دروس في علم الأصول(خلاصة الحلقة الثانية) - ج1

- محمد حسين‏ الأشكناني المزيد...
178 /
3

تمهيد

1- تعريف علم الأصول.

2- موضوع علم الأصول و فائدته.

3- الحكم الشرعي و تقسيمه.

4- تنويع البحوث الأصولية.

5- حجية القطع و أحكامه.

تعريف علم الأصول‏

التعريف المتعارف:

علم الأصول: هو العلم بالقواعد المُمَهَّدة لاستنباط الحكم الشرعي.

مثال: قوله تعالى: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (1).

____________

(1) النساء/ 86.

4

يستنبط من الآية: وجوب رد التحية.

يستعان بقاعدتين:

أ- ظهور صيغة الأمر في الوجوب.

ب- حجية الظهور.

إشكال على التعريف:

لا يبين التعريف السابق الضابط الموضوعي الذي بموجبه يدوِّن علماء الأصول في علمهم هذه المسألة دون تلك لأن تقييد القاعدة بالتمهيد يعني أنها تكتسب أصوليتها من تمهيدها و تدوينها لغرض الاستنباط.

تعديل التعريف السابق:

بسبب الإشكال السابق يمكن تعديل التعريف بحذف كلمة «التمهيد» فيقال:

علم الأصول: هو العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط.

إشكال على التعريف المعدَّل:

لا يحقق التعريف الضابط المطلوب لأن مسائل اللغة تدخل في التعريف مع أنها يجب أن تكون خارجة عن علم الأصول‏

5

كظهور كلمة «الصعيد».

تعريف الشهيد لعلم الأصول:

علم الأصول: هو العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

معنى الاشتراك: صلاحية العنصر للدخول في استنباط حكم أي مورد من الموارد.

مثال: «ظهور صيغة الأمر في الوجوب» قابل لاستنباط وجوب الصلاة و وجوب الصوم و وجوب ....

خروج مسائل اللغة عن التعريف:

تخرج أمثال مسألة ظهور كلمة «الصعيد» عن علم الأصول لأنها عنصر خاص لا مشترك.

موضوع علم الأصول و فائدته‏

موضوع علم الأصول:

تعريف موضوع العلم:

موضوع العلم: هو ما يكون جامعاً بين موضوعات مسائله و البحث في المسائل ينصب على أحوال الموضوع و شئونه.

مثال: موضوع علم النحو هو الكلمة ..

الموضوع عند علماء الأصول المتقدمين:

موضوع علم الأصول هو: الأدلة الأربعة: الكتاب و السنة و

6

الإجماع و العقل.

إشكال على المتقدمين:

الأدلة الأربعة ليست عنواناً جامعاً بين جميع موضوعات مسائل علم الأصول.

أمثلة لتوضيح الإشكال:

أ- موضوع مسائل الاستلزامات العقلية هو: الحُكْم.

حيث يقال: الحكم بوجوب شي‏ء هل يستلزم تحريم ضده؟

ب- موضوع مسائل حجية الأمارات الظنية: الشهرة و خبر الواحد و ....

ج-- موضوع مسائل الأصول العملية هو: الشك في التكليف.

رأي بعض الأصوليين:

بسبب الإشكال السابق قال البعض إن علم الأصول ليس له موضوع واحد، و ليس من الضروري أن يكون للعلم موضوع واحد جامع بين موضوعات مسائله.

رأي الشهيد:

موضوع علم الأصول: هو كل ما يُتَرَقَّب أن يكون دليلًا و عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط.

7

تعريف الشهيد:

موضوع علم الأصول: هو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي.

و يدور البحث الأصولي حول دليليتها و الاستدلال عليها إثباتاً و نفياً.

فائدة علم الأصول:

1- علم الأصول هو منطق الفقه:

كما أن علم المنطق يزود الاستدلال بوجه عام بالعناصر المشتركة التي لا تختص بأي باب من أبواب التفكير، كذلك فإن علم الأصول يزود الاستدلال الفقهي خاصة بالعناصر المشتركة التي لا تختص بأي باب من أبواب الفقه.

2- يعتمد الفقيه على نمطين من المقدمات في الاستدلال على كل مسألة فقهية:

أ- العناصر الخاصة:

كالرواية التي في حكم هذه المسألة و ظهورها في إثبات‏

الحكم، و عدم وجود معارض لها، و تبحث في نفس تلك المسألة الفقهية.

ب- العناصر المشتركة:

تدخل في الاستدلال على حكم هذه المسألة، و أحكام‏

8

مسائل كثيرة في مختلف أبواب الفقه، و تبحث في علم الأصول.

مثال: خبر الثقة حجة.

ظهور الكلام حجة.

الحكم الشرعي و تقسيمه‏

التعريف:

الحكم الشرعي: هو التشريع الصادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان و توجيهه.

أقسام الحكم الشرعي:

1- الأحكام التكليفية: هي الأحكام التي تتعلق بأفعال الإنسان و لها توجيه عملي مباشر.

2- الأحكام الوضعية: هي الأحكام التي ليس لها توجيه عملي مباشر، و كثيراً ما تقع موضوعاً لحكم تكليفي.

مثال: الزوجية موضوع لوجوب النفقة.

مبادئ الحكم التكليفي:

مراحل عملية الحكم التكليفي:

المرحلة الأولى: ثبوت الحكم:

و تتكون من العناصر الثلاثة التالية:

9

أ- الملاك: يحدد المولى ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة.

ب- الإرادة: تتولّد عند المولى إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدرَكة.

ج-- الاعتبار: يصوغ المولى إرادته صياغة جعلية اعتبارية، فيعتبر الفعل على ذمة المكلف.

ملاحظة: الاعتبار ليس عنصراً ضروريّاً في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالباً كعمل تنظيمي صياغي اعتاده المشرِّعون العقلاء، و قد سار الشارع على طريقتهم في ذلك.

المرحلة الثانية: إثبات الحكم و إبرازه:

هي المرحلة التي يبرز فيها المولى- بجملة إنشائية أو خبرية- مرحلة الثبوت بدافع من الملاك و الإرادة.

أنواع الإثبات:

أ- إثبات يتعلق بالإرادة مباشرة:

حيث يقول المولى: أريد منكم حج البيت لمن استطاع إليه‏

سبيلًا.

ب- إثبات يتعلق بالاعتبار الكاشف عن الإرادة:

حيث يقول المولى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1).

____________

(1) آل عمران/ 97.

10

نتيجة الإثبات:

يصير من حق المولى على العبد الإتيان بالفعل قضاء لحق مولويته، و ينتزع العقل من إبراز المولى عناوين متعددة مثل البعث و التحريك.

ملاحظة: مبادئ الحكم و روح الحكم:

أ- يطلق على الملاك و الإرادة اسم «مبادئ الحكم» لأن العنصر الثالث- الاعتبار- يفترض أنه هو الحكم نفسه.

ب- و يطلق عليهما أيضاً اسم «روح الحكم و حقيقته» لأنه هو الذي يقع موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال إذا تصدى المولى لإبرازهما بقصد التوصل إلى مراده سواء أنشأ اعتباراً أم لا.

مبادئ الأحكام التكليفية:

1- مبادئ الوجوب: هي الإرادة الشديدة، و من ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة.

2- مبادئ الحرمة: هي المبغوضية الشديدة، و من ورائها المفسدة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في الفعل.

3- مبادئ الاستحباب: هي الإرادة الضعيفة، و من ورائها المصلحة البالغة درجة منخفضة لا تأبى عن الترخيص في المخالفة و يسمح المولى بتركه.

4- مبادئ الكراهة: هي المبغوضية الضعيفة، و من ورائها المفسدة

11

البالغة درجة منخفضة لا تأبى عن الترخيص في الفعل و يسمح المولى بارتكابه.

5- مبادئ الإباحة: يوجد معنيان للإباحة:

أ- الإباحة بالمعنى الأخص:

هي التي تعتبر نوعاً خامساً من الأحكام التكليفيّة، و تعبر عن مساواة الفعل و الترك في نظر المولى.

ب- الإباحة بالمعنى الأعم:

تشمل الإباحة بالمعنى الأخص و الكراهة و الاستحباب لأنها تشترك جميعاً في عدم الإلزام، لذلك يطلق عليها اسم «الترخيص في مقابل الوجوب و الحرمة».

ملاك الإباحة:

على نوعين:

أ- ملاك لا اقتضائي:

يوجد عند ما يخلو الفعل المباح من أي ملاك يدعو إلى الإلزام فعلًا أو تركاً.

ب- ملاك اقتضائي:

يوجد عند ما تنشأ الإباحة عن وجود ملاك في أن يكون المكلف مطلق العنان.

12

التضاد بين الأحكام التكليفية:

التضاد على مستوى الاعتبار:

لا يوجد تنافر بين الأحكام التكليفية على مستوى الاعتبار إذ لا تنافي بين الاعتبارات إذا جردت عن الملاك و الإرادة.

التضاد على مستوى المبادئ:

أ- يوجد تضاد و تناف بين الأحكام التكليفية يؤدي إلى استحالة اجتماع نوعين منها في فعل واحد، و مرد هذا التنافي إلى التنافر بين مبادئ تلك الأحكام.

ب- لا يمكن أن يجتمع فردان من نوع واحد في فعل واحد لأن ذلك يعني اجتماع إرادتين على مراد واحد، و هو من قبيل اجتماع المثلين، لأن الإرادة لا تتكرر على شي‏ء واحد، بل تقوى و تشتد.

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة:

أ- الدليل العقلي:

بما أن الله تعالى عالم بالمصالح و المفاسد.

و بما أن الله لطيف لطفاً لائقاً برحمته.

إذن: الله تعالى يشرع للإنسان التشريع الأفضل لشتى جوانب الحياة.

13

ب- الدليل الشرعي:

أكدت ذلك نصوص كثيرة عن أهل البيت ((عليهم السلام))، و خلاصتها:

أن كل واقعة لا تخلو عن حكم.

الحكم الواقعي و الحكم الظاهري:

أقسام الحكم الشرعي:

1- الحكم الواقعي:

التعريف: هو كل حكم لم يفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق.

2- الحكم الظاهري:

التعريف: هو كل حكم افترض في موضوعه الشك في حكم شرعي واقعي مسبق.

مثال من الأصول العملية:

أصالة الحل في قوله ((عليه السلام)): كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام.

مثال من الأمارات: تصديق خبر الثقة و العمل على وفق خبره.

ملاحظة: الأحكام الظاهرية متأخرة رتبة عن الأحكام الواقعية:

إذ لو لا وجود الأحكام الواقعية لما كانت هناك أحكام ظاهرية

14

حيث قد افترض في مورد الأحكام الظاهرية الشك في الحكم الواقعي.

الأمارات و الأصول:

أقسام الأحكام الظاهرية:

1- الأحكام الظاهرية من الأمارات:

التعريف: هي كل حكم ظاهري مرتبط بكشف دليل ظني معين على نحو يكون كشف ذلك الدليل هو الملاك التام لجعله.

و يسمى الدليل بالأمارة، و يسمى الحكم الظاهري بالحجية، فيقال: إن الشارع جعل الحجية للأمارة.

مثال: الحكم الظاهري بوجوب تصديق خبر الثقة و العمل‏

على طبقه.

2- الأحكام الظاهرية من الأصول العملية:

تنقسم إلى قسمين:

أ- من الأصول العملية غير المحرزة:

التعريف: هي كل حكم ظاهري أخذ فيه بعين الاعتبار نوع الحكم المشكوك، و لم يؤخذ أي كشف معين بعين الاعتبار في مقام جعله.

مثال: أصالة الحل، و الملحوظ فيها كون الحكم المشكوك‏

15

و المجهول مردداً بين الحرمة و الإباحة، و لم يلحظ فيها وجود كشف معين عن الحلية.

ب- من الأصول العملية المحرزة أو التنزيلية:

التعريف: هي كل حكم ظاهري أخذ فيه بعين الاعتبار نوع الحكم المشكوك، و أخذ كشف معين بعين الاعتبار في مقام جعله، و لكن هذا الكشف لا يكون ملاكاً تاماً.

مثال: قاعدة الفراغ، و التعبد فيها بصحة العمل المفروغ عنه يرتبط بكاشف معين عن الصحة و هو غلبة الانتباه و عدم النسيان في الإنسان، و لكن هذا الكاشف ليس هو الملاك التام، بل هناك دخل لنوع الحكم المشكوك و هو كون المشكوك مرتبطاً بعمل تم الفراغ‏

عنه، و لهذا لا يتعبدنا الشارع بعدم النسيان في جميع الحالات.

اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري:

أ- من المستحيل أن يجتمع في واقعة واحدة حكمان تكليفيان واقعيان كالوجوب الواقعي و الإباحة الواقعية لأنه يوجد تناف و تضاد بينهما.

ب- يمكن أن يجتمع في واقعة واحدة حكمان: أحدهما واقعي و الآخر ظاهري لأنهما من سنخين مختلفين كالوجوب الواقعي و الإباحة الظاهرية.

16

القضية الحقيقية و القضية الخارجية للأحكام:

القضية الحقيقية:

يمكن أن يجعل الحكم الشرعي على نحو القضية الحقيقية، و ذلك بأن يفترض المولى المشرع وجود العالِم ويحكم بوجوب إكرامه و لو لم يكن هناك عالم موجود فعلًا، فيقول: «إذا وُجِدَ عالِمٌ فَأَكْرِمْهُ»، و الموضوع للقضية الحقيقية هو المفترض فيها و هو العالم في المثال.

القضية الخارجية:

و يمكن أن يجعل الحكم الشرعي على نحو القضية الخارجية، و ذلك بأن يشير المولى المشرع إلى الأفراد الموجودين‏

فعلًا من العلماء، فيقول: «أَكْرِمْ هؤلاءِ العلماء».

الفارق النظري بين القضيتين:

أ- القضية الحقيقية:

نستطيع أن نقول فيها: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعاً، لأن موضوعها العالم المفترض، و أي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض.

ب- القضية الخارجية:

لا نستطيع أن نقول فيها: لو ازداد عدد العلماء لوجب‏

17

إكرامهم، لأن المولى أحصى عدداً معيناً و أمر بإكرامهم، و لا يوجد ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد.

تنويع البحث‏

أنواع بحوث علم الأصول:

1- البحث في الأدلة المحرزة:

تعريف الأدلة المحرزة: هي الأدلة التي تكشف عن ثبوت الحكم الشرعي.

2- البحث في الأصول العملية:

تعريف الأصول العملية: هي الأدلة التي تحدد الموقف العملي‏

و الوظيفة العملية تجاه الواقعة المجهول حكمها الشرعي، و هي ليست أدلة على الواقع.

ملاحظة: الأصل العملي هو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز، فإذا وجد دليل محرز أخذ به و ترك الأصل العملي وفقاً لقاعدة تقدم الأدلة المحرزة على الأصول العملية.

حجية القطع:

معنى القطع: القطع هو انكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك.

معنى حجية القطع: أنَّ القطع مُنَجِّز و معذِّر.

18

حجية القطع عنصر مشترك:

أ- حجية القطع عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي لأن عملية الاستنباط تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي أو الموقف العملي، فلا بدّ من الاعتراف مسبقاً بحجية القطع.

ب- يحتاج الأصولي إلى حجية القطع في الاستدلال على القواعد الأصولية نفسها.

حالات التعارض بين الأدلة:

بعد تحديد الأدلة و العناصر المشتركة قد يواجه الفقيه حالات‏

التعارض بينها:

أ- بين الأدلة المحرزة: من نوع واحد: كخبرين لثقتين، أو من نوعين: كخبر الثقة و ظهور الآية.

ب- بين الأدلة المحرزة و الأصول العملية: كأمارة و أصل.

ج-- بين الأصول العملية: كأصالة الحل و الاستصحاب.

حجية القطع‏

خصائص القطع:

1- الكاشفية.

19

2- المحركية.

3- الحجية.

1- الكاشفية:

للقطع كاشفية بذاته عن الخارج، و هي عين حقيقة القطع لا أنها من صفات القطع.

2- المحركية:

هي نتيجة للكاشفية و من الآثار التكوينية للقطع، و تكون نحو ما يوافق الغرض الشخصي للقاطع.

مثال: العطشان إذا قطع بوجود الماء خلفه تحرك نحو تلك‏

الجهة طلباً للماء، و المحرك له هو الغرض الشخصي.

3- الحجية:

الحجية بمعنى المنجزية، فالقطع ينجز التكليف أي يجعله موضوعاً لحكم العقل بوجوب امتثاله و صحة العقاب على مخالفته.

إنَّ الحجية هي البحث المهم عند الأصولي لأنه يبحث عن تنجيز التكليف الشرعي على المكلف القاطع به.

و توجد هنا قضيتان:

القضية الأولى:

قول المشهور: الحجية ثابتة للقطع لأنها لازم ذاتي له كما أنّ‏

20

الحرارة لازم ذاتي للنار.

القضية الثانية:

يستحيل أن تنفك الحجية عن القطع لأن اللازم لا ينفك عن الملزوم حتى أن المولى لا يمكن أن يلغي حجيته، و إنما يمكن أن يزيل القطع عن القاطع.

ملاحظات حول القضية الأولى:

أ- سؤال: هل القطع بتكليف المولى له المنجزية أو بتكليف أي آمر؟

الجواب: المنجزية تابعة للقطع بتكليف المولى، فهي من‏

شئون مولوية المولى، و مستبطنة في نفس افتراض المولوية.

ب- معنى المولى: هو من له حق الطاعة أي من يحكم العقل بوجوب امتثاله و استحقاق العقاب على مخالفته.

ج-- سؤال: ما مدى حق الطاعة للمولى على المأمور؟

بعبارة أخرى: ما هي حدود مولوية المولى؟

الجواب:

توجد ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: للمولى حق الطاعة في كل ما يقطع به من تكاليف، فتكون المنجزية ثابتة في كل حالات القطع.

الاحتمال الثاني: للمولى حق الطاعة في كل ما ينكشف له من‏

21

تكاليف و لو بالظن أو الاحتمال، فتكون المنجزية ثابتة في كل حالات القطع و الظن و الاحتمال.

الاحتمال الثالث: للمولى حق الطاعة في بعض ما يقطع به من التكاليف، فتكون المنجزية ثابتة في بعض حالات القطع.

رأي الشهيد:

الذي ندركه بعقولنا أن الله سبحانه له حق الطاعة في كل ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو الظن أو الاحتمال ما لم يُرَخّص في عدم التحفظ و الاحتياط، و هذا يعني أن المنجزية ليست ثابتة

للقطع بما هو قطع بل بما هو انكشاف، فكل انكشاف مُنَجِّز ما لم يُحْرَز ترخيص الشارع.

ملاحظات حول القضية الثانية:

1- في حالة القطع:

المنجزية لا تنفك عن القطع، و لا يمكن تدخل المولى بالترخيص في مخالفة القطع و تجريده عن المنجزية.

الدليل:

الترخيص يكون على أحد نحوين:

أ- حكم واقعي:

و هذا مستحيل لأن التكليف الواقعي مقطوع به، فإذا ثبتت أيضاً إباحة واقعية لزم اجتماع الضدين لأن الأحكام التكليفية

22

متضادة متنافية.

ب- الحكم الظاهري:

و هو مستحيل أيضاً لأن الحكم الظاهري هو ما أُخِذَ في موضوعه الشك، و لا يوجد شك مع القطع.

2- في حالات الظن و الاحتمال:

المنجزية ثابتة أيضاً للظن و الاحتمال، و لكن يمكن تجريدهما عن المنجزية بخلاف القطع.

الدليل:

الترخيص الظاهري: ممكن لأن الشك موجود في حالات الظن و الاحتمال.

النتيجة:

أ- منجزية القطع غير مُعَلَّقَة بل ثابتة على الإطلاق.

ب- منجزية الظن و الاحتمال مُعَلَّقة لأنها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ و الاحتياط.

معذرية القطع:

المعذرية هي الجانب الثاني لحجية القطع.

1- معنى المعذرية: كون القطع بعدم التكليف معذراً للمكلف، أي لا تصح معاقبته على المخالفة حتى لو كان مخطئاً في قطعه.

23

2- تستند المعذرية إلى تحقيق حدود مولوية المولى و حق الطاعة كما في المنجزية، و يوجد احتمالان:

الاحتمال الأول: إذا كان موضوع حق الطاعة تكاليف المولى بوجودها في الشريعة بقطع النظر عن قطع المكلّف بها و شكّه فيها أو قطعه بعدمها: في هذه الحالة لا يكون القطع معذراً إذا خالف الواقع و كان التكليف على خلاف ما قطع.

الاحتمال الثاني: إذا كان موضوع حق الطاعة تكاليف المولى المُنْكَشِفَة للمكلف و لو انكشافاً احتمالياً: في هذه الحالة يكون القطع معذراً إذ لا حق طاعة للمولى في التكاليف غير المُنْكَشِفَة.

رأي الشهيد في الاحتمالين:

الاحتمال الأول:

غير صحيح لأنه من المستحيل أن يحكم العقل بحق الطاعة بالنسبة إلى تكليف يقطع المكلف بعدمه إذ لا محركية له.

الاحتمال الثاني:

هو المتعيِّن، و معه يكون القطع بعدم التكليف معذراً لأنه يخرج من دائرة حق الطاعة أي عن نطاق حكم العقل بوجوب الامتثال.

24

التَّجَرِّي:

تعريف العاصي: هو المكلف الذي يقطع بوجوب أو تحريم و يخالفه و يكون التكليف ثابتاً في الواقع.

تعريف المُتَجَرِّي: هو المكلف الذي يقطع بوجوب أو تحريم و يخالفه و لا يكون التكليف ثابتاً في الواقع.

سؤال: ه- ل يدان المتجري بحكم العقل و يستحق العقاب كالعاصي أم لا؟

الجواب:

يجب أن نرجع إلى تحديد موضوع حق الطاعة و مولوية المولى:

أ- إذا كان موضوعه التكليف المنكشف للمكلف و كان مصيباً للواقع: في هذه الحالة لا يكون المتجري قد أخل بحق الطاعة إذ لا تكليف في الواقع، فلا يستحق العقاب.

ب- إذا كان موضوعه التكليف المنكشف للمكلف سواء كان مصيباً في الواقع أم لا: في هذه الحالة يكون المتجري قد أخل بحق الطاعة، فيستحق العقاب.

رأي الشهيد:

الصحيح هو الثاني لأن حق الطاعة ينشأ من لزوم احترام‏

25

المولى عقلًا و رعاية حرمته، فلا فرق بين التحدي الذي يقع من العاصي أو المتجري.

النتيجة:

المتجري يستحق العقاب كالعاصي.

العلم الإجمالي:

العلم التفصيلي: يحصل إذا كان القطع يتعلق بشي‏ء محدَّد.

مثال: العلم بوجوب صلاة الفجر، و العلم بنجاسة هذا الإناء المعيَّن.

العلم الإجمالي: يحصل إذا كان القطع يتعلق بأحد شيئين لا على وجه التعيين.

مثال: العلم بوجوب صلاة ما في ظهر الجمعة هي: إما صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة، دون أن نقدر على تعيين الوجوب في إحداهما بالضبط، و العلم بنجاسة أحد الإناءين بدون تَعَيُّن.

تحليل العلم الإجمالي:

العلم الإجمالي/ العلم بالجامع بين الأطراف+ شكوك و احتمالات بعدد الأطراف.

26

سؤال: هل العلم بالجامع مُنَجِّز؟

الجواب:

نعم، لأنه قطع و منجزية القطع غير معلقة.

سؤال: هل الاحتمال في كل طرف منجز؟

الجواب:

نعم، لأن كل انكشاف منجز مهما كانت درجته، و لكن منجزية الاحتمال مُعَلَّقة على عدم ورود ترخيص ظاهري من الشارع بعدم التحفظ.

لذلك يمكن للمولى أن يرخص في إهمال احتمال أحد الطرفين فتبطل منجزيته، و تظل منجزية الاحتمال الآخر ثابتة، و بالتالي تظل منجزية العلم بالجامع ثابتة أيضاً.

سؤال: هل يمكن للمولى أن يرخص في كلا الطرفين معاً بترخيصين ظاهريين و بهذا تبطل كل المنجزيات حتى منجزية العلم بالجامع؟

إشكال على السؤال:

العلم بالجامع فرد من القطع فكيف ترتفع منجزيته؟

جواب الإشكال:

القطع الذي منجزيته غير معلقة هو العلم التفصيلي لأن الترخيص الظاهري يمكن في حالة الشك فقط، و لا شك مع العلم التفصيلي.

27

جواب السؤال: توجد هنا ناحيتان هما:

الناحية الثبوتية:

في العلم الإجمالي يوجد شك في الطرفين، و بالتالي يوجد

مجال للترخيص الظاهري لأن منجزية العلم الإجمالي معلقة على عدم إحراز الترخيص الظاهري في كلا الطرفين.

الناحية الإثباتية:

هل صدر ترخيص من الشارع في كل طرف من العلم الإجمالي؟ يجاب عنه في مبحث الأصول العملية.

القطع الطريقي و الموضوعي:

القطع الطريقي:

هو القطع الذي يكون طريقاً و كاشفاً عن الحكم، و ليس له دخل و تأثير في وجود الحكم واقعاً.

مثال:

إذا حكم الشارع بحرمة الخمر فإنّ المكلف يقطع بالحرمة، فإذا قطع بأن هذا السائل خمر يصبح التكليف منجزاً، و هذا القطع طريق إلى الحرمة و ليس له دخل في وجود الحرمة للخمر واقعاً لأن الحرمة ثابتة للخمر سواء قطع المكلف بأن هذا خمر أم لا.

28

القطع الموضوعي:

هو القطع الذي يكون دخيلًا في وجود الحكم حيث يكون بمثابة الموضوع للحكم.

مثال:

يحكم الشارع بأن: ما تقطع بأنه خمر حرام.

فلا يحرم السائل إلّا إذا قطع المكلف بأنّه خمر.

سؤال: أي القطعين منجّز للتكليف؟

الجواب:

أ- القطع الطريقي ينجز التكليف بسبب كاشفيته.

ب- القطع الموضوعي لا ينجز التكليف لأنه لا يكشف عنه بل يُوَلِّدُهُ.

ملاحظة: يمكن أن يكون قطع واحد طريقياً بالنسبة إلى تكليف، و موضوعياً بالنسبة إلى تكليف آخر.

مثال:

إذا قال المولى: الخمر حرام.

ثمّ قال: من قطع بحرمة الخمر فيحرم عليه بيعه.

فالقطع بحرمة الخمر قطع طريقي بالنسبة إلى حرمة الخمر.

29

و القطع بحرمة الخمر قطع موضوعي بالنسبة إلى حرمة بيع الخمر.

جواز الإسناد إلى المولى:

جواز إسناد الحكم المقطوع إلى المولى جانب ثالث في القطع غير المنجزية و المعذرية.

توضيح ذلك:

أ- المنجزية و المعذرية ترتبطان بالجانب العملي، فمن قطع بحرمة شي‏ء فلا بدّ أن لا يرتكبه، و من قطع بعدم الحرمة فله أن يرتكبه.

ب- القطع بحرمة شي‏ء يؤدي إلى جواز إسناد الحرمة إلى المولى.

ج-- القطع بالنسبة إلى جواز الإسناد قطع موضوعي لا طريقي.

تلخيص و مقارنة:

يوجد مسلكان لكل منهما منهج مغاير من الناحية النظرية لمنهج المسلك الآخر، و يترتب على ذلك الاختلاف في كثير من المسائل المتفرعة.

هذان المسلكان هما:

30

مسلك قبح العقاب بلا بيان، و مسلك حق الطاعة و هو المختار عند الشهيد.

المقارنة بين المسلكين:

مسلك حق الطاعة:

أ- حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من تكاليفه و لو انكشافاً احتمالياً.

ب- المنجزية ليست مختصة بالقطع بل تشمل كل انكشاف مهما كانت درجته، و إن كانت بالقطع تصبح غير معلقة.

مسلك قبح العقاب بلا بيان:

أ- المنجزية لازم ذاتي للقطع.

ب- كل تكليف لم ينكشف بالقطع و اليقين فهو غير منجز و لا يصح العقاب عليه.

ج-- رد الشهيد بأن هذا تحديد لمولوية المولى و حق الطاعة له.

31

الأدلة

1- الأدلة المحرزة.

2- الأصول العملية (أو الأدلة العملية).

تحديد المنهج في الأدلة و الأصول:

أقسام أدلة الاستنباط:

1- الأدلة المحرزة:

هي أدلة يطلب بها كشف الواقع حيث تُحْرِز الحكم الشرعي بسبب كاشفيتها.

أنواع الأدلة المحرزة:

أ- الأدلة القطعية: هي التي تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي.

ب- الأدلة الظنية (الأمارات): هي التي تؤدي إلى كشف ناقص محتمل الخطأ عن الحكم الشرعي.

2- الأدلة العملية (الأصول العملية): هي أدلة من الوجهة

32

العملية فقط حيث تحدد الوظيفة العملية للشاك الذي لا يعلم الحكم الشرعي للواقعة.

ملاحظة:

في كل واقعة يكون الأصل العملي هو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز، فإذا حصل على دليل محرز ترك الأصل العملي لقاعدة: تقدم الأدلة المحرزة على الأصول العملية عند التعارض.

المنهج على مسلك حق الطاعة:

الأصل العملي الأولي:

أعم الأصول العملية هو أصالة اشتغال الذمة (الاحتياط العقلي)، و هو أصل يحكم به العقل.

مفاد أصالة الاشتغال العقلي:

كل تكليف يحتمل وجوده و لم يثبت إذن الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجز و تشتغل به ذمّة المكلّف.

سبب ذلك: أنّ حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف و لو انكشافاً ظنيّاً أو احتمالياً.

رفع اليد عن الاشتغال العقلي:

في بعض الحالات التالية:

33

الحالة الأولى: إذا حصل الفقيه على دليل محرز قطعي على نفي التكليف كان القطع معذراً بحكم العقل، و ارتفع موضوع أصالة الاشتغال.

الحالة الثانية: إذا حصل على دليل محرز قطعي على إثبات التكليف فيصير التنجز أقوى و أشد.

الحالة الثالثة: إذا حصل القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ فلا منجزية لأصالة الاشتغال.

و الترخيص الظاهري يثبت بالطرق التالية:

أ- الأمارة:

إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب، و قال الشارع: صدق الثقة. أي جعل الحجية للأمارة.

ب- أصالة الحل الشرعية:

القائلة: «كل شي‏ء حلال حتى تعلم أنّه حرام»، و جعل الشارع الحجية لها.

ج-- أصالة البراءة الشرعية:

القائلة: «رُفِعَ ما لا يعلمون»، و جعل الشارع الحجية لها.

الحالة الرابعة: إذا حصل القطع بحكم ظاهري بأن الشارع لا يأذن‏

34

في ترك التحفظ فمنجزية الاحتمال و الظن تصير آكد و أشد و يثبت عدم إذن الشارع بالطرق التالية:

. أ- الأمارة: إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب، و قال الشارع: صدق الثقة.

ب- أصالة الاحتياط الشرعية.

فائدة المنجزية و المعذرية الشرعية:

في الحالتين الأولى و الثانية:

لا يتدخل الشارع لإيجاد المنجزية أو المعذرية بسبب القطع حيث له المنجزية و المعذرية الكاملة.

في الحالتين الثالثة و الرابعة:

يتدخل الشارع لإيجاد المنجزية أو المعذرية:

أ- إذا ثبت عنه جعل الحجية للأمارة النافية للتكليف أو جعل أصل مرخص كأصالة الحل ارتفعت منجزية الاحتمال أو الظن، فهذا الجعل إذن في ترك التحفظ.

ب- إذا ثبت عنه جعل الحجية لأمارة مثبتة للتكليف أو لأصل يحكم بالتحفظ تأكدت منجزية الاحتمال، فهذا الجعل عدم إذن في‏

ترك التحفظ و نفي لأصالة الحل.

35

المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان:

الأصل العملي الأولي:

أعم الأصول العملية هو «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» أو البراءة العقلية.

مفاد البراءة العقلية:

المكلف غير ملزم عقلًا بالتحفظ تجاه أي تكليف ما لم ينكشف بالقطع و اليقين.

رفع اليد عن البراءة العقلية:

الحالة الأولى: إذا حصل الفقيه على دليل محرز قطعي على نفي التكليف يتأكد قبح العقاب بلا بيان.

الحالة الثانية: إذا حصل على دليل محرز قطعي على إثبات التكليف يتنجز التكليف بسبب ارتفاع موضوع البراءة العقلية الذي هو عدم البيان، فالقطع هو بيان.

الحالة الثالثة: إذا حصل القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ يتأكد قبح العقاب بلا بيان.

الحالة الرابعة: إذا حصل القطع بحكم ظاهري بأنّ الشارع لا يأذن في ترك التحفظ فهم يلتزمون عملياً بأنّ التكليف يتنجز مع‏

36

أنّه غير معلوم.

إشكال على قاعدة قبح العقاب:

يتحير أصحاب هذا المسلك في تخريج الحالة الرابعة نظرياً، فالأمارة المثبتة للتكليف أو أصالة الاحتياط بعد جعل الحجية لها كيف تقوم مقام القطع الطريقي حيث يتنجز التكليف مع أنه لا يزال مشكوكاً و داخلًا في نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و يأتي الجواب في الحلقة الثالثة.

37

الأدلة المحرزة

1- الدليل الشرعي.

2- الدليل العقلي.

تقسيم البحث في الأدلة المحرزة:

أنواع الأدلة المحرزة:

1- الأدلة القطعية:

هي الأدلة التي تؤدي إلى القطع بالحكم، و تكون حجة على أساس حجية القطع.

2- الأدلة الظنية:

هي الأدلة التي يقوم دليل قطعي على حجيتها شرعاً، كما إذا أمر المولى باتباعها فتكون حجة بموجب الجعل الشرعي.

أقسام الدليل المحرز:

1- الدليل الشرعي: هو كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم.

38

مثال:

كلام الله سبحانه، و كلام المعصوم ((عليه السلام)).

2- الدليل العقلي: هو القضايا التي يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي.

مثال:

القضية العقلية القائلة بأن: إيجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته.

أنواع الدليل الشرعي:

أ- الدليل الشرعي اللفظي: هو كلام المعصوم كتاباً أو سنة.

ب- الدليل الشرعي غير اللفظي: هو فعل المعصوم و تقريره.

فعل المعصوم: هو تصرف مستقل.

تقرير المعصوم: هو موقف إمضائي تجاه سلوك معين.

أبحاث الدليل الشرعي:

1- تحديد دلالات الدليل الشرعي.

2- ثبوت صغرى الدليل الشرعي.

3- حجية دلالات الدليل الشرعي.

قبل البدء بهذه الأبحاث يستعرض الشهيد:

39

بعض المبادئ و القواعد العامة في الأدلة المحرزة

الأصل عند الشك في الحجية:

الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية، بمعنى أن الأصل نفوذ الحالة المفترضة- لو لا تلك الأمارة- من منجزية أو معذرية توجد هنا حالتان للأمارة:

. أ- الأمارة النافية للتكليف:

منجزية الاحتمال للتكليف الواقعي تكون قائمة بحكم العقل ما لم نحرز جعل الحجية للأمارة التي تكون معذرة، و جعل الحجية يعني إذن الشارع في ترك التحفظ تجاه التكليف المشكوك.

ب- الأمارة المثبتة للتكليف:

إذا كان لدينا أصل معذر كأصالة الحل فلا نستطيع رفع اليد عنها ما لم نحرز جعل الحجية للأمارة التي تكون منجزة.

مقدار ما يثبت بالأدلة المحرزة:

مداليل الدليل المحرز:

1- المدلول المطابقي.

2- المدلول الالتزامي.

1- المدلول المطابقي:

إذا كان الدليل المحرز حجة يثبت مدلوله المطابقي.

40

2- المدلول الالتزامي:

أ- إذا كان الدليل المحرز قطعياً: تثبت مدلولاته الالتزامية لأنها تكون قطعية كما يثبت المدلول المطابقي.

ب- إذا كان الدليل ظنياً و ثبتت حجيته: توجد هنا حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون موضوع الحجية صادقاً على الدلالة الالتزامية كصدقه على الدلالة المطابقية: هنا يثبت المدلول الالتزامي.

مثال:

أن يرد دليل على حجية خبر الثقة، و يقال بأن الإخبار عن شي‏ء إخبار عن لوازمه، فيثبت المدلول الالتزامي لأنه مما أخبر عنه الثقة بالدلالة الالتزامية.

الحالة الثانية: أن لا يكون موضوع الحجية صادقاً على الدلالة الالتزامية.

مثال:

أن يرد دليل على حجية ظهور اللفظ، و الدلالة الالتزامية غير العرفية لهذا الظهور ليست ظهوراً لفظياً فلا تكون حجة لأن الحجية حكم شرعي، و قد تخصص بإحدى الدلالتين دون الأخرى على‏

الرغم من تلازمهما في الصدق، و يوجد هنا اتجاهان:

41

الاتجاه الأول: رأي المشهور:

الأمارة كما يعتبر إثباتها لمدلولها المطابقي حجة، كذلك إثباتها لمدلولها الالتزامي، و لذلك وضعوا قاعدة هي:

مثبتات الأمارات حجة.

الاتجاه الثاني: رأي السيد الخوئي:

من الممكن ثبوتاً أن الشارع يتعبد المكلف بالمدلول المطابقي من الأمارة فقط أو يتعبده بكل ما تكشف عنه مطابقة و التزاماً، فنحتاج إلى وجود إطلاق في دليل الحجية يقتضي سريان التعبد إلى المداليل الالتزامية.

رأي الشهيد:

أ- في الأمارات: الصحيح هو الاتجاه الأول لأن تمام ملاك حجية الأمارة هو كشفه بدون نظر إلى نوع المُنْكَشف، فنسبة كشف الأمارة إلى المدلول المطابقي و المدلول الالتزامي بدرجة واحدة دائماً، لذلك يعرف من دليل الحجية أن: مثبتات الأمارة كلها حجة.

ب- في الأصول العملية: الأصول العملية مبنية على ملاحظة نوع المُؤَدَّى، فلا يستفاد من دليلها إسراء التعبد إلى كل اللوازم إلّا بعناية خاصة في لسان الدليل، لذلك قيل إن: الأصول العملية ليست حجة في مثبتاتها أي في مدلولاتها الالتزامية.

42

تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية:

توجد حالتان للمدلول الالتزامي:

الحالة الأولى: المدلول الالتزامي مساو للمدلول المطابقي:

إذا بطل المطابقي بطل الالتزامي، و بذلك تسقط الأمارة بكلا مدلوليها عن الحجية.

الحالة الثانية: المدلول الالتزامي أعم من المدلول المطابقي:

إذا بطل المطابقي يظل الالتزامي محتملًا.

سؤال: هل ترتبط حجية الأمارة في إثبات المدلول الالتزامي بحجيتها في إثبات المدلول المطابقي؟

الجواب:

معنى الارتباط: أن سقوط حجية الأمارة في المدلول المطابقي يؤدي إلى سقوطها في المدلول الالتزامي، و هذا هو معنى‏ التبعية.

دليل الارتباط:

يستدل على الارتباط بأحد وجهين:

الوجه الأول: الدلالة الالتزامية متفرعة في وجودها على الدلالة

المطابقية، فتكون متفرعة في حجيتها.

رد الشهيد:

43

التفرع في الوجود لا يستلزم التفرع في الحجية، فقد تكون كل واحدة من الدلالتين موضوعاً مستقلًا للحجية بلحاظ كاشفيتها عن المدلولين.

الوجه الثاني: نفس السبب يؤدي إلى سقوط الدلالتين عن الحجية، فالعلم بعدم ثبوت المدلول المطابقي يعني العلم بعدم ثبوت المدلول الالتزامي.

سبب الوجه الثاني:

لأن ذات اللازم و إن كان أعم أحياناً، و لكنه بما هو مدلول التزامي يكون مساوياً دائماً للمدلول المطابقي و تكون الدلالة الالتزامية دائماً حصة خاصة من اللازم لا طبيعي اللازم.

مثال:

من أخبر باحتراق زيد بالمطابقة فمدلوله الالتزامي هو الموت الناشئ من الاحتراق خاصة لا الموت الأعم و لو كان بالسم، فلو علمنا بعدم الاحتراق لعلمنا بعدم موت زيد، فلا يوجد مدلول التزامي حتى نعمل به.

ملاحظة: تكميل هذا البحث يأتي في الحلقة الثالثة.

44

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي:

الدليل المحرز القطعي:

أ- يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية و معذرية لأنه يوجد القطع بالحكم الشرعي في نفس المكلف.

ب- يفي بما يترتب على القطع الموضوعي من أحكام شرعية لأن هذه الأحكام يتحقق موضوعها وجداناً.

الدليل القطعي غير المحرز (الأمارة):

أ- يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية و معذرية، فالأمارة تقوم مقام القطع الطريقي.

ب- سؤال: هل تفي الأمارة بالقيام مقام القطع الموضوعي؟

الجواب:

فيه خلاف يقوم على أحد أمرين:

الأمر الأول: إذا فهمنا من دليل الوجوب أن المقصود من المقطوع ما قامت حجة منجزة عليه و كان القطع كمثال: هنا تقوم الأمارة الحجة مقام القطع الموضوعي.

الأمر الثاني: إذا فهمنا من دليل الوجوب أن المقصود من‏

المقطوع هو القطع بوصفه كاشفاً تاماً: هنا لا يكفي كون الأمارة حجة

45

لأنها ليست كاشفاً تاماً، فدليل حجية الأمارة بمجرد افتراضه الحجية لا يفي لإقامتها مقام القطع الموضوعي.

ملاحظة:

إذا ثبت في دليل الحجية أو في دليل آخر أنّ المولى نَزَّل الأمارة منزلة الكشف التام في أحكامه الشرعية فإنّها تفي بدور القطع الموضوعي كما نَزَّل الطواف منزلة الصلاة في قوله: الطواف بالبيت صلاة.

إثبات الدليل لجواز الإسناد:

مسألة فقهية:

لا يجوز إسناد حكم إلى الشارع بدون علم.

حالة الدليل القطعي:

إذا قام على الحكم دليل قطعي فلا شك في جواز إسناده إلى الشارع لأنه إسناد بعلم.

حالة الدليل غير القطعي:

سؤال: إذا جعل الشارع الحجية للأمارة فهل يجوز إسناد الحكم إلى الشارع؟

الجواب:

لا ريب في إسناد نفس الحجية و الحكم الظاهري‏

46

إلى الشارع لأنه معلوم وجداناً.

سؤال: هل يجوز إسناد الحكم الواقعي الذي تحكي عنه الأمارة إلى الشارع؟

الجواب:

1- قد يقال: إن إسناده غير جائز لأنه لا يزال غير معلوم، و جعل الحجية للأمارة لا يبرر الإسناد بدون علم، و إنما يجعلها منجزة و معذرة من الوجهة العملية فقط.

2- و قد يقال: إن هذا مرتبط بالبحث السابق في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي لأن القطع أخذ موضوعاً لجواز إسناد الحكم إلى الشارع.

فإذا استفيدت من دليل الحجية العناية الإضافية بتنزيل الأمارة منزلة الكشف التام قامت الأمارة مقام القطع الموضوعي، و ترتب على ذلك جواز إسناد مؤدى الأمارة إلى الشارع و إلّا فلا.

47

الدليل الشرعي‏

1- تحديد دلالات الدليل الشرعي.

2- إثبات صغرى الدليل الشرعي.

3- إثبات حجيّة الدلالة في الدليل الشرعي.

تحديد دلالات الدليل الشرعي‏

1- الدليل الشرعي اللفظي.

2- الدليل الشرعي غير اللفظي.

1- الدليل الشرعي اللفظي‏

تمهيد

الدليل الشرعي اللفظي يتمثل في ألفاظ يحكمها نظام اللغة، لذلك نبحث عن العلاقات اللغوية بين الألفاظ و المعاني، و نصنِّف اللغة بالصورة التي تساعد على ممارسة الدليل اللفظي و التمييز بين درجات الظهور اللفظي.

48

الظهور التصوري و الظهور التصديقي:

أقسام الدلالة:

1- الدلالة التصورية:

التعريف: هي الدلالة الثابتة للفظ حتّى لو صدر من آلة مثال:

إذا سمعنا كلمة «ماء» انتقل ذهننا إلى تصوّر المعنى.

2- الدلالة التصديقية الأولى: قصد الإخطار:

التعريف: هي الدلالة التي توجد عند صدور الكلمة من المتلفظ الملتفت حينما يريد إخطار المعنى في ذهن السامع‏ مثال:

. إذا سمعنا كلمة «ماء» من إنسان ملتفت فلا نتصور المعنى فقط، بل نستكشف من اللفظ أن الإنسان قصد بتلفظه أن يخطر ذلك المعنى في ذهننا.

3- الدلالة التصديقية الثانية: المراد الجدي:

التعريف: هي الدلالة على قصد الحكاية و الإخبار، و تسمّى بالدلالة على المراد الجدي.

مثال:

إذا قال المتلفظ الملتفت: «الماء بارد» نستكشف أنه يريد

49

أن يخطر في ذهننا معنى «الماء» و معنى «بارد» و معنى الجملة، فهو يقصد الحكاية أي يريد أن يخبرنا ببرودة الماء، هذا في المتكلّم الجاد.

أمّا الهازل فإنّه لا يقصد إلّا إخطار المعنى في ذهن السامع فقط دون أن يكون عنده قصد الحكاية.

النتيجة:

أ- الآلة حين تردد الجملة لها دلالة تصورية فقط لأنه لا يوجد عندها قصد إخطار و لا مراد جدي.

ب- الهازل لكلامه دلالة تصورية و دلالة تصديقية أولى لأنه ليس جاداً و لا يريد الإخبار حقيقة.

ج الجاد لكلامه دلالة تصورية و دلالة تصديقية أولى و دلالة تصديقية ثانية.

الوضع و علاقته بالدلالات المتقدمة:

الدلالة التصورية:

هي في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ و تصور

المعنى.

علاقة السببية: إن علاقة السببية بين شيئين لا تحصل بدون مبرر، لذلك اتجه البحث إلى تبرير هذه العلاقة بين اللفظ و المعنى.

50

النظريات حول علاقة السببية بين اللفظ و المعنى:

1- نظرية العلاقة الذاتية:

بأن يكون اللفظ بذاته دالًّا على المعنى و سبباً لإحضار صورته.

رد الشهيد:

هذه النظرية ساقطة لأنه معروف بالخبرة و الملاحظة عدم وجود أي دلالة للفظ لدى الإنسان قبل الاكتساب و التعلم.

2- نظرية العلاقة الاعتبارية:

فالسببيّة نشأت من وضع الواضع اللفظ للمعنى، و الوضع نوع اعتبار يجعله الواضع. نوعية المُعْتَبَر:

اختلف المحققون على ثلاثة آراء:

أ- اعتبار اللفظ سبباً لتصور المعنى.

ب- اعتبار اللفظ أداة لتفهيم المعنى.

ج-- اعتبار اللفظ علامة على المعنى.

رد الشهيد:

سببية اللفظ لتصور المعنى سببية واقعيّة بعد الوضع، و مجرد

51

اعتبار شي‏ء سبباً أو أداة أو علامة لشي‏ء لا يحقق السببية واقعاً، فنحتاج هنا إلى تفسير يبين كيفية نشوء السببية الواقعية من الاعتبار المذكور، و قد عجز أصحاب هذا المسلك عن تقديم هذا التفسير.

3- نظرية العلاقة التعهدية للسيد الخوئي:

إن دلالة اللفظ تنشأ من الوضع، و الوضع ليس اعتباراً، بل هو تعهد من الواضع.

معنى التعهد:

أن لا يأتي باللفظ إلّا عند قصد تفهيم المعنى، و بذلك تنشأ ملازمة بين الإتيان باللفظ و قصد تفهيم المعنى.

الفرق بين مسلكي التعهد و الاعتبار:

أ- على مسلك التعهد: يكون الوضع هو السبب في الدلالة التصديقية المستنبطة ضمناً للدلالة التصورية.

على مسلك الاعتبار: يكون الوضع سبباً للدلالة التصورية فقط.

ب- على مسلك التعهد: يجب افتراض أن كل متكلم متعهد

و واضع لكي تتم الملازمة في كلامه.

على مسلك الاعتبار: يفترض أن الوضع إذا صدر في البداية من المؤسس أوجب دلالة تصورية عامّة لكل من علم به بدون حاجة

52

إلى تكرار عملية الوضع من الجميع.

رد الشهيد:

أ- الالتزام بمسلك التعهد يعني عدم استعمال الألفاظ في معانيها المجازية.

ب- لا يوجد عند الأطفال تعهد حيث تحتاج الدلالة اللفظية إلى استدلال منطقي و إدراك للملازمة بين اللفظ و المعنى، و لا يوجد عند الأطفال الفكر الاستدلالي بهذه الصورة.

4- نظرية العلاقة التقارنية أو القرن الأكيد للشهيد:

الوضع: هو قرن مخصوص بين تصور اللفظ و تصور المعنى بنحو أكيد لكي يستتبع حالة إثارة أحدهما للآخر في الذهن.

بعبارة أخرى: الوضع هو القرن الأكيد بين تصور اللفظ و تصور المعنى.

توضيح ذلك:

الوضع يقوم على أساس قانون تكويني للذهن البشري هو

: كلما ارتبط شيئان في تصور الإنسان ارتباطاً مؤكداً أصبح بعد ذلك تصور أحدهما مستدعياً لتصور الآخر.

كيفية حصول هذا الربط:

أ- الربط يحصل بصورة عفوية: