دروس في الرسائل - ج4

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
483 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تنبيهات و ينبغي التنبيه على امور متعلّقة بالجزء و الشرط:

الأمر الأوّل: إذا ثبت جزئيّة شي‏ء و شكّ في ركنيّته، فهل الأصل كونه ركنا أو عدم كونه كذلك، أو مبني على مسألة البراءة و الاحتياط في الشكّ في الجزئيّة، أو التبعيض بين أحكام الركن فيحكم ببعضها و بنفي بعضها الآخر؟

وجوه لا يعرف الحقّ منها إلّا بعد معرفة معنى الركن، فنقول: إنّ الركن في اللغة و العرف‏

____________

[تتمة المقصد الثالث الشك‏]

[تتمة المقام الأول في الأصول الثلاثة]

[تتمة الموضع الثانى فى الشك فى المكلف به‏]

[تتمة المطلب الثاني اشتباه الواجب بغير الحرام‏]

[تتمة دوران الواجب بين الأقل و الأكثر]

[ينبغي التنبيه على امور متعلّقة بالجزء و الشرط]

(و ينبغي التنبيه على امور متعلّقة بالجزء و الشرط:

[الأمر الأوّل إذا ثبت جزئيّة شي‏ء و شكّ في ركنيّته‏]

الأمر الأوّل: إذا ثبت جزئيّة شي‏ء و شكّ في ركنيّته، فهل الأصل كونه ركنا أو عدم كونه كذلك، أو مبني على مسألة البراءة و الاحتياط في الشكّ في الجزئيّة).

و حاصل ابتناء الشكّ في الركنيّة على مسألة البراءة و الاحتياط في الشكّ في الجزئيّة على ما حكاه الاستاذ الاعتمادي عن صاحب المطالع، هو أنّ الركن ما يبطل العمل بنقصه سهوا، فالشكّ في الركنيّة معناه الشكّ في بطلان العمل بنقصه سهوا، و مرجعه إلى الشكّ في الجزئيّة حال السهو.

و حينئذ فإن قلنا بالبراءة عند الشكّ في أصل الجزئيّة، نقول بها عند الشكّ في الجزئيّة حال السهو، فيكون الأصل عدم الركنيّة.

و إن قلنا بالاحتياط عند الشكّ في أصل الجزئيّة، فنقول به عند الشكّ في الجزئيّة حال السهو، فيكون الأصل هو الركنيّة.

(أو التبعيض بين أحكام الركن فيحكم ببعضها و بنفي بعضها الآخر)، بأن يقال كما في شرح الاستاذ الاعتمادي: إنّ أحكام الركن ثلاثة:

الأوّل: بطلان العمل بنقصه سهوا.

و الثاني: بطلانه بزيادته عمدا.

و الثالث: بطلانه بزيادته سهوا.

و الأوّل مقتضى الأصل عند الشكّ دون الأخيرين، و أمّا بطلان العمل بنقصه عمدا فهو حكم مطلق الجزء لا من جهة الركنيّة.

8

معروف، و ليس له في الأخبار ذكر حتى يتعرّض لمعناه في زمان صدور تلك الأخبار، بل هو اصطلاح خاصّ للفقهاء، و قد اختلفوا في تعريفه بين من قال: بأنّه ما تبطل العبادة بنقصه عمدا و سهوا، و بين من عطف على النقص زيادته، و الأوّل أوفق بالمعنى اللّغوي و العرفي.

و حينئذ فكلّ جزء ثبت في الشرع بطلان العبادة بالإخلال في طرف النقيصة أو فيه و في طرف الزيادة، فهو ركن.

____________

(وجوه لا يعرف الحقّ منها إلّا بعد معرفة معنى الركن)، فإن قلنا بأنّ معناه ما يبطل العمل بنقصه مطلقا، أي: عمدا كان أو سهوا، فالحقّ هو الاحتمال الأوّل، أي: مقتضى الأصل هو الركنيّة، و إن قلنا بأنّ معناه ما يبطل العمل بنقصه و زيادته عمدا و سهوا، فالحقّ هو الوجه الأخير، أي: التبعيض، هكذا عن شرح الاعتمادي بتصرّف.

(فنقول: إنّ الركن في اللغة و العرف معروف).

حيث إنّ معناه في اللغة: ما يعتمد عليه الشي‏ء، و في الصحاح: ركن الشي‏ء جانبه الأقوى.

و في العرف: ما يكون به قوام الشي‏ء، و في بحر الفوائد: الركن مصدر ركن يركن بمعنى الاعتماد، و قد يطلق على ما به قوام الشي‏ء، و ليس له في الكتاب و السنة ذكر، حتى نتعرض لمعناه في زمان تعلّق الحكم به من الشارع.

(بل هو اصطلاح خاصّ للفقهاء)، فلا بدّ من البحث عن معناه عندهم، و إلّا فالركن بمعناه العرفي يطلق على جميع الأجزاء، و أمّا الركن عند الفقهاء ففيه احتمالات ذكر المصنّف (قدّس سرّه) احتمالين منها:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله: (بأنّه ما تبطل العبادة بنقصه عمدا و سهوا).

و ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: (و بين من عطف على النقص زيادته)، أي: الركن ما تبطل العبادة بنقصه و زيادته عمدا و سهوا. ثمّ قال (قدّس سرّه):

(و الأوّل أوفق بالمعنى اللّغوي و العرفي)، فإنّ ركن البناء ممّا يكون نقصه و فقدانه سببا لانهدامه لا زيادته، بل الزيادة موجبة للاستحكام.

و الاحتمال الثالث: إنّ الركن ما تقوّمت به الماهيّة، و غيره ما لم تنتف الماهيّة بانتفائه، و هذا المعنى مطابق لما تقدّم من المعنى العرفي.

9

فالمهم بيان حكم الإخلال بالجزء في طرف النقيصة أو الزيادة، و أنّه إذا ثبت جزئيّته، فهل الأصل يقتضي بطلان المركّب بنقصه سهوا كما يبطل بنقصه عمدا و إلّا لم يكن جزء؟

فهنا مسائل ثلاث: بطلان العبادة بتركه سهوا، و بطلانها بزيادته عمدا، و بطلانها بزيادته سهوا.

____________

و الاحتمال الرابع: هو ما تبطل العبادة بنقصه سهوا فقط.

و الاحتمال الخامس: ما تبطل العبادة بنقصه عمدا فقط، و غيرها من الاحتمالات العديدة التي لا فائدة من ذكرها.

و كيف كان‏ (فالمهم بيان حكم الإخلال بالجزء في طرف النقيصة أو الزيادة)، بمعنى أنّ كلّ جزء ثبت بالدليل بطلان العبادة بالإخلال به سهوا أو عمدا يكون ركنا، و كذا ما تكون زيادته موجبة لبطلانها.

(فهنا مسائل ثلاث):

المسألة الأولى: بطلان العبادة بتركه سهوا.

و الثانية: بطلان العبادة بزيادته عمدا.

و الثالثة: بطلانها بزيادته سهوا.

ثمّ يشير المصنّف (قدّس سرّه) في ضمن كلامه في المسائل الثلاث إلى مقتضى الاصول العمليّة و اللفظيّة فيها، فيقول المصنّف في المسألة الأولى بأنّ مقتضى الأصل هو الركنيّة، أي:

بطلان العبادة بترك الجزء سهوا، حيث أشار (قدّس سرّه) إليه بقوله:

10

المسألة الأولى ترك الجزء سهوا أمّا المسألة الأولى: و هي بطلان العبادة بترك الجزء سهوا، فالأقوى فيها أصالة بطلان العبادة بنقص الجزء سهوا، إلّا أن يقوم دليل عامّ أو خاصّ على الصحّة؛ لأنّ ما كان جزء في حال العمد كان جزء في حال الغفلة، فإذا انتفى ينتفي المركّب، فلم يكن المأتي به موافقا للمأمور به، و هو معنى فساده.

____________

[هنا مسائل ثلاث‏]

[المسألة الأولى، و هي بطلان العبادة بترك الجزء سهوا]

(أمّا المسألة الأولى، و هي بطلان العبادة بترك الجزء سهوا، فالأقوى فيها أصالة بطلان العبادة بنقص الجزء سهوا، إلّا أن يقوم دليل عامّ)، كقوله مثلا: (تسجد سجدتي السهو لكل زيادة و نقيصة) (1).

فالمستفاد من هذا الدليل هو اكتفاء الشارع بالناقص بدلا عن التامّ فيما إذا كان النقص عن سهو (أو خاصّ)، بأن يقوم دليل اجتهادي خاصّ على صحة الناقص، كما ورد بالفرض من الشرع أنّه لا بأس بترك التشهّد سهوا.

أمّا تفصيل الكلام في هذا المقام، فهو أنّ المدّعى هو كون مقتضى الأصل في الشكّ في ركنيّة جزء للعبادة بطلان العبادة بترك ذلك الجزء سهوا، إلّا ما خرج بالدليل، فلا بدّ من إثباته بالدليل، و قد أشار (قدّس سرّه) إليه بقوله:

(لأنّ ما كان جزء في حال العمد كان جزء في حال الغفلة، فإذا انتفى ينتفي المركّب، فلم يكن المأتي به موافقا للمأمور به، و هو معنى فساده).

و حاصل استدلال المصنّف (قدّس سرّه) يمكن تقريبه بقياس اقتراني من الشكل الأوّل، بأن يقال: إنّ ما شكّ في ركنيّته جزء للعبادة حال العمد، و كلّ ما هو جزء لها حال العمد، فهو جزء لها حال الغفلة، فالنتيجة هي أنّ ما شكّ في ركنيّته جزء للعبادة حال الغفلة.

ثمّ يقال: إنّ هذا المشكوك في ركنيّته جزء للعبادة حال الغفلة و السهو، و كلّ جزء ما

____________

(1) التهذيب 2: 155/ 608. الوسائل 8: 251، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 32، ح 8.

11

أمّا عموم جزئيّته لحال الغفلة، فلأنّ الغفلة لا توجب تغيّر المأمور به، فإنّ المخاطب بالصلاة مع السورة إذا غفل عن السورة في الأثناء لم يتغيّر الأمر المتوجّه إليه قبل الغفلة و لم يحدث بالنسبة إليه من الشارع أمر آخر حين الغفلة، لأنّه غافل عن غفلته.

فالصلاة المأتي بها من غير سورة غير مأمور بها بأمر أصلا، غاية الأمر عدم توجّه الأمر الفعلي بالصلاة مع السورة إليه، لاستحالة تكليف الغافل، فالتكليف ساقط عنه ما دامت الغفلة، نظير من غفل عن الصلاة رأسا أو نام عنها، فإذا التفت إليها و الوقت باق وجب عليه الإتيان بها بمقتضى الأمر الأوّل.

____________

ينتفي المركّب بانتفائه و نقصه، فهذا المشكوك ما ينتفي المركّب بانتفائه و هو معنى فساده.

فالحاصل هو بطلان العبادة بترك الجزء سهوا، و هو المطلوب في المقام، و الكلام هنا يتمّ في صدق الصغرى و إيجابها و كليّة الكبرى و صدقها.

فنقول: أمّا صدق الصغرى فهو معلوم؛ لأنّ الشكّ في ركنيّة شي‏ء يكون بعد الفرض و العلم بجزئيّته للعبادة حال العمد، و أمّا صدق الكبرى و كلّيتها فهو محتاج إلى البيان و الكلام، و قد أشار (قدّس سرّه) إليه بقوله: (أمّا عموم جزئيّته لحال الغفلة، فلأنّ الغفلة لا توجب تغيّر المأمور به) بأن يصير المأمور به في حقّ الغافل بها غير المأمور به في حقّ الذاكر، بمعنى أنّ الواجب في حقّ الأوّل هي الصلاة بلا سورة و في حقّ الثاني هي الصلاة معها.

و ذلك لأنّه لا يمكن أن يكون المأمور به في حقّ الغافل غير ما هو المأمور به في حقّ الذاكر، لكونه مبنيا على أمر جديد متعلّق بالصلاة بلا سورة، و متوجّه إلى الغافل بعنوان كونه غافلا، و من المعلوم بل و البديهي هو عدم إمكان خطاب الغافل حال الغفلة بعنوان كونه غافلا، إذ بمجرّد الخطاب المذكور يزول عنوان الغفلة و يصير ذاكرا، فكيف يمكن أن يكون الواجب في حقّه هي الصلاة بلا سورة؟!.

فحينئذ يجب أن يكون المأمور به في حقّه ما هو المأمور به في حقّ الذاكر بعينه، فما أتى به من الصلاة من دون سورة لم يكن مأمورا به أصلا، لا بالأمر الأوّل لتعلّقه بالصلاة مع السورة، و لا بالأمر الجديد لما تقدّم من عدم إمكانه.

فالحاصل هو كلّ ما هو جزء حال العمد و الالتفات يكون جزء حال الغفلة و السهو و النسيان، و هو المطلوب.

12

فإن قلت: عموم جزئيّة الجزء لحال النسيان يتمّ فيما لو ثبتت الجزئيّة بمثل قوله: (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب)

(1)

، دون ما لو قام الإجماع مثلا على جزئيّة شي‏ء في الجملة و احتمل اختصاصها بحال الذكر.

____________

و بالجملة، لا يمكن اختلاف الخطاب و تنويعه بحسب ما يطرأ على المكلّف من الحالات كحالة العلم، و الجهل، و الالتفات، و الغفلة؛ لأنّ اختلاف الخطاب في حالتي العلم و الجهل، بأن يكون وجوب السورة في الصلاة مختصا بالعالم مستلزما للدور؛ لأنّ العلم بالوجوب موقوف على تحقّقه قبل العلم، فلو كان وجوب السورة موقوفا على العلم، لدار.

و الاختلاف في حالتي الغفلة و الالتفات مبني على أن يكون الغافل قابلا للخطاب، بأن يقال: أيّها الغافل تجب عليك الصلاة بلا سورة، مع أنّه لم يكن قابلا للخطاب، إذ بمجرّد الخطاب يزول عنوان الغفلة فينتفي موضوع الخطاب.

هذا ملخّص الكلام في هذا المقام، و من يريد التفصيل فعليه بالكتب المبسوطة.

(فإن قلت: عموم جزئيّة الجزء لحال النسيان يتمّ فيما لو ثبتت الجزئيّة بمثل قوله: (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) ... إلى آخره).

و هذا الإشكال ردّ لكلّية الكبرى المذكورة في الاستدلال المتقدّم، و توضيحه يتوقف على بيان مقدّمة و هي:

إنّ ما يثبت به جزئيّة الجزء على أنحاء:

منها: أن يكون دليلا لفظيّا يقتضي إطلاقه الجزئيّة حتى في حال النسيان، كقوله (عليه السلام):

(لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) حيث يقتضي إطلاقه جزئيّة فاتحة الكتاب في حالتي الذكر و النسيان.

و منها: أن يكون دليلا لبيّا كالإجماع مثلا.

و منها: أن يكون الدليل على الجزئيّة حكما تكليفيّا مختصّا بحال الذكر.

و بعد هذه المقدّمة القصيرة نقول: إنّ كلّية الكبرى و عموم الجزئيّة لحال النسيان إنّما

____________

(1) غوالي اللآلئ 3: 82/ 65، و قريب منه في الكافي 3: 317/ 28، و قريب منه أيضا في التهذيب 2:

146/ 573، 574، 575، و كذلك الوسائل 6: 37، أبواب القراءة في الصلاة، ب 1، ح 1، و في صحيح مسلم 1: 247/ 394-: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).

13

كما انكشف ذلك الدليل في الموارد التي حكم الشارع فيها بصحّة الصلاة المنسي فيها بعض الأجزاء على وجه يظهر من الدليل كون صلاته تامّة، مثل قوله (عليه السلام): (تمّت صلاته و لا يعيد)

(1)

و حينئذ فمرجع الشكّ إلى الشكّ في الجزئيّة حال النسيان، فيرجع فيها إلى البراءة و الاحتياط على الخلاف.

