دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - ج1

- ناجي طالب‏ آل فقيه العاملي المزيد...
363 /
7

«اهداء الكتاب»

سيدي يا ابن رسول الله و خاتم النبيين و صفوة المرسلين، يا ابن السادة المقرّبين و النجباء الاكرمين و الهداة الميامين ...

يا ابن البدور المنيرة و السّرج المضيئة، يا ابن الشهب الثاقبة و الانجم الزاهرة، يا ابن السّبل الواضحة و الاعلام اللائحة،

يا ابن العلوم الكاملة و السّنن المشهورة و المعالم المأثورة ...

ليت شعري اين استقرّت بك النوى، بل أيّ أرض تقلّك او ثرى، عزيز عليّ أن أرى الخلق و لا ترى، و لا اسمع لك حسيسا و لا نجوى، عزيز عليّ أن تحيط بك دوني البلوى و لا ينالك مني ضجيج و لا شكوى.

بنفسي انت من مغيّب لم يخل منّا، بنفسي انت من نازح ما نزح عنّا، بنفسي أنت أمنيّة شائق يتمنّى، بنفسي أنت من عقيد عزّ لا يسامى، بنفسي أنت من أثيل مجد لا يجارى ...

الى متى أحار فيك يا مولاي و الى متى، و ايّ خطاب أصف فيك و أيّ نجوى؟

سيدي يا ابن المطهّرين الاصفياء، بكل خشوع و استحياء، اتقدّم بين يديك بهذا الكتاب، حبّا بك لا رغبة في الثواب، فتقبّله منّا بقبول حسن إنّا نراك من المحسنين.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

«مقدّمة الشارح»

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف الخلق محمّد و على الهداة الميامين من آله الطاهرين.

لا شك في شدّة اهمية علم اصول الفقه لكونه من اهمّ المقدمات التي يتوقّف عليها استنباط الاحكام الشرعية، كما لا شك في انّ هذه الحلقات بالذات هي في زماننا من انسب الكتب الاصولية للدراسة الحوزوية مادّة و اسلوبا، وفّق الله جلّ و علا سيدنا الشهيد (رضوان الله عليه) فيها أيّما توفيق، فله الحمد و المنّة.

إلّا ان الخائضين في دراسة هذا الكتاب يلاحظون عليه خلوه من بعض المطالب التي يرجح ذكرها فيه من قبيل «الحقيقة الشرعية» و «الصحيح و الاعمّ» و «المشتق»، فاضفنا ما يلزم اضافته بنحو لم يشبه تطويل مملّ و لا تقصير مخلّ.

شرحنا المتن شرحا تعرّضنا فيه لاسرار ما أراده و اسباب ما افاده.

كثيرا ما ذكرنا اصحاب الاقوال و مصادر الكلام.

تعرّضنا لتقييم اسانيد الروايات.

صحّحنا الاخطاء الواردة في المتن، و ذكرنا ما كان موجودا في النسخة الاصلية كي يعرف الطالب ما الذي تصرّفنا فيه و هو قليل جدّا،

10

نعم هناك امور صحّحناها لا يحسن الاشارة اليها في الحاشية و هو ما كان من قبيل النقاط و الفواصل.

هناك كلمات يلزم ان تكون في المتن فجعلناها ضمن قوسين هكذا []، كي لا نتصرّف في المتن، و هي على أيّ حال كلمات قليلة.

حاولنا- في التعليقة- أن نقيّم المتن مادّة و اسلوبا، و كانت الغاية من ذلك تحريك اذهان الطلّاب للتقييم من قبلهم أيضا فلا يقفوا مستسلمين لما في المتن، يأخذونه اخذ المسلّمات، فان طريق الاجتهاد يتطلّب النظر في كل شي‏ء و لا يقبل التقليد، و الطالب في هذه المرحلة على شرف الدخول في مرحلة «بحث الخارج» التي كلها تحقيق و تعليق، فاردنا ان يبدأ من هذا الحلقة بالنظر و التقييم، و لا يكون امام هذا الكتاب كالصنم او كمن يرفع يده بالتسليم. و هذا الامر يتطلّب من الطالب ان يراجع بعض الكتب الاصولية ... فكتبنا له هذا الشرح و التعليق لتسهيل الأمر عليه.

(ثم) إنّه من اللازم جدّا على طالب العلم أن يحضّر الدرس قبل حضوره كي يعرف من اين انطلق الاستاذ و ما ذا يريد فلا يضيع في دروب الدرس و تفريعاته.

و من اللازم ايضا- إضافة الى مراجعة الدرس و كتابته و لو ملخّصا- ان يباحث مادّة الاصول هذه لاهميّة ذلك كثيرا في فهم المطالب و نموّها و تركيزها في الذهن، و ليتجنّب المتباحثون التكبّر فلا يستحيي أحدهم ان يسأل زملاءه عما يجهله و يعلمونه.

و من اللازم جدّا لطالب العلم كثرة الدعاء للتوفيق و دوام العافية،

11

فالخير كله بيد الله تبارك و تعالى يؤتي الملك من يشاء و ينزع الملك ممّن يشاء و يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير.

و أخيرا- و الأهم من كل شي‏ء- ان يكون طالب العلم مخلصا لله في اعماله فلا يدرس للجاه او لأيّ غرض دنيوي، و انما يدرس لله و يبلّغ لله، و يتجنّب ما استطاع من الذنوب كي لا يصير على قلبه رين المعاصي فتهون عليه و يسقط في مهاوي الهوى و الضلال، اعاذنا اللّه تعالى من اتباع الهوى و حبّ الدنيا، و نسأله ان يوفّقنا لمراضيه و يجنّبنا معاصيه انه ارحم الراحمين.

ناجي طالب‏

13 صفر سنة 1419 ه. ق‏

قم المقدّسة

(*) و ها هي اليوم بين يديك الطبعة الثانية منقّحة، شاكرا الله على ما أنعم و اكثر، و الحمد لله رب العالمين.

12 شعبان المعظم 1425 ه. ق‏

بيروت‏

27/ 9/ 2004 م‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

تمهيد

تعريف علم الاصول‏

موضوع علم الاصول‏

الحكم الشرعي و تقسيماته‏

تقسيم بحوث الكتاب‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

(تعريف علم الاصول)

عرّف علم الاصول بانّه «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي».

و قد لوحظ على هذا التعريف:

اوّلا: بانّه يشمل القواعد الفقهية كقاعدة انّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده‏ (1).

____________

(1) بسم اللّه الرحمن الرحيم و له الحمد و المنّة

لا بأس ببيان هذه القاعدة اجمالا فنقول: انّه اذا كان عقد البيع صحيحا فعلى كلّ واحد من المتبايعين ان يفي بمقتضى العقد لقوله تعالى: يأيّها الّذين ءامنوا أوفوا بالعقود- إلّا من له حقّ خيار الفسخ- و معنى ذلك عند العقلاء ان يضمن المشتري الثمن المتّفق عليه حتّى يسلّمه الى البائع، و ان يضمن البائع السلعة حتّى يسلّمها الى المشتري. هذا اذا كان العقد صحيحا.

و امّا اذا كان فاسدا فلا يجب الايفاء بالعقد كما هو واضح، الّا انّه اذا اتّفق و انتقل احد العوضين او كلاهما- عن جهل بالفساد- الى الطرف الآخر فمن الطبيعي ان الطرف الآخر لن يتملّك مال صاحبه فهو له ضامن، و ذلك لانّه اقدم على تملّك السلعة على وجه المعاوضة و الضمان لا المجّانية، و لذلك يجب عليه ان يردّ المال الذي اخذه بغير حقّ الى صاحبه، و هذا معنى الضمان، و كذلك اذا اتلفه يجب التعويض باقرب بدل، و هذا ايضا من لوازم‏

16

و ثانيا: بانّه لا يشمل الاصول العملية، لانّها مجرّد ادلة عملية و ليست ادلّة محرزة، فلا يثبت بها الحكم الشرعي، و انّما تحدّد بها الوظيفة العملية.

و ثالثا: بانّه يعمّ المسائل اللغويّة (1) كظهور كلمة الصعيد مثلا لدخولها في استنباط الحكم.

امّا الملاحظة الاولى فتندفع بانّ المراد بالحكم الشرعي الذي جاء في التعريف جعل الحكم الشرعي على موضوعه الكلّي، فالقاعدة الاصولية ما يستنتج منها جعل من هذا القبيل، و القاعدة الفقهية هي بنفسها جعل من هذا القبيل، و لا يستنتج منها الّا تطبيقات ذلك الجعل و تفصيلاته، ففرق‏

____________

الضمان، و هذه أمور يحكم بها العقل و تبانى عليها العقلاء، و هي من لوازم تبانيهم على احترام اموال الغير، و قد امضى المعصومون الاطهار عليهم افضل الصلاة و السلام هذا الارتكاز العقلائي بل صرّحوا بذلك في عدّة روايات كحسنة الحلبي و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) انّه قال «لا يصلح ذهاب حقّ احد» و صحيحة الكنّاسي عن ابي جعفر (عليه السلام) انّه قال «لا يصلح ذهاب حقّ امرئ مسلم و لا تبطل وصيّته»، فان أبيت من تطبيق المال على الحقّ فيكفينا وحدة المناط بينهما، بل قد يكون المال اولى من الحقّ بعدم صلاح ذهابه‏

(1) قال في محيط المحيط: القاعدة تطلق على المسألة أيضا في الاصطلاح، فبناء على هذا يرد هذا الاشكال.

(اقول) يتبادر من كلمة قاعدة في كلمات اصحاب القول بان علم الاصول هو العلم بالقواعد الممهّدة ...- بل لا نشك أيضا في انه مرادهم- هو القاعدة العامّة الكلّية ... و عليه فلا وجه لهذا الاشكال‏

17

كبير بين حجّيّة خبر الثقة و القاعدة الفقهيّة المشار اليها، لانّ الاولى يثبت بها جعل وجوب السورة تارة، و جعل حرمة العصير العنبي أخرى، و هكذا فهي اصولية، و امّا الثانية فهي جعل شرعي للضمان على موضوع كلّي، و بتطبيقه على مصاديقه المختلفة كالاجارة و البيع مثلا نثبت ضمانات متعدّدة مجعولة كلّها بذلك الجعل الواحد (1).

و أمّا الملاحظة الثانية فقد يجاب عليها تارة باضافة قيد الى التعريف و هو «او التي ينتهى اليها في مقام العمل» كما صنع صاحب الكفاية، و أخرى‏ (2) بتفسير الاستنباط بمعنى الاثبات‏

____________

(1) و بعبارة اوضح: القاعدة الاصولية يستنتج بواسطتها حكم كلّي فرعي، و القاعدة الفقهية هي بنفسها حكم شرعي فرعي كلّي تستنتج بواسطة القاعدة الاصولية، و لذلك يكون المجتهد و المقلّد في مقام تطبيق القاعدة الفقهية على الموارد الخارجيّة على حدّ سواء، نعم قد يوجد قواعد فقهية يتعسّر على العامّي استخدامها و تطبيقها كقاعدة «نفوذ الشرط الموافق او غير المخالف للكتاب او السّنّة» فيرجع فيها الى العالم، و لو قال المعرّف هو العلم بالقواعد التي بها نعرف الاحكام الشرعية الفرعية الجزئية لورد هذا الاشكال لأنّ القواعد الفقهية تعرف بواسطتها الاحكام على موارد جزئية شخصية بتطبيق موضوع القاعدة على المورد الجزئي‏

(2) ذكره السيد الخوئى (رحمه اللّه) فى المحاضرات ص 11، و تفسير ذلك ان استنباط الحكم الشرعي هنا يعني اننا نثبته اي يتنجّز على المكلّف و يعذره بالنسبة الى الحكم الواقعي، و المقصود من الحكم الشرعي حينئذ ما يكون حجة على العبد فى مقام العمل سواء كان الحكم مستنبطا من الادلّة المحرزة او كان وظيفة عمليّة مستنبطة من اصل عملي‏

18

التنجيزي و التعذيري، و هو اثبات تشترك فيه الادلّة المحرزة و الاصول العملية معا.

و اما الملاحظة الثالثة فهناك عدة محاولات للجواب عليها:

منها: ما ذكره المحقّق النائيني (قدس سره) من اضافة قيد الكبروية في التعريف لاخراج ظهور كلمة الصعيد، فالقاعدة الاصولية يجب ان تقع كبرى في قياس الاستنباط، و اما ظهور كلمة الصعيد فهو صغرى في القياس، و بحاجة الى كبرى حجيّة الظهور.

و يرد عليه ان جملة من القواعد الاصولية لا تقع كبرى أيضا، كظهور صيغة الامر في الوجوب، و ظهور بعض الادوات في العموم او في المفهوم، فانّها محتاجة الى كبرى حجية الظهور، فما الفرق بينها و بين المسائل اللغوية (*)؟ و كذلك ايضا مسألة اجتماع الامر و النهي، فانّ الامتناع فيها يحقّق صغرى لكبرى التعارض بين خطابي صلّ و لا تغصب،

____________

(*) يظهر من بعض كلمات المحقق النائيني- فى اجود التقريرات- انّه لا يعتبر تشخيص الظهورات من علم الاصول سواء كان متعلق الظهور جزئيا (كظهور كلمة الصعيد) ام كليّا (كظهور صيغة افعل)، و انما هو من شئون علم اللغة، و مثله قال السيد البجنوردي في منتهى اصوله و السيد المروّج فى منتهى درايته، الّا انّه لما لم يتعرّض اللغويون لهذه الابحاث و كانت تشكل قواعد عامّة تقع فى طريق الاستنباط و هي من المقدمات التصديقيّة الاخيرة التي يترتّب عليها استنباط كثير جدّا من الاحكام الشرعية، و لانّ جلّ الابحاث فيها هي تحليلية و تحقيقية، لذلك صار جعلها في علم الاصول ذا وجه وجيه‏

19

و الجواز فيها يحقق صغرى لكبرى حجيّة الاطلاق‏ (1).

و منها: ما ذكره السيد الاستاذ (2) من استبدال قيد الكبروية بصفة

____________

(1) توضيح ذلك: انّا اذا قلنا بامتناع اجتماع الامر و النهي (بمعنى انّه يستحيل ان تتصف الصلاة مثلا في المغصوب باكثر من حكم كالوجوب و الحرمة) يصير القياس كما يلي:

- اجتماع الامر و النهي على متعلّق واحد ممتنع (الصغرى)

- و كلّ ممتنع جعلهما معا حكمهما حكم المتعارضين (الكبرى)

- فاجتماع الامر و النهي على متعلّق واحد حكمه حكم التعارض (النتيجة) (و هذا) يعني- مع تقديم جانب النهى- عدم وجود امر بالصلاة في المغصوب.

و امّا اذا قلنا بامكان اجتماعهما- و لو بتقريب تعدّد الجهات مثلا- فسيكون القياس كما يلي:

- اجتماع الامر و النهي ممكن على متعلّق واحد (الصغرى)

- و كلّ ما يمكن اجتماعهما من الاحكام على متعلّق واحد يكون كل حكم حينئذ متعلّقا بالمتعلّق مطلقا (الكبرى)، بمعنى انّ الوجوب يكون ثابتا للصلاة في كل حال حتّى في المغصوب، و كذلك الحرمة تكون ثابتة في كل تصرّف بالمغصوب حتّى و لو كان هذا التصرّف صلاة.

و (النتيجة) يكون كل حكم مطلقا (أي حتّى في محلّ الالتقاء)، و هذا يعني القول بصحّة الصلاة في المغصوب للأمر بها حتّى في المغصوب‏

(2) يقول السيد الخوئي- على ما في تقريرات الفيّاض ج 1 ص 8-: «في تعريف علم الأصول، و هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في طريق استنباط الاحكام الشرعية الكلّيّة الالهيّة من دون حاجة الى ضميمة كبرى او صغرى اصوليّة أخرى إليها».

و قال ص 12: «إنّ هذا التعريف يرتكز على ان يكون وقوع القواعد في‏

20

أخرى، و هي ان تكون القاعدة وحدها كافية لاستنباط الحكم الشرعي بلا ضمّ قاعدة اصوليّة أخرى، فيخرج ظهور كلمة الصعيد لاحتياجه الى ضمّ ظهور صيغة افعل في الوجوب، و لا يخرج ظهور صيغة افعل في الوجوب و إن كان محتاجا الى كبرى حجية الظهور، لانّ هذه الكبرى ليست من المباحث الاصوليّة للاتفاق عليها.

و نلاحظ على ذلك:

أوّلا: إنّ عدم احتياج القاعدة الاصوليّة الى أخرى إن اريد به عدم الاحتياج في كل الحالات فلا يتحقق هذا في القواعد الاصولية، لانّ ظهور صيغة الامر في الوجوب مثلا بحاجة في كثير من الاحيان الى دليل حجية السند حينما تجي‏ء الصيغة في دليل ظنّي السند، و إن اريد به عدم الاحتياج و لو في حالة واحدة فهذا قد يتفق في غيرها، كما في ظهور كلمة الصعيد إذا كانت سائر جهات الدليل قطعيّة (1).

____________

طريق الحكم بنفسها من دون حاجة الى ضمّ كبرى اصولية أخرى».

و قال ص 13: «إنّ المسائل الاصوليّة كبريات لو انضمّت إليها صغرياتها (كوثاقة الراوي) لاستنتجت نتيجة فقهيّة من دون حاجة الى ضمّ كبرى اصوليّة أخرى»

(1) أي فهل يصير ظهور كلمة الصعيد مسألة اصولية حينئذ*؟!

(*) يمكن الاجابة عن السيد الخوئي (رحمه اللّه) بلحاظ كلا شقّي الملاحظة الاولى، امّا بالنسبة الى الشقّ الاوّل فبأنّ السند جهة أخرى من جهات البحث، و الكلام إنما هو في كفاية كلّ قاعدة في نفسها في مجالها للاستنباط، اي من شانها أن يستنبط منها لوحدها حكم او احكام شرعيّة مع غضّ النظر عن بقية جهات البحث كبحث حجيّة السند،

21

و ثانيا: إنّ ظهور صيغة الامر في الوجوب و أيّ ظهور آخر بحاجة الى ضمّ قاعدة حجّية الظهور، و هي اصولية، لانّ مجرّد عدم الخلاف فيها لا يخرجها عن كونها اصوليّة، لانّ المسألة لا تكتسب اصوليّتها من الخلاف فيها، و انّما الخلاف ينصبّ على المسألة الاصوليّة.

و هكذا يتّضح ان الملاحظة الثالثة واردة على تعريف المشهور.

و الاصحّ في التعريف أن يقال «علم الاصول هو العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي». و على هذا الأساس تخرج المسألة اللغوية كظهور كلمة الصعيد لانّها لا تشترك إلا في استنباط حال الحكم المتعلّق بهذه المادّة فقط، فلا تعتبر عنصرا مشتركا (1).

____________

(1) و تخرج القواعد الرجالية كقاعدة ان ترحّم الامام على شخص امارة الوثاقة مثلا لكون الغرض منها ليس هو الاستنباط و انما هو تمييز الثقة عن غير الثقة، فهي مقدمات بعيدة ليست ناظرة الى عملية الاستنباط، نعم هي تنفعنا في الاستنباط كغيرها من العلوم كالادبيّات العربية.

و كذلك تخرج اصالتا الطهارة و الحل، فانهما و إن كانتا كلّيتين من جهة انهما تجريان في كل ابواب الطهارة و الاطعمة و الاشربة إلّا انّ الانسب- رغم ذلك- بحثهما في علم الفقه لانّ مورديهما مخصوصان بما ذكرنا و البحث فيهما فقهي واضح، بخلاف قاعدة البراءة مثلا فانه لا اختصاص لها بباب دون باب و لم تلحظ فيها اىّ جنبة فقهية

و هذا ضمنا و بالارتكاز واضح.

و امّا بالنسبة الى الشقّ الثاني فنقول ان ظهور كلمة الصعيد و امثالها هي صغريات و ليست كبريات في قياس الاستنباط.

(نعم) يرد على السيد الخوئي ما اورده السيد المصنف على المحقق النائيني قبل قليل‏

22

____________

و مثل البراءة البحث في مسألة «ان النهي عن العبادة هل يقتضي الفساد ام لا»، فانّه و ان كان خاصّا في العبادات إلا انّه رغم ذلك يبحث في علم الاصول بحقّ، لانّ البحث فيها ليس فيه مسحة فقهيّة بل البحث فيها ينظر الى انّه هل يمكن ان يكون امر واحد كالصلاة في المغصوب مثلا مطلوبا من جهة الصلاتية و محرّما من جهة الغصبيّة فتكون الصلاة صحيحة ح‏ أ؟ ... فهو اذن بحث في الملازمات العقلية في الواقع‏

(أ) حرف ح يعني حينئذ

23

موضوع علم الاصول‏

موضوع علم الاصول- كما تقدّم في الحلقة السابقة- هي «الادلّة المشتركة (1) في الاستدلال الفقهي»، و البحث الاصوليّ يدور دائما حول دليليّتها.

و عدم تمكّن بعض المحقّقين‏ (2) من تصوير موضوع العلم على‏

____________

(1) اختلف في بيان موضوع العلم- بناء على الاعتقاد بوجوده لكل علم- على قولين: قول بانّه هو الكلي الجامع بين موضوعات مسائل العلم، كالكلمة مثلا التي هي جامع بين الفاعل و المفعول و المبتدأ و غيرها من الكلمات ... و قول بانّه هو الجامع بين نفس الادلة و المسائل التي يبحثها العلم، و السيد المصنّف (قده) أيّد القول الثاني‏

(2) ينبغي أن يعلم ان نظر هؤلاء المحقّقين كان الى علم النحو و أمثاله ممّا له موضوع واحد كالكلمة مثلا، فتارة تكون مرفوعه اذا كانت فاعلا و تارة تكون منصوبة اذا كانت مفعولا به و هكذا ... فقالوا ان موضوع علم النحو «الكلمة»، ثم نظروا الى علم الاصول فوجدوا انّ موضوعات مسائله متغايرة، فهناك «خبر الثقة» و هناك «البراءة» و «الاستصحاب» و إمكان اجتماع الامر و النهي و حالات التعارض و و ... و ليس بينها جامع، و لذلك قالوا ليس لبعض العلوم موضوع واحد ...

و من هؤلاء المحقّقين السيد الامام و السيد البجنوردي و السيد الخوئي رحمهم الله تعالى إذ يقول السيد الامام مثلا: «إنّ الالتزام بانّه لا بدّ لكل علم من‏

24

النحو الذي ذكرناه ادّى الى التشكّك في ضرورة ان يكون لكل علم موضوع، و وقع ذلك موضعا للبحث، فاستدلّ على ضرورة وجود موضوع لكل علم بدليلين:

احدهما: ان التمايز بين العلوم بالموضوعات، بمعنى انّ استقلال علم النحو عن علم الطبّ انّما هو باختصاص كلّ منهما بموضوع كلّي يتميّز عن موضوع الآخر، فلا بدّ من افتراض الموضوع لكل علم.

و هذا الدليل أشبه بالمصادرة، لانّ كون التمايز بين العلوم‏

____________

موضوع جامع بين موضوعات مسائله او من غرض واحد به تتميّز العلوم، و انّ البحث فيها عن العوارض الذّاتيّة للموضوع الكلّي غير صحيح، بل البرهان قائم على خلافه، نعم الموحّد و الرابط بين مسائل العلم الواحد هو كونها و كون فوائدها من سنخ و طبيعة واحدة ...» (و قال) «و ليس العلم الّا عدّة قضايا متشتّتة و لهذه المتشتّتات ارتباط خاص و سنخيّة واحدة لأجلها قام العقلاء بتدوينها و عدوّها شيئا واحدا، و ليس موجودا واحدا مشخّصا وراء الاعتبار فيكون ذا صورة و مادّة او جنس و فصل ...»* (تهذيب الاصول)

و يقول السيد الخوئي- و مثله السيد البجنوردي- «و امّا الكلام في موضوع هذا العلم فقد سبق ان أقمنا البرهان على انّه لا موضوع له واقعا، و انّ حقيقته عبارة عن عدّة من القضايا و القواعد المتباينة بحسب الموضوع و المحمول التي جمعها في مرحلة التدوين اشتراكها في الغرض الواحد»

(*) أقول لا شكّ انك تعرف الفرق بين الغرض و الفائدة، فغرض طالب العلم التعلّم، و اما الفائدة فهي ما يحصل مما لا يكون مقصودا من العمل، كأن ينال بسبب علمه مالا كثيرا، و عليه فكل ما كان يراه العلماء يصبّ في غرضهم من العلم الفلاني كانوا يدخلونه فيه حتّى تطوّرت العلوم، فالجامع بين مسائل العلم الواحد هو الغرض الواحد، كما سيأتي‏

25

بالموضوعات فرع وجود موضوع لكل علم، و الّا تعيّن أن يكون التمييز قائما على أساس آخر كالغرض.

و الآخر (1): ان التمايز بين العلوم إن كان بالموضوع فلا بدّ من موضوع لكل علم اذن لكي يحصل التمايز، و إن كان بالغرض- على اساس ان لكل علم غرضا يختلف عن الغرض من العلم الآخر- فحيث ان الغرض من كلّ علم واحد، و الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فلا بدّ من افتراض مؤثر واحد في ذلك الغرض. و لمّا كانت مسائل العلم متعدّدة

____________

(1) بيان هذا الوجه هو انّ قائله يرى ان الغرض هو ما يترتّب على العمل، فالغرض من علم الاصول هو الاقتدار على الاستنباط، فكل ما يوصلنا الى هذا الغرض يدخل في هذا العلم، و على هذا الأساس تمايزت العلوم، ثمّ ان الغرض من كل علم واحد، فالمسائل التي توصلنا الى هذا الغرض و إن تعدّدت لكن هي ذو وجهة واحدة ... او قل إنّ الواحد (كالغرض الواحد) لا يصدر إلا من واحد (كالدليل الذي يقدرنا على الاستنباط)، فهو العلّة و المؤثّر في تحصيل الغرض، و لما كانت مسائل العلم متعدّدة فلا بدّ من وجود جامع واحد لها ينتج هذا المعلول الواحد، و لهذا يمكن ان نقول إنّ الجامع لهذه المسائل المتشتّتة هي قضيّة كلّية جامعة بموضوعها لموضوعات المسائل و بمحمولها لمحمولات المسائل، ففي علم الطب مثلا يكون الموضوع الكلّي مثلا «بدن الانسان من حيث سلامته و مرضه» و المحمول الكلّي «علاجه المناسب» و في علم النحو «الكلمة من حيث اعرابها» و المحمول «حكمها الاعرابي»، و في علم الاصول «الدليل المشترك الذي من شأنه ان يوصلنا الى الاقتدار على الاستنباط» و المحمول أي الذي يبحث فيه عنه هو «دليليّته و حجّيته» (راجع تقريرات السيد الهاشمي ج 1 ص 38)

26

و متغايرة فيستحيل ان تكون هي المؤثّرة بما هي كثيرة في ذلك الغرض الواحد، بل يتعيّن ان تكون مؤثّرة بما هي مصاديق لأمر واحد، و هذا يعني فرض قضيّة كلّيّة تكون بموضوعها جامعة بين الموضوعات، و بمحمولها جامعة بين محمولات المسائل. و هذه القضيّة الكلّيّة هي المؤثّرة، و بذلك يثبت ان لكل علم موضوعا، و هو موضوع تلك القضيّة الكلّية فيه.

و قد اجيب على ذلك بأنّ الواحد على ثلاثة أقسام‏ (1): واحد

____________

(1) يريدون ان يقولوا في هذا الجواب بعدم وجود قضيّة كلية جامعة حقيقة بين مسائل علم الاصول هي علّة هذا الغرض الواحد الذي هو الاقتدار على الاستنباط، نعم هذه القضية الجامعة واحدة بالنوع او بالعنوان.

و لتوضيح ذلك نبيّن أوّلا قاعدة «الواحد لا يصدر إلا من واحد» فنقول:

إنّ كلمة «الواحد» في الفلسفة تطلق و يراد منها احد ثلاثة معان:

الاوّل: معنى الواحد الشخصي، و له ثلاثة أنحاء:

1- فامّا ان يكون واحدا من جميع الجهات، و هو الباري عزّ و جلّ، بمعنى انّه عين الوجود، و الوجود لا يتثنّى و لا يجمع، فلا يقال وجودان او ثلاثة وجودات، و ذلك لانّ منشأ التعدّد بين الموجودات هو الامتياز بينها، و لا امتياز بين وجود و وجود- من حيث الوجود و إن يوجد بينهما تمايز من حيث الماهيّات او الاعراض- فلا تعدّد في ذاته تعالى، و لذلك قال تعالى في بيان ذلك «قل هو الله أحد» و لم يقل قل هو الله واحد، و ذلك لانّ الواحد يقبل الاثنينيّة باضافته الى واحد آخر، و أمّا الاحد فلا يقبلها، و هذا ما يعبّر عنه في علم العرفان ب «مقام الذات الأحديّة» الذي هو فوق «مقام الأسماء و الصفات» و التعدّد بالجهات.

2- و إمّا ان يكون واحدا من حيث التركيب الخارجي و عدمه، كالمجرّدات (و هي ما ليست بمادّة كالعقول و النفوس)، فانّها ليست مركّبة من‏

27

____________

مادّة و صورة.

3- و إمّا ان يكون واحدا بلحاظ الخارج، كزيد من الناس، فانّه و إن كان مركّبا من مادّة (و هي البدن) و صورة (و هي النفس الناطقة)، إلّا انّه واحد خارجا، و كذا الكتاب الفلاني و الحائط و نحو ذلك.

الثاني: الواحد النوعي، و قد يعبّر عنه الواحد بالنوع، و هو عبارة عن الجامع (الكلّي) الحقيقي بين ذاتيّات افراده، كالانسان بلحاظ زيد و عمرو ... او قل الانسان بالحمل الشائع الصناعي.

الثالث: الواحد العنواني، و هو الجامع بين اعراض المصاديق بنحو الاشتقاق كالطويل و الاسود ... او قل بنحو العرضي لا بنحو العرض (كالطول و السواد)، و هذا الجامع- كما ترى- جامع عرضي لا حقيقي.

بعد ان عرفت إطلاقات كلمة «الواحد» نقول:

إنّ قاعدتي «الواحد لا يصدر إلّا من واحد» و «الواحد لا يصدر منه إلّا واحد» مرجعهما الى قاعدة واحدة و هي قاعدة «لزوم السنخيّة بين العلّة و معلولها»، بمعنى ان المعلول لا بدّ و ان يسانخ علّته، فهو ظلّ لها و شأن من شئونها.

(إن قلت) بناء على هذا فكيف صدر من الباري عزّ و جلّ و هو الواحد الاحد الكثير؟!

(قلت) قد يجاب على ذلك بانّ الجهة التي صدرت منها هذه الكثرة ليست هي «مقام الذات الاحديّة»، فانّه ليس في هذا المقام تعدّد جهات، و انّما هي «مقام الذات الواحديّة» و هو «مقام الأسماء و الصفات»، و من هذا المقام خلق الله تبارك تعالى الصادر الاوّل الذي فيه جهة الامكان، و بها افترق عن الواجب تعالى، و فيه تعدّد الأسماء و الصفات، ثم صدر بواسطة الصادر الاوّل الصادر الثاني بتضييق حدود وجوده فتنزّل بذلك عن «مقام الوجود المنبسط» الذي هو مقام الصادر الاوّل، و هكذا تتنزّل الوجودات ... الى ان يصل الصدور الى عالم المثال ثم الى عالم المادّة ... و من هنا قالوا «اين‏

28

بالشخص، و واحد بالنوع و هو الجامع الذّاتي لافراده، و واحد بالعنوان و هو الجامع الانتزاعي الذي قد ينتزع من انواع متخالفة. و استحالة صدور الواحد [كالغرض‏] من الكثير [كالادلة الاصولية المتغايرة] تختصّ بالاوّل‏ (1)، و الغرض المفترض لكل علم ليست وحدته شخصيّة بل نوعيّة

____________

التراب و ربّ الأرباب»، على انّه لا انفصال بين كل هذه الوجودات الطوليّة، بل وجود الدانية منها قائم بوجود العالية ... (راجع في ذلك نهاية الحكمة و الحكمة المتعالية و فصوص الحكم و غيرها من الكتب العقائديّة القيّمة).

و على أيّ حال فاستحالة صدور الواحد من الكثير تختصّ بالواحد الشخصي و من جهة واحدة (راجع الاسفار ج 2 ص 82- فما بعد و ص 204- فما بعد)، فمن اسم «المنتقم» يصدر الانتقام، و من اسم «الرحيم» تصدر الرحمة و هكذا ... و كذلك من جهة حركة يد زيد تحرّك ما في يده و من جهة تنفّسه تحرّك الهواء، و هذا لا يصدق على الغرض من علم الاصول فانّ وحدته ليست شخصيّة، لانه يوجد لكل مسألة منه غرض خاص و هو مثلا في حجية خبر الثقة معرفة حجية خبر الثقة او عدمها و سعة دائرة هذا الحجيّة، و هكذا في الاجماع، فانّ الغرض منه معرفة حجيته أو عدمها و مدى سعة دائرة هذا الحجيّة، و هكذا في سائر مسائل علم الاصول، فغرض كل مسألة يغاير الغرض من المسألة الاخرى، هذا التعدّد في الاغراض يكشف عن تعدّد المسائل و تغايرها، و ان «الاقتدار على الاستنباط» هو جامع نوعي او انتزاعي- لا شخصي- ذو جهات متعدّدة بتعدّد اغراض مسائل علم الاصول، فلا تنطبق قاعدة الواحد هنا لاشتراط الوحدة البسيطة في هذه القاعدة، و لم يبرهن على وجود قضيّة كليّة واحدة تكون بموضوعها جامعة حقيقة بين موضوعات المسائل و بمحمولها جامعة بين محمولاتها، تنتج غرضا واحدا هو «القدرة على الاستنباط»

(1) بمعنى انه قد يصدر الغرض الواحد- بالوحدة العنوانية- من أدلة أصولية

29

او عنوانيّة (1)، فلا ينطبق برهان تلك الاستحالة في المقام‏ (2).

و هكذا يرفض بعض المحقّقين الدليل على وجود موضوع لكل علم، بل قد يبرهن على عدمه بأنّ بعض العلوم تشتمل على مسائل موضوعها الفعل و الوجود، و على مسائل موضوعها الترك و العدم، و تنتسب موضوعات مسائله الى مقولات ماهويّة و اجناس متباينة، كعلم الفقه الذي موضوع مسائله الفعل تارة و الترك أخرى، و الوضع تارة و الكيف أخرى، فكيف يمكن الحصول على جامع بين موضوعات مسائله؟!

و على هذا الأساس استساغوا ان لا يكون لعلم الاصول موضوع غير انّك عرفت ان لعلم الاصول موضوعا كلّيا (*) [واحدا و لو بالوحدة العنوانية] على ما تقدّم‏ (3).

____________

متغايرة إذن قد لا يوجد موضوع واحد جامع بين موضوعات الادلة الاصولية و لا بين نفس الأدلة

(1) هنا يجزم السيد الشهيد (قده) بتغاير موضوعات الادلة أو بتغاير نفس الأدلّة، أي انه لا يوجد موضوع واحد كلّي جامع بين موضوعات الادلة و لا بين نفس الادلّة

(2) و انما قد تكون موضوعات المسائل الاصولية متعدّدة و متغايرة جمع بينها وحدة الغرض- بالوحدة العنوانية- و النتيجة انه لا يوجد موضوع واحد كلي يجمع بين موضوعات الادلة الاصولية و لا بين نفس الادلّة

(3) لقد قلنا في بداية البحث انّ الموضوع الكلّي الذي نفاه المحقّقون‏

(*) كان الاولى ان يحذف كلمة «كلّيا» لانّ هذه الكلمة تعني- اصطلاحا- جامعا واحدا ينطبق على افراده، و هو (قدس سره) لم يذكر هذا الجامع، اي لم يقل هو الدليل المشترك‏

30

____________

هو الجامع الحقيقي بين موضوعات المسائل الاصوليّة، إذ رأوا ان لا جامع حقيقيّ بين البراءة و الاستصحاب و دلالة الامر بشي‏ء على وجوب مقدّمته و النهي عن ضدّه و حالات التعارض و و ...، و قد آمن السيد الشهيد (رحمه اللّه) بهذا الامر، و لكنه رأى ان البحث انّما هو عن دليلية الادلّة الاصوليّة لا عن «الاستصحاب» و «البراءة» و نحوهما كمفاهيم اسمية مجرّدة، و انما البحث عن انّ روايات «لا تنقض اليقين بالشك» مثلا هل تثبت لنا قاعدة الاستصحاب المدّعاة؟ فالبحث إذن عن اثبات دليليّة دليل الاستصحاب المدّعى او عدم دليليّته، و هكذا الامر في سائر الابحاث الاصولية، فهذه الادلّة المشتركة التي توصلنا الى غرضنا المطلوب و هو «القدرة على الاستنباط» هي محور دراسات علم الاصول و هي موضوعه، و هذا يعني عدم وجود داعي لئن نجمعها في جامع حقيقي بان نقول بانّ موضوع علم الاصول هو الدليل المشترك الذي من شأنه ان يوصلنا الى غرضنا، و انما يكفي ان نقول بان موضوع علم الاصول هو الادلّة المشتركة في الاستدلال الفقهي خاصّة، و إن كان يصح أيضا أن نقول بان موضوع علم الأصول هو الدليل المشترك في الاستدلال الفقهي و يكون المراد من الدليل المشترك بنحو الحمل الشائع الصناعي، اي بنحو العنوان الجامع بين الادلة.

و انما قال هو «الادلة المشتركة»، و «الادلة» ليست موضوعا كليّا جامعا بين موضوعات المسائل و لا بين نفس المسائل و الادلّة.

و بعبارة أوضح: ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) ليس موضوعا لعلم الاصول، انما هو إشارة الى وحدة الغرض في هذا العلم و هذا امر صحيح و متسالم عليه. (و لا فائدة)- بعد موحّدية الغرض و صحّة النتيجة التي توصّل اليها سيدنا الشهيد- من هذا التطويل إذ ايّ فائدة من ان نعرف ان الغرض هنا شخصي او نوعي او عنواني، او أن القضية الكلية- التي هي علّة هذا الغرض من جهة و معلولته من جهة أخرى- هل جامعيّتها لمسائل علم الاصول شخصية او نوعية او عنوانية، او ان الموضوع في علم الاصول هل هو الجامع بين موضوعات مسائله او هو القضيّة الكليّة الجامعة بين موضوعات مسائله و محمولاتها؟! ..

31

(الحكم الشرعي و تقسيماته)

الاحكام التكليفية و الوضعيّة:

قد تقدّم في الحلقة السابقة ان الاحكام الشرعية على قسمين‏ (1):

____________

(1) راجع إن شئت الكفاية ج 2 ص 301 من طبعة المشكيني، إذ قال فيها «لا خلاف و لا إشكال في اختلاف التكليف و الوضع مفهوما،* و اختلافهما في الجملة موردا لبداهة ما بين مفهوم السببيّة او الشرطيّة و مفهوم مثل الايجاب او الاستحباب من المخالفة و المباينة ...»، و إن شئت ان تنظر في مصادر أخرى فانظر مثلا في الرسائل الجديدة ص 345، اجود التقريرات ج 2 ص 382، و مصباح الاصول ج 3 ص 77 ..

(*) (أقول) لا شك في كون الشارع المقدّس يجري في التشريع للبشر على نسق يناسبهم، فيعتبر اعتبارات معيّنة و هي ما يسمّى بالمبادئ التصوريّة، هذه المبادئ التصوّرية (إمّا) ان تقع موضوعات في الجعل الشرعي و هي على أربعة أقسام:

1- إمّا ان يعتبرها الشارع ليجعلها شرطا خاصّا في فعلية حكم كالحضر الذي هو شرط خاص في وجوب صلاة التمام و الصيام، فعرّفنا مراده من الحضر مثلا ليرتّب عليه وجوب الصيام و هكذا ..

2- و إمّا ان يعتبرها الشارع ليجعلها شرطا عامّا لفعلية الاحكام التكليفية كالبلوغ، فعرّفنا مراده من البلوغ.

3- و إمّا يبيّن لنا نفس متعلّق الحكم كالصلاة و الصيام و الحج و البيع و الاجارة و النكاح‏

32

____________

و الطلاق و شبهه و النذر و اخويه و سائر العقود و الايقاعات و الحدود و الرجم و و ...

فيبيّن لنا مراده من الطلاق مثلا و مراده من الصلاة و انها مركّبة من كذا و كذا ... ليرتب على ذلك- في مرحلة التكليف- احكاما تناسبها.

4- و امّا ان يبيّن لنا شرائط المتعلّق كالطهارة و الستر (في الصلاة مثلا)، فيعرّفنا ان الطهارة هي- مثلا- الاثر المترتب على الوضوء المركّب من كذا و كذا ...

(و امّا) ان تقع محمولات في الجعل الشرعي و هي على قسمين: (قسم) ناظر الى الحكم و (قسم) ناظر الى الاثر.

الاول فهو عبارة عن المفاهيم المحرّكة الخمسة المعروفة (و هي الوجوب و الاستحباب و الاباحة و الكراهة و الحرمة)، و ادخلنا الاباحة ضمنها لانها من عالمهم و إن لم تكن محرّكة حقيقة، و الامر سهل، فاعتبر الشارع المقدّس ان الواجب و المحرّم لا يجوز مخالفتهما و يستحق العاصي عليهما العقاب، بخلاف المستحب و المكروه و المباح.

و امّا الثاني فهو عبارة عن الصحّة و الفساد الشرعيين- لا التكوينيين- اي الصحة و الاكتفاء في نظر الشارع المقدّس و ان كان ناقصا تكوينا، و امّا الفاسد في نظر الشرع فهو فاسد تكوينا حتما لنقصانه، و لا شك انك تعلم ان المراد بالصحة و الفساد التكوينيين هو مطابقة المأتي به للمامور به تكوينا و عدم المطابقة.

(ثم في مرحلة الحكم) يحكم الشارع المقدّس فيقول مثلا «الصلاة واجبة»، امّا تبيينه تعالى كيفية الصلاة و الطهارة مثلا فهو امر يكون في مرحلة المبادئ التصورية.

و من هنا تعرف ان مرتبة الحكم تغاير مرتبة التصوّر لان الحكم يكون في مرحلة التصديق، فالحكم هو نسبة محمول الى موضوع يناسبه، (و هي نسبة تعلقيّة من قبيل نسبة المعلول الى علّته) فما قد يتوهّمه البعض من ان كلمة «واجب» في قول المولى «الصيام واجب» حكم هو اشتباه و غفلة عما ذكرناه، فليست كلمة «واجب» المجرّدة عن موضوعها و مع غضّ النظر عن غيرها هي حكم، بل هي مفهوم اسمي تصوّري لا اكثر، و انما الحكم هو «ترتّب الوجوب على الصيام»، او قل «الصيام واجب»، فالحكم إذن هو هذه النسبة الحكمية القائمة بين الموضوع و المحمول و التي يعبّر عنها- فى مثالنا- بثبوت الوجوب للصيام‏

33

أحدهما الاحكام التكليفية، و الآخر الاحكام الوضعيّة، و قد عرفنا سابقا نبذة عن الاحكام التكليفية (1)، و امّا الاحكام الوضعية فهي على نحوين:

الاوّل: ما كان واقعا موضوعا للحكم التكليفي كالزوجيّة (2) الواقعة موضوعا لوجوب الانفاق، و الملكية الواقعة موضوعا لحرمة تصرّف الغير في المال بدون إذن المالك.

____________

(1) فائدة: يقال في اللغة: التكليف هو الحمل و البعث على فعل شاقّ.

لكن توسّع علماؤنا في هذه اللفظة لاسباب معروفة- ذكروها في كتاب توضيح المراد ص 580 و غيره- فاطلقوا لفظة «الاحكام التكليفية» على الاحكام الخمسة المعروفة «الوجوب الاستحباب الاباحة ...» و لا مشاحة في الاصطلاحات‏

(2) يقصد كحكم اللّه تعالى بالزوجية (لان الحكم الشرعي مركّب من مبتدأ و خبر) و الملكية

(اذا) عرفت هذا تعرف ان الاحكام الوضعية هي أيضا مبادئ تصديقية كحكم الشارع بالملكية و الطهارة و نحوهما، و هي المبادئ الناظرة الى موضوعات الاحكام التكليفية، و ان الاحكام التكليفية هي مبادئ تصديقية، كترتيب وجوب النفقة على الحكم بالزوجية.

و يحسن- و نحن في هذا المقام- ان نذكّر الاخوة الطلبة أن قول الشارع مثلا «لا يجب الفحص عن النجاسة» ليس بحكم شرعي أيضا، ذلك لانّ هذا يقبل الاستحباب و الكراهة و الاباحة، فهو مهمل من هذه الجهة، و لا اهمال في عالم الجعل، بل في عالم الجعل كل الاحكام محدّدة، لانّ الاهمال في عالم الجعل امّا يرجع الى الجهل و هو محال على المولى تعالى، و إمّا الى نقص الشريعة و هو باطل عندنا، و اطلاقنا عليه احيانا حكما شرعيا انما يكون بسبب تحدّده من جهة، و هي جهة مقابلته للوجوب، و هذا الاطلاق- كما علمت- فيه تساهل، فتأمّل‏

34

الثاني: ما كان منتزعا عن الحكم التكليفي، كجزئية السورة للواجب المنتزعة عن الامر (*) بالمركّب منها [و من غيرها]، و شرطيّة

____________

(*) الصحيح ان هذه المفاهيم الانتزاعية التابعة للقسم الثاني منتزعة من نفس المركّب، كما ننتزع جزئيّة الآجر من الجدار تماما، و شرطية كون الآجر على بعضه البعض ليتشكل الجدار و مثل الجزئية و الشرطية المانعية و القاطعية، كمانعيّة كون اللباس ماخوذا من الميتة للصلاة، و قاطعية الكلام عمدا لها، فانّ كلّ هذه الانتزاعات ينتزعها الذهن من المركّب، و لا يمكن جعلها بنحو الاستقلال، لانّها عناوين انتزاعية كانتزاع العناوين الاضافية من طرفين كالابوّة و البنوّة و التحتيّة و الفوقيّة و نحو ذلك من الوجودات الانتزاعية الّتي لا وجود استقلالي لها إلّا في صقع انتزاعها و هو ذهن المنتزع.

اما إذا اردت ان تنتزع جزئية السورة للواجب فانّك تحتاج الى امر بالمركّب في المرحلة الاولى، ثم تنتزع من هذا الواجب جزئية السورة للواجب و شرطية الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر ... الخ‏

(ان قلت) لا قيمة لأي مركّب اعتباري- كالصلاة- إن لم يترتّب عليه حكم، و لذلك قال هنا السيد الشهيد (رحمه اللّه) «كجزئية السورة للواجب المنتزعة عن الامر بالمركّب منها و من غيرها»،

(قلت) عدم القيمة شي‏ء و امكان تصوّر مركّب اعتباري- مع غضّ النظر عن ترتب حكم عليه- و انتزاع الجزئية منه أمر آخر.

(إذن) كان الاولى لسيدنا المصنّف (قدس الله روحه) ان يقول: الثاني: ما كان منتزعا عن متعلّق الحكم التكليفي، كجزئية السورة للواجب المنتزعة عن المركّب المأمور به ...

الخ و تجدر الاشارة هنا الى التداخل احيانا بين معنيي السبب و الشرط، فقد يتداخلان كليّا فيتّحدان كما في قولنا «اذا نجح زيد فاكرمه»، و قد يتداخلان جزئيا تداخل الكل مع جزئه كما في قولنا «اذا كان العالم عادلا فاكرمه» فالعدالة شرط، و لكن السبب في وجوب الاكرام هو مجموع العلم و العدالة و هو المعبّر عنه في هذه الحالة بالعلّة، و قد يقولون العلم هنا مقتض لوجوب الاكرام و العدالة شرط و ذلك مربوط بنظر المعتبر، و ليس هاهنا

35

الزوال للوجوب المجعول لصلاة الظهر المنتزعة عن جعل الوجوب المشروط بالزوال.

و لا ينبغي الشك في ان القسم الثاني ليس مجعولا للمولى بالاستقلال‏ (1)، و انما هو منتزع عن جعل الحكم التكليفي، لانّه مع جعل الامر بالمركّب من السورة و غيرها يكفي هذا الامر التكليفي في انتزاع عنوان الجزئية للسورة (*) و بدونه لا يمكن ان تتحقق الجزئية للسورة بمجرّد انشائها و جعلها مستقلّا.

____________

(1) إلّا اذا رجعت هذه الاحكام الانتزاعية الى الاحكام الاستقلالية و كانت عبارة أخرى عنها، كسببيّة الغليان لحرمة العصير العنبي التي مرجعها الى قضيّة «إذا غلى عصير العنب فقد حرم»، و لا كلام في هذا الفرض لوضوحه أوّلا، و لكونه يرجع الى عالم الألفاظ ثانيا و ليس كلامنا في عالم الالفاظ، فالاحكام الشرعية غير محدّدة في علم الباري تعالى بقوالب هذه الألفاظ العربية، و انّما هي موجودة بمعانيها، و لذلك يجوز لك ان تنقل الروايات بمعانيها إن استطعت ان تؤدّي تمام معانيها بالفاظ أخرى. و قد يستفاد من هذا الكلام مقدّمة على طريق القول بعدم توقيفية ألفاظ العقود و الايقاعات كالزّواج و الطلاق ما لم يعلم بالتوقيفية كما في الصلاة

محلّ بيانه كما قد يقال عن ارادة الطرفين للزواج و اتفاقهما على ذلك و اجراء العقد انها مقتض للزواج و يعبّرون عن إذن والد المرأة بالشرط، و المجموع هو سبب الزوجية او قل علّة الزوجية، و الامر سهل لانه بحث في عالم الاصطلاحات‏

(*) في النسخة الاصلية قال بدل «للسورة» «للواجب من السورة» و بدل «للسورة» الثانية «للواجب» و ما اثبتناه اولى‏

36

و بكلمة أخرى إن الجزئية للواجب من الامور الانتزاعية الواقعية و إن كان وعاء واقعها هو عالم جعل الوجوب، فلا فرق بينها و بين جزئية الجزء للمركّبات الخارجية من حيث كونها امرا انتزاعيا واقعيا، و إن اختلفت الجزئيّتان في وعاء الواقع و منشأ الانتزاع، و ما دامت الجزئية امرا واقعيا فلا يمكن ايجادها بالجعل التشريعي و الاعتبار (*).

و أمّا القسم الاوّل فمقتضى وقوعه موضوعا للاحكام التكليفية عقلائيا و شرعا (1) هو كونه مجعولا بالاستقلال لا منتزعا عن الحكم التكليفي، لأنّ موضوعيّته للحكم التكليفي تقتضي سبقه عليه رتبة مع ان انتزاعه يقتضي تأخّره عنه.

و قد تثار شبهة لنفي الجعل الاستقلالي لهذا القسم ايضا بدعوى انّه لغو، لانّه بدون جعل الحكم التكليفي المقصود لا اثر له، و معه لا حاجة الى الحكم الوضعي، بل يمكن جعل الحكم التكليفي ابتداء على نفس‏

____________

(1) «عقلائيّا و شرعا» متعلّقان ب «وقوعه»، امّا وقوعه موضوعا للاحكام التكليفية عقلائيا فكحرمة تصرّف المكلف بمال غيره إلا باذنه، فانّ ممنوعية التصرّف باموال الآخرين واضح حتّى عند غير المتدينين باىّ دين سماوي فهذه الحرمة هي حرمة عقلائية امضاها الشارع المقدّس لكن ضمن حدود معيّنة ...، و امّا وقوع الاحكام الوضعية موضوعا للاحكام التكليفية شرعا فكحرمة الجمع بين الاختين، فانّ هذه الحرمة عرفناها من خلال الشرع و ليست واضحة عند العقلاء

(*) و معنى ذلك ان الاحكام الوضعية هو القسم الاوّل فقط

37

الموضوع‏ (1) الذي يفترض جعل الحكم الوضعي عليه.

و الجواب على هذه الشبهة انّ الاحكام الوضعية التي تعود الى القسم الاوّل اعتبارات ذات جذور عقلائية، الغرض من جعلها تنظيم الاحكام التكليفية و تسهيل صياغتها التشريعية (2) فلا تكون لغوا.

____________

(1) اي عقد البيع او النكاح‏

(2) يقصد (قدس سره) تسهيل صياغتها التشريعية بالنسبة لنا لا بالنسبة الى الشارع المقدّس. تفصيل ذلك، لقد اوضح لنا الشارع المقدّس انّه اذا قالت المرأة للرجل زوجتك نفسي بكذا، و قال الرجل قبلت، فانّ النكاح يحصل، و يترتّب على النكاح وجوب نفقة الرجل على المرأة و وجوب تمكين الزوجة الى ما هنا لك من آثار، فالذي حصل هنا هو امران: الاوّل «إذا قالت المرأة للرجل (كذا) و اجابها الرجل (بكذا) فقد حصل الزواج بينهما»، و الثاني «اذا حصل الزواج ترتّبت الاحكام المعروفة».

فهنا قضيّتان: الاولى ناظرة الى عقد الوضع، او قل الى موضوع الاحكام الشرعية و هو الزواج، و الثانية تكليفية، كوجوب النفقة المترتّبة على الامر الاوّل و هو حصول الزواج، فالشارع المقدّس يعلّمنا اوّلا كيف يحصل النكاح و الطلاق و النذر و الملكية مما تعتبر مواضيع للاحكام التكليفية المترتّبة، هذه الاحكام التي تعلمنا كيفية حصول هذه المواضيع تسمّى بالاحكام الوضعية لانها ناظرة الى عقد الوضع من الاحكام التكليفية (اي الى مواضيع الاحكام التكليفية)، فالاحكام الوضعية هي مواضيع الاحكام التكليفية، فمن حاز ملك ارشاد الى الملكية في نظر الشارع لا انّها حكم ينجّز و يعذّر. و بعد هذا تعرف الجواب على مسألة هل ان الشارع المقدس رتّب الاحكام التكليفية من وجوب النفقة على الزوجة على العقد ام على‏

38

____________

الزوجية المترتّبة على العقد و لو في نظر العقلاء، بانّ الصحيح هو الثاني لانّ الشارع المقدّس يكلم العقلاء بحسب ارتكازاتهم، و من ارتكازاتهم الضرورية ترتيب الاحكام التكليفية على الحكم بالزوجية و الملكية و نحوهما، و ان العقد ما هو الّا طريق لحصولهما، و على ايّ حال فالاثر المترتّب على هذا البحث هو انه إن ثبت ان موضوع وجوب النفقة على الزوجة مثلا هي الزوجية في علم الباري تعالى فسيصحّ لا محالة استصحابها، و يكفينا في اثبات صحّة استصحاب الزوجية وجود لفظة زوج او زوجة في لسان الشارع، و كذا الامر في غير الزوجية. (راجع المصباح ج 3، ص 88)

39

شمول الحكم للعالم و الجاهل‏

و احكام الشريعة- تكليفية و وضعيّة- تشمل في الغالب‏ (1) العالم بالحكم و الجاهل على السواء، و لا تختصّ بالعالم، و قد ادّعي ان الاخبار الدّالة على ذلك مستفيضة (2)، و يكفي دليلا على ذلك إطلاقات ادلّة تلك الاحكام، و لهذا اصبحت قاعدة اشتراك الحكم الشرعي بين العالم و الجاهل موردا للقبول على وجه العموم بين اصحابنا، إلّا إذا دلّ دليل خاص على خلاف ذلك في مورد (3).

و قد يبرهن على هذه القاعدة عن طريق اثبات استحالة اختصاص‏

____________

(1) نعم في موارد قليلة جدّا كما في القصر و التمام و الجهر و الاخفات ترى ان هذين الحكمين يشملان خصوص العالمين بالجعل‏

(2) نقل الشيخ المظفّر ص 33 عن الشيخ الانصاري و صاحب الفصول «انّ اخبارنا متواترة معنى في اشتراك الاحكام بين العالم و الجاهل ... (ثم قال) و هو كذلك»، و ذكر غيرهم ايضا التواتر، و قال السيد الخوئي «و يكفي في بطلان القول بالتصويب- مضافا الى الاجماع و الاخبار الكثيرة الدّالة على انّ لله حكما في كل واقعة يشترك فيه العالم و الجاهل- نفس إطلاقات أدلّة الاحكام (اي اطلاقها من قيد العلم بها)، فانّ مقتضى إطلاق ما يدلّ على وجوب شي‏ء او حرمته ثبوته في حقّ من قامت عنده الامارة على الخلاف أيضا»

(3) كما في القصر و التمام و الجهر و الاخفات‏

40

الحكم بالعالم، لانّه يعني ان العلم بالحكم قد أخذ في موضوعه، و ينتج عن ذلك تاخّر الحكم رتبة عن العلم به و توقفه‏ (1) عليه، وفقا لطبيعة العلاقة بين الحكم و موضوعه.

و لكن قد مرّ بنا في الحلقة السابقة ان المستحيل هو اخذ العلم بالحكم المجعول في موضوعه، لا أخذ العلم بالجعل في موضوع الحكم المجعول فيه‏ (2).

و يترتّب على ما ذكرناه من الشمول ان الأمارات و الاصول التي يرجع اليها المكلّف الجاهل في الشبهة الحكمية او الموضوعية قد تصيب الواقع و قد تخطئ. فللشارع إذن احكام واقعيّة محفوظة في حقّ الجميع، و الادلّة و الاصول في معرض الاصابة و الخطأ، غير ان خطأها مغتفر، لانّ الشارع جعلها حجّة، و هذا معنى القول بالتخطئة.

و في مقابله ما يسمّى بالقول بالتصويب، و هو انّ احكام الله تعالى هي ما يؤدّي اليه الدليل و الاصل، و معنى ذلك انّه ليس للّه من حيث الاساس احكام، و انّما يحكم تبعا للدليل او الاصل، فلا يمكن ان يتخلّف الحكم الواقعي عنها.

و هناك صورة مخفّفة للتصويب‏ (3) مؤدّاها ان الله تعالى له احكام واقعية ثابتة من حيث الاساس، و لكنها مقيّدة بعدم قيام الحجة من امارة

____________

(1) اي توقف الحكم على العلم‏

(2) اصطلاح «الجعل و المجعول» و ان المجعول بمعنى الحكم الفعلي اصطلاح معروف على السنة الاصوليين كالمحقق النائيني و غيره‏

(3) ذكر هذين المذهبين في تقريرات السيد الهاشمي ج 2، ص 162، و قد نسب القول الاول للاشاعرة و الثاني للمعتزلة

41

او اصل على خلافها، فان قامت الحجّة على خلافها تبدّلت و استقرّ ما قامت عليه الحجّة.

و كلا هذين النحوين من التصويب باطل:

أمّا الاول فلشناعته و وضوح بطلانه، حيث ان الادلة و الحجج انّما جاءت لتخبرنا عن حكم الله و تحدّد موقفنا تجاهه، فكيف نفترض انّه لا حكم لله من حيث الأساس؟!

و امّا الثاني فلأنّه مخالف لظواهر (1) الأدلّة، و لما دلّ على اشتراك الجاهل و العالم في الاحكام الواقعية (*).

____________

(1) يقصد (رحمه اللّه تعالى) انّه مخالف لاطلاقات الأدلّة، فليست الادلّة مقيّدة بالعلم. هذا و قد ذكرنا في التعليقة اشكالين غير هذين المذكورين في المتن فراجع‏

(*) (اقول) إن تبيين البحث يحتاج الى ان ننظر فيه موردا موردا فنقول:

(المورد الاوّل) في اصول الدين، فقد اجمع المسلمون- إلا عبد أ الله بن الحسن العنبري- على انّ الحقّ فيها واحد، و معنى هذا هو القول بالتخطئة فيها، و انّ على الانسان ان يسعى ليتوصّل الى الحقّ فيها مما يجب عليه الاعتقاد به كتوحيده تعالى و نبوّة الرسول الاعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نحو ذلك .. و امّا العنبري فقد ذهب الى انّ كل مجتهد مصيب في العقليات و ان كانت متناقضة كقولهم «النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) معصوم في كل اقواله و افعاله» و «النبي ليس معصوما في كل اقواله و افعاله»، و هذا القول من الغرابة بمكان بحيث يكون الرّد عليه سفاهة، و لذلك قال علماء العامّة فيه امّا بضرورة تاويل كلامه بأنه يريد ان يقول بانه قد اصاب ما عليه- و ان استبعد بعضهم هذا التأويل «لانّ فيه ترك الظاهر من غير (أ) او عبيد الله (انظر الإحكام في اصول الأحكام للآمدي ص 409) و شرح الجلال المحلّى على «جمع الجوامع للامام ابن السبكي» ص 390، لتعرف تمام كلامهم.

42

____________

دليل» كما قال الآمدي ص 411- و الّا فانه «خروج عن طور العقلاء»- كما قال العطّار في تعليقته على شرح الجلال المحلى ص 390- و «انه من امحل المحالات و ما اظن عاقلا يذهب الى ذلك» كما قال الآمدي ص 409، و «انه جنون محض» كما قال العلامة البناني في حاشيته على «شرح الجلال» ص 389 ... الخ.

(المورد الثاني) في الاحكام القطعية، عقلية كانت كحسن العدل و قبح الظلم، او نقلية و هي الاحكام الواضحة سندا و دلالة كوجوب الصلاة، فقد اجمع المسلمون هنا ايضا على ان الحقّ فيها واحد.

(المورد الثالث) الموارد التي لم يرد فيها نصّ قطعي الحجية- سواء كان فيه ضعف سندي او دلالي او له معارض- أو لم يرد فيه نص اصلا، او قل الموارد التي هي محلّ الاجتهاد و الخلاف‏ أ، فهنا محطّ رحالنا، و هنا اختلف رجالنا، فنقول:

انقسم المسلمون هنا الى فرقتين:

(فرقة) تقول بان الحكم الواقعي فيها موجود فهو واحد، سواء علم المكلّف به ام لم يعلم. و القائل بهذا القول جمع كبير من العلماء، اذكر منهم: علماء الفرقة الامامية (جعلنا الله منهم)، و الائمة الفقهاء الاربعة، و الامام ابو إسحاق الشاطبي، و ابن قدامة (من الحنابلة)، و ابن بدران، و قال السالمي الاباضي (و هو من الخوارج): «و ذهب اصحابنا من اهل المغرب و ابن بركة من اهل عمان الى انّ المصيب فيها واحد، و انّ المخطئ غير آثم»، و كذلك ابو بكر الاصمّ‏ ب‏ و بشر المريسي و ابن عليّة و الظاهرية، و نسب ذلك ايضا الى اصحاب الرسول الاعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و استدلوا لذلك- كما في ايضاح الفرائد و غيره- انهم كانوا ينسبون الخطأ الى بعضهم البعض- في اجتهاداتهم- من دون انكار من احد على التخطئة، ممّا يعني انّهم كانوا يعتقدون ايضا بانّ الحقّ واحد. بل نسب البعض هذا القول الى جمهور العلماء، و البعض الآخر الى جمهور المسلمين من غير الشيعة، امّا الشيعة فقد اطبقوا على ذلك‏

(أ) راجع حاشية العطار على الجلال لجمع الجوامع ص 390.

(ب) راجع الاحكام في اصول الاحكام للآمدي ص 412.

43

____________

(و فرقه) تقول بالتصويب، و انّ ما ادّى اليه نظر المجتهد هو حكم الله الواقعي، و هذه مقالة جمهور المتكلّمين من الاشاعرة و المعتزلة، اذكر منهم: الامام الغزالي، القاضي ابو بكر الباقلاني، ابو الحسن الاشعري، ابن سريج، ابو يوسف و محمد صاحبي ابي حنيفة، أبا الهذيل، و الجبائي ابنه.

و قد قرأت الكثير من مصادر العامّة أ فلم أر من فهرس المطلب و آراء اصحابهم مع تحديد المصطلحات، بل ترى كلمة التصويب مثلا حتّى في كلام واحد تارة تستعمل في معنى «اصاب الحكم الواقعي» و تارة أخرى في معنى «اصاب ما عليه من بذل الوسع»، و كذلك كلمة «حكم» الواردة في قول ابي الحسن الاشعري و القاضي أبي بكر الباقلّاني «بانّ حكم الله يتبع ظن المجتهد» (فتارة) تفهم منهم انهم يريدون منها معنى الجعل فتراهم يقولون في بيانها بان حكم الله يتغيّر بحسب ظن المجتهد، هذا على مبنى أن لله تعالى حكما منذ القديم إلا انه يتغيّر بحسب ما يتوصل اليه المجتهد، و امّا على مبنى من جعله حادثا، فقد قالوا يفهم حينئذ منه انه لم يكن لله تعالى حكم اصلا، و لكن بعد الاجتهاد يحكم الله تعالى بحسب ما ادّى اليه الاجتهاد ب‏، و (تارة) يريدون منها معنى الحكم الفعلي و ان العلم مأخوذ في موضوع الاحكام، كما يفهم مما سياتيك من كلام الغزالي، و (تارة أخرى) تراهم يقولون بانّ المراد

كلما معنى الحكم في مرحلة التنجيز، و ان العلم بالحكم شرط في تنجيزه‏ ج‏!

(أ) و ممّا راجعت في هذه المجال: المستصفى للغزالي، المغني للقاضي عبد الجبار، الاصول العامّة للفقه المقارن، اصول الفقه للخضري، الاجتهاد في الاسلام لمحمد مصطفى المراغي، الاجتهاد في الاسلام للدكتورة ناديا العمري، اصول الشيخ محمد عبده، اصول السرخسي للامام ابي بكر محمد بن ابي سهل السرخسي، الاصول الثلاثة و ادلّتها للامام محمد بن عبد الوهاب، و كتب علمائنا المتأخرين كالرسائل و بعض حواشيه و مصباح الاصول و تقريرات السيد الهاشمي و غيرها ...

(ب) راجع هامش الشربيني على شرح الجلال لجمع الجوامع ص 389.

(ج) راجع حاشية العطّار على شرح الجلال لجمع الجوامع ص 391.

44

____________

قال الغزالي في المستصفى ج 2 ص 363 مبيّنا لمسلك التصويب و متبنّيا اياه: «هل في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن لله تعالى هو مطلوب المجتهد؟ الذي ذهب اليه محقّقوا المصوّبة انّه ليس في الواقعة التي لا نصّ فيها حكم معيّن يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن، و حكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنّه و هو المختار ... ثم إذا لم يبلغه النصّ- لا لتقصير من جهته لكن لعائق من جهة بعد المسافة و تأخير المبلّغ و النص قبل ان يبلغه- فليس حكما في حقّه، فليس مخطئا حقيقة، فاذا ثبت هذا في مسألة فيها نص فالمسالة التي لا نصّ فيها كيف يتصوّر الخطأ فيها؟! و ذهب قوم من المصوّبة الى انّ فيه حكما معيّنا يتوجّه إليه الطلب، إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيبا و إن اخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر باصابته، بمعنى انّه ادّى ما كلّف فاصاب ما عليه» انتهى.

و هذا القول الثاني- كما هو واضح- قول بالتخطئة و ان وصفه بالتصويب بتوجيهه المذكور.

و قوله «ثمّ اذا لم يبلغه النصّ ... فليس حكما في حقّه» صريح في انّ مراده من الحكم هنا هو الحكم الفعلي- كما ورد عندنا ذلك في القصر و التمام و الجهر و الاخفات- و ذلك لانّ قوله «ثمّ إذا لم يبلغه النصّ» صريح بوجود الجعل في اعتقاد الغزّالى.

فمع غضّ النظر عن كلام الغزّالي الذي لم يكن ليتضح لو لا ما ذكره في الشق الثاني بقوله «ثم إذا لم يبلغه النصّ ...» و الذي لا يثبت نظرية التصويب تجد الشراح لا يعرفون مراد اصحابهم، و لم يوجد في مصادرهم ما يتّضح منه كلامهم لنصل الى مرامهم فما علينا إلا ان ننظر في ما نقله عنهم ابن السبكي في جمع الجوامع رغم اجماله ايضا- كبقية كلامهم- قال «اما المسألة التي لا (دليل) قاطع فيها (من مسائل الفقه) فقال الشيخ (ابو الحسن الاشعري) و القاضي (أبو بكر الباقلّاني) و ابو يوسف و محمد (صاحبا ابي حنيفة) و ابن سريج: كل مجتهد (فيها) مصيب، ثم قال الاوّلان: حكم الله (فيها) تابع لظن المجتهد، و قال الثلاثة (الباقية) هناك ما لو حكم لكان به» انتهى كلامه مع بيان الشرح بين الاقواس. و امّا شرح الكلمة الاخيرة فهو كالتالي: هناك شي‏ء (اي مقتضي و ملاك) ما لو حكم الله تعالى لحكم به (اي على طبقه)

45

____________

و ذلك لوجود مناسبة تكوينية بين الموضوع و المحمول، و لكن الله تعالى لم يحكم فعلا.

و هذه المقالة تناسب ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) في النظرية الاولى للتصويب و هي عدم وجود جعل في الواقع ... هذا غاية ما يفهم من الجماعة أ.

و قد كنّا كتبنا فيه الكثير، الّا انا رأينا عدم الفائدة فيه فلم نجعله في هذه التعليقة. و لذلك سنردّ على كلا الوجهين اللذين يفهمان من مجموع كلامهم: الوجه الاوّل ان الاحكام الشرعية- بمعنى الجعل- حادثة و انها تحدث عند اجتهاد المجتهد، و الثاني انها ازلية لكنّها تتبدّل بمجرّد توصّل المجتهد الى خلاف الحكم الواقعي، و كلا هذين الوجهين يفهمان من كلامهم فنقول:

(امّا) الوجه الاوّل فيرد عليه:

أولا: مخالفته للآيات الكريمة المصرّحة بكمال الدين، ممّا يعني كمال المعالم الدينية من الناحية العقائدية كضرورة الامامة بعد النبي صلى اللّه عليه و سلّم و لذلك عيّن الرسول الاعظم صلى اللّه عليه و سلّم عليا (عليه السلام) بعد ما امره الله تعالى بذلك و خاصّة يوم غدير خم، و من الناحية التشريعية.

و لعلّه للرّد على ما ذهب اليه بعض العامّة من عدم كمال الشريعة ورد عندنا روايات متواترة في وجود حكم لكل واقعة، راجع مثلا جامع احاديث الشيعة ج 1 باب «حجية فتوى الأئمة»، و اصول الكافي الجزء الاوّل باب «الردّ الى الكتاب و السّنّة و انه ليس شي‏ء من الحلال و الحرام و جميع ما يحتاج اليه الناس الّا و قد جاء فيه كتاب او سنّة» ص 59، و «باب فيه ذكر الصحيفة و الجفر و الجامعة و مصحف فاطمة (عليها السلام)» ص 238، و يدلّ أيضا على مطلوبنا الروايات الآمرة بالاحتياط، و الروايات التي هي من قبيل «سلوني عمّا شئتم، فلا تسألوني عن شي‏ء إلّا نبّأتكم به» ...

ثانيا- انّه لا فرق بين الاحكام القطعية التي اجمعتم على وجود حكم لله تعالى فيها، و غيرها إذ انّه لا تكلّف عند المولى تعالى في ان يحكم على الظلم بالقبح و ان يحكم على شرب التتن بالتحريم- مثلا-، و ذلك لتبعية الاحكام لموضوعاتها فيهما على السواء (أ) و لهذا ترى بعض علمائنا ينسبون نظريتي التصويب الى الاشاعرة و المعتزلة بتعبير «المنسوب»، انظر مثلا مصباح الاصول ج 2 ص 101 و 102 و ج 3 ص 371 و اصول فقه المظفر ج 3 ص 42.

46

____________

تبعيّة المعلول لعلّته و هذه التبعيّة منذ الأزل، فعلم الله تعالى بقبح الظلم و حرمة التتن منذ الازل، و ليس الخطاب الآتي الينا إلّا كاشفا عن هذا الحكم الازلي.

ثالثا: لو فرضنا ان شريعة الله تعالى كانت ناقصة قبل الاجتهاد

فان حكم المجتهد بخلاف الحكم المناسب لملاك الموضوع فهو حكم خاطئ، حاشا لله ان يحكم بذلك.

و ان اختلف مجتهدان في الحكم و حكم الشارع بهذين الحكمين فستختلف الاحكام الواقعية و هذا لا يقبله الصبيان فضلا عن العقلاء فضلا عن رئيس العقلاء.

رابعا: بما انّا فرضنا انه لم يصل دليل قطعي على الحكم الى المكلّف فيتعيّن عليه حينئذ ان يرجع الى دليل حجّة ليعطيه وظيفة عملية فقط لا غير، هذا الحكم- بما انّه هو بنفسه لا يدّعي الاصابة لانّ نفس المجتهد لم يعرف تمام الملاك ليحكم على اساسه- فسيكون في مرتبة الاحكام الظاهرية تلقائيا، لا في مرتبة الاحكام الواقعية التي تكون فيها الاحكام ناظرة الى الملاكات الواقعية.

خامسا: انكم قد اجمعتم على وجود حكم واحد واقعي في الشرعيات القطعية، و اختلفتم فيما لا دليل قاطع عليه‏ أ سواء صدر فيه نص ام لم يصدر، و هذا لا يناسب كلامكم، فانّ الجهل بسند الحديث او بدلالته انما هو بالنسبة لنا نحن البشر العاديّين لا بالنسبة الى الباري عزّ و جلّ و رسوله الاعظم صلّى اللّه عليه و سلّم، و لذلك كان يلزم ان تخصّوا النزاع فيما لم يصدر فيه نص واقعا، و انّى لكم ان تعلموا بعدم صدور نص في الواقع، فقد يكون قد صدر و لم تعلموا به.

و امّا على مبنانا فقد ذكرنا وجود روايات متواترة على انّ لله في كل واقعة حكما حتّى و لو فرضنا عدم صدوره.

(و امّا) الوجه الثاني فيرد عليه ما ذكرناه قبل اسطر من الردّين الثالث و الرابع من استحالة ان يحكم الشارع المقدّس بحكم خاطئ لا يناسب الملاك، و لزوم كون حكم المجتهد في مرتبة الظاهر اضافة الى انّه لا موجب لتبدّله في مرتبة الجعل‏

(أ) راجع جمع الجوامع و شروحه.

47

____________

(و قد) يستشكل علينا اصحاب المسلك الاوّل من التصويب بلغويّة جعل احكام لمن يجهلها.

(فنقول) إنّ الاحكام الشرعية بل حتّى القوانين الوضعية انّما تجعل بنحو القضايا الحقيقيّة، فمن علم بها فقد تحقق لديه شرط من شروط التنجيز، و امّا المحتمل لوجود احكام شرعية فانه يجب عليه البحث، اضافة الى وجوب القضاء عليه في كثير من الحالات ...

(و امّا) وجه دخول العلم بالجعل في موضوع نفس الجعل او دخول العلم بالحكم الفعلي في موضوع نفسه فلم أر له أثرا في كلام ابناء العامّة، مع بطلانه في ذاته للدور الواضح فيه.

(و امّا) وجه دخول العلم بالجعل في موضوع الحكم الفعلي- على ما قد يظهر من كلام الغزالي و قد يكون هذا الوجه ايضا مراد الاشعري- فهو ممكن ثبوتا، الّا انّه اثباتا لم نر له وجودا في شرعنا الحنيف الّا في موارد نادرة من قبيل تقيّد وجوب صلاة القصر بسماع آية التقصير، و تقيّد شرطية الجهر او الاخفات في الصلاة بالعلم بها.

(و على ايّ حال) فهل الاصل ان يكون العلم قيدا و شرطا في فعلية الحكم، كما في شرطية البلوغ و العقل و الزوال، او ان يكون شرطا في تنجزه، كما في أكثر الاحكام الشرعية كوجوب الصلاة و حرمة الخمر، فحرمة الخمر فعلية، بمعنى ان ملاك تحريمها تام حتّى بالنسبة الى الجاهل بالحكم (الذي هو محلّ كلامنا) او الموضوع؟

المناسب لطبيعة العلم الذي هو مرآة و كاشف و طريق الى متعلّقه ان يكون شرطا في التنجز، و ان يكون ناظرا الى الاحكام من الخارج، فالصلاة مثلا بالنسبة الى من تمّت شرائط فعليتها عنده من زوال و عقل و بلوغ المتوقّع ان يكون ملاكها تامّا حتى بالنسبة الى الجاهل بوجوبها، و كذلك في الخمس و الزكاة مثلا، فالمتوقّع ان يكون الخمس واجبا فعلا حتّى على الجاهل بوجوبه، و ذلك لتماميّة ملاك الوجوب الفعلي، و ان الجهل بهذا الوجوب ينبغي ان يرفع تنجّزه لا اكثر. و يستدلّ علماؤنا عادة على هذا الامر- و انّ العلم شرط في التنجيز فقط- باطلاقات ادلة الاحكام، فاذا سال رجل الامام (عليه السلام) عن رجل شك بين الركعة و الركعتين في الصلاة الثنائية و بنى على الواحدة مثلا، و قال له الامام مثلا «اعاد صلاته» فانّ قوله «أعاد صلاته» مطلق من ناحية العلم السابق بالحكم او الجهل به، و لهذا قالوا نستدلّ باطلاقات ادلّة الاحكام على شمول الاحكام الفعلية- فضلا عن الجعل- للعالم‏

48

____________

و الجاهل، و هذا الدليل صحيح و لكنه يحتاج الى اثبات الاطلاق في المورد الذي يقع فيه الشك، و اثبات الاطلاق سهل بعد كون الاصل في الكلام ان يكون في مقام البيان.

(ثمّ) إنّ ما يترتّب على هذا البحث من وجوب القضاء يذكرونه في بحث الإجزاء و مسألة هل يتبع القضاء الاداء فهناك تجد تتمّة هذا البحث.

هنا نصل في بحثنا في التخطئة و التصويب او قل في قاعدة اشتراك الاحكام بين العالم و الجاهل إلى النتائج التالية:

انّه في مرحلة الجعل كلّ الاحكام مشتركة بين العالمين و الجاهلين بها للآيات و الروايات المتواترة.

و في مرحلة الفعلية ايضا كذلك مع تماميّة ملاك الحكم، و ذلك لما ذكرناه من الترتب العلّي و المعلولي بينهما أ، نعم إلا اذا كان العلم بالجعل ماخوذا في موضوع الحكم الفعلي.

و امّا في مرحلة التنجيز فلا كلام بيننا و بين العامّة في هذا الامر للتسالم عليه، إذ انه لا إشكال في تنجّز الاحكام بالعلم بها- و ما يقوم مقام العلم- و إلا فمع عدم ذلك تجري الاصول المؤمنة، فالاصول المؤمنة ترفع التنجيز و لا ترفع الفعلية، إذ العلم ليس دخيلا- في غير الموارد القليلة المستثناة كما ورد في صلاتي القصر و التمام- في موضوع الحكم، فقتل المؤمن ظلما حرام فعلا حتّى على من كان يعتقد بانه كافر محارب و ذلك لتمامية ملاك الحرمة، فالعمل تام القبح، لكن لا قبح فاعلي بمعنى انّ هذا العمل لكونه مجهولا عنده و كان مكلّفا فرضا بقتال الكافر المحارب فهو غير ملام لعدم تقصيره بحسب الفرض، و على هذا المبنى لو لم يكن شخص يعلم بوجوب الصلاة- مثلا- عليه، فصلّاها برجاء المطلوبية لصحّت صلاته بلا إشكال، و مثلها ايضا من القى بنفسه من شاهق، ففعله و إن كان محرّما و فعليا عليه لتماميّة ملاك الحرمة الفعلية في حقّه ... إلا ان هذه الحرمة غير محرّكة و لا فاعلة للغويتها المحضة، فالعجز كما رفع تنجّز الحكم هنا دون فعليته كذلك الجهل رفع تنجيز الحكم دون فعليته، بل هما في الواقع من باب واحد، لانّ الجاهل القاصر عاجز ... و يأتي ما يتعلق بهذا الكلام في حديث الرفع و بحث القدرة ان شاء الله تعالى‏

(أ) كما يتضح ذلك في الفقرة التالية عند قولنا و اما في مرحلة التنجيز ...

49

(الحكم الواقعي و الظاهري)

ينقسم الحكم الشرعي- كما عرفنا سابقا- الى واقعي لم يؤخذ في موضوعه الشك، و ظاهري أخذ في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق‏ (1). و قد كنّا نقصد حتى الآن في حديثنا عن الحكم «الاحكام الواقعية».

و قد مرّ بنا في الحلقة السابقة ان مرحلة الثبوت للحكم- اي الحكم الواقعي- تشتمل على ثلاثة عناصر، و هي الملاك و الارادة و الاعتبار، و قلنا انّ الاعتبار ليس عنصرا ضروريا، بل يستخدم غالبا كعمل تنظيمي و صياغي. و نريد ان نشير الآن الى حقيقة العنصر الثالث الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه غالبا، و توضيحه انّ المولى كما انّ له حقّ الطاعة على المكلّف فيما يريده منه، كذلك له حق تحديد مركز حق‏

____________

(1) أي و ظاهري اخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعى، فالحكم الظاهري هو كالحكم بحجية خبر الثقة أي قول الشارع «اذا شككت فاتّبع خبر الثقة» هو حكم ظاهري لانه اخذ في موضوع الشك، و كالحكم بالاستصحاب و البراءة و نحوهما اي اذا لم تعرف الحكم الواقعي مثلا فارجع الى خبر الثقة، ف «اعتبار الامارة حجّة» هو الحكم الظاهري و ليس مؤدّى الامارة حكما ظاهريا، (و كذلك) جعل اصل عملي ما عند عدم وجود امارة شرعية في المقام، فانه ايضا حكم ظاهري‏

50

الطاعة في حالات ارادته شيئا من المكلّف، فليس ضروريا- اذا تمّ الملاك فى شي‏ء و اراده المولى- ان يجعل نفس ذلك الشي‏ء (1) مصبّا لحقّ الطاعة، بل يمكنه ان يجعل مقدّمة ذلك الشي‏ء التي يعلم المولى بانّها مؤدية اليه في عهدة المكلّف دون نفس الشي‏ء، فيكون حقّ الطاعة منصبّا على المقدّمة ابتداء، و ان كان الشوق المولوي غير متعلّق بها إلّا تبعا، و هذا يعني انّ حقّ الطاعة ينصبّ على ما يحدده المولى- عند إرادته لشي‏ء- مصبا (2) له و يدخله في عهدة المكلّف، و الاعتبار هو الذي يستخدم عادة للكشف عن المصب الذي عيّنه المولى لحق الطاعة، فقد يتحد مع مصبّ ارادته و قد يتغاير (3).

____________

(1) في الطبعة الاصليّة هكذا «... الشي‏ء في عهدة المكلّف مصبّا ...» و الافصح حذفها لاسباب واضحة

(2) متعلقة ب «يحدّده»

(3) و لذلك ترى ان المولى تعالى لم يحرّم الزنا فقط و انما حرّم كشف قليل من الشعر و الجسد ايضا، و لم يحرّم شرب الخمر فقط و انما حرّم زراعته و حمله و عصره و و ... اي انه لم يعتبر المحرّم هو خصوص شرب الخمر و انما اعتبر مقدّماته أيضا محرّمة.

و هنا يحسن بنا- و نحن في مقام التعرّض لمرحلة مبادئ الحكم- ان نردف بهذا التذييل التالي فنقول:

انّه لا شك في انّ ملاك الحكم هو روحه لانه قوامه و علّته، و لذلك فهما متلازمان دائما، (فان قلت) هناك حالات لا يستتبع فيها الحكم الملاك كما في حالات التزاحم، فان الصلاة الواجبة- لتزاحمها مع ما هو اهم منها وجوبا كانقاذ الغريق- يسقط وجوبها رغم تمامية ملاكها الوجوبي ثبوتا (قلت) تقديمنا للواجب الاهم لا يعني سقوط حكم الواجب المهم ثبوتا، بل تسقط

51

و امّا الاحكام الظاهرية فهي مثار لبحث واسع وجّهت فيه عدّة اعتراضات للحكم الظاهري تبرهن على استحالة جعله عقلا (1)، و يمكن تلخيص هذه البراهين فيما يلي:

1- ان جعل الحكم الظاهري يؤدّي الى اجتماع الضدّين او المثلين، لان الحكم الواقعي ثابت في فرض الشك بحكم قاعدة الاشتراك المتقدمة [بين العالم و الجاهل‏]، و حينئذ فان كان الحكم الظاهري المجعول على الشّاك مغايرا للحكم الواقعي نوعا- كالحليّة و الحرمة- لزم اجتماع الضّدين و الّا لزم اجتماع المثلين. و ما قيل سابقا من انّه لا تنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري لانهما سنخان مجرد كلام صوري اذا لم يعط

____________

فاعليّته اي محرّكيّته فقط لوجود المانع من فاعليّته في مرحلة الامتثال. و على اي حال كلما تمّ الملاك (أي المقتضي و الشرط أو قل الموضوع باجزائه و شرائطه) لا بدّ من ان يوجد في علم المولى تعالى حكم يناسبه، و هذا ما يعني به العلماء من ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المتعلقات.

و عليه فبما ان ملاك الحكم هو روحه و قوامه و علته فهو المحرّك في الواقع، و ليس الحكم الّا كاشفا عن ملاكه كاشفية المعلول عن علّته و الدخان عن النار، فلو علمنا بتماميّة قبح قتل المؤمن في نظر الشارع المقدّس و فرضنا انه تعالى لم يوصل لنا حكما يبين لنا فيه حرمة هذا القتل الظلمي فانّ العقل يستكشف ان هذا العمل محرّم، و ليس الحكم بالحرمة في هذه الحالة هي من احكام العقل، و انما هو من مستكشفات العقل، فالعقل دائما كاشف لا حاكم و مشرّع في قبال الشارع، بل شريعة الله تعالى كاملة و ليست بناقصة كي تتمّمها احكام العقل ..

(1) آثار هذه الشبهات ابن قبة و من حذا حذوه، و لا باس بأن يراجع بهذا الصدد منتهى الدراية ج 4 ص 215 فما بعد

52

مضمونا محدّدا، لانّ مجرّد تسمية هذا بالواقعي و هذا بالظاهري لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الاحكام التكليفية و هي متضادّة.

2- ان الحكم الظاهري اذا خالف الحكم الواقعي- حيث ان الحكم الواقعي بمبادئه محفوظ في هذا الفرض بحكم قاعدة الاشتراك- يلزم من جعل الحكم الظاهري في هذه الحالة نقض المولى لغرضه الواقعي بالسماح للمكلّف بتفويته اعتمادا على الحكم الظاهري في حالات عدم تطابقه مع الواقع، و هو يعني إلقاء المكلّف في المفسدة و تفويت المصالح الواقعية المهمّة عليه.

3- إنّ الحكم الظاهري من المستحيل ان يكون منجّزا للتكليف الواقعي المشكوك و مصحّحا للعقاب على مخالفة الواقع، لانّ الواقع لا يخرج عن كونه مشكوكا بقيام الاصل او الامارة المثبتين للتكليف‏ (*)، و معه يشمله حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان- بناء على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان-، و الاحكام العقلية غير قابلة للتخصيص‏ (1).

____________

(1) ذكر هذا الكلام السيد الخوئي فى مصباحه ج 2، ص 37- 38، و على اىّ حال فان قلنا بما في المتن فحينئذ من يخالف الاحكام الواقعيّة المجهولة و يشرب مثلا الماء الذي كان متنجّسا سابقا بحجّة انه لا علم له واقعا بنجاسته الآن فانه لا يستحقّ العقاب على المخالفة لقبح العقاب على الامور المجهولة! و عدم قابليّة تخصيص الاحكام العقلية يتّضح من مثال «الظلم قبيح»، فلا يمكن ان توجد حالة لا يكون فيها الظلم قبيحا، و كذلك الامور الحسنة، و لذلك ان وجد حكمان لامر

(*) الاولى حذف كلمة «بقيام الاصل او الامارة المثبتين للتكليف»، لوضوح المراد بدونها

53

____________

واحد- كالقتل مثلا فانه يقبح غالبا و يحسن احيانا قليله كما في قتل المحاربين- نستكشف ان هذا الامر ليس من مصاديق الظلم حقيقة و ان تخيّله الناس بانه ظلم حقيقة، فانّ الظلم قد عرض عليه فصار حراما، فافهم‏*

(*) في الواقع انّ كلّ الاحكام سواء كانت عقلية ام شرعية هي غير قابلة للتخصيص، و ما التخصيص إلا من باب التسهيل على الناس، فقولنا «اكرم العلماء الّا الفسّاق منهم» هو حكمان في الواقع حكم بوجوب اكرام العلماء لعلمهم، و حكم بعدم وجوب اكرام الفسّاق منهم، و ذلك لكون الفسق مقتض مثلا- في مقام الملاك- لاهانتهم، أو قل يحصل تعارض بين مقتضي ثبوت وجوب الاكرام لهم لعلمهم و المقتضي لاذلالهم و نهرهم لفسقهم، و بعد الكسر و الانكسار يتغاير حكما اكرام العلماء العدول و اكرام العلماء الفسّاق.

فان الحكم هو ظلّ و مظهر من مظاهر متعلقه الذي هو العلّة له و به قوام وجود الحكم.

و هذا معنى قول علمائنا بتبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّقات.

فقولنا للاجير الذي لا يعطيه صاحب العمل حقّه «لا تسرق إلّا من باب انقاذ حقّك» سواء اعتبرناه حكما عقليا او شرعيا لا فرق فيه من ناحية التخصيص، فبناء على كونه عقليا يكون حكمين الاوّل مفاده «لا تسرق السرقة القبيحة» و الثاني مفاده مثلا «لا بأس و باستنقاذ حقّك و لو من دون اعلام الغاصب»، و ليس هنا تخصيص، لأن التخصيص يغيّر الموضوع الاوّل و بالتالي سيتغير الحكم تكوينا فتنبّه.

فملاك العام غير ملاك الخاص و لذلك فهما في الحقيقة حكمان و انما اعتبرناهما من باب التخصيص لوحدة الموضوع العام فيهما.

و في الحقيقة انّ كل الاحكام العقلية هي شرعية لتمامية الشريعة الاسلامية كما اوضحنا ذلك قبل قليل، بل بالتدقيق كل الاحكام الشرعية هي احكام عقلية لما ذكرناه أكثر من مرّة في هذه الصفحات، إلّا انّ البشر لعدم ادراكهم لتمام المصالح و المفاسد لا يستطيعون على ادراك الحكم في كل الموارد

54

شبهة التضادّ (1) و نقض الغرض:

أما الاعتراض الاوّل فقد أجيب عليه بوجوه:

منها: ما ذكره المحقّق النائيني (قدس سره) من انّ إشكال التضادّ نشأ (2) من‏

____________

(1) و التماثل، و شبهة التضادّ و التماثل هي شبهة الاعتراض الاوّل. و قبل ذكر كلام المحقّق النائيني يحسن ان نذكر كلام صاحب الكفاية القائل بانّ المجعول في باب الامارات هي المنجّزية و المعذّريّة، و انّها لا تستتبع احكاما تكليفية مماثلة لما أدّت إليه، و الاحكام الواقعية تكليفية، و لا تضادّ بين «المنجزيّة و المعذّريّة» و «الاحكام الواقعية» (راجع منتهى الدراية ج 4 ص 220).

و اعترض عليه المحقّق النائيني- من حيث المبنى- بان جعل المنجّزية غير معقول لانّه خرق لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و ذلك لانّه مع عدم حصول العلم من خبر الثقة فلا بيان حقيقة، و عليه فيقبح العقاب ح، و من هنا و دفعا لهذا الاعتراض اعتبر الميرزا النائيني (قدس سره) انّ المولى تعالى انما جعل الحجية للامارات لكاشفيّتها، بهذا تفترق الامارات عن الوظائف العملية، و لذلك رأى ان المولى حينما يجعل امارة حجّة فهو بذلك يتمّم تعبدا كاشفيّتها، اي يعتبرها طريقا و علما، و ح فبما انّ التضادّ و التماثل إنّما يحصلان بين الاحكام التكليفية الظاهريّة و الاحكام التكليفيّة الواقعيّة، فانّ المحقق النائيني (رحمه اللّه) يرفعه بقوله: لو اخبر ثقة بوجوب غسل الجمعة مثلا، فانّ جعل المولى الحجية لخبر الثقة لا يعني ان المولى قد جعل غسل الجمعة واجبا ظاهرا حتّى يقع التضادّ بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي، و انما جعل الحجية هذا يعني ان المولى يوجب علينا اتّباعه- لا أكثر- لكونه علما تعبّدا. (راجع المصباح ج 2 ص 104)

(2) ذكر هذا الكلام قبله صاحب الكفاية (في بحث امكان اجتماع الاحكام‏

55

افتراض انّ الحكم الظاهري حكم تكليفي [يجعله المولى على طبق مؤدّى الامارة أو مؤدّى الاصل العملي‏]، و انّ حجّية خبر الثقة مثلا معناها جعل حكم تكليفي يطابق ما اخبر عنه الثقة من احكام، و هو ما يسمّى بجعل الحكم المماثل، فان اخبر الثقة بوجوب شي‏ء- و كان حراما في الواقع- تمثّلت حجيته‏ (1) في جعل وجوب ظاهري لذلك الشي‏ء وفقا لما اخبر به الثقة، فيلزم على هذا الاساس اجتماع الضدّين، و هما الوجوب الظاهري و الحرمة الواقعية.

و لكنّ الافتراض المذكور خطأ لانّ الصحيح انّ معنى حجية خبر الثقة مثلا جعله علما و كاشفا تامّا عن مؤدّاه بالاعتبار

جاءت تظلّلني من الشمس‏* * * نفس أحبّ اليّ من نفسي‏

جاءت تظلّلني و من عجب‏* * * شمس تظلّلني من الشمس‏

(2)، فلا يوجد حكم تكليفي ظاهري زائدا على الحكم التكليفي الواقعي ليلزم اجتماع حكمين تكليفيين متضادّين، و ذلك لانّ المقصود من جعل الحجيّة للخبر مثلا

____________

الظاهرية و الواقعية- منتهى الدراية ج 4 ص 221) قال: «نعم لو قيل باستتباع جعل الحجيّة للاحكام التكليفية (الظاهرية) او بانّه لا معنى لجعلها إلا جعل تلك الاحكام (بالجعل الظاهري)، فاجتماع حكمين و ان كان يلزم إلّا انهما ليسا بمثلين او ضدّين، لان احدهما طريقي عن مصلحة في نفسه ... (و هو التسهيل على المكلفين مثلا) و الآخر واقعي حقيقي عن مصلحة او مفسدة في متعلقه ...»

(1) اي حجية خبر الثقة

(2) كما يعتبر السكاكي استعمال ألفاظ التشبيه كلفظة شمس في قول الشاعر

جاءت تظلّلني من الشمس‏* * * نفس أحبّ اليّ من نفسي‏

جاءت تظلّلني و من عجب‏* * * شمس تظلّلني من الشمس‏

استعمالا حقيقيا تنزيلا و اعتبارا، لا من باب المجاز اللغوي. (راجع إن شئت مصباح الاصول ج 2 ص 104)

56

جعله منجزا للاحكام الشرعية التي يحكي عنها، و هذا يحصل بجعله علما و بيانا تامّا، لانّ العلم منجّز سواء كان علما حقيقة (* 1) كالقطع او علما بحكم الشارع كالامارة، و هذا ما يسمّى بمسلك جعل الطريقية.

و الجواب على ذلك انّ التضادّ بين الحكمين التكليفيين‏ (* 2) ليس بلحاظ اعتباريهما حتّى يندفع بمجرّد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري‏

____________

«تنبيه» يحسن هنا ان نوضّح و لو باختصار مراد المحقق النائيني (رحمه اللّه) من طريقية الامارات فنقول: ذكر (رحمه اللّه) في اجود التقريرات ج 2 ص 12 ما يلى:

«الثالثة: انّه ليس معنى حجيّة الطريق مثلا تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع، و لا تنزيل نفس الامارة منزلة القطع حتّى يكون المؤدّى واقعا تعبدا او تكون الامارة علما تعبدا، بداهة ان دليل الحجيّة لا نظر له الى هذين التنزيلين أصلا، و انما نظره الى إعطاء صفة الطريقية و الكاشفية للامارة و جعل ما ليس بمحرز حقيقة محرزا تشريعيا. (نعم) لا بد و ان يكون المورد قابلا لذلك بأن يكون له كاشفية عن الواقع في الجملة و لو نوعا، إذ ليس كل موضوع قابلا لاعطاء صفة الطريقية و المحرزيّة له، فما يجري على الالسن بان ما قامت البينة على خمريته مثلا خمر تعبدا او ان نفس البينة علم تعبدا فمما لا محصّل له و ليس له معنى معقول ...»

و ستأتي تكملة هذا البحث و ستعرف فيها الاثر لهذا الكلام (فراجع مسألة وفاء الدليل بدور القطع الطريقي و الموضوعي في هذا الجزء و الركن الاوّل من أركان الاستصحاب)

(* 1) الاولى ان يعتبر بدل «حقيقة» واقعا، جريا على المصطلح المعروف في البلاغة من التفريق بينهما، لانّ العلم الحقيقي- عند النائيني- يشمل الواقعي و الاعتباري‏

(* 2) الاولى حذف كلمة «التكليفيين» هذه، إذ كون الحكم الظاهري تكليفيا محلّ كلام بل منع عند المحقّق النائيني كما عرفت في الصفحة الماضية