دروس في الرسائل - ج2

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
440 /
7

[تتمة المقصد الثاني‏]

[تتمة المقام الثانى فى وقوع التعبد بالظن فى الاحكام الشرعية]

[تتمة البحث في الظنون المعتبرة]

[تتمة مبحث خبر الواحد]

أدلّة المجوّزين‏

و أمّا المجوّزون، فقد استدلّوا على حجّيّته بالأدلّة الأربعة:

أمّا الكتاب: فقد ذكروا منه آيات ادّعوا دلالتها، منها: قوله تعالى في سورة الحجرات:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1)

.

و المحكيّ في وجه الاستدلال بها وجهان:

أحدهما: أنّه سبحانه علّق وجوب التثبّت على مجي‏ء الفاسق فينتفي عند انتفائه، عملا بمفهوم الشرط.

____________

[الأدلة من الكتاب على حجية خبر الواحد]

(و أمّا المجوّزون، فقد استدلوا على حجّيّته بالأدلة الأربعة) ثم ذكروا من الكتاب آيات‏

منها آية النبأ،

و هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏.

(و المحكي في وجه الاستدلال بها وجهان):

الوجه الأول: هو التمسك بمفهوم الشرط.

الوجه الثاني: هو الاستدلال بها من جهة مفهوم الوصف، ثمّ بيّن المصنّف (رحمه اللّه) تقريب الاستدلال بمفهوم الشرط بقوله: (أنّه سبحانه و تعالى علّق وجوب التثبّت على مجي‏ء الفاسق ... إلى آخره) و تعبيره بالتثبّت بدلا عن التبيّن مبنيّ على قراءة بعض حيث قرأ فتثبّتوا بدل ما تقدم من قراءة المشهور و هي‏ فَتَبَيَّنُوا.

ثمّ الفرق بين التبيّن و التثبّت أن الأول ظاهر في وجوب التفتيش، و الثاني ظاهر في وجوب التوقّف.

و ملخّص تقريب مفهوم الشرط في المقام هو: أنّه تعالى قد علّق وجوب التبيّن بمجي‏ء الفاسق بنبإ، فمفهومه هو انتفاء وجوب التبيّن بانتفاء مجي‏ء الفاسق بنبإ، و هذا المفهوم يشمل مجي‏ء العادل بالنبإ، و لا يجب التبيّن في خبر العادل بمقتضى المفهوم.

____________

(1) الحجرات: 6.

8

و إذا لم يجب التثبّت عند مجي‏ء غير الفاسق فأمّا أن يجب القبول و هو المطلوب، أو الردّ و هو باطل؛ لأنّه يقتضي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق، و فساده بيّن.

الثاني: أنّه تعالى أمر بالتثبّت عند إخبار الفاسق، و قد اجتمع فيه وصفان، ذاتيّ: و هو

____________

ثمّ الأمر في خبر العادل في مقام العمل يدور بين قبوله و العمل به من دون تبيّن، و بين ردّه و عدم العمل به، و الثاني باطل قطعا؛ لأنّه مستلزم لكون العادل أسوأ حالا من الفاسق، إذ الردّ من دون تبيّن يكون أسوأ من التبيّن؛ لأنّ فيه نوع من الاعتناء بشأن المخبر، و ربما ينتهي إلى العمل بالخبر على تقدير كشف صدقه بالتبيّن.

و هذا بخلاف ردّ خبر العادل من دون تبيّن، حيث يكون فيه نوع من الإهانة و الاستخفاف بشأنه، فيكون ردّه كذلك باطلا، فيقبل و يعمل به من دون التبيّن، و هذا هو المطلوب في المقام.

و يمكن أن يقال: إنّ الآية النافية للتبيّن في خبر العادل بمفهوم المخالفة تنفي ردّ خبر العادل بمفهوم الموافقة.

ثمّ ما ذكرنا من تقريب مفهوم الشرط من أنّ الموضوع في المنطوق هو مجي‏ء الفاسق بنبإ ظاهر من المصنّف (رحمه اللّه)، و لكن كلمات الأصوليين في تقريب مفهوم الشرط في الآية المذكورة مختلفة، و تقريب مفهوم الشرط في الآية بحيث لا يرد عليه ما يأتي من المصنّف (رحمه اللّه) هو أن يجعل الموضوع طبيعة النبأ، و يجعل الشرط كون الجائي به فاسقا، فإذا انتفى الشرط و هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ لم يجب التبيّن عنه.

فكأنّه قيل: النبأ إن جاء به فاسق يجب التبيّن عنه، فيكون مفهومه: النبأ إن لم يجي‏ء به الفاسق لا يجب التبيّن عنه، فالمفهوم يصدق على خبر العادل؛ لأنّه نبأ لم يجي‏ء به الفاسق، فيجب العمل به من دون التبيّن، مع ضم ما تقدم في التقريب الأول من أنّه لو لم يقبل و لم يعمل بخبره من دون تبيّن لزم أن يكون العادل أسوأ حالا، و هو باطل.

و بالجملة، إنّ للقضية الشرطية مفهوما يدل على حجّية خبر العادل، فلا يرد عليه ما أورده المصنّف (رحمه اللّه)، كما يأتي في كلامه من أنّ القضية الشرطية في الآية المباركة سيقت لبيان تحقّق الموضوع فلا مفهوم لها، بل المفهوم فيها هي قضية سالبة بانتفاء الموضوع، نعم، يرد هذا الاشكال على التقريب الأول الظاهر من كلام المصنّف (رحمه اللّه).

9

كونه خبر واحد، و عرضيّ: و هو كونه خبر فاسق.

و مقتضى التثبت هو الثاني، للمناسبة و الاقتران، فإنّ الفسق يناسب عدم القبول،

____________

(الثاني: أنّه تعالى أمر بالتثبّت عند أخبار الفاسق ... إلى آخره)، و الوجه الثاني هو مفهوم الوصف؛ و حاصل بيان مفهوم الوصف هو أنّ للخبر في الآية الشريفة وصفين:

أحدهما يكون ذاتيا، و هو كونه خبرا واحدا، و الآخر يكون عرضيا، و هو كون المخبر فاسقا لانفكاك هذا الوصف عن الخبر، إذ قد يكون المخبر عادلا، فيكون عرضيّا.

ثمّ تعليق الحكم- و هو وجوب التبيّن على الوصف العرضي دون الذاتي- ظاهر في أنّ سبب الحكم هو الوصف العرضي، إذ لو كان السبب هو الوصف الذاتي لعلّق الحكم عليه؛ لتقدمه رتبة على العرضي، فلا وجه للعدول عنه إلى العرضي.

فمن تعليق وجوب التبيّن في الآية على الوصف العرضي- و هو كون المخبر فاسقا- نستكشف أنّ السبب المقتضي للتثبّت و التبيّن هو الثاني، فإذا انتفى و كان المخبر عادلا ينتفي وجوب التثبّت و التبيّن، و حينئذ يدور الأمر بين وجوب القبول و هو المطلوب، و الردّ و هو باطل؛ لاستلزامه أسوئية حال العادل عن الفاسق.

ثمّ المناسبة تقتضي أن يكون علّة الحكم هو كون المخبر فاسقا، كما أشار إليها المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: (للمناسبة و الاقتران)، و المراد من المناسبة هي السنخيّة بين التثبّت و الفسق، ثم التناسب بينهما موجود كما هو المذكور في المتن حيث قال: (فإنّ الفسق يناسب عدم القبول ... إلى آخره)، و المراد من الاقتران هو اقتران التبيّن في الآية بالفسق، حيث قال تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1)، و لم يقل إن جاءكم واحد بنبإ فتبيّنوا، فهذا الاقتران مع تلك المناسبة يدل على علّية الفسق لوجوب التثبّت و التبيّن دون الوصف الذاتي، أي: كون الخبر خبر الواحد.

لا يقال: إنّ التثبت يمكن أن يكون معلولا للوصفين معا، فحينئذ تدل الآية على عدم حجّية خبر الواحد مطلقا.

فإنّه يقال: إنّ هذا الاحتمال مقطوع العدم لكونه مستلزما لتقدم الشي‏ء على نفسه، و هو

____________

(1) الحجرات: 6.

10

فلا يصلح الأوّل للعلّيّة، و إلّا لوجب الاستناد إليه، إذ التعليل بالذاتيّ الصالح للعلّية أولى من التعليل بالعرضي؛ لحصوله قبل حصول العرضي، فيكون الحكم قد حصل قبل حصول العرضي، و إذا لم يجب التثبّت عند إخبار العدل، فأمّا أن يجب القبول و هو المطلوب، أو الردّ، فيكون حاله أسوأ من حال الفاسق، و هو محال.

أقول: الظاهر أنّ أخذهم للمقدّمة الأخيرة- و هي أنّه إذا لم يجب التثبت وجب القبول، لأنّ الردّ مستلزم لكون العادل أسوأ حالا من الفاسق- مبني على ما يتراءى من ظهور الأمر بالتبيّن في الوجوب النفسي، فيكون هنا أمور ثلاثة: الفحص عن الصدق و الكذب، و الرّد من دون تبيّن، و القبول كذلك.

____________

محال و باطل، و ذلك لأنّ الذاتي و معلوله متقدم على العرضي و معلوله.

و حينئذ، لمّا كان التثبّت معلولا للذاتي، كان متقدما على العرضي، فلو كان مع ذلك معلولا للعرضي- أيضا- لوجب أن يكون متأخرا عنه، فيلزم المحذور المزبور كما لا يخفى.

و الحاصل أنّ وجوب التبيّن يكون معلولا للثاني، أي: الوصف العرضي فقط فلا يصلح الأول، أي: الوصف الذاتي للعلّية، و إلّا لوجب استناد المعلول إليه، فكان الحقّ أن يقال: إن جاءكم واحد بنبإ فتبيّنوا (إذ التعليل بالذاتي الصالح للعلّية أولى)، أي: متعيّن منه بالعرضي.

فالنتيجة هي أنّ العلّة منحصرة في الفسق، فإذا انتفى ينتفي وجوب التبيّن، فيقبل خبر العادل من دون تبيّن و هو المطلوب، و من هنا يصحّ أن يسمّى هذا الاستدلال استدلالا بمفهوم العلّة أيضا.

و قوله: (أقول: الظاهر أنّ أخذهم للمقدّمة الأخيرة ... إلى آخره) إشكال منه (قدّس سرّه) على كيفية الاستدلال بمفهوم الآية، بعد تسليم دلالتها على المقصود، حيث كان الاستدلال بالمفهوم محتاجا إلى مقدمة خارجية، و هي لزوم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق لو لم يقبل خبره من دون تبيّن.

فحاصل كلام المصنّف (رحمه اللّه) ردا لكيفية الاستدلال، هو عدم الحاجة إلى ضمّ المقدمّة المذكورة في الاستدلال بمفهوم الآية على حجّية خبر العادل، و ذلك أنّ أخذهم للمقدمة الخارجية مبنيّ على كون الأمر بالتبيّن ظاهرا في الوجوب النفسي بأن يكون التبيّن واجبا

11

لكنّك خبير بأنّ الأمر بالتبيّن هنا مسوق لبيان الوجوب الشرطيّ، و أنّ التبيّن شرط للعمل بخبر الفاسق دون العادل، فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن، فيتمّ المطلوب من دون ضمّ مقدّمة خارجيّة، و هي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق.

و الدليل على كون الأمر بالتبيّن للوجوب الشرطي لا النفسي- مضافا إلى أنّه المتبادر عرفا في أمثال المقام و إلى أنّ الإجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسيّ للتبيّن في خبر الفاسق، و إنّما أوجبه من أوجبه عند إرادة العمل به، لا مطلقا- هو أنّ التعليل في الآية بقوله تعالى:

أَنْ تُصِيبُوا

، لا يصلح أن يكون تعليلا للوجوب النفسيّ، لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه: لئلّا تصيبوا قوما بجهالة بمقتضى العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبيّن‏

____________

نفسيا كالصلاة مثلا، فحينئذ لا يتمّ الاستدلال إلّا بضمّ المقدمة الخارجية، إذ يكون هنا أمور ثلاثة:

الأول: هو وجوب التبيّن و الفحص عن الصدق و الكذب.

و الثاني: هو الردّ من دون التبيّن.

و الثالث: هو القبول من غير الفحص.

فيقال: إنّ الأول و هو وجوب الفحص عن خبر العادل قد انتفى بمفهوم الآية.

و الأمر الثاني و هو الردّ من دون التبيّن- أيضا- يكون منتفيا لاستلزامه كون العادل أسوأ حالا من الفاسق.

فيبقى الأمر الثالث، و هو قبول خبر العادل من غير تبيّن، و هو المطلوب.

فإثبات المطلوب موقوف على هذه المقدمة الخارجية على تقدير كون التبيّن واجبا نفسيا، و لكن وجوب التبيّن ليس نفسيا حتى نحتاج إلى تلك المقدمة، بل وجوبه وجوب شرطي، أي: يكون التبيّن شرطا لجواز العمل بخبر الفاسق؛ لأنّ التبيّن عنه مع قطع النظر عن العمل به ليس واجبا قطعا، بل ربّما يكون محرّما؛ لأنّ الفحص عن كون المخبر صادقا أو كاذبا من دون إرادة العمل بخبره يكون مصداقا للفحص عن عيوب الناس، و هو محرّم شرعا، فيكون الأمر بالتبيّن مسوقا لبيان الوجوب الشرطي.

و يدلّ عليه مضافا إلى وضوحه في نفسه لأنّه المتبادر عرفا، و مضافا إلى الإجماع القائم على عدم الوجوب النفسي للتبيّن في خبر الفاسق. و التعليل المذكور في ذيل الآية

12

الخلاف، و من المعلوم أنّ هذا لا يصلح إلّا علّة لحرمة العمل بدون التبيّن فهذا هو المعلول، و مفهومه جواز العمل بخبر العادل من دون تبيّن.

____________

المباركة، و هو قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ (1)، فإنّ إصابة القوم بجهالة، المستلزمة للندامة تكون من جهة ترك التبيّن الواجب بالوجوب الشرطي.

فحينئذ يكون مفاد الآية: إنّ العمل بخبر الفاسق يكون مشروطا بالتبيّن و الفحص، فيجب التبيّن عنه في مقام العمل، و يكون المفهوم بمقتضى التعليق على الوصف: إنّ العمل بخبر غير الفاسق لا يكون مشروطا بالتبيّن، فلا يجب التبيّن عنه في مقام العمل به، فيجوز العمل به من دون التبيّن، و هو المطلوب.

فالنتيجة هي العمل بخبر العادل من دون حاجة إلى المقدمة الخارجية على تقدير كون التبيّن واجبا شرطيا كما هو كذلك، إذ- حينئذ- يكون في خبر العادل احتمالان:

الأول: اعتبار التبيّن في العمل به.

و الثاني: عدم اعتباره.

و الأول منفيّ بالمفهوم، فيبقى الثاني، و هو جواز العمل أو وجوبه من دون التبيّن، و هو المطلوب.

و بالجملة، إن الاستدلال بمفهوم الآية يتمّ من دون حاجة إلى المقدمة الخارجية لو ثبت كون الأمر بالتبيّن للوجوب الشرطي لا النفسي، و هو ثابت بدليل تناسب التعليل مع الوجوب الشرطي دون النفسي، كما أشار إليه بقوله: (إنّ التعليل في الآية بقوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا، لا يصلح أن يكون تعليلا للوجوب النفسيّ ... إلى آخره)، أي: إنّ الوقوع في الندم يكون مسبّبا عن ترك الفحص و التبيّن عن خبر الفاسق في مقام العمل.

قال تعالى: فَتَبَيَّنُوا، أي: عن خبر الفاسق في مقام العمل لئلّا تصيبوا قوما بجهالة فتندموا على فعلكم بعد ظهور الكذب في الخبر، و لم يكن الوقوع في الندم مسبّبا عن ترك التبيّن إذا كان واجبا نفسيا، إذ مجرد ترك الواجب النفسي لا يستلزم الوقوع في الندم.

و الحاصل أنّ العمل بخبر الفاسق من دون التبيّن محرّم، و حرمة العمل به يكون معلولا

____________

(1) الحجرات: 6.

13

مع أنّ في الأسوئية المذكورة في كلام الجماعة، بناء على كون وجوب التبيّن نفسيّا، ما لا يخفى؛ لأنّ الآية على هذا ساكتة عن حكم العمل بخبر الواحد قبل التبيّن و بعده، فيجوز اشتراك الفاسق و العادل في عدم جواز العمل قبل التبيّن، كما أنّهما يشتركان قطعا في جواز العمل بعد التبيّن و العلم بالصدق؛ لأنّ العمل- حينئذ- بمقتضى التبيّن لا باعتبار الخبر.

فاختصاص الفاسق بوجوب التعرّض بخبره، و التفتيش عنه دون العادل، لا يستلزم كون العادل أسوأ حالا، بل مستلزم لمزيّة كاملة للعادل على الفاسق، فتأمّل.

____________

عن الوقوع في الندم.

(مع أنّ في الأسوئية المذكورة في كلام الجماعة، بناء على كون وجوب التبيّن نفسيّا، ما لا يخفى)، مراد المصنّف (رحمه اللّه)، من هذا الكلام الإشكال على تقريب الاستدلال بمفهوم الآية على حجّية خبر العادل مع حمل وجوب التبيّن على الوجوب النفسي، و ذلك فإن الاستدلال المذكور مبنيّ على ضمّ المقدمة الخارجية و هذه المقدمة غير تامّة، و لم تكن مفيدة في إثبات حجّية خبر العادل؛ لأنّ مقتضى المفهوم هو نفي وجوب التبيّن بالوجوب النفسي عن خبر العادل، و هو لا يلازم وجوب القبول، و العمل به حتى يكون حجّة، إذ مقتضى التعليل المذكور في ذيل الآية هو عدم جواز العمل بالخبر ما لم يحرز صدقه و مطابقته للواقع.

فحينئذ يشترك خبر العادل مع خبر الفاسق في عدم القبول ما لم يتبيّن صدقه، كما يشترك معه في القبول و العمل به مع تبيّن الصدق.

نعم، يفترق خبر العادل عن خبر الفاسق في وجوب التبيّن و التفتيش عن حال خبر الفاسق دون العادل، و هذا الفرق موجب لمزيّة العادل على الفاسق، لا لمنقصة العادل عنه، كما هي مذكورة في المقدمة.

فالآية لا تدل على حجّية خبر العادل، بل هي ساكتة عن حكم العمل بالخبر، و المقدمة الخارجية مردودة، إذ مقتضاها نفي منقصة العادل و هو ثابت بنفس المفهوم، إذ المفهوم يقتضي نفي وجوب التبيّن و التفتيش عن حال خبر العادل، و هو مزيّة له كما أشار المصنّف (رحمه اللّه) إليه بقوله:

(فاختصاص الفاسق بوجوب التعرّض بخبره، و التفتيش عنه دون العادل، لا يستلزم‏

14

و كيف كان، فقد اورد على الآية إيرادات كثيرة ربّما تبلغ إلى نيّف و عشرين، إلّا أنّ كثيرا منها قابلة للدفع، فلنذكر- أوّلا- ما لا يمكن الذبّ عنه، ثمّ نتبعه بذكر بعض ما اورد من الإيرادات القابلة للدفع.

أمّا ما لا يمكن الذبّ عنه فإيرادان:

أحدهما: إنّ الاستدلال إن كان راجعا إلى اعتبار مفهوم الوصف- أعني الفسق-

____________

كون العادل أسوأ حالا، بل مستلزم لمزيّة كاملة للعادل على الفاسق)؛ لأنّ التفتيش عن حال شخص نوع من الاستخفاف بشأنه، بل قد يؤدّي إلى هتكه و افتضاحه من جهة كشف كذبه بين الناس.

(فتأمّل)، لعلّه إشارة إلى أنّ مزيّة العادل على الفاسق ثابتة لو عمل بخبره، و أمّا لو لم يعمل به و ردّ من الأول فيكون الأمر بالعكس؛ حيث يلزم من ترك التبيّن و ترك العمل بخبر العادل إهانته و مزيّة الفاسق عليه، إذ قد يكشف صدق خبر الفاسق بالتبيّن، فيعمل به و لا يعمل بخبر العادل أصلا.

(و كيف كان، فقد اورد على الآية إيرادات كثيرة ربّما تبلغ إلى نيّف و عشرين)، أي: فوق العشرين، و يذكر المصنّف (رحمه اللّه) الإيرادات الواردة على الاستدلال بالآية على حجّية خبر العادل، ثم يقدم ما لا يمكن الجواب عنه لقلّته، و هو أمران:

(أحدهما: إن الاستدلال إن كان راجعا إلى اعتبار مفهوم الوصف، أعني الفسق)، حيث كان مفهوم الوصف في قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) هو: إن جاءكم غير الفاسق فلا تبيّنوا (ففيه: إنّ المحقّق في محلّه عدم اعتبار المفهوم في الوصف)، و يمكن أن يكون مراده من عدم اعتبار مفهوم الوصف عدم ثبوت المفهوم لا عدم اعتباره مع ثبوته، و إلّا فلا فرق بين الظهور المنطوقي و المفهومي في الاعتبار و الحجّية.

فيرجع كلام الاصوليين في باب المفاهيم إلى الصغرى، أي: ثبوت المفاهيم، لا إلى الكبرى، أي: حجّيتها بعد تحقّقها، نعم تسامحوا في التعبير، حيث عبّروا عن عدم الثبوت بعدم الاعتبار.

____________

(1) الحجرات: 6.

15

ففيه: إنّ المحقّق في محلّه عدم اعتبار المفهوم في الوصف، خصوصا في الوصف غير المعتمد على موصوف محقّق- كما فيما نحن فيه- فإنّه أشبه بمفهوم اللقب. و لعلّ هذا مراد من أجاب عن الآية، كالسيّدين و أمين الاسلام و المحقّق و العلّامة و غيرهم، بأنّ هذا الاستدلال مبنيّ‏

____________

و كيف كان، فالوصف يكون على قسمين:

منه معتمد على الموصوف بأن يكون موصوفه مذكورا في الكلام نحو: اكرم الرجل العالم.

و منه غير معتمد على الموصوف بأن لا يكون الموصوف مذكورا في الكلام- كما نحن فيه- حيث يكون التقدير: إن جاءكم شخص فاسق بنبإ فتبيّنوا.

ثمّ إنّ الوصف إذا لم يكن معتمدا على الموصوف كان في الحكم بعدم المفهوم كاللقب، إذ ذكر الوصف من دون الموصوف لا يكون قيدا احترازيا حتى يكون له المفهوم، بل يكون لمجرّد بيان الحكم، فحينئذ: أكرم العالم، يكون مثل: أكرم فاضلا، فكما أنّ الثاني و هو اللقب لا مفهوم له، بل ذكره يكون لمجرّد بيان الحكم، فكذا الأول و هو الوصف الغير المعتمد على الموصوف.

و لهذا عبّر المصنّف (رحمه اللّه)، بلفظ الخصوصية حيث قال: (خصوصا في الوصف غير المعتمد على موصوف محقّق ... إلى آخره).

نعم، إذا ذكر الوصف مع الموصوف لكان قيدا زائدا، فلا بدّ له- حينئذ- فائدة اخرى، و هي المفهوم.

(فإنّه أشبه بمفهوم اللقب)، بل كان الاولى أن يقال: إنّ مفهوم فاسق في الآية نفس مفهوم اللقب، لا أشبه به كما في المتن، و ذلك؛ لأنّ الوصف يشمل مطلق ما يكون فضلة في الكلام، من الحال و التمييز و النعت و غيرها، و اللقب ما يكون عمدة في الكلام، و الفاسق في المقام يكون عمدة؛ لأنّه فاعل فيكون لقبا، و لكن هذا الملاك في كون شي‏ء لقبا غير ثابت في علم النحو، فالاولى ما عبر به المصنّف (رحمه اللّه).

(و لعلّ هذا مراد من أجاب عن الآية، كالسيّدين و أمين الاسلام ... إلى آخره)، أي: ما ذكر من عدم اعتبار مفهوم الوصف، أو عدم ثبوته، يكون مراد من أجاب عن الآية، مثل السيد المرتضى و ابن زهرة و الطبرسي و غيرهم، حيث قالوا: إنّ الاستدلال بالآية (مبنيّ‏

16

على دليل الخطاب و لا نقول به.

و إن كان باعتبار مفهوم الشرط، كما يظهر من المعالم و المحكيّ عن جماعة، ففيه: إنّ مفهوم الشرط عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و عدم التبيّن هنا لأجل عدم ما يتبيّن،

____________

على دليل الخطاب)، أي: المفهوم المخالف المقابل لمفهوم الموافقة، فيكون دليل الخطاب مقابلا لحسن الخطاب، و فحواه المقصود منهما هو مفهوم الموافقة (و لا نقول به)، أي:

المفهوم.

ثمّ دليل الخطاب كما يطلق على مفهوم الشرط كذلك يطلق على مفهوم الوصف، و لكن المراد به- هاهنا- هو مفهوم الوصف، إذ بعض هؤلاء يقول بحجّية مفهوم الشرط، كالعلّامة (رحمه اللّه)، و المحقّق (رحمه اللّه).

لا يقال: إنّ المعروف بين العلماء هو قولهم: إنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّية و المستفاد منه ثبوت المفهوم للوصف، فلما ذا ذهب هؤلاء إلى عدم القول بمفهوم الوصف؟ فإنّه يقال: إنّ تعليق الحكم على الوصف و إن كان مشعرا بالعلّية في الجملة و هي غير كافية في إثبات المفهوم؛ لأنّ المفهوم موقوف على العليّة المنحصرة، و تعليق الحكم على الوصف لا يدل على حصر العلّية في الوصف حتى يتحقّق المفهوم.

هذا تمام الكلام في الإشكال على مفهوم الوصف، و بقي الكلام في الإيراد على مفهوم الشرط، فقد أشار إليه بقوله:

(و إن كان باعتبار مفهوم الشرط، كما يظهر من المعالم و المحكيّ عن جماعة، ففيه: إنّ مفهوم الشرط عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و عدم التبيّن هنا لأجل عدم ما يتبيّن ... إلى آخره)، و يتضح الإشكال على مفهوم الشرط بعد تقديم أمور:

منها: بيان كيفيّة تحقّق المفهوم للجملة الشرطية، فنقول: إنّ كيفية أخذ المفهوم من الجملة الشرطية هو تبديل كل من الشرط و الجزاء بما هو نقيض كل منهما مع إبقاء سائر الأجزاء.

و منها: إبقاء الموضوع على حاله، فيكون مفهوم: إن جاءك زيد فأكرمه، هو: إن لم يجئك زيد لا تكرمه، لا إن لم يجئك زيد فأكرم عمرا الجائي؛ لأنّه موضوع آخر لا يرتبط بالقضية الشرطية أصلا، فالمفهوم هو انتفاء الحكم في الجزاء عند انتفاء الشرط فقط مع بقاء ما هو

17

فالجملة الشرطيّة هنا مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، كما في قول القائل: إن رزقت ولدا فاختنه، و إن ركب زيد فخذ ركابه، و إن قدم من السفر فاستقبله، و إن تزوّجت فلا تضيع حقّ زوجتك، و إذا قرأت الدرس فاحفظه.

قال اللّه سبحانه:

وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا (1)

،

وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (2)

، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى.

____________

الموضوع في الحكم.

و منها: إنّ القضية الشرطية تنقسم إلى قسمين:

قسم له مفهوم نحو: إن جاءك زيد فأكرمه.

و قسم لا يكون له مفهوم، و هو ما إذا كان مفهومه سالبة بانتفاء الموضوع كما في المقام، حيث كان الموضوع هو مجي‏ء الفاسق، و الحكم هو وجوب التبيّن.

فيكون المفهوم- حينئذ- هو عدم وجوب التبيّن عند عدم مجي‏ء الفاسق بنبإ، فيكون انتفاء وجوب التبيّن بانتفاء الموضوع كما أشار إليه بقوله:

(و عدم التبيّن هنا لأجل عدم ما يتبيّن)، أي: الموضوع، و هو مجي‏ء الفاسق بنبإ، فحينئذ تكون القضية الشرطية لبيان تحقّق الموضوع لا للمفهوم، كما قال المصنّف (رحمه اللّه).

فالجملة الشرطية- هنا- مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، و قد ذكر لها أمثلة متعدّدة:

منها: إن رزقت ولدا فاختنه، فانتفاء الشرط يستلزم انتفاء الموضوع، و يكون انتفاء الحكم في الجزاء لأجل انتفاء الموضوع، فانتفاء وجوب الختان في المثال المذكور يكون لانتفاء الولد، و قس عليه بقية الأمثلة المذكورة في المتن.

و منها: بيان ما هو النكتة و السرّ لعدم المفهوم، فيما إذا كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، و كان مفهومها سالبة بانتفاء الموضوع.

و يتضح ذلك بعد تقديم مقدمة، و هي أنّ التكليف سواء كان مستفادا من المفهوم أو المنطوق يكون مشروطا على أن يكون ما تعلق به التكليف مقدورا للمكلف، ثمّ المقدور ما يكون وجوده و عدمه ممكنا للمكلف، فما لا يكون عدمه و تركه أو فعله مقدورا لا يعد

____________

(1) الأعراف: 204.

(2) النساء: 86.

18

و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما يقال تارة:

إنّ عدم مجي‏ء الفاسق يشمل ما لو جاء العادل بنبإ، فلا يجب تبيّنه فيثبت المطلوب.

____________

مقدورا كحركة يد المرتعش و خلق الحيوان و غيرهما.

إذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك أنّه إذا كان مفهوم الشرط سالبة بانتفاء الموضوع لكان التكليف في جانب المفهوم بما هو غير مقدور للمكلّف كما لا يخفى.

ففي المثال المذكور في المتن: إذا رزقت ولدا فاختنه، حيث يكون المفهوم إن لم ترزق ولدا لا تختنه، يكون التكليف بترك الختان بالنهي عنه في فرض عدم وجود الولد تكليفا بما هو غير مقدور، إذ المكلّف لا يتمكن من الختان من جهة عدم وجود الولد.

و تقدّم أنّ ما لا يكون فعله مقدورا لا يكون تركه مقدورا، فلا يجوز التكليف في جانب المفهوم و لهذا لا مفهوم لها.

هذا بخلاف مثال: إن جاءك زيد فأكرمه، حيث يكون المفهوم: إن لم يجئك زيد لا تكرمه، فإنّ التكليف بترك الإكرام في جانب المفهوم، كالتكليف بالإكرام في جانب المنطوق، يكون بما هو مقدور للمكلّف، إذ يتمكن المكلّف من إكرام زيد على تقدير عدم المجي‏ء بالذهاب إلى بيته، فيكون ترك الإكرام- أيضا- مقدورا، فيصح أن ينهى عنه بالمفهوم.

إذا عرفت هذه الامور يتضح لك ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه)، من عدم المفهوم للقضية الشرطية في الآية الشريفة لأنّها مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، فيكون مفهومها سالبة بانتفاء الموضوع، و لم يكن لبيان التكليف حتى يسمّى مفهوما اصطلاحيا. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الإشكال على مفهوم الشرط.

(و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما يقال تارة: إنّ عدم مجي‏ء الفاسق يشمل ما لو جاء العادل بنبإ، فلا يجب تبيّنه فيثبت المطلوب)، فظهر ممّا ذكرنا- من أنّ الجملة الشرطية في المقام مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، فلا يعقل أن يكون لها مفهوم أصلا- فساد [فاعل ظهر] ما قيل: بثبوت المفهوم في المقام تارة بأنّ مفهوم: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا هو إن لم يجئكم فاسق بنبإ فلا تتبيّنوا، و هذا المفهوم يشمل ما إذا لم يكن هناك خبر أصلا، لا من الفاسق و لا من العادل، و ما إذا كان هناك خبر جاء به العادل فلا يجب تبيّنه، فيثبت‏

19

و اخرى: إنّ جعل مدلول الآية هو عدم وجوب التبيّن في خبر الفاسق لأجل عدمه يوجب حمل السالبة على المنتفية بانتفاء الموضوع، و هو خلاف الظاهر.

وجه الفساد: إنّ الحكم إذا ثبت لخبر الفاسق بشرط مجي‏ء الفاسق به، كان المفهوم بحسب الدلالة العرفيّة أو العقليّة انتفاء الحكم المذكور في المنطوق عن الموضوع المذكور فيه عند انتفاء الشرط المذكور فيه. ففرض مجي‏ء العادل بنبإ عند عدم الشرط- و هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ- لا يوجب انتفاء التبيّن عن خبر العادل الذي جاء به؛ لأنّه لم يكن مثبتا في المنطوق حتى ينفى في المفهوم، فالمفهوم في الآية و أمثالها ليس قابلا لغير السالبة بانتفاء

____________

المطلوب.

(و اخرى) بأن جعل مفهوم الآية سالبة بانتفاء الموضوع يكون خلاف الظاهر، و ذلك إذا دار الأمر بين كون القضية السالبة سالبة بانتفاء الموضوع و بين كونها سالبة بانتفاء المحمول، وجب حملها على الثاني لكونها ظاهرة فيه.

و في المقام يدور أمر المفهوم، و هو إن لم يجئكم فاسق بنبإ فلا تتبيّنوا، بين السلب بانتفاء الموضوع، و هو ما إذا لم يكن هناك خبر أصلا، لا من الفاسق و لا من العادل، و بين السلب المحصّل، و هو ما إذا كان هناك خبر جاء به العادل، فيحمل على الثاني لكون السلب ظاهرا في السلب المحصّل، فيكون المفهوم عدم وجوب التبيّن عند مجي‏ء العادل بالنبإ، و هو المطلوب.

و بالجملة، إن تصحيح المفهوم يمكن بأحد الوجهين:

الأول: من جهة الشمول، أي: شمول المفهوم لخبر العادل.

و الثاني: من جهة الظهور، أي: ظهور المفهوم في السلب المحصّل، فيجب حمله عليه.

ثمّ وجه فساد كلا الوجهين كما أشار إليه بقوله: (وجه الفساد ... إلى آخره) يظهر ممّا ذكرنا في بيان كيفية أخذ المفهوم من القضية الشرطية؛ من أنّ المفهوم هو تبديل كل من الشرط و الجزاء بالنقيض، مع إبقاء الموضوع على حاله، فيكون الموضوع في المفهوم عين ما هو الموضوع في المنطوق؛ لأنّ المنطوق هو إثبات الحكم المذكور للموضوع المذكور عند تحقّق الشرط المذكور، فيكون المفهوم هو انتفاء الحكم المذكور في المنطوق عن الموضوع المذكور في المنطوق الباقي في المفهوم عند انتفاء الشرط المذكور في‏

20

الموضوع، و ليس هنا قضيّة لفظيّة سالبة دار الأمر بين كون سلبها لسلب المحمول عن الموضوع الموجود، أو لانتفاء الموضوع.

____________

المنطوق.

فحينئذ يكون المفهوم في الآية الشريفة هو انتفاء الحكم المذكور، أي: وجوب التبيّن عن الموضوع المذكور- أعني: خبر الفاسق- عند انتفاء الشرط المذكور- أعني: مجي‏ء الفاسق بالنبإ- فلا يشمل المفهوم خبر العادل أصلا؛ لأنّ الموضوع في المنطوق هو خبر الفاسق، فلا بدّ أن يكون الموضوع في المفهوم- أيضا- هو خبر الفاسق، و حكمه هو عدم وجوب التبيّن.

غاية الأمر يكون انتفاء التبيّن عن خبر العادل أجنبيّا عن الشرط؛ لأنّ الشرط هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ، فبانتفائه ينتفي نبأ الفاسق و خبره الموضوع لوجوب التبيّن في المنطوق.

فالحاصل: إنّ انتفاء التبيّن عن خبر العادل أجنبي عن الشرط في الآية، و لا يرتبط به أصلا، فما ذكر من تصحيح المفهوم بشموله لخبر العادل فاسد قطعا.

ثمّ السلب في جانب المفهوم لا يمكن أن يكون بانتفاء المحمول، فما ذكر في الوجه الثاني من حمل السلب على السلب المحصّل باطل، إذ حمل السلب على المحصّل يصحّ فيما إذا يمكن الحمل عليه، و لكن المفهوم في الآية ليس قابلا لغير السالبة بانتفاء الموضوع، و تقدّم أنّ كل جملة شرطية يكون مفهومها سالبة بانتفاء الموضوع لا مفهوم لها، بل سيقت لبيان تحقّق الموضوع.

(و ليس هنا قضيّة لفظيّة سالبة دار الأمر بين كون سلبها لسلب المحمول ... إلى آخره)، و ما ذكر من تصحيح المفهوم بأنّ الأمر لو دار بين كون القضية السالبة سالبة بانتفاء الموضوع، و كونها سالبة بانتفاء المحمول، وجب حملها على الثاني يكون صحيحا في نفسه.

و لكنّ القضية السالبة في المقام لا تصلح إلّا للسلب بانتفاء الموضوع، فلا يدور أمرها بين السلب المحمولي و السلب الموضوعي حتى يحمل على الأول دون الثاني، و ما ذكر في الوجه الثاني إنّما يتمّ فيما إذا كانت القضية السالبة صالحة للسلب بانتفاء المحمول و الموضوع معا، فلا يجري في المقام، كما لا يخفى.

21

الثاني: ما أورده في محكيّ العدّة و الذريعة و الغنية و مجمع البيان و المعارج و غيرها، من انّا لو سلّمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل غير المفيد للعلم، لكن نقول: إنّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن في كلّ خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به، و إن كان المخبر عادلا، فيعارض المفهوم و الترجيح مع ظهور التعليل.

لا يقال: إنّ النسبة بينهما و إن كانت عموما من وجه فيتعارضان في مادّة الاجتماع- و هي خبر العادل غير المفيد للعلم- لكن يجب تقديم عموم المفهوم و إدخال مادّة الاجتماع فيه، إذ

____________

و بالجملة، ما ذكر من الوجهين في تصحيح المفهوم مردود و باطل، فيبقى الإشكال على حاله، و ليس قابلا للجواب على رأي المصنّف (رحمه اللّه).

(الثاني: ما أورده في محكيّ العدّة و الذريعة و الغنية و مجمع البيان و المعارج ... إلى آخره)، إنّ المصنّف (رحمه اللّه) بعد الفراغ عن الإيراد الأول يشير بقوله: (الثاني) إلى الإيراد الثاني الذي لا يمكن الجواب عنه.

و هذا الإشكال و إن كان كالإشكال الأول ردّا للاستدلال بمفهوم الآية على حجّية خبر العادل إلّا أنّه يفترق عنه بأنّ الأول يكون راجعا إلى منع المفهوم من حيث وجود المقتضي و هذا الإشكال يرجع إلى منعه من جهة وجود المانع كما لا يخفى.

و تقريب الإشكال: إنّ المفهوم على فرض تسليمه و إن كان دالا على حجّية خبر العادل غير الفيد للعلم إلّا أنّ مقتضى عموم التعليل عدم حجّيته، فيكون المفهوم معارضا بعموم التعليل، و ذلك أنّ اللّه تعالى قد حكم في صدر الآية الشريفة بوجوب التبيّن في خبر الفاسق، ثم علّله باحتمال الوقوع في الندم.

و هذا التعليل يجري في خبر العادل فيقتضي وجوب التبيّن فيه كخبر الفاسق، ثمّ إنّ الحكم يدور مدار علّته سعة و ضيقا، فالحكم بوجوب التبيّن يجري في خبر العادل لوجود علّته فيه، فلا يكون حجّة، و يكون المفهوم الدال على الحجّية معارضا مع عموم التعليل.

و يقدم عموم التعليل على المفهوم لترجيحه عنه، كما أشار إليه بقوله: (و الترجيح مع ظهور التعليل)؛ لأنّ دلالته على عدم الحجّية يكون بالمنطوق، و معلوم أنّ المنطوق أقوى من المفهوم فيقدم عليه.

(لا يقال: إنّ النسبة بينهما و ان كانت عموما من وجه فيتعارضان في مادّة الاجتماع-

22

لو خرج عنه و انحصر مورده في خبر العادل المفيد للعلم كان لغوا؛ لأنّ خبر الفاسق المفيد للعلم- أيضا- واجب العمل، بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق و المفهوم معا، فيكون المفهوم أخصّ مطلقا من عموم التعليل.

____________

و هي خبر العادل غير المفيد للعلم- ... إلى آخره)، هذا الإشكال يرجع إلى تقديم عموم التعليل على المفهوم، فيقول المستشكل: هذا التقديم بنفسه و إن كان صحيحا إلّا أنّه في خصوص المقام لا يكون صحيحا لاستلزامه لغوية المفهوم في كلام الحكيم، فحفظا لكلام الحكيم عن هذا المحذور يجب تقديم المفهوم على التعليل.

و بيان ذلك: إنّ النسبة بين المفهوم و التعليل هي عموم من وجه؛ لأن التعليل يقتضي عدم حجّية خبر الواحد الظنّي مطلقا، أي: سواء كان المخبر عادلا أو فاسقا، و المفهوم يقتضي حجّية خبر العادل مطلقا سواء كان مفيدا للعلم أم لم يكن.

فمادة الافتراق من جانب المفهوم هي خبر العادل المفيد للعلم، و من جانب التعليل خبر الفاسق الظنّي، و مادة الاجتماع هي خبر العادل الظنّي، فيتعارضان فيه؛ لأن مقتضى المفهوم هو الحجّية، و مقتضى التعليل هو عدمها، فيجب تقديم المفهوم و إدخال مادة الاجتماع فيه، و حمل التعليل على خصوص خبر الفاسق حتى لا يكون المفهوم لغوا، إذ لو عكس الأمر لزم أن يكون المفهوم لغوا؛ لانحصار مورده فى خبر العادل العلمي الذي لم يكن له مفهوم لحجّية خبر الفاسق العلمي أيضا، فيجب تقديم المفهوم حفظا لكلام الحكيم عن اللغوية، هذا أولا.

و ثانيا: قد أشار إليه بقوله: (بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق و المفهوم معا)، و حاصل هذا الردّ الثاني لعموم التعليل: إنّ تقديم المفهوم على عموم التعليل يكون على القاعدة، و هي حمل العامّ على الخاصّ، و جعله مخصّصا له؛ لأنّ النسبة بينهما هي عموم مطلق لا من وجه.

لأنّ الخبر العلمي مطلقا- سواء كان المخبر فاسقا أو عادلا- يكون خارجا عن المنطوق و المفهوم معا، فتنقلب النسبة- حينئذ- إلى العموم المطلق؛ لاجتماعهما في خبر العادل و افتراق التعليل في خبر الفاسق، فيكون المفهوم خاصّا و مخصّصا لعموم التعليل عملا على القاعدة المتقدمة.

23

لأنّا نقول: ما ذكره أخيرا من أنّ المفهوم أخصّ مطلقا من عموم التعليل مسلّم، إلّا أنّا ندّعي التعارض بين ظهور عموم التعليل في عدم جواز العمل بخبر العادل غير العلمي و ظهور الجملة الشرطيّة أو الوصفيّة في ثبوت المفهوم، فطرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطيّة عن المفهوم اولى من ارتكاب التخصيص في التعليل، و إليه أشار في محكيّ العدّة، بقوله: «لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل، و التعليل دليل».

____________

هذا غاية ما يمكن أن يقال في الإيراد على التعليل بالوجهين المذكورين: (لأنّا نقول: ما ذكره أخيرا من أنّ المفهوم أخصّ مطلقا من عموم التعليل مسلّم).

يقول المصنّف (رحمه اللّه): إنّ المسلّم هو كون المفهوم أخصّ من عموم التعليل، فتكون النسبة بينهما هي عموم مطلق لا من وجه.

و ردّ الإشكال الأول على تقديم التعليل يكون بردّ مبناه، و هو كون النسبة بينهما عموما من وجه، فيبقى الإشكال الثاني على تقديم التعليل على المفهوم.

و حاصل الجواب: إنّا سلّمنا أنّ النسبة هي عموم مطلق لا من وجه، و إنّ مقتضى القاعدة هو تقديم الخاصّ على العامّ إلّا أنّ الأمر في المقام هو بالعكس، أي: تقديم عموم التعليل على المفهوم، و ذلك لأنّ عموم التعليل دليل و قرينة على عدم تحقّق المفهوم أصلا فلا ظهور له، إذ ظهور المفهوم في الخصوص فرع لتحقّقه و ثبوته، فيكون المقام خارجا عن مورد قاعدة حمل العامّ على الخاصّ، إذ القاعدة المذكورة تجري فيما إذا كان ظهور الخاصّ ثابتا كما كان الخاصّ بدليل منفصل عن العامّ.

ففي المقام نطرح المفهوم من الأول، و نحكم بعدم تحقّقه بقرينة التعليل، فحينئذ لا يعقل التعارض بينهما حتى يقال: إنّ الترجيح مع الخاصّ.

نعم، يقع التعارض بين ظهور عموم التعليل في عدم حجّية خبر العادل، و ظهور الجملة الشرطية في تحقّق المفهوم، فيقال: إنّ الترجيح مع ظهور التعليل و لازمه عدم ثبوت المفهوم للجملة الشرطية، كما قال المصنّف (رحمه اللّه): (فطرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم اولى من ارتكاب التخصيص في التعليل)، أي: إنّ الأخذ بعموم التعليل، و الالتزام بعدم ثبوت المفهوم يكون اولى، كما سيأتي وجه الأولوية، فانتظر.

(و إليه أشار في محكيّ العدّة بقوله: لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل، و التعليل دليل)،

24

و ليس في ذلك منافاة لما هو الحقّ، و عليه الأكثر، من جواز تخصيص العامّ بمفهوم المخالفة، لاختصاص ذلك- أوّلا- بالمخصّص المنفصل. و لو سلّم جريانه في الكلام الواحد منعناه في العلّة و المعلول، فإنّ الظاهر عند العرف أنّ المعلول يتبع العلّة في العموم و الخصوص.

فالعلّة تارة تخصّص مورد المعلول و إن كان عامّا بحسب اللفظ، كما في قول القائل: لا

____________

و إلى كون تقديم التعليل اولى من المفهوم أشار محكي العدّة، حيث قال: لا نمنع ترك دليل الخطاب، أي: مفهوم المخالفة لدليل.

ثمّ قال: و التعليل دليل، فيجوز طرح مفهوم المخالفة بالتعليل، فهذا يكون مؤيّدا لما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) من تقديم التعليل على المفهوم.

قوله: (و ليس في ذلك منافاة لما هو الحق ... إلى آخره) دفع لم يتوهّم من أنّ المعروف هو جواز تخصيص العام بالمفهوم المخالف، فيجوز تخصيص عموم التعليل بالمفهوم في المقام، فلما ذا طرح المفهوم و أخذ بعموم التعليل؟

و حاصل الدفع أنّه لا منافاة في طرح المفهوم و الأخذ بعموم التعليل لما هو الحقّ من جواز تخصيص العام بالمفهوم؛ لأن جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة مختصّ بالمخصّص المنفصل، و في المقام ليس المفهوم الخاصّ منفصلا.

و الحاصل أنّ قاعدة تقديم الخاصّ على العام تكون مختصّة فيما إذا كان الخاص في كلام و العام في كلام آخر، و لا تجري فيما إذا كانا في كلام واحد كالمقام.

ثمّ لو سلّم جريان تخصيص العام بالمفهوم في الكلام الواحد لمنع في العلّة و المعلول- كما نحن فيه- كما أشار إليه بقوله: (فإنّ الظاهر عند العرف أنّ المعلول يتبع العلّة في العموم و الخصوص ... إلى آخره) لأن الحكم تابع للعلّة و لا يتعداها.

و حينئذ قد يكون التعليل مخصّصا للحكم المعلول و إن كان بحسب اللفظ عامّا، كما في المثال المذكور في المتن، و هو: لا تأكل الرمّان لأنه حامض، فإنّ النهي قد تعلّق بالرمّان الشامل للحلو و الحامض، فيكون الحكم بالحرمة عامّا شاملا لمطلق الرمّان سواء كان حلوا أو حامضا، إلّا أنّ التعليل مختصّ بالحامض، فيخصّص مورد النهي بالأفراد الحامضة، فنظرا إلى التعليل يختصّ الحكم بالحرمة بالحامض من الرمّان.

25

تأكل الرمّان لأنّه حامض، فيخصّصه بالأفراد الحامضة، فيكون عدم التقييد في الرمّان لغلبة الحموضة فيه.

و قد توجب عموم المعلول و إن كان بحسب الدلالة اللفظيّة خاصّا، كما في قول القائل: لا تشرب الأدوية التي تصفها لك النسوان، أو إذا وصفت لك امرأة دواء فلا تشربه؛ لأنّك لا تأمن ضرره.

فيدلّ على أنّ الحكم عامّ في كلّ دواء لا يؤمن ضرره من أي واصف كان، و يكون‏

____________

ثمّ التعليل في هذا المثال كما هو مخصّص كذلك يكون معمّما؛ لأنه يتعدّى من الرمّان الحامض إلى كل حامض بحكم التعليل.

قوله: (فيكون عدم التقييد في الرمّان لغلبة الحموضة فيه ... إلى آخره) دفع للسؤال، و هو: لما ذا لا يقال في المثال المذكور: لا تأكل الرمّان الحامض ليفيد التقييد بالوصف ما أفاده التعليل من الأول من دون تكلّف التخصيص بعد التعميم بالتعليل؟ فدفع هذا السؤال بقوله: فيكون عدم التقييد ... إلى آخره.

و حاصل الدفع أنّه لمّا كان الغالب في الرمان هو الحموضة بحيث يكون الحلو كالمعدوم، و كان المتبادر في ذهن المخاطب من لفظ الرمان هو الحامض فقط كان التقييد بالوصف حينئذ لغوا و بلا فائدة إذ كانت فائدته هي الاحتراز عن الحلو، و المفروض هو عدم وجوده أو قلّة وجوده، و المتبادر من الإطلاق هو الحامض من دون حاجة إلى التقييد، فيكون التقييد لغوا، و لهذا ذكر التعليل ليكون مفيدا لما هو المطلوب بالصراحة من دون لزوم اللغوية كما لا يخفى.

ثمّ قد يكون تعليل الحكم معمما له و ان كان الحكم بحسب الدلالة اللفظية خاصّا كما ذكر المصنّف (رحمه اللّه) مثالين:

أحدهما: للوصف كقول القائل: (لا تشرب الأدوية التي تصفها لك النسوان).

و الثاني: للشرط كقول القائل: (إذا وصفت لك امرأة دواء فلا تشربه)، ثمّ علّل الحكم بعدم جواز شرب الدواء في المثالين بقوله: (لأنّك لا تأمن ضرره)، فيدل التعليل على العموم، فيجب الاجتناب عن شرب كل ما لا يأمن ضرره‏ (من أي واصف كان)، أي: و إن كان الواصف من الرجال، مع أنّ مقتضى المفهوم هو جواز شرب الأدوية التي يصفها

26

تخصيص النسوان بالذكر من بين الجهّال لنكتة خاصّة أو عامّة لاحظها المتكلّم.

و ما نحن فيه من هذا القبيل، فلعلّ النكتة فيه التنبيه على فسق الوليد كما نبّه عليه في المعارج. و هذا الإيراد مبنيّ على أنّ المراد بالتبيّن هو التبيّن العلمي كما هو مقتضى اشتقاقه.

____________

الرجال، فيؤخذ بعموم التعليل و يطرح المفهوم.

و قوله: (و يكون تخصيص النسوان بالذكر ... إلى آخره) دفع لما يتوهّم من أنّه كان الاولى أن يقال من الأول: لا تشرب ما يحتمل فيه الضرر من الدواء، من دون حاجة إلى ذكر النسوان، فلا وجه حينئذ لذكر النسوان.

و حاصل الدفع كما هو مذكور في المتن: إنّ في تخصيص النسوان بالذكر (لنكتة خاصة)؛ و هي كونهنّ ناقصات العقول، أو نكتة عامة و هي: إنّ عدم الأمن من الضرر يكون غالبا في الأدوية التي تصفها النسوان، و احتمال الضرر فيما يصفه الرجال ضعيف.

(و ما نحن فيه من هذا القبيل)؛ لأنّ الحكم تابعا لعلّته، فتكون سعة الحكم الشامل لخبر العادل غير العلمي بسعة العلّة، فإنّ مقتضى المفهوم- و هو عدم وجوب التبيّن- و إن كان مختصّا بخبر العادل، إلّا أنّ التعليل يدل على وجوب التبيّن في كل خبر يحتمل فيه الوقوع في الندم، فيجب الأخذ به لما ذكر من أنّ الحكم تابع لعلّته في العموم و الخصوص.

قوله: (فلعلّ النكتة فيه التنبيه على فسق الوليد) دفع لما يتوهّم من أنّه كان ينبغي أن يقول: إن جاءكم خبر يحتمل فيه الندم، فتبيّنوا، إذ لا وجه لتخصيص الفاسق بالذكر مع عدم اختصاص الحكم به.

و حاصل الدفع لهذا التوهم: هو أنّ تخصيص الفاسق بالذكر لعلّه يكون لنكتة و هي التنبيه على فسق الوليد.

و يؤيّده ما قيل في شأن نزول هذه الآية الشريفة: من أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعث الوليد بن عتبة إلى قبيلة بني المصطلق لجمع الصدقات فلما رأوه، فجمعوا لاستقباله فظن أنّهم أرادوا قتله، فعاد إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أخبر بأنّهم ارتدّوا عن دينهم و أرادوا قتله، فأراد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الخروج إلى قتالهم، فنزلت هذه الآية.

و بالجملة، يكون ذكر الفاسق لنكتة خاصّة و هي التنبيه على فسق الوليد.

(و هذا الإيراد مبنيّ على أنّ المراد بالتبيّن هو التبيّن العلمي كما هو مقتضى اشتقاقه)، أي: أنّ‏

27

و يمكن أن يقال: إنّ المراد منه ما يعمّ الظهور العرفي الحاصل من الاطمئنان الذي هو مقابل الجهالة.

و هذا و إن كان يدفع الإيراد المذكور عن المفهوم من حيث رجوع الفرق بين الفاسق و العادل- في وجوب التبيّن- إلى أنّ الواقعي يحصل منه غالبا الاطمئنان المذكور بخلاف الفاسق؛ فلهذا وجب فيه تحصيل الاطمئنان من الخارج، لكنّك خبير بأنّ الاستدلال‏

____________

إيراد التعارض بين المفهوم و التعليل يكون مبنيّا على أن يكون المراد من التبيّن هو التبيّن العلمي- أعني: تحصيل العلم- كما هو مقتضى الاشتقاق لأنّه مشتق من البيان بمعنى الكشف و الوضوح، فيكون المراد من الجهالة خلاف العلم الصادق على الاطمئنان.

و حينئذ يقع التعارض بين المفهوم و التعليل لأنّ مقتضى المفهوم هو عدم وجوب تحصيل العلم في خبر العادل، و مقتضى التعليل هو وجوب تحصيل العلم في كل خبر غير علمي. فيأتي ما تقدّم من ترجيح جانب التعليل على المفهوم، فيكون معنى الآية حينئذ: إن جاءكم فاسق بنبإ، فيجب عليكم تحصيل العلم لئلّا تصيبوا قوما بجهالة، أي: لئلّا تفعلوا بغير العلم فتندموا.

(و يمكن أن يقال: إنّ المراد منه ما يعمّ الظهور العرفي الحاصل من الاطمئنان ... إلى آخره).

هذا الكلام من المصنّف (رحمه اللّه) يرجع إلى ردّ التعارض بين المفهوم و التعليل؛ لأنّ التعارض يكون مبنيا على أن يكون التبيّن بمعنى تحصيل العلم.

فيقول المصنّف (رحمه اللّه): يمكن أن يكون المراد من التبيّن ما هو أعمّ من العلم الحقيقي الذي لا يحتمل النقيض، و العلم العرفي المسمّى بالظهور العرفي الشامل للاطمئنان، ثمّ إنّ المراد من الجهالة هو عدم الاطمئنان.

و حينئذ يكون مقتضى المفهوم عدم وجوب التبيّن في خبر العادل لكونه مفيدا للاطمئنان بنفسه، و مقتضى التعليل هو وجوب التبيّن، أعني: تحصيل الاطمئنان في خبر الفاسق الغير المفيد للاطمئنان بنفسه، و لا يشمل خبر العادل حتى يعارض المفهوم.

فأوجب اللّه تعالى التبيّن في خبر الفاسق فقط؛ لعدم كونه مفيدا للاطمئنان بنفسه، فوجب فيه تحصيله من الخارج بالتبيّن، فيكون معنى الآية الشريفة- حينئذ-: إن جاءكم‏

28

بالمفهوم على حجّيّة خبر العادل المفيد للاطمئنان غير محتاج إليه، إذ المنطوق على هذا التقرير يدل على حجّيّة كل ما يفيد الاطمئنان كما لا يخفى، فيثبت اعتبار مرتبة خاصّة من مطلق الظّن.

ثمّ إنّ المحكيّ عن بعض منع دلالة التعليل على عدم جواز الإقدام على ما هو مخالف للواقع، بأنّ المراد بالجهالة: السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله، لا مقابل العلم، بدليل قوله تعالى:

فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1)

. و لو كان المراد الغلط في الاعتقاد لما جاز الاعتماد

____________

فاسق بنبإ يجب عليكم تحصيل الاطمئنان؛ لئلّا تصيبوا قوما بجهالة، أي: لئلّا تفعلوا فعلا بدون الاطمئنان فتندموا.

و بالجملة، إذا كان المراد من التبيّن تحصيل الاطمئنان، و كان المراد من الجهالة عدم الاطمئنان، لكان خبر العادل خارجا عن التعليل؛ لأنّ خبر العادل مفيد للاطمئنان، فالعمل به لم يكن عن جهالة أو فعلا بدون الاطمئنان فلا يشمله حتى يتحقّق التعارض.

(لكنّك خبير بأنّ الاستدلال بالمفهوم على حجّية خبر العادل المفيد للاطمئنان غير محتاج إليه ... إلى آخره)، و حاصل كلام المصنّف (رحمه اللّه) في المقام هو: أنّ حمل التبيّن بالمعنى الأعمّ المذكور الشامل للاطمئنان، و إن كان يدفع الإشكال على المفهوم كما تقدم دفعه مفصلا، إلّا أنّ حجّية خبر العادل حينئذ تكون بالمنطوق لا بالمفهوم، و ذلك؛ لأنّ مفاد آية النبأ هو تحصيل الاطمئنان بالتبيّن في خبر الفاسق، و هو موجود في خبر العادل، فلا يحتاج العمل به إلى تحصيل الاطمئنان، بل تحصيل الاطمئنان في خبره تحصيل لما هو حاصل، و هو محال.

فمنطوق الآية يدل على حجّية كل ما يفيد الاطمئنان كخبر العادل، فيثبت به اعتبار مرتبه خاصة من مطلق الظن، فاتّضح من هذا البيان دلالة الآية بالمنطوق على حجّية خبر العادل، فلا يبقى مجال لما قيل: من أنّ كون المنطوق دالا على اعتبار خبر العادل- يكون- محلّا للنظر، فتأمّل.

(ثمّ إنّ المحكيّ عن بعض منع دلالة التعليل على عدم جواز الإقدام على ما هو مخالف‏

____________

(1) الحجرات: 6.

29

على الشهادة و الفتوى.

و فيه- مضافا إلى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة-: إنّ الإقدام على مقتضى قول الوليد

____________

للواقع ... إلى آخره) و الغرض من هذا الكلام هو دفع الإشكال على المفهوم بعموم التعليل بوجه آخر، فيكون جوابا ثانيا عن الإشكال المذكور.

و حاصله: إنّ الجهالة المذكورة في الآية و إن كانت ظاهرة بمعنى عدم العلم؛ لأنّها من الجهل المقابل للعلم إلّا أنّها في الآية لم تكن بمعنى الجهل، بل تكون بمعنى السفاهة، و هي فعل ما لا يجوز فعله عند العقلاء.

فيرجع مفاد الآية إلى أنّ العمل بخبر الفاسق من دون تبيّن يكون من أفعال السفهاء، فيجب التبيّن فيه لئلّا يكون العمل به عن سفاهة، فيكون المفهوم: إنّ العمل بخبر العادل لا يعدّ عند العقلاء عملا عن السفاهة و إن لم يتبيّن أصلا، فيكون حجّة من دون التبيّن بمقتضى المفهوم.

و الشاهد على كون المراد من الجهالة هو السفاهة- أولا- هو قوله تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏؛ لأنّ الوقوع في الندم يكون في العمل عن سفاهة لا في العمل عن جهل، فإنّ أعمال الناس يوميا تكون أكثرها عن جهل و لا ندامة فيها.

فالتعليل لا يشمل خبر العادل؛ لأنّ العمل بخبر العادل لا يكون سفاهة فيرتفع التعارض و التنافي بين المفهوم و التعليل.

و الشاهد الثاني على أنّ المراد من الجهالة هو السفاهة، ما أشار إليه بقوله:

(و لو كان المراد الغلط في الاعتقاد لما جاز الاعتماد على الشهادة و الفتوى)، أي: لو كان المراد من الجهالة عدم العلم لكان مقتضى التعليل هو المنع عن العمل بكل ما لا يفيد العلم.

فحينئذ لا يجوز الاعتماد على الشهادة و الفتوى؛ لأنّ الشهادة لا تفيد العلم للحاكم، كما أنّ الفتوى لا توجب العلم للمقلّد، فيلزم كونهما غير حجّتين مع إنّهما حجّتان إجماعا، فنكشف أنّ الجهالة تكون بمعنى السفاهة، لأنّ العمل بهما لا يكون سفاهة، فيكون كل واحدة منهما حجّة.

نعم، يكون المراد من التبيّن ما هو الظاهر فيه من تحصيل العلم.

30

لم يكن سفاهة قطعا، إذ العاقل، بل جماعة من العقلاء لا يقدمون على الامور من دون وثوق بخبر المخبر بها، فالآية تدلّ على المنع عن العمل بغير العلم، لعلّة هي كونه في معرض المخالفة للواقع.

و أمّا جواز الاعتماد على الفتوى و الشهادة فلا يجوز القياس بها، لما تقدّم في توجيه كلام ابن قبة، من أنّ الإقدام على ما فيه مخالفة الواقع أحيانا قد يحسن لأجل الاضطرار إليه و عدم وجود الأقرب إلى الواقع منه كما في الفتوى، و قد يكون لأجل مصلحة تزيد على مصلحة إدراك الواقع، فراجع.

____________

(و فيه- مضافا إلى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة-: إن الإقدام على مقتضى قول الوليد لم يكن سفاهة قطعا ... إلى آخره) و قد أجاب المصنّف (رحمه اللّه) عن هذا الوجه.

أولا: بأنّ حمل الجهالة على السفاهة يكون من حمل اللفظ على خلاف ظاهره؛ لأنّ ظاهر لفظ الجهالة هو عدم العلم لا السفاهة، مضافا إلى أنّ حمل اللفظ على خلاف الظاهر لا يصح إلّا بقرينة، و هي منتفية.

و أجاب ثانيا بما حاصله: إنّ التعليل لو دل على المنع عن العمل بالخبر بملاك كونه سفهيا، فلا يدل على المنع عن العمل بخبر الفاسق المفيد للوثوق الذي لم يكن العمل به سفهيا، فيختصّ وجوب التبيّن بقسم من خبر الفاسق الذي لا يفيد الوثوق فيكون العمل به سفهيا، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى هو عدم حجّية خبر الفاسق مطلقا، و لا يمكن الاستدلال بنفي حجّية الخاص على نفي حجّية العام.

ثمّ إنّ الشاهد على أنّ العمل بخبر الفاسق مطلقا لا يكون سفهيا، هو إقدام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على مقتضى قول الوليد، كما ورد في شأن نزول الآية، أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) همّ و قصد أن يغزو بني المصطلق فنزلت الآية الشريفة.

فلا يصح- حينئذ- حمل الجهالة على السفاهة، فيكون المراد منها عدم العلم، فيبقى إشكال التعارض بين المفهوم و التعليل على حاله؛ لأنّ التعليل يدل على منع العمل بغير العلم عادلا كان المخبر أو فاسقا.

قوله: (و أمّا جواز الاعتماد على الفتوى و الشهادة، فلا يجوز القياس ... إلى آخره) دفع لما تقدّم من الإشكال الوارد على الفتوى و الشهادة، على تقدير أن يكون المراد من الجهالة

31

فالأولى لمن يريد التفصّي عن هذا الإيراد التشبّث بما ذكرنا، من أنّ المراد بالتبيّن تحصيل الاطمئنان، و بالجهالة الشكّ أو الظنّ الابتدائي الزائل بعد الدقة و التأمّل، فتأمّل.

ففيها إرشاد إلى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره و إن حصل منه الاطمئنان؛ لأنّ الاطمئنان الحاصل من الفاسق يزول بالالتفات إلى فسقه و عدم مبالاته بالمعصية و إن كان‏

____________

عدم العلم؛ إذ التعليل يدل على عدم اعتبارهما- أيضا- لعدم كونهما مفيدين للعلم مع أنّهما ممّا لا شكّ في اعتبارهما، فيمكن أن يقال: باعتبار خبر العادل- أيضا- قياسا عليهما.

و أجاب المصنّف (رحمه اللّه) بما حاصله: إنّه لا يجوز قياس خبر العادل بهما؛ لأنّهما قد خرجتا عمّا دلّ على المنع، و منه عموم التعليل بما دلّ على اعتبارهما، فقد خصّص عموم التعليل بما دل على اعتبارهما، و هذا بخلاف خبر العادل المستفاد اعتباره من المفهوم الذي يكون مع عموم التعليل في كلام واحد، فلا يجوز تخصيص عموم التعليل به كما تقدم، بل الأمر بالعكس، أي: عموم التعليل يكون قرينة على عدم ثبوت المفهوم من الأول.

ثمّ إنّ ما ذكر في شرح هذا الكلام يكون أنسب بالمقام ممّا ذكره الاعتمادي- دام عزّه الشريف- فراجع.

(فالاولى لمن يريد التفصّي عن هذا الإيراد التشبّث بما ذكرنا ... إلى آخره).

يقول المصنّف (رحمه اللّه): من يريد التفصّي عن الإشكال الثاني، و هو تعارض المفهوم و التعليل، فله أن يتمسّك بما ذكرنا من أنّ المراد بالتبيّن هو تحصيل الاطمئنان، و بالجهالة الشكّ أو الظنّ الابتدائي الزائل بعد الدقة، فالتعليل لا يشمل خبر العادل؛ لأنّه يوجب الاطمئنان، فيرتفع التعارض بين المفهوم و التعليل.

(فتأمّل) لعلّه إشارة إلى ما تقدّم من أنّه إذا كان المراد بالتبيّن تحصيل الاطمئنان، لكان اعتبار خبر العادل بالمنطوق من دون حاجة إلى المفهوم.

قوله: (ففيها إرشاد إلى عدم جواز مقايسة الفاسق بغيره ... إلى آخره) دفع لما يمكن أن يرد من الإشكال، و ملخّصه: إنّه إذا كان التبيّن بمعنى الاطمئنان، و الجهالة بمعنى عدم الاطمئنان؛ لما صحّ الأمر بالتبيّن في مطلق خبر الفاسق؛ لأنّ خبر الفاسق قد يوجب الاطمئنان، و مقتضى الآية هو جواز العمل بكل خبر يوجب الاطمئنان، فاسقا كان المخبر أم عادلا، فلا وجه بالتبيّن في خبر الفاسق على نحو المطلق.

32

متحرّزا عن الكذب، و منه يظهر الجواب عمّا ربّما يقال: من أنّ العاقل لا يقبل الخبر من دون اطمئنان بمضمونه، عادلا كان المخبر أو فاسقا، فلا وجه للأمر بتحصيل الاطمئنان في الفاسق، و أمّا ما اورد على الآية- بما هو قابل للذّبّ عنه- فكثير:

منها: معارضة مفهوم الآية بالآيات الناهية عن العمل بغير العلم، و النسبة عموم من وجه. فالمرجع إلى أصالة عدم الحجّية.

____________

و أجاب المصنّف (رحمه اللّه) عن هذا الإشكال بقوله: (ففيها)، أي: الآية (إرشاد ... إلى آخره)، و حاصل دفع الإشكال:

إنّ في الآية إرشادا إلى الفرق بين العادل و الفاسق، و عدم جواز مقايسة الفاسق بالعادل، و حاصل الفرق هو عدم الاعتماد بخبر الفاسق من دون التبيّن، و إن كان قد يوجب الاطمئنان؛ لأنّ الاطمئنان الحاصل منه يزول بالالتفات إلى فسقه و عدم مبالاته، فيجب تحصيل الاطمئنان المستقر من الخارج.

فالآية إرشاد و إشارة إلى وجوب التبيّن فيه مطلقا، إمّا لعدم حصول الاطمئنان منه أو زواله بعد الحصول، و هذا بخلاف خبر العادل حيث يحصل منه الاطمئنان المستقر الثابت خصوصا عند الالتفات إلى عدالته.

(و منه يظهر الجواب عمّا ربّما يقال: من أنّ العاقل لا يقبل الخبر من دون اطمئنان)، و ممّا ذكرنا- من عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق و إن كان موجبا للاطمئنان؛ لعدم كونه مستقرا- يظهر و يتضح الجواب عمّا يقال: من أنّ الأمر بالتبيّن بمعنى الاطمئنان لغو؛ لأن العاقل لا يقبل الخبر و لا يعمل به ما لم يحصل منه الاطمئنان، سواء كان المخبر فاسقا أو عادلا.

فحكم العقل يكون كافيا في تحصيل الاطمئنان فلا حاجة إلى الأمر به، و لا بدّ أن يكون المراد من التبيّن هو تحصيل العلم، و المراد من الجهالة عدم العلم، حفظا لكلام الحكيم عن اللغوية، و حينئذ يصحّ الأمر بالتبيّن في خبر الفاسق. و قد تقدّم الجواب فلا حاجة إلى ذكره ثانيا.

هذا تمام الكلام في الإشكال على آية النبأ، الذي لا يمكن الذبّ عنه عند المصنّف (رحمه اللّه).

ثم يبدأ ببيان ما اورد على الآية بما يكون قابلا للجواب فيقول: (و أمّا ما اورد على الآية

33

و فيه: أنّ المراد بالنبإ في المنطوق ما لا يعلم صدقه و لا كذبه، فالمفهوم أخصّ مطلقا من تلك الآيات، فيتعيّن تخصيصها، بناء على ما تقرّر من أنّ ظهور الجملة الشرطيّة في المفهوم أقوى من ظهور العامّ في العموم. و أمّا منع ذلك فيما تقدّم من التعارض بين عموم التعليل و ظهور المفهوم فلما عرفت من منع ظهور الجملة الشرطيّة المعلّلة بالتعليل الجاري، في صورتي وجود الشرط و انتفائه في إفادة الانتفاء عند الانتفاء، فراجع.

____________

- بما هو قابل للذبّ عنه- فكثير، منها: معارضة مفهوم الآية بالآيات الناهية) و تقريب الإشكال- بكون مفهوم الآية معارضا للآيات الناهية- و يتضح بعد تقديم مقدمة و هي:

إنّ النسبة بينهما هي عموم من وجه، حيث يكون مقتضى المفهوم حجّية خبر العادل مطلقا، أي: سواء كان مفيدا للعلم أو الظن، و يكون مفاد الآيات الناهية عدم حجّية الظن مطلقا، سواء حصل من خبر العادل أو من غيره.

فمادة الافتراق، من جانب المفهوم: هو خبر العادل المفيد للعلم، و من جانب الآيات الناهية: هو خبر الفاسق، و مادة الاجتماع: هو خبر العادل الظنّي، فيحكم بتساقطهما، و يرجع إلى أصالة حرمة العمل بغير العلم، كما أشار إليه بقوله: (فالمرجع إلى أصالة عدم الحجّية، و فيه: أنّ المراد بالنبإ في المنطوق ما لا يعلم صدقه و لا كذبه، فالمفهوم أخصّ مطلقا من تلك الآيات ... إلى آخره).

و حاصل جواب المصنّف (رحمه اللّه) عن هذا الإشكال، يرجع إلى ردّ كون النسبة عموما من وجه، بل هي عموم مطلق، و يكون المفهوم أخصّ من الآيات الناهية، فحينئذ يتعيّن تخصيص الآيات بالمفهوم بمقتضى الجمع العرفي، كما قيل: الجمع مهما أمكن اولى من الطرح.

و أمّا بيان كون النسبة عموما مطلقا لا من وجه، فقد أشار إليه بقوله: إنّ المراد بالنبإ في المنطوق هو ما لا يعلم صدقه و لا كذبه، أعني: الخبر الذي يحتمل الصدق و الكذب، فيكون الخبر العلمي خارجا عن المنطوق و المفهوم، فتنقلب النسبة بين المفهوم و الآيات الناهية إلى العموم المطلق، فيجري فيه حكم قاعدة حمل العام على الخاص، و جعله مخصّصا له.

قوله: (و أمّا منع ذلك فيما تقدّم من التعارض بين عموم التعليل و ظهور المفهوم فلما

34

و ربّما يتوهّم أنّ للآيات الناهية جهة خصوص، إمّا من جهة اختصاصها بصورة التمكّن من العلم، و إمّا من جهة اختصاصها بغير البيّنة العادلة و أمثالها ممّا خرج عن تلك الآيات قطعا.

____________

عرفت من منع ظهور الجملة الشرطيّة ... إلى آخره) دفع لما يقال: من أنّ تخصيص عموم الآيات الناهية في المقام بالمفهوم ينافي ما تقدّم من منع تخصيص عموم التعليل بالمفهوم، بل التعليل قدّم عليه.

و دفع هذا التوهّم يتضح بعد بيان الفرق بين ما تقدم من تقديم عموم التعليل على المفهوم و بين المقام، و هو أنّ التعليل فيما تقدم كان مانعا عن تحقّق المفهوم، فعدم تخصيص عموم التعليل بالمفهوم كان لأجل عدم ثبوت المفهوم أصلا، و هذا بخلاف المقام، حيث يكون المفهوم ثابتا؛ لأن الآيات الناهية لا تمنع عن ثبوت المفهوم لكونها منفصلة عنه، فيكون تخصيص الآيات الناهية بالمفهوم الموجود بمقتضى الجمع العرفي.

(و ربّما يتوهّم أنّ للآيات الناهية جهة خصوص ... إلى آخره) بأن تكون النسبة بينهما عموما من وجه، فيكون هذا التوهّم راجعا إلى أصل الإشكال، حيث كان مبنيا على كون النسبة بين المفهوم و الآيات الناهية، عموما من وجه.

و ملخّص التوهّم: أنّه يمكن أن ترجع النسبة بينهما إلى العموم من وجه بالتزام الخصوصية في الآيات الناهية، من إحدى جهتين:

الاولى: هي اختصاصها بصورة التمكّن من العلم و كون باب العلم منفتحا، فيكون مفاد الآيات- حينئذ- حرمة العمل بالظن في صورة التمكّن من العلم و انفتاح باب العلم، فترجع النسبة بينهما- حينئذ- إلى العموم من وجه؛ لاجتماعهما في خبر العادل الظنّي في صورة التمكّن من العلم، إذ مقتضى المفهوم هو الحجّية، و مقتضى الآيات الناهية هو الحرمة و عدم الحجّية، و الافتراق من جانب الآيات خبر الفاسق، و من جانب المفهوم خبر العادل الظنّي حال عدم التمكّن من العلم و الانسداد.

و الجهة الثانية: هي اختصاص الآيات الناهية بغير البيّنة العادلة و الفتوى، فيكون مفادها- حينئذ- حرمة العمل بغير البيّنة و الفتوى من سائر الظنون، سواء حصلت من خبر العادل أو الفاسق.

35

و يندفع الأوّل- بعد منع الاختصاص- بأنّه يكفي المستدلّ كون الخبر حجّة بالخصوص عند الانسداد.

و الثاني: بأنّ خروج ما خرج من أدلّة حرمة العمل بالظنّ لا يوجب جهة عموم في المفهوم، لأنّ المفهوم- أيضا- دليل خاصّ، مثل الخاصّ الذي خصّص أدلّة حرمة العمل‏

____________

و مفاد المفهوم هو حجّية خبر العادل، بيّنة كانت أو رواية، فترجع النسبة بينهما إلى العموم من وجه؛ لاجتماعهما في خبر العادل الظنّي في نقل الرواية و افتراق الآيات في خبر الفاسق و المفهوم في البينة مثلا، فيتعارضان في مادة الاجتماع و يتساقطان، و يرجع إلى أصالة حرمة العمل و عدم الحجّية.

و بالجملة، إنّ التوهّم المذكور يكون مبنيا على أحد أمرين على نحو منع الخلوّ، و قد أشار المصنّف (رحمه اللّه) إلى الجواب عنه من الجهة الاولى بقوله: (و يندفع الأول- بعد منع الاختصاص- بأنه يكفي المستدلّ كون الخبر حجّة بالخصوص عند الانسداد)، و حاصل الجواب يرجع إلى وجهين:

الوجه الأول: هو منع اختصاص الآيات الناهية بصورة الانفتاح و التمكّن من العلم؛ لأنّها غير مقيّدة بصورة التمكّن منه، بل هي مطلقة تشمل بإطلاقها صورة التمكّن و غيرها، فالنسبة بينها و بين المفهوم حينئذ هي العموم المطلق، فيكون المفهوم مخصّصا لها.

و الوجه الثاني: هو أنّ غرض المستدل بالمفهوم هو حجّية خبر الواحد في الجملة، أي:

و لو عند الانسداد، و قد سلّم المتوهّم حجّيته عند الانسداد، و هذا المقدار يكفي في إثبات ما هو المطلوب.

(و الثاني: بأنّ خروج ما خرج من أدلّة حرمة العمل بالظنّ لا يوجب جهة عموم في المفهوم) و يندفع التوهّم من الجهة الثانية بأنّ اختصاص الآيات الناهية بغير البيّنة و أمثالها، و خروج البينة و نحوها منها لا يوجب جهة خصوص فيها و جهة عموم في المفهوم حتى ترجع النسبة إلى العموم من وجه، و يتضح ذلك بعد تقديم مقدمة، و هي:

إنّه إذا كان هناك عامّ و خاصّان لوجبت ملاحظة نسبتهما مع العام عرضا و في مرتبة واحدة، مع قطع النظر عن تخصيص العام بأحدهما أولا، ثمّ تخصيصه بالآخر، إذ التخصيص كذلك- كما يأتي توضيحه في المثال المذكور في المتن- و إن كان قد يوجب‏

36

بالظّن، فلا يجوز تخصيص العامّ بأحدهما أوّلا، ثمّ ملاحظة النّسبة بين العامّ بعد ذلك التخصيص و بين الخاصّ الأخير، فإذا ورد: أكرم العلماء، ثمّ قام الدليل على عدم وجوب إكرام جماعة من فسّاقهم، ثمّ ورد دليل ثالث على عدم وجوب إكرام مطلق الفسّاق منهم؛ فلا مجال لتوهّم تخصيص العامّ بالخاصّ الأوّل أوّلا، ثمّ جعل النسبة بينه و بين الخاصّ الثاني عموما من وجه، و هذا أمر واضح نبّهنا عليه في باب التعارض.

و منها: إنّ مفهوم الآية لو دل على حجّيّة خبر العادل لدلّ على حجّية الإجماع الذي أخبر به السيّد المرتضى و أتباعه (قدّس سرّه)، من عدم حجّية خبر العادل؛ لأنّهم عدول أخبروا بحكم‏

____________

انقلاب النسبة بين العام و الخاص الثاني إلى العموم من وجه، و لكن لا يجوز لحاظ النسبة على نحو ترتيب طولي، بل يجب لحاظها دفعة و عرضا لكونهما في مرتبة واحدة.

فإذا عرفت هذه المقدمة يتضح لك أنّ النسبة بين كل واحد من الخاص و العام تبقى على حالها، و لا تتغيّر أصلا، و انقلاب النسبة و تغييرها يكون مبنيا على لحاظها طوليا، و لكننا قلنا في المقدمة بوجوب ملاحظة النسبة دفعة و عرضا.

فما ذكره المتوهّم مبنيّ على ملاحظة النسبة مرتبة و طولا، إذ- حينئذ- تلاحظ النسبة- أولا- بين أدلة حجّية البيّنة و الآيات الناهية فتخصّص بها، ثمّ تلاحظ النسبة- ثانيا- بين المفهوم و الآيات حال كونها غير شاملة للبيّنة و نحوها، فتكون النسبة- حينئذ- عموما من وجه، كما في المثال المذكور في المتن: إذا ورد عام كقول المولى: أكرم العلماء، ثمّ ورد المنع عن إكرام جماعة منهم، كالفسّاق من النحويين مثلا، ثمّ ورد المنع- ثانيا- عن إكرام مطلق الفساق من العلماء، و خصّص العامّ بالخاصّ الأول، و خرج الفساق من النحويين منه، ثمّ تلاحظ النسبة بين فسّاق مطلق العلماء، و بين العام غير الشامل لفساق النحويين منهم، لانقلبت النسبة إلى العموم من وجه؛ لاجتماعهما في الفساق غير النحويين، و افتراق العام في العدول من العلماء، و افتراق الخاص الثاني في الفساق النحويين منهم، و لكن ملاحظة النسبة طولا تكون باطلة؛ لكونها مستلزمة للترجيح من دون مرجّح، فما ذكره المتوهّم من لحاظ النسبة طولا يكون باطلا، فلا بدّ من ملاحظة النسبة دفعة واحدة، و تكون النسبة- حينئذ- عموما مطلقا لا من وجه.

(و منها: إنّ مفهوم الآية لو دلّ على حجّية خبر العادل لدلّ على حجّية الإجماع الذي‏

37

الامام (عليه السلام)، بعدم حجّية الخبر.

و فساد هذا الإيراد أوضح من أن يبيّن، إذ بعد الغضّ عمّا ذكرنا سابقا في عدم شمول آية النبأ للإجماع المنقول، و بعد الغضّ عن أنّ إخبار هؤلاء معارض بإخبار الشيخ (قدّس سرّه)، نقول: إنّه لا يمكن دخول هذا الخبر تحت الآية.

أمّا أوّلا: فلأنّ دخوله يستلزم خروجه؛ لأنّه خبر العادل فيستحيل دخوله.

و دعوى أنّه لا يعمّ نفسه مدفوعة بأنّه و إن لا يعمّ نفسه لقصور دلالة اللفظ عليه، إلّا

____________

أخبر عنه السيد المرتضى ... إلى آخره) و يمكن تقريب هذا الإشكال بقياس استثنائي، و هو أنّه لو دلّ مفهوم الآية على حجّية خبر العادل لدلّ على حجّية إجماع السيّد على عدم حجّية خبر الواحد، و التالي باطل، فالمقدّم مثله، و الملازمة واضحة؛ لأنّ إخبار السيّد بالإجماع يكون خبر العادل، فيشمله مفهوم الآية. و بطلان التالي- أيضا- واضح؛ لأن حجّية خبر الواحد قد ثبتت بالأدلة الأربعة.

و قد أجاب عنه المصنّف (رحمه اللّه) بوجوه:

و الوجه الأول: يرجع إلى ردّ الملازمة في القياس المذكور، و انتفاء الملازمة تارة يكون مع ثبوت المقدّم و التالي، و اخرى بانتفاء أحد طرفي الشرطية، أي: المقدّم أو التالي، و انتفاؤها في المقام يكون بانتفاء التالي؛ لأن مفهوم الآية لا يشمل الإجماع المنقول، كما تقدّم في بحث الإجماع: من أنّ الأدلة تدل على حجّية خبر الواحد الحسّي لا الحدسي، و الإجماع إخبار عن حدس.

و الوجه الثاني: إنّ إخبار السيد عن الإجماع معارض بإخبار الشيخ (رحمه اللّه) عن الإجماع، و الترجيح مع إخبار الشيخ (رحمه اللّه)؛ لأنه مؤيّد بالشهرة كما تقدّم.

و الوجه الثالث: لا يمكن دخول خبر السيد بالإجماع في مفهوم الآية؛ لأنّه مستلزم للخروج، و ما يلزم من دخوله خروجه كما يلزم من وجوده عدمه يكون محالا و باطلا، و وجه الاستلزام: إنّ السيد قد أخبر عن الإمام (عليه السلام) تضمّنا، أو التزاما بعنوان الإجماع بعدم حجّية خبر العادل الظنّي، ثمّ خبره هذا خبر العادل الظنّي، فلا يكون حجّة بنفس هذا الخبر، فيخرج عن مفهوم الآية بعد دخوله، فيلزم من حجّية خبر السيد (رحمه اللّه) عدم حجّيته، و تقدّم أنّ ما يلزم من وجوده عدمه يكون محالا و باطلا.

38

أنّه يعلم أن الحكم ثابت لهذا الفرد أيضا، للعلم بعدم خصوصيّة مخرجه له عن الحكم. و لذا لو سألنا السيّد عن أنّه إذا ثبت إجماعك لنا بخبر واحد هل يجوز الاتكال عليه؟ فيقول: لا.

و أمّا ثانيا: فلو سلّمنا جواز دخوله، لكن نقول: إنّه وقع الإجماع على خروجه من النافين بحجّيّة الخبر و من المثبتين، فتأمّل.

و أمّا ثالثا: فلدوران الأمر بين دخوله و خروج ما عداه و بين العكس، و لا ريب أنّ‏

____________

(و دعوى أنّه لا يعمّ نفسة مدفوعة ... إلى آخره)، أي: إنّ المحذور المذكور يلزم على تقدير شمول خبر السيد (رحمه اللّه) نفسه، فيمكن أن يقال: إنّه لا يشمل نفسه فلا يلزم المحذور، و وجه عدم الشمول: إنّ اللفظ له وجود خارجي، كقولك: زيد قائم، و المعنى له وجود ذهني، أي: يتصوره المتكلم قبل التكلم باللفظ، فكيف يشمل اللفظ نفسه؟!.

و بالجملة، إنّ المحذور مبنيّ على شمول اللفظ نفسه، و لا يشمل، فلا يلزم المحذور، و حاصل الدفع: إنّ اللفظ و إن كان لا يشمل نفسه إلّا أنّ المناط عام فيشمل نفسه باعتبار المناط، فالحكم بعدم الحجّية يجري في خبر السيد بتنقيح المناط لا بالدلالة اللفظية.

(و أمّا ثانيا: فلو سلّمنا جواز دخوله، لكن نقول: إنه وقع الإجماع على خروجه) و هذا راجع إلى ما تقدّم من لزوم المحذور من دخول خبر السيد في المفهوم.

فيقول المصنّف (رحمه اللّه): لو سلّمنا عدم لزوم المحذور و جواز دخول إخبار السيد بالإجماع في المفهوم، لكنّ الإجماع قد قام على خروجه عن المفهوم من النافين و المثبتين.

أمّا من النافين فلفرض نفيهم حجّية أخبار الآحاد مطلقا، فيشمل خبر السيد، و أمّا المثبتون فلا بدّ لهم من القول بعدم حجّية إخبار السيد بالإجماع؛ لأنّهم يقولون بحجّية أخبار الآحاد.

(فتأمّل) لعلّه إشارة إلى أنّ دعوى الإجماع على خروج خبر السيد عن مفهوم الآية و عدم حجّيته تكون من دعوى الإجماع في موضوع شخصي، و هو خروج خبر السيد (رحمه اللّه) و عدم حجّيته، فليس هذا الإجماع إجماعا مصطلحا، إذ الإجماع المصطلح عندهم: هو الاتفاق على حكم من الأحكام.

(و أمّا ثالثا: فلدوران الأمر بين دخوله و خروج ما عداه و بين العكس ... إلى آخره) و يدور الأمر بين دخول خبر السيد في المفهوم و الحكم بحجّيته، و خروج ما عداه من أخبار

39

العكس متعيّن، لا لمجرّد قبح انتهاء التخصيص إلى الواحد، بل لأنّ المقصود من الكلام- حينئذ- ينحصر في بيان عدم حجّيّة خبر العادل.

و لا ريب أنّ التعبير عن هذا المقصود بما يدلّ على عموم حجّيّة خبر العادل قبيح في‏

____________

العدول، و الحكم بعدم حجّيتها و بين العكس، أي: دخول أخبار غير السيد من أخبار العدول في المفهوم، و الحكم بحجّيتها دون خبر السيد (رحمه اللّه)، و لا يمكن الجمع بينهما للتنافي، فلا بدّ من إخراج أحدهما من المفهوم دفعا للتناقض، حيث يقول المصنّف (رحمه اللّه): (أنّ العكس متعيّن) أي: دخول سائر أخبار العدول في المفهوم، و إخراج خبر السيد عنه يكون متعيّنا (لا لمجرّد قبح انتهاء التخصيص إلى الواحد) تعيّن العكس، أي: إخراج خبر السيد عن المفهوم لم يكن من جهة واحدة و هي لزوم الاستهجان من جهة انتهاء التخصيص إلى الواحد، بل يلزم الاستهجان من جهتين:

الاولى: ما تقدّم من لزوم الاستهجان من جهة تخصيص العام إلى الواحد بحسب المعنى و إن لم يكن تخصيصا مصطلحا؛ لأنّه يكون بإلّا أو غيرها من أدوات الإخراج، و تخصيص العام إلى الواحد قبيح و مستهجن جزما، كقولك: أكلت كلّ رمّان في البستان، و قد أكلت مثلا واحدا من الرمّان.

و كذلك في المقام؛ قال تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1)، فأخرج بالاستثناء جميع أخبار العدول من المفهوم، إلّا خبر السيد (رحمه اللّه)، و كان المقصود من المفهوم هو خبر السيد فقط، و هو قبيح و مستهجن.

الجهة الثانية: و هي بيان المقصود بلفظ دال على نقيض المقصود، و أداء المقصود- كذلك- يكون قبيحا و مستهجنا، و بيان ذلك في المقام:

إنّ المقصود- حينئذ- من مفهوم الآية هو عدم حجّية أخبار العدول، و قد أفاده بمفهوم الآية الدالّ على حجّية أخبار العدول، فمفاد المفهوم: إنّ خبر العادل حجّه، و اريد بخبر العادل خبر السيد الدالّ على عدم الحجّية.

فالحاصل من مفهوم الآية هو: بيان عدم الحجّية باللفظ الدالّ على الحجّية، و هو قبيح‏

____________

(1) الحجرات: 6.

40

الغاية و فضيح إلى النهاية، كما يعلم من قول القائل: صدّق زيدا في جميع ما يخبرك، فأخبرك زيد بألف من الأخبار، ثم أخبر بكذب جميعها، فأراد القائل من قوله: صدّق ... إلى آخره، خصوص هذا الخبر.

و قد أجاب بعض من لا تحصيل له: بأنّ الإجماع المنقول مظنون الاعتبار، و ظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار.

____________

و مستهجن، و قد أشار المصنّف (رحمه اللّه) إليه بقوله: (و لا ريب أنّ التعبير عن هذا المقصود) و هو عدم حجّية خبر العادل‏ (بما يدلّ) على عموم حجّية (خبر العادل) و هو نقيض المطلوب، بل التعبير الصحيح في أداء هذا المقصود منطوق الآية بأن يقول: إن جاءكم عادل بنبإ فتبيّنوا.

و بالجملة، لا يصحّ أن يكون المراد من المفهوم الدالّ على حجّية خبر العادل منحصرا في خبر السيد الدالّ على عدم حجّية خبر العادل؛ لأنّه قبيح، كما يعلم قبحه من قول القائل: صدّق زيدا في جميع ما يخبرك، فأخبرك زيد بألف خبر، ثمّ أخبرك بكذب جميعها.

فأراد القائل من قوله: صدّق زيدا خصوص هذا الخبر الأخير من زيد، فكان مقصوده في الحقيقة هو عدم تصديق زيد في أخباره، كما هو مقتضى خبره الأخير الذي أراد القائل تصديقه فقط، فقد عبّر عن مقصوده باللفظ الدالّ على نقيض المطلوب، و كان الصحيح أن يقول: لا تصدّق زيدا فيما يخبرك، لا صدّق زيدا في جميع ما يخبرك؛ فالتعبير الثاني الدالّ على نقيض المطلوب مكان التعبير الأول الدال على المقصود بالصراحة قبيح جدا.

(و قد أجاب بعض من لا تحصيل له: بأنّ الإجماع مظنون الاعتبار، و ظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار)

الظاهر من هذا الجواب هو تعارض الإجماع و ظاهر الكتاب، أي: مفهوم الآية، فأجاب:

بأنّ الإجماع المنقول مظنون الاعتبار، و ظاهر الكتاب مقطوع الاعتبار، فلا يقاوم ما هو مظنون الاعتبار ظاهر الكتاب.

و لا بدّ أولا من تصوير التعارض، ثمّ بيان فساد هذا الجواب.

أمّا تقريب التعارض فيمكن أن يقال: مفهوم الآية يدل على أنّ خبر الواحد حجّة، و خبر السيد بالإجماع يدلّ على عدم حجّيته، فيتعارضان.

41

و منها: أنّ الآية لا تشمل الإخبار مع الواسطة؛ لانصراف النبأ إلى الخبر بلا واسطة، فلا يعمّ الروايات المأثورة عن الأئمّة (عليهم السلام)، لاشتمالها على وسائط.

و ضعف هذا الإيراد على ظاهره واضح؛ لأنّ كلّ واسطة من الوسائط إنّما يخبر خبرا بلا واسطة، فإنّ الشيخ (قدّس سرّه)، إذا قال: «حدّثني المفيد، قال: حدثني الصدوق، قال: حدّثني أبي، قال:

حدّثني الصفّار، قال: كتبت إلى العسكريّ (عليه السلام) بكذا» فإنّ هناك أخبارا متعدّدة بتعدّد الوسائط.

____________

و الوجه في فساد هذا الجواب:

أولا: أنّه ليس مرتبطا بما ادّعاه المستشكل أصلا؛ لأنّه لم يدّع التعارض أصلا، حتى يقال: بأنّ الإجماع مظنون الاعتبار لا يقاوم ما هو مقطوع الاعتبار، بل التعارض لا يعقل بين الإجماع المنقول المدلول لمفهوم الآية و بين المفهوم الدال، إذ لا يتصور التعارض بين الدليل و المدلول.

و ثانيا: إنّ الظن الحاصل من الإجماع المنقول لا يخلو عن أحد أمرين؛ لأنّه إمّا يعلم اعتباره، أو لم يعلم.

فعلى الأول يعارض، و ليس بمظنون الاعتبار.

و أمّا على الثاني فلا يعارض أصلا، فيكون فساد هذا الجواب أظهر من الشمس.

(و منها: أنّ الآية لا تشمل الإخبار مع الواسطة؛ لانصراف النبأ إلى الخبر بلا واسطة) و حاصل الإشكال: إنّ النبأ في الآية منصرف إلى الخبر بلا واسطة.

و المراد من الانصراف: هو الانصراف إلى الخبر عن الإمام (عليه السلام) بلا واسطة فلا يشمل بقية الأخبار؛ لأنّها تحكي عن الإمام (عليه السلام) مع الواسطة، كما أشار إليه بقوله: (لاشتمالها)، أي:

الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة (على وسائط) فلا تشملها الآية.

(و ضعف هذا الإيراد على ظاهره واضح ... إلى آخره) و يمكن الجواب عن هذا الإشكال:

أولا: بمنع الانصراف المذكور، فتشمل الآية الأخبار مطلقا، سواء كانت بلا واسطة أو معها.

و ثانيا: بأنّه لو سلّمنا الانصراف لقلنا: بأنّ كل واسطة يكون خبرا بلا واسطة، إذ يكون‏

42

فخبر الشيخ قوله: «حدّثني المفيد ... إلى آخره» و هذا خبر بلا واسطة يجب تصديقه، فإذا حكم بصدقه و ثبت شرعا أنّ المفيد حدّث الشيخ بقوله: «حدّثني الصدوق» فهذا الإخبار- اعني: قول المفيد الثابت بخبر الشيخ «حدثني الصدوق»- أيضا خبر عادل و هو المفيد، فنحكم بصدقه و أن الصدوق حدّثه.

فيكون كما لو سمعنا من الصدوق إخباره بقوله: «حدثني أبي» و الصدوق عادل فيصدق في خبره، فيكون كما لو سمعنا أباه يحدّث بقوله: «حدّثني الصفّار» فنصدّقه لأنّه عادل، فيثبت خبر الصفّار أنّه كتب إليه العسكري (عليه السلام)، و إذا كان الصفّار عادلا وجب تصديقه و الحكم بأنّ العسكري (عليه السلام) كتب إليه ذلك القول، كما لو شاهدنا الإمام (عليه السلام) يكتب إليه، فيكون المكتوب حجّة، فيثبت بخبر كلّ لاحق إخبار سابقه، و لهذا تعتبر العدالة في جميع الطبقات؛ لأنّ كلّ واسطة مخبر بخبر مستقل.

هذا، و لكن قد يشكل الأمر بأنّ ما يحكيه الشيخ عن المفيد صار خبرا للمفيد بحكم وجوب التصديق، فكيف يصير موضوعا لوجوب التصديق الذي لم يثبت موضوع الخبرية له إلّا به؟ و يشكل: بأنّ الآية إنّما تدلّ على وجوب تصديق كلّ مخبر، و معنى وجوب تصديقه ليس إلّا ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على صدقه عليه.

____________

في الحقيقة كل واسطة يخبر خبرا بلا واسطة، فيتعدّد الخبر بتعدّد الواسطة فتشمل الآية جميع الوسائط لأنّها أخبار بلا واسطة.

و بالجملة، إنّ الآية تشمل الأخبار المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام) على فرض تسليم انصراف النبأ فيها إلى الإخبار بلا واسطة؛ لأنّ كل مخبر لاحق يخبر عن سابقه بلا واسطة، فتلاحظ الوسائط بالنسبة إلى آية النبأ عرضية في مرتبة واحدة، لا طولية حتى تتحقّق الواسطة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلام المصنّف (رحمه اللّه)؛ لأن ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) لا يخلو عن إجمال، فلا بدّ من تطبيقه على الإشكال بأن يقال:

إنّ المراد من الآية ليس الإخبار عن الإمام (عليه السلام) حتى يتوجّه عليه الإيراد المذكور، بل المراد: إخبار كل لاحق عن سابقه كما ذكرنا، و إخبار كل لاحق عن سابقه يكون إخبارا بلا واسطة.

(و لكن قد يشكل الأمر ... إلى آخره)، و هذا الإشكال يكون أدق من الإشكال السابق،

43

فإذا قال المخبر: إنّ زيدا عدل، فمعنى وجوب تصديقه وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على عدالة زيد من جواز الاقتداء به و قبول شهادته، و إذا قال المخبر: أخبرني عمرو أنّ زيدا عادل، فمعنى تصديق المخبر- على ما عرفت- وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على إخبار عمرو بعدالة زيد، و من الآثار الشرعية المترتبة على إخبار عمرو بعدالة زيد إذا كان عادلا، و إن كان هو وجوب تصديقه في عدالة زيد، إلّا أنّ هذا الحكم الشرعي لإخبار عمرو إنّما حدث بهذه الآية و ليس من الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به مع قطع النظر عن الآية حتى يحكم بمقتضى الآية بترتيبه على إخبار عمرو به.

و الحاصل أنّ الآية تدلّ على ترتيب الآثار الشرعية الثابتة للمخبر به الواقعي على إخبار العادل، و من المعلوم أنّ المراد من الآثار غير هذا الأثر الشرعي الثابت بنفس الآية، فاللّازم على هذا دلالة الآية على ترتيب جميع آثار المخبر به على الخبر، إلّا الأثر الشرعي الثابت بهذه الآية للمخبر به إذا كان خبرا.

____________

أي: انصراف النبأ إلى الإخبار بلا واسطة.

ثمّ يمكن تقريب هذا الإشكال بوجوه، و الجامع فيها أنّ الأدلة الدالّة على حجّية أخبار الآحاد لا تشمل الإخبار مع الواسطة؛ أمّا من جهة عدم ترتّب أثر شرعي، أو من جهة لزوم تقدّم الشي‏ء على نفسه، أو من جهة لزوم اتحاد الأثر مع الحكم.

أمّا تقريب الوجه الأول: فيتضح بعد تقديم مقدمة، و هي أنّ قصارى مفاد أدلة الحجّية على اختلافها هو: صدّق العادل، ثمّ هذه القضية تنحل إلى حكم: و هو الوجوب، و موضوع: و هو تصديق العادل، و معنى وجوب التصديق: هو ترتّب الأثر الشرعي الثابت في المرتبة السابقة عن هذا الحكم على المخبر به بخبر العادل.

فمثلا: إذا أخبر العادل بعدالة زيد يترتّب على المخبر به- أي: عدالة زيد- الأثر الثابت مع قطع النظر عن الحكم بوجوب التصديق، و هو جواز الاقتداء به أو الطلاق عنده.

إذا عرفت هذه المقدّمة يتضح لك أنّ دليل الحجّية لا يشمل مثل أخبار الشيخ (رحمه اللّه) و المفيد (رحمه اللّه)؛ لأنّ المخبر به في الموردين ليس حكما شرعيا، و لا ذا أثر شرعي كما لا يخفى، و ما يترتب عليه أثر شرعي هو: الخبر الأخير كخبر الصفار عن الإمام (عليه السلام) أو خبر زرارة عنه (عليه السلام)؛ لأن المخبر به بالخبر الأخير هو: قول الإمام (عليه السلام) يكون حكما شرعيا.

44

و بعبارة اخرى: الآية لا تدلّ على وجوب قبول الخبر الذي لم يثبت موضوع الخبرية له إلّا بدلالة الآية على وجوب قبول الخبر؛ لأن الحكم لا يشمل الفرد الذي يصير موضوعا له بواسطة ثبوته لفرد آخر.

____________

و بعبارة اخرى: إنّ التعبّد بحجّية الخبر يتوقف على أن يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا، أو ذا أثر شرعي، و الواسطة في سلسلة الرواة إلّا الخبر الأخير لم تكن بنفسها حكما شرعيا، و لا ذات أثر شرعي، فلا يمكن التعبّد بحجّيتها، و يستفاد هذا الوجه من مواضع كلام المصنّف (رحمه اللّه).

و الوجه الثاني: يمكن تقريبه بقياس استثنائي، و هو: لو شمل دليل الحجّية- أي: صدّق العادل- الواسطة لزم تقدّم الحكم على موضوعه، و التالي باطل، فالمقدّم مثله.

و بيان الملازمة: إنّ خبر المفيد في المثال المذكور في المتن يتحقّق بسبب وجوب تصديق خبر الشيخ عن المفيد (قدّس سرّهما)، ثم يصير خبر المفيد عن الصدوق (قدّس سرّهما) موضوعا لوجوب التصديق بعد تحقّقه به، فيكون الحكم سببا و محقّقا لموضوعه، فيلزم كونه متقدّما على الموضوع حتى يكون سببا لتحقّقه و هو نفس تقدّم الحكم على الموضوع، و هو تال باطل.

و بطلانه لا يحتاج إلى بيان، إذ الحكم يجب أن يكون متأخرا عن الموضوع تأخر المعلول عن علته، فيكون تقدّمه على الموضوع مستلزما لتقدّم الشي‏ء على نفسه، و هو نتيجة الدور المحال الباطل، هذا ما أشار إليه بقوله: (لأن الحكم لا يشمل الفرد الذي يصير موضوعا له ... إلى آخره).

و الوجه الثالث: هو لزوم اتحاد الحكم و الأثر، و ذلك أنّ الحكم بوجوب تصديق العادل يجب أن يكون بلحاظ ترتّب الاثر الثابت في الرتبة السابقة عن مجي‏ء الحكم، كجواز الاقتداء على زيد المترتّب على عدالته بعد الإخبار عنها.

ففي المقام، لو شمل دليل الحجّية خبر الشيخ عن المفيد (قدّس سرّهما) لكان معناه وجوب ترتيب الأثر على ما أخبر به الشيخ (رحمه اللّه)، و هو خبر المفيد (رحمه اللّه)، و المفروض أنّه ليس هناك أثر سوى وجوب التصديق، فيلزم ما ذكرناه من اتحاد الحكم و الأثر، و هو باطل؛ لأنّ الأثر يجب أن يكون موجودا قبل الحكم، ليكون الحكم لأجل ذلك الأثر.

و هذا ما أشار إليه بقوله: (و من المعلوم أنّ المراد من الآثار غير هذا الأثر الشرعي‏

45

و من هنا يتجه أن يقال: إنّ أدلّة قبول الشهادة لا تشمل الشهادة على الشهادة؛ لأنّ الأصل لا يدخل في موضوع الشاهد إلّا بعد قبول شهادة الفرع، و لكن يضعّف هذا الإشكال:

____________

الثابت بنفس الآية) إذ لو كان المراد منها هو الثابت بنفس الآية يلزم اتحاد الحكم و الأثر، كما لا يخفى.

(و من هنا يتجه أن يقال: إنّ أدلة قبول الشهادة لا تشمل الشهادة على الشهادة)، و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمرين:

الأول: بيان الشهادة على الشهادة.

و الثاني: بيان عدم شمول الأدلة لها.

و معنى الشهادة على الشهادة: أن يكون هناك شهادتان، بأن يكون المشهود به بالشهادة الاولى، و هي الأصل: المال، و المشهود به بالثانية، و هي الفرع: الشهادة الاولى.

مثلا بأن شهد عمرو بأنّ هذه الدار لخالد عند زيد، ثمّ شهد زيد عند الحاكم بشهادة عمرو، فتكون شهادة زيد شهادة على الشهادة.

و عدم شمول الأدلة لهذه الشهادة سببه عدم ترتّب أثر شرعي عليها إلّا وجوب التصديق و القبول لشهادة عمرو الثابتة بنفس وجوب التصديق و القبول لشهادة زيد، فيلزم محذور لزوم تقدّم الشي‏ء على نفسه و كون الحكم مثبتا لموضوعه كما أشار إليه بقوله:

(لأنّ الأصل)، أي: شهادة عمرو لا تتحقّق و (لا يدخل في موضوع الشاهد إلّا بعد قبول شهادة الفرع)، أي: شهادة زيد.

(و لكن يضعف هذا الإشكال: أولا: بانتقاضه بورود مثله في نظيره الثابت بالإجماع، كالإقرار بالإقرار).

و ملخّص هذا الجواب النقضي هو: إنّ الإقرار بالإقرار نافذ، بأن أقرّ زيد بإقراره السابق بالدّين على ذمته لعمرو، فكان إقراره الفعلي نافذا بقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز و نافذ، و يثبت به إقراره الأول ثمّ يحكم بمقتضاه.

و قد قام الإجماع بقبول الإقرار بالإقرار مع أنّه مستلزم لتقدّم الحكم على موضوعه المستلزم لتقدّم الشي‏ء على نفسه؛ لأن إقراره الأول يثبت بوجوب قبول إقراره الثاني،

46

أوّلا: بانتقاضه بورود مثله في نظيره الثابت بالإجماع، كالإقرار بالإقرار، فتأمّل.

و إخبار العادل بعدالة مخبر، فإنّ الآية تشمل الإخبار بالعدالة بغير إشكال و عدم قبول الشهادة على الشهادة- لو سلّم- ليس من هذه الجهة.

____________

ثمّ يترتّب عليه نفس ذلك الحكم المثبت للموضوع، و هو إقراره الأول. فيلزم تقدّم الحكم بوجوب قبول الإقرار الأول لكونه سببا له مع لزوم تأخره عنه، إذ الحكم يجب أن يكون متأخرا عن الموضوع.

و بالجملة، يشمل الحكم ما يتولد منه من الموضوع، فينتقض به ما تقدّم من الإشكال بأنّ الحكم لا يشمل الفرد الذي يتولّد من شمول الحكم لفرد آخر.

(فتأمّل) لعلّه إشارة إلى ضعف الانتقاض المذكور، و ذلك أنّ دليل حجّية الإقرار لا يشمل إلّا الإقرار الثاني.

و أمّا إقراره الأول فلا يثبت بوجوب قبول الإقرار الثاني حتى يلزم المحذور، بل يثبت بالإجماع، أو يقال: إنّ في الإقرار توسعة، و الإقرار بالإقرار يرجع إلى الإقرار بالحق، فيشمله قول المعصوم (عليه السلام): (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) (1)، فلا يكون هو نظير المقام كما لا يخفى.

قوله: (و عدم قبول الشهادة على الشهادة ... إلى آخره) دفع لما يمكن أن يقال: من أنّ بعض الفقهاء قد خالف قبول الشهادة على الشهادة، فلعلّ الوجه فيه هو: عدم شمول أدلة حجّية الشهادة الشهادة على الشهادة، فكذا في المقام يمكن أن يقال: إنّ أدلة حجّية خبر العادل لا تشمل خبر العادل الذي يكون المخبر به خبرا كالخبر مع الواسطة.

فدفع المصنّف (رحمه اللّه) هذا الإشكال بقوله: (لو سلّم) هذه المخالفة (ليس من هذه الجهة)، أي: من جهة كون الحكم مثبتا لموضوعه، كما تقدّم تفصيله، بل المخالفة تكون من جهة أنّ الشهادة مشروطة بأن تقع عند الحاكم، فحينئذ تكون الشهادة الاولى فاقدة للشرط؛ لأنها لم تقع عند الحاكم، و لهذا لا تقبل، فعدم قبول الشهادة على الشهادة لا يكون نقضا للمقام أصلا.

____________

(1) غوالي اللآلئ 1: 223/ 104، و 2: 257/ 5، و 3: 442/ 5. الوسائل 23: 184، كتاب الإقرار، ب 3، ح 2.

47

و ثانيا: بالحلّ و هو أنّ الممتنع هو توقف فردية بعض أفراد العام على إثبات الحكم لبعضها الآخر، كما في قول القائل: كل خبري صادق أو كاذب.

____________

(و ثانيا: بالحلّ و هو أنّ الممتنع هو توقف فردية بعض أفراد العام على إثبات الحكم لبعضها الآخر).

و توضيح كلام المصنّف (رحمه اللّه) يحتاج إلى مقدمة، و هي:

إنّ ثبوت الحكم لفرد من العام، تارة يكون واسطة في الثبوت لفرد آخر منه، و اخرى واسطة في الإثبات.

و الأول كقول القائل بعد إخباره بألف خبر: كل خبري صادق، و خبره الأخير يكون واحدا بعد الألف يحكم به بصدق كل ما أخبره. فيشمل هذا الحكم جميع ما أخبر به قبل هذا الخبر من ألف خبر، و لا يشمل نفسه؛ لأن الحكم فيه و هو (صادق) يكون واسطة في الثبوت لهذا الخبر، أي: يكون علّة له، إذ الخبر يكون مركّبا من الموضوع و المحمول، و لا يتحقّق إلّا بهما، فلا يتحقّق هذا الخبر إلّا بعد ضمّ المحمول و هو (صادق) إلى الموضوع و هو (كل خبري)، و لا يشمل الحكم في هذا الخبر نفس هذا الخبر لما تقدّم من محذور لزوم تقدّم الشي‏ء على نفسه.

ثمّ القسم الثاني و هو ما إذا كان الحكم لبعض الأفراد واسطة في الإثبات لفرد آخر- كما نحن فيه- لكان شاملا للفرد الآخر أيضا.

إذا عرفت هذه المقدمة، فنقول:

إنّ ثبوت الحكم لخبر الشيخ يكون سببا للعلم بفردية خبر المفيد من دون أن يكون سببا لفرديته و تحقّقه في الواقع، و يكون واسطة في الإثبات لا في الثبوت، فلا يلزم من شمول الحكم خبر المفيد ما تقدّم من المحذور، إذ يكون خبر المفيد ثابتا في الواقع، مع قطع النظر عن الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ (رحمه اللّه)، فيكون الموضوع و هو (خبر المفيد) ثابتا في الواقع قبل الحكم، فكيف يلزم تقدّمه على الموضوع؟

هذا غاية ما يمكن أن يقال في شرح كلام المصنّف (رحمه اللّه)، و إن كانت عبارته قاصرة عن إفادة المقصود.

و منه ظهر الجواب عن الوجه الثاني في الإشكال، و قد أشار إلى هذا الجواب بقوله:

48

أمّا توقّف العلم ببعض الأفراد و انكشاف فرديته على ثبوت الحكم لبعضها الآخر- كما فيما نحن فيه- فلا مانع منه.

و ثالثا: بأنّ عدم قابليّة اللفظ العامّ لأن يدخل فيه الموضوع الذي لا يتحقّق و لا يوجد إلّا بعد ثبوت حكم هذا العامّ لفرد آخر، لا يوجب التوقّف في الحكم إذا علم المناط الملحوظ في الحكم العامّ، و أنّ المتكلم لم يلاحظ موضوعا دون آخر، فإخبار عمرو بعدالة زيد فيما لو قال المخبر: أخبرني عمرو بأنّ زيدا عادل، و إن لم يكن داخلا في موضوع ذلك الحكم العامّ، و إلّا لزم تأخّر الموضوع وجودا عن الحكم، إلّا أنّه معلوم أنّ هذا الخروج مستند إلى قصور العبارة و عدم قابليّتها لشموله، لا للفرق بينه و بين غيره في نظر المتكلّم حتّى يتأمّل في شمول حكم العامّ له.

____________

(أمّا توقّف العلم ببعض الأفراد و انكشاف فرديته على ثبوت الحكم لبعضها الآخر- كما فيما نحن فيه- فلا مانع منه) إذ لا مانع من أن يكون الحكم الثابت لخبر الشيخ (رحمه اللّه) سببا للعلم بفردية خبر المفيد، و هكذا إلى أن ينتهي إلى قول الإمام (عليه السلام)، فيكون من قبيل ثبوت موضوع حكم تعبّدا بحكم موضوع آخر.

و من هنا يظهر الجواب عن الوجه الثالث و هو لزوم اتحاد الحكم و الأثر، فلا يلزم اتحادهما شخصا، و ما يلزم من اتحادهما نوعا لا يكون باطلا.

ثمّ يشير المصنّف (رحمه اللّه) إلى جواب آخر بقوله: (و ثالثا: بأنّ عدم قابلية اللفظ العامّ لأن يدخل فيه الموضوع الذي لا يتحقّق و لا يوجد إلّا بعد ثبوت حكم هذا العامّ لفرد آخر، لا يوجب التوقّف في الحكم ... إلى آخره)، أي: إنّ العام بحسب اللفظ لا يشمل ما لا يتحقّق إلّا به؛ لأن الموضوع يجب أن يكون محقّقا و ثابتا قبل العام، و لكنّ هذا صحيح فيما إذا كان العام- أي: صدق العادل- قضية خارجية يترتّب الحكم فيها على خصوص أفراد الموضوع الموجود في الخارج فعلا.

فحينئذ لا يمكن أن يكون وجوب التصديق لخبر الشيخ مترتّبا على خبر المفيد (قدّس سرّهما) لكونه مثبتا له، فكيف يترتّب عليه؟ و ليس صدق العادل قضية خارجية، بل هذه القضية قضية حقيقية يترتّب فيها الحكم على طبيعة الموضوع، و منها يسري إلى أفرادها الخارجية المحقّقة أو المقدّرة.

49

بل لا قصور في العبارة بعد ما فهم منها أنّ هذا المحمول وصف لازم لطبيعة الموضوع و لا ينفكّ عن مصاديقه، فهو مثل ما لو أخبر زيد بعض عبيد المولى، بأنّه قال: لا تعمل بأخبار زيد، فإنّه لا يجوز أن يعمل به، و لو اتكالا على دليل عامّ يدلّ على الجواز و يقول إنّ هذا العامّ لا يشمل نفسه، لأنّ عدم شموله له ليس إلّا لقصور اللفظ و عدم قابليّته للشمول، لا لتفاوت بينه و بين غيره من أخبار زيد في نظر المولى، و قد تقدّم في الإيراد الثاني من هذه الإيرادات ما يوضّح لك، فراجع.

____________

و بعبارة اخرى: إنّه قضية حقيقية تنحل حكما و موضوعا إلى أحكام متعدّدة حسب تعدّد الموضوع، فلا مانع من أن يكون الحكم بوجوب التصديق و الحجّية مترتبا على جميع ما وقع في سلسلة الرواة، فيشمل خبر المفيد، إذ يكون وجوب التصديق من لوازم طبيعة خبر العادل سواء كانت محقّقة قبل الحكم أو بعده.

و يمكن الجواب عن الإشكال حتى على فرض القضية الخارجية، و يقال: إنّ الحكم و إن كان لا يشمل ما يوجد من أفراد الموضوع بدلالة لفظية، و لكن يشمله مناطا، إذ لا فرق بينه و بين سائر الأفراد في نظر المتكلم، فإنّ جميع أفراد خبر العادل يكون مساويا مناطا.

هذا على تقدير أن يكون صدق العادل قضية خارجية و أمّا على ما تقدّم من كونه قضية حقيقية فلا إشكال في شمول الحكم جميع أفراد الموضوع، سواء كانت محقّقة أو مقدّرة.

و على هذا: (لو أخبر زيد بعض عبيد المولى) من قبل المولى‏ (بأنّه قال: لا تعمل بأخبار زيد) لكان المتبادر منه أنّ المولى قد منع عن العمل بطبيعة خبر زيد على نحو القضية الحقيقية، فيشمل كل ما صدر من زيد من الخبر حتى يشمل نفس هذا الخبر منه، فلا يجوز العمل به، و لازم حرمة العمل بخبر زيد هذا- أي: لا تعمل بأخبار زيد، أو بأخباري- هو جواز العمل بسائر أخباره، اتكالا على دليل عام من المولى يدل على الجواز، و لا يجوز للعبد ترك العمل بسائر أخبار زيد، و العمل بخبره- أي: لا تعمل بأخباري- بحجّة أنّ العام لا يشمل نفسه.

و قد تقدّم في الإيراد الثاني في هذه الإيرادات ما يوضح ذلك، حيث قلنا: بأنّ خبر السيد المرتضى بالإجماع على عدم حجّية خبر الواحد يشمل نفسه- أيضا- بتنقيح المناط.

50

و منها: إنّ العمل بالمفهوم في الأحكام الشرعيّة غير ممكن، لوجوب التفحّص عن المعارض لخبر العدل في الأحكام الشرعيّة، فيجب تنزيل الآية على الإخبار في الموضوعات‏

____________

بقي الكلام في الجواب عن الوجه الأول، و هو أنّ الحكم بوجوب التصديق و حجّية خبر العادل يتوقّف على أن يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا، أو ذا أثر شرعي، و هو مردود من وجهين:

أولا: بأنّ الحكم بحجّية خبر العادل لا يتوقّف على أن يكون المخبر به و المؤدّى حكما شرعيا، أو ذا أثر شرعي؛ و ذلك لأن المجعول في باب الطرق و الأمارات هو الطريقية و الكاشفية بتتميم الكشف، و ذلك بأن يعتبر الشارع الكاشف الناقص كاشفا تاما، فيكون التعبّد ناظرا إلى نفس الطريقية من دون حاجة إلى كون المؤدّى حكما شرعيا، أو ذا أثر شرعي.

و ثانيا: بأنّ الواسطة لها مدخلية في ترتّب بالحكم، حيث تنتهي سلسلة الأخبار إلى قول الإمام (عليه السلام) فيترتّب الأثر على جميع ما وقع في السلسلة، و هذا المقدار كاف في شمول صدق العادل للواسطة.

و بعبارة اخرى: إنّ الحكم الشرعي لازم لخبر الصفّار عن الإمام (عليه السلام)، و خبر الصفّار لازم لخبر الصدوق (قدّس سرّهما)، و هكذا، و مقتضى قياس المساواة بأنّ لازم اللّازم لازم يكون الحكم لازما لخبر الشيخ (قدّس سرّهما)، فيكون حجّة لترتّب الحكم الشرعي عليه.

(و منها: إنّ العمل بالمفهوم في الأحكام الشرعية غير ممكن، لوجوب التفحّص عن المعارض لخبر العدل في الأحكام الشرعية)، و ممّا يرد على مفهوم الآية: هو أنّ المفهوم و إن كان يدل على حجّية خبر العادل إلّا أنّ العمل بخبر العادل من دون التبيّن و الفحص كما يقتضيه المفهوم غير ممكن في الأحكام الشرعية.

فالعمل بالمفهوم غير ممكن في الأحكام الشرعية للإجماع القائم على وجوب الفحص عن المعارض في الأحكام الشرعية، و حينئذ لا بدّ من تنزيل الآية على الموضوعات الخارجية.

و يمكن تقريب هذا الإيراد بقياس استثنائي، فيقال: إنّ الآية لو دلّت بمفهومها على اعتبار خبر العادل لدلّت على وجوب قبوله من غير فحص عن معارضه و التالي باطل‏

51

الخارجيّة، فإنّها هي التي لا يجب التفحّص فيها عن المعارض. و يجعل المراد من القبول فيها هو القبول في الجملة، فلا ينافي اعتبار انضمام عدل آخر إليه، فلا يقال: إنّ قبول خبر الواحد في الموضوعات الخارجيّة مطلقا يستلزم قبوله في الأحكام بالإجماع المركّب و الأولوية.

____________

بالإجماع المتقدّم، فالمقدّم مثله، و الملازمة واضحة؛ لأن معنى حجّية خبر العادل هو القبول من دون الفحص، فلا بدّ من حمل الآية على الأخبار في الموضوعات الخارجية، لعدم وجوب الفحص عن المعارض في العمل بها فيها.

و قوله: (و يجعل المراد من القبول فيها هو القبول في الجملة) دفع لما يتوهّم من أنّ خبر العادل في الموضوعات ليس بحجّة، بل الحجّة فيها هي شهادة العدلين فيعمل بها من دون التبيّن و التفحّص.

و حاصل الدفع أنّ المراد من قبول خبر العادل في الموضوعات هو القبول و الحجّية في الجملة، أي: و لو مع اعتبار التعدّد، فيكون حجّة من دون وجوب التبيّن و التفحّص عنه و لكن يعتبر التعدّد (فلا ينافي) القبول و الحجّية في الجملة (انضمام عدل آخر إليه).

قوله: (فلا يقال) دفع لما يقال، لا بدّ أولا من تقريب الإشكال و ثانيا من تقريب الدفع عنه.

أمّا تقريب الإشكال فهو أنّ حجّية خبر الواحد في الموضوعات يستلزم حجّيته في الأحكام بالإجماع المركب و الأولوية.

أمّا الإجماع المركّب فلأن كل من قال بحجّية خبر العدل الواحد في الموضوعات قال بحجّيته في الأحكام أيضا، إذ لم يذهب أحد إلى حجّيته في الموضوعات فقط، بل ذهب بعضهم إلى الحجّية في الأحكام فقط، و بعضهم إلى الحجّية مطلقا، و مقتضى كلا القولين:

هو عدم الحجّية في الموضوعات فقط، فلو ثبت اعتباره فيها لثبت في الأحكام بالإجماع المركّب.

و أمّا الأولوية فيمكن تقريرها بوجوه:

الأول: إنّ الموضوعات من حقوق الناس، و الأحكام من حقوق اللّه تعالى و من المعلوم أنّ لحقوق الناس أهمية ليست لحقوق اللّه تعالى، لأنه تعالى غفور رحيم، غني عن كل شي‏ء، و حينئذ لو كان خبر العادل حجّة في حقوق الناس لكان حجّة في حقوق اللّه تعالى بطريق‏

52

و فيه: إنّ وجوب التفحّص عن المعارض لخبر العدل في الأحكام الشرعية، غير وجوب التبيّن في الخبر، فإنّ الأوّل يؤكّد حجّية خبر العادل و لا ينافيها، لأنّ مرجع التفحّص عن المعارض إلى الفحص عمّا أوجب الشارع العمل به، كما أوجب العمل بهذا. و التبيّن المنافي للحجّيّة هو التوقّف عن العمل و التماس دليل آخر، فيكون ذلك الدليل هو المتّبع و لو كان أصلا من الاصول.

____________

اولى.

و الثاني: إنّ باب العلم في الموضوعات مفتوح غالبا، بخلاف الأحكام، حيث يكون الأمر فيها بالعكس، فإذا جعل الشارع خبر العدل في الموضوعات حجّة مع إمكان تحصيل العلم فيها بسهولة لجعله حجّة في الأحكام بطريق اولى.

و الثالث: إنّ حجّية خبر العدل في الموضوعات تدل على الاهتمام بها، و من المعلوم أنّ الاهتمام بالأحكام يكون أكثر، فحينئذ لو كان خبر العدل حجّة في الموضوعات لكان حجّة في الأحكام و الأولوية.

و الرابع: إنّ خبر العادل لو كان حجّة في الموضوعات مع احتياجها إلى العدلين لكان حجّة في الأحكام بطريق اولى.

و أمّا الجواب و الدفع عن الإجماع المركّب و الأولوية، فقد ظهر ممّا تقدّم من أنّ خبر العادل في الموضوعات حجّة مع الانضمام و التعدّد لا منفردا، و بعبارة اخرى: يكون حجّة بعنوان: الشهادة و البيّنة لا بعنوان خبر الواحد.

و حينئذ لا مجال للإجماع المركّب، و لا للأولوية لأنهما يجريان فيما لو كان خبر العادل في الموضوعات حجّة مطلقا أي: بلا اشتراط التعدّد، فلا يصح الاستدلال على حجّية خبر العادل في الأحكام- أيضا- و الأولوية أو الإجماع المركّب.

(و فيه: إنّ وجوب التفحّص عن المعارض لخبر العدل في الأحكام الشرعية، غير وجوب التبيّن في الخبر ... إلى آخره) و جواب المصنّف (رحمه اللّه) على أصل الإشكال، و هو يتم بعد بيان الفرق بين وجوب التفحص عن المعارض لخبر العادل الذي قام عليه الإجماع، و وجوب التبيّن في خبر الفاسق الذي يدل عليه منطوق الآية.

و ملخّص الفرق أنّ وجوب التفحّص في خبر العادل عن المعارض يرجع إلى الفحص‏

53

فإذا يئس عن المعارض عمل بهذا الخبر، و إذا وجده أخذ بالأرجح منهما، و إذا يئس عن التبيّن توقّف عن العمل و رجع إلى ما تقتضيه الاصول العمليّة، فخبر الفاسق و إن اشترك مع خبر العادل في عدم جواز العمل بمجرّد المجي‏ء، إلّا أنه بعد اليأس عن وجود المنافي يعمل بالثاني دون الأوّل. و مع وجدان المنافي يؤخذ به في الأوّل و يؤخذ بالأرجح في الثاني، فتتبع الأدلّة في الأوّل لتحصيل المقتضي الشرعي للحكم الذي تضمّنه خبر الفاسق، و في الثاني لطلب المانع عمّا اقتضاه الدليل الموجود.

و منها: إنّ مفهوم الآية غير معمول به في الموضوعات الخارجيّة التي منها مورد الآية،

____________

عن وجود المانع بعد فرض تحقّق المقتضي أي: حجّية خبر العادل، و لذا يكون وجوب الفحص عن المعارض مؤكدا لحجّيته، كما لا يخفى.

و هو بخلاف وجوب التبيّن في خبر الفاسق، حيث يكون وجوب التبيّن فيه، التبيّن عن أصل المقتضي من الخارج غير خبر الفاسق، فيكون المتّبع ما يوجد بالفحص من دليل أو أصل، و يجب التوقف ما لم يوجد.

إذا عرفت هذا الفرق، لقد ظهر لك أنّ عدم وجوب التبيّن في خبر العادل، كما يقتضيه مفهوم آية النبأ لا ينافي وجوب التفحّص عن المعارض في خبر العادل بالإجماع؛ لأن المفهوم ينفي وجوب الفحص عن المقتضي في خبر العادل لتحقّق المقتضي فيه، و الإجماع يثبت وجوب التفحّص عن المانع في خبر العادل بعد تحقّق المقتضي فلا يكون مورد النفي و الاثبات متحدا، فلا يتحقّق التنافي لأنه مشروط باتحاد المورد.

و قد أشار المصنّف (رحمه اللّه) إلى الثمرة بين التبيّن في الموردين في مواضع من كلامه:

منها: إنّه إذا يئس عن المعارض لخبر العادل عمل به، و إذا وجده أخذ بالأرجح منهما أو المعارض لأنهما حينئذ يتعارضان، فيجب الأخذ بما له مرجّح، و أمّا في خبر الفاسق فيجب التوقف إذا يئس عن التبيّن ثمّ يرجع إلى ما يقتضيه الأصل العملي، و إذا وجد المنافي يعمل به في خبر الفاسق لو كان أرجح.

و منها: إنّ وجوب التبيّن في خبر الفاسق يكون لتحصيل المقتضي للحكم المستفاد من خبر الفاسق، و في خبر العادل لطلب المانع عما يقتضيه خبر العادل.

(و منها: إنّ مفهوم الآية غير معمول به في الموضوعات الخارجية التي منها مورد الآية ...

54

و هو إخبار الوليد بارتداد طائفة. و من المعلوم أنّه لا يكفي فيه خبر العادل الواحد، بل لا أقلّ من اعتبار العدلين، فلا بدّ من طرح المفهوم، لعدم جواز إخراج المورد.

و فيه: أنّ غاية الأمر لزوم تقيّد المفهوم بالنسبة إلى الموضوعات بما إذا تعدّد المخبر العادل، فكلّ واحد من خبري العدلين في البيّنة لا يجب التبيّن فيه، و أمّا لزوم إخراج المورد فممنوع، لأنّ المورد داخل في منطوق الآية لا مفهومها، و جعل أصل خبر الارتداد موردا للحكم بوجوب التبيّن إذا كان المخبر به فاسقا، و لعدمه إذا كان المخبر به عادلا. لا يلزم منه‏

____________

إلى آخره) أي: و ممّا يرد على مفهوم آية النبأ هو خروج موردها عنها، و هو قبيح.

و بيان ذلك: إنّه لو كان للآية مفهوم لزم أن يكون موردها خارجا عنها و التالي باطل، فالمقدّم مثله، ثمّ بطلان التالي يكون واضحا، إذ كل دليل يكون شاملا لمورده بالنص، فيكون خروج المورد قبيحا.

و أمّا بيان الملازمة فبأنّ مورد الآية و هو إخبار الوليد بالارتداد يكون من الموضوعات، و حينئذ يكون مقتضى منطوق الآية وجوب التبيّن عن خبر الفاسق في الموضوعات، و مقتضى المفهوم عدم وجوب التبيّن عن خبر العادل في الموضوعات، و كونه حجّة فيها من دون التبيّن، مع أنّه ليس بحجّة فيها، بل الحجّة فيها هي البيّنة، فيكون المفهوم غير معمول به و خارجا عنها، فالنتيجة هي القول بعدم المفهوم دفعا للقبح.

(و فيه: أنّ غاية الأمر لزوم تقيّد المفهوم بالنسبة إلى الموضوعات بما إذا تعدّد المخبر العادل) و يردّ الإشكال:

أولا: بعدم خروج المورد عن الآية، و ذلك لعدم صحة الملازمة بين المقدّم و التالي في القياس المذكور، لأنها مبنية على كون المورد مختصا بالموضوعات. و ليس الأمر كذلك، بل يكون المورد عامّا يشمل الأخبار مطلقا في الأحكام و الموضوعات، فيكون مفهوم الآية معمولا به في الأحكام و الموضوعات.

غاية الأمر يلزم تقييد المفهوم بقيد التعدد في الموضوعات، فيكون مفاد الآية حينئذ: إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا، سواء كان إخباره عن الأحكام أو الموضوعات، و يكون مفهومها:

إن جاءكم عادل بنبإ فلا يجب التبيّن عنه، سواء كان عن الأحكام أو الموضوعات، و لا يجب التبيّن عن كل واحد من خبري العدلين في البيّنة.

55

إلّا تقييد الحكم في طرف المفهوم و إخراج بعض أفراده، و هذا ليس من إخراج المورد المستهجن في شي‏ء.

و منها: ما عن «غاية البادي»، من أنّ المفهوم يدّل على عدم وجوب التبيّن و هو لا يستلزم العمل لجواز وجوب التوقف. و كأنّ هذا الإيراد مبني على ما تقدّم فساده من إرادة وجوب التبيّن نفسيّا، و قد عرفت ضعفه، و أنّ المراد وجوب التبيّن لأجل العمل عند إرادته، و ليس التوقف- حينئذ- واسطة.

____________

و ثانيا: بعدم قبح إخراج المورد في المقام، و هو يرجع إلى عدم بطلان التالي في المقام.

و بيان ذلك: إنّه لو سلّمنا اختصاص مورد الآية بالموضوعات لما كان ذلك مستلزما لخروج جميع أفراد الخبر عن المورد، حتى يكون مستهجنا و قبيحا، و خروج بعض الأفراد و إن كان يلزم و لكن ليس قبيحا حتى يكون باطلا.

فيكون معنى الآية حينئذ: إن جاءكم فاسق بنبإ الارتداد و نحوه فتبيّنوا، و إن جاءكم عادل بنبإ الارتداد، فلا يجب عليكم التبيّن.

نعم، اختصاص المورد بالموضوعات يستلزم تقييد الحكم بالحجّية بالتعدد، فيخرج بعض أفراده عن المورد كخبر العادل بالارتداد و نحوه من دون ضم عادل آخر.

(و هذا ليس من إخراج المورد المستهجن في شي‏ء) إذ إخراج المورد المستهجن هو إخراجه بحيث لا يبقى شي‏ء، و في المقام لا يلزم إخراج المورد بهذا المعنى، كما لا يخفى.

(و منها: ما عن «غاية البادي» من أنّ المفهوم يدل على عدم وجوب التبيّن و هو لا يستلزم العمل لجواز وجوب التوقف).

و ملخّص الإشكال على مفهوم الآية: هو أنّ المدّعى في المقام هو حجّية خبر العادل و وجوب العمل به، و مفهوم الآية إنّما يدل على عدم وجوب التبيّن فيه، و لا يدل على وجوب العمل به ليكون دليلا على ما هو المدّعى في المقام.

غاية الأمر، بعد نفي وجوب التبيّن عن خبر العادل بمفهوم الآية، يدور الأمر بين ردّ خبره و قبوله من دون تبيّن، و الآية ساكتة عنهما، فالنتيجة هي أنّ الآية لا تدل على حجّية خبر العادل، بل ساكتة.

(و كأنّ هذا الإيراد مبنيّ على ما تقدّم فساده من إرادة وجوب التبيّن نفسيا ... إلى آخره).

56

و منها: إنّ المسألة اصوليّة، فلا يكتفى فيها بالظن.

و فيه: إنّ الظهور اللفظيّ لا بأس بالتمسّك به في اصول الفقه، و الاصول التي لا يتمسّك لها بالظنّ مطلقا هو اصول الدين لا اصول الفقه، و الظنّ الذي لا يتمسّك به في الاصول‏

____________

و يردّ المصنّف (رحمه اللّه) هذا الإشكال بردّ مبناه، حيث إنّ الإشكال مبنيّ على كون الوجوب بالتبيّن وجوبا نفسيا، فلا يكون مرتبطا بالعمل بخبر العادل فيدور الأمر في مقام العمل بين الرد و القبول، و الآية ساكتة عنهما.

و حينئذ لا بدّ من حجّية خبر العادل، عبر مقدّمة خارجية، و هي لزوم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق لو لم يعمل بخبره.

(و قد عرفت ضعفه)، أي: ضعف كون الوجوب نفسيا و إنّما هو وجوب شرطي، يكون معنى الآية: إنّ خبر الفاسق يكون العمل به مشروطا بالتبيّن، و العمل بخبر العادل يجب أو يجوز من دون تبيّن، حيث لم يكن العمل به مشروطا بالتبيّن.

و حينئذ لا يعقل التوقّف في خبر العادل، و لا يحتاج قبوله و العمل به إلى المقدمة الخارجية أصلا، كما لا يخفى.

(و منها: إنّ المسألة اصولية، فلا يكتفى فيها بالظنّ)، و ملخّص الإشكال عن مفهوم آية النبأ: هو أنّ حجّية خبر الواحد تكون من المسائل الاصولية فلا يجوز التمسّك بالظنّ فيها؛ لأن الظنّ ليس بحجّة في الاصول.

(و فيه: إنّ الظهور اللفظي لا بأس بالتمسّك به في اصول الفقه)، و ما ذكره المصنف (رحمه اللّه) يتضح بعد بيان أقسام الاصول لأنها تنقسم إلى اصول الفقه، و اصول الدين.

و ما ذكره المستشكل من عدم حجّية الظنّ في الاصول إنّما يصح في الثاني، و أمّا الأول فلا بأس فيه بالتمسّك بالظهور اللفظي، فحينئذ يجوز التمسّك بظاهر آية النبأ لإثبات حجّية خبر الواحد؛ لأن الظاهر من الظنون الخاصة، و هي حجّة في اصول الفقه كما تكون حجّة في الأحكام الفرعية.

نعم، إنّ الظنّ المطلق لا يكون حجّة في مطلق الاصول، أي: سواء كان من اصول الفقه أو اصول الدين، كما إنّ مطلق الظنّ لا يكون حجّة في اصول الدين.

فما ذكره المصنف (رحمه اللّه) من أنّ‏ (الظنّ الذي لا يتمسّك به في الاصول مطلقا هو مطلق‏