دروس في الكفاية - ج2

- غلام علي‏ المحمدي البامياني المزيد...
446 /
5

[تتمة المقصد الاول‏]

فصل في مقدمة الواجب (1)

و قبل الخوص في المقصود، ينبغي رسم أمور:

الأول:

الظاهر: أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة: البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، فتكون مسألة أصولية.

____________

[بيان ما هو محل الكلام في مقدمة الواجب‏]

(1) قبل الخوض في البحث ينبغي بيان ما هو محل الكلام في المقام فنقول: إن المراد بالمقدمة هنا ليس مطلق ما لا بد منه في وجود الشي‏ء؛ حتى تشمل عدم الأضداد المقارن لوجود الشي‏ء المطلوب، بل المراد منها ما وقع في طريق وجود الشي‏ء، و ما كان متقدما عليه؛ سواء كان علة تامة أو ناقصة بتمام أقسامها من الشرط، و عدم المانع و غيرهما، فإذا تعلق الأمر الوجوبي بما يحتاج و يتوقف وجوده على غيره واحدا كان ذلك الغير أم متعددا يسمى ذلك الغير مقدمة.

فيقع الكلام في أنه هل هناك ملازمة بين وجوب الشي‏ء و مطلوبيته، و بين وجوب ذلك الغير و مطلوبيته بحسب الواقع و مقام الثبوت أم لا؟ و الحاكم بذلك هو العقل، فتجب المقدمة بعد حكم العقل بالملازمة؛ إلّا إن المراد بوجوبها ليس هو الوجوب العقلي بمعنى: لا بدّية إتيان المقدمة؛ لأن ثبوت وجوبها بهذا المعنى ضروري لا مجال للنزاع فيه، بل المراد من وجوب المقدمة في المقام: هو الوجوب الغيري التبعي؛ بمعنى: أن الآمر لو كان ملتفتا إلى نفس المقدمة، لأوجبها كما أوجب ذي المقدمة، فيكون المراد بالملازمة هي: الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته بهذا المعنى.

إذا عرفت ما هو محل الكلام فاعلم: أن الغرض من عقد هذا الأمر الأول هو: إثبات كون هذه المسألة من المسائل الأصولية، لا الفقهية، و لا الكلامية و لا المبادئ الأحكامية، و لا التصديقية، و فرض هذه المسألة بنحو تكون من المسائل الفقهية أو الكلامية أو غيرهما- و إن كان ممكنا- إلّا إن المصنف يقول: إنها من المسائل الأصولية؛ لانطباق ضابط المسألة الأصولية عليها. و هو وقوعها في طريق استنباط الحكم الكلي الفرعي؛ مثل: أن يفرض البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها، فإنها بذلك تكون‏

6

لا عن نفس وجوبها (1)، كما هو المتوهّم من بعض العناوين، كي تكون فرعية؛ و ذلك (2) لوضوح: إن البحث كذلك لا يناسب الأصولي.

____________

من المسائل الأصولية؛ لأن نتيجتها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي و هو: وجوب المقدمة المعينة كالوضوء مثلا.

و أما كونها من المسائل الفقهية: فبأن يبحث فيها عن نفس وجوب المقدمة.

و أما كونها من المسائل الكلامية: فلأن البحث فيها عقلي، كما أن البحث في علم الكلام كذلك؛ فيكون من مسائل علم الكلام.

و أما كونها من المبادئ الأحكامية: فلأن المراد من تلك المبادئ هو حالات الأحكام الشرعية، و من المعلوم: أن استلزام وجوب ذي المقدمة لوجوب مقدمته من الحالات العارضة للأحكام.

و أما كونها من المبادئ التصديقية: فلأن موضوع علم الأصول على المشهور هي:

الأدلة الأربعة، و البحث عن هذه المسألة يرجع إلى وجود الموضوع أعني: حكم العقل و عدمه. فتكون من المبادئ التصديقية.

و خلاصة ما أفاده المصنف «(قدس سره)»: أن المقصود من رسم الأمر الأول بيان أمرين: الأول: أن مسألة مقدمة الواجب مسألة أصولية كما عرفت.

الثاني: أنها عقلية لا لفظية؛ فإن الكلام ليس إلّا في استقلال العقل في الحكم بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، و ليس الكلام في دلالة الأمر بالشي‏ء على وجوب مقدمته كي تكون المسألة لفظية؛ كما يظهر من صاحب المعالم «(رحمه اللّه)».

و كيف كان؛ فمسألة مقدمة الواجب من المسائل العقلية الأصولية؛ لانطباق ضابط المسألة الأصولية على مبحث مقدمة الواجب، فلا وجه للالتزام بكونها مسألة فقهية، أو جعل البحث فيها استطراديا.

(1) أي: لا يكون البحث في هذه المسألة عن نفس وجوب المقدمة بأن يكون البحث في أن المقدمة واجبة أم لا؟ كي تكون المسألة فرعية «كما هو المتوهم من بعض العناوين»، حيث جعل مدار البحث وجوب المقدمة على ما في حاشية السيد القزويني على القوانين حيث قال: «اختلف القوم في وجوب ما لا يتم الواجب إلّا به و هو المعبر عنه بمقدمة الواجب على أربعة أقوال» فإن هذه العبارة ظاهرة في كون المسألة فقهية؛ لأن موضوعها فعل المكلف، فلو كان البحث عن الوجوب كانت المسألة مسألة فقهية؛ بخلاف ما إذا كان البحث عن الملازمة، فإن الملازمة ليست من عوارض فعل المكلف.

(2) قوله: «و ذلك ...» إلخ بيان لعدم كون المسألة فقهية.

7

و الاستطراد (1) لا وجه له بعد إمكان أن يكون البحث على وجه تكون من المسائل الأصولية.

ثم الظاهر أيضا (2): أن المسألة عقلية، و الكلام في استقلال العقل بالملازمة و عدمه؛ لا لفظية (3) كما ربما يظهر (4) من صاحب المعالم حيث (5) استدل على النفي‏

____________

و حاصله: أن البحث عن نفس وجوب المقدمة بحث فقهي؛ لكون المبحوث عنه من عوارض فعل المكلف، و هو مما لا يناسب الأصولي؛ هذا بخلاف البحث عن الملازمة بين الوجوبين؛ فإنه بحث أصولي يناسب التعرض له في الأصول.

(1) قوله: «و الاستطراد» دفع لما يمكن أن يقال: إن جعل البحث في وجوب المقدمة، و إن كان يستدعي أن يكون البحث فقهيا إلّا إن ذكره في الأصول لأجل الاستطراد.

و حاصل الدفع: إنه لا وجه للاستطراد بعد إمكان أن يكون البحث على وجه تكون هذه المسألة من المسائل الأصولية؛ بأن يجعل البحث عن الملازمة، فلا ينبغي حينئذ التشبث بالاستطراد.

[مسألة مقدمة الواجب مسألة أصولية عقلية]

(2) أي: كما أن الظاهر: هو كون هذه المسألة أصولية؛ كذلك الظاهر: كونها عقلية؛ لأن الحاكم بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته هو العقل، كما أشار إليه بقوله: «و الكلام في استقلال العقل بالملازمة و عدمه».

(3) أي: لا تكون المسألة لفظية بمعنى: أن اللفظ الدال على وجوب الشي‏ء دال على وجوب مقدماته.

(4) أي: يظهر كون المسألة لفظية من صاحب المعالم؛ و إن لم يكن كلامه صريحا في ذلك.

(5) قوله: «حيث استدل على النفي ...» إلخ؛ بيان لمنشا استظهار كون المسألة لفظية من كلام صاحب المعالم «(قدس سره)»، ص 170.

و خلاصة الكلام أن منشأ الاستظهار يرجع إلى أمرين:

الأول: استدلاله على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث أي: المطابقة، و التضمن، و الالتزام. و بديهي أن انتفاءها يقتضي عدم الدلالة اللفظية؛ لا انتفاء الدلالة العقلية.

الثاني: ذكره هذا المبحث في مباحث الألفاظ.

و الأول: ما أشار إليه المصنف «(قدس سره)» بقوله: «حيث استدل على النفي ...» إلخ؛ فإنه ظاهر في كون البحث لفظيا؛ و إلّا لم يتم هذا الاستدلال.

8

بانتفاء الدلالات الثلاث؛ مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الألفاظ؛ ضرورة (1): أنه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته ثبوتا محل الإشكال؛ فلا مجال لتحرير النزاع في الإثبات، و الدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث، كما لا يخفى.

____________

و الثاني: ما أشار إليه بقوله: «مضافا إلى أنه ذكرها في مباحث الألفاظ»؛ فإنه ظاهر في كون البحث لفظيا؛ و إلّا لا وجه لذكره في بحث الألفاظ.

(1) قوله: «ضرورة ...» إلخ تعليل لقوله: «ثم الظاهر أيضا ...» إلخ.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن مقام الإثبات و الدلالة كدلالة اللفظ على المعنى تابع و فرع لمقام الثبوت أعني: ثبوت المعنى في الخارج. إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن النزاع في دلالة اللفظ- في المقام- على الملازمة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام؛ تابع و فرع لثبوت الملازمة واقعا، فبدون ثبوتها واقعا لا يصح النزاع في دلالة اللفظ و عدمها عليها إثباتا.

و من المعلوم: أن الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها محل الإشكال أي: لم تتحقق بعد، فلا وجه لتحرير النزاع في مرحلة الإثبات، و الدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

يتلخص البحث في جهتين:

الأولى: هل هذه المسألة أصولية أو غير أصولية؟

الثانية: هل هي لفظية أو عقلية؟

أما الكلام في الجهة الأولى: فقد ذكر المصنف ما حاصله: من أن هذه المسألة أصولية، لأن البحث فيها إنما هو عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته، و ليس البحث فيها عن وجوب المقدمة كي تكون المسألة فرعية. و بما أن البحث عن الملازمة تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الشرعي؛ فتكون هذه المسألة مسألة أصولية.

و أما الجهة الثانية: فالظاهر: أن المسألة عقلية؛ لأن الحكم بالملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها من العقل، فلا تكون المسألة لفظية؛ كما ربما يظهر من صاحب المعالم «(رحمه اللّه)» حيث استدل على نفي وجوب المقدمة بعدم الدلالات الثلاث الظاهر في كونها لفظية.

9

الأمر الثاني: (1)

أنه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات:

منها: تقسيمها إلى داخلية و هي الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها. و الخارجية و هي الأمور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه.

____________

أما رأي المصنف «(قدس سره)»: فهو أنها من المسائل الأصولية لا الفرعية، و من المسائل العقلية لا اللفظية. هذا تمام الكلام في خلاصة البحث.

تقسيم المقدمة إلى الداخلية و الخارجية

(1) الأمر الثاني في تقسيم المقدمة إلى تقسيمات عديدة باعتبارات شتى:

الأول: تقسيمها إلى الداخلية و الخارجية.

الثاني: تقسيمها إلى العقلية و الشرعية و العادية.

الثالث: تقسيمها إلى مقدمة الوجود، و مقدمة الصحة، و مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم.

الرابع: تقسيمها إلى المتقدم، و المقارن، و المتأخر.

و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان ما هو محل النزاع فنقول: إن المقدمة التي هي مصبّ و مقسم للتقسيمات المذكورة عبارة عن مطلق ما يتوقف عليه الشي‏ء.

و أما توضيح ما هو المراد من المقدمة الداخلية و الخارجية فيتوقف على مقدمة و هي: أن كل واحد منهما على قسمين: الداخلية بمعنى الأخص و الأعم، و الخارجية كذلك.

و أما الداخلية بالمعنى الأخص فهي: أجزاء المأمور به الداخلة في حقيقته قيدا و تقيدا؛ مثل: القراءة في الصلاة مثلا، فكما هي بنفسها دخيلة في المأمور به و مقوّمة له؛ فكذلك تقيدها بكونها مسبوقة بتكبيرة الإحرام، و ملحوقة بالركوع و السجود دخيل في حقيقة المأمور به.

و أما الداخلية بالمعنى الأعم: فهي خارجة عن حقيقة المأمور به قيدا و الداخلة فيه تقيّدا؛ مثل: طهارة البدن و اللباس عن الخبث، و الاستقبال و الطهارة من الحدث و نحوها؛ فإنها خارجة عن حقيقة الصلاة المأمور بها قيدا، و لكنها داخلة فيها تقيّدا؛ بمعنى: أن المأمور به حصة من الصلاة؛ و هي الصلاة المقيدة بها لا مطلقا.

و أما المقدمة الخارجية بالمعنى الأخص: فهي غير دخيلة في المأمور به أصلا لا قيدا و لا تقيّدا؛ بل إنما يتوقف وجود المأمور به الواجب في الخارج عليها؛ مثل: الكون على‏

10

و ربما يشكل (1) في كون الأجزاء مقدمة له و سابقة عليه؛ بأن المركب ليس إلّا نفس الأجزاء بأسرها.

و الحل: (2) أن المقدمة هي نفس الأجزاء بالأسر، و ذو المقدمة هو الأجزاء بشرط

____________

السطح، و قطع المسافة؛ فإن الواجب- و هو الكون على السطح- يتوقف على نصب السلم في الأول، و الحج يتوقف على قطع المسافة في الثاني.

و أما المقدمة الخارجية بالمعنى الأعم: فهي عين المقدمة الداخلية بالمعنى الأعم؛ أي:

الخارجة عن المأمور به قيدا، و الداخلة فيه تقيّدا.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المراد بالمقدمة الداخلية هي: الداخلية بالمعنى الأخص، و بالمقدمة الخارجية هي: الخارجية بالمعنى الأعم المقابلة للداخلية بالمعنى الأخص.

و من هنا ظهر الفرق بينهما، فلا حاجة إلى بيان ذلك.

(1) قد تعرض المصنف في البحث عن المقدمة الداخلية لجهتين:

الجهة الأولى: هي الإشكال في صحة إطلاق المقدمة عليها.

الجهة الثانية: هي الإشكال في دخولها في محل النزاع.

و الذي قرّره المصنف هو: عدم دخولها في محل النزاع؛ كما أشار إليه بقوله: «إنه ينبغي خروج الأجزاء عن محل النزاع». فانتظر وجه ذلك.

و أما حاصل الكلام في الجهة الأولى: فقد يستشكل في مقدمية الأجزاء؛ و يقال:

كيف تكون الأجزاء مقدمة داخلية للمأمور به الواجب؟ و الحال أن المقدمية تتوقف على أمرين:

الأول: أن تكون المقدمة غير المأمور به الواجب.

و الثاني: أن تكون سابقة عليه.

و كلا الأمرين: منتف في المقدمة الداخلية؛ لأن المقدمة الداخلية كما عرفت هي:

نفس الأجزاء، و الأجزاء عين المركب، فلا مغايرة بينهما أصلا، و لا تكون الأجزاء سابقة عليه؛ لأن نفس الشي‏ء لا يكون سابقا عليه.

و بعبارة أخرى: مقدمة الشي‏ء عبارة عما يقع في طريق وجوده، و الشي‏ء لا يقع في طريق نفسه. و كيف كان؛ فلا مغايرة بين الأجزاء و المركب منها؛ ليكون للأجزاء وجود غير وجود الكل حتى تجب الأجزاء غيريا، و يجب الكل نفسيا. فتنحصر المقدمة بالخارجية، و لا تعقل المقدمة الداخلية أصلا.

(2) أي: حل إشكال عينية المقدمة للمأمور به الواجب. و توضيح ذلك يتوقف على‏

11

الاجتماع، فيحصل المغايرة بينهما. و بذلك ظهر: أنه لا بدّ في اعتبار الجزئية أخذ الشي‏ء بلا شرط، كما لا بدّ في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع.

و كون (1) الأجزاء الخارجية كالهيولى و الصورة؛ هي الماهية المأخوذة بشرط لا

____________

مقدمة: و هي: أن المقدمة الداخلية و إن كانت نفس الأجزاء؛ إلّا إن تلك الأجزاء إذا لوحظت لا بشرط فهي مقدمة، و إذا لوحظت بشرط شي‏ء فهي ذو المقدمة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن ذوات الأجزاء معروضة للاجتماع فتكون سابقة على الكل؛ لسبق المعروض على العارض، و مغايرة معه و لو بالمغايرة الاعتبارية، فما هو ملاك المقدمية من السبق و المغايرة موجود في الأجزاء، فلا إشكال في كونها مقدمة داخلية للواجب.

و في «منتقى الأصول» قال في الجواب عن هذا الإشكال ما هذا لفظه: «إن الأجزاء بالأسر فيها جهتان واقعيتان: إحداهما مترتبة على الأخرى، فإن في كل جزء جهة ذاته، و جهة اجتماعه مع غيره من الأجزاء. و لا يخفى: أن جهة الذات متقدمة على جهة اجتماع الذات مع الذات الأخرى تقدم المعروض على العارض، لأن جهة الاجتماع عارضة على الذوات، و عليه فنقول: إذا لوحظت الأجزاء بجهة ذاتها كانت المقدمة، و إذا لوحظت بوصف الاجتماع و الانضمام كانت الكل، فالمقدمة سابقة على الكل، و ذي المقدمة سبق المعروض على العارض، و هذا السبق يصحح إطلاق المقدمية عليها». انتهى مورد الحاجة.

«و بذلك ظهر: أنه لا بد في اعتبار الجزئية أخذ الشي‏ء بلا شرط ...» إلخ أي: بما ذكر من الفرق بين المقدمة الداخلية و ذيها: بأن المقدمة الداخلية هي نفس الأجزاء لا بشرط، و ذيها هي الأجزاء بشرط الاجتماع «ظهر»: أن اعتبار الجزئية منوط بأخذ الشي‏ء بلا شرط، و اعتبار الكلية منوط باشتراط الاجتماع.

وجه الظهور: أن المقدمة الداخلية هي الأجزاء، و حيث تبين الفرق بين المقدمة الداخلية و الكلية ظهر الفرق بين الجزء و الكل، و بظهور الفرق بينهما ظهر خاصية كل منهما إجمالا على ما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 2، ص 12».

(1) قوله: «و كون الأجزاء الخارجية ...» إلخ دفع للإشكال و حاصل الإشكال: أنّ ما ذكرتم من أن الأجزاء مأخوذة على نحو لا بشرط ينافي ما يقوله أهل المعقول: من أن الأجزاء الخارجية- كالهيولى و الصورة- مأخوذة بشرط لا، فما أفاده المصنف «(قدس سره)» من أخذ الأجزاء ملحوظة لا بشرط ينافي ما ذكره أهل المعقول من أنها ملحوظة بشرط لا؛ لوضوح التنافي بين الماهية «لا بشرط»، و بين الماهية «بشرط لا».

12

ينافي ذلك، فإنه إنما يكون في مقام الفرق بين نفس الأجزاء الخارجية و التحليلية، من الجنس و الفصل، و أن الماهية إذ أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة، و إذا أخذت لا بشرط تكون جنسا أو فصلا لا بالإضافة إلى المركب فافهم (1).

ثم لا يخفى: أنه ينبغي خروج الأجزاء (2) عن محل النزاع، كما صرح به بعض.

____________

و حاصل الدفع: أنه لا تنافي بينهما. وجه عدم المنافاة هو: عدم وحدة الإضافة فيهما.

[الفرق بين اللابشرط الأصولي و اللابشرط الفلسفي‏]

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن اللابشرط في اصطلاح الأصولي إنما هو بالإضافة إلى الكل؛ بمعنى أنه إذا قوبل الجزء بالكل فيؤخذ الأول لا بشرط، و الثاني:

بشرط شي‏ء.

و أما اللابشرط الفلسفي- في المادة و الصورة و الجنس و الفصل- فإنما هو بالإضافة إلى الجزء الآخر؛ بمعنى: أنه إذا قوبلت الأجزاء الخارجية- كالمادة و الصورة أي: كالبدن و النفس الناطقة- بالأجزاء التحليلية التي يحللها العقل إلى جنس و فصل، فيؤخذ الأول:

أي: الأجزاء الخارجية بشرط لا الاعتباري، فلا يقبل الحمل. و الثاني: لا بشرط الاعتباري فيقبل الحمل.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنّ الإضافة فيهما مختلفة؛ لأن اللابشرط في اصطلاح الفلسفي و أهل المعقول إنما هو بالإضافة إلى الجزء الأخر كما عرفت. و أما اللابشرط الأصولي فهو بالإضافة إلى الكل فقط، فلا تنافي بينهما؛ إذ يشترط في التنافي وحدة الإضافة المنتفية في المقام؛ لما عرفت: من أن الجزء الخارجي أخذ لا بشرط لا بالإضافة إلى الجزء الآخر- و هو الجزء التحليلي- لا بالإضافة إلى المركب و الكل، و الجزء الداخلي في المقام أخذ لا بشرط بالإضافة إلى المركب و الكل.

(1) لعله إشارة إلى عدم المنافاة بينهما حتى مع وحدة الإضافة أيضا، و ذلك لاختلاف الغرض و المقصود؛ لأن غرض الأصوليين و مقصودهم من اعتبار الأجزاء لا بشرط بالإضافة إلى المركب، أي: مقصودهم لا بشرط عن الاجتماع و الاتصال.

و مقصود أهل المعقول من اعتبار الأجزاء الخارجية بشرط لا بالإضافة إلى المركب هو:

عدم صحة الحمل عليه، أي: الأجزاء الخارجية بشرط لا غير قابلة للحمل على المركب؛ في مقابل الأجزاء التحليلية المأخوذة لا بشرط، فيصح حملها عليه، و يقال: الإنسان ناطق.

(2) هذا الكلام من المصنف هو تعرّضه للبحث عن المقدمة الداخلية من الجهة الثانية و هي: النزاع و الكلام في دخولها في محل النزاع، يقول المصنف «(قدس سره)» بخروجها

13

و ذلك (1) لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتا، و إنما كانت المغايرة بينهما اعتبارا، فتكون واجبة بعين وجوبه، و مبعوثا إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين.

و لو قيل (2) بكفاية تعدد الجهة، و جواز اجتماع الأمر و النهي معه، لعدم تعددها (3)

____________

عن محل النزاع، كما صرح بخروجها عنه بعض الأعلام و هو سلطان العلماء على ما في «بدائع الأفكار»، و محل النزاع هو وجوب المقدمة بالوجوب الغيري.

(1) وجه خروج الأجزاء عن محل النزاع: أن وجوب المقدمة غيري ترشحي؛ بمعنى:

أنه يترشح إليها من وجوب ذي المقدمة. هذا إنما يصح فيما إذا لم تكن المقدمة عين الواجب، و أما فيما إذا كانت عين الواجب- كما هو المفروض في المقام؛ حيث تكون الأجزاء الداخلية عين الكل و هو الواجب- فتكون المقدمة حينئذ واجبة بالوجوب النفسي الضمني؛ لأنها عين الكل الذي هو متعلق الوجوب النفسي المنبسط على الأجزاء، و مع هذا الوجوب النفسي لا تتصف الأجزاء بالوجوب الغيري.

و بعبارة أخرى: أن مرجع عدم وجوب الأجزاء بالوجوب الغيري إلى وجود المانع من تعلق الوجوب الغيري فيها. و توضيح ذلك: أن الأجزاء لمّا كانت عين الكل في الوجود؛ كان الأمر النفسي المتعلق بالكل متعلقا بها حقيقة، فهي متعلقة للوجوب النفسي، و عليه:

فيلزم من تعلق الوجوب الغيري- بناء على ثبوت مقتضيه- اجتماع حكمين على موضوع واحد، و هو محال لأجل اجتماع المثلين، و هو في المنع كاجتماع الضدين، فالأجزاء لا تكون متعلقة للوجوب الغيري و إن ثبت مقتضيه فيها؛ لوجود المانع و هو استلزامه للمحال، و هو اجتماع المثلين أعني: اجتماع الوجوب النفسي و الغيري في الجزء.

(2) كلمة لو في قوله: «و لو قيل بكفاية تعدد الجهة ...» إلخ وصلية أي: لامتناع اجتماع المثلين في المقام؛ و لو على القول بكفاية تعدد الجهة في جواز اجتماع المثلين، و اجتماع الأمر و النهي؛ و ذلك لعدم تعدد الجهة هاهنا في الجزء، لأن الواجب بالوجوب الغيري لو كان لكان محله و مصبه نفس الأجزاء لا عنوان مقدميتها، فإن المقدمية علة للوجوب؛ لا أن الوجوب منصب على المقدمة بعنوان كونها مقدمة، بل الوجوب الغيري متعلق بنفس الجزء كالوجوب النفسي، فلم يتعدد محل الوجوب كي يكون مصححا للاجتماع على القول بكفاية تعدد الجهة.

(3) أي: لعدم تعدد الجهة هاهنا. هذا دفع لتوهم تعدد الجهة في المقام، و معه لا يلزم اجتماع المثلين.

14

هاهنا، لأن الواجب بالوجوب الغيري لو كان إنما هو نفس الأجزاء لا عنوان مقدميتها، و التوسل بها إلى المركب المأمور به، ضرورة: أن الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة؛ لأنه المتوقف عليه لا عنوانها.

نعم (1)؛ يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون.

____________

و حاصل الدفع: أن تعدد الجهة المجدي في دفع محذور الاجتماع مفقود هنا؛ لأن الجهة في المقام تعليلية لا تقييدية.

و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الجهة على قسمين: التعليلية و التقييدية.

الفرق بينهما: أن الأولى: هي علة للحكم لا موضوعا له، فلا يتعلق الحكم بها مثل مقدمية المقدمة، فهي جهة تعليلية لا تقييدية.

هذا بخلاف الثانية: أي: الجهة التقييدية و هي: ما يقع موضوعا للحكم و الخطاب مثل: الصلاة واجبة، و الغصب حرام، أو كقول الشارع: صلّ و لا تغصب، فالصلاة موضوع الوجوب، و الغصب موضوع الحرمة، و الصلاتية و الغصبية جهتان تقييديتان.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه إن كانت الجهة تعليلية: فتعددها لا يجدي، و لا ينفع في دفع محذور اجتماع الحكمين المثلين؛ لعدم تعلق الحكم بالجهة حتى يكون تعددها موجبا لتعدد الموضوع، فإن الجهات التعليلية أجنبية عن موضوع الحكم، و لهذا تعددها لا يوجب تعدد الموضوع.

و أما إن كانت الجهة تقييدية: فتعددها يجدي في دفع محذور اجتماع المثلين في موضوع، لأن المفروض: أنه يتعدد الموضوع بتعدد الجهة، و لذا يندرج في باب التزاحم لا التعارض كما يأتي تفصيل ذلك في محله.

فالحاصل: أن الجهة في المقام لما كانت تعليلية فتعددها لا يجدي في دفع محذور اجتماع المثلين، فتوهم: كفاية تعدد الجهة في دفع المحذور المذكور واضح البطلان و الفساد. فالنتيجة هي: إن ذوات الأجزاء ليست واجبا نفسيا ضمنيا و واجبا غيريا؛ لاستلزامه المحال، بل هي واجبة نفسية ضمنية.

[الفرق بين الجهة التعليلية و الجهة التعبدية]

(1) هذا بيان منه لنفي كون عنوان المقدمية جهة تقييدية، بل جهة تعليلية. أي: بعد أن نفي المصنف معروضية عنوان المقدمة للوجوب الغيري- لأن هذا العنوان ليس جهة تقييدية- استدرك على ذلك و قال: إن المقدمية جهة تعليلية لترشح الوجوب الغيري على المعنون، و هو ذات المقدمة، «فانقدح بذلك» أي: بكون المقدمية جهة تعليلية لا تقييدية، و أن الوجوب يعرض ذات المقدمة، لا عنوانها: ظهر فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي، و الوجوب الغيري باعتبارين؛ باعتبار كون الجزء في‏

15

فانقدح بذلك: فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي و الغيري، باعتبارين، فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي، و باعتبار كونه مما يتوسل به إلى الكل واجب غيري، اللهم (1) إلّا إن يريد أن فيه (2) ملاك الوجوبين، و إن كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه فتأمل.

____________

ضمن الكل واجب نفسي، و باعتبار كونه مما يتوسل به إلى الكل، و يتوقف عليه الكل واجب غيري.

وجه الفساد: أنه يلزم اجتماع المثلين، و تعدد الاعتبار لا يوجب تعدد الموضوع؛ لما عرفت: من أن عنوان المقدمية جهة تعليلية لا يمكن أن يكون مصبّا و متعلقا للوجوب الغيري، فلا بد أن يكون نفس الذات موردا للوجوب الغيري، فيلزم اجتماع المثلين الذي هو مستحيل.

(1) هذا الكلام من المصنف توجيه للتوهم المزبور و حاصله: أن مراد المتوهم من اتصاف كل جزء من الأجزاء بالوجوب المقدمي هو اتصافه بملاك الوجوب المقدمي، لا بنفس الوجوب المقدمي حتى يلزم اجتماع المثلين.

(2) أي: أن في كل جزء من الأجزاء ملاك الوجوبين؛ لا وجوبين فعليين، «و إن كان واجبا بوجوب واحد» أي: و إن كان كل جزء فعلا «واجبا بوجوب واحد نفسي»، من دون الوجوب الغيري، و إنما يكون كل جزء واجبا بوجوب واحد نفسي لا بوجوب واحد غيري؛ «لسبقه» أي: لسبق الوجوب النفسي على الغيري؛ لتوقف الوجوب الغيري على الوجوب النفسي دون العكس، و بعد ما كان الجزء واجبا نفسيا امتنع فيه الوجوب الغيري؛ لاستحالة اجتماع المثلين كما عرفت غير مرة.

قوله: «فافهم» لعله إشارة إلى ما أفاده المصنف في الحاشية حيث قال عند قوله:

«فافهم». وجهه: إنه لا يكون فيه أيضا ملاك الوجوب الغيري حيث لا وجود له غير وجوده في ضمن الكل الذي يتوقف على وجوده، و بدونه لا وجه لكونه مقدمة كي يجب بوجوبه أصلا). انتهى مورد الحاجة.

فخلاصة وجه التأمل: هو عدم صحة التوجيه المزبور؛ و ذلك لمنع وجود ملاك الوجوب الغيري في الأجزاء أيضا؛ ضرورة: توقف المقدمية على تعدد الوجود؛ و المفروض: أن الأجزاء عين الكل وجودا، و ليست غيره حتى تتصف بالمقدمية، فالمتحصل من جميع ما ذكرناه: أن الالتزام بالمقدمة الداخلية مما لا وجه له.

16

هذا (1) كله في المقدمة الداخلية.

____________

المقدمة الخارجية

(1) هذا الكلام «كله في المقدمة الداخلية. و أما المقدمة الخارجية فهي ما كان خارجا عن المأمور به، و كان له دخل في تحققه»، أي: المقدمة الخارجية هي خارجة عن حقيقية المأمور به، و لها دخل في تحقق المأمور به. و تذكير الضمير في قوله: «له»- مع إنه يرجع لى المقدمة- إنما هو باعتبار الموصول في قوله: «ما كان».

و الكلام في المقدمة الخارجية في مقامين:

المقام الأول: في تعريف المقدمة الخارجية، و ما هو المراد من خروجها.

و المقام الثاني: في أقسامها.

و أما خلاصة الكلام في المقام الأول: فالمقدمة الخارجية: هي خارجة عن حقيقة المأمور به، في مقابل المقدمة الداخلية الداخلة في ماهية المأمور به كأجزائه أعم من الأركان و غيرها، و للمقدمة الخارجية دخل في تحقق المأمور به من دون أن تكون داخلة في ماهيته. هذا ملخص الكلام في المقام الأول. و قد سبق الفرق بينهما في أول تقسيم المقدمة إليهما فلا نعيد تجنبا عن التكرار، و أما الكلام في المقام الثاني؛ و هو: بيان أقسام المقدمة الخارجية:

1- المقتضي- و يقال له السبب أيضا- و هو: المؤثر في المقتضى بالفتح؛ كالنار في إحراق الجسم.

2- الشرط و هو: ما له دخل في تأثير المقتضي في المقتضى كمحاذاة الخشب للنار، فإن النار ما لم تكن محاذية لشي‏ء لم تحرقه.

3- عدم المانع أي: عدم ما يمنع عن تأثير المقتضي في المقتضى؛ كعدم رطوبة الخشب، فإن الرطوبة مانعة عن تأثير النار في الإحراق، فعدمها يكون من مقدمات وجود الإحراق.

4- المعدّ و هو: ما يقرب المعلول إلى العلة كتهيئة الخشب، و وسيلة الإضرام، و نحو ذلك. و الحاصل: أن كل شي‏ء توقف عليه وجود شي‏ء آخر في الخارج من دون أن يكون له تاثير فيه، و لا في تأثير المقتضي فيه فهو معد.

5- العلة التامة و هي: مجموع المقتضي، و الشرط، و عدم المانع، و المعد. فإذا تحقق الجميع فقد تحقق المقتضي و المعلول قهرا بلا فصل زماني؛ و إن كان يتأخر المعلول عن علته رتبة.

17

و أما المقدمة الخارجية؛ فهي: ما كان خارجا عن المأمور به، و كان له دخل في تحققه، لا يكاد يتحقق بدونه. و قد ذكر لها أقسام و أطيل الكلام في تحديدها (1) بالنقض (2) و الإبرام (3)؛ إلّا إنه غير مهم (4) في المقام.

____________

6- السبب: و هو يطلق على العلة التامة، و على العلة الناقصة كالمقتضي مع عدم الشرط أو وجود المانع، و على الجزء الأخير من العلة المركبة كالشرط المتأخر، و إجازة البيع الفضولي و غيره. و قد عرّف السبب بأنه: ما يلزم من وجوده الوجود، و من عدمه العدم لذاته.

و الشرط بأنه: ما يلزم من عدمه عدم المشروط، و لا يلزم من وجوده وجوده.

و المانع بأنه: ما لا يلزم من عدمه عدم شي‏ء، بل يلزم من وجوده عدم شي‏ء.

و المعد بأنه: ما يلزم من مجموع وجوده و عدمه الوجود؛ كالذهاب بالنسبة إلى الكون في محل مخصوص، فإن إيجاد الخطوة و إعدامها موجب للوصول.

(1) أي: في تحديد تلك الأقسام. أي: قد أطالوا الكلام بالنقض و الإبرام في هذه التحديدات كما في التقريرات و غيره.

(2) أي: كنقض حدّ السبب طردا بالجزء الأخير من العلة التامة، و من المركب، و بلوازم السبب و غير ذلك، لصدق حدّ السبب على الجميع، إذ يلزم من وجودها وجود العلة التامة و المركب و السبب، و من عدمها عدمها، و عكسا: بعدم شموله- كما في الفصول- كما إذا كان لشي‏ء أسباب، فإنه لا يلزم من عدم أحدها العدم مع قيام الآخر مقامه.

(3) أي: كإرجاع الأسباب العديدة إلى القدر المشترك الذي هو سب واحد، فلا يلزم انتقاض حد السبب عكسا، بجعل كلمة- من- في التعريف للسببية؛ حتى لا يلزم انتقاض حدّه طردا، فراجع البدائع، و التقريرات و غيرهما من الكتب المبسوطة.

(4) أي: وجه عدم كونه مهما- كما في التقريرات- هو: أن المقصود من هذا التقسيم تشخيص ما هو مراد المفصل في وجوب المقدمة؛ بين السبب و الشرط و غيرهما، فقال: بوجوب المقدمة في السبب و الشرط دون غيرهما، إلّا إن المصنف لما لم يرتض هذا التفصيل لدخول جميع أقسام المقدمة في محل النزاع من دون خصوصية لبعضها، فليس التعرض لحدودها بمهم. كما في «منتهى الدراية، ج 2، ص 122». و كيف كان فجعل؛ بعض الأقسام المذكورة من المقدمة الخارجية محل تأمل. هذا تمام الكلام في تقسيم مقدمة الواجب إلى الداخلية و الخارجية.

18

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

و أما البحث في التقسيم الأول من تقسيمات مقدمة الواجب فيتلخص في أمور:

1- الفرق بين المقدمة الداخلية، و المقدمة الخارجية: أن الأولى عبارة عن الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها؛ مثل: أجزاء الصلاة من تكبير و ركوع و سجود و تسليم، و لا تتكوّن الصلاة إلّا منها، و هي بنفسها هي التي نسميها مقدمة داخلية.

و أما المقدمة الخارجية فهي: عبارة عن الأمور الخارجة عن ماهية المأمور به، و لكنها مما لا يكاد يوجد المأمور به بدون تلك المقدمة؛ و ذلك كالشرط، و المقتضي، و عدم المانع، و المعدّ.

2- ربما يشكل البعض في كون الأجزاء مقدمة داخلية للمأمور به؛ بتقريب: أن المقدمة يجب أن تكون سابقة على المأمور به ذهنا و خارجا، و أن تكون مغايرة له.

و المركب في محل الكلام ليس إلّا نفس الأجزاء، فلا تكون الأجزاء سابقة عليه، و لا مغايرة معه؛ إذ لا يمكن أن يكون الشي‏ء متقدما على نفسه.

و حل هذا الإشكال بأن يقال: إن المقدمة هي نفس الأجزاء على نحو لا بشرط، و ذو المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع أي: بشرط شي‏ء، و بهذا الاعتبار تحصل الاثنينيّة، و المغايرة بين المقدمة و ذيها، فتكون نفس الأجزاء معروضة للاجتماع، فتكون الأجزاء سابقة على الكل لسبق المعروض على العارض، فحينئذ ما هو ملاك المقدمية من السبق و المغايرة موجود في الأجزاء، فلا إشكال في كونها مقدمة داخلية للواجب.

3- دفع إشكال التنافي بين اعتبار الأجزاء في باب المقدمة الداخلية لا بشرط، و بين اعتبار الأجزاء الخارجية في باب الفرق بين المادة و الصورة، و بين الجنس و الفصل بشرط لا؛ بتقريب: أن التنافي بين الماهية لا بشرط، و الماهية بشرط لا واضح وضوح الشمس في النهار. هذا ملخص إشكال التنافي.

و حاصل الدفع: إنه لا تنافي بينهما لتعدد الإضافة، لأن الأجزاء في باب المقدمة لا بشرط بالإضافة إلى الكل، و الأجزاء الخارجية في باب الفرق بين الأجزاء الخارجية و الأجزاء التحليلية بشرط لا؛ إنما هو بالإضافة إلى الجزء الآخر.

4- خروج المقدمة الداخلية عن محل النزاع، فلا تكون واجبة بالوجوب الغيري؛ لأجل لزوم اجتماع المثلين في محل واحد، و هو محال.

و لا يكفي تعدد الجهة لدفع محذور لزوم اجتماع المثلين؛ و لو على القول بكفاية تعدد

19

و منها (1): تقسيمها إلى العقلية، و الشرعية، و العادية.

____________

الجهة في جواز الاجتماع؛ لأن ذلك فيما إذا كانت الجهة تقييدية، و الجهة في المقام تعليلية، تعددها لا يوجب تعدد الموضوع.

و من هنا ظهر: فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي و الغيري باعتبارين؛ باعتبار كون الجزء في ضمن الكل واجب نفسي، و باعتبار كونه مما يتوقف عليه الكل واجب غيري، وجه الفساد: أنه يلزم اجتماع المثلين، و قد عرفت: أن تعدد الاعتبار لا يوجب تعدد الموضوع.

و أما توجيه التوهم المزبور؛ بأن المراد باتصاف كل جزء بالوجوبين هو: اتصافه بملاك الوجوبين مردود بما أشار إليه بقوله: «فافهم» من عدم ملاك للوجوب الغيري أصلا، إذ لا وجود للجزء غير وجوده في ضمن الكل، و المقدمية تتوقف على تعدد الوجود.

5- المقدمة الخارجية هي: عبارة عما كان خارجا عن ماهية المأمور به، و لها دخل في تحقق المأمور به، و لها أقسام:

1- المقتضي: كالنار بالنسبة إلى الإحراق.

2- الشرط: كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة.

3- عدم المانع: بأن لا يكون هناك مانع عن تحقق الشي‏ء؛ كعدم الرطوبة بالإضافة إلى الحطب، فإن الرطوبة مانعة عن الإحراق.

4- المعدّ: و هو ما يقرّب المعلول إلى علته؛ كتهيئة الخشب للإحراق.

5- و أما نظرية المصنف:

فهي: دخول المقدمة الخارجية في محل الكلام دون المقدمة الداخلية؛ إذ لا يمكن أن تكون المقدمة الداخلية واجبة بالوجوب الغيري؛ لاستلزامه اجتماع المثلين المستحيل عقلا. هذا تمام الكلام في تلخيص البحث.

[الفرق بين المقدمة العقلية و الشرعية و العادية]

(1) من تقسيمات المقدمة: «تقسيمها إلى العقلية و الشرعية و العادية»، و قد مرّ: أن المقدمة تنقسم إلى تقسيمات عديدة، و بعض هذه التقسيمات ثنائية، و بعضها ثلاثية، و بعضها رباعية، و قد تقدم الكلام تفصيلا في تقسيمها ثنائيا إلى المقدمة الداخلية، و المقدمة الخارجية. و هذا التقسيم إنما هو تقسيمها ثلاثيا إلى العقلية، و الشرعية، و العادية.

و الفرق بين هذا التقسيم الثلاثي، و بين التقسيم الثنائي المتقدم: أن التقسيم المتقدم كان باعتبار أنحاء الدخل، و كيفية تأثير المقدمة من كونها علة أو جزءا لها، أو شرطا لتأثيرها، و هذا التقسيم يكون باعتبار الحاكم بالمقدمية هل هو العقل أو الشرع أو العادة؟

و أما تعريفها: فالعقلية: ما توقف وجود الشي‏ء عليها عقلا؛ كالعلة بالنسبة إلى‏

20

فالعقلية هي: ما استحيل واقعا وجود ذي المقدمة بدونه.

و الشرعية على ما قيل: ما استحيل وجوده بدونه شرعا، و لكنه لا يخفى: رجوع الشرعية إلى العقلية، ضرورة: إنه لا يكاد يكون مستحيلا شرعا إلّا إذا أخذ فيه شرطا و قيدا، و استحالة المشروط و المقيد بدون شرطه و قيده يكون عقليا.

و أما العادية: فإن كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة؛ بحيث‏

____________

المعلول. و المراد بالنسبة إلى الإرادة حيث يستحيل وجود المعلول، و المراد بدون وجود العلة و الإرادة.

و الشرعية: ما توقف وجود الشي‏ء عليها شرعا؛ كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، و الفرق بين هاتين المقدمتين: أن المقدمة العقلية يستحيل وجود ذيها بدونها تكوينا.

و المقدمة الشرعية يستحيل وجود ذيها جعلا و هو ما جعله الشارع شرطا للواجب.

و العادية: ما توقف وجود الشي‏ء عليها عادة كنصب السلم بالنسبة إلى الصعود على السطح، بحيث يمكن تحقق ذي المقدمة بدونها كالسحب بالحبل مثلا، إلّا إن العادة جرت على الصعود بواسطة السلم، و حاصل ما أفاده المصنف بعد التقسيم و التعريف هو:

رجوع الكل إلى العقلية.

و أما الشرعية: فلأن توقف وجود الشي‏ء عليها شرعا لا يكون إلّا بأخذها شرطا في المأمور به الواجب، و من البديهي: أن استحالة المشروط بدون شرطه عقلية. هذا معنى رجوع المقدمة الشرعية إلى العقلية.

و بعبارة أخرى: توقف وجود الواجب- بما أنه واجب- على وجود الشرط مما يحكم به العقل بعد أخذه شرطا.

و أما العادية فرجوعها: إلى العقلية؛ بمعنى دون معنى آخر.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة هي: أن المقدمة العادية تارة: تكون بمعنى: كون التوقف عليها بحسب الاعتياد مع إمكان وجود ذيها بدونها؛ نظير لبس الحذاء أو الرداء عند الخروج إلى الحوزة العلمية لحضور الدرس.

و أخرى: تكون بمعنى: أن التوقف عليها فعلا واقعي؛ لكنه باعتبار عدم إمكان غيره عادة لا عقلا؛ كتوقف الصعود على السطح على نصب السلم.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المقدمة العادية بالمعنى الأول خارجة عن المقسم؛ بمعنى: إنها لا تكون مقدمة حقيقة، و بالمعنى الثاني؛ و إن كانت داخلة في المقسم إلّا إنها ترجع إلى العقلية، و الدليل عليه: هو ضرورة: استحالة الصعود على السطح بدون مثل نصب السلم عقلا لغير الطائر فعلا، و إن كان الطيران على السطح ممكنا ذاتا.

21

يمكن تحقق ذيها بدونها، إلّا إن العادة جرت على الإتيان به بواسطتها، فهي (1) و إن كانت غير راجعة إلى العقلية، إلّا إنه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع، و إن كانت (2) بمعنى: أن التوقف عليها و إن كان فعلا واقعيا كنصب السلم و نحوه للصعود على السطح، إلّا إنه لأجل عدم التمكن من الطيران الممكن عقلا فهي أيضا راجعة إلى العقلية، ضرورة: استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطائر فعلا، و إن كان طيرانه ممكنا ذاتا. فافهم (3).

____________

(1) جواب الشرط في قوله: «فإن كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة» فهي أي: المقدمة العادية «و إن كانت غير راجعة إلى العقلية». وجه عدم رجوعها إلى العقلية هو: كون المقدمية بحسب العادة فقط، من دون توقف عليها وجودا؛ بحيث يمكن عادة تحقق ذي المقدمة بدونها، مثل: ما جرت العادة على لبس الرداء قبل الخروج من الدار، فهي مما لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع؛ لعدم التوقف الوجودي كي يترشح الوجوب إليها على القول بالملازمة.

(2) هذا معطوف على قوله: «فإن كانت ...» إلخ، أي: و إن كان المقدمة العادية بمعنى: ما أستحيل وجود ذي المقدمة بدونه عادة، و إن لم يكن مستحيلا عقلا؛ نظير نصب السلم للصعود على السطح، فهي أيضا راجعة إلى العقلية، فإن الصعود على السطح بلا نصب السلم لغير الطائر فعلا مستحيل عقلا و إن كان طيرانه ممكنا ذاتا.

و بعبارة أخرى: أن الممتنع واقعا «تارة»: يكون امتناعه لأمر برهاني عقلي؛ كالكون على السطح بدون طي المسافة، حيث إنه مترتب على الطفرة التي قام البرهان على امتناعها، «و أخرى»: لأمر طبيعي عادي كطيران الإنسان؛ فإن امتناعه إنما هو لعدم كون الجسم الثقيل بطبعه قابلا للطيران إلّا بقاسر خارجي من جناح أو قوة خارقة للعادة؛ فإنه ليس ممتنعا برهانا، لكنه بالقياس إلى عادم القاسر المزبور محال عقلا.

فالمراد بالمقدمة العادية: ما هو مقدمة لما يمتنع بدونها عادة، و إن لم يمتنع في نفسه عقلا؛ كامتناع الصعود على السطح بدون نصب السلم و غيره من أسباب الصعود، فإنه محال عادة و إن كان في نفسه ممكنا عقلا، فوجوده بدون السبب محال عقلا، فلا محالة ترجع المقدمة العادية إلى العقلية؛ لكون توقف الصعود على السطح لغير القادر فعلا على الطيران عقليا.

(3) لعله إشارة إلى منع رجوع المقدمة العادية إلى العقلية؛ لأن المناط في المقدمة العقلية هو: كون التوقف عقليا، و مع فرض إمكان الطيران عقلا لا يكون توقف الصعود على نصب السلم عقليا، بل يكون عاديا.

22

و منها: (1) تقسيمها إلى مقدمة الوجود، و مقدمة الصحة، و مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم.

____________

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

1- المقدمة: إما عقلية إن امتنع وجود ذي المقدمة بدونها عقلا؛ كالعلة بالنسبة إلى المعلول. و إما شرعية إن امتنع وجوده بدونها شرعا؛ كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة. و إما عادية إن امتنع وجوده بدونها عادة؛ كنصب السلم بالنسبة إلى الصعود.

2- رجوع الأخيرين إلى العقلية. أما الشرعية: فلأن توقف وجود الشي‏ء عليها شرعا لا يكون إلّا بأخذها شرطا في الواجب، و استحالة المشروط بدون شرطه عقلية. و أما رجوع العادية: فلأن نصب السلم مثلا من المقدمات العقلية للصعود بالنسبة إلى من لا يقدر على الطيران أو غيره.

3- أما رأي المصنف فهو: دخول المقدمة العقلية في محل النزاع، و كذلك الشرعية لرجوعها إليها. و أما العادية: فإن رجعت إلى العقلية فهي داخلة في محل النزاع؛ و إلّا فلا تكون مقدمة حقيقة.

(1) و من تقسيمات المقدمة؛ تقسيمها إلى أربعة أشياء و هي: مقدمة الوجود، و مقدمة الصحة، و مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم، فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأول: في تعريف كل واحدة منها.

المقام الثاني: في دخولها في محل النزاع.

و أما ملخص الكلام في المقام الأول فهو حسب ما يلي:

1- مقدمة الوجود هي: ما يتوقف عليها وجود الواجب، في الخارج مثل: قطع المسافة بالنسبة إلى الحج.

2- مقدمة الصحة هي: ما يتوقف عليها صحة الواجب مثل: الطهارة بالنسبة إلى الصلاة؛ فإن صحة الصلاة متوقفة على الطهارة، و بدونها لا تصح الصلاة.

3- مقدمة الوجوب هي: ما يتوقف عليها وجوب الواجب مثل: الاستطاعة بالنسبة إلى الحج.

4- مقدمة العلم هي: ما يتوقف عليها العلم بوجود الواجب مثل: غسل مقدار زائد من الوجه و اليدين في الوضوء ليعلم أنه أتى بالواجب حتما. هذا تمام الكلام في المقام الأول.

23

لا يخفى: رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود، و لو على القول بكون الأسامي موضوعة للأعم، ضرورة: أن الكلام في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمى بأحدها (1)، كما لا يخفى.

و لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع (2)، و بداهة (3) عدم‏

____________

[الفرق بين المقدمة الوجوب و مقدمة الوجود و مقدمة الصحة]

و أما المقام الثاني: فنقول: إنه لا إشكال في دخول مقدمة الوجود في محل النزاع، كما لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع.

و أما مقدمة الصحة فهي أيضا داخلة في محل النزاع؛ لأنها ترجع إلى مقدمة الوجود؛ «و لو على القول بكون الأسامي موضوعة للأعم».

و أما رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود- على القول بوضع الأسامي للصحيح- فواضح إذ بانتفاء مقدمة الصحة على هذا القول ينتفي الوجود من أصله؛ و ذلك فإن الكلام في مقدمة الواجب، و الواجب هو الصحيح ينتفي بانتفاء مقدمة الصحة.

و أما رجوعها إليها- على القول الأعمي-: فلأن مقدمة الصحة على هذا القول و إن لم تكن مقدمة لوجود الشي‏ء؛ لأن المسمى يتحقق بدونها، و لكن الكلام في هذا البحث إنما هو في مقدمة الواجب، و الواجب هو الصحيح فقط.

و من الواضح: توقف وجود الصحيح على مقدمة الصحة؛ و إن لم يتوقف وجود مسمى الصلاة عليها، و كيف كان؛ فكان مرجع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود، فتكون داخلة في محل النزاع. هذا ما أشار إليه بقوله: «لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود ...» إلخ.

(1) أي: المسمى بأحد الأسامي. و حاصل الكلام: أن الطهارة على القول الأعمي و إن كانت مقدمة للصحة و ليست مقدمة للوجود؛ إلّا إن الكلام إنما هو في مقدمة الواجب، و ليس العمل بدون الطهارة واجبا، فكانت الطهارة مقدمة لوجود ما هو الواجب.

(2) أي: وجه خروج مقدمة الوجوب عن النزاع هو: أن محل النزاع في وجوب المقدمة، و لا يمكن وجوبها قبل تحقق ذيها، و قبل اتصافه بالوجوب؛ لأن وجوب المقدمة يترشح من وجوب ذيها، و المفروض: إنه لا وجوب للواجب قبل تحقق مقدمة الوجوب، و أما بعد تحققها فلا معنى لترشح الوجوب إليها؛ لاستلزامه طلب الحاصل.

(3) قوله: «و بداهة ...» إلخ، عطف على «خروج ...» إلخ، و معنى العبارة حينئذ: لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع، و لا إشكال أيضا في بداهة عدم اتصاف المقدمة بالوجوب المقدمي المترشح من قبل الوجوب المشروط بهذه المقدمة؛

24

اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها، و كذلك المقدمة العلمية (1) و إن‏

____________

كالاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحج، فإنها لا تتصف بهذا الوجوب المقدمي؛ لأن الاستطاعة من قبيل جزء العلة لوجوب الحج، فهي متقدمة على الوجوب تقدم العلة على المعلول، فلا يعقل ترشح الوجوب عن المعلول على العلة؛ لأنه مستلزم لتحصيل الحاصل إن ثبت وجوب المقدمة من أمر خارج، أو تقدم الشي‏ء على نفسه إن أريد إثباته من نفس وجوب ذي المقدمة، و كلاهما محال؛ على ما في «منتهى الدراية، ج 2، ص 128» مع تصرف ما.

و بالجملة: أن مقدمة الوجوب خارجة عن محل النزاع؛ لأن الوجوب النفسي لا يتحقق إلّا بعد تحققها؛ نظير الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، و معه لا يعقل فرض ترشح الوجوب من ذيها عليها؛ للزوم طلب الحاصل.

(1) أي: المقدمة العلمية كمقدمة الوجوب أيضا خارجة عن حريم نزاع وجوب مقدمة الواجب، لأنها مما لا يتوقف عليها وجود الواجب واقعا، فإن الصلاة إلى كل جهة من الجهات المحتملة للقبلة لا تكون دخيلة في حصول نفس الواجب الواقعي، نعم؛ هي دخيلة في حصول ما هو واجب عقلا و هو حصول العلم بالامتثال، فتكون واجبة بالوجوب العقلي الإرشادي من باب وجوب الإطاعة لا الوجوب الشرعي المولوي من باب الملازمة؛ لعدم كونها مقدمة له، و لهذا يقول المصنف: «إلّا إنه من باب وجوب الإطاعة إرشادا» أي: إلّا إن الوجوب في مقدمة العلم عقلي محض من باب حكم العقل بدفع الضرر المترتب على مخالفة الواجب المنجز.

و المتحصل من جميع ما ذكرناه: أن المقدمة العلمية لا ربط لها بالمقام، و محل الكلام أصلا؛ و إنما هي عبارة عن حكم العقل بلزوم إتيان جميع المحتملات إرشادا إلى حصول الإطاعة و الامتثال، فانحصرت المقدمة المبحوث عنها في مقدمة الوجود.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)»

1- التقسيم الثالث للمقدمة هو تقسيمها إلى أربعة أشياء:

1- مقدمة الوجود. 2- مقدمة الصحة. 3- مقدمة الوجوب. 4- مقدمة العلم.

و الفرق بينها واضح.

2- لا إشكال في دخول مقدمة الوجود في محل النزاع، كما لا إشكال في خروج مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم عن محل النزاع.

أما وجه خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع: فلأن المقدمة التي يتوقف عليها

25

استقل العقل بوجوبها؛ إلّا إنه من باب وجوب الإطاعة إرشادا ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجّز؛ لا مولويا من باب الملازمة، و ترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذي المقدمة.

و منها (1): تقسيمها إلى المتقدم، و المقارن، و المتأخر، بحسب الوجود بالإضافة إلى ذي المقدمة، و حيث أنها كانت من أجزاء العلة، و لا بد من تقدمها بجميع أجزائها

____________

الوجوب قبل وجودها لا وجوب لذيها حتى يترشح منه الوجوب إليها، و بعد وجودها لا معنى لوجوبها للزوم طلب الحاصل.

و أما خروج مقدمة العلم عن محل النزاع: فلعدم كون ذيها- أعني: العلم- واجبا شرعيا حتى يترشح الوجوب منه إليها، فالوجوب فيها وجوب عقلي من باب حكمه بوجوب الإطاعة و الامتثال حذرا من عقوبة مخالفة الواجب.

و أما مقدمة الصحة: فهي داخلة في محل النزاع؛ لرجوعها إلى مقدمة الوجود حتى على القول بكون الأسامي موضوعة للأعم، لأن الكلام في مقدمات ما هو الواجب و هو أخص من الموضوع له، إذ الواجب إنما هو الصحيح دون الأعم. و أما على الصحيحي فرجوعها إلى مقدمة الوجود واضح.

3- رأي المصنف هو: دخول مقدمة الوجود، و مقدمة الصحة في محل النزاع؛ دون مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم.

تقسيم المقدمة إلى المتقدم و المقارن و المتأخر

(1) و من تقسيمات المقدمة: «تقسيمها إلى المتقدم»: كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، «و المقارن»: كالاستقبال لها، «و المتأخر»: كغسل الليلة الآتية بالنسبة إلى صوم اليوم الماضي، و هذا التقسيم الثلاثي تقسيم للشرط الذي هو أحد المقدمات؛ و هو على أقسام، و توضيح ما هو محل الإشكال من تلك الأقسام يتوقف على مقدمة و هي بيان أقسام الشرط و هي ثلاثة:

1- شرط المكلف به. 2- شرط التكليف. 3- شرط الوضع.

ثم كل واحد على ثلاثة أقسام:

1- أقسام شرط المكلف به:

1- الشرط المتقدم على المشروط كالطهارة للصلاة؛ بناء على أن المراد بالطهارة هي الغسلات الثلاث، و المسحات الثلاث؛ لا الطهارة المعنوية المسببة عنها، و إلّا فهي من الشرط المقارن.

26

على المعلول أشكل الأمر في المقدمة المتأخرة؛ كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة

____________

2- الشرط المقارن: كالستر، و الاستقبال للصلاة.

3- الشرط المتأخر: كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند جماعة؛ فإن المشروط- و هو صوم النهار السابق- مقدم وجودا على الأغسال الواقعة في الليلة المتأخرة. هذا تمام الكلام في أقسام شرط المكلف به.

2- أقسام شرط التكليف.

1- الشرط المتقدم على التكليف المشروط: كما لو قال المولى: إن جاءك زيد يوم الخميس فيجب عليك إطعامه في يوم الجمعة، فالشرط حاصل يوم الخميس و هو مجي‏ء زيد، و المشروط هو: وجوب الإطعام يحصل في يوم الجمعة.

2- الشرط المقارن: كالبلوغ، و العقل و نحوهما.

3- الشرط المتأخر: كما لو قال المولى: إن سافرت يوم الاثنين فتصدق قبله بيوم مثلا، فالشرط- و هو السفر- لاحق- و المشروط- و هو وجوب التصدق- سابق، هذا تمام الكلام في شرط التكليف.

3- أقسام شرط الوضع:

1- الشرط المتقدم: كما في شروط الوصية التمليكية؛ فإنه لو أوصى زيد بإعطاء بيته بعد موته إلى عمرو، ثم مات زيد بعد سنة؛ فحينئذ يتملّك عمرو البيت، و قد فصل بين العقد و هو شرط التملك و بين التملك سنة كاملة.

2- الشرط المقارن: كاشتراط الماضوية، و العربية، و التنجيز في العقود و الايقاعات؛ فإنها مقارنة مع الأثر الحاصل منها زمانا كالملكية و غيرها.

3- الشرط المتأخر: كالإجازة في العقد الفضولي؛ بناء على الكشف، فالملكية للمشتري حاصلة حين العقد بشرط الإجازة، و هي متأخرة عنها. هذا تمام الكلام في أقسام الشرط.

و أما المقتضي: فالظاهر أن له قسمين لا أكثر: المقارن، و المتقدم. و الأول: كالعقد في أغلب المعاملات؛ المقارن لحصول الأثر من النقل و الانتقال زمانا.

و الثاني: كالعقد في الوصية، لأنه سابق على حصول الأثر.

إذا عرفت هذه المقدمة. فاعلم: إنه لا إشكال في الشرط المقارن في جميع تلك الأقسام؛ و إنما الإشكال في الشرط المتأخر، و لكن المصنف لم يقتصر في الإشكال على الشرط المتأخر، بل أورده على الشرط المتقدم أيضا.

بدعوى: أن الشرط بما أنه من أجزاء العلة التامة فلا بد من أن يكون مقارنا مع المشروط زمانا، فكما لا يعقل أن يكون الشرط متأخرا عن المشروط فكذلك لا يعقل أن‏

27

صوم المستحاضة عند بعض، و الإجازة في صحة العقد على الكشف كذلك، بل (1) في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زمانا المتصرم حينه كالعقد في الوصية و الصرف و السلم (2)؛ بل (3) في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه لتصرمها (4) حين‏

____________

يكون متقدما عليه، فلا بد من أن يكون مقارنا للمشروط زمانا.

و من هنا قال المصنف «(قدس سره)»: «فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات».

توضيح ذلك: أنه يعتبر في العلة أن تكون موجودة حين وجود معلولها؛ بداهة: امتناع تأثير المعدوم في الوجود، فكما يمتنع تأثير الشي‏ء قبل وجوده؛ كما هو الحال في الشرط المتأخر، فكذلك يمتنع تأثيره بعد انعدامه كما هو الحال في الشرط المتقدم، و عليه: فلا يعقل تأثير الوصية في الملكية، لأنها معدومة حين الموت فيلزم تأثير المعدوم في الوجود.

فتلخص مما ذكرناه: أن إشكال عدم مقارنة أجزاء العلة للمعلول لا يختص بالمقدمة المتأخرة المعبّر عنها بالشرط المتأخر، بل يعم الشرط المتقدم؛ و ذلك لفقدان مقارنة أجزاء العلة زمانا للمعلول في كل من الشرط المتقدم و المتأخر، و لزوم تأثير المعدوم في الوجود، و انفكاك المعلول عن العلة زمانا في كليهما.

(1) أي: «بل» يشكل الأمر «في الشرط، أو المقتضي المتقدم على المشروط زمانا المتصرم» أي: المنقضي ذلك الشرط «حينه» أي: حين المشروط كالملكية للموصى له في عقد الوصية؛ فإنها تترتب على الموت مع انعدام العقد حينه.

(2) أي: أن الملكية في هذه الموارد مترتبة على الموت و القبض و التقابض مع انعدام العقد حينها.

(3) غرض المصنف «(قدس سره)» من قوله: «بل في كل عقد ...» إلخ هو: تعميم إشكال انخرام القاعدة العقلية- و هي: اعتبار مقارنة أجزاء العلة للمعلول زمانا- لكل عقد و لو غير الوصية التمليكية و الصرف و السلم.

توضيح ذلك: أن الإيجاب و القبول و أجزاءهما من الأمور التدريجية المتصرمة، فالجزء الأخير من القبول مقارن للأثر دون غيره من سائر أجزاء القبول، و جميع أجزاء الإيجاب.

و هذا ما أشار إليه بقوله: «بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه»، فإن تقييد الأجزاء بالغالب إنما هو لإخراج الجزء الأخير من القبول، لأنه مقارن للأثر.

(4) أي: لتصرم الأجزاء و انعدامها حين تأثير العقد، فهذا تعليل لتعميم الإشكال لكل عقد.

توضيح ذلك: أن أجزاء العقد متصرمة لكونها من الكلام الذي هو تدريجي الحصول؛ بحيث يتوقف وجود كل جزء منه على انعدام جزء آخر منه، و لذا لا يكون‏

28

تأثيره؛ مع ضرورة: اعتبار مقارنتها معه زمانا، فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات- كما اشتهر في الألسنة- بل يعم الشرط و المقتضي المتقدمين المتصرمين حين الأثر.

و التحقيق في رفع هذا الإشكال أن يقال: إن الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها لا يخلو: إما أن يكون المتقدم أو المتأخر شرطا للتكليف، أو الوضع، أو المأمور به.

____________

الموجود من أجزائه حين التأثير إلّا الجزء الأخير من القبول كما عرفت، فيلزم تأثير المعدوم في الوجود، أو تأخير المعلول عن العلة زمانا «مع ضرورة: اعتبار مقارنتها معه زمانا» أي:

اعتبار مقارنة أجزاء العقد مع الأثر زمانا ضروري.

قوله: «فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية ...» إلخ متفرع على الإضراب الذي أفاده بقوله: «بل في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط».

[الفرق بين الشرط الاصطلاحي و غيره‏]

فالمتحصل من جميع ما ذكرناه: إن إشكال عدم مقارنة أجزاء العلة للمعلول؛ لا يختص بالمقدمة المتأخرة المعبر عنها بالشرط المتأخر، بل يعم المتقدمة أيضا؛ لفقدان مقارنة أجزاء العلة زمانا للمعلول في كل من الشرط المتقدم و المتأخر، و لزوم تأثير المعدوم في الوجود، و انفكاك المعلول عن العلة زمانا في كليهما.

و كيف كان؛ فالإشكال يسري إلى كل عقد، و بهذه التسرية ألزم المصنف نفسه و غيره من الأعلام بحل الإشكال؛ لأن الالتزام به في هذه الموارد و نظائرها يستلزم فقها جديدا و أحكاما غريبة، إذ الإشكال لو كان يقتصر على الشرط المتأخر خاصة؛ لأمكن الالتزام به و نفي الشرط المتأخر، و توجيه ما ورد مما ظاهره ذلك لقلة موارده، أما بعد أن صار الإشكال ساريا في موارد كثيرة جدا فالالتزام به مشكل جدا، فلا بد من حله.

و قد أشار المصنف إلى حله بقوله: «و التحقيق في هذا الإشكال أن يقال ...» إلخ، و توضيح ما أفاده المصنف في مقام حل الإشكال يتوقف على مقدمة: و هي أن الشرط المتقدم أو المتأخر إما شرط للتكليف، أو للوضع، أو للمأمور به، فالأقسام ستة حاصلة من ضرب الاثنين- و هما المتقدم و المتأخر- في الثلاثة. أعني: التكليف، و الوضع، و المأمور به.

ثم الشرط على جميع التقادير المذكورة يتصور على نحوين: 1- الشرط الاصطلاحي و هو: ما يكون بوجوده الخارجي شرطا. 2- الشرط الغير الاصطلاحي و هو: ما يكون بوجوده العلمي شرطا لا بوجوده الخارجي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن الشرط في محل الكلام هو: ما يكون بوجوده العلمي شرطا و هو مقارن للمشروط في جميع الأقسام المذكورة، فلا مجال لإشكال‏

29

أما الأول (1): فكون أحدهما شرطا له ليس إلّا إن للحاظه دخلا في تكليف الآمر

____________

تقدّم الشرط على المشروط، أو تأخره عنه؛ سواء كان شرطا للتكليف، أو للوضع، أو للمأمور به.

أما الأول:- شرط التكليف- فلا يلزم تقدم الشرط على المشروط و لا تأخره عنه؛ في مثل ما إذا قال المولى: إن جاءك زيد يوم الخميس فيجب عليك إطعامه في يوم الجمعة، أو قال: إن سافرت يوم الاثنين فتصدق بدينار قبله بيوم، فالشرط في المثال الأول ليس هو نفس المجي‏ء السابق، و كذا في المثال الثاني، ليس هو نفس السفر اللاحق؛ حتى يقال:

بلزوم تقدم الشرط في المثال الأول، و تأخره في المثال الثاني، بل الشرط هو لحاظ المجي‏ء و تصوره في المثال الاول، و لحاظ السفر و تصوره في المثال الثاني.

و من البديهي: أن اللحاظ، و التصور مقارن للتكليف؛ أي: إيجاب الإطعام في المثال الأول، و إيجاب التصدق في المثال الثاني.

هذا معنى ما سبق في المقدمة من أن الشرط هو: ما كان بوجوده العلمي شرطا، فالشرط هو: لحاظه و تصوره لا وجوده العيني كما هو ظاهر إطلاق الشرط في سائر الموارد.

و الوجه و الدليل على ذلك: أن كل فعل اختياري- و منه التكليف- معلول للإرادة التي لا تتعلق بوجود شي‏ء إلّا لمصلحة موجبة لترجيح وجوده على عدمه، و تلك المصلحة تارة: تقوم بذات الشي‏ء فقط، و أخرى: به مضافا إلى غيره المقارن له، أو المتقدم عليه، أو المتأخر عنه، فلأجل دخل ذلك الغير في المصلحة الموجبة لترجيح الوجود على العدم يلاحظه المكلف- بالكسر- سواء كان ذلك الغير مقارنا، أو مقدما، أو مؤخرا، و من المعلوم: أن التصور مقارن للتكليف، و إنما المتقدم أو المتأخر هو: وجود الملحوظ خارجا لا نفس اللحاظ المفروض كونه شرطا، فلا تنخرم القاعدة العقلية و هي: استحالة انفكاك الأثر عن المؤثر، و تأثير المعدوم في الوجود، أو انفكاك العلة عن المعلول.

فالمتحصل من الجميع هو: أن الشرط هو اللحاظ لا الوجود الخارجي، و انخرام القاعدة العقلية إنما يلزم فيما إذا كان الشرط هو الثاني دون الأول؛ لوضوح: كون اللحاظ من الشرط المقارن، لا من الشرط المتقدم أو المتأخر.

[الجواب عن الإشكال في الشرط المتقدم و المتأخر]

(1) المراد بالأول: هو شرط الحكم تكليفيا كان أو وضعيا، فحينئذ المراد بالثاني: هو شرط المأمور به، و بعبارة واضحة: أن المراد بالأول هو: شرط التكليف و الوضع، «فكون أحدهما» أي: المتقدم أو المتأخر «شرطا له» أي: للتكليف «ليس إلّا إن للحاظه دخلا في تكليف الآمر» أي: أن الشرط هو لحاظ الشرط المتقدم أو المتأخر؛ لا الوجود الخارجي،

30

كالشرط المقارن بعينه، فكما أن اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا إن لتصوره (1) دخلا في أمره- بحيث لولاه (2) لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر- كذلك (3) المتقدم أو المتأخر.

و بالجملة: حيث كان الأمر من الأفعال الاختيارية كان من مبادئه (4) بما هو، كذلك تصور الشي‏ء بأطرافه ليرغب في طلبه و الأمر به، بحيث لولاه (5) لما رغب فيه، و لما أراده و اختاره، فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها (6) دخل في حصول الرغبة فيه و إرادته شرطا (7)؛ لأجل (8) دخل لحاظه في حصوله، كان مقارنا

____________

بمعنى: إن الوجود العيني للشرط المتقدم أو المتأخر ليس دخيلا في المشروط؛ حتى يستشكل بلزوم تأثير المعدوم في الموجود.

(1) أي: لتصور المقارن للتكليف دخل في أمر الآمر.

(2) بحيث لو لا تصور المقارن لم يكن للآمر داع إلى الأمر.

(3) قوله: «كذلك» معادل لقوله: «فكما أن اشتراطه»، فمعنى العبارة حينئذ: فكما أن اشتراط التكليف بما يقارنه زمانا كاشتراطه بالوقت ليس إلّا إن لتصور ما يقارن التكليف دخل في أمر الآمر؛ «كذلك المتقدم و المتأخر»، فإن الدخيل في الأمر هو لحاظها أي: وجودهما العلمي لا العيني.

(4) أي: كان من مبادئ الأمر «بما هو كذلك» أي: بما هو فعل اختياري «تصور الشي‏ء» أي: تصور المأمور به «بأطرافه» أي: المقدم منه، و المؤخر، و المقارن.

(5) أي: لو لا تصور الشي‏ء المأمور به لما رغب في ذلك الشي‏ء، و لما أراده و اختاره؛ لتوقف الإرادة على التصور المذكور.

و المتحصل من الجميع: أن الشرط في جميع أقسام الشرط هو اللحاظ أي: لحاظ الشرط المتقدم و المتأخر كما هو الأمر في الشرط المقارن و اللحاظ مقارن للمشروط.

(6) أي: لتصور الأطراف «دخل في حصول الرغبة فيه» أي: الرغبة في الطلب.

(7) قوله «شرطا» مفعول، «فيسمى» أي: فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في إرادة الشي‏ء شرطا لذلك الشي‏ء.

(8) اللام في قوله: «لأجل لحاظه» للتعليل، و متعلق بقوله: «فيسمى» أي: فيسمى كل ما لتصوره دخل في حصول الرغبة في الشي‏ء و إرادته «شرطا لأجل دخل لحاظه في حصوله»، أي: لأجل دخل لحاظ كل واحد في حصول الرغبة. و تذكير ضمير حصوله الراجع إلى الرغبة بتأويل الرغبة بالميل، و إلّا فالأولى تأنيث الضمير.

31

له (1) أو لم يكن كذلك (2)، متقدما أو متأخرا، فكما في المقارن (3) يكون لحاظه في الحقيقة شرطا، كان فيهما (4) كذلك فلا إشكال، و كذا الحال في شرائط الوضع‏

____________

(1) أي: كان وجود الملحوظ من تلك الأطراف خارجا مقارنا لحصول الرغبة، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه.

(2) أي: لم يكن مقارنا، بل كان متقدما أو متأخرا.

(3) أي: فكما في الشرط المقارن «يكون لحاظه» أي: يكون لحاظ المقارن في الحقيقة شرطا.

(4) أي: كان في الشرط المتقدم و المتأخر أيضا لحاظهما شرطا. فلا إشكال في الشرط المتقدم و المتأخر بالنسبة إلى التكليف؛ إذ المفروض: أن الشرط فيهما هو اللحاظ و هو مقارن للمشروط.

فحاصل ما أفاده المصنف في دفع الإشكال عن شرط التكليف: أن ما هو مأخوذ في التكليف شرطا مقارن له زمانا و هو لحاظ المتقدم أو المتأخر و وجودهما العلمي، و ما هو متقدم عليه أو متأخر عنه غير مأخوذ فيه، و هو وجودهما الخارجي، فلا يلزم انخرام القاعدة العقلية. هذا تمام الكلام في شرط التكليف، «و كذا الحال في شرائط الوضع» كالملكية و الزوجية و نحوهما من الأحكام الوضعية؛ أي: الحال في شرائط الأحكام الوضعية هو الحال في شرائط الأحكام التكليفية؛ في أن الشرط حقيقة في الحكم الوضعي هو اللحاظ أيضا، فعقد الفضولي الملحوظ معه الإجازة- و هي الشرط المتأخر- يؤثر في الملكية مثلا، و من البديهي: أن لحاظ الإجازة مقارن للملكية، فليس الشرط متأخرا.

و كيف كان؛ فالحال في شرائط الوضع هو نفس الحال في شرائط التكليف، من دون لزوم انخرام القاعدة العقلية فيهما؛ لأن الوضع كالملكية، و الزوجية، و الطهارة و النجاسة و نحوها؛ اعتبارات من المعتبر، و الاعتبار فعل اختياري ناشئ عن الإرادة؛ الناشئة عن تصور المصلحة، و ذلك يتحقق بعد تحقق الوجود العلمي للشرط؛ كما أشار إليه بقوله:

«فإن دخل شي‏ء في الحكم به» أي: بالوضع إلى أن قال: «ليس إلّا ما كان بلحاظه» أي:

بوجوده العلمي «يصح انتزاعه» أي: انتزاع الحكم الحكم الوضعي كالملكية، «و بدونه» أي بدون اللحاظ «لا يكاد يصح اختراعه عنده» أي: عند الحاكم، و محصل ما ذكره المصنف: أن وجود الشرط العلمي دخيل في الانتزاع؛ لا وجوده الخارجي حتى يقال:

بانفكاك الشرط عن المشروط.

فالمتحصل من الجميع: أن الشرط في التكليف هو: الوجود العلمي المتقدم، أو

32

مطلقا و لو كان مقارنا، فإن دخل شي‏ء في الحكم به و صحة انتزاعه لدى الحاكم به، ليس إلّا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه، و بدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده، فيكون دخل كل من المقارن و غيره بتصوره و لحاظه و هو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن؟ فتأمل (1) تعرف.

و أما الثاني (2): فكون شي‏ء شرطا للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به‏

____________

المتأخر، بل المقارن و هو مقارن مع المشروط زمانا، فالصلاة التي تلحظ بالإضافة إلى البلوغ، و العقل، و القدرة، و الحياة، تكون مأمورا بها و واجبة، فلحاظها مقارن مع المشروط الذي هو الوجوب، و كذا الحال في الوضع؛ لأن عقد الفضولي الملحوظ معه إجازة المالك يؤثر في الملكية، فلحاظ الإجازة يكون مع العقد المذكور دائما، فلا يلزم انخرام القاعدة العقلية في شي‏ء من شرائط الحكم التكليفي و الوضعي.

(1) أي: تأمل في المقام حتى تعرف حقيقة المراد. و يمكن أن يكون إشارة إلى أن ما ذكره المصنف من: أن الشرط في الحقيقة هو: التصور و اللحاظ لا يصح بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأنه منزه عن التصور و اللحاظ، و في المقام كلام طويل في تصحيح الشرط المتأخر، بل هنا أقوال، و قد تركنا الأقوال في تصحيح الشرط المتأخر، مع ما فيها من النقض و الإبرام رعاية للاختصار.

(2) أي: ما كان المتقدم أو المتأخر شرطا للمأمور به. و حق العبارة أن تكون هكذا:

و أما الثالث بدل قوله «و أما الثاني»؛ لأن مجرد ذكر القسم الثاني- و هو شرط الحكم الوضعي- في أثناء القسم الأول- أعني: شرط الحكم التكليفي لا يسوغ التعبير عن القسم الثالث بقوله: «و أما الثاني».

[أقسام قبح الأشياء و حسنها]

و كيف كان؛ فتوضيح ما أفاده المصنف في شرائط المأمور به يتوقف على مقدمة و هي: أن حسن الأشياء و قبحها على أقسام:

الأول: أن يكون كل واحد منهما ذاتيا: بأن يكون الشي‏ء علة تامة للحسن أو القبح مثل الإحسان، و الظلم، حيث يكون الحسن ذاتيا للإحسان، و القبح ذاتيا للظلم.

الثاني: أن يكون الشي‏ء مقتضيا للحسن أو القبح؛ كالصدق و الكذب، فإن الصدق مقتض للحسن، و الكذب مقتض للقبح، و الفرق بين هذا القسم الثاني و القسم الأول هو: أن كل واحد من الحسن و القبح لا ينفك عن الشي‏ء في القسم الأول؛ بخلاف القسم الثاني فإن الحسن ينفك عن الصدق، كما أن القبح ينفك عن الكذب؛ فيما إذا كان الصدق سببا لقتل مؤمن، و الكذب سببا لنجاة مؤمن من القتل.

33

بالإضافة إليه وجه و عنوان؛ به يكون حسنا، أو متعلقا للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك، و اختلاف الحسن و القبح و الغرض باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الإضافات؛ مما لا شبهة فيه و لا شك يعتريه، و الإضافة كما تكون إلى المقارن؛ تكون إلى المتأخر، أو المتقدم بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى على المتأمل، فكما تكون إضافة شي‏ء إلى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان، يكون بذلك العنوان حسنا و متعلقا للغرض، كذلك إضافته إلى متأخر أو متقدم، بداهة: أن الإضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا، فلولا حدوث المتأخر في محله، لما كانت للمتقدم تلك الإضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه و الأمر به، كما هو الحال في المقارن أيضا، و لذلك أطلق‏

____________

الثالث: أن يكون حسن الشي‏ء و قبحه بالوجوه و الاعتبارات؛ بأن لا يكون الشي‏ء علة للحسن و القبح و لا مقتضيا لهما؛ بل كان الاتصاف بهما بالوجوه و الاعتبارات؛ بأن يكون حسنا بوجه و اعتبار، و قبيحا باعتبار آخر؛ كضرب اليتيم مثلا؛ فإنه حسن إذا كان للتأديب، و قبيح إذا كان للتشفّي.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن حسن المأمور به في محل الكلام من القسم الثالث؛ فإن شرط المأمور به يكون دخيلا في حصول الإضافة من الإضافات المحصلة لعنوان يكون المأمور به لأجله حسنا، و متعلقا للأمر؛ سواء كانت تلك الإضافة إضافة التقارن؛ كإضافة الصلاة إلى الاستقبال، أو التقدم؛ كإضافتها إلى الوضوء قبلها، أو التأخر؛ كإضافة صوم المستحاضة إلى الغسل الواقع في الليلة المستقبلة، فإطلاق الشرط على المتقدم أو المتأخر إنما هو لأجل كون كل واحد منهما طرفا للإضافة، و الشرط حقيقة هو نفس الإضافة التي تكون مقارنة للمشروط دائما، فلا تقدم و لا تأخر في الشرط، حتى يلزم انخرام القاعدة العقلية.

فالمتحصل من الجميع: أن معنى كون شي‏ء شرطا للمأمور به ليس إلّا كونه دخيلا في صيرورة المأمور به معنونا بعنوان به يكون حسنا و متعلقا للإرادة، و كما يمكن أن يصير الشي‏ء بسبب إضافته إلى أمر مقارن معنونا بعنوان به يكون حسنا و متعلقا للإرادة، فكذلك يمكن أن يصير بسبب إضافته إلى أمر متقدم أو متأخر معنونا فعلا بعنوان حسن؛ موجب لإرادته و الأمر به، لأن اختلاف العناوين باختلاف الإضافات؛ كاختلاف الحسن و القبح باختلاف العناوين مما لا شك فيه مثل الكذب الذي بنفسه قبيح، و لكنه إذا أضيف إلى خلاص المؤمن من الظالم فهو حسن، و لم يأت هذا الحسن إلّا من إضافته لخلاص المؤمن.

34

عليه الشرط مثله، بلا انخرام للقاعدة أصلا؛ لأن (1) المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس إلّا طرف الإضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن.

و قد حقق في محله: أنه بالوجوه و الاعتبارات، و من الواضح: أنها (2) تكون بالإضافات، فمنشأ توهم الانخرام: إطلاق الشرط على المتأخر، و قد عرفت (3): أن إطلاقه (4) عليه فيه- كإطلاقه على المقارن- إنما يكون لأجل كونه طرفا للإضافة الموجبة للوجه الذي يكون بذاك الوجه مرغوبا و مطلوبا، كما كان في الحكم لأجل دخل تصوره (5) فيه؛ كدخل تصور سائر الأطراف و الحدود التي لو لا لحاظها لما حصل‏

____________

(1) قوله: «لأن المتقدم ...» إلخ تعليل لعدم انخرام القاعدة العقلية.

و حاصل ما أفاده المصنف: أن الشرط المتأخر أو المتقدم للمأمور به؛ ليس و نفس المتأخر أو المتقدم المعدومين حين وجود المشروط المأمور به؛ حتى يقال: بأنه يستلزم تأثير المعدوم المتأخر أو المتقدم في المأمور به، و يلزم تأخر الشرط الذي هو جزء العلة عن المشروط، أو تقدمه عليه زمانا، بل الشرط هو: الوصف المنتزع عن إضافة المأمور به إلى ذلك المتقدّم أو المتأخّر، و من المعلوم: مقارنة هذا الوصف للمأمور به زمانا، فلا يرد إشكال تأخر الشرط أو تقدمه عن المأمور به.

(2) أي: الوجوه و الاعتبارات «تكون بالإضافات».

(3) أي: و قد علمت عند قولنا: «و الإضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخر ...» إلخ.

(4) أي: إطلاق الشرط على المتأخر في شرط المأمور به كإطلاقه على المقارن؛ «إنما يكون لأجل كون المتأخر طرفا للإضافة ...» إلخ. فالمتقدم أو المتأخر ليس مؤثرا إلّا في الإضافة فقط، و حيث أنها خفيفة المئونة فلا بأس بكون المتأخر أو المتقدم سببا لانتزاع عنوان حسن أو قبيح؛ يوجب تعلق الغرض به أمرا أو زجرا، فإطلاق الشرط على نفس المتأخر مسامحة، و هذا الإطلاق صار منشأ لتوهم انخرام القاعدة العقلية في الشرط المتأخر للمأمور به.

(5) أي: كما كان إطلاق الشرط في الحكم التكليفي و الوضعي لأجل دخل تصور ذلك المتأخر أو المتقدم في الحكم التكليفي أو الوضعي، فدخلهما في الحكم كدخل سائر الأطراف و الحدود التي لو لا لحاظها- حين إرادة الحكم- لما حصل له الرغبة في التكليف، أو لما صح عنده الوضع؛ كالحكم بالملكية مثلا، فإنه لا يصح إلّا بعد لحاظ جميع ما له دخل في العقد الموجب لذلك؛ من بلوغ المتعاقدين، و رضاء المالك و غيرهما.

35

له الرغبة في التكليف، أو لما صح عنده الوضع. و هذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإشكال في بعض فوائدنا (1)، و لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم. فافهم و اغتنم.

و لا يخفى: أنها (2) بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع، و بناء على الملازمة

____________

و كيف كان؛ فالشرط في الحقيقة هو: إضافة خاصة للمأمور به، و الإضافة مقارنة مطلقا للمأمور به؛ بمعنى: أن الشي‏ء لا يكون متعلقا للأمر إلّا إذا كان معنونا بعنوان حسن، يستلزم تعلق الأمر به، و من الواضح: أن اختلاف الحسن و القبح إنما هو باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الإضافات، فالشي‏ء باعتبار إضافة خاصة يكون ذا وجه به يتصف بالحسن.

و عليه: فالذي يكون دخيلا في تعلق الأمر و صيرورة الشي‏ء مأمورا به هو نفس إضافة ذات المأمور به إلى أمر آخر بإضافة خاصة؛ لا نفس الأمر، الآخر الذي يكون طرف الإضافة، و على هذا فشرطية شي‏ء للمأمور به مرجعها إلى كون إضافة المأمور به إليه محصلة لوجه يوجب اتصافه بالحسن، فمرجعها إلى دخالة إضافة المأمور به في تعلق الأمر، و تأثيرها فيه، و من المعلوم: أنه كما تكون إضافة شي‏ء إلى أمر مقارن له موجبة لتعنونه بعنوان حسن به يكون متعلقا للأمر؛ كذلك يمكن أن تكون إضافته إلى أمر متقدم عليه، أو متأخر عنه؛ موجبة لذلك فالتأثير في الحقيقة في جميع ذلك إلى الإضافة، و هي الشرط حقيقة، و هي مقارنة للمأمور به مطلقا، أما نفس الأمر المقارن أو المتقدم أو المتأخر: فإطلاق الشرط عليه باعتبار أنه طرف الإضافة لا غير؛ لا باعتبار أنه الشرط حقيقة كي يتوهم استلزام ذلك تأثير المعدوم في الموجود في مورد الشرط المتأخر أو المتقدم.

فالمتحصل من الجميع: أن الشرط في الحقيقة أمر مقارن للمشروط- سواء كان الحكم أو المأمور به- و إطلاق الشرط على الأمور المتأخرة و المتقدمة، بل المقارنة بلحاظ نوع من العلاقة و الارتباط بينها، و بين ما هو الشرط حقيقة، و المؤثر في الواقع. كما في «منتقى الأصول ج 2، ص 111» مع تصرف منا.

قوله: «و لم يسبقني إليه أحد فيما أعلم» كأنه افتخار منه على ما أفاده في بعض فوائده. «فافهم» إشارة إلى الدقة لكونه مسبوقا باغتنم.

(1) فوائد الأصول، ص 57، فائدة في تقدم الشرط على المشروط.

[دخول شرائط المأمور به بجميع أقسامها في محل النزاع‏]

(2) أي: شرائط المأمور به «بجميع أقسامها» أي: متقدمة كانت أو مقارنة أو متأخرة داخلة في محل النزاع؛ يعني: هل إنها واجبة أم لا؟ لاشتراك الجميع في المناط و هو:

36

يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن و السابق، إذ بدونه (1) لا تكاد تحصل الموافقة، و يكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعى بإتيانه (2)، فلولا اغتسالها (3) في الليل- على القول بالاشتراط- لما صح الصوم في اليوم.

____________

التوقف و المقدمية، فبناء على الملازمة يتصف اللاحق منها بالوجوب، كما يتصف المقارن و السابق.

(1) أي: بدون اللاحق لا تحصل الموافقة؛ فقوله: «إذ بدونه ...» إلخ تعليل لاتصاف الشرط المتأخر بالوجوب لوجود المناط فيه.

(2) أي: مراعى بإتيان الشرط؛ سواء كان سابقا أو لا حقا أو مقارنا.

(3) أي: فلولا اغتسال المستحاضة في الليل- الذي تقدم الصوم عليه في النهار على القول بالاشتراط بالغسل- لما صح الصوم في اليوم المنقضي المتقدم. فالغسل في الليلة الآتية من الشرط المتأخر، و بدونه يبطل الصوم؛ لعدم انطباق المأمور به على فاقد الشرط.

و قوله: «فلولا» متفرع على وجوب الشرط المتأخر.

و المتحصل من الجميع: أن شرائط المأمور بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع. أما شرائط التكليف و الوضع فهي خارجة عن محل النزاع.

و أما خروج شرائط التكليف: فلعدم تعقل ترشح الوجوب على شرائطه، لتأخره عنها.

و أما شرائط الوضع: فلعدم الوجوب أصلا حتى يقع النزاع في وجوب مقدماته.

خلاصة البحث مع رأي المصنف «(قدس سره)» يتلخص البحث في أمور:

1- من تقسيمات المقدمة: تقسيمها إلى ما تكون متقدمة زمانا على ذيها، و ما تكون متأخرة عنه، و ما تكون مقارنة له، فمن أمثلة المتقدمة هو: العقد في الوصية، و الصرف، و السلم، بل غالب الأجزاء من كل عقد.

و من أمثلة المتأخرة: أغسال الليلة الآتية المعتبرة- عند بعض- في صحة صوم المستحاضة في اليوم السابق، و مثلها الإجازة المتأخرة في عقد الفضولي بناء على الكشف.

ثم إنه ربما يستشكل في المقدمة المتأخرة بتقريب: أن المقدمة من أجزاء العلة، فلا بد من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول، و على هذا، فكيف تتصور مقدمية الأمر المتأخر؟

بل يرد الإشكال في الشرط و المقتضي المتقدمين زمانا المتصرمين حين الأثر أيضا؛ كالعقد في الوصية، بل غالب الأجزاء في كل عقد.

37

2- الجواب عن الإشكال المذكور يتوقف على مقدمة و هي: أن الموارد التي توهم فيها انخرام القاعدة العقلية لا تخلو عن أقسام ثلاثة؛ فإن كل واحد من المتقدم أو المتأخر إما أن يكون شرطا للتكليف؛ كالاستطاعة لوجوب الحج، أو كالقدرة مثلا، أو لأمر وضعي كالإجازة في الفضولي، أو للمأمور به؛ كالأغسال الليلية في صوم المستحاضة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المتقدم أو المتأخر ليس بوجوده الخارجي شرطا للتكليف، و إنما الشرط هو لحاظه و هو مقارن للتكليف.

و كذلك الحال في شرائط الوضع، فإن الأمور الوضعية كالملكية مثلا لمّا كانت أمورا اعتبارية و انتزاعية فيمكن دخالة أمور متأخرة في اعتبارها و انتزاعها، و ليس معنى ذلك إلّا إن للحاظ هذه الأمور دخلا في اعتبارها، فالملكية مثلا إنما يعتبرها الشارع و العقلاء بعد لحاظهم تحقق الإجازة و لو في زمان متأخر، و أما شرائط المأمور به: فمعنى كون شي‏ء شرطا له ليس إلّا كونه دخيلا في صيرورة المأمور به معنونا بعنوان؛ به يكون حسنا و متعلقا للإرادة، و كما يمكن أن يصير الشي‏ء بسبب إضافته إلى أمر مقارن معنونا بعنوان به يكون حسنا و متعلقا للإرادة؛ فكذلك يمكن أن يصير بسبب إضافته إلى أمر متقدم أو متأخر معنونا بعنوان حسن موجب لإرادته و الأمر به.

فالشرط في الحقيقة ليس هو المتأخر أو المتقدم المعدومين عند تحقق المشروط حتى يقال: بانخرام القاعدة العقلية؛ بل الشرط هو الوصف المنتزع عن إضافة المأمور به إلى المتقدم أو المتأخر؛ و ذلك الوصف مقارن للمأمور، فلا يلزم تقدم الشرط أو تأخره عن المأمور به.

3- شرائط المأمور به بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع؛ بخلاف شرائط التكليف و الوضع فهي خارجة عن محل النزاع. أما خروج شرائط التكليف: فلعدم ترشح الوجوب على شرائطه لتأخره عنها. و أما شرائط الوضع: فلعدم الوجوب أصلا حتى يقع النزاع في وجوب مقدماته.

4- رأي المصنف:

هو: دخول جميع أقسام المقدمة في محل النزاع؛ أي: من دون فرق بين المقارن و المتقدم و المتأخر، فيحكم بوجوب الجميع على تقدير الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها. هذا تمام الكلام في خلاصة البحث.

38

الأمر الثالث في تقسيمات الواجب:

(1)

منها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط، و قد ذكر لكل منهما تعريفات و حدود، تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود، و ربما أطيل الكلام بالنقض و الإبرام في النقض على الطرد و العكس، مع إنها- كما لا يخفى- تعريفات لفظية لشرح الاسم، و ليست بالحد و لا بالرسم.

____________

(1) بعد ما فرغ المصنف «(قدس سره)» عن تقسيمات مقدمة الواجب شرع في تقسيمات الواجب و هي متعددة:

التقسيم الأول: تقسيمه إلى المطلق و المشروط، و في هذا التقسيم يبحث عن جهات:

و نذكرها إجمالا قبل تفصيل البحث عنها. فنقول:

الجهة الأولى: فيما ذكر لكل من المطلق و المشروط من تعريفات.

الجهة الثانية: في كون هذه التعاريف حقيقية أو لفظية.

الجهة الثالثة: في أن الظاهر من كلام الأصوليين هو: أن وصفي الإطلاق و الاشتراط وصفان إضافيان لا حقيقيان.

الجهة الرابعة: في رجوع القيد إلى مفاد الهيئة أعني: الوجوب، و تقييد الوجوب به، أو إلى المادة أعني: الواجب.

و أما تفصيل الكلام في الجهة الأولى فنقول: إنه قد ذكر لكل منهما تعاريف. منها:

ما أفاده صاحب الفصول تبعا للسيد عمود الدين من: أن الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على أمر زائد على الشرائط العامة المعتبرة في التكليف؛ من البلوغ، و العقل، و القدرة؛ كالصلاة مثلا حيث إن وجوبها بعد حصول الشرائط العامة لا يتوقف على شي‏ء، و الواجب المشروط ما يتوقف وجوبه بعد الشرائط العامة على شي‏ء آخر؛ كالحج فإن وجوبه بعد الشرائط العامة مشروط بالاستطاعة.

و منها: ما عن التفتازاني و المحقق الشريف و المحقق القمي: من أن الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده؛ كالصلاة حيث إن وجودها صحيحا يتوقف على الطهارة، و لا يتوقف وجوبها عليها؛ إذ هي واجبة على المكلف سواء كان مع الطهارة أو بدونها.

و الواجب المشروط حينئذ هو: ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده؛ كالحج مثلا حيث إن وجوبه يتوقف على الاستطاعة، كما إن وجوده في الخارج يتوقف عليها أيضا.

39

و منها: ما عن بعض- أي: صاحب الفصول أيضا- من: أن الواجب المطلق ما لا يتوقف تعلقه بالمكلف على أمر غير حاصل، و يقابله المشروط و هو: ما يتوقف تعلقه بالمكلف على أمر غير حاصل؛ فيصح أن يقال: إذا استطعت يجب عليك الحج، و لا يصح أن يقال: إذا توضأت تجب عليك الصلاة.

[عدم اصطلاح جديد في لفظ المطلق و الشروط]

و أما تفصيل الكلام في الجهة الثانية: فإن حاصل ما أفاده المصنف «(قدس سره)» هو:

أن هذه التعاريف لفظية، و ليست بحقيقية؛ لأنها ليست مطّردة و لا منعكسة أي: ليست مانعة الأغيار، و لا جامعة الأفراد.

أما عدم كونها مانعة الأغيار: فلانتقاض تعريف كل واحد منهما بالآخر؛ و ذلك أن وجوب الصلاة يتوقف على ما يتوقف عليه وجودها، و كذلك وجوبها يتوقف على أمر زائد على الشرائط العامة مثل الوقت؛ لأنه ما لم يتحقق الوقت لم يتحقق وجوبها، و لا وجودها صحيحا.

و الحال: أن الصلاة لا تخرج عن كونها واجبا مطلقا؛ سواء تحقق الوقت أم لم يتحقق، فينطبق تعريف الواجب المشروط على الصلاة بالإضافة إلى الوقت حسب التعريف الأول و الثاني، كما أنه ينطبق تعريف الواجب المطلق على الحج بالنسبة إلى قطع الطريق، مع إن الصلاة لا تخرج عن كونها واجبا مطلقا، و الحج لا يخرج عن كونه واجبا مشروطا.

أما عدم كونها جامعة الأفراد- حسب التعريف الثاني- فلأن هذا التعريف للمشروط لا يشمل مثل الحج مما يتوقف وجوبه على ما لا يتوقف عليه وجوده؛ ضرورة: أن وجود الحج لا يتوقف على الاستطاعة الشرعية؛ لإمكان تحققه بدونها أي: مع الفقر، فلا ينعكس حد المشروط، إذ ليس جامعا للأفراد، و لهذا يقول المصنف: إن التعريفات المذكورة تعريفات لفظية؛ فلا مجال حينئذ للنقوض المذكورة في الكتب على تعريفات الواجب المطلق و المشروط؛ لأنهم ليسوا بصدد تحديدهما حتى يرد النقض عليها طردا و عكسا، و إنما هم كانوا في مقام شرح الاسم المقصود به معرفة المعنى في الجملة؛ كتعريف سعدانة بأنها نبت.

ثم إطلاق المطلق على الواجب المطلق، و إطلاق المشروط على الواجب المشروط إنما هو بما لهما من المعنى العرفي و اللغوي، و ليس للأصوليين اصطلاح خاص فيهما، كما أشار إليه بقوله: «و الظاهر إنه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق‏

40

و الظاهر: أنه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق و المشروط؛ بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي، كما أن الظاهر: أن وصفي الإطلاق و الاشتراط وصفان إضافيان لا حقيقيان، و إلّا لم يكد يوجد واجب مطلق، ضرورة: اشتراط وجوب كل واجب ببعض الأمور، لا أقل من الشرائط العامة كالبلوغ، و العقل (1).

____________

و المشروط»؛ بل يطلق كل من المطلق و المشروط بما له من المعنى العرفي؛ و هو: كون الوجوب مطلقا يعني غير منوط بشي‏ء. هذا في الواجب المطلق، و كونه منوطا به في الواجب المشروط.

فالمتحصل: أنه ليس لهم اصطلاح جديد حتى يقال: إنهم اختلفوا في تعريف كل منهما؛ بل هم بصدد شرح الاسم؛ و بيان المعنى العرفي، فلا معنى للنقض و الإبرام.

و أما تفصيل الكلام في الجهة الثالثة:- أعني كون كل من وصفي الإطلاق و الاشتراط وصفين إضافيين لا حقيقيين- فهي ما أشار إليه بقوله: «كما أن الظاهر: أن وصفي الإطلاق و الاشتراط وصفان إضافيان لا حقيقيان» بمعنى: أنه يمكن أن يكون شي‏ء واحد بالإضافة إلى شي‏ء مطلقا، و بالإضافة إلى الآخر مقيدا و مشروطا؛ مثل وجوب الصلاة مثلا فإنه مطلق بالإضافة إلى الطهارة، و مشروط بالإضافة إلى الزوال و دخول الوقت، و كذلك وجوب الحج فإنه مطلق بالإضافة إلى السير و قطع المسافة، و مشروط بالإضافة إلى الاستطاعة.

فهذا دليل واضح على أن الإطلاق و الاشتراط أمران إضافيان؛ إذ لو لم يكن كل واحد منهما كذلك- بأن كانا حقيقيين- لم يكد يوجد هناك واجب مطلق من جميع الجهات، و لا واجب مشروط كذلك، كما أشار إليه بقوله: «و إلّا لم يكد يوجد واجب مطلق» أي: و إن لم يكن الوصفان إضافيين؛ بأن كانا حقيقيين لم يكن وجه للبحث عن الواجب المطلق أصلا، إذ لم يوجد هناك واجب مطلق من جميع الجهات، و لا واجب مشروط كذلك؛ إذ ليس في الواجبات الشرعية ما يكون مشروطا بكل شي‏ء، و لا مطلقا بالإضافة إلى كل شي‏ء.

(1) أي: أن كل واجب مشروط بالنسبة إلى الشرائط العامة و هي أربعة: القدرة، و العلم، و العقل، و البلوغ.

و أما تفصيل الكلام في الجهة الرابعة:- و هي النزاع المعروف بين الشيخ الأنصاري و غيره من الأعلام- فهو: أن القيود المأخوذة في لسان الأدلة هل هي ترجع إلى مفاد الهيئة أو إلى المادة.

41

فالحري (1) أن يقال: إن الواجب مع كل شي‏ء يلاحظ معه، إن كان وجوبه غير مشروط به، فهو مطلق بالإضافة إليه، و إلّا فمشروط كذلك، و إن كانا بالقياس إلى شي‏ء آخر كانا بالعكس.

ثم الظاهر (2): أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه، أن نفس الوجوب فيه‏

____________

(1) و قبل تفصيل البحث في الجهة الرابعة نذكر ما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 2، ص 42» من توضيح عبارة المتن: «فالحري أن يقال: إن الواجب مع كل شي‏ء يلاحظ معه» أي: أن الواجب مع كل شي‏ء من مقدماته الذي يلاحظ الواجب معه «إن كان وجوبه غير مشروط به»؛ بأن كان المولى يريد الواجب على كل حال «فهو مطلق بالإضافة إليه» أي: إلى ذلك الشي‏ء؛ أعني: المقدمة، «و إلا» أي: و إن لم يكن كذلك- بأن كان وجوب الواجب بشرط وجود تلك المقدمة- «فمشروط كذلك» أي: بالإضافة إلى تلك المقدمة، و إن كان كل من الواجبين المطلق بالإضافة و المشروط بالإضافة «بالقياس إلى شي‏ء آخر» من المقدمات «بالعكس».

فالمطلق مشروط، و المشروط مطلق، فالصلاة بالإضافة إلى الطهارة واجب مطلق، و الحج بالإضافة إلى الزاد مشروط، و إن كانت الصلاة بالإضافة إلى شي‏ء آخر كالوقت مشروطا، و الحج بالإضافة إلى شي‏ء آخر كالسير مطلقا.

[رجوع القيد إلى الواجب دون الوجوب عند الشيخ «(قدس سره)»]

(2) هذا الكلام من المصنف توطئة لبيان النزاع بين الشيخ الأنصاري، و بين غيره من الأعلام- و المصنف منهم- و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة: و هي: أن للأمر مثلا هيئة تفيد الوجوب، و مادة هي متعلق الوجوب، فإذا قيد الأمر بقيد كان حتما ظرف الفعل في زمان حصول ذلك الشرط.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مبنى الشيخ «(قدس سره)» على أن القيد يرجع إلى المادة، و الهيئة تبقى على إطلاقها، فالوجوب في الحال، و إنما الواجب متأخر، فإذا قال: «حج إن استطعت» وجب على المكلف في الحال الحج الواقع بعد الاستطاعة.

و أما على مبنى المصنف و غيره من الأعلام: فالقيد يرجع إلى مفاد الهيئة، و المادة تتقيد بتبع مفادها، فالوجوب كالواجب متأخر فلا يجب في الحال، و إنما يجب الحج بعد الاستطاعة.

و هذا ما أشار إليه المصنف بقوله: «إن الواجب المشروط كما أشرنا إليه، أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط» أي: تقدم في كلامه الإشارة إلى الواجب المشروط حيث قال: «ضرورة: اشتراط وجوب كل واجب ببعض الأمور»، و قال أيضا: «إن كان وجوبه غير مشروط فهو مطلق بالإضافة إليه، و إلّا فمشروط كذلك».

42

مشروط بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقة، و لا طلب واقعا قبل حصول الشرط، كما هو ظاهر الخطاب التعليقي (1)، ضرورة: أن ظاهر خطاب «إن جاءك زيد فأكرمه» كون الشرط من قيود الهيئة (2)، و أنّ طلب الاكرام و إيجابه معلق على المجي‏ء (3)، لا أن الواجب فيه (4) يكون مقيدا به، بحيث يكون الطلب و الإيجاب في الخطاب فعليا و مطلقا، و إنما الواجب يكون خاصا و مقيدا، و هو الإكرام على تقدير المجي‏ء، فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة (5) «أعلى الله مقامه»، مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة (6) واقعا، و لزوم كونه من قيود

____________

(1) أي: ظاهر الخطاب التعليقي هو: كون نفس الوجوب مشروطا.

وجه الظهور: هو أن المعلق على الشرط هو الجزاء؛ كوجوب الإكرام المعلق على المجي‏ء في قوله: «إن جاءك زيد فأكرمه»، فيكون الشرط قيدا لهيئة الجزاء التي وضعت للنسبة الطلبية، فالوجوب المستفاد من الهيئة معلق على الشرط، فقبل حصوله لا وجوب أصلا.

(2) أي: من قيود الهيئة الجزائية كما هو رأي المصنف، لا من قيود المادة كما نسب إلى الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»؛ لأن أكرم عند التحليل: «وجوب الإكرام».

و من البديهي: أنه لو قيل وجوب الإكرام مشروط بالمجي‏ء يفهم منه: أن المضاف أي:

لفظ الوجوب مقيد و مشروط بالمجي‏ء؛ لا أن المضاف إليه أعني: لفظ الإكرام مقيد به.

(3) أي: لو لا المجي‏ء لا إيجاب و لا وجوب.

(4) أي: ليس الشرط من قيود المادة، بأن يكون الواجب في الطلب مقيدا بالشرط كما يقول الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»؛ حيث يكون الواجب خاصا أعني: مخصوصا بزمان المجي‏ء و هو الإكرام على تقدير المجي‏ء في المثال المذكور على رأي الشيخ «(قدس سره)».

(5) نسبه إلى الشيخ الأعظم: صاحب مطارح الأنظار. راجع ج 1، ص 236.

(6) أي: فقد وقع الكلام بين الأعلام في إمكان الواجب المشروط؛ بمعنى: إمكان رجوع القيد إلى الوجوب، و تقييد الوجوب به؛ بحيث لا يتحقق إلّا بعد تحققه. و عمدة الأقوال فيه قولان:

أحدهما: ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» على ما في التقريرات: من عدم إمكان رجوع القيد إلى الوجوب، و إنما هو راجع إلى الواجب، فالوجوب فعلي مطلق؛ كما أشار إليه المصنف بقوله: «مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا، و لزوم‏

43

المادة لبا، مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية أنه من قيود الهيئة ظاهرا.

____________

كونه من قيود المادة لبا».

و ثانيهما: ما التزم به المصنف تبعا للمشهور من: إمكان رجوع القيد إلى الوجوب، و تعليق تحققه على الشرط.

و حاصل ما نسب إلى الشيخ الأنصاري يرجع إلى دعويين: دعوى استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة، و دعوى لزوم رجوعه إلى المادة لبا مع اعترافه بأن مقتضى القواعد العربية هو رجوع القيد إلى الهيئة في الجملة الشرطية لا إلى المادة.

و قد استدل الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» على ما ذهب إليه بوجهين‏ (1):

الوجه الأول:- و هو الدليل على الدعوى الأولى-: أن مفاد الهيئة معنى حرفي غير قابل للإطلاق و التقييد؛ لأن التقييد من شأن المفاهيم القابلة للسعة و الضيق، و الحرف موضوع للمعنى الجزئي الحقيقي، و من البديهي: أن الجزئي غير قابل للتقييد، فيمتنع رجوع القيد إلى مفاد الهيئة؛ لعدم قابليته للتقييد، فإن ما هو قابل له هو المعنى الكلي حيث يصدق على حصص متعددة، فيكون قابلا للإطلاق و التقييد. هذا ما أشار إليه المصنف بقوله: «أما امتناع كونه من قيود الهيئة» إلى أن قال: «فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب- الذي يدل عليه الهيئة- فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة»، فيكون الوجوب حينئذ مطلقا، و حاليا، و الواجب مقيدا و استقباليا.

الوجه الثاني- و هو الدليل على الدعوى الثانية: و هي ما أشار إليه بقوله: «و أما لزوم كونه من قيود المادة لبا»- هو شهادة الوجدان بعدم اشتراط الوجوب و الطلب في شي‏ء من الموارد.

توضيح ذلك بعد تقديم مقدمة و هي: أن الإنسان العاقل إذا توجه إلى شي‏ء إما أن يتعلق به طلبه باعتبار اشتماله على المصلحة الداعية للأمر، أو لا يتعلق به طلبه، أما الفرض الثاني: فهو خارج عن محل الكلام، و أما الفرض الأول: فهو على قسمين:

أحدهما: أن يتعلق به الطلب بلا قيد لترتب المصلحة عليه بلا تعليق على شي‏ء؛ كما إذا طلب الماء مطلقا.

و ثانيهما: أن يتعلق به مع قيد و خصوصية كما إذا طلب الماء بقيد البرودة و الصفاء و هذا القسم يتصور على وجهين:

أحدهما: أن يكون القيد غير اختياري؛ كالبلوغ، و الوقت المقيد بهما الصلاة.

____________

(1) راجع: مطارح الأنظار، ج 1، ص 237.

44

أما امتناع كونه من قيود الهيئة: فلأنه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة؛ حتى يصح القول بتقييده بشرط و نحوه، فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب- الذي يدل عليه الهيئة-، فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة.

و أما لزوم كونه (1) من قيود المادة لبّا: فلأن العاقل إذا توجه إلى شي‏ء و التفت إليه، فإما أن يتعلق طلبه به، أو لا يتعلق به طلبه أصلا، لا كلام على الثاني.

و على الأول: فإما أن يكون ذاك الشي‏ء موردا لطلبه و أمره مطلقا على اختلاف طوارئه، أو على تقدير خاص، و ذلك التقدير تارة يكون من الأمور الاختيارية (2)، و أخرى: لا يكون كذلك (3)، و ما كان من الأمور الاختيارية قد يكون مأخوذا فيه (4) على نحو يكون موردا للتكليف، و قد لا يكون كذلك (5)، على اختلاف الأغراض‏

____________

ثانيهما: أن يكون القيد اختياريا؛ كالاستطاعة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن التقييد في جميع هذه الأقسام و الصور راجع إلى المادة، فالقيد سواء كان اختياريا أو غير اختياري قيد للمادة؛ و هو الواجب لا الوجوب و هو مفاد الهيئة، فرجوع القيد إلى المادة أمر وجداني يلتفت إليه كل أحد، و يجده من نفسه، و بهذين الوجهين استدل الشيخ الأنصاري على ما ذهب إليه من عدم رجوع القيد إلى الهيئة، و رجوعه إلى المادة.

(1) قوله: «و أما لزوم كونه»- أي: الشرط من قيود المادة- إشارة إلى الدليل على الدعوى الثانية؛ بمعنى: أنه بعد امتناع رجوع القيد إلى الهيئة يتعين رجوعه إلى المادة.

(2) أي: كالطهارة للصلاة، و الاستطاعة للحج.

(3) أي: لا يكون من الأمور الاختيارية؛ كالوقت بالنسبة إلى الصلاة.

(4) أي: الأمر الاختياري قد يكون مأخوذا في الطلب «على نحو يكون موردا للتكليف»؛ بحيث يتوجه التكليف إلى الفعل حال تحقق ذلك الأمر الاختياري؛ كالصلاة بالنسبة إلى الطهارة، فيجب تحصيل ذلك الأمر الاختياري من باب المقدمة للواجب المطلق.

(5) أي: و قد لا يكون الأمر الاختياري موردا للتكليف؛ كالاستطاعة لمن تمكن من تحصيلها، فإنها لم تقع موردا للتكليف، فلا يتوجه التكليف إلى المقدمة؛ بل يجب الإتيان بالواجب على تقدير حصول المقدمة و هو الواجب المشروط.

ثم اختلاف وقوع شي‏ء مطلقا أو مقيدا ناشئ من اختلاف الأغراض الداعية إلى‏

45

الداعية إلى طلبه و الأمر به، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد، و القول بعدم التبعيّة كما لا يخفى.

هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل (1) المقرر لبحثه بأدنى تفاوت، و لا يخفى ما فيه (2).

أما حديث عدم الإطلاق في مفاد الهيئة (3)، فقد حققناه سابقا: أن كل واحد من‏

____________

ذلك؛ بمعنى: أنه ربما يكون الغرض طلبه مطلقا و ربما يكون مشروطا. و لا فرق في اختلاف وقوع شي‏ء مطلقا أو مقيدا بين القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و القول بعدم التبعية، فكما أنه بناء على التبعية يكون الوجوب حاليا و القيد راجعا إلى المادة؛ كذلك بناء على عدم التبعية، و مذهب الأشعري فإنه يقول: بأن تصور الفعل علة تامة للميل إلى الأمر و الطلب مطلقا، أو مقيدا بشي‏ء.

نعم؛ على القول بالتبعية يكون الاختلاف المزبور ناشئا من اختلاف المصالح و الأغراض.

و كيف كان؛ فقالت العدلية: بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد؛ فإن اللّه تعالى لا يفعل و لا يأمر و لا ينهى إلّا لغرض و فائدة؛ نظرا إلى أن الفعل بلا غرض و فائدة عبث، و العبث قبيح، و القبيح يستحيل عليه تعالى.

و قالت الأشاعرة: بعدم تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد؛ بل جوّزوا عليه تعالى أن يفعل أو يأمر أو ينهى بغير غرض و فائدة؛ نظرا إلى أن الفعل بلا غرض و فائدة عبث، و العبث قبيح، و القبيح يستحيل عليه تعالى.

و قالت الأشاعرة: بعدم تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد؛ بل جوّزوا عليه تعالى أن يفعل أو يأمر أو ينهى بغير غرض و فائدة؛ بتوهم: أن الفعل لغرض و فائدة من شأن الناقص المستكمل بذلك الغرض و الفائدة، و هو «تبارك و تعالى» كامل لا نقص فيه، غفلة عن أن النقص إنما يلزم إذا كان النفع عائدا إليه تعالى، و أما إذا كان عائدا إلى غيره فلا يوجب ذلك نقصا فيه تعالى.

(1) أي: و هو العلامة الميرزا أبو القاسم النوري؛ كما في «منتهى الدراية» ج، 2 ص 163.

[إشكال المصنف على استدلال الشيخ‏]

(2) أي: ما في استدلال الشيخ الأنصاري من الإشكال.

(3) هذا جواب عن الاستدلال بالوجه الأول؛ و هو: الدليل على الدعوى الأولى.

و حاصل جواب المصنف عن الوجه الأول هو: أن مفاد الهيئة و إن كان معنى حرفيا؛ إلّا إن المعنى الحرفي لا يختلف عن المعنى الاسمي في كونه مفهوما كليّا، و إن اختلف معه في كيفية الوضع و نحوه، فكما أن المعنى الاسمي يقبل التقييد لقابليته للسعة و الضيق؛ كذلك المعنى الحرفي لما حققه المصنف في المعاني الحرفية؛ من اشتراكهما في‏

46

الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف يكون عاما كوضعها، و إنما الخصوصية من قبل الاستعمال كالأسماء، و إنما الفرق بينهما أنها وضعت لتستعمل و قصد بها المعنى بما هو هو، و الحروف (1) وضعت لتستعمل و قصد بها معانيها بما هي آلة و حالة لمعاني المتعلقات، فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى؛ بل من مشخصات الاستعمال كما لا يخفى على أولي الدراية و النّهى. فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق قابل لأن يقيد؛ مع إنه لو سلم أنه فرد (2) فإنما يمنع عن‏

____________

المفهومية التي هي موضوع الإطلاق و التقييد، فيكون المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي كليا قابلا للإطلاق و التقييد.

فكل من الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف عام، و الخصوصية تنشأ من ناحية الاستعمال؛ فيمتنع دخلها في الموضوع له، كما أشار إليه بقوله: «و إنما الخصوصية ...» إلخ.

و بالجملة: أن المعنى الحرفي كلي قابل للتقييد؛ كالمعنى الاسمي، فلا مانع حينئذ من رجوع القيد إلى الهيئة لكون معناها كليا لا جزئيا حقيقيا، و يصح أن يقال: «إن جاءك زيد فأكرمه»، و يراد منه: أن الطلب عند المجي‏ء ثابت لإكرام زيد.

(1) أي: غاية ما يقال في الفرق بين الاسم و الحرف هو: أن الاسم وضع ليراد معناه بما هو هو، و الحرف وضع ليراد معناه حالة لغيره، و اللحاظان خارجان عن المعنى، فلا يكون معناهما جزئيا ذهنيا. فإن لحاظ الآلية في الحروف كلحاظ الاستقلالية في الأسماء إنما هو من مشخصات الاستعمال، لا من خصوصيات المعنى، و من طوارئه، و لوازمه كما لا يخفى على أولى الدراية و النهى.

(2) هذا هو الجواب الثاني عن الوجه الأول، و حاصل ما أفاده المصنف من الجواب عن الوجه الأول:

ثانيا: أننا لو سلمنا أن الهيئة مستعملة في الفرد من الطلب فنقول: إن الفرد لا يقبل التقييد إذا أنشئ أولا مطلقا، ثم أريد تقييده، فهذا الفرد لا يمكن تقييده عقلا؛ لأن الفرد بمجرد الإنشاء يتشخص بتشخص خاص، و لا يعقل انقلاب الشخص المنشأ مطلقا إلى الشخص المقيد، هذا بخلاف ما إذا أنشئ من أول الأمر مقيدا بحيث يلاحظ القيد و المقيد فيصبّ عليهما الإنشاء مرة واحدة، فالممتنع هو الأول دون الثاني.

و بعبارة أخرى: أن التقييد على قسمين: أحدهما: إيجاد شي‏ء مقيدا و مضيقا؛ نظير ضيق فم الركية. و الآخر: تضييق ما أوجد موسعا، و المقام نظير القسم الأول.

47

التقييد لو أنشئ أولا غير مقيد، لا ما إذا أنشئ من الأول مقيدا، غاية الأمر: قد دل عليه بدالين، و هو غير إنشائه أولا، ثم تقييده ثانيا، فافهم (1).

فإن قلت: على ذلك (2)؛ يلزم تفكيك الإنشاء من المنشأ، حيث لا طلب قبل حصول الشرط.

قلت: المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله؛ فلا بد أن لا يكون قبل‏

____________

و كيف كان؛ فملخص الجواب: أن الطلب الخاص الذي هو مفاد الهيئة لم يقيد بشي‏ء بعد إنشائه بالصيغة حتى يقال: إن الجزئي غير قابل للتقييد؛ بل أنه أنشئ مقيدا؛ بمعنى: أن المتكلم تصور الطلب بجميع خصوصياته المقصودة ثم أنشأه بالهيئة مقيدا بالخصوصية و هي الشرط، فالشرط قرينة تدل على الخصوصية، و الصيغة تدل على الطلب المطلق، فيكون من باب تعدد الدال و المدلول، كما أشار إليه المصنف بقوله: «قد دل عليه بدالين» أي: دل على المقيد بدالين: الأول: الهيئة: الثاني: الشرط، فلا محذور في هذا التقييد أصلا.

(1) لعله إشارة إلى أن المعنى الحرفي- على مذهب الشيخ الأنصاري- بذاته جزئي حقيقي؛ لا أنه كلي، و إنما جزئيته من ناحية الإنشاء، فلا إطلاق له في حد ذاته حتى يصح إنشاؤه مقيدا.

أو إشارة إلى أنه لو سلم أن الطلب إذا أنشئ أولا مطلقا فلا يقبل التقييد بعد، فما ذا يقال في مثل: أكرم زيدا إن جاءك؟ بحيث أخّر الشرط عن الطلب، و لم يقل إن جاءك زيد فأكرمه، فإن الطلب حينئذ قد أنشئ أولا مطلقا، فكيف يقيد بالشرط بعد؟ فينحصر الجواب الذي لا يرد عليه الإشكال في الجواب الأول و هو: أن المعنى الحرفي كلي قابل للتقييد.

[الإشكال على رجوع القيد إلى الهيئة]

(2) أي: على ما ذكرت من كون الشرط قيدا للهيئة و الطلب المستفاد منها: «يلزم تفكيك الإنشاء من المنشأ»، و هذا الاعتراض على المصنف دليل آخر أي: دليل ثالث على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري؛ من رجوع القيد إلى المادة لا إلى الهيئة.

توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: الإنشاء و المنشأ كالإيجاد و الوجود، و العلة و المعلول؛ في استحالة الانفكاك بينهما، فكما لا ينفك الوجود عن الإيجاد، و المعلول عن العلة؛ فكذلك لا ينفك المنشأ عن الإنشاء؛ لأن الإنشاء علة للمنشإ هذا من ناحية، و من ناحية أخرى: أن تقييد المنشأ- و هو مفاد الهيئة- يرجع إلى تقييد الإنشاء.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه على تقدير كون الشرط قيدا للهيئة- كما هو رأي المصنف لا قيدا للمادة كما هو رأي الشيخ- يلزم انفكاك الإنشاء زمانا عن المنشأ؛ لأن‏

48

حصوله طلب و بعث، و إلّا لتخلف عن إنشائه و إنشاء أمر على تقدير كالإخبار به (1) بمكان من الإمكان، كما يشهد به الوجدان، فتأمل جيدا.

____________

الطلب لا يحصل إلّا بعد حصول شرطه حسب الفرض، و المفروض: أن الإنشاء حالي، و المنشأ- و هو الطلب- استقبالي، فينفك الإنشاء عن المنشأ، و هو مستحيل؛ لاستحالة انفكاك المعلول عن العلة؛ لأن الإنشاء علة للمنشإ، فحينئذ لا محيص عن رجوع الشرط إلى المادة كما هو رأي الشيخ الأنصاري.

و قد أجاب عن هذا الاعتراض بقوله: «قلت: المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله ...» إلخ.

و توضيح ما أفاده المصنف من الجواب يتوقف على مقدمة و هي: أن الإنشاء- و إن كان علة للمنشإ- إلّا إنه ليس علة تامة في جميع الموارد؛ بل قد يكون علة تامة كإنشاء الوجوب للصلاة مثلا على نحو مطلق و بلا قيد، فلا يلزم الانفكاك أصلا لحصولهما فعلا. و قد يكون علة ناقصة؛ بأن يكون الإنشاء جزء العلة، و جزؤها الآخر هو الشرط؛ كإنشاء الوجوب للحج بشرط الاستطاعة.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا يلزم الانفكاك على الأول، و أما على الثاني: و إن كان يلزم ذلك إلّا إنه مما لا محذور فيه؛ لورود الإنشاء على المقيد بشرط، فحصوله بمجرد الإنشاء مستلزم للخلف، فشأن الإنشاء حينئذ هو شأن الإرادة في أنه إذا تعلقت بشي‏ء متأخر فلا يقع المراد قبله، و إلّا يلزم الخلف و كذا الإنشاء؛ فإذا تعلق بشي‏ء مقيد بأمر متأخر فلا يقع المنشأ قبله.

(1) أي: كالإخبار بأمر على تقدير «بمكان من الإمكان»؛ أي: فكما لا يوجب تعليق المخبر به- في قولك: إن جاء زيد يكرمه عمرو- تعليقا في الإخبار؛ فكذلك تعليق المنشأ لا يوجب تعليقا في الإنشاء، فتوهم: كون المنشأ و الإنشاء كالإيجاد و الوجود التكوينيين غير قابلين للتعليق، و أن تعليق المنشأ يسري إلى الإنشاء فاسد؛ لعدم صحة قياس المنشأ و الإنشاء بالإيجاد و الوجود، بل الإنشاء نظير الإخبار؛ لا الإيجاد التكويني، فالإنشاء لأمر على تقدير كالإخبار به على تقدير بمكان من الإمكان، «كما يشهد به» أي:

بإمكان إنشاء أمر على تقدير أمر «الوجدان»؛ كإنشاء تمليك معلق على الموت في الوصية التمليكية مثلا.

و قيل: كان الأولى على المصنف تبديل- الوجدان- بالدليل؛ لأن ترتب الأثر في موارد تخلف المنشأ عن الإنشاء زمانا إنما هو بالدليل الشرعي، لا الوجدان، إلّا إن يريد بالوجدان حكم العقلاء و العرف بذلك، غاية الأمر: أن الشرع أمضاه.

49

و كيف كان؛ فقد يقال: إن قياس الإنشاء بالإخبار قياس مع الفارق؛ بناء على ما هو نظرية المشهور من أن الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، فيكون الإنشاء و المنشأ نظير الإيجاد و الوجود، فلا يمكن تخلف المنشأ عن الإنشاء، كما لا يتخلف الوجود عن الإيجاد.

و أما بناء على ما هو نظرية الأستاذ السيد الخوئي «(قدس سره)»؛ من أن الإنشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج بمبرز من قول أو فعل: فيصح قياس الإنشاء بالإخبار في صحة التعليق، و يندفع الإشكال المذكور من أصله؛ إذ يمكن أن يكون الاعتبار حاليا، و المعتبر أمرا متأخرا، كاعتبار وجوب الصوم على زيد غدا، فالتفكيك بين الاعتبار و المعتبر- و إن كان يلزم- إلّا إنه لا محذور فيه، و لا يقاس ذلك بالتفكيك بين الإيجاد و الوجود في التكوينيات، و يشهد لما ذكرناه صحة الوصية التمليكية، فلو قال الموصي: هذه الدار لزيد بعد وفاتي؛ فلا شبهة في تحقق الملكية للموصى له بعد وفاته، مع إن الاعتبار فعلي، و من البديهي: أن هذا ليس إلّا من ناحية أن الموصي اعتبر فعلا الملكية للموصى له في ظرف الوفاة. و من هنا لم يستشكل أحد في صحة تلك الوصية حتى من القائلين برجوع القيد إلى المادة دون الهيئة.

قوله: «فتأمل جيدا» لعله إشارة إلى إشكال و جواب. و أما تقريب الإشكال فيقال: إن المنشأ إذا كان بعد حصول الشرط يلزم تأثير المعدوم في الموجود؛ لأن الإنشاء حين وجود الشرط معدوم.

و أما الجواب: فأوّلا: بالنقض، و هو أن المنشأ إذا كان بعد حصول الشرط المتقدم يلزم تأثير المعدوم في الموجود؛ إذ المفروض: أن الشرط المتقدم أيضا جزء من العلة، فلولاه لم يكن وجوب.

و ثانيا: بالحل، و هو: أن المنشأ أمر اعتباري، فيصح أن يكون منشؤه متقدما كما تقدم بيانه في تصوير الشرط المتأخر هذا تمام الكلام في الجواب عن الدليل الأول للشيخ.

و أما الجواب عن دليله الثاني و هو: حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبّا؛ فقد أشار إليه بقوله «ففيه: أن الشي‏ء إذا توجه إليه و كان موافقا للغرض ...» إلخ.

و حاصل ما أجاب المصنف عن الدعوى الثانية للشيخ الأنصاري- و هي: لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبّا- هو: صحة رجوع الشرط إلى الهيئة، و عدم امتناعه، بلا فرق بين القول بتبعية الأحكام لما في أنفسها من المصالح و المفاسد، و بين القول بتبعيتها لما في متعلقاتها من المصالح و المفاسد على ما عليه الأكثر.

50

توضيح ذلك بعد تقديم مقدمة و هي: أن الأحكام- على ما هو الحق عند العدلية- تابعة للمصالح و المفاسد؛ إما في نفس الأحكام، أو في متعلقاتها، ثم تلك المصالح تارة:

لا يكون حصولها مشروطا بشرط، و أخرى: يكون حصولها مشروطا بشرط.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إن حال الطلب النفساني الذي يظهر و ينقدح في نفس الطالب و الآمر كحال الإرادة، فإن الإنسان إذا راجع وجدانه و التفت إلى شي‏ء فقد لا يريده أصلا، و قد يريده على كل حال و تقدير، و قد يريده على تقدير دون تقدير، و حال دون حال، بل الطلب هو نفس الإرادة على ما سبق في بحث اتحاد الطلب و الإرادة.

ثم وجه اختلاف الطلب و الحكم إطلاقا و تقييدا: أن الإنسان قد يتوجه إلى شي‏ء فيتعلق به طلبه النفساني لأجل ما فيه من المصلحة، و لكن ربما يمنعه المانع عن إنشاء الطلب المطلق الحالي، فيضطر الإنسان إلى إنشاء طلب مشروط بشرط مترقب الحصول المقارن لزوال المانع ثبوتا لتحصيل تلك المصلحة.

هذا ظاهر بناء على تبعية الأحكام للمصالح في متعلقاتها.

و أما بناء على تبعية الأحكام للمصالح في نفس الأحكام: فالأمر أوضح و أظهر؛ لأنه كما تكون المصلحة في الحكم المطلق بلا قيد؛ فكذا تكون المصلحة في الحكم المشروط.

الأول: كوجوب الصلاة بالإضافة إلى الطهارة. الثاني: كوجوب الحج بالإضافة إلى الاستطاعة؛ إلّا إن الحكم الفعلي قد يتخلف عن المصلحة التامة الكاملة على كلا القولين- هما تبعية الأحكام للمصالح في متعلقاتها أو في أنفسها- كما في موارد قيام الأمارات، أو الأصول العملية على خلاف الأحكام الواقعية الموجب لسقوطها عن الفعلية.

و الحال: أن المصالح في متعلقاتها محفوظة. و كما في بعض الأحكام في أول البعثة، فكم من واجب فيه مصلحة تامة، و الحكم كان مجعولا في الواقع على طبق المصلحة؛ و مع ذلك كان للنبي «(صلى اللّه عليه و آله)» مانع عن إنفاذه و إظهاره. و مقام البحث من هذا القبيل؛ بمعنى: أنه قد يكون الشي‏ء فيه مصلحة تامة، و يتبعها الحكم الواقعي، و لكن يمنع وجود المانع الآمر عن إنشاء الطلب المطلق الفعلي، فحينئذ ينشئ الطلب المشروط الثابت على تقدير شرط متوقع الحصول المقارن لزوال المانع؛ خوفا من أن لا يتمكن من الجعل و الإيجاد المطلق عند زوال المانع، فينشئ الطلب من الآن مشروطا بشرط، و مقيدا بقيد حتى يصير الحكم فعليا عند حصول الشرط بنفسه؛ بلا حاجة إلى خطاب جديد آخر.

51

[لزوم رجوع القيد إلى المادة لبا]

و أما حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبّا ففيه: أن الشي‏ء إذا توجه إليه، و كان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها، كما يمكن أن يبعث فعلا إليه و يطلبه حالا، لعدم مانع عن طلبه، كذلك يمكن أن يبعث إليه معلقا، و يطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول لأجل مانع عن الطلب و البعث فعلا قبل حصوله، فلا يصح منه إلّا الطلب و البعث معلقا بحصوله، لا مطلقا و لو متعلقا بذاك على التقدير، فيصح منه طلب الإكرام بعد مجي‏ء زيد، و لا يصح منه الطلب المطلق الحالي للإكرام المقيد بالمجي‏ء، هذا بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح.

و أما بناء على تبعيتها للمصالح و المفاسد في المأمور به، و المنهي عنه فكذلك، ضرورة: أن التبعية كذلك إنما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية، لا بما هي فعلية.

فإن المنع عن فعلية تلك الأحكام غير عزيز، كما في موارد الأصول و الأمارات على خلافها، و في بعض الأحكام في أول البعثة، بل إلى يوم قيام القائم «(عجل الله فرجه)»، مع إن حلال محمد «(صلى اللّه عليه و آله)» حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة

(*)

؛ و مع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الأحكام باقيا مرّ الليالي و الأيام؛ إلى أن تطلع شمس الهداية و يرتفع الظلام، كما يظهر من الأخبار المروية عن الأئمة «(عليهم السلام)»

(**)

.

____________

و محصل الجميع: أن الأحكام الشرعية ليست جزافية بضرورة من مذهب العدلية، بل كل واحد من الأوامر و الأحكام قد صدر عن الشارع؛ إما من جهة كون متعلقه مشتملا على مصلحة ملزمة أريد إيصالها إلى العبد، و حينئذ فقد يرى المولى أن الفعل الكذائي على إطلاقه- و بأي وجه حصل مشتمل- على المصلحة أو الحكم الكذائي‏

____________

(*) بصائر الدرجات، ص 148، ح 7. و في الكافي، ج 1، ص 58، ح 19 عن الصادق «(عليه السلام)»: «حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، و حرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة».

(**) و قد وردت روايات كثيرة توضح تفرد القائم ببعض الأحكام؛ لعدم وجود المانع من إظهارها، منها: ما في البحار، ج 52، ص 325، ح 39: قال أبو عبد اللّه «(عليه السلام)»:

«دمان في الإسلام حلال من الله «عزّ و جل» لا يقضي فيهما أحد بحكم الله «عزّ و جل» حتى يبعث الله القائم من أهل البيت، فيحكم فيهما بحكم الله «عزّ و جل»؛ لا يريد فيه بينة: الزاني المحصن يرجمه، و مانع الزكاة يضرب رقبته».

52

كذلك، فلا محالة يأمر به على نحو المطلق أو ينشئ الحكم كذلك.

و قد يرى أن الفعل الكذائي أو الحكم الكذائي حال كون كل واحد يكون مقيدا بقيد، مشتملا على المصلحة لا مطلقا؛ فلا محالة يأمر به على نحو المقيد، أو ينشئ الحكم كذلك. و إما من جهة كون متعلقة مشتملا على مفسدة ملزمة؛ فنهي المولى يكون دافعا عن تلك المفسدة.

توضيح بعض العبارات طبقا لما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج 2، ص 51»:

«أن الشي‏ء إذا توجه» المولى «إليه و كان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة»؛ كما يقوله العدلية، «أو غيرها» من مطلق الجهة الموجبة للطلب- كما يقوله الأشعري- «كما يمكن أن يبعث فعلا إليه و يطلبه حالا» من غير تقييد بشرط «لعدم مانع عن طلبه» فعلا؛ «كذلك يمكن أن يبعث إليه معلقا» بحصول الشرط- إلى أن قال- «فلا يصح منه» أي: من المولى «إلّا الطلب و البعث معلقا بحصوله لا مطلقا» أي: لا يصح الطلب المطلق «و لو» كان هذا الطلب المطلق «متعلقا بذاك» الشي‏ء المأمور به «على التقدير» أي: تقدير حصول الشرط، أي: يلزم الطلب المقيّد حينئذ، و لا يصح الطلب المطلق و لو كان منصبا على المادة المقيدة، «فيصح منه طلب الإكرام» المقيد بكونه «بعد مجي‏ء زيد، و لا يصح منه الطلب المطلق الحالي للإكرام المقيد» هذا الطلب «بالمجي‏ء. هذا بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها» أي: في نفس الأحكام. «في غاية الوضوح»؛ لوضوح: إمكان كون المصلحة في الإطلاق، و إمكان كونها في التقييد بأن يكون هناك مانع عن الإطلاق مثلا.

«و أما بناء على تبعيتها للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهي عنها» أي: في متعلق الأحكام «فكذلك» في غاية الوضوح؛ و إن كان ربما يتوهم أنه بناء على ذلك يستقيم ما ذكره الشيخ «(رحمه اللّه)»؛ من كون القيود راجعة إلى المادة.

و تقريره: أن الحكم تابع للمتعلق و هو حسن أو قبيح بحسب ذاته؛ فلا معنى لمنع المانع، لكن هذا توهم فاسد؛ «ضرورة: أن التبعية كذلك» للمصلحة في المتعلق «إنما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية؛ لا» أن التبعية لمصلحة المتعلق في الأحكام «بما هي فعلية»، بل الأحكام الفعلية تابعة لما فيها من المصالح، و عليه: فقد يمنع من فعلية الطلب مانع، فلا يكون الحكم فعليا، بل معلقا فلا يتم مدعى الشيخ «(رحمه اللّه)»، و مما يدل على جواز تقييد الفعلية بوجودات متأخرة أمور ثلاثة، فقد أشار المصنف إلى الأول‏

53

فإن قلت: (1) فما فائدة الإنشاء؟ إذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليا و بعثا حاليا.

قلت (2): كفى فائدة له أنه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط، بلا حاجة إلى‏

____________

منها بقوله: «كما في موارد الأصول و الأمارات على خلافها» أي: خلاف الأحكام الواقعية، فإن مصلحة التسهيل أو غيره مانعة عن فعلية الحكم الواقعي. و إلى الثاني:

بقوله: «و في بعض الأحكام في أول البعثة»، فإنها لم تكن فعلية لعدم استعداد المكلفين، و قد أشار النبي «(صلى اللّه عليه و آله)» في بعض الأخبار إلى ذلك. و إلى الثالث: بقوله:

«بل إلى يوم قيام القائم (عجل الله فرجه)»، فإنها بعد ظهوره تكون فعلية بعد ما لم تكن، فهذه الأمور الثلاثة شواهد على تقييد الأحكام الفعلية بما هي فعلية؛ لا الأحكام الواقعية بما هي واقعية.

(1) هذا الاعتراض من المصنف على نفسه دليل رابع للشيخ «(رحمه اللّه)» القائل برجوع القيد إلى المادة.

و حاصل هذا الاعتراض: أن كون الإنشاء حاليا مع كون المنشأ استقباليا- كما هو مقتضى رجوع القيد إلى الهيئة- عديم الفائدة؛ فيلزم أن يكون الإنشاء لغوا لعدم فائدة فيه؛ إذ المفروض: ترتب المنشأ- و هو مفاد الهيئة- على الشرط الذي لم يحصل بعد، فالوجوب حينئذ لم يكن فعليا فيكون الطلب لغوا؛ لأن المشروط لا يتحقق إلّا بعد تحقق شرطه؛ مثلا: إذا كان وجوب ذهاب زيد إلى دار عمرو مقيدا بطلوع الشمس؛ كان أمر المولى في الليل له بالذهاب كذلك لغوا؛ لعدم وجه لكون الأمر مشروطا بشرط، مع تمكن المولى من الأمر المطلق عند حصول الشرط؛ بأن يأمره بذلك في المثال المذكور بعد طلوع الشمس.

(2) حاصل جواب المصنف عن لغوية الإنشاء المشروط لعدم فائدة فيه: إنه ليس الإنشاء المذكور بلا فائدة، بل له فائدتان: الفائدة الأولى: ما أشار إليه بقوله: «كفى فائدة له أنه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط ...» إلخ.

و ملخص الكلام في الفائدة الأولى هو: عدم الحاجة إلى إنشاء جديد بعد حصول الشرط؛ بل يصير الطلب و البعث فعليا بعد حصول الشرط؛ من دون حاجة إلى خطاب جديد، بل لو لا الإنشاء قبل الشرط لما كان المولى متمكنا من الخطاب المطلق بعد حصول الشرط؛ بأن كان هناك محذور يمنع من الخطاب المطلق بعد حصول الشرط، فلو لم يتمكن المولى عن الإنشاء في زمان حصول الشرط، أو كان له مانع عن إنشاء الطلب المطلق حين حصوله؛ فيكتفي بالوجوب المشروط.

الفائدة الثانية: ما أشار إليه بقوله: «مع شمول الخطاب كذلك» أي: على نحو المشروط.

54

خطاب آخر، بحيث لولاه لما كان فعلا متمكنا من الخطاب، هذا مع شمول الخطاب كذلك للإيجاب فعلا بالنسبة إلى الواجد للشرط، فيكون بعثا فعليا بالإضافة، و تقديريا بالنسبة إلى الفاقد له، فافهم و تأمل جيدا.

ثم الظاهر: دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط، في محل النزاع أيضا (1)، فلا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق، غاية الأمر: تكون في الإطلاق و الاشتراط تابعة لذي المقدمة كأصل الوجوب بناء على وجوبها من باب الملازمة.

____________

و حاصل الكلام في الفائدة الثانية هو: شمول الخطاب و عمومه؛ بحيث يشمل واجد الشرط و فاقده، فيكون الخطاب فعليا بالإضافة إلى واجد الشرط، و مشروطا بالنسبة إلى فاقده، فالخطاب في قول الشارع:- حجوا إن استطعتم- فعليّ لواجد الاستطاعة، و إنشائي لفاقدها، فيكتفي بهذا الإنشاء على كلا التقديرين أي: وجود الاستطاعة و عدمها.

لا يقال: أنه يلزم استعمال اللفظ في المعنيين في إطلاق واحد- و هما الوجوب الشأني بالنسبة إلى غير الواجد للشرط، و الوجوب الفعلي بالإضافة إلى الواجد للشرط- كما قلت هذا في صيغة الأمر، و هي: «حجوا» في المثال المذكور.

فلأنه يقال: إن خطاب «حجوا» يدل على إنشاء الوجوب المشروط و الإنشائي فقط، و لكن العقل و النقل من الخارج يدلان على فعلية الوجوب بالإضافة إلى واجد الشرط و هو المستطيع حاليا، كما أن سائر الخطابات الشرعية بالإضافة إلى العالمين بها فعلية، و بالنسبة إلى الجاهلين بها شأنية، فليس في المقام استعمال اللفظ في معنيين مختلفين.

قوله: «فافهم و تأمل جيدا»؛ لعله إشارة إلى ما ذكر من الإشكال و الجواب.

[توهم خروج المقدمات الوجودية عن محل النزاع‏]

(1) كالمقدمات الوجودية للواجب المطلق، لأنه بعد حصول مقدمات وجوبه يصبح الواجب مطلقا و فعليا. و بحسب الدقة هذا من المصنف «(قدس سره)» دفع لتوهم خروج المقدمات الوجودية للواجب المشروط عن محل النزاع.

أما تقريب التوهم فيتوقف على مقدمة و هي: أن مقدمات الواجب المشروط على قسمين:

الأول: مقدمة وجودية: كقطع المسافة التي هي مقدمة وجودية للحج.

الثاني: مقدمة وجوبية: كالاستطاعة التي هي مقدمة وجوبية للحج.