و كذا لو كان الدالّ على الجزئيّة حكما تكليفيّا مختصّا بحال الذكر، و كان الأمر بأصل العبادة مطلقا، فإنّه يقتصر في تقييده على مقدار قابليّة دليل التقييد- أعني: حال الذكر- إذ لا تكليف حال الغفلة، فالجزء المنتزع من الحكم التكليفي نظير الشرط المنتزع منه في‏

____________

يتمّ في الصورة الأولى، و هي ما إذا كان الدليل على الجزئيّة مثل قوله (عليه السلام): (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) و لا يتمّ في الصورتين الأخيرتين؛ و ذلك للاقتصار في الدليل اللّبي على المتيقّن، و هو الجزئيّة حال الالتفات فقط و اختصاص الحكم التكليفي بحال الالتفات، و لا يشمل حال النسيان أصلا.

(كما انكشف ذلك)، أي: اختصاص الجزئيّة بحال الالتفات بالدليل في الموارد التي حكم الشارع فيها بصحة الصلاة المنسي فيها بعض الأجزاء.

و من هنا نذكر ما في شرح الأستاذ الاعتمادي دامت إفاداته لتوضيح العبارة، حيث قال:

إن قلت: حكم الشارع بالصحّة فيها لا يكشف عن اختصاص الجزء بحال الذكر، بل يجعل الناقص بدلا عن الكامل تعبّدا.

قلت: إنّ الشارع حكم بها (على وجه يظهر من الدليل كون صلاته تامّة، مثل قوله (عليه السلام):

(تمّت صلاته و لا يعيد) و حينئذ)، أي: حين إجمال الدليل و احتمال اختصاصه بحال الذكر، (فيرجع فيها إلى البراءة و الاحتياط على الخلاف) المتقدّم في الشكّ في الجزء، و قد أشار إلى ما ذكرناه من كون الدليل على الجزئيّة حكما تكليفيّا بقوله:

(و كذا لو كان الدالّ على الجزئيّة حكما تكليفيّا)، كقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ‏ (2) (مختصّا بحال الذكر، و كان الأمر بأصل العبادة مطلقا) ك أَقِيمُوا الصَّلاةَ بناء على الأعمّ، (فإنّه يقتصر في تقييده على مقدار قابليّته دليل التقييد- أعني: حال الذكر- إذ لا تكليف حال‏

____________

(1) الفقيه 1: 281/ 1272. الوسائل 8: 522، أبواب صلاة المسافر، ب 23، ح 1.

(2) المزّمّل: 20.

14

اختصاصه بحال الذكر، كلبس الحرير و نحوه.

قلت: إن اريد بعدم جزئيّة ما ثبت جزئيّته في الجملة في حقّ الناسي إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه، فهو غير قابل لتوجّه الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا و إسقاطا.

____________

الغفلة).

و حاصل جميع ما ذكر في شرح الأستاذ الاعتمادي، هو أنّ الدليل إن دلّ على الجزئيّة المطلقة نحو (لا صلاة إلّا بالفاتحة) فيرجع إلى إطلاقه، و يحكم بالجزئيّة حال النسيان أيضا، و إن دلّ على الجزئيّة المجملة كالإجماع فيؤخذ بالمتيقّن- أعني: حال الذكر- و يرجع في المشكوك- أعني: الجزئيّة حال النسيان- إلى البراءة أو الاحتياط.

و إن دلّ على حكم تكليفي كالأمر بالقراءة، فإن كان دليل العبادة مطلقا، كالأمر بالصلاة بناء على الأعمّ، فيقتصر في تقييده بحال الذكر؛ لأنّ الواجب يختص به، و يتمسّك في حال النسيان بإطلاق دليل العبادة، و أمّا إن كان مجملا، كما على قول الصحيحي، فيدخل بالنسبة إلى النسيان في مسألة الدوران بين الأقلّ و الأكثر لإجمال النصّ، و قد تقدّم حكمها فراجع.

(قلت: إن اريد بعدم جزئيّة ما ثبت جزئيّته في الجملة في حقّ الناسي إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه، فهو غير قابل لتوجّه الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا و إسقاطا).

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) في الجواب يتّضح بعد مقدّمة مختصرة، و هي:

إنّك قد عرفت ما تقدّم من أنّ اختلاف الحكم بحسب حال الغفلة و الالتفات غير ممكن، إذ يستحيل توجّه الخطاب إلى الغافل.

و بهذه المقدّمة يتّضح لك أنّ فساد العمل بترك الجزء المشكوك ليس من أجل ثبوت الجزئيّة لحالتي الذكر و النسيان حتى يقال: إنّه يتمّ فيما إذا كان دليل الجزئيّة مطلقا، و لا يتمّ فيما إذا كان مجملا كالإجماع، أو تكليفا كما عرفت، بل الفساد إنّما يكون من جهة عدم إمكان تكليف الغافل بالناقص حال الغفلة، فيكون مكلّفا بالمركّب التام و يجب الإتيان به بعد الالتفات.

فما ذكر في الإشكال من عدم جزئيّة المشكوك فيما إذا كان الدليل مجملا كالإجماع،

15

و إن اريد به إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعيّة، فهو حسن؛ لأنّه حكم في حقّه بعد زوال غفلته، لكن عدم الجزئيّة بهذا المعنى عند الشكّ ممّا لم يقل به أحد من المختلفين في مسألة البراءة و الاحتياط.

____________

أو تكليفا فاسد و ذلك لأحد وجهين:

أحدهما: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: (إن اريد بعدم جزئيّة ما ثبت جزئيّة في الجملة في حقّ الناسي إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه، فهو غير قابل لتوجّه الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا)، بأن يقال: أيّها الغافل يجب عليك السورة (و إسقاطا) بأن يقال: أيّها الغافل لا تجب عليك السورة، و ذلك لما تقدّم من عدم إمكان تكليف الغافل أصلا.

(و إن اريد به إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعيّة)، بأن يكون الناقص مشتملا على مصلحة ملزمة موجبة لتدارك المصلحة الموجودة في المركّب التامّ.

و لهذا جعل الشارع ما ليس بمأمور به بدلا عن المأمور به الواقعي، نظير مسألة كفاية الجهر موضع الإخفات و بالعكس.

(فهو حسن)، إذ لا محذور فيه أصلا؛ لأنّ جعل البدل في حقّ الناسي حكم وضعي بعد زوال غفلته، و ليس حكما تكليفيّا حال الغفلة حتى يقال بعدم إمكان تكليف الغافل، ثمّ ردّ (قدّس سرّه) هذا الاحتمال الثاني بقوله:

(لكنّ عدم الجزئيّة بهذا المعنى عند الشكّ ممّا لم يقل به أحد). هذا هو الوجه الثاني للفساد.

و حاصله: إنّ ما ذكر من عدم جزئيّة المشكوك- إن كان الدليل على الجزئيّة مجملا كالإجماع- فاسد إن كان المراد بعدم الجزئيّة- حينئذ- هو إمضاء الشارع ما يكون خاليا عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن الكامل المأمور به في الواقع، إذ لم يقل بعدم الجزئيّة بالمعنى المذكور (أحد من المختلفين في مسألة البراءة و الاحتياط).

أمّا عدم قول الاحتياطي به فواضح، إذ مقتضى الاحتياط هو عدم البدليّة.

و أمّا عدم قول البراءتي به، فقد أشار إليه بقوله:

16

لأنّ هذا المعنى حكم وضعي لا تجري فيه أدلّة البراءة، بل الأصل فيه العدم بالاتفاق، و هذا معنى ما اخترناه من فساد العبادة الفاقدة للجزء نسيانا، بمعنى عدم كونها مأمورا بها و لا مسقطا عنه.

و ممّا ذكرناه ظهر أنّه ليس هذه المسألة من مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء في شي‏ء؛ لأنّ تلك المسألة مفروضة فيما إذا كان المأتي به مأمورا به بأمر شرعي، كالصلاة مع التيمّم أو بالطهارة المظنونة. و ليس في المقام أمر بما أتى به الناسي أصلا.

و قد يتوهّم: «أنّ في المقام أمرا عقليّا لاستقلال العقل، بأنّ الواجب في حقّ الناسي هو هذا المأتي به، فيندرج لذلك في إتيان المأمور به بالأمر العقلي».

____________

(لأنّ هذا المعنى حكم وضعي لا تجري فيه أدلّة البراءة)؛ لأنّ ظاهرها هو نفي العقاب لا نفي الجزئيّة، بمعنى جعل البدليّة، (بل الأصل فيه العدم بالاتفاق)، أي: عدم جعل البدليّة و عدم إسقاط التكليف بإتيانه.

قوله: (و ممّا ذكرنا ظهر أنّه ليس هذه المسألة من مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء في شي‏ء)، هذا دفع لما يتوهّم من أنّ المقام ربّما يكون من صغريات مسألة الإجزاء، بمعنى أنّ الصلاة بلا سورة التي أتى بها الغافل حال الغفلة و النسيان تكون مجزية عن الصلاة مع السورة، فتكون صحيحة لا فاسده حتى تكون السورة ركنا.

و حاصل الدفع يتّضح بعد الإشارة إلى مقدّمة، و هي: إنّ مسألة الإجزاء فرع لتعدّد المأمور به بتعدّد الأمر، و يبحث فيها عن أنّ الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري أو الاضطراري هل يقتضي الإجزاء عن المأمور به بالأمر الواقعي أم لا؟

و من هذه المقدّمة يتّضح لك أنّ المقام ليس من صغريات تلك المسألة، إذ الصلاة بلا سورة حال الغفلة على ما عرفت ليس مأمورا بها أصلا، حتى يقال بأنّ المقام يكون من مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء.

(و قد يتوهّم: أنّ في المقام أمرا عقليّا لاستقلال العقل، بأنّ الواجب في حقّ الناسي هو هذا المأتي به، فيندرج لذلك في إتيان المأمور به بالأمر العقلي).

و حاصل تقريب هذا التوهّم، هو أنّ ما ذكر من مناط مسألة الإجزاء و هو تعدّد المأمور به بتعدّد الأمر موجود في المقام؛ و ذلك لحكم العقل مستقلا بأنّ المأمور به في حقّ‏

17

و هو فاسد جدا؛ لأنّ العقل ينفي تكليفه بالمنسي و لا يثبت له تكليفا بما عداه من الأجزاء.

و إنّما يأتي بها بداعي الأمر بالعبادة الواقعيّة غفلة عن عدم كونه إيّاها، كيف و التكليف- عقليّا كان أو شرعيّا- يحتاج إلى الالتفات؟، و هذا الشخص غير ملتفت إلى أنّه ناس عن الجزء حتّى يكلّف بما عداه.

و نظير هذا التوهّم توهّم أنّ ما أتى به الجاهل المركّب باعتقاد أنّه المأمور به- من باب إتيان المأمور به- بالأمر العقلي، و فساده يظهر ممّا ذكرنا بعينه.

____________

الناسي هي الصلاة بلا سورة التي أتى بها الناسي حال النسيان؛ لأنّ الناسي حال النسيان لا يتمكّن من الصلاة مع السورة؛ فحينئذ يندرج المقام في مسألة الإجزاء.

فيقال: إنّ الإتيان بالمأمور به العقلي يقتضي الإجزاء عن المأمور به بالأمر الشرعي، و قد أشار إلى فساد هذا التوهّم بقوله: (و هو فاسد جدا؛ لأنّ العقل ينفي تكليفه بالمنسي و لا يثبت له تكليفا بما عداه من الأجزاء)، و ملخّص الفساد أنّ الصلاة بلا سورة- أو بعبارة أخرى- ما عدا المنسي من الأجزاء ليس مأمورا به عقلا؛ لأنّ العقل يحكم بنفي تكليف الناسي بالمنسي من الأجزاء، و لا يحكم بتكليفه بما عدا المنسي من الأجزاء حتى يكون مأمورا به عقلا فيندرج في مسألة الإجزاء.

و الشاهد على ذلك أنّه لو كان ما عدا المنسي مأمور به بالأمر العقلي الظاهري لوجب إتيانه بداعي الأمر الظاهري، مع أنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ الناسي لم يأت به بداعي الأمر الظاهري.

(و إنّما يأتي بها بداعي الأمر بالعبادة الواقعيّة غفلة عن عدم كونه إيّاها)، هذا مع أنّ التكليف شرعيّا كان أو عقليّا يحتاج إلى الالتفات، و هذا الشخص غير ملتفت أصلا، فكيف يكون مكلّفا بما عدا المنسي من الأجزاء؟!.

(و نظير هذا التوهّم توهّم أنّ ما أتى به الجاهل المركّب باعتقاد أنّه المأمور به- من باب إتيان المأمور به- بالأمر العقلي).

و حاصل تقريب هذا التوهّم كما في شرح الأستاذ الاعتمادي، هو أنّ الناسي يعتقد كون المأمور به هو المأتي به، و قد مرّ في باب القطع أنّ الاعتقاد حجّة و إن كان جهلا مركّبا كما في الناسي.

18

و أمّا ما ذكره: «من أنّ دلالة الجزء قد يكون من قبيل التكليف، و هو لاختصاصه بغير الغافل، لا يقيّد إطلاق الأمر بالكلّ إلّا بقدر مورده، و هو غير الغافل، فإطلاق الأمر بالكل المقتضي لعدم جزئيّة هذا الجزء له بالنسبة إلى الغافل بحاله».

ففيه: إنّ التكليف المذكور إن كان تكليفا نفسيّا فلا يدلّ على كون متعلّقه جزء للمأمور به حتى يقيّد به الأمر بالكلّ.

____________

و معنى الحجّية هو وجوب العمل على طبقه، فهذا العمل- أي: الإتيان بما عدا المنسي من الأجزاء- واجب عقلا، لكونه عملا بما هو الحجّة، فيكون مأمورا عقلا، فيندرج في مسألة الإجزاء.

و يقال: إنّ المأمور به عقلا يجزي عن المأمور به شرعا، و قد أشار إلى فساده بقوله:

(و فساده يظهر ممّا ذكرنا بعينه)، فإنّ حجيّة الاعتقاد تنتج عدم وجوب الصلاة مع السورة عليه و لا تثبت كون المأتي به واجبا على ما عرفت غير مرّة من أنّ تكليف الغافل ممتنع.

و بالجملة، إنّ هذه المسألة ليست من مسألة اقتضاء الأمر للإجزاء؛ لأنّ كون المقام منها موقوف على وجود أمر فيه، و قد عرفت عدم إمكانه في المقام.

(و أمّا ما ذكره: من أنّ دلالة الجزء قد يكون من قبيل التكليف) فيكون الجزء كنفس التكليف مختصّا بغير الغافل، لما تقدّم من اختصاص التكليف بحال الالتفات و لازمه اختصاص جزئيّة الجزء بحال الالتفات، كما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(لا يقيّد إطلاق الأمر بالكلّ إلّا بقدر مورده)، أي: التكليف و يبقى الإطلاق ك أَقِيمُوا الصَّلاةَ بالنسبة إلى الغافل على حاله، و مقتضاه عدم الجزئيّة بالنسبة إلى الغافل.

(ففيه: إنّ التكليف المذكور إن كان تكليفا نفسيّا فلا يدلّ على كون متعلّقه جزء للمأمور به)، يردّ على ما ذكر من اختصاص الجزئيّة بغير الغافل فيما إذا كان دليل الجزء من قبيل التكليف بأحد وجهيه، هما كما في شرح الاستاذ الاعتمادي:

أحدهما: إنّ المراد من بقاء إطلاق الأمر بالصلاة بالنسبة إلى الغافل إذا كان وجوب الصلاة بلا سورة على الغافل، فقد تقدّم ما يردّ عليه من عدم إمكان تكليف الغافل أصلا،

19

و إن كان تكليفا غيريّا، فهو كاشف عن كون متعلّقه جزء؛ لأنّ الأمر الغيري إنّما يتعلّق بالمقدّمة، و انتفاؤه بالنسبة إلى الغافل لا يدلّ على نفي جزئيّته في حقّه، لأنّ الجزئيّة غير مسبّبة عنه، بل هو مسبّب عنها.

و من ذلك يعلم الفرق بين ما نحن فيه و بين ما ثبت اشتراطه من الحكم التكليفي- كلبس الحرير- فإنّ الشرطيّة مسبّبة عن التكليف، عكس ما نحن فيه، فينتفي بانتفائه.

و الحاصل: إنّ الأمر الغيري بشي‏ء- لكونه جزء- و إن انتفى في حقّ الغافل عنه من حيث انتفاء الأمر بالكلّ في حقّه، إلّا أنّ الجزئيّة لا تنتفي بذلك.

____________

و إن كان المراد من بقاء الإطلاق و الغرض به إثبات البدليّة، بأن يقال إنّ الإطلاق يقتضي جعل الناقص بدلا عن الكامل، فيردّ عليه بأنّ الإطلاق لا يقتضي البدليّة أصلا، كما لا يخفى.

و ثانيهما: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: (إنّ التكليف المذكور إن كان تكليفا نفسيّا ... إلى آخره).

يعني: إنّ الأمر بالقراءة إن كان أمرا نفسيّا دلّ على كون القراءة من الواجبات في الدين كالحج و الصوم مثلا، فلا يدلّ على جزئيّة القراءة أصلا حتى يكون تقييدا لإطلاق‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ بالنسبة إلى غير الغافل.

(و إن كان تكليفا غيريّا)، بأن يدلّ على وجوب القراءة في الصلاة، (فهو كاشف عن كون متعلّقه جزء؛ لأنّ الأمر الغيري إنّما يتعلّق بالمقدّمة) إلّا أنّه لا يدلّ على انتفاء الجزئيّة عن الغافل؛ لأنّ الغفلة مانعة عن تنجّز التكليف لا عن جزئيّة الجزء؛ (لأنّ الجزئيّة غير مسبّبة عنه، بل هو مسبّب عنها).

أي: أنّ الجزئيّة لم تكن تابعة للأمر حتى تنتفي بالنسبة إلى الغافل لانتفاء الأمر كما عرفت كرارا، بل الأمر تابع لها؛ لأنّ الآمر يلاحظ أمورا ثمّ يعتبرها شيئا واحدا ثمّ يأمر بها، فتكون مرحلة الأمر متأخّرة و كاشفة عن اعتبار الجزئيّة.

(و من ذلك يعلم الفرق بين ما نحن فيه و بين ما ثبت اشتراطه من الحكم التكليفي ... إلى آخره).

و حاصل الفرق بين الجزئيّة المستكشفة من التكليف الغيري و بين الشرطيّة المسبّبة من التكليف النفسي، هو انتفاء الشرطيّة بانتفاء التكليف، و عدم انتفاء الجزئيّة بانتفاء

20

و قد يتخيّل: أنّ أصالة العدم على الوجه المتقدّم و إن اقتضت ما ذكر، إلّا أنّ استصحاب الصحّة حاكم عليها.

و فيه: ما سيجي‏ء في المسألة الآتية من فساد التمسّك به في هذه المقامات، و كذا التمسّك بغيره ممّا سيذكر هناك.

فإن قلت: إنّ الأصل الأوّلي و إن كان ما ذكرت، إلّا أنّ هنا أصلا ثانويّا يقتضي إمضاء ما يفعله الناسي خاليا عن الجزء و الشرط المنسي عنه، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (رفع عن امّتي تسعة:

الخطأ و النسيان ...)

(1)

بناء على أنّ المقدّر ليس خصوص المؤاخذة، بل جميع الآثار الشرعيّة

____________

التكليف؛ و ذلك لأنّ الجزئيّة كما عرفت ليست تابعة للتكليف حتى تنتفي بانتفائه، و هذا بخلاف الشرطيّة كشرطيّة إباحة مكان المصلّي المسبّبة عن تحريم الغصب، و القول بعدم جواز اجتماع الأمر و النهي حيث تكون الشرطيّة مسبّبة عن التكليف النفسي، و هو وجوب الاجتناب عن الغصب فتنتفي بانتفائه، فكما أنّ التكليف مختصّ بحال الالتفات كذلك تختصّ الشرطيّة بحال الالتفات، فتنتفي عن الغافل.

(و قد يتخيّل: أنّ أصالة العدم على الوجه المتقدّم و إن اقتضت ما ذكر، إلّا أنّ استصحاب الصحّة حاكم عليها).

حاصل التخيّل، هو أنّ أصالة العدم- أي: أصالة عدم كفاية ما أتى به الناسي من الناقص عن الكامل لعدم ثبوت بدليّة الناقص عنه شرعا- و إن كانت تقتضي الفساد، إلّا أنّ استصحاب الصحّة حاكم على أصالة العدم التي تقتضي الفساد؛ و ذلك لأنّ موضوع أصالة العدم هو كون المأتي به ناقصا، و مقتضى الاستصحاب يثبت لنا كمال الموضوع، فيرتفع به موضوع أصالة العدم فيكون حاكما أو واردا عليها!!.

و جوابه هو ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و فيه: ما سيجي‏ء في المسألة الآتية من فساد التمسّك به في هذه المقامات) فانتظر.

(فإن قلت: إنّ الأصل الأوّلي و إن كان ما ذكرت، إلّا أنّ هنا أصلا ثانويّا يقتضي إمضاء ما يفعله الناسي خاليا عن الجزء و الشرط المنسي عنه، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (رفع عن أمّتي تسعة:

____________

(1) التوحيد: 353/ 24. الخصال 2: 417/ 9. و الوسائل 15: 369، أبواب جهاد النفس، ب 56، ح 1.

21

المترتّبة على الشي‏ء المنسي لو لا النسيان؛ فإنّه لو ترك السورة لا للنسيان يترتّب حكم الشارع عليه بالفساد و وجوب الإعادة، و هذا مرفوع مع ترك السورة نسيانا.

و إن شئت قلت: إنّ جزئيّة السورة مرتفعة حال النسيان.

قلت- بعد تسليم إرادة رفع جميع الآثار-: إنّ جزئيّة السورة ليست من الأحكام المجعولة لها شرعا، بل هي كلّيّة الكلّ.

____________

الخطأ و النسيان ...) بناء على أنّ المقدّر ليس خصوص المؤاخذة، بل جميع الآثار الشرعيّة ...

إلى آخره).

و حاصل الإشكال، هو أنّ مقتضى الأصل الأوّلي و إن كان هو الفساد لما تقدّم من أصالة عدم كفاية ما أتى به الناسي عن الواقع، إلّا أنّ مقتضى الأصل الثانوي كحديث الرفع مثلا هو الصحة، بناء على أنّ الحديث يرفع جميع الآثار لا خصوص المؤاخذة؛ لأنّ رفع خصوص المؤاخذة لا يوجب صحّة عمل الناسي، و لا يثبت عدم وجوب الإعادة، أمّا على التعميم فيمكن التمسّك بالحديث لنفي وجوب الإعادة؛ لأنّ وجوب الإعادة أثر من آثار ترك الجزء، و قد رفع بحديث الرفع عن الناسي.

(و إن شئت قلت: إنّ جزئيّة السورة مرتفعة حال النسيان)، فالواجب في حقّ الناسي هي الصلاة بلا سورة، فيكون ما أتى به مطابقا لما هو المأمور به، و هو معنى الصحّة في العبادات.

(قلت- بعد تسليم إرادة رفع جميع الآثار-: إنّ جزئيّة السورة ليست من الأحكام المجعولة لها شرعا، بل هي ككلّيّة الكلّ) و ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) في الجواب يرجع إلى وجهين:

الأوّل: عدم تسليم إرادة التعميم فيما هو المقدّر المرفوع بحديث الرفع، بل المرفوع هو خصوص المؤاخذة، فلا يمكن- حينئذ- التمسّك بحديث الرفع لإثبات صحة عمل الناسي؛ لأنّ رفع المؤاخذة لا يوجب صحة العمل.

و الوجه الثاني: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: (إنّ جزئيّة السورة ليست من الأحكام المجعولة) للسورة شرعا حتى ترفع بحديث الرفع على فرض إرادة التعميم من الحديث، إذ أنّ الشارع يرفع بالحديث ما هو مجعول له، و لا يرفع ما كان جعله ليس بيده، و جزئيّة السورة

22

و إنّما المجعول الشرعي وجوب الكلّ، و الوجوب مرتفع حال النسيان بحكم الرواية، و وجوب الإعادة بعد التذكّر مترتّب على الأمر الأوّل لا على ترك السورة.

____________

ليست مجعولة شرعا، و لذلك لا يمكن التمسّك بالحديث لرفعها حال النسيان.

(و إنّما المجعول الشرعي وجوب الكلّ، و الوجوب مرتفع حال النسيان بحكم الرواية، و وجوب الإعادة بعد التذكّر مترتّب على الأمر الأوّل لا على ترك السورة) حتى يتمسّك بالحديث على نفيه بالنسبة إلى الناسي.

و نورد هنا ما جاء في تعليقة المرحوم غلام رضا (قدّس سرّه) فإنّه لا يخلو من فوائد، حيث قال في شرح كلام المصنّف (قدّس سرّه)‏ (إنّ جزئيّة السورة ليست من الأحكام المجعولة) ما هذا نصه:

أقول: شرح كلامه بحيث يفي بمرامه، أنّ الجزئيّة ليست إلّا من المنتزعات كالكلّيّة حتى على القول بثبوت الجعل في الأحكام الوضعيّة، فلا يرتفع بالحديث الشريف.

و إن اريد بالأثر المرتفع وجوب الإعادة ففيه أنّه أثر عقلي؛ لأنّه عبارة عن وجوب الامتثال الثابت من قبل العقل، فإنّه لا يفرّق في حكمه بذلك بين ما إذا لم يأت بالمأمور به رأسا أو أتى به فاقدا للجزء، فإنّه في كلا الحالتين يحكم بوجوب الامتثال، و إذ قد علم أنّه أثر عقلي فلا يكون الحديث المزبور ناظرا إلى رفعه، و لو سلّم كونه حكما شرعيّا فهو مترتّب على مخالفة المأمور به للمأتي به و هي ليست من الآثار الشرعيّة.

و إن اريد بالأثر المرتفع وجود الأمر الأوّل بأن يقال: إن النسيان سبب لترك الجزء، كيف و المفروض ثبوت الداعي له على الإتيان، و ترك الجزء سبب لترك الكلّ و هو سبب لبقاء الأمر الأوّل، و هو من المجعولات القابلة للارتفاع في الزمان الثاني.

ففيه: إنّ الآثار المرفوعة في هذا الخبر نظير الآثار الثابتة للمستصحب، فكما أنّ الاستصحاب لا يثبت الآثار مع الواسطة و لو كانت شرعيّة فكذلك الخبر المزبور أيضا لا يرفعها، و لا يختصّ ذلك بهما، بل جميع التنزيلات الشرعيّة عدا الطرق من هذا القبيل؛ و ذلك لأنّ دلالتها على الآثار رفعا و إثباتا ليست إلّا من باب دلالة الاقتضاء المنتهية إلى الدلالات الالتزاميّة التي لا إطلاق لها حتى يأخذ به.

23

و دعوى: «أنّ ترك السورة سبب لترك الكلّ الذي هو سبب وجود الأمر الأوّل؛ لأنّ عدم الرافع من أسباب البقاء، و هو من المجعولات القابلة للارتفاع في الزمان الثاني.

فمعنى رفع النسيان رفع ما يترتّب عليه و هو ترك الجزء، و معنى رفعه رفع ما يترتّب عليه و هو ترك الكلّ، و معنى رفعه رفع ما يترتّب عليه و هو وجود الأمر في الزمان الثاني».

مدفوعة بما تقدّم في بيان معنى الرواية في الشبهة التحريميّة في الشكّ في أصل التكليف، من أنّ المرفوع في الرواية الآثار الشرعيّة الثابتة لو لا النسيان، لا الآثار الغير الشرعيّة و لا ما يترتّب على هذه الآثار من الآثار الشرعيّة.

فالآثار المرفوعة في هذه الرواية نظير الآثار الثابتة للمستصحب بحكم أخبار الاستصحاب، في أنّها هي خصوص الآثار الشرعيّة المجعولة للشارع دون الآثار العقليّة و العاديّة، و دون ما يترتّب عليها من الآثار الشرعيّة.

____________

فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن، و هو ليس إلّا الآثار الشرعيّة المترتّبة على الشي‏ء بلا واسطة. انتهى.

(و دعوى: «أنّ ترك السورة سبب لترك الكلّ الذي هو سبب وجود الأمر الأوّل؛ لأنّ عدم الرافع من أسباب البقاء» ... إلى آخره).

و حاصل تقريب الدعوى كما في شرح الاستاذ الاعتمادي: إنّ وجود الأمر الأوّل يكون من الآثار الشرعيّة المترتّبة على ترك السورة لكن مع الواسطة؛ لأنّ النسيان سبب لترك السورة و ترك السورة سبب لترك الكلّ الذي هو سبب وجود الأمر الأوّل؛ لأنّ عدم الرافع من أسباب البقاء، فإتيان الكلّ سبب لارتفاع الأمر الأوّل، و تركه سبب لبقائه، و بقاؤه سبب لوجوب الإعادة.

(فمعنى رفع النسيان رفع ما يترتّب عليه و هو ترك الجزء) فكأنّه لم يترك.

(و معنى رفعه رفع ما يترتّب عليه و هو ترك الكلّ) فكأنّه لم يترك.

(و معنى رفعه رفع ما يترتّب عليه و هو وجود الأمر في الزمان الثاني) فكأنّه سقط، و معنى رفعه رفع وجوب الإعادة، و هو المطلوب.

(مدفوعة بما تقدّم في بيان معنى الرواية في الشبهة التحريميّة في الشكّ في أصل التكليف، من أنّ المرفوع في الرواية الآثار الشرعيّة الثابتة لو لا النسيان)، كوجوب الكفّارة المترتّب‏

24

نعم لو صرّح الشارع بأنّ حكم نسيان الجزء الفلاني مرفوع، أو أنّ نسيانه كعدم نسيانه، أو أنّه لا حكم لنسيان السورة مثلا، وجوب حمله- تصحيحا للكلام- على رفع الإعادة و إن لم يكن أثرا شرعيّا، فافهم.

____________

شرعا على إفطار الصوم لو لا النسيان، (لا الآثار الغير الشرعيّة)، كترك الجزء و ترك الكلّ المترتّبان عقلا على نسيان السورة (و لا ما يترتّب على هذه الآثار من الآثار الشرعيّة)، كبقاء الأمر المستلزم لوجوب الإعادة على ما شرح الأستاذ الاعتمادي، فوجوب الإعادة و إن كان أثرا شرعيّا إلّا أنّه مع الواسطة كما عرفت.

و حديث الرفع كالاستصحاب لا يرفع إلّا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليه بلا واسطة، كما أنّ الاستصحاب لا يثبت الآثار العقليّة أو الآثار الشرعيّة المترتّبة على المستصحب بواسطة الآثار العقليّة، أو العاديّة على ما يأتي تفصيله في بحث الاستصحاب في باب حجيّة الأصل المثبت.

و بالجملة، إنّ المرفوع بحديث الرفع كالمثبت بالاستصحاب يجب أن يكون من الآثار الشرعيّة المترتّبة بلا واسطة.

(نعم لو صرّح الشارع بأنّ حكم نسيان الجزء الفلاني مرفوع، أو أنّ نسيانه كعدم نسيانه، أو أنّه لا حكم لنسيان السورة مثلا، وجب حمله- تصحيحا للكلام- على رفع الإعادة و إن لم يكن أثرا شرعيّا).

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) كما في بحر الفوائد هو الفرق بين الدليل الخاصّ الدالّ على رفع أثر النسيان و بين الدليل العامّ كحديث الرفع، حيث يجب حمل الأوّل على رفع الأثر الشرعي المترتّب على النسيان بواسطة أثر عقلي أو عادي تصحيحا لكلام الشارع، فيدلّ على رفع الأثر الشرعي المترتّب على النسيان مع الواسطة بدلالة الاقتضاء.

و الثاني يحمل على رفع الأثر الشرعي إذا كان بلا واسطة كما عرفت، فيرتفع وجوب الإعادة بالأوّل و لو كان أثرا عقليّا و لا يرتفع بالثاني.

و بالجملة، إنّ وجوب الإعادة و إن كان حكما شرعيّا إلّا أنّه حكم شرعي مع الواسطة، و الحكم الشرعي كذلك لا يمكن أن يكون مرتفعا بحديث الرفع.

لكن إذا ورد حديث خاصّ، كما في المتن وجب حمله على رفع الحكم المذكور و لو

25

و زعم بعض المعاصرين الفرق بين أصالة عدم الجزئيّة و مضمون النبوي، حيث حكم في مسألة البراءة و الاشتغال في الشكّ في الجزئيّة بأنّ أصالة عدم الجزئيّة لا يثبت بها ما يترتّب عليه من كون المأمور به هو الأقلّ؛ لأنّه لازم غير شرعي، أمّا رفع الجزئيّة الثابتة بالنبوي فيثبت به كون المأمور به هو الأقلّ.

و ذكر في وجه الفرق ما لا يصلح له من إرادة راجعة فيما ذكره في أصالة العدم، و كيف كان، فالقاعدة الثانويّة في النسيان غير ثابتة.

نعم، يمكن دعوى القاعدة الثانويّة في خصوص الصلاة من جهة قوله (عليه السلام): (لا تعاد

____________

كان حكما عقليّا، على ما يظهر من كلام المصنّف (قدّس سرّه) لأجل دلالة الاقتضاء و توقف تصحيح الكلام عليه، كما في التنكابني.

(فافهم) لعلّه إشارة إلى أنّ رفع وجوب الإعادة بالدليل الخاصّ- و لو كان أثرا عقليّا- إنّما يصح فيما إذا كان الأثر منحصرا به، بحيث لو لم يرتفع به لزم أن يكون الكلام لغوا.

(و زعم بعض المعاصرين الفرق بين أصالة عدم الجزئيّة و مضمون النبوي ... إلى آخره).

و المراد من بعض المعاصرين هو صاحب الفصول (قدّس سرّه) حيث فرّق بين أصالة عدم الجزئيّة- أي: استصحاب عدم الجزئيّة- و بين حديث الرفع.

و حاصل الفرق، هو عدم ثبوت كون المأمور به هو الأقلّ بالاستصحاب المذكور، و ثبوت كون الأقلّ هو المأمور به بالنبوي.

و لعلّ الوجه في الفرق المذكور هو أنّ استصحاب عدم الجزئيّة مثبت بالنسبة إلى ترتّب كون المأمور به هو الأقلّ، و الأصل المثبت ليس بحجّة، و هذا بخلاف النبوي حيث يرتفع به جزئيّة المشكوك، و يترتّب على نفي الجزئيّة جميع الآثار، و منها كون المأمور به هو الأقلّ.

إلّا أنّ هذا الفرق غير صحيح عند المصنّف (قدّس سرّه)؛ لأنّ الجزئيّة ليست من الأحكام الشرعيّة حتى ترتفع بحديث الرفع ليثبت به كون المأمور به هو الأقلّ، و قد عرفت أنّ المرتفع بحديث الرفع هو الحكم الشرعي من دون واسطة لا غير، فالحاصل من الجميع هو عدم ثبوت أصل ثانوي يقتضي صحة ما يأتي به الناسي.

26

الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود)

(1)

.

و قوله (عليه السلام) في مرسلة سفيان: (يسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة و نقيصة)

(2)

.

و قوله (عليه السلام) في من نسي الفاتحة: (أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟)

(3)

و غيره.

ثمّ إنّ الكلام في الشرط كالكلام في الجزء، و الأصل الأوّلي و الثانوي المزيّف و المقبول، و هو غاية المسئول.

____________

(نعم، يمكن دعوى القاعدة الثانويّة في خصوص الصلاة من جهة قوله (عليه السلام): (لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود))، فإنّ المستفاد من هذه الرواية في خصوص الصلاة هو عدم وجوب الإعادة إذا كان ما ترك سهوا من غير الخمسة المذكورة، فتثبت بها القاعدة المقتضية لعدم البطلان إلّا من جهة الخمسة.

(و قوله (عليه السلام) في مرسلة سفيان: (يسجد سجدتي السهو في كلّ زيادة و نقيصة))، حيث تدلّ على الصحة بمطلق الزيادة و النقيصة.

(و قوله (عليه السلام) في من نسي الفاتحة: (أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟))، حيث إنّه ظاهر في كون المأتي به هو المأمور به فيكون صحيحا، فالمستفاد من هذه الأخبار هو صحة ما أتى به الناسي، و إثبات كون ما عدا الجزء المنسي هو المأمور به.

(ثمّ إنّ الكلام في الشرط كالكلام في الجزء).

أي: الكلام في نسيان شرط المأمور به كالكلام في نسيان الجزء، فكما أنّ مقتضى الأصل الأوّلي في الثاني هو البطلان على ما تقدّم، كذلك مقتضى الأصل الأوّلي في الشرط المنسي هو البطلان، و كما أنّ الأصل الثانوي في الجزء المنسي مردود، كذلك في الشرط المنسي، و كما أنّ الأصل الثانوي في خصوص الصلاة مقبول في الجزء المنسي، كذلك مقبول في الشرط المنسي، نعم ذكر في الفقه تقسيم الشرط إلى الواقعي، و العلمي، و الذكري.

و الأوّل: ما يبطل المشروط بإخلاله مطلقا، أي: سواء كان مع العلم و التذكر أو مع الجهل‏

____________

(1) الخصال 1: 285/ 35. الوسائل 5: 471، أبواب أفعال الصلاة، ب 1، ح 14.

(2) التهذيب 2: 155/ 608، الوسائل 8: 251، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 32، ح 8.

(3) الكافي 3: 348/ 3. الوسائل 6: 90، أبواب القراءة في الصلاة، ب 29، ح 2.

27

و الغفلة، كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة.

و الثاني: ما يبطل المشروط بإخلاله عن علم فقط، كالطهارة من الخبث بالنسبة إلى الصلاة.

و الثالث: ما لا يبطل المشروط بالإخلال به إذا كان عن غفلة، كإباحة المكان بالنسبة إلى الصلاة بناء على صحة الصلاة في المكان المغصوب مع الغفلة عن كونه مغصوبا، و في هذا المقام تحقيق مفصّل ذكره في الأوثق، و البحث في المقام عن الشرط الواقعي.

28

المسألة الثانية في زيادة الجزء عمدا و إنّما يتحقّق في الجزء الذي لم يعتبر فيه اشتراط عدم الزيادة، فلو اخذ بشرطه فالزيادة عليه موجب لاختلاله من حيث النقيصة.

لأنّ فاقد الشرط كالمتروك، كما أنّه لو أخذ في الشرع لا بشرط الوحدة و التعدّد فلا

____________

[المسألة الثانية في زيادة الجزء عمدا]

(المسألة الثانية: في زيادة الجزء عمدا.

و إنّما يتحقّق في الجزء الذي لم يعتبر فيه اشتراط عدم الزيادة ... إلى آخره)، و تحرير الكلام في الجزء الذي شكّ في كون زيادته عمدا مبطلا للعبادة أم لا، يحتاج إلى مقدّمة و هي:

إنّ الجزء يمكن اعتباره في المأمور به على أنحاء و أقسام:

الأوّل: اعتباره بشرط شي‏ء، بمعنى كون الجزء الموجود يجب أن يكون منضمّا مع مثله كالسجود للصلاة في كلّ ركعة.

الثاني: اعتباره بشرط لا، أي: بشرط عدم الزيادة.

و الثالث: اعتباره لا بشرط، و اعتباره كذلك يكون على قسمين أيضا:

أحدهما: هو اللابشرط القسمي، و هو بمعنى الطبيعة الصادقة على القليل و الكثير، و الماهيّة بهذا الاعتبار تكون كلّيّا طبيعيّا، و هو الذي اختلف في كونه موجودا في الخارج أم لا؟.

و ثانيهما: هو اللابشرط المقسمي، و هو الذي اعتباره و أخذه في المأمور به من دون ملاحظة شي‏ء من الملاحظات، حتى اللابشرطيّة، و الماهيّة بهذا الاعتبار ليست إلّا هي، بمعنى أنّها ليست موجودة و لا معدومة، و لا جزئيّة، و لا كلّية، و لا واحدة، و لا كثيرة، فيصح عنها سلب جميع المتقابلات. إذا عرفت ذلك فنقول:

إنّ الكلام في المقام هو في القسم الثاني من القسمين الآخرين، و هو القسم الرابع و لا يمكن اعتباره على نحو بشرط لا، إذ لو اخذ بشرط عدم الزيادة، لكان الإخلال به، أي بالشرط مبطلا من حيث النقيصة؛ (لأنّ فاقد الشرط كالمتروك) كما أنّه لو اخذ على نحو

29

إشكال في عدم الفساد.

و يشترط في صدق الزيادة قصد كونه من الأجزاء، أمّا زيادة صورة الجزء لا بقصدها- كما لو سجد للعزيمة في الصلاة- لم تعدّ زيادة في الجزء.

نعم ورد في بعض الأخبار: (أنّها زيادة في المكتوبة)

(1)

. و سيأتي الكلام في معنى الزيادة في‏

____________

اللابشرط القسمي، أي: لوحظ فيه الإطلاق كمطلق الذكر في الركوع مثلا لا يبطل العمل بالزيادة.

و كيف كان‏ (و يشترط في صدق الزيادة قصد كونه من الأجزاء) و اعتبار القصد في صدق زيادة الجزء يتّضح بعد ذكر مقدّمة و هي: إنّ المركّبات على قسمين: خارجيّة و اعتباريّة:

و الاولى: ما كانت أجزاؤه بموادها و هيئتها التركيبيّة موجودة في الخارج، كالدار و السرير و نحوهما.

و الثانية: ما لم يكن كذلك كالمركّبات الشرعيّة مثل الصلاة و نحوها، حيث تكون تابعة للاعتبار و القصد.

و من هذه المقدّمة يتّضح أنّ تحقّق الزيادة في الاولى لا يتوقف على القصد أصلا، بخلاف الثانية، فإنّ الزيادة فيها لا تحقّق إلّا بعد القصد، و من هنا يعتبر في زيادة الجزء أمران:

أحدهما: أن يكون المزيد من سنخ المزيد عليه.

و ثانيهما: أن يكون الإتيان به بقصد الجزئيّة لا لداع آخر، فحينئذ لا تتحقّق الزيادة بإتيان صورة الجزء لا بقصد الجزئيّة، كأن يسجد في الصلاة لأجل قراءة آية السجدة لا لإيقاع سجدة الصلاة.

(نعم، ورد في بعض الأخبار: (أنّها زيادة في المكتوبة))، أي: سجدة العزيمة زيادة.

فالمستفاد منه عدم اعتبار ما تقدّم من الأمرين في صدق زيادة الجزء، بمعنى أنّه لا يعتبر أن يكون المزيد من سنخ المزيد عليه، و لا قصد الجزئيّة، فلا بدّ من الأخذ ببعض‏

____________

(1) الكافي 3: 318/ 6. التهذيب 2: 96/ 361. الوسائل 6: 105، أبواب القراءة في الصلاة، ب 40، ح 1.

30

الصلاة، ثمّ الزيادة العمديّة تتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يزيد جزء من أجزاء الصلاة بقصد كون الزائد جزء مستقلا، كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا أنّ الواجب في كلّ ركعة ركوعان، كالسجود.

الثاني: أن يقصد كون مجموع الزائد و المزيد عليه جزء واحدا، كما لو اعتقد أنّ الواجب في الركوع الجنس الصادق على الواحد و المتعدّد.

الثالث: أن يأتي بالزائد بدلا عن المزيد بعد رفع اليد عنه؛ إمّا اقتراحا- كما لو قرأ سورة- ثمّ بدا له في الأثناء أو بعد الفراغ، و قرأ سورة اخرى لغرض ديني كالفضيلة، أو دنيوي كالاستعجال، و إمّا لإيقاع الأوّل على وجه فاسد بفقد بعض الشروط، كأن يأتي ببعض الأجزاء رياء أو مع عدم الطمأنينة المعتبرة فيها، ثمّ يبدو له في إعادته على وجه صحيح.

____________

الأخبار في مورده فقط لكونه مخالفا للإجماع و ظاهر الأصحاب بعدم تحقّق الزيادة المبطلة من دون قصد بزيادة شي‏ء غير مسانخ للمزيد عليه.

(ثمّ الزيادة العمديّة تتصور على وجوه) و هذه الأقسام يمكن فرضها في كلّ واحد من الأقسام المذكورة في اعتبار الجزء.

(أحدها: أن يزيد جزء من أجزاء الصلاة بقصد كون الزائد جزء مستقلا، كما لو اعتقد شرعا) بأن يكون جاهلا بالجهل المركّب الناشئ عن الخطأ و الاشتباه في دليل المسألة.

(أو تشريعا) بأن يكون اعتقاده ناشئا عن التقصير، بأن حصل اعتقاده ممّا لم يكن حجّة شرعا كقول أبويه مثلا، كما هو الغالب في اعتقاد العوام، أو قصد بالزائد أنّه جزء مستقلّ و هو قاطع بعدم كونه جزء مستقلا في الواقع.

(الثاني: أن يقصد كون مجموع الزائد و المزيد عليه جزء واحدا)، كاعتقاده بأنّ الواجب في الركوع هو مطلق الذكر.

(الثالث: أن يأتي بالزائد بدلا عن المزيد بعد رفع اليد عنه؛ إمّا اقتراحا)، أي: من دون علّة توجب ذلك، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي‏ (و إمّا لإيقاع الأوّل على وجه فاسد بفقد بعض الشروط، كأن يأتي ببعض الأجزاء رياء)، بناء على عدم كون الرياء في الجزء موجبا لبطلان الكلّ، بل يبطل الجزء المأتي به رياء فقط.

و أمّا على تقدير كون الرياء في الجزء موجبا لبطلان الكلّ من جهة صدق الرياء في‏

31

أمّا الزيادة على الوجه الأوّل، فلا إشكال في فساد العبادة إذا نوى ذلك قبل الدخول في الصلاة أو في الأثناء؛ لأنّ ما أتى به و قصد الامتثال به، و هو المجموع المشتمل على الزيادة غير مأمور به، و ما أمر به و هو ما عدا تلك الزيادة لم يقصد الامتثال به.

____________

الكلّ عرفا، فإنّه خارج عن محلّ الكلام. هذا تمام الكلام في الوجوه التي يمكن فرضها في الزيادة العمديّة.

و قد أشار المصنّف (قدّس سرّه) إلى حكم الوجه الأوّل بقوله:

(أمّا الزيادة على الوجه الأوّل، فلا إشكال في فساد العبادة إذا نوى ذلك قبل الدخول في الصلاة أو في الأثناء)، و حاصل كلامه (قدّس سرّه) في وجه بطلان العبادة يتّضح بعد بيان مقدّمة و هي:

إنّ المفروض هو عدم أخذ الجزء بعنوان لا بشرط شي‏ء في العبادة؛ لأنّه لو كان مأخوذا بشرط شي‏ء لا تبطل العبادة بالزيادة قطعا، و إنّما لا بدّ أن يوقع الجزء بعنوان بشرط لا أو لا بشرط؛ لأنّه على كلا التقديرين تبطل العبادة بسببهما، لأنّ ما أتى به‏ (و هو المجموع المشتمل على الزيادة غير مأمور به، و ما أمر به و هو ما عدا تلك الزيادة لم يقصد الامتثال به).

و بهذه المقدّمة يتّضح لك بطلان العبادة مع زيادة الجزء على الوجه الأوّل؛ لأنّ الامتثال لا يتحقّق إلّا مع قصد إتيان المأمور به، ثمّ ما أتى به مع القصد لم يكن مأمور به، و ما هو المأمور به لم يقصد به الامتثال، فيكون المأتي به مع القصد غير مطابق للمأمور به و هو معنى بطلان العبادة.

و لقد ذكر المرحوم غلام رضا (قدّس سرّه) في تعليقته نظير ما ذكر في وجه فساد العبادة بالزيادة على الوجه الأوّل، فقال في شرح قول المصنّف (قدّس سرّه): (فلا إشكال في فساد العبادة): لا يفرّق في ذلك بين ما إذا اخذ الجزء بشرط لا، أو لا بشرط، أو مشكوك الحال.

أمّا على الأوّل فواضح، و أمّا على الثاني فهو، فلأنّ زيادة الجزء بنفسها- حينئذ- و إن لم تكن مفسدة للعمل؛ لأنّ الجزء إذا اخذ لا بشرط فكلّ ما زاد عليه لا يخرج عن الوحدة، إلّا أنّ الإتيان بالزائد- بقصد أنّه جزء مستقل- إتيان للعمل على غير الوجه الذي امر به، فالمأتي به غير المأمور به، و ما امر به لم يقصد الامتثال؛ لأنّه قصد بالواجب النفسي كونه‏

32

و أمّا الأخيران فمقتضى الأصل عدم بطلان العبادة فيهما؛ لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في مانعيّة الزيادة، و مرجعها إلى شرطيّة عدمها، و قد تقدّم أنّ مقتضى الأصل فيه البراءة.

و قد يستدلّ على البطلان بأنّ الزيادة تغيير لهيئة العبادة الموظّفة فتكون مبطلة، و قد احتجّ به في المعتبر على بطلان الصلاة بالزيادة.

____________

غيريّا، كيف المأمور به بأجزائه الواقعيّة واجب نفسي، و إذا زيد عليها جزء قاصدا به الجزئيّة على وجه الاستقلال توجب زيادة ذلك خروج تلك الأجزاء عن الوجوب النفسي إلى الغيري، فلم يقع المأمور به على وجهه.

و فيه: إنّ كون مثل ذلك مضرّا بصحة المأتي به في محلّ المنع غايته وقوع هذا القصد منه لغوا، كما لو باع مال الغير من قبل نفسه فإنّه يصح في صورة لحوق الإجازة، و كما لو قصد صوم آخر شعبان في يوم تاليه ثمّ انكشف كونه من رمضان، فإنّه- أيضا- يصح و يحتسب منه، و ممّا ذكرنا ظهر حال القسم الثالث. انتهى.

(و أمّا الأخيران) و هما الزيادة على الوجه الثاني و الثالث فيمكن الاستدلال على الصحة فيهما بوجوه:

منها: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(فمقتضى الأصل عدم بطلان العبادة فيهما؛ لأنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في مانعيّة الزيادة).

و الحاصل: إنّ الشكّ في الصحة و البطلان في الوجهين المذكورين يرجع بالآخرة إلى الشكّ في شرطيّة عدم الزيادة، و قد تقدّم في مسألة دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر أنّ مختار المصنّف (قدّس سرّه) في الشكّ في الشرطيّة هو الرجوع إلى البراءة، كالشكّ في الجزئيّة، فيكون مقتضى نفي شرطيّة عدم الزيادة بأدلّة البراءة في المقام هو صحة العبادة المشتملة على الزيادة.

(و قد يستدلّ على البطلان بأنّ الزيادة تغيير لهيئة العبادة الموظّفة فتكون مبطلة).

و حاصل الاستدلال على البطلان بالزيادة، هو أنّ بطلان العبادة من جهة الزيادة و إن كان لا يمكن من جهة كون عدم الزيادة شرطا لصحة العبادة، و ذلك لنفي الاشتراط بأصالة البراءة، إلّا أنّ الاستدلال على بطلان العبادة بالزيادة يمكن من جهة كونها موجبة لتغيير

33

و فيه نظر: لأنّه إن اريد تغيير الهيئة المعتبرة في الصلاة فالصغرى ممنوعة، لأنّ اعتبار الهيئة الحاصلة من عدم الزيادة أوّل الدعوى، فإذا شكّ فيه فالأصل البراءة.

و إن اريد أنّه تغيير للهيئة المتعارفة المعهودة للصلاة فالكبرى ممنوعة، لمنع كون تغيير الهيئة المتعارفة مبطلا.

و نظير الاستدلال بهذا البطلان في الضعف الاستدلال للصحّة باستصحابها، بناء على أنّ العبادة قبل هذه الزيادة كانت صحيحة و الأصل بقاؤها و عدم عروض البطلان لها.

و فيه: إنّ المستصحب إن كان صحّة مجموع الصلاة فلم يتحقّق بعد، و إن كان صحّة

____________

الهيئة المعتبرة في العبادة، فتكون مبطلة.

و حاصل الجواب عن هذا الاستدلال، هو أنّ الزيادة لم تكن موجبة لتغيير الهيئة المعتبرة في الصلاة شرعا، إذ لا دليل على اعتبار الهيئة الحاصلة من عدم الزيادة شرعا، و في فرض الشكّ في الاعتبار يرجع إلى أصالة البراءة عنه، فالحاصل هو منع الصغرى.

(و إن اريد أنّه تغيير للهيئة المتعارفة المعهودة للصلاة فالكبرى ممنوعة)، بمعنى أنّ تغيير الهيئة العرفيّة ليس موجبا للبطلان.

و منها: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: (الاستدلال للصّحة باستصحابها)، أي: الاستدلال على الصحة باستصحاب الصحة كما هو مبيّن في المتن، إلّا أنّ الاستدلال المذكور ضعيف كالاستدلال على البطلان، بأنّ الزيادة موجبة لتغيير الهيئة، كما عرفت، و قد أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و نظير الاستدلال بهذا البطلان في الضعف الاستدلال للصّحة باستصحابها).

قال المرحوم غلام رضا (قدّس سرّه) في المقام: «قد اشتهر التمسّك بهذا الأصل من أساطين الأوّلين و الآخرين في مطلق طريان ما شكّ في بطلان العبادة به، و ما نحن فيه إنّما هو من جملة أفراده، و فائدة هذا الأصل- إن تمّ الاستدلال به على القول بالبراءة في الشكّ في الشرطيّة- هو التأييد، و على القول بالاحتياط فيه هو التأسيس؛ لأنّ الاستصحاب حاكم على قاعدة الاشتغال». انتهى.

ثمّ قال في شرح كلام المصنّف (قدّس سرّه)‏ (و فيه: إنّ المستصحب إن كان صحة مجموع الصلاة) ما نصه:

34

حاصل مراده (رحمه اللّه) حسبما يستفاد من كلامه صدرا و ذيلا هو التفصيل بين ما إذا كان الشكّ في المانع و بين الشكّ في القاطع، فيجوز التمسّك بهذا الأصل في الثاني دون الأوّل، و إثبات ذلك يتوقف على بيان الفرق بين المانع و القاطع، فنقول:

إنّ الأوّل عبارة عمّا يخلّ بالمركّب بحسب مادته، و بعبارة اخرى أنّ عدمه شرط للمادة، و الثاني ما كان مخلّا بالهيئة الاتصاليّة المعتبرة فيه، يعني: أنّ عدمه شرط للهيئة، و من لوازم الأوّل حصول الإخلال به سواء كان طريانه في الابتداء أو الأثناء كالحدث بالنسبة إلى الصلاة، و من لوازم الثاني حصول الإخلال به إذا كان طريانه في الأثناء.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الشكّ إن كان في المانع فلا مسرح لجريان هذا الاستصحاب فيه، كيف و من أركانه هو الشكّ اللاحق، و المقام فاقد له و وجهه مرقوم في المتن بما لا مزيد عليه؟.

و إن كان الشكّ في القاطع فلجريان الاستصحاب فيه مجال، و تحريره؛ تارة: بحيث يرجع إلى الاستصحاب التنجيزي، بأن يقال: إذا شكّ في قاطعيّة شي‏ء للهيئة الاتصاليّة يحكم ببقاء تلك الهيئة و استمرارها.

و إن شئت قلت: إنّ الأجزاء السابقة كان لها قابليّة انضمام الأجزاء اللاحقة بها، و بعد طريان القاطع الاحتمالي يستصحب تلك القابليّة؛ و اخرى: بحيث يرجع إلى الاستصحاب التعليقي بأن يقال: إنّ الأجزاء السابقة لو انضمّ إليها الباقي لكانت مستلزمة لحصول الكلّ، و بعد طريان المانع الاحتمالي يستصحب تلك الملازمة نظير استصحاب الملازمة بين الغليان و بين النجاسة في العنب بعد ما صار زبيبا.

بقي شيئان:

أحدهما: إنّ مقتضى الميزان المتقدّم بين المانع و القاطع كون الحدث من الموانع، و المصرّح به في كلام المصنّف (قدّس سرّه) عدّة من القواطع، و لعلّ نظره فيه إلى ما جرى عليه اصطلاح الفقهاء من إطلاق القاطع على ما هو أعمّ منه و من المانع.

و ثانيهما: إنّ ظاهر كلامه (رحمه اللّه) جعل الزيادة مطلقا أو بعض أقسامها من الموانع، لكي لا يجري الأصل المزبور فيها، و مقتضى الميزان المتقدّم كونها من القواطع، و لذا كان طريانها

35

الأجزاء السابقة منها فهي غير مجدية؛ لأنّ صحّة الأجزاء؛ إمّا عبارة عن مطابقتها للأمر المتعلّق بها؛ و إمّا ترتّب الأثر عليها. و المراد بالأثر المترتّب عليها حصول المركّب بها منضمّة مع باقي الأجزاء و الشرائط، إذ ليس أثر الجزء المنوط به صحّته إلّا حصول الكلّ به منضما إلى تمام غيره ممّا يعتبر في الكلّ، و لا يخفى أنّ الصحّة بكلا المعنيين باقية للأجزاء السابقة، لأنّها بعد وقوعها مطابقة للأمر بها لا تنقلب عمّا وقعت عليه، و هي بعد على وجه لو انضمّ إليها تمام ما يعتبر في الكلّ حصل الكلّ. فعدم حصول الكلّ لعدم انضمام تمام ما يعتبر في الكلّ إلى تلك الأجزاء لا يخلّ بصحّتها.

أ لا ترى أنّ صحّة الخلّ من حيث كونه جزء للسكنجبين لا يراد بها إلّا كونه على صفة لو انضمّ إليه تمام ما يعتبر في تحقّق السكنجبين لحصل الكلّ، فلو لم ينضمّ إليه تمام ما يعتبر فلم يحصل لذلك الكلّ، لم يقدح ذلك في اتصاف الخلّ بالصحّة في مرتبة جزئيّته، فإذا كان عدم حصول الكلّ يقينا لعدم حصول تمام ما يعتبر في الكلّ غير قادح في صحّة الجزء، فكيف إذا شكّ في حصول الكلّ من جهة الشكّ في انضمام تمام ما يعتبر، كما فيما نحن فيه؟.

فإنّ الشكّ في صحّة الصلاة بعد تحقّق الزيادة المذكورة من جهة الشكّ في انضمام تمام ما يعتبر إلى الأجزاء، لعدم كون عدم الزيادة شرطا و عدم انضمامه، لكون عدم الزيادة أحد الشرائط المعتبرة و لم يتحقّق، فلا يتحقّق الكلّ.

و من المعلوم أنّ هذا الشكّ لا ينافي القطع بصحّة الأجزاء السابقة، فاستصحاب صحّة تلك الأجزاء غير محتاج إليه، لأنّا نقطع ببقاء صحّتها، لكنّه لا يجدي في صحّة الصلاة بمعنى استجماعها لما عداها من الأجزاء و الشرائط الباقية.

____________

قادحا في الأثناء فقط. انتهى.

و نرجع إلى توضيح كلام المصنّف (قدّس سرّه) طبقا لما في شرح الاستاذ الاعتمادي، فنقول: إنّ المراد بالصحة المستصحبة إن كان صحة مجموع الصلاة لما صح الاستصحاب أصلا؛ و ذلك لعدم تحقّق المجموع بعد، فكيف يمكن استصحاب صحّة المجموع قبل تحقّقه؟!.

و قد أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: (إنّ المستصحب إن كان صحة مجموع الصلاة فلم يتحقّق بعد).

و إن كان المراد باستصحاب الصحة هو استصحاب صحة الأجزاء السابقة من الصلاة (فهي غير مجدية)؛ لأنّ صحة الأجزاء السابقة متيقّنة لا شكّ فيها أصلا، مع أنّ استصحاب‏

36

فإن قلت: فعلى ما ذكرته فلا يفرض البطلان للأجزاء السابقة أبدا، بل هي باقية على الصحّة بالمعنى المذكور إلى أبد الدهر و إن وقع بعدها ما وقع من الموانع، من أنّ من الشائع المذكور في النصوص و الفتاوى إطلاق المبطل و الناقض على مثل الحدث و غيره من قواطع الصلاة.

قلت: نعم و لا ضير في التزام ذلك، و معنى بطلانها عدم الاعتداد بها في حصول الكلّ، لعدم التمكّن من ضمّ تمام الباقي إليها، فيجب استئناف الصلاة امتثالا للأمر.

نعم إنّ حكم الشارع على بعض الأشياء بكونه قاطعا للصلاة أو ناقضا يكشف عن أنّ لأجزاء الصلاة في نظر الشارع هيئة اتصاليّة ترتفع ببعض الأشياء دون بعض، فإنّ الحدث‏

____________

صحة الأجزاء السابقة لا يكون مستلزما لصحة الكلّ، بمعنى كون الصلاة بعد وقوع الزيادة العمديّة فيها جامعة للأجزاء و الشرائط.

(فإن قلت: فعلى ما ذكرته فلا يفرض البطلان للأجزاء السابقة أبدا، بل هي باقية على الصحّة بالمعنى المذكور إلى أبد الدهر و إن وقع بعدها ما وقع من الموانع).

و حاصل الإشكال، هو أنّ ما تقدّم في معنى صحة الأجزاء السابقة من تأثير الأجزاء السابقة في تحقّق الكلّ على فرض انضمام الأجزاء اللاحقة بها، فإنّ الصحة بهذا المعنى باقية لها دائما، فلا يعرضها البطلان أصلا مع أنّ الشائع في الفتاوى إطلاق المبطل على مثل الحدث الواقع في الصلاة، بحيث لا يمكن الحكم بصحة الصلاة بعد و لو انضمت الأجزاء اللاحقة بالأجزاء السابقة، بل تجب إعادة الصلاة مع الطهارة.

(قلت: نعم و لا ضير في التزام ذلك).

و حاصل الجواب، هو تسليم بقاء صحة الأجزاء السابقة أبد الدهر، و لا ضير في التزام ذلك أصلا، و معنى بطلان الأجزاء السابقة بعروض الموانع و القواطع هو عدم حصول الكلّ بعد عروض الموانع، فإنّها تمنع عن انضمام الأجزاء اللاحقة بها، و لذلك تقع العبادة باطلة.

(نعم إنّ حكم الشارع على بعض الأشياء بكونه قاطعا للصلاة أو ناقضا يكشف عن أنّ لأجزاء الصلاة في نظر الشارع هيئة اتصاليّة ترتفع ببعض الأشياء دون بعض).

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) هو أنّ الشارع قد حكم بقاطعيّة بعض الأشياء كما حكم‏

37

يقطع ذلك الاتصال و التجشّؤ لا يقطعه، و القطع يوجب الانفصال القائم بالمنفصلين، و هما في ما نحن فيه الأجزاء السابقة و الأجزاء التي تلحقها بعد تخلّل ذلك القاطع، فكلّ من السابق و اللاحق يسقط عن قابليّة ضمّه إلى الآخر و ضمّ الآخر إليه.

و من المعلوم أنّ الأجزاء السابقة كانت قابلة للضمّ إليها و صيرورتها أجزاء فعليّة للمركّب، و الأصل بقاء تلك القابليّة و تلك الهيئة الاتصاليّة بينها و بين ما يلحقها، فيصحّ الاستصحاب في كلّ ما شكّ في قاطعيّة الموجود.

و لكنّ هذا مختصّ بما إذا شكّ في القاطعيّة و ليس مطلق الشكّ في مانعيّة الشي‏ء، كالزيادة فيما نحن فيه، شكّا في القاطعيّة.

و حاصل الفرق بينهما: أنّ عدم الشي‏ء في جميع آنات الصلاة قد يكون بنفسه من جملة

____________

بمانعيّة بعض الأشياء الأخر، و سيأتي الفرق بينهما في المتن.

و قد تقدّم أنّ المانع ما يكون عدمه شرطا للصلاة مثلا كالنجاسة و الغصبيّة، كما تقدّم حكم الشكّ فيه حيث يتمسّك بالبراءة على نفي الشرطيّة لا باستصحاب صحة الأجزاء السابقة؛ لأنّ صحتها متيقّنة على ما عرفت.

و أمّا القاطع فهو ما يكون موجبا لانفصال ما هو المتصل، فحكم الشارع بقاطعيّة بعض الأشياء- كالحدث و القهقهة، و الفعل الكثير للصلاة- كاشف عن هيئة اتصاليّة بين أجزاء الصلاة اعتبرها الشارع، و جعل بعض الأشياء قاطعا لها.

ثمّ‏ (القطع يوجب الانفصال القائم بالمنفصلين) بحيث لا يمكن تحقّق الهيئة الاتصاليّة بعد القطع، فتقع العبادة باطلة؛ لأنّ كلّ واحد من السابق و اللاحق‏ (يسقط عن قابليّة ضمّه إلى الآخر).

ثمّ إنّ الشكّ في قاطعيّة شي‏ء يوجب الشكّ في سقوط الأجزاء عن قابليّة الانضمام مع الأجزاء اللاحقة، فيصح التمسّك باستصحاب بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة الانضمام بالأجزاء اللاحقة، فتثبت به صحة العمل، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي دامت إفاداته.

(و لكن هذا مختصّ بما إذا شكّ في القاطعيّة).

يعني: إنّ التمسّك بالاستصحاب مختصّ بالشكّ في القاطعيّة، و لا يجري في الشكّ في المانعيّة، و قد عرفت أنّ المرجع في الشكّ في المانعيّة هو البراءة.

38

الشروط، فإذا وجد آناً ما فقد انتفى الشرط على وجه لا يمكن تداركه، فلا يتحقّق المركّب من هذه الجهة. و هذا لا يجدي فيه القطع بصحّة الأجزاء السابقة فضلا عن استصحابها، و قد يكون اعتباره من حيث كون وجوده قاطعا و رافعا للهيئة الاتصاليّة و الارتباطيّة في نظر الشارع بين الأجزاء.

فإذا شكّ في رافعيّة شي‏ء لها حكم ببقاء تلك الهيئة و استمرارها و عدم انفصال الأجزاء السابقة عمّا يلحقها من سائر الأجزاء.

و ربّما يردّ استصحاب الصحّة بأنّه: «إن اريد صحّة الأجزاء المأتي بها بعد طروّ المانع الإجمالي فغير مجد، لأنّ البراءة إنّما تتحقّق بفعل الكلّ دون البعض، و إن اريد إثبات عدم مانعيّة الطارئ أو صحّة بقيّة الأجزاء فساقط، لعدم التعويل على الاصول المثبتة». انتهى.

____________

(و حاصل الفرق بينهما ... إلى آخره).

و ملخّص الفرق بين المانع و القاطع، هو أنّ المانع ما يكون عدمه معتبرا و شرطا للمأمور به من جهة قدحه في صحة العبادة ابتداء، حيث يمنع وجوده من تحقّق الفعل، فلا يتحقّق الكلّ بعد عروض الفساد للجزء.

و هذا بخلاف القاطع حيث لا يكون عدمه شرطا للمأمور به، بل هو رافع للهيئة الاتصاليّة المعتبرة بين الأجزاء في المركّبات الشرعيّة الاعتباريّة، فإذا وجد في الأثناء ارتفعت تلك الهيئة الاتصاليّة فتخرج الأجزاء عن قابليّة الانضمام حتى يتحقّق الكلّ، فيكون فساد المركّب مستندا إلى فساد الجزء و فساده مستندا إلى وجود القاطع، فالقاطع لا بدّ أن يكون في أثناء العمل حتى يوجب قطع الاتصال بين الأجزاء السابقة و اللاحقة.

(فإذا شكّ في رافعيّة شي‏ء لها)، أي: للهيئة الاتصاليّة، كالأكل و الشرب حال الصلاة (حكم ببقاء تلك الهيئة و استمرارها و عدم انفصال الأجزاء السابقة عمّا يلحقها من سائر الأجزاء)، ثمّ يثبت بهذا الاستصحاب صحة العمل.

(و ربّما يردّ استصحاب الصحة ... إلى آخره)، و لعلّ المراد بمن ردّ استصحاب الصحة هو صاحب الفصول (قدّس سرّه)، كما في بعض الشروح.

و حاصل ردّه لاستصحاب الصحة يتّضح بعد ذكر مقدّمة و هي: إنّ صحة الأجزاء التي يمكن استصحابها على قسمين:

39

و فيه نظر يظهر ممّا ذكرنا، و حاصله: أنّ الشكّ إن كان في مانعيّة شي‏ء و شرطيّة عدمه للصلاة، فصحّة الأجزاء السابقة لا يستلزم عدمها ظاهرا و لا واقعا، حتى يكون الاستصحاب بالنسبة إليها من الاصول المثبتة، و إن كان في قاطعيّة الشي‏ء و رفعه للاتصال و الاستمرار الموجود للعبادة في نظر الشارع، فاستصحاب بقاء الاتصال كاف، إذ لا يقصد في المقام سوى بقاء تلك الهيئة الاتصاليّة. و الشكّ إنّما هو فيه، لا في ثبوت شرط أو مانع آخر حتى يقصد بالاستصحاب دفعة، و لا في صحّة بقيّة الأجزاء من غير جهة زوال الهيئة الاتصاليّة بينها و بين الأجزاء السابقة، و المفروض إحراز عدم زوالها بالاستصحاب.

____________

أحدهما: صحتها في أنفسها مع قطع النظر عن انضمام سائر الأجزاء إليها.

و ثانيهما: صحتها مع فرض انضمام سائر الأجزاء إليها، و لازم هذا الاستصحاب هو عدم مانعيّة الزيادة عن الانضمام.

إذا عرفت هذه المقدّمة يتّضح لك أنّ المراد بالصحة الثابتة بالاستصحاب إن كان هو القسم الأوّل فهو غير مجد؛ و ذلك لأنّ اليقين بصحة الأجزاء المأتي بها لا يفيد فضلا عن استصحابها؛ لأنّ البراءة تتحقّق بفعل الكلّ دون البعض.

و إن كان المراد بالصحة هو القسم الثاني لكان الأصل مثبتا؛ لأنّ ترتّب عدم المانعيّة على استصحاب الصحة بمعنى انضمام الأجزاء اللاحقة إلى الأجزاء السابقة أثر عقلي و هو مثبت، و من المعلوم أنّ الأصل المثبت ليس بحجّة.

(و فيه نظر يظهر ممّا ذكرنا)، حيث قلنا باختصاص صحة استصحاب الصحة بصورة الشكّ في القاطعيّة و عدم استصحاب الصحة في الشكّ في المانعيّة حتى يبحث عن كونه مثبتا أو غير مثبت، هذا مضافا إلى أنّ استصحاب صحة الأجزاء السابقة لا يكون مستلزما عقلا عدم مانعيّة الشي‏ء حتى يقال بأنّه مثبت- حينئذ- لا يجوز الاعتماد عليه، إذ لا ملازمة عقلا بين صحة الأجزاء السابقة و بين عدم مانعيّة الشي‏ء، كما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(فصحّة الأجزاء السابقة لا يستلزم عدمها ظاهرا و لا واقعا، حتى يكون الاستصحاب بالنسبة إليها من الاصول المثبتة).

نعم، استصحاب بقاء الاتصال يجري فيما إذا كان الشكّ في قاطعيّة الشي‏ء و رفعه للاتصال، إذ يكفي بقاء الاتصال الثابت بالاستصحاب في الصحة من دون حاجة إلى إحراز

40

و لكن يمكن الخدشة فيما اخترناه من الاستصحاب: بأنّ المراد بالاتصال و الهيئة الاتصاليّة إن كان ما بين الأجزاء السابقة بعضها مع بعض فهو باق لا ينفع، و إن كان ما بينها و بين ما لحقها من الأجزاء الآتية فالشكّ في وجودها لا بقائها.

و أمّا أصالة بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة إلحاق الباقي بها فلا يبعد كونها من الاصول‏

____________

عدم القاطعيّة حتى يقال أنّه مثبت.

فالظاهر هو الفرق بين استصحاب الصحة في صورة الشكّ في المانعيّة و بين استصحابها في صورة الشكّ في القاطعيّة، حيث يجري في الثاني دون الأوّل.

لأنّ المقصود من الثاني هو إثبات نفس المستصحب، أي: الهيئة الاتصاليّة، فلا يكون الأصل مثبتا، و المقصود من الأوّل ليس إثبات نفس المستصحب، بل إثبات شي‏ء آخر، أعني: نفي المانعيّة و صحة الكلّ، فيمكن أن يقال أنّه مثبت.

(و بما ذكرنا) من عدم الملازمة بين صحة الأجزاء السابقة، و بين عدم المانع و صحّة الكلّ كما في شرح الاعتمادي‏ (يظهر سرّ ما أشرنا إليه في المسألة السابقة، من عدم الجدوى في استصحاب الصحّة لإثبات صحّة العبادة المنسي فيها بعض الأجزاء، عند الشكّ في جزئيّة المنسي حال النسيان)، إذ لا يثبت باستصحاب الصحة كون العبادة مركّبة ممّا عدا الجزء المنسي حال النسيان، و بعبارة اخرى لا تنفى جزئيّة المنسي باستصحاب الصحة لعدم الملازمة بين الصحة و عدم جزئيّة المنسي حال النسيان.

(و لكن يمكن الخدشة فيما اخترناه من الاستصحاب: بأنّ المراد بالاتصال و الهيئة الاتصاليّة ... إلى آخره).

و ملخّص الخدشة في استصحاب بقاء الاتصال، هو أنّ المراد بالاتصال لو كان هو الاتصال بين الأجزاء السابقة فهو متيقّن فلا يحتاج إلى الاستصحاب أصلا، و إن كان المراد من الاتصال هو الاتصال بين الأجزاء السابقة و بين ما لحقها من الأجزاء اللاحقة، فيكون الشكّ في أصل وجوده لا في بقائه بعد اليقين بوجوده حتى يجري الاستصحاب.

و على التقديرين لا يجري الاستصحاب؛ لأنّه مبني على يقين سابق و شكّ لاحق، أي:

اليقين في تحقّق الشي‏ء و الشكّ في بقائه، و المنتفي في الأوّل هو الشكّ في البقاء، و في الثاني هو اليقين في التحقّق.

41

المثبتة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ استصحاب الهيئة الاتصاليّة من الاستصحابات العرفيّة الغير المبنيّة على التدقيق، نظير استصحاب الكريّة في الماء المسبوق بالكريّة.

و يقال في بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة الاتصال: إنّه لمّا كان المقصود الأصلي من القطع و عدمه هو لزوم استئناف الأجزاء السابقة و عدمه، و كان الحكم بقابليّتها لإلحاق الباقي بها في قوّة الحكم بعدم وجوب استئنافها، خرج من الاصول المثبتة التي ذكر في محلّه عدم الاعتداد بها في الإثبات، فافهم.

____________

(و أمّا أصالة بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة إلحاق الباقي بها فلا يبعد كونها من الاصول المثبتة)؛ لأنّ المترتّب على أصالة بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة الاتصال هو عدم قاطعيّة الشي‏ء، و هو أثر عقلي فيكون مثبتا.

(اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ استصحاب الهيئة الاتصاليّة من الاستصحابات العرفيّة الغير المبنيّة على التدقيق ... إلى آخره).

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) في تصحيح استصحاب بقاء الأجزاء السابقة على قابليّة الاتصال، ثمّ الحكم بصحة الصلاة من دون أن يكون الأصل مثبتا هو أن يقال:

إنّ المستصحب هو مطلق الاتصال الثابت في السابق و اللاحق، و هو شي‏ء واحد في نظر العرف التسامحي، فيكون استصحاب قابليّة الاتصال نظير استصحاب كريّة الماء الباقي، مع أنّ الماء الذي كان قدر كر في السابق قد انعدم بعد أخذ شي‏ء منه في نظر العقل، فلا مجال للاستصحاب لو كان المناط في بقاء الموضوع هو العقل الدقّي، إلّا أنّه يجري نظرا إلى أنّ المناط في بقاء الموضوع هو نظر العرف التسامحي، فالماء الموجود سابقا باق عرفا، فيجري استصحاب بقاء الكريّة.

و كذلك في المقام يجري استصحاب بقاء الاتصال ثمّ يحكم بصحة الصلاة و عدم لزوم استئناف الأجزاء السابقة، ثمّ إنّ عدم لزوم استئناف الأجزاء السابقة و صحة الصلاة و إن كان مترتّبا على الاتصال الفعلي إلّا أنّ الواسطة خفية لا يدركها العرف، فكأنّ الأثر يترتّب على المستصحب من دون واسطة، فيكون الاستصحاب حجّة حيث لا يكون مثبتا.

إذ سيجي‏ء في محلّه أنّ الأثر المترتّب على المستصحب بواسطة خفية يكون حكمه‏

42

و بما ذكرنا يظهر سرّ ما أشرنا إليه في المسألة السابقة، من عدم الجدوى في استصحاب الصحّة لإثبات صحّة العبادة المنسي فيها بعض الأجزاء، عند الشكّ في جزئيّة المنسي حال النسيان.

و قد يتمسّك لإثبات صحّة العبادة عند الشكّ في طروّ المانع بقوله تعالى:

وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (1)

، فإنّ حرمة الإبطال إيجاب للمضي فيها، و هو مستلزم لصحّتها و لو بالإجماع‏

____________

حكم ما يترتّب عليه من دون واسطة أصلا، و المقام من هذا القبيل، حيث إنّ الحكم بعدم وجوب استئناف الأجزاء السابقة أثر شرعي يترتّب على بقاء قابليّة الأجزاء السابقة لإلحاق الباقي بها بواسطة عدم قاطعيّة شي‏ء، و عدم القاطعيّة واسطة خفية فيعدّ ما يترتّب بها، كما يترتّب بلا واسطة أصلا.

(فافهم) لعلّه إشارة إلى عدم صحة استصحاب الهيئة الاتصاليّة أصلا؛ لأنّ المستصحب يجب أن يكون من المجعولات الشرعيّة على نحو مستقل، كالوجوب و الحرمة مثلا، و ليست الهيئة الاتصاليّة كذلك.

ثمّ على فرض عدم كون المستصحب مجعولا شرعا يجب أن يترتّب عليه ما هو مجعول شرعا، و عدم لزوم الاستئناف ليس أثرا شرعيّا بل هو أثر عقلي، فيكون الاستصحاب- حينئذ- مثبتا قطعا.

و منها: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و قد يتمسّك لإثبات صحّة العبادة عند الشكّ في طروّ المانع بقوله تعالى: وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏)، و قد تقدّم الوجهان لعدم بطلان العبادة بالزيادة.

و هذا هو الوجه الثالث الذي يمكن أن يستدلّ به على صحة العبادة التي شكّ فيها، إذ تكون الزيادة مانعة عن صحتها.

و حاصل الاستدلال بالآية على الصحة يتوقف على ذكر مقدّمة، و هي: إنّ الآية المباركة تدلّ على حرمة الإبطال المستلزمة لإيجاب المضي في الاعمال المستلزم لصحتها، فالمستفاد من الآية هو الملازمة بين حرمة الإبطال المستفادة من النهي و بين إيجاب‏

____________

(1) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 33.

43

المركّب أو عدم القول بالتفكيك بينهما في غير الصوم و الحجّ.

و قد استدلّ بهذه الآية غير واحد تبعا للشيخ (قدّس سرّه).

و هو لا يخلو عن نظر يتوقف على بيان ما تحتمله الآية الشريفة من المعاني.

____________

المضي، و وجوب المضي ملازم لصحة العمل في نفسه، إذ لا يجب إتمام العمل الفاسد إلّا إذا دلّ عليه الدليل، فحينئذ ثبتت الملازمة بين إيجاب المضي في العمل و بين صحته سواء كانت الملازمة المذكورة بالدلالة اللفظيّة عند العرف، أو بالإجماع المركّب. إذا عرفت هذه المقدّمة، فنقول:

إنّه إذا وجب المضي بالآية حكم بصحة العمل بالإجماع المركّب، إذ كلّ من يقول بوجوب المضي يقول بصحة العمل، فالقول بوجوب المضي و فساد العمل قول ثالث لا يجوز إحداثه.

(أو عدم القول بالتفكيك بينهما في غير الصوم و الحجّ)، أي: عدم القول بالفصل، و الفرق بين المضي و الصحة في غير الصوم و الحجّ، حيث إنّهما خرجا بالدليل الدالّ على وجوب المضي في فاسدهما، و الفرق بين الإجماع المركّب و بين القول بعدم الفصل هو أنّ المناط في تحقّق الإجماع المركّب هو الاختلاف على قولين، و الاتفاق على نفي القول الثالث بينهما، و المناط في الثاني هو تعدّد الموضوع ثمّ عدم التفرقة في الحكم.

ففي المقام اختلف الأصحاب على قولين حيث يقول بعضهم بعدم وجوب المضي و فساد العمل.

و ذهب بعضهم إلى وجوب المضي و صحة الفعل و العمل، فقد اتفقوا بصحة العمل على فرض وجوب المضي.

و يمكن في المقام فرض القول بعدم الفصل بأن يقال: إنّ حكم الموضوعين- و هما المضي و العمل- واحد عند الأصحاب، بمعنى أنّه إن وجب الأوّل صح الثاني، و يكون التفكيك بينهما حكما، بأن يكون المضي واجبا مع فساد العمل خرقا للإجماع المركّب و قولا بالفصل، و هو لا يجوز. هذا تمام الكلام في الاستدلال بالآية على صحة العبادة في المقام، إلّا أنّ الاستدلال المذكور لا يخلو عن إشكال، كما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و هو لا يخلو عن نظر يتوقف على بيان ما تحتمله الآية الشريفة من المعاني.

44

فنقول: إنّ حقيقة الإبطال- بمقتضى وضع باب الإفعال- إحداث البطلان في العمل الصحيح و جعله باطلا، نظير قولك: أقمت زيدا، أو أجلسته، أو أغنيته، و الآية بهذا المعنى راجعة إلى النهي عن جعل العمل لغوا لا يترتّب عليه أثر كالمعدوم، بعد أن لم يكن كذلك.

فالإبطال هنا نظير الإبطال في قوله تعالى:

لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ (1)

بناء على أنّ النهي عن تعقيبها بهما، بشهادة قوله تعالى:

ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً‏ (2)

، الآية.

الثاني: أن يراد به إيجاد العمل على وجه باطل، من قبيل قوله: «ضيّق فم الركيّة»، يعني:

أحدثه ضيّقا، لا أحدث فيه الضيق بعد السعة، و الآية بهذا المعنى نهي عن إتيان الأعمال مقارنة للوجوه المانعة عن صحّتها أو فاقدة للامور المقتضية للصحّة، و النهي على هذين الوجهين ظاهره الإرشاد، إذ لا يترتّب على إحداث البطلان في العمل أو إيجاده باطلا، عدا

____________

فنقول: إنّ حقيقة الإبطال- بمقتضى وضع باب الإفعال- إحداث البطلان في العمل الصحيح و جعلة باطلا).

و حاصل معنى الآية، هو النهي عن إبطال العمل بارتكاب المعاصي بعد كونه صحيحا، (نظير قولك: أقمت زيدا، أو أجلسته، أو أغنيته) حيث يكون المعنى هو حدوث القيام أو الجلوس، أو الغناء و اتصاف زيد بها بعد أن لم يكن قائما أو جالسا أو غنيا.

(فالإبطال هنا نظير الإبطال في قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏) حيث يكون النهي عن إبطال الصدقات بعد كونها صحيحة.

(الثاني: أن يراد به إيجاد العمل على وجه باطل)، أي: المعنى الثاني أن يكون المراد بالإبطال هو إيجاد العمل من الأوّل باطلا، بأن يأتي بما يكون مشروطا بشي‏ء بلا شرط، كالصلاة من دون طهارة مثلا، فيكون‏ (من قبيل قوله: ضيّق فم الركيّة)، أي: أحدث فم البئر من الأوّل ضيقا.

فالنهي في الآية بالمعنى الثاني يرجع إلى النهي‏ (عن إتيان الأعمال مقارنة للوجوه المانعة عن صحّتها أو فاقدة للامور المقتضية للصحّة، و النهي على هذين الوجهين ظاهره‏

____________

(1) البقرة: 264.

(2) البقرة: 262.

45

فوت مصلحة العمل الصحيح.

الثالث: أن يراد من إبطال العمل قطعه و رفع اليد عنه، كقطع الصلاة و الصوم و الحجّ، و قد اشتهر التمسّك بحرمة قطع العمل بها.

و يمكن إرجاع هذا إلى المعنى الأوّل، بأن يراد من الأعمال ما يعمّ الجزء المتقدّم من العمل؛ لأنّه- أيضا- عمل لغة و قد وجد على وجه قابل لترتّب الأثر و صيرورته جزء فعليّا للمركّب، فلا يجوز جعله باطلا ساقطا عن قابليّة كونه جزء فعليّا، فجعل هذا المعنى مغايرا للأوّل مبني على كون المراد من العمل مجموع المركّب الذي وقع الإبطال في أثنائه.

____________

الإرشاد، إذ لا يترتّب على إحداث البطلان)، كما هو مقتضى الوجه الأوّل‏ (أو إيجاده باطلا)، كما هو مقتضى الوجه الثاني، (عدا فوت مصلحة العمل الصحيح)، فلا يترتّب على مخالفته عقاب أصلا، كما هو شأن كلّ نهي أو أمر إرشادي.

(الثالث: أن يراد من إبطال العمل قطعه و رفع اليد عنه، كقطع الصلاة و الصوم و الحجّ) في الوسط، و النهي في هذا الوجه ظاهر في المولوي؛ لأنّ نصف العمل لا مصلحة فيه حتى يكون النهي إرشادا إلى حفظها، فيستدلّ به في ما نحن فيه، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي.

و لهذا قد اشتهر التمسّك بحرمة قطع العمل بهذه الآية.

و كيف كان.

(و يمكن إرجاع هذا إلى المعنى الأوّل، بأن يراد من الأعمال ما يعمّ الجزء المتقدّم من العمل، لأنّه- أيضا- عمل لغة)، فكما أنّ قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (1) يدلّ على حرمة إحداث البطلان في العمل التامّ، كإحداث البطلان في الصلاة التامّة الصحيحة، كذلك يدلّ على حرمة إحداث البطلان في الجزء، كإحداث البطلان في الركعتين من الصلاة؛ لأنّه عمل لغة كنفس الصلاة.

غاية الأمر، صحة الجزء بحيث يترتّب عليه الأثر كالأجر و الثواب، منوط بإتيان الباقي؛ لأنّ ترتّب الأثر من لوازم الامتثال، و هو لا يحصل إلّا بإتيان المركّب بجميع أجزائه، فعدم‏

____________

(1) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 33.

46

و كيف كان فالمعنى الأوّل أظهر، لكونه المعنى الحقيقي، و لموافقته لمعنى الإبطال في الآية الاخرى المتقدّمة، و مناسبته لما قبله من قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (1)

، فإنّ تعقيب إطاعة اللّه و إطاعة الرسول بالنهي عن الإبطال يناسب الإحباط، لا إتيان العمل على الوجه الباطل؛ لأنّها مخالفة للّه و الرسول.

____________

الإتيان مبطلا للجزء السابق، بمعنى عدم ترتّب الأثر عليه، فيكون منهيّا بالآية، إلّا أنّ تعميم الأعمال بحيث تشمل الجزء خلاف ظاهر الآية؛ لأنّ الظاهر من الأعمال هو مجموع الأجزاء.

و كيف كان فالاستدلال بالآية على صحة العبادة إنّما يصح على الوجه الثالث، إلّا أنّ المعنى الأوّل أظهر، كما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و كيف كان فالمعنى الأوّل أظهر، لكونه المعنى الحقيقي، و لموافقته لمعنى الإبطال في الآية الاخرى المتقدّمة).

و حاصل كلام المصنّف (قدّس سرّه) في المقام، هو عدم ظهور الآية في خصوص المعنى الثالث حتى يستدلّ بها على صحة العبادة في المقام و عدم ظهورها في المعنى الثاني أيضا، بل هي ظاهرة في المعنى الأوّل و هو إحداث البطلان في العمل بمقتضى وضع باب الإفعال، و لموافقته لمعنى الإبطال في الآية الاخرى المتقدّمة و هي قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏ (2).

(و مناسبته لما قبله من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏، فإنّ تعقيب إطاعة اللّه و إطاعة الرسول بالنهي عن الإبطال يناسب الاحباط).

أي: بطلان العمل بالمعاصي بعد إتيانه صحيحا و جعل الإطاعة الواقعة على وجه الصحة باطلة، فيكون المعنى: أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول و لا تحدثوا فيها البطلان، و لا يكون المعنى هو النهي عن إيجادها باطلة من الأوّل، كما هو المعنى الثاني؛ لأنّ العمل فيه‏

____________

(1) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 33.

(2) البقرة: 264.

47

هذا كلّه مع ظهور الآية في حرمة إبطال الجميع، فيناسب الإحباط بمثل الكفر، لا إبطال شي‏ء من الأعمال الذي هو المطلوب.

و يشهد لما ذكرنا- مضافا إلى ما ذكرنا- ما ورد من تفسير الآية بالمعنى الأوّل، فعن الأمالي و ثواب الأعمال عن الباقر (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): (من قال: سبحان اللّه، غرس له اللّه بها شجرة في الجنّة، و من قال: الحمد للّه، غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة، و من قال: لا إله إلّا اللّه، غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة)، فقال له رجل من قريش: إنّ شجرتنا في الجنّة لكثير، قال (صلّى اللّه عليه و آله): (نعم، و لكن إيّاكم أن ترسلوا إليها نارا فتحرقوها، إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (1)

)

(2)

.

____________

ليس بطاعة، حتى يتحقّق الإحباط بالإبطال.

(هذا كلّه مع ظهور الآية في حرمة إبطال الجميع، فيناسب الإحباط بمثل الكفر، لا إبطال شي‏ء من الأعمال الذي هو المطلوب)، و قد تقدّمت من المصنّف (قدّس سرّه) القرائن على ظهور الآية بالمعنى الأوّل.

(الاولى) بمقتضى وضع باب الإفعال، (و الثانية) لموافقته لمعنى الإبطال في الآية الاخرى، (و الثالثة) مناسبته لما قبله، هذا كلّه مع ظهورها في حرمة إبطال جميع الأعمال الصادرة على نحو الصحيح؛ لأنّ لفظ الأعمال المضاف ظاهر في العموم لكونه جمعا مضافا، و الجمع المضاف يفيد العموم، فيكون مفاد الآية- حينئذ- حرمة إبطال جميع الأعمال، و هو لا يتحقّق إلّا بمثل الكفر و الشرك، فيناسب الإحباط بمعنى إحداث البطلان في الأعمال الصحيحة بالمعاصي، و أين هذا من المدّعى و هو إبطال الجزء المتقدّم من العمل بإيجاد القاطع، كما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(لا إبطال شي‏ء من الأعمال الذي هو المطلوب) حتى يستدلّ بها على حرمة إحداث البطلان في أجزاء العمل.

ثمّ ذكر المصنّف (قدّس سرّه) لظهور الآية في المعنى الأوّل شاهدا من بعض الأخبار الذي ورد في تفسير الآية المباركة، كما هو مذكور في المتن من دون حاجة إلى البيان، و إنّما المحتاج‏

____________

(1) محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 33.

(2) ثواب الأعمال: 26/ 3. الأمالي (الصدوق): 486/ 14.

48

هذا إن قلنا بالإحباط مطلقا أو بالنسبة إلى بعض المعاصي.

و إن لم نقل به و طرحنا الخبر، لعدم اعتبار مثله في مثل المسألة، كان المراد في الآية الإبطال بالكفر؛ لأنّ الإحباط به اتفاقي؛ و ببالي أنّي وجدت أو سمعت ورود الرواية في تفسير الآية:

وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏

بالشرك.

____________

إلى الشرح هو الإحباط فقط، حيث أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(إن قلنا بالإحباط مطلقا أو بالنسبة إلى بعض المعاصي).

و لقد أجاد فيما أفاده الاستاذ الاعتمادي دامت إفاداته حيث قال:

اختلف القائلون باستحقاق الثواب و العقاب بين الإحباط و المجازات، و الإحباطيون على ثلاثة أقوال:

أحدها: إنّ المتأخّر يسقط المتقدّم، و يبقى بحاله فإن عصى ثمّ أطاع سقط العصيان، و بقيت الطاعة بحالها، و بالعكس فأخّر عمله إن كان طاعة دخل الجنة، و إن كان معصية دخل النار.

و ثانيها: إنّ الزائد يسقط الناقص و يبقى بحاله، فإن زادت الحسنات سقطت السيئات، و تبقى الحسنات بلا كسر فيها، و بالعكس.

و ثالثها: الموازنة و هي أنّ الحسنات إن كانت بقدر السيئات تساقطا فيكون كيوم ولادته من أمّه، و إن كانت الحسنات مثلا صاعين و السيئات صاعا سقطت السيئات و صاعا من الحسنات، و يبقى صاع منها، و بالعكس.

و أهل المجازات- أعني: الإماميّة- يقولون بأنّ الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا، و إن خلط عملا صالحا و آخر سيئا فإن تاب دخل الجنة و إلّا فيعاقب ثمّ يغسل في عين الحياة، و يدخل الجنة.

و أمّا الخروج من الجنة إلى النار فباطل بالإجماع مطلقا، أي: بكل معصية (أو بالنسبة إلى بعض المعاصي) كالعجب.

(و إن لم نقل به و طرحنا الخبر، لعدم اعتبار مثله في مثل المسألة)، أي: إن لم نقل بالإحباط، بل قلنا بالمجازات؛ و ذلك لعدم اعتبار مثل الخبر المذكور في المسألة الاعتقاديّة (كان المراد في الآية الإبطال بالكفر؛ لأنّ الإحباط به اتفاقي).

49

هذا كلّه، مع أنّ إرادة المعنى الثالث الذي يمكن الاستدلال به موجب لتخصيص الأكثر، فإنّ ما يحرم قطعه من الأعمال بالنسبة إلى ما لا يحرم في غاية القلّة.

فإذا ثبت ترجيح المعنى الأوّل، فإن كان المراد بالأعمال ما يعمّ بعض العمل المتقدّم، كان دليلا- أيضا- على حرمة قطع العمل في الأثناء.

إلّا أنّه لا ينفع في ما نحن فيه؛ لأنّ المدّعى في ما نحن فيه هو انقطاع العمل بسبب الزيادة الواقعة، كانقطاعه بالحدث الواقع فيه لا عن اختيار، فرفع اليد عنه بعد ذلك لا يعلم كونه قطعا له و إبطالا، فلا معنى لقطع المنقطع و إبطال الباطل.

و ممّا ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على الصحّة في ما نحن فيه باستصحاب حرمة القطع،

____________

إلى أن قال المصنّف (قدّس سرّه).

(هذا كلّه، مع أنّ إرادة المعنى الثالث الذي يمكن الاستدلال به موجب لتخصيص الأكثر، فإنّ ما يحرم قطعه من الأعمال بالنسبة إلى ما لا يحرم في غاية القلّة)؛ و ذلك لاختصاص ما يحرم قطعه بالأعمال الواجبة، كالصلاة و الصوم و الحج، فيخرج عن الآية تمام المعاملات بالمعنى الأعمّ، و العبادات المستحبة، و الأعمال المباحة، فما يبقى تحتها بالنسبة إلى ما خرج منها في غاية القلّة، و هو معنى تخصيص الأكثر.

(فإذا ثبت ترجيح المعنى الأوّل، فإن كان المراد بالأعمال ما يعمّ بعض العمل المتقدّم، كان دليلا- أيضا- على حرمة قطع العمل في الأثناء)، حيث يكون المراد بالإبطال- حينئذ- هو الأعمّ من الإبطال بعد العمل، أو الإبطال في أثنائه حيث يصدق عليه القطع.

(إلّا أنّه لا ينفع في ما نحن فيه)؛ لأنّ العمل في المقام بعد الزيادة يحتمل أن يكون باطلا بالزيادة، فلا يصدق الإبطال على رفع اليد عنه، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في الموضوع و هو الإبطال لو لم يكن العمل باطلا، و القطع لو لم يكن منقطعا.

إذ لا معنى لإبطال ما هو الباطل و قطع ما هو المنقطع، و من المعلوم أنّه مع الشكّ في الموضوع لا يمكن التمسّك بالآية؛ لأنّ التمسّك بالعموم إنّما يمكن بعد إحراز الموضوع.

و منها: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و ممّا ذكرنا يظهر ضعف الاستدلال على الصحّة في ما نحن فيه باستصحاب حرمة القطع)، هذا هو الوجه الرابع من الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على صحة العبادة بعد

50

لمنع كون رفع اليد بعد وقوع الزيادة قطعا لاحتمال حصول الانقطاع، فلم يثبت في الآن اللاحق موضوع القطع، حتى يحكم عليه بالحرمة.

و أضعف منه استصحاب وجوب إتمام العمل للشكّ في الزمان اللاحق في القدرة على إتمامه، و في أنّ مجرّد إلحاق باقي الأجزاء إتمام له، فلعلّ عدم الزيادة من الشروط، و الإتيان بما عداه من الأجزاء و الشرائط تحصيل لبعض الباقي لا تمامه حتى يصدق إتمام العمل.

أ لا ترى أنّه إذا شكّ بعد الفراغ عن الحمد في وجوب السورة و عدمه، لم يحكم على إلحاق ما عداها إلى الأجزاء السابقة أنّه إتمام للعمل.

____________

وقوع الزيادة فيها، و هو استصحاب حرمة القطع الملازم لوجوب المضي المستلزم لصحة العبادة.

إلّا أنّ الاستدلال بالاستصحاب المزبور ضعيف، و قد ظهر ضعفه ممّا ذكره المصنّف (قدّس سرّه) من الشكّ في صدق القطع، و الإبطال بعد وقوع الزيادة و استصحاب حرمة القطع مبني على إحراز الموضوع و هو صدق القطع على رفع اليد في المقام، فلا يجري فيما شكّ في أصل الموضوع، كما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(لمنع كون رفع اليد بعد وقوع الزيادة قطعا).

و منها: ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله:

(و أضعف منه استصحاب وجوب إتمام العمل ... إلى آخره)، أي: أضعف من استصحاب حرمة القطع هو استصحاب وجوب إتمام العمل، و هو الوجه الخامس من الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على الصحة.

و حاصل الكلام أنّ الاستدلال باستصحاب وجوب إتمام العمل، كاستصحاب حرمة القطع في الضعف لأجل الشكّ في الموضوع، إذ بعد وقوع الزيادة يشكّ في كون الإتيان بباقي الأجزاء و الشرائط إتماما للعمل، إذ يحتمل أن يكون عدم الزيادة شرطا للعبادة، فلا يمكن الإتمام بعد وقوعها.

و بالجملة، إنّ الاستصحاب الثاني كالأوّل في نسبة الضعف من أجل الشكّ في الموضوع فيهما، و لذلك كان الأولى أن يقال: و مثله في الضعف استصحاب وجوب إتمام العمل، فالتعبير بالأضعف ليس في محلّه.

51

و ربّما يجاب عن حرمة الابطال و وجوب الإتمام الثابتين بالأصل بأنّهما لا يدلّان على صحّة العمل، فيجمع بينهما و بين أصالة الاشتغال بوجوب إتمام العمل ثمّ إعادته، للشكّ في أنّ التكليف هو إتمام هذا العمل أو عمل آخر مستأنف.

و فيه نظر: فإنّ البراءة اليقينيّة على تقدير العمل باستصحاب وجوب التمام تحصل بالتمام، و أنّ هذا الوجوب يرجع إلى إيجاب امتثال الأمر بكلّي الصلاة في ضمن هذا الفرد، و على تقدير عدم العمل به تحصل بالإعادة من دون الإتمام.

____________

قال الاستاذ الاعتمادي: لعلّ التعبير بالأضعف من جهة أنّ وجوب الإتمام مسبّب عن حرمة القطع، فإذا لم يصح استصحابها فلا يصح استصحابه بالطريق الأولى، و كيف كان فاستصحاب حرمة القطع و وجوب الإتمام باطلان، للشكّ في القدرة على القطع و الإتمام بعد وقوع الزيادة.

(و ربّما يجاب عن حرمة الإبطال و وجوب الإتمام الثابتين بالأصل بأنّهما لا يدلّان على صحّة العمل، فيجمع بينهما و بين أصالة الاشتغال بوجوب إتمام العمل) بمقتضى الاستصحابين‏ (ثمّ إعادته) بمقتضى قاعدة الاشتغال و الاحتياط.

و قد نسب هذا الجواب إلى صاحب الرياض (قدّس سرّه)، و حاصل كلامه في المقام، هو أنّ ما أفاده من الجمع بين الاستصحابين و بين قاعدة الاشتغال مبني على جريان الاستصحابين في المقام، فيقال: إنّهما لا يثبتان صحة العمل حتى لا تجب الإعادة، بل تثبت بهما الحرمة و الوجوب فقط.

و من المعلوم أنّ حرمة الإبطال كوجوب الإتمام لا تلازم شرعا صحة العمل، فيجمع بينهما و بين قاعدة الاشتغال فيحكم بوجوب إتمام العمل تمسّكا بهما، و وجوب الإعادة تمسّكا بها، إذ بعد إتمام العمل بمقتضى الاستصحاب يشكّ المكلّف في أنّ المكلّف به هل هو إتمام العمل أو إعادته؟ فيكون الأمر دائرا بين المتباينين، فيجب فيه الاحتياط بالجمع بينهما.

(و فيه نظر: فإنّ البراءة اليقينيّة على تقدير العمل باستصحاب وجوب التمام تحصل بالتمام).

و حاصل النظر و الإشكال كما أجاب به صاحب الرياض (قدّس سرّه) أنّه لا وجه للجمع بين‏

52

و احتمال وجوبه و حرمة القطع مدفوع بالأصل؛ لأنّ الشبهة في أصل التكليف الوجوبي أو التحريمي، بل لا احتياط مستحبا في الإتمام مراعاة لاحتمال وجوبه و حرمة القطع.

لأنه موجب لالغاء الاحتياط من جهة اخرى، و هي مراعاة نيّة الوجه التفصيلي في العبادة، فإنّه لو قطع العمل المشكوك فيه و استأنفه نوى الوجوب على وجه الجزم، و إن أتمّه ثمّ أعاد فاتت منه نيّة الوجوب في ما هو الواجب عليه.

____________

الاستصحابين و بين قاعدة الاشتغال أصلا؛ و ذلك لأنّه إن بنى على وجوب الإتمام و لو بالاستصحاب لحصلت البراءة اليقينيّة بالإتمام، فلا تجري قاعدة الاشتغال حينئذ حتى يحكم بوجوب الإعادة؛ و ذلك للملازمة بين وجوب الإتمام و صحة العمل بالإجماع المركّب، أو بعدم القول بالفصل كما عرفت سابقا.

و إن بنى على عدم وجوب الإتمام لعدم جريان الاستصحاب فتصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال، و مقتضاها وجوب الإعادة، فلا معنى لما ذكر من الجمع بين الاستصحابين و بين أصالة الاشتغال.

و بعبارة أخرى: إنّ وجوب الإتمام الثابت بالاستصحاب يرجع إلى إيجاب امتثال الأمر بكلّي الصلاة في ضمن هذا الفرد، و حينئذ لا معنى لوجوب الإعادة ثانيا لأنّه امتثال بعد الامتثال، و لا معنى للامتثال عقيب الامتثال، نعم على تقدير عدم الإتيان بهذا الفرد تجب الإعادة، و تحصل البراءة بها.

(و احتمال وجوبه)، أي: الإتمام‏ (و حرمة القطع مدفوع بالأصل)، فإنّ الشكّ بالنسبة إلى وجوب الإتمام و حرمة القطع يكون شكّا في أصل التكليف، فتجري فيه أصالة البراءة.

قوله: (بل لا احتياط مستحبا ... إلى آخره) دفع لما يمكن أن يقال من أنّ المستحب في المقام هو الاحتياط التامّ الحاصل بالإتمام و الإعادة معا.

و حاصل الدفع إنّ الاحتياط التامّ غير ممكن في المقام‏ (لأنّه موجب لإلغاء الاحتياط من جهة اخرى، و هي مراعاة نيّة الوجه التفصيلي في العبادة، فإنّه لو قطع العمل المشكوك فيه و استأنفه نوى الوجوب على وجه الجزم) حصلت نيّة الوجه التفصيلي المعتبرة في العبادة فتبرأ ذمته يقينا.

و هذا بخلاف ما إذا أتمّ العمل ثمّ أعاده ففاتت نيّة الوجوب حيث لا يعلم وجوب ما

53

و لا شكّ أنّ هذا الاحتياط على تقدير عدم وجوبه أولى من الاحتياط المتقدّم؛ لأنّه كان الشكّ فيه في أصل التكليف، و هذا شكّ في المكلّف به.

و الحاصل: إنّ الفقيه إذا كان متردّدا بين الإتمام و الاستئناف، فالأولى له الحكم بالقطع، و الأمر بالإعادة بنيّة الوجوب.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من حكم الزيادة و أنّ مقتضى أصل البراءة عدم مانعيّتها إنّما هو بالنظر إلى الأصل الأوّلي، و إلّا فقد يقتضي الدليل في خصوص بعض المركّبات البطلان، كما في الصلاة حيث دلّت الأخبار المستفيضة على بطلان الفريضة بالزيادة فيها.

____________

يأتيه ثانيا لاحتمال حصول الواجب الواقعي بالإتمام، فلا يمكن له نيّة الوجوب فيه جزما.

(و لا شكّ أنّ هذا الاحتياط)، أي: الاحتياط بالنسبة إلى الجزم بالنيّة على تقدير عدم وجوبه كما هو الحقّ عند المحقّقين و منهم المصنّف (قدّس سرّه) حيث قالوا بعدم اعتبار نيّة الوجه في العبادة أصلا فضلا عن الجزم بها (أولى من الاحتياط المتقدّم) و هو الجمع بين الإتمام و الإعادة؛ و ذلك لأنّ الشكّ في مورد الاحتياط المتقدّم يكون في أصل التكليف، أي:

الشكّ في أصل وجوب الإتمام و حرمة القطع.

(و هذا شكّ في المكلّف به)، أي: الشكّ في وجوب الجزم بالنيّة شكّ في المكلّف به، بمعنى أنّ المكلّف يشك في أنّ المكلّف به في حقّه هل هو الاستئناف جازما بالنيّة حتى تجب عليه الإعادة بدون الإتمام، أو هو الاستئناف بدون الجزم بالنيّة فيجمع الاستئناف مع الإتمام؟

(و الحاصل: إنّ الفقيه إذا كان متردّدا بين الإتمام و الاستئناف)، بأن يجمع بين الإتمام و الإعادة من باب الاحتياط، و بين الإعادة فقط من أجل تحصيل الجزم بالنيّة احتياطا (فالأولى له الحكم بالقطع، و الأمر بالإعادة بنيّة الوجوب)، أي: ترجيح الاحتياط بالنسبة إلى تحصيل الجزم بنيّة الوجوب، لما تقدّم من أنّ الشكّ فيه شكّ في المكلّف به، و الشكّ في الأوّل في أصل التكليف.

و من المعلوم أنّ الاحتياط في الشكّ في المكلّف به، أعني: شرطيّة الجزم بالنيّة أولى بالمراعاة من الاحتياط في الشكّ في التكليف، أعني: وجوب الإتمام، كما في شرح الاستاذ الاعتمادي بتصرّف.

(ثمّ إنّ ما ذكرناه من حكم الزيادة و أنّ مقتضى أصل البراءة عدم مانعيّتها إنّما هو بالنظر

54

مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله): (من زاد في صلاته فعليه الإعادة)

(1)

.

و قوله (عليه السلام): (و إذا استيقن أنّه زاد في المكتوبة فليستقبل صلاته)

(2)

.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله)- فيما حكي عن تفسير العياشي، في من أتمّ في السفر-: (إنّه يعيده)، قال: (لأنّه زاد في فرض اللّه عزّ و جلّ)

(3)

، دلّ بعموم التعليل على وجوب الإعادة لكلّ زيادة في فرض اللّه عزّ و جلّ.

و ما ورد في النهي عن قراءة العزيمة في الصلاة من التعليل بقوله (عليه السلام): (لأنّ السّجود زيادة في المكتوبة)

(4)

.

و ما ورد في الطواف: (لأنّه مثل الصّلاة المفروضة في أنّ الزيادة مبطلة له)

(5)

.

و لبيان معنى الزيادة و أنّ سجود العزيمة كيف يكون زيادة في المكتوبة مقام آخر، و إن كان ذكره هنا لا يخلو عن مناسبة، إلّا أنّ الاشتغال بالواجب ذكره بمقتضى وضع الرسالة أهمّ من ذكر ما يناسب.

____________

إلى الأصل الأوّلي، و إلّا فقد يقتضي الدليل في خصوص بعض المركّبات البطلان، كما في الصلاة حيث دلّت الأخبار المستفيضة على بطلان الفريضة بالزيادة فيها).

ثمّ ذكر المصنّف (قدّس سرّه) عدّة أخبار في المقام، و ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) في المتن من الوضوح بما يغنينا عن الشرح و التوضيح فراجع.

ثمّ قال المصنّف (قدّس سرّه): (و لبيان معنى الزيادة و أنّ سجود العزيمة كيف يكون زيادة في المكتوبة مقام آخر، و إن كان ذكره هنا لا يخلو عن مناسبة، إلّا أنّ الاشتغال بالواجب ذكره بمقتضى وضع الرسالة) و هو مباحث الشكوك في التكليف و المكلّف به على ما في شرح الأستاذ الاعتمادي‏ (أهمّ من ذكر ما يناسب). هذا تمام الكلام في المسألة الثانية.

____________

(1) الكافي 3: 355/ 5. الوسائل 8: 231، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ب 19، ح 2. و الحديث فيهما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

(2) الكافي 3: 354/ 2. غوالي اللآلئ 3: 94/ 106.

(3) تفسير العياشي 1: 297/ 253، و قد نقله بالمعنى.

(4) الكافي 3: 318/ 6. التهذيب 2: 96/ 361. الوسائل 6: 105، أبواب القراءة في الصلاة، ب 40، ح 1.

(5) التهذيب 5: 151/ 498. الوسائل 13: 366، أبواب الطواف، ب 34، ح 11.