه إلى أنّه إذا صادف الفعل المتجرّى به المعصية الواقعية كان فيه ملاكان للقبح: ملاك التجرّي، و ملاك المعصية، فحكم بتداخل العقابين، فهنا صغرى و هي: اجتماع التجرّي مع المعصية الواقعية، و كبرى و هي: تداخل عقابهما، فلا بدّ من البحث عن كل واحدة منهما، فنقول:

إنّ اجتماع التجرّي و المعصية لا يعقل، إذ النسبة بينهما هي التباين، لأنّ التجرّي: هو مخالفة القطع المخالف للواقع، و المعصية: هي مخالفة القطع المصادف له، فالجمع بينهما جمع بين النقيضين، فلا يمكن اجتماعهما حتى نلتزم بالعقابين ثم بتداخلهما، الّا أن يريد

50

و لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام، إذ مع كون التجرّي عنوانا مستقلّا في استحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن اريد به وحدة العقاب، فإنّه ترجيح بلا مرجّح، و سيجي‏ء في الرواية (أنّ على الراضي إثما و على الداخل إثمين)

(1)

؛ و إن اريد به عقاب زائد على عقاب محض التجرّي، فهذا ليس تداخلا، لأنّ كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.

و التحقيق: إنّه لا فرق في قبح التجرّي بين موارده، و إنّ المتجرّي لا إشكال في استحقاقه‏

____________

من المصادفة مصادفة التجرّي مع المعصية غير المعصية التي علم بها و تجرّى فيها.

كما إذا قطع المتجرّي بخمرية مائع فشربه ثم ظهر كونه مغصوبا، فيكون هذا الفعل تجرّيا بالنسبة إلى شرب الخمر، و معصية بالنسبة إلى شرب المغصوب، لأنّ متعلّق القطع هنا أمران: أي: الخمرية، و الحرمة، فالقطع بالخمرية غير مصادف للواقع فمخالفته يكون تجرّيا، و القطع بالحرمة مصادف له فمخالفته معصية.

و هذا التوجيه صحيح بناء على جواز العقاب على جنس الحرام المعلوم، كما يقول به بعض الاصوليين، أو على جواز العقاب على نفس الحرام الواقعي و هو الغصب بعد معلوميّة حرمة الفعل الخارجي و لو بعنوان آخر، فحينئذ تتحقّق المعصية بالنسبة إلى جنس الحرام المعلوم، أو بالاضافة إلى الحرام الواقعي، و يتحقّق التجرّي بالاضافة إلى خصوصية الخمر المعلوم، فيجتمع التجرّي و المعصية في محل واحد باعتبارين.

و أمّا إذا بنينا على عدم صحة العقاب على جنس الحرام المعلوم و لا على نفس الحرام الواقعي المعلوم بعنوان آخر فلا معنى محصّل لاجتماع المعصية و التجرّي.

هذا تمام الكلام في الصغرى.

و أمّا الكبرى فقال المصنّف (رحمه اللّه): (و لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام ... إلى آخره).

و توضيح ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) من عدم الوجه للتداخل يحتاج إلى مقدمة و هي:

إن تعدّد العلل يستلزم تعدّد المعلول لأنّ تعدد العلل بالإضافة إلى معلول واحد محال كما ثبت في علم الفلسفة.

____________

(1) الوسائل 16: 141، أبواب الأمر و النهي، ب 5، ح 12، ورد فيه معنى الرواية.