دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - ج2

- ناجي طالب‏ آل فقيه العاملي المزيد...
337 /
5

[تتمة الادلة المحرزة]

[تتمة البحث فى الدليل الشرعى‏]

[تتمة البحث الثاني‏]

[القسم الثاني‏]

و أهمّ ما يذكر في هذا المجال عادة خبر الواحد، و هو كل خبر لا يفيد العلم، و لا شك في انه ليس حجّة على الاطلاق و في كل الحالات، و لكن الكلام في حجية بعض أقسامه كخبر الثقة مثلا، و الكلام يقع في مرحلتين:

المرحلة الاولى: في اثبات حجية خبر الواحد على نحو القضية المهملة.

المرحلة الثانية: في تحديد دائرة هذه الحجية و شروطها.

المرحلة الاولى: (في اثبات أصل حجية الاخبار)

و المشهور بين العلماء هو المصير الى حجية خبر الواحد، و قد استدل على الحجية بالكتاب الكريم و السّنّة و العقل‏ (1).

1- أمّا ما استدلّ به من الكتاب الكريم فآيات:

- منها آية النبأ، و هي قوله تعالى: يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين‏ (2):

____________

(1) لم يذكر دليل السيرة العقلائية الممضاة و لا سيرة المتشرّعة، و ذلك لانهما يكشفان عن السّنّة، فهما اذن داخلان هنا في السّنّة

(2) الحجرات- 6.

(امّا) ما يتعلّق بمناسبة نزول هذه الآية المباركة، فقد ورد طائفتان من‏

6

____________

الروايات:

(الاولى) عبارة عن روايتين و هما:

1- ما ورد في تفسير علي بن ابراهيم: و قوله تعالى: يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين، فانها نزلت في مارية القبطية ام ابراهيم (عليه السلام)، و كان سبب ذلك ان عائشة قالت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و آله): إن ابراهيم ليس هو منك و انما هو من جريح القبطي، فانه يدخل اليها في كل يوم. فغضب رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال لامير المؤمنين (عليه السلام) السيف، ثم قال: بأبي أنت و امي يا رسول الله إنّك اذا بعثتني في امرك اكون فيه كالسّفود المحمّى في الوبر، فكيف تأمرني أتثبّت فيه او امضي على ذلك؟ فقال له رسول الله: «بل تثبّت». فجاء امير المؤمنين (عليه السلام) الى مشربة ام ابراهيم فتسلّق عليها، فلما نظر اليه جريح هرب منه و صعد النخلة، فدنا منه امير المؤمنين و قال له: انزل، فقال له: يا علي اتّق الله ما هاهنا أناس إني مجبوب، ثم كشف عن عورته فاذا هو مجبوب، فأتى به رسول الله، فقال له رسول الله: ما شأنك يا جريح؟ فقال: يا رسول الله إن القبط يجبّون حشمهم و من يدخل الى اهليهم، و القبطيّون لا يأنسون إلا بالقبطيّين، فبعثني ابوها لأدخل اليها و اخدمها و أؤنسها، فانزل الله عزّ و جلّ: يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق .... الآية (تفسير نور الثقلين ج 5، ص 81 و تفسير البرهان ج 4، ص 205).

(2)- في تفسير البرهان ج 4 ص 205 ح 5: و قال شرف الدين النجفي: ذكر علي بن ابراهيم في تفسيره ما صورة لفظه قال (اي زرارة بقرينة اواخر هذه الرواية) سألته (اي سأل الامام الباقر (عليه السلام) بدليل نفس القرينة التي ستأتيك آخر الرواية) عن هذه الآية فقال: «إن عائشة قالت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ان مارية يأتيها ابن عم لها و لفظتها بالفاحشة،» فغضب رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال لها إن كنت صادقة فاعلميني اذا دخل إليها، فرصدتها، فلما دخل‏

7

____________

عليها اخبرت رسول الله فقالت هو الآن عندها، فعند ذلك دعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليا (عليه السلام) فقال: يا علي خذ هذا السيف فان وجدته عندها فاضرب عنقه، قال فاخذ عليّ (عليه السلام) السيف و قال يا رسول الله اذا بعثتني بالامر اكون كالسفود المحمّى بالوبر امضي او اثبّت؟ فقال: اثّبّت، قال فانطلق علي (عليه السلام) و معه السيف، فلما انتهى الى الباب وجده مغلقا فالزم عينيه نقب الباب (!) فلمّا رأى القبطيّ عين علي (عليه السلام) في الباب نزع و خرج من الباب الآخر فصعد نخلة و تسوّر على الحائط، فلما راى القبطي عليا و معه السيف حسر عن عورته فاذا هو مجبوب، فصدّ امير المؤمنين (عليه السلام) بوجهه عنه ثم رجع، فاخبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما رأى فتهلّل وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: «الحمد لله الذي لم يعاقبنا اهل البيت من سوء ما يلحظونا به»، فانزل الله عليه‏ يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين، فقال زرارة: ان العامّة يقولون نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن ابي معيط حين جاء الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاخبره عن بني خزيمة انهم كفروا بعد اسلامهم، فقال ابو جعفر (عليه السلام): «يا زرارة او ما علمت انه ليس من القرآن آية الّا و لها ظهر و بطن، فهذا الذي في ايدي الناس ظهرها و الّذي حدّثتك به بطنها» (!).

(و لم نجد) غير هاتين الروايتين في البرهان و نور الثقلين و البحار.

(الطائفة الثانية) عبارة عن روايات ادّعيت استفاضتها عند الفريقين، و ما وجدته منها من طرف اصحابنا في تفسيري البرهان و نور الثقلين و البحار روايتين:

الاولى: ما ذكره في الاحتجاج للطبرسي (رحمه اللّه) قال: روي عن الشعبي (فقيه عامي ناصبي كذاب) و ابي مخنف (ثقة من اصحابنا) و يزيد بن ابي حبيب المصري (مهمل) انهم قالوا: لم يكن في الاسلام يوم في مشاجرة قوم اجتمعوا في محفل اكثر ضجيجا و لا اعلى كلاما و لا اشدّ

8

____________

مبالغة في قول من يوم اجتمع فيه عند معاوية بن ابي سفيان عمرو بن عثمان بن عفّان و عمرو بن العاص و عتبة بن ابي سفيان و الوليد بن عتبة بن ابي معيط و المغيرة بن شعبة و قد تواطئوا على امر واحد. فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أ لا تبعث الحسن بن علي فتحضره فقد احيا سيرة ابيه و خفقت النعال خلفه، إن امر اطيع و إن قال صدّق، و هذان يرفعان به الى ما هو اعظم منهما، فلو بعثت اليه فقصّرنا به و بأبيه و سببناه و سببنا اباه و صغّرنا بقدره و قدر أبيه ... فقال لهم معاوية:

إني اخاف ان يقلّدكم قلائد يبقى عليكم عارها حتّى تدخلكم قبوركم ... فبعثوا الى الحسن، فلما أتاه الرسول قال له: يدعوك معاوية ...- إلى ان جاء الامام الحسن (عليه السلام) و جرت محاورة طويلة- ثم قال (عليه السلام) للوليد: و امّا انت يا وليد بن عقبة فو الله لا ألومنك ان تبغض عليا (عليه السلام) و قد جلدك في الخمر ثمانين جلدة و قتل اباك صبرا بيده يوم بدر، ام كيف تسبّه و قد سمّاه الله مؤمنا في عشر آيات من القرآن و سمّاك فاسقا، و هو قول الله عزّ و جلّ «أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون» و قوله‏ يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق ...، و ما انت و ذكر قريش انما انت ابن عليج من اهل صفورية يقال له ذكوان (البحار ج 44 ص 81 و تفسير البرهان ج 4 ص 205 ح 6).

الثانية: تفسير فرات بن ابراهيم: محمّد بن احمد بن علي عن محمد بن عماد البربري ابو احمد (مهمل عندنا) عن محمد بن يحيى (عامي)- و لقب ابيه داهر الرازي- عن عبد الله بن عبد القدّوس (مهمل عندنا) عن الأعمش (مجهول) عن موسى بن المسيب (مهمل عندنا) عن سالم بن ابي الجعد عن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه قال: بعث رسول الله الوليد بن عقبة بن ابي معيط الى بني وليعة قال و كانت بينه و بينهم شحناء في الجاهلية، قال: فلما بلغ الى بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، قال:

فخشي القوم، فرجع الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول الله إن بني وليعة ارادوا

9

____________

قتلي و منعوني الصدقة، فلما بلغ بني وليعة الذي قال عنهم الوليد بن عقبة لرسول الله أتوا رسول الله فقالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد، و لكن كان بيننا و بينه شحناء في الجاهلية فخشينا ان يعاقبنا بالذي بيننا و بينه، قال فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لتنتهنّ يا بني وليعة او لأبعثنّ اليكم رجلا عندي كنفسي يقتل مقاتلتكم و يسبي ذراريكم و هو هذا خير من ترون» (و هو هذا حيث ترون- البحار)- و ضرب على كتف امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)- و انزل الله في الوليد هذه الآية: «يا ايها الذين آمن وا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». (البحار ج 22 ح 36 ص 85 و ج 38 ح 17 ص 13).

* و روى العلّامة الطباطبائي في تفسير الميزان عن الدرّ المنثور: اخرج احمد و ابن ابي حاتم و الطبراني و ابن مندة و ابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرّار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فدعاني الى الاسلام فدخلت فيه و أقررت به و دعاني الى الزكاة فاقررت بها. قلت: يا رسول الله، ارجع الى قومي فادعوهم الى الاسلام و أداء الزكاة فمن استجاب لي، و ترسل إلىّ يا رسول الله رسولا إبّان كذا و كذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممّن استجاب له و بلغ الإبّان الذي اراد رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ان يبعث إليه احتبس الرسول، فلم يأت، فظنّ الحارث انه قد حدث فيه سخطة من الله و رسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان وقّت لي وقتا يرسل إلىّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، و ليس من رسول الله الخلف، و لا ارى حبس رسوله الّا من سخطة، فانطلقوا فنأتي رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الوليد بن عقبة الى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما ان سار الوليد حتّى بلغ بعض الطريق فرق‏* (*) بكسر الراء أي فزع.

10

____________

فرجع، فاتى رسول الله فقال: إن الحارث منعني الزكاة و أراد قتلي، فضرب رسول الله البعث الى الحارث، فاقبل الحارث باصحابه حتى اذا استقبل البعث و فصل‏* عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث، فلمّا غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك، قال:

و لم؟ قالوا: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم انك منعته الزكاة و اردت قتله، قال: لا، و الذي بعث محمّدا بالحق ما رأيته و لا أتاني. فلمّا دخل الحارث على رسول الله قال: منعت الزكاة و اردت قتل رسولي؟ قال: لا، و الذي بعثك بالحقّ ما رأيته و لا رآني، و ما اقبلت إلّا حين احتبس علىّ رسول الله، خشيت ان يكون كانت سخطة من الله و رسوله، فنزل‏ يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا .....

(و لم أجد) في البحار و تفاسير البرهان و نور الثقلين و الميزان غير هذه الروايات.

(قال) العلّامة الطباطبائي في ميزانه ج 18 ص 318: «نزول الآية في قصّة الوليد بن عقبة مستفيض من طرق اهل السّنة و الشيعة، و قال ابن عبد ربّه في الاستيعاب: و لا خلاف بين اهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت ان قوله عزّ و جلّ: إن جآءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا .. نزل في الوليد بن عقبة.» انتهى.

و قد يقال ان آية النبأ قد نزلت في الوليد- و ليس عائشة- لعدّة شواهد:

- منها ما ورد في تفسير علي بن ابراهيم: «و امّا قوله‏ إنّ الّذين جآءو بالإفك عصبة مّنكم لا تحسبوه شرّا لّكم بل هو خير لّكم‏ فانّ العامّة روت انها نزلت في عائشة و ما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، و امّا الخاصّة فانهم رووا انها نزلت في مارية القبطية و ما رمتها به عائشة» انتهى، و نزول كلتا الآيتين في حادثة اتّهام عائشة لمارية بعيد جدّا ...

(*) الظاهر ان الصحيح ان يقال «... بعد ان فصل البعث ...».

11

و يمكن الاستدلال بها بوجهين:

* الوجه الاوّل: ان يستدل بمفهوم الشرط فيها على أساس انها تشتمل على جملة شرطية تربط الامر بالتبيّن عن النبأ بمجي‏ء الفاسق به‏

____________

و منها ان سائر الروايات التي رأيناها تذكر تفاصيل اتّهام عائشة لمارية لم تتعرّض لنزول آية النبأ في هذه المناسبة مع اهميّة ذكر نزول الآية في هذه المناسبة لو كان ذلك حاصلا. راجع مثلا حديثي 9 و 10 و 12 من ج 22 من البحار ص 154- 155 و تفسير البرهان ج 4 ص 205 و ج 3 ص 126- 128.

- و منها كون ما ذكر في تفسير القمّي من رواية او روايتين مرسلتين جدّا، بخلاف روايات الطائفة الثانية فانها مسندة (بل) ادّعى العلّامة في ميزانه استفاضتها من طرق الفريقين كما سمعت قبل قليل. (بل) ادّعى ابن عبد ربه في الاستيعاب اجماع اهل العلم على ذلك كما عرفت أيضا.

(لكنّي) لا ادري اين وجد العلّامة (قدس سره) هذه الروايات المستفيضة من طرقنا، (على) ان طرق روايات الطائفة الثانية- كما رأيت- عامية- الّا في ابي مخنف- (اضافة) الى انها اثنتان على ما رايت في امهات مصادر اصحابنا، و نقل العلّامة واحدة من الدّر المنثور و كلها ضعيفة السند جدّا ... (و لكن) رغم كل تلك الادلة التي بين ايدينا فانها لا تكفي للحكم في تحديد المناسبة على وجه الجزم و ليست القضية بتلك الاهمية. فاذا عرفت ما ذكرنا تعرف ان هذه الآية المباركة قد نزلت في واقعة كذب فيها احد الفسّاق و اتّهم فيها آخر، و نقله هذا هو نقل لموضوع لا لحكم، فكيف نسري الاستدلال بهذه الآية الى موارد الشبهات الحكمية؟

و الجواب واضح، و ذلك لشمول كلمة «نبأ» للموضوع و الحكم، (على) ان الحكم هو في الحقيقة موضوع أيضا على ما يرشدك الى هذا الخبر مع الواسطة أيضا، فهما اذن من واد واحد

12

فينتفي بانتفائه‏ (1)، و هذا يعني عدم الامر بالتبيّن عن النبأ في حالة مجي‏ء العادل به. و بذلك تثبت حجية نبأ العادل، لان الامر بالتبيّن الثابت في منطوق الآية إمّا ان يكون ارشادا الى عدم الحجية (2)، و إمّا أن يكون ارشادا الى كون التبيّن شرطا في جواز العمل بخبر الفاسق و هو ما يسمّى بالوجوب الشرطي‏ (* 1)، كما تقدّم في مباحث الامر، فعلى الاوّل‏ (3) يكون نفيه بعينه معناه الحجية، و على الثاني يعني نفيه ان جواز العمل بخبر العادل ليس مشروطا بالتبيّن، و هذا بذاته يلائم جواز العمل به بدون تبيّن، و هو معنى الحجيّة، و يلائم عدم جواز العمل به‏ (4) حتى مع التبيّن لان الشرطية (5)

____________

(1) اي فينتفي الامر بالتبين عند انتفاء مجي‏ء الفاسق بالنبإ فيصير المعنى إن كان الآتى بالنبإ فاسقا فتبيّنوا. و هذا المعنى هو الذي استظهره السيد المصنف (رحمه اللّه) كما سيأتيك‏

(2) اي عدم حجية خبر الفاسق‏

(3) اي على القول بأنه ارشاد الى عدم حجية خبر الفاسق يكون «عدم حجية خبر الفاسق» مساوقا للقول ب «حجية خبر العادل»* 2. (* 2) في هذا الفهم نظر اذ لا ملازمة بينهما، بل يحتمل عدم حجّيتهما معا، و التخصيص بخبر الفاسق انما هو للتاكيد و لو من باب ان احتمال خطئه او كذبه اكثر.

(4) اي بخبر العادل‏

(5) أي إن فهمنا من آية النبأ ان يكون الامر بالتبيّن ارشادا الى كون التبين‏

(* 1) لعلّه لم يقل «الوجوب المشروط» تمييزا بين هذا و بين الوجوب المشروط الآتي صفحة 194 و الذي مفاده ان يكون تحقق فعلية الحكم منوطا بتحقق شروطه كما في توقف فعلية وجوب الحج على تحقق الاستطاعة، و على أيّ حال فهذا القول الثاني يساوق القول بعدم حجية خبر الفاسق‏

13

منتفية في كلتا الحالتين. و لكنّ الثاني غير محتمل لانه يجعل خبر العادل أسوأ من خبر الفاسق، و لانه يوجب المنع عن العمل بالدليل القطعي، نظرا الى ان الخبر بعد تبيّن صدقه يكون قطعيا فيتعيّن الاوّل و هو المطلوب.

و يوجد اعتراضان مهمّان على الاستدلال بمفهوم الشرط في المقام:

احدهما: ان الشرط في الجملة مسوق لتحقّق الموضوع، و في مثل ذلك لا يثبت للجملة الشرطية مفهوم.

و التحقيق ان الموضوع و الشرط في الجملة الشرطية المذكورة يمكن تصويرهما بانحاء:

منها: ان يكون الموضوع طبيعي النبأ (1)، و الشرط مجي‏ء الفاسق به.

و منها: ان يكون الموضوع نبأ الفاسق، و الشرط مجيئه به، فكأنه قال: نبأ الفاسق اذا جاءكم‏ (*) فتبيّنوا.

____________

شرطا في جواز العمل بخبر الفاسق فهذا الامر بالتبيّن يلائم معنيين: 1- حجية خبر العادل و 2- عدم حجية خبر العادل مطلقا اي حتّى مع التبين، لان التبين شرط في خبر الفاسق لا في خبر العادل، اي سواء تبينّا صحّة خبر العادل أم لم نتبيّنه لا يجوز العمل به، و هذا المعنى الاخير واضح الفساد

(1) فيكون المعنى: النبأ اذا جاءكم به فاسق فتبيّنوا

(*) في النسخة الاصلية قال اذا جاءكم به، و حذف «به» اولى‏

14

و منها: أن يكون الموضوع الجائي بالخبر، و الشرط فسقه، فكأنه قال: الجائي بالخبر اذا كان فاسقا فتبيّنوا.

و لا شك في ثبوت المفهوم في النحو الاخير لعدم كون الشرط حينئذ محقّقا للموضوع، كما لا شك في عدم المفهوم في النحو الثاني لان الشرط حينئذ هو الاسلوب الوحيد لتحقيق الموضوع. و امّا في النحو الاوّل فالظاهر ثبوت المفهوم و ان كان الشرط محققا للموضوع لعدم كونه هو الاسلوب الوحيد لتحقيقه، و في مثل ذلك يثبت المفهوم كما تقدّم توضيحه في مبحث مفهوم الشرط.

و الظاهر من الآية الكريمة هو النحو الاوّل‏ (*) فالمفهوم اذن ثابت.

و الاعتراض الآخر يتلخّص في محاولة لابطال المفهوم عن طريق عموم التعليل بالجهالة الذي يقتضي اسراء الحكم المعلّل الى سائر موارد عدم العلم.

و يجاب على هذا الاعتراض بوجوه:

* احدها: ان المفهوم مخصّص لعموم التعليل، لانه يثبت الحجية لخبر العادل غير العلمي، و التعليل يقتضي عدم حجية كل ما لا يكون‏

____________

(*) و لا سيّما و ان الناس صنفان عادل و فاسق، فذكر الفاسق إشارة واضحة الى عدم الاحتياج الى التبيّن في خبر العادل، و إلّا للغا ذكره بخصوصه. و لا سيّما أيضا مع تقديم قوله تعالى «فاسق» على ذكر النبأ فلعلّه إشارة الى تعليل لزوم التبين بكونه فاسقا لكون النظر الى كونه فاسقا. و هذه الاشارات نؤيّد الوجه الثالث ايضا.

(و لكن) مع كل هذا لم يصل الظهور الى حدّ يسلّم بوضوحه العرف، و ذلك لوضوح احتمال إرادة الوجه الثاني أيضا

15

علميا، فالمفهوم اخصّ منه.

و يرد عليه: ان هذا انما يتمّ اذا انعقد للكلام ظهور في المفهوم ثم عارض عموما من العمومات فانه يخصّصه، و امّا في المقام فلا ينعقد للكلام ظهور في المفهوم لانه متصل بالتعليل و هو صالح للقرينية على عدم انحصار الجزاء بالشرط (1)، و معه لا ينعقد الظهور في المفهوم لكي يكون مخصّصا.

ثانيها: ان المفهوم حاكم على عموم التعليل- على ما ذكره المحقق النائيني (رحمه اللّه)- و ذلك لان مفاده حجية خبر العادل، و حجيته معناها- على مسلك جعل الطريقية- اعتباره علما، و التعليل موضوعه الجهل و عدم العلم، فباعتبار خبر العادل علما يخرج عن موضوع التعليل، و هو معنى كون المفهوم حاكما.

و يرد عليه: انه اذا كان مفاد المفهوم اعتبار خبر العادل علما فمفاد التعليل‏ (*) يكون ناظرا الى توسعة دائرة هذا النفي و تعميمه على كل ما لا يكون علميا. فكأن التعليل يقول: إن كل ما لا يكون علما وجدانا لا اعتبره علما. و بهذا يكون مفاد التعليل و مفاد المفهوم في رتبة واحدة:

____________

(1) فانه يحتمل وجود شرط آخر (و هو مجي‏ء العادل بالنبإ) للجزاء (الذي هو وجوب التبيّن)، بمعنى ان هذا التعليل (الذي هو الخوف من اصابة قوم بجهالة) يشمل حالة مجي‏ء العادل ايضا بالنبإ إن لم يفدنا العلم‏

(*) في النسخة الاصلية: .. فمفاد «المنطوق نفي هذا الاعتبار عن خبر الفاسق، و عليه» فالتعليل ...، و قد حذفنا ما بين الاقواس مع فاء «فالتعليل» لعدم الحاجة اليه‏

16

احدهما يثبت اعتبار خبر العادل علما، و الآخر ينفي هذا الاعتبار، و لا موجب لحكومة احدهما على الآخر.

ثالثها: ما ذكره المحقق الخراساني (رحمه اللّه)(1) من ان الجهالة المذكورة في التعليل ليست بمعنى عدم العلم بل بمعنى السفاهة و التصرّف غير المتّزن، فلا يشمل خبر العادل الثقة لأنّه ليس سفاهة و لا تصرّفا غير متّزن.

* الوجه الثاني: ان يستدل بمفهوم الوصف حيث انيط وجوب التبيّن بفسق المخبر فينتفي بانتفائه. و مفهوم الوصف تارة يستدلّ به في المقام بناء على ثبوت المفهوم للوصف عموما، و تارة يستدل به لامتياز في المقام حتّى لو انكرنا مفهوم الوصف في موارد اخرى، و ذلك بأن يقال إن مقتضى قاعدة احترازية القيود انتفاء شخص ذلك الوجوب للتبيّن بانتفاء الفسق، و عليه فوجوب التبيّن عن خبر العادل إن اريد به شمول شخص ذلك الوجوب له فهو خلاف القاعدة المذكورة (2)، و إن اريد به شخص آخر من وجوب التبيّن مجعول على عنوان خبر العادل فهذا غير محتمل لان معناه ان خبر العادل بما هو خبر العادل دخيل في وجوب التبيّن هذا، و هو غير محتمل، فان وجوب التبين إمّا ان يكون بملاك مطلق الخبر، او بملاك كون المخبر فاسقا، و لا يحتمل دخل عدالة المخبر في جعل وجوب (خاص) للتبين.

____________

(1) راجع منتهى الدراية ج 4 ص 449

(2) إذ أن وجوب التبيّن من خبر الفاسق ناظر الى الفاسق فقط فلا يشمل حالة كون المخبر عادلا كما هو واضح‏

17

أمّا اللحاظ الاوّل للاستدلال بمفهوم الوصف فجوابه انكار المفهوم للوصف خصوصا في حالة ذكر الوصف بدون ذكر الموصوف‏ (1).

و امّا اللحاظ الثاني للاستدلال فجوابه ان وجوب التبيّن ليس حكما مجعولا (2) بل هو تعبير آخر عن عدم الحجية، و مرجع ربطه بعنوان الى ان ذلك العنوان لا يقتضي الحجية فلا محذور في ان يكون خبر العادل موضوعا لوجوب التبيّن بهذا المعنى، لان موضوعيته لهذا الوجوب‏

____________

(1) فانّ الوصف ح يصير من قبيل اللقب الذي مفهومه- على القول به- من اضعف المفاهيم‏

(2) اي ليس حكما مولويا تأسيسيّا و انما هو حكم ارشادي الى عدم الحجية. (ثم) ان السيد الشهيد (رحمه اللّه) يرى ان الاحكام الشرعية هي احكام ايجابية من قبيل وجوب الصلاة و حرمة شرب الخمر، و أمّا «عدم الحجية» فهو عدم الحكم الشرعي لانه نفي لحكم وضعي‏*، فلا محذور في ان يكون كلّ من خبر الفاسق و خبر العادل غير حجّة طالما ان «عدم الحجية» ليس حكما شرعيا.

(*) و يرد عليه (رحمه اللّه) انه ليس في عالم الجعل و الثبوت إهمال، بل لكل واقعة حكم بلا شك و لا خلاف عند اصحابنا الامامية (رضوان الله عليهم)، فان عبّر في مورد ما بوجوب التبيّن ارشادا الى عدم الحجية فهو ارشاد ايضا الى اعتبار خبر الفاسق- شرعا- غير حجّة و ان وجوده كعدمه، و هو حكم شرعي بلا شبهة في المقام (و إن) كان اصل جواب السيد الشهيد هذا صحيحا، بمعنى ان الشارع المقدّس قد يعتبر مطلق الخبر الذي لا يحصل منه وثوق و اطمئنان غير حجّة بل هو جهالة و قد يؤدّي اتّباعه الى الندامة.

18

مرجعها الى عدم موضوعيّته للحجيّة (*).

____________

(*) نظرة في آية النبأ: و فيها ناحيتان:

- الناحية الاولى: هو اننا لم نستظهر وجود مفهوم لهذه الآية المباركة، إذ قد يكون الاتيان بلفظة فاسق فيها للتأكيد على لزوم التحقق في موارد اتهام الفسّاق للناس لكثرة الاكاذيب منهم، و هذا لا ينفي لزوم التبيّن من اخبار العدول ايضا.

- الناحية الثانية: النظر الى كلمة «فاسق» في الآية:

- فقد يحرز الانسان فسق الناقل في مجال الكذب، فخبره ح غير حجّة شرعا و عقلائيا، لانه يكذب و لو في بعض الاحيان. (يؤيّد) هذا المعنى ما رواه الشيخ الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن الحسن بن علي بن فضّال عن ابي جميلة المفضل بن صالح عن زيد الشحّام قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفسوق فقال: «الفسوق هو الكذب أ لا تسمع قول عزّ و جلّ» يأيّها الّذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهلة (تفسير البرهان ج 4 ص 205)، و رواتها كلهم ثقات الّا أبا جميلة ففيه كلام، على ان تفسير الفاسق في الآية بالكاذب امر نكاد نطمئن بصحّته حتى مع غضّ النظر عن هذه الرواية، لكون المورد مورد نقل و الذي يهمّ فيه هي الوثاقة و عدمها لا شرب الخمر و الانحراف العقائدي و نحو ذلك فكم من ثقة في مجال النقل منحرف في غيره كما في امثال الثقات من الفطحية و الواقفة و نحوهم.

- و قد يحرز فسقه من نواح غير ناحية الكذب- كأن يكون فاسقا و منحرفا عقائديا او عمليا كأن يكون يشرب الخمر و يغتاب ...- و لم يحصل وثوق بقوله و لو لبعض قرائن، فهنا حالتان: (فامّا) ان نجهل فسقه في مجال النقل فهنا يجب التبيّن للجهالة بوثاقته فيدخل في التعليل بلا شك، (و إمّا) ان نعلم بوثاقته في مجال النقل- كبني فضال- فهنا (هل يجب) التبين لعدم حصول الوثوق بادّعاء كونه هو المناط في باب النقل عند العقلاء فيكون جهالة عرفا و عقلائيا، (ام لا يجب) لكونه ثقة و هو الطريق العقلائي في المعرفة فلا يكون جهالة؟ بحث و كلام.

و الصحيح الاوّل، و ذلك لعدم كون وثاقة الناقل كافية عند العقلاء ما لم يحصل وثوق بقوله، فيبقى الاخذ بقوله عندهم جهالة و عملا بلا علم، سواء في ذلك مجال الاحكام ام‏

19

____________

مجال الموضوعات.

(و بتعبير آخر) إن الاصل في خبر العادل ان يورث الوثوق و الاطمئنان، بمعنى انه عادة يحصل منه عند السامع وثوق، و ذلك لان معنى العادل هو الشخص المستقيم في عقيدته و اعماله و منها الاستقامة في النقل، و الاصل- عند العقلاء- حمله على الصحّة في النقل بمعنى توجّهه الى ما يقول فلا يخطئ و لا يسهو و لا ينسى و نحو ذلك.

(و لكن) هذا الاصل قد يخدش كما لو وجدت بعض قرائن تورث احتمال ان يكون مخطئا او ناسيا او ساهيا فحينئذ لا يحصل من قوله وثوق، ففي هذه الحالة سيكون الاخذ بقوله إن كان اتّهاما لبعض الناس- خاصّة اذا كانوا مؤمنين- جهالة و أىّ جهالة، و سيسبّب ذلك ندامة إن تبيّن الاشتباه. بل على الانسان ان يتبيّن و يتثبت و ان كان الناقل عادلا في نفسه و ثقة إن لم يحصل من قوله وثوق، (بل) إن العقلاء بما هم عقلاء ليس عندهم امور تعبديّة سواء كان هذا الامر مبنيّا على خبر ثقة ام على استصحاب ام على اصالة عدم الخطأ و السهو و النسيان و نحو ذلك، و هذا امر واضح عند العقلاء لا سيّما فيما نحن فيه من مورد الاتهامات، و لذلك ترى الشارع المقدّس ينبّهنا الى هذا الامر كي لا ينتشر الاخذ بالاتهامات في حال عدم الوثوق.

و آية النبأ هذه مساقة في هذا السياق تماما.

و على ايّ حال لا يستفاد من آية النبأ حجية خبر العادل إلا في حال حصول الوثوق من خبره، و ح لا يستفاد من هذه الآية المباركة اكثر ممّا تبانى عليه العقلاء من الأخذ بقول المخبر و هو ان حصل منه اطمئنان سواء كان المخبر عادلا او فاسقا، الّا انه عادة يحصل اطمئنان من خبر العادل- كما قلنا قبل قليل- بشكل أسرع من حصوله من خبر الفاسق. (و سيأتيك) في نهايات بحث حجية خبر العادل في تعليقتنا تحت عنوان «حجية خبر الثقة في الموضوعات» استثناء في حال عدم تعلّق الاخبار باشخاص آخرين و إلّا احتيج الى شاهدين عادلين ح لانه سيكون من باب الدعاوى و نحوها.

«و النتيجة» أن آية النبأ لا تفيدنا في حجية خبر الواحد شيئا، و الحمد لله رب العالمين‏

20

و منها: آية النفر، و هي قوله سبحانه و تعالى: فلو لا نفر من كلّ فرقة مّنهم طآئفة لّيتفقّهوا فى الدّين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون‏ (1).

و تقريب الاستدلال بها يتمّ من خلال الامور التالية:

أوّلا: انها تدلّ على وجوب التحذّر لوجوه:

احدها: أنّه‏ (2) وقع مدخولا لاداة الترجّي الدالة على المطلوبية في مثل المقام، و مطلوبية التحذّر مساوقة لوجوبه، لان الحذر ان كان له مبرّر فهو واجب‏ (3)، و إلّا لم يكن مطلوبا.

ثانيها: ان التحذّر وقع غاية للنفر الواجب، و غاية الواجب واجبة (4).

ثالثها: انه بدون افتراض وجوب التحذّر يصبح الامر بالنفر (5)

____________

(1) سورة التوبة- آية 122

(2) اي انّ الحذر وقع مدخولا ل «لعل» الدّالة على المطلوبية في مثل المقام، و ذلك لكون النفر للتفقّه و التعليم مطلوبا عقلا و شرعا، لا انه مخاف من وقوعه- مثلا- كما سيأتي‏

(3) و لو عقلا بناء على مسلك حقّ الطاعة او لزوم دفع الضرر المحتمل او لزوم الاحتياط عقلا في الشبهات الحكمية قبل الفحص للعلم الاجمالي بوجود تكاليف الزامية في الشريعة، و الواجب عقلا واجب شرعا لكون الشارع رئيس العقلاء، فان القاطع يستكشف من خلال قطعه رأي الشارع المقدّس في المسألة

(4) فقول المولى «اذهب الى المعلم لتدرس» اذا كان الذهاب للدرس واجبا فنفس الدرس واجب بلا شك‏

(5) اي يصبح الامر بالنفر للانذار لغوا- لا الامر بالنفر لتفقيه النفس- و ذلك لان‏

21

و الانذار لغوا.

ثانيا: ان وجوب التحذّر ثابت‏ (*) مطلقا سواء افاد الانذار العلم للسامع او لا، لان الوجوه المتقدّمة لافادته تقتضي ثبوته كذلك‏ (1).

____________

الشارع المقدّس امر بالنفر على نحو الكفاية، نفس هذا النحو من الامر يستبطن ان انذارهم و تعليمهم للباقين في بلادهم حجّة مطلقا حتى و لو لم يحصل من انذارهم و تعليمهم علم او وثوق، و بما ان حالات حصول العلم ليست دائمة فانه يتعيّن على الباقين- فيما لو قلنا بعدم حجية خبر الثقة- تحصيل العلم او الاحتياط و هذا ما سمعنا به في زبر الاوّلين‏

(1) أي مطلقا. بيان هذا الوجه ان النفر لطلب العلوم الدينيّة واجب بلا شك و إلّا لخربت البلاد و ضلّ العباد، و رجعت الى عصر الجاهلية و دانت بالمفاهيم العصبية، و هذا عند الشارع المقدّس مرفوض و خلافه مطلوب، و لذلك كان يبعث الانبياء و يبقي رسالاتهم بالأوصياء فلم يترك قوما إلا و جعل له هاديا و مبشّرا و نذيرا ... الى آخر ما يعرفه كلّ منا من لزوم وجود علماء دين بعدد يكفي لا بقاء شعلة الهدى و الدين الى يوم الدين، بل ان طلب العلوم الدينية اهمّ من العبادات النفلية حتّى في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، و حتّى صار حبر العلماء افضل عند الله من دماء الشهداء، و هذه امور مسلّمة عند المسلمين و انما ذكرناها لتذكير الطالب الأمين. و كلامنا هذا ناظر للإنذار- اي التعليم- ايضا، هذا من جهة، و من جهة اخرى إن الشارع المقدّس إذا أوجب شيئا و ذكر غاية هذا الوجوب، فلا شك ح في ان غاية الوجوب ستكون واجبة

(*) في النسخة الاصلية «واجب» بدل «ثابت» و الاولى إمّا ان يقول «ثابت» بدل «واجب» او يحذف «واجب» من الاصل و يقول «.. ان وجوب التحذّر مطلق»

22

ثالثا: ان وجوب التحذّر حتى مع عدم حصول العلم لدى السامع مساوق للحجية شرعا، إذ لو لم يكن إخبار المنذر حجة شرعا لما وجب العمل به إلا في حال حصول العلم منه.

و قد يناقش في الامر الاوّل بوجوهه الثلاثة و ذلك:

- بالاعتراض على أوّل تلك الوجوه بأن الاداة مفادها وقوع مدخولها موقع الترقّب لا الترجّي، و لذا قد يكون مدخولها مرغوبا عنه كما في قوله‏ (1): «لعلّك عن بابك طردتني» (2)،

- و الاعتراض على ثاني تلك الوجوه بان غاية الواجب ليست دائما واجبة (*) و ان كانت محبوبة حتما، و لكن ليس من الضروري ان يتصدّى‏

____________

فاذا عرفت هاتين المقدّمتين فستعلم ان الحذر واجب مطلقا، إذ لم نر قيدا بحصول العلم لا في المقدّمة الاولى و لا في الثانية

(1) أي كما في قول الامام زين العابدين (عليه السلام) في دعاء ابي حمزة الثمالي‏

(2) فهنا كأن المتكلّم لكثرة ذنوبه- و حاشا للامام (عليه السلام) ذلك إنما هو للتعليم او انه يرى نفسه مقصّرا امام الله تبارك و تعالى في نيل الكمالات لا في الالزاميات رغم اننا نعلم ان طاعة الامام لله تعالى فوق ما نتصوّر- كأنّه يحتمل و يترقّب ان يطرده الله عزّ و جل عن بابه. فقول المصنف (رحمه اللّه) هنا «الترقّب» يقصد به الاحتمال المتوقّع- في مقابل الاحتمال البعيد- فمعنى «لعلهم يحذرون» يترقّب حذرهم و يحتمل احتمالا قريبا، و هذا

(*) افاد بعض الافاضل هنا ان المولى تعالى اذا أمر بأمر و ذكر غايته فانه لا محالة ستكون هذه الغاية واجبة لانها هي المنشأ لهذا الحكم، و عليه فتكون الغاية واجبة و لو بأدنى مراتبها، و لو كانت المشقّة و نحوها تمنع من تحقق المرتبة الدنيا من الغاية فان المولى تعالى لن يوجب الطريق حينئذ. (و كلامه) حفظه الله جيد

23

المولى لايجابها، بل قد يقتصر في مقام الطلب على تقريب المكلّف نحو الغاية و سدّ باب من ابواب عدمها (1) و ذلك عند وجود محذور مانع عن التكليف بها و سدّ (2) كل ابواب عدمها كمحذور المشقّة (3) و غيره.

- و الاعتراض على ثالث تلك الوجوه بان الامر بالنفر و الانذار ليس‏

____________

الحذر منهم قد لا يحصل إلّا اذا حصل عندهم علم من الانذار* فلا يستفاد من هذه الآية المباركة حجية خبر الثقة. (*) و هذا الاعتراض- كذلك الثالث- مردود، فان الحذر الذي هو بمعنى الاحتياط واجب عقلا قبل الفحص حتى مع عدم حصول العلم من الانذار، و ذلك للعلم الاجمالي بوجود تكاليف الزامية في البين. (نعم) هذا الاحتياط لا يكشف عن حجية خبر المنذر.

(1) فلو افترضنا ان الغاية من الصوم مثلا هي الاتقاء من المحرّمات و المشتهيات بمعنى تعويد النفس على الصبر و الكفّ عن المحرّمات و مشتهيات النفس، و رغم أهميّة هذه الغاية اوجب الشارع المقدّس الطريق و لم يوجب الغاية، مع ان الطريق قد لا يحقّق تمام الغاية و الهدف، انما يقرّب إليها بسدّ باب من ابواب عدمها، فان كانت ابواب عدم هذه الغاية هي عدم التوجه لهذه الغاية و عدم ترويض النفس على الصبر و قوّة الارادة و عدم تذكر الاحكام الالهية و و ... فبالأمر بالصيام يسدّ المولى تعالى و لو بابا واحدا من هذه الابواب‏

(2) اي و مانع عن سدّ

(3) فقد يكون في تحصيل نفس الغاية مشقّة على النفس، أو قل قد يكون في تحقيق ملكة التقوى مثلا مشقّة عظيمة عند الكثير من الناس او اكثرهم‏

24

لغوا مع عدم الحجّيّة التعبّديّة، لانه كثيرا ما يؤدّي الى علم السامع فيكون منجّزا، و لما كان المنذر يحتمل دائما ترتب العلم على انذاره او مساهمة انذاره في حصول العلم و لو لغير السامع المباشر فمن المعقول امره بالانذار مطلقا.

و هذه المناقشة (1) إذا تمّت جزئيا فلا تتمّ كلّيا، لانّ دلالة كلمة «لعلّ» على المطلوبية غير قابلة للانكار، و كون مفادها الترقّب و ان كان صحيحا و لكن كونه ترقّب المحبوب او ترقّب المخوف يتعيّن بالسياق، و لا شك في تعيين السياق في المقام للاوّل‏ (2).

____________

(1) في الامور الثلاثة

(2) فاذا ثبتت المطلوبية و المحبوبية ثبت وجوب التحذّر لما ذكره في الوجه الاوّل، و ذكره ايضا في التقريرات ج 4 ص 375 قال: «و مطلوبية التحذر تلازم وجوبه إذ لو كان هناك مقتض له فلا محالة يجب، لانّ المتحذّر منه في المقام العقاب الاخروي المساوق احتماله للتنجّز، و ان لم يكن له مقتض فلا معنى له و لا مطلوبية له حتى استحبابا إذ لا موضوع له. و بالتمسّك باطلاق الآية لحالات عدم حصول العلم من اخبار المنذر نثبت مطلوبية التحذر حتّى في حالة عدم العلم و هو يساوق الحجّية».

(هذا) ثم ناقش في التقريرات في قوله الاخير انه «يساوق الحجية» فلم يقبله قائلا بأنّ وجوب الحذر هنا انما هو من باب الاحتياط لا من باب حجية خبر الثقة، فقوله تعالى «لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلّهم يحذرون» هو من قبيل «توضّأ لكي تصلّي» في كون الاوّل مقدمة وجودية للثاني او قل من قبيل «اشرب الدواء لعلّك تشفى» إذن فوجوب الحذر ثابت مطلقا، و الانذار مما يساعد على وقوعه خارجا حيث يكون منبّها و محفّزا على تحرّك المكلّفين و مزيد تخوّفهم من النتائج المترتبة على المخالفة ... (اضافة) الى‏

25

و قد يناقش في الامر الثاني‏ (1)- بعد تسليم الاوّل- بانّ الآية الكريمة لا تدل على اطلاق وجوب التحذّر لحالة عدم علم السامع بصدق المنذر (*) و ذلك لوجهين:

احدهما: ان الآية لم تسق من حيث الاساس لافادة وجوب التحذّر

____________

المكلّفين و مزيد تخوّفهم من النتائج المترتبة على المخالفة ... (اضافة) الى ان قوله تعالى «لعلهم يحذرون» صريح في كون المخبر به حكما الزاميا فلا تثبت حجية قوله فيما اذا كان المخبر به حكما ترخيصيا ... (راجع ص 376- 377)

(1) و هو قوله «ان وجوب التحذّر ثابت مطلقا»

(*) اذا كانت الآية لا تدل على وجوب التحذّر مطلقا الّا ان العقل يدلّ عليه لما ذكرناه سابقا، و زبدة الردّ على من استدلّ بهذه الآية المباركة على حجية خبر العادل هو ان هذه الآية مسوقة لافادة معنى لزوم التفقه لانذار الناس و تعليمهم، هذا الانذار لازم و ضروري لاحتمال ان يترتّب عليه علم منه او احتمال منجّز للتكليف عقلا- لا لحجية خبر الواحد. و ذلك كما هو معلوم للعلم الاجمالي بوجود تكاليف الزامية في الشريعة المقدّسة مع كون الشاك لم يفحص في الادلة لانّ الفرض ان المنذر عامّي، فيجب ح التحذر على ايّ واحد من احتمالي حصول علم عند المنذر او حصول احتمال منجّز، فلا يستفاد ح من قوله تعالى «لعلهم يحذرون» وجوب الحذر عليهم بسبب حجية خبر الثقة، (نعم) يحتمل قويا استلزام الامر بالنفر على نحو الكفاية لاعتبار قول المنذر الثقة حجّة- على ما ذكرنا سابقا- و إلّا لكان الانسب ان يؤمر الجميع بالتفقّه و لو بنحو التدريج، و ذلك لكون ترتب العلم على اقوالهم ليس دائميا و كون الاحتياط كثيرا ما يوقع في الحرج و المشقة- (لكن) لم يصل هذا الدليل عندنا الى مرتبة يحصل منه علم أو اطمئنان لوجود نظر في بعض جوانبه يعرف بالتأمّل (من قبيل أنّ ترتّب العلم من اخبار المبلّغين الثقات شبه دائمي الّا اذا حصل تعارض بينه و بين غيره، يعرف هذا الامر من يبلغ الناس)

26

لنتمسّك باطلاقها لاثبات وجوبه على كل حال، و انما هي مسوقة لافادة وجوب الانذار فيثبت باطلاقها ان وجوب الانذار ثابت على كل حال، و قد لا يوجب المولى التحذّر إلا على من حصل له العلم، و لكنه يوجب الانذار على كل حال، و ذلك احتياطا منه في مقام التشريع لعدم تمكّنه من إعطاء الضابطة للتمييز بين حالات استتباع الانذار للعلم او مساهمته‏ (1) فيه و غيرها.

و الوجه الآخر: ما يدّعى من وجود قرينة في الآية على عدم الاطلاق لظهورها في تعلّق الانذار بما تفقّه فيه المنذر في هجرته، و كون‏ (2) الحذر المطلوب مترقّبا عقيب هذا النحو من الانذار، فمع شك السامع في ذلك لا يمكن التمسّك باطلاق الآية لاثبات مطلوبية الحذر (*).

و يمكن النقاش في الامر الثالث بان وجوب التحذّر مترتب على عنوان الانذار- لا مجرّد الاخبار-، و الانذار يستبطن وجود خطر سابق‏ (3)،

____________

(1) أي ... او مساهمة الانذار في حصول العلم و حالة عدم ترتّب العلم من الانذار

(2) معطوفة على «تعلّق الانذار» اي لظهورها في كون ..

(3) و هو علمنا بوجود جهنم- اعاذنا الله منها-، مثال آخر: لو فرضنا ان تلميذا كانت علاماته اثناء السنة تحت المعدّل فيقال له «ادرس لعلّك تنجح و إلّا ترسب»، هذا يسمّى انذارا لانه يستبطن وجود خطر مسبق‏

(*) و لكن اذا علم المنذر اجمالا بوجود تكاليف الزامية في التي يبلّغها قد تفقّه بها فانه يجب عليه ح الاحتياط عقلا، (و لكن) هذا لا يفيدنا في اثبات حجية خبر المنذر

27

و هذا يعني ان الانذار ليس هو المنجّز و المستتبع لاحتمال الخطر بجعل الشارع الحجية له، و انما هو مسبوق بتنجّز الاحكام في المرتبة السابقة بالعلم الاجمالي او الشك قبل الفحص، هذا مضافا الى أن تنجّز الاحكام الالزامية (1) بالإخبار غير القطعي لا يتوقف على جعل الحجية للخبر شرعا بناء على مسلك حقّ الطاعة كما هو واضح.

2- و أمّا السّنّة فهناك طريقان لاثباتها:

احدهما: الاخبار الدّالة على الحجية:

و لكي يصحّ الاستدلال بها على حجية خبر الواحد لا بدّ ان تكون قطعية الصدور.

و تذكر في هذا المجال طوائف عديدة من الروايات، و الظاهر ان‏

____________

(1) يقصد أنه بناء على مسلك حقّ الطاعة- أي لزوم الاحتياط عقلا مع عدم ايجادنا لمعذّر- يجب التحذر- بمعنى الاحتياط- سواء حصل علم من الانذار او لم يحصل، و اين لزوم التحذّر و الاحتياط من القول بحجية خبر الواحد.

(و الخلاصة) ان هذه الآية المباركة لا تفيدنا حجية خبر الثقة، و ذلك لاحتمال كون وجوب الحذر ناشئا من حكم العقل بلزوم الاحتياط عند العلم الاجمالي بوجود تكاليف الزامية في الشريعة، او لحكم العقل بلزوم الحذر و الاحتياط قبل الاستعلام عن حكم المسألة، و اين وجوب الحذر الناشئ من حكم العقل و وجوب الحذر الناشئ من حجية خبر الثقة؟!

28

كثيرا منها لا يدلّ على الحجيّة. و فيما يلي نستعرض بايجاز جلّ هذه الطوائف ليتّضح الحال:

الطائفة الاولى: ما دلّ على التصديق الواقعي ببعض روايات الثقات، من قبيل ما ورد عن العسكري (عليه السلام) عند ما عرض عليه كتاب «يوم و ليلة» ليونس بن عبد الرحمن إذ قال: «هذا ديني و دين آبائي و هو الحقّ كلّه».

و هذا مردّه الى الإخبار عن المطابقة للواقع، و هو غير الحجية التعبدية التي تجعل عند الشك في المطابقة (1).

الطائفة الثانية: ما تضمّن الحثّ على تحمّل الحديث و حفظه، من قبيل قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من حفظ على امّتي اربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة».

و هذا لا يدلّ على الحجية ايضا، إذ لا شك في ان تحمّل الحديث و حفظه من أهمّ المستحبّات، بل من الواجبات الكفائية لتوقّف حفظ الشريعة (2) عليه، و لا يلزم من ذلك وجوب القبول تعبّدا مع الشك. و مثل ذلك ما دلّ على الثناء على المحدّثين او الامر بحفظ الكتب و الترغيب في الكتابة.

____________

(1) أي ... في مطابقة الخبر للواقع‏

(2) و عدم ضياع الاحاديث، إذ هذه طريقة جيدة- خاصّة في قديم الزمان قبل الطباعة و انتشار العلم- في بقاء الاحاديث منتشرة على الالسن بين الناس‏

29

الطائفة الثالثة: ما دلّ على الامر بنقل بعض النكات و المضامين، من قبيل قول ابي عبد الله (عليه السلام) «يا أبان اذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث ...».

و الصحيح ان الامر بالنقل يكفي في وجاهته احتمال تمامية الحجّة بذلك بحصول الوثوق‏ (1) لدى السامعين، و لا يتوقّف على افتراض الحجية التعبدية.

الطائفة الرابعة: ما دلّ على ان انتفاع السامع بالرواية قد يكون اكثر من انتفاع الرّاوي، من قبيل قولهم" فربّ حامل فقه الى من هو أفقه منه".

و نلاحظ ان هذه الطائفة ليست في مقام بيان ان النقل يثبت المنقول للسامع تعبّدا و إلا لكان الناقل دائما من هذه الناحية افضل حالا من السامع لان الثبوت لديه وجداني، بل هي بعد افتراض ثبوت المنقول تريد ان توضّح ان المهمّ ليس حفظ الالفاظ بل ادراك المعاني و استيعابها، و في ذلك قد يتفوّق السامع على الناقل.

الطائفة الخامسة: ما دلّ على ذمّ الكذب عليهم و التحذير من الكذابين عليهم، فانه لو لم يكن خبر الواحد مقبولا لما كان هناك أثر للكذب ليستحق التحذير.

____________

(1) قال «بحصول الوثوق» لانه لو لا حصوله لا فائدة من رواية هذا الحديث، إلّا أن تقول قد ينفعنا في اثارة الاحتياط (و لكن) لا بأس بهذه الطائفة مؤيّدا

30

و الصحيح ان الكذب كثيرا ما يوجب اقتناع السامع خطأ، و إذا افترض في مجال العقائد (1) و اصول الدين كفى في خطره مجرّد ايجاد الاحتمال و الظن. فاهتمام الأئمة بالتحذير من الكاذب لا يتوقّف على افتراض الحجية التعبديّة.

الطائفة السادسة: ما ورد في الارجاع الى آحاد من اصحاب الأئمّة بدون اعطاء ضابطة كلّية للارجاع، من قبيل ارجاع الامام الى زرارة بقوله (عليه السلام): «اذا اردت حديثا فعليك بهذا الجالس» (2)، او قول الامام‏

____________

(1) كما في دعوى تحريف القرآن الكريم‏

(2) يحسن في هذا المجال ان نذكر ما كتبه استاذنا السيد الحائري (حفظه الله) في تقريراته ج 2 ص 488 قال الطائفة الرابعة: ما دلّ على التحويل على اشخاص معيّنين من قبيل:

1- ما عن ابي حمّاد الرازي‏ أ قال: دخلت على عليّ بن محمّد (عليه السلام) بسرّمن‏رأى فسألته عن أشياء من الحلال و الحرام فاجابني فيها، فلما ودّعته قال: «يا حماد (!) إذا اشكل عليك شي‏ء من امر دينك بناحيتك فسل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني و أقرئه مني السلام» ب‏.

2- ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) ج‏ باسناده عن ابان بن عثمان ان أبا عبد الله (عليه السلام) قال له: «إن أبان بن تغلب قد روى عني رواية كثيرة، فما رواه لك عني فاروه عني» د.

3- رجال الكشي: عن محمد بن قولويه عن سعد عن محمد بن الحسين بن‏ (أ) غير موجود في معجم رجال الحديث و جامع الرواة لا بهذه الكنية و لا باسم حمّاد الرازي.

(ب) مستدرك الوسائل ج 3 باب 8 صفات القاضي ح 32 ص 189.

(ج) بسند من الصحيح الأعلائي الى أبان بن عثمان، و أمّا أبان هذا فهو و إن كان ناووسيا إلّا انه من الثقات المعروفين بل من اصحاب الاجماع.

(د) وسائل 18 باب 11 صفات القاضي ح 8 ص 101. و قد نقلنا السند من نفس الوسائل.

31

____________

ابي الخطاب عن محمّد بن سنان عن المفضّل بن عمر، ان أبا عبد الله (عليه السلام) قال للفيض بن المختار- في حديث- «فاذا اردت حديثنا فعليك بهذا الجالس»، و أومأ الى رجل من اصحابه، فسألت اصحابنا عنه، فقالوا:

زرارة بن اعين‏ أ.

4- رجال الكشي أيضا: عن علي بن محمد القتيبي عن الفضل بن شاذان عن عبد العزيز بن المهتدي- و كان خير قمّي رأيته و كان وكيل الرضا (عليه السلام) و خاصّته- قال: سألت الرضا (عليه السلام) فقلت إني لا القاك في كل وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «خذ عن يونس بن عبد الرحمن» ب‏ و هذه الطائفة أيضا لا تدلّ على التعبّد بالغاء احتمال الكذب في خبر الثقة، إذ من المحتمل انه (عليه السلام) انما احال على اشخاص معيّنين باعتبار علمه (عليه السلام) بأنهم لا يكذبون، و لا تزيد هذه الاخبار على بيان القضية الشخصيّة، و هذا لا يعني اعتماد الامام (عليه السلام) في علمه بانتفاء الكذب على علم الغيب كي يقال إن هذا خلاف الظاهر، إذ يكفي في حصول العلم بذلك المعاشرة التامّة للشخص باعتباره من خواصّه و صفوته مثلا. (نعم) هؤلاء الاشخاص من المحتمل عادة صدور الخطأ منهم، و لا يمكن عادة ان يعلم الامام (عليه السلام) بعدم صدور الخطأ منهم الّا بعلم الغيب، و ليس المبنى في مثل المقام على إعمال العلم بالغيب، فتدلّ هذه الاخبار على إلغاء احتمال الخطأ و الاشتباه تعبّدا. انتهى ما في التقرير.

اقول: لكن رغم ما ذكره سيدنا الشهيد (رحمه اللّه) هنا فانّ احتمال كون الارجاع اليهم لعلمهم و وثاقتهم العادية- لا بدرجة فوق العادة و لا باعتبار (أ) المصدر السابق ح 19. و هنا ايضا السند من الوسائل، و لا إشكال في صحّة السند إلّا من جهة محمد بن سنان ففي رواياته كلام.

(ب) المصدر السابق ح 34 ص 107. و السند صحيح فانه لا اشكال في الرواة حتى بالنسبة الى علي بن محمد بن قتيبة المذكور فانه ثقة، فقد «اعتمد عليه الكشّي في رجاله و كان تلميذ الفضل بن شاذان و صاحبه و رواية كتبه، فاضل».

32

الهادي (عليه السلام): «فاسأل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني و أقرئه مني السلام».

و روايات الارجاع التي هي من هذا القبيل لما كانت غير متضمّنة للضابطة الكلّية فلا يمكن اثبات حجية خبر الثقة بها مطلقا (1) [أي‏] حتّى في حالة احتمال تعمّد الكذب، إذ من الممكن ان يكون ارجاع الامام بنفسه معبّرا عن ثقته و يقينه بعدم تعمّد الكذب ما دام ارجاعا شخصيا غير معلّل.

الطائفة السابعة: ما دلّ على ذمّ من يطرح ما يسمعه من حديث بمجرّد عدم قبول طبعه له، من قبيل قوله (عليه السلام): «و اسوؤهم عندي حالا و امقتهم الذي يسمع الحديث ينسب إلينا و يروى عنا فلم يقبله، اشمأزّ منه و جحده و كفّر من دان به، و هو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج و الينا اسند»، إذ قد يقال: لو لا حجية الخبر لما استحقّ الطارح‏

____________

علمه (عليه السلام) بانهم لا يكذبون- امر واضح، فتكون هذه الطائفة من المؤيّدات المهمّة، و لا سيّما و ان هذه الارجاعات قد تخلق جوّا عند المتدينين- لو لم يكن يرضى الائمة (عليه السلام) بالاعتماد على اخبار مطلق الثقات- في الاعتماد على مطلق الثقات لا خصوص ثقات الأئمة او خصوص هؤلاء المرجوع اليهم فلو لم يكن الائمة (عليه السلام) يرضون بالاعتماد على مطلق الثقات لعلّه كان الاولى تبيين ذلك لئلا يقع المتدينون في مخالفة الطرق الشرعية الصحيحة

(1) اي حتى لو كانت وثاقته بالنحو العادي المتعارف (الذي يحتمل فيه الكذب و لو بنسبة قليلة جدا). و كأنّ كلمة «أي» بعد «مطلقا» قد حذفت سهوا، فاثبتناها بين قوسين‏

33

هذا الذمّ.

و الجواب: انه استحقّه لانّه اعتمد (*) على الذوق و الرأي في طرح الرواية بدون تتبّع و إعمال للموازين و على التسرّع بالنفي و الانكار مع ان مجرّد عدم الحجية (1) لا يسوّغ الانكار و التكفير.

الطائفة الثامنة: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامّة (2)، فلو لا ان خبر الواحد حجّة لما كان هناك معنى لفرض التعارض بين الخبرين و إعمال المرجّحات بينهما.

و نلاحظ ان دليل الترجيح هذا يناسب الحديثين القطعيين‏

____________

(1) سندا او غموض معناه عنده- متنا-

(2) من قبيل مرسلة الحسين بن السري قال: قال ابو عبد الله (عليه السلام): «اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم»، و ضعيفة الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح: هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال (عليه السلام): «لا و الله لا يسعكم إلا التسليم لنا»، فقلت:

فيروى عن ابي عبد الله (عليه السلام) شي‏ء و يروى عنه خلافه فبأيّه نأخذ؟ فقال:

«خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه»، و ضعيفة محمد بن عبد الله قال: قلت للرضا (عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟

فقال: «إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا الى ما يخالف منهما العامّة فخذوه، و انظروا الى ما يوافق اخبارهم فدعوه» (راجع الوسائل 18 باب 9 صفات القاضي ح 30، 31، 34)

(*) في النسخة الاصلية بدل «لانه اعتمد» «على الاعتماد»، و ما اثبتناه أفصح‏

34

صدورا (1) اذا تعارضا فلا يتوقف تعقله على افتراض الحجية التعبدية.

____________

(1) مراده (قده) ان يقول: «و نلاحظ ان دليل الترجيح هذا كما يناسب الحديثين الحجتين تعبدا كذلك يناسب الحديثين القطعيين صدورا اذا تعارضا ...»، و انك ترى في تقريرات استاذنا السيد كاظم الحائري كلمة «حتى» قبل «الحديثين القطعيين» في تقريراته لا بحاث السيد الشهيد ص 497 ممّا يشير الى أنّ عدم اثباتها هنا قد يكون من باب السهو.

و من اللازم هنا ان نذكر ما ذكره استاذنا السيد الحائري حفظه الله في تقريراته لمعرفة مراد السيد الشهيد (قده) قال: «فانّ الترجيح بمخالفة العامّة يناسب حتّى القطعيين، و ليس كالترجيح بالاوثقية و موافقة القرآن مثلا الذي لا يناسب القطعيين. و اذا كان الترجيح مناسبا للقطعيين فلا يدلّ على حجية غير القطعيين في الرتبة السابقة على التعارض، فانه و إن دلّ الحديث على ان المفروض كون كل واحد من الحديثين يؤخذ به لو لا التعارض و لذا وصلت النوبة الى فرض التعارض و الترجيح، لكنه ليس بصدد بيان هذا المطلب كي يتمسّك باطلاقه و تثبت بذلك حجية غير القطعي، و انما هو بصدد بيان مرجّح في اي مورد تمّ موضوع الترجيح (و هو تعارض خبرين يؤخذ بكل واحد منهما لو لا الآخر)، و لعلّ موضوعه منحصر في فرض كونهما قطعيين.» انتهى، و هو كلام جيد. و لايضاح قوله حفظه الله نقول:

قد يستدلّ بهذه الطائفة على حجية خبر الثقة و ذلك بان يقال: إن ترجيح احد الخبرين على الآخر في مورد التعارض فرع حجيّة كل خبر من الخبرين بحدّ نفسه، و إلا لو لم يكن حجّة فلا مورد للتعارض، لانه يكون ساقطا من الاصل. فالترجيح في هذه الروايات بمخالفة العامّة يكشف لنا عن حجية هذين الخبرين شرعا في المرحلة الاولى، و بعد معلومية حجيتهما في نفسيهما نقول يوجد بينهما تعارض‏

35

الطائفة التاسعة: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الترجيح‏

____________

(ثمّ) يمكن لنا اثبات شمول «الخبرين المختلفين» الواردين في الروايات لاخبار الثقات بالاطلاق، بعد معلومية عدم ارادة اخبار غير الثقات لعدم حجيتها.

(و النتيجة) حجية اخبار الثقات بحدّ ذاتها.

(فاجاب) السيد الشهيد (رحمه اللّه) على هذا التوهّم- بعد التسليم بالمقدّمة الاولى- بعدم صحّة التمسّك بالاطلاق و ذلك لانه ليس النظر الى شمول حالات الخبرين المختلفين حتّى نقول يصحّ التمسّك بالاطلاق، و انما النظر الى الحكم فقط (و هو الترجيح بمخالفة العامّة)، و هذا نظير قوله تعالى «اقيموا الصلاة» فانه ليس النظر الى جميع افراد الصلاة- كصلاتي العيدين و صلاة الليل و و ...- حتّى يتمسّك باطلاق الموضوع (و هو الصلاة) و نحكم بوجوب كل افراد الصلاة و انما النظر الى الحكم فقط، ففي هذه الحالات علينا ان نثبت الحكم للقدر المتيقن من الموضوع و هو هنا الخبران القطعيا الصدور، فافهم.

(نعم) لا بأس بهذه الطائفة ايضا مؤيّدا للقول بحجية خبر الثقة و ذلك لاقلّية حصول الوثوق بصدور كلتا الروايتين في حال تعارضهما- مع الاعتراف بامكان صدورهما معا بان تكون احداهما صادرة للتقية- و كون نظر السائل و الامام الى خصوص حالة حصول وثوق بصدورهما معا مستبعد، و لا سيّما و ان الحسن بن الجهم في الرواية الثانية صدّر سؤاله بقوله «هل يسعنا فيما ورد علينا منكم الّا التسليم لكم؟» فان كون نظره الى خصوص الروايات المعلومة الصدور مستبعد جدّا بل يكون سخيفا للغاية بحيث لا يناسب مثل الحسن بن الجهم هذا الثقة المعروف الذي له كتاب معروف و كان من خواصّ الامام الرضا (عليه السلام)؟!

36

بالاوثقية و نحوها (1) من الصفات الدخيلة في زيادة قيمة الخبر و قوّة الظنّ‏

____________

(1) كمصحّحة عمر بن حنظلة* قال: سالت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث، فتحاكما ...- الى أن قال- فان كان كل واحد اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقّهما و اختلف فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال: «الحكم ما حكم به اعدلهما و أفقههما و اصدقهما في الحديث و اورعهما، و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر»، قال فقلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال فقال: «ينظر الى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند اصحابك، فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند اصحابك، فانّ المجمع عليه لا ريب فيه- الى ان قال- فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنّة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السّنّة و وافق العامّة» أ.

و مرفوعة عوالي اللئالئ الى زرارة قال سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران او الحديثان المتعارضان ...- الى أن قال- « (*) رواها في الكافي عن محمد بن يحيى (ثقة) عن محمد بن الحسين ابن ابي الخطّاب (ثقة) عن محمد بن عيسى بن عبيد (ثقة) عن صفوان بن يحيى (ثقة) عن داود بن الحصين (ثقة) عن عمر بن حنظلة (ثقة من وجوه اصحابنا) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ...

(التحقيق في وثاقة عمر بن حنظلة)

هناك عدّة وجوه لاثبات وثاقته- بعد العلم بعدم ورود تضعيف فيه اصلا بل جاء فيه‏ (أ) الوسائل 18 باب 9 صفات القاضي ح 1 ص 75.

37

____________

خذ بقول اعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك» أ.

و مرسلة الاحتجاج للطبرسي: روي عن الحسن بن الجهم (ثقة) عن الرضا (عليه السلام) انه قال: قلت للرضا (عليه السلام): يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ فقال (عليه السلام): «إذا لم تعلم مدح-:- منها: ما ورد في التهذيب في اوقات الصلاة: محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى (بن عبيد. ثقة عين) عن يونس (بن عبد الرحمن. ثقة) عن يزيد بن خليفة (ثقة لرواية الاجلّاء عنه كصفوان بن يحيى في عدّة موارد، اضافة الى ورود بعض الروايات المادحة فيه، و لعلّه لذلك وثقه الشهيد الثاني) قال قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن عمر بن حنظلة اتانا عنك بوقت (اي بتحديد لوقت من اوقات الصلاة)، فقال ابو عبد الله (عليه السلام): «إذا لا يكذب علينا»، و هي ظاهرة في توثيقه.

. و منها: رواية اجلّاء اصحابنا عن عمر بن حنظلة كزرارة و عبد الله بن مسكان و صفوان بن يحيى و ابي ايوب الخزّاز و عبد الله بن بكير و علي بن رئاب و منصور بن حازم و هشام بن سالم، مع كون رواياته كثيرة، فانها تبلغ في الكتب الاربعة السبعين رواية، فهو ليس مجهولا عند هؤلاء حتما، و لا يحتمل ان يكون كذّابا و ذلك لرواية كل هؤلاء عنه، فيتعيّن ان يكون ثقة.

. و منها: ما رواه في الفقيه قال: و روى صفوان بن يحيى عن عمر بن حنظلة ... و طريق الشيخ الصدوق الى صفوان بن يحيى صحيح، و قد شهد الشيخ الطوسي ان صفوان و اضرابه لا يروون و لا يرسلون الّا عمّن يوثق به.

. و منها رواية الشيخ الصدوق في الفقيه عن عمر بن حنظلة مباشرة و قد قال في مقدمته انه قد اخذ روايات كتابه هذا «من كتب مشهورة، عليها المعوّل و اليها المرجع، مثل كتاب حريز .. و غيرها من الاصول و المصنفات»، و قد اخذ من كتاب عمر بن حنظلة مباشرة، اذن كتاب عمر بن حنظلة من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل‏

(أ) جامع الاحاديث المجلد الاوّل/ ابواب المقدمات/ ص 62.

38

____________

فموسّع عليك بأيّهما أخذت» أ، و لا يهمّنا ضعف السند لأنّ الكلام الآن في اصل اثبات حجية اخبار الثقات، فعلينا ان نرى هل يحصل من مجموع الأخبار اطمئنان بحجية اخبارهم.

و مصحّحه محمّد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يتّهمون بالكذب- أي و اليها المرجع، و بالتالي سيكون صاحبه من الثقات الكبار الذين عليهم المعوّل و اليهم المرجع، و هو أمر فوق الوثاقة.

و (النتيجة) انه لا شكّ في وثاقة عمر بن حنظلة، و لذلك لك ان تطلق عليها تسمية مصحّحة او صحيحة و لكل وجه.

ملاحظتان تؤيّدان القول بصحّة هذه الرواية:* الاولى: اورد هذه المصحّحة في الكافي. كما عرفت. و في الفقيه، و هذا الامر بنفسه يدعم هذه المصحّحة سندا و يزيد احتمال صدورها واقعا، و ذلك لامور يعرفها أهل الخبرة، اشير الى بعضها باختصار:

1) شهد الشيخ الكليني (رحمه اللّه) ان روايات كتابه «الكافي» صحيحة عن الصادقين (عليه السلام)، فهذه المصحّحة- طبقا لكلام الكليني- صحيحة.

2) شهد الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) بما ذكرناه قبل أسطر، و زاد قائلا «و صنّفت له هذا الكتاب بحذف الاسانيد لئلا تكثر طرقه و ان كثرت فوائده، و لم اقصد فيه قصد المصنفين الى ايراد جميع ما رووه بل قصدت الى ايراد ما افتي به و احكم بصحّته و اعتقد أنه حجّة بيني و بين ربّي عزّ و جلّ ...» و قد روى هذه الرواية في فقيهه عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن ابي عبد الله (عليه السلام).

* الثانية: سيأتيك ان شاء الله في اواخر بحث خبر الواحد تعليقة تحت عنوان «فوائد رجالية» تقيد في هذا المجال ايضا فراجع.

(أ) الوسائل 18 باب 9 من صفات القاضي ح 40 ص 87.

39

بصدوره، و تقريب الاستدلال كما تقدّم في الطائفة السابقة. و لا يمكن هنا حمل هذا الدليل على الحديثين القطعيين، لان الاوثقيّة لا أثر لها فيهما ما دام كل منهما مقطوع الصدور.

الطائفة العاشرة: ما دلّ بشكل و آخر على الارجاع الى كلّي الثقة إمّا ابتداء و إمّا تعليلا للارجاع الى اشخاص معيّنين على نحو يفهم منه الضابط الكلّي ... و هذه الطائفة هي احسن ما في الباب.

____________

ثقات- فيجي‏ء منكم خلافه؟ قال: «إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» أ. بتقريب انه لو لا حجّيّة خبر الثقة لاجابه الامام (عليه السلام) بعدم الحجية من الاصل الّا اذا حصل من قوله وثوق و اطمئنان، و بكلمة اخرى ان قوله (عليه السلام) «إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» يتضمّن القول بحجية خبر الثقة و إلا فالحديث الضعيف لا ينسخ. هذا في خصوص المصحّحة الاخيرة، (امّا) بالنسبة الى مجموع الروايات فالامر ايضا هكذا، فانه لو لم يكن خبر الثقة حجّة لما أقرّ الامام (عليه السلام) لعمر قوله «قد رواهما الثقات عنكم» مع عدم تقييد ذلك بكونه إماميا مثلا او فيما اذا أفاد الاطمئنان، و هكذا الامر في مرسلة الحسن بن الجهم و مصحّحة محمد بن مسلم.

نعم يبقى النظر في دلالة مرسلة زرارة فان قوله (عليه السلام) «و اوثقهما في نفسك» مقرونة بقوله (عليه السلام) قبلها «اعدلهما عندك» اي اعدلهما في اقوالهما و افعالهما، و قد يكون في اعتقادهما ايضا فلم يكتف الامام بمجرّد الاوثقية، و لذلك فهذه المرسلة تدلّ على حجية خبر العادل كقدر متيقّن.

(أ) نفس المصدر ح 4 ص 77.

40

و في روايات هذه الطائفة ما لا يخلو من مناقشة أيضا من قبيل قوله: «فانه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا قد عرفوا باننا نفاوضهم بسرّنا، و نحمّله إيّاهم إليهم» (1)، فانّ عنوان ثقاتنا اخصّ من عنوان الثقات، و لعلّه يتناول خصوص الاشخاص المعتمدين شخصيّا للامام و المؤتمنين من قبله فلا يدلّ على الحجية في نطاق أوسع من ذلك‏ (2).

____________

(1) هي رواية القاسم بن العلاء رواها في رجال الكشي هكذا: علي بن محمّد بن قتيبة قال حدّثني ابو حامد احمد بن ابراهيم المراغي قال ورد على القاسم بن العلاء (احد وكلاء الناحية على ما قال ابن طاووس) نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال ...- الى ان قال- «فانّه لا عذر ... و نحمّلهم ايّاه اليهم، و عرفنا ما يكون من ذلك ان شاء الله تعالى» (الحديث). (راجع الوسائل 18 باب 11 ح 40 ص 108)، أي ... و نحمّل ثقاتنا السرّ الى شيعتنا. (و لا تبعد) صحّة دعوى الاطمئنان بصدور هذه المكاتبة بقرينتي السند و المتن‏

(2) لا بأس بنقل ما افاده استاذنا السيد الحائري في مباحثه ج 2 من القسم الثاني ص 495 قال: «و قد اشتهر هذا اللسان بهذه الصيغة الخاصّة اي «لا ينبغي التشكيك فيما يروي عنّا ثقاتنا» في تعبير الاصحاب في مقام الاستشهاد على حجية خبر الثقة بالاخبار و لم يرد الّا في هذا الحديث.

و هذا اللسان اجنبي عمّا نحن فيه، لانّ المتكلّم لو قال: «فلان ثقتي» فهذا لا يعني انه ثقة في قوله- أي أنه واجد لملكة الصدق- بل يعني: انه معتمدي و محل وثوقي في اموري و اسراري و تشاوري و نحو ذلك.

فقوله (عليه السلام) «ثقاتنا» ليس معناه من يعتقد بكونه واجدا لملكة الصدق، و انما هو تعبير من سنخ تعبير الامام الحسين (عليه السلام) في شأن ابن عمّه و نائبه مسلم ابن عقيل حيث قال: «إنّي باعث إليكم ثقتي من اهل‏

41

و في روايات هذه الطائفة ما لا مناقشة في دلالتها من قبيل ما رواه محمّد بن عيسى: قال: قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك إني لا اكاد اصل اليك لا سألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟ فقال:

«نعم» (1)، و لما كان المرتكز في ذهن الرّاوي ان مناط التحويل هو

____________

بيتى» و معناه: انه معتمدي في اموري و افاوض معه أسراري، كما جاء في ذيل هذا الحديث الذي استدلّ به على حجية خبر الواحد «قد عرفوا باننا نفاوضهم بسرّنا و نحملهم اياه إليهم»، و الثقة بهذا المعنى لا إشكال في حجية خبره. انتهى‏*. (*) (اقول) مع الاعتقاد بصحة هذا الكلام نضيف انه حتّى مع احتمال ارادته لا يصحّ الاستدلال بهذه الرواية على حجية خبر مطلق الثقة، (مع) احتمال ارادة خصوص ثقاتهم الامامية، فانه يبعد كثيرا ارادة الفطحية و الواقفة و نحوهم ممّن خرجوا عن الصراط المستقيم من قوله (عليه السلام) «ثقاتنا»، لا سيّما مع التصريح بانهم (عليهم السلام) يفاوضونهم بسرّهم و يحملونهم إيّاه الى شيعتهم.

(1) هي صحيحة عبد العزيز بن المهتدي، ذكرها في رجال الكشّي هكذا:

محمد بن مسعود قال: حدّثني محمّد بن نصير قال حدّثنا محمّد بن عيسى قال حدّثني عبد العزيز بن المهتدي، قال محمّد بن نصير قال محمّد بن عيسى: وجدت الحسن بن علي بن يقطين بذلك ايضا، قال قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام) ... إلخ‏

أمّا الكلام في سندها فلا شك في صحّته، فانّ (محمّد بن مسعود) هو المعروف بالعيّاشي و هو ثقة صدوق، و أمّا (محمّد بن نصير) فهو الكشّي الثقة الجليل القدر الكثير العلم و ليس النميري الملعون على لسان نائب‏

42

الوثاقة و اقرّه الامام على ذلك دلّ الحديث على حجية خبر الثقة.

غير ان عدد الروايات التامّة دلالة على هذا المنوال لا يبلغ مستوى‏

____________

الامام الحجّة (عج) الخاص اعني أبا جعفر محمّد بن عثمان ... لكون الكشّي يروي عن محمد بن نصير الكشّي بواسطة محمّد بن مسعود في 24 موضعا، بل نفس الكشّي يروي عنه ايضا في ستّة مواضع و محمد بن نصير الكشّي روى عن محمّد بن عيسى في 17 موضعا. و لم نر رواية واحدة فيها تصريح بان أبا عمرو الكشّي او محمّد بن مسعود يرويان فيها عن محمد بن نصير النميري الملعون، اوان النميري هذا قد روى عن محمد بن عيسى، فالامر إذن واضح (راجع إن شئت معجم رجال الحديث 17 ص 299).

(و على) هذا الأساس تحمل الرواية التي يرويها محمد بن مسعود العيّاشي و أبو عمرو بن عبد العزيز (الكشي) كلاهما عن محمد بن نصير عن محمد بن عيسى على الكشّي لا على النميري، (إضافة) الى انه يبعد كثيرا ان يرويا عن النميري الملعون، فالانصراف انما يكون الى الكشّي لا الى النميري. و أمّا (محمّد بن عيسى) فهو ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف. و أمّا (عبد العزيز بن المهتدي) فهو ثقة خير قمّي، وكيل الامام الرضا (عليه السلام) و له كتاب. و امّا (الحسن بن علي بن يقطين) فهو ثقة فقيه متكلّم.

(لكن) رغم تصحيح هذا السند لا يطمأن بصدور متنه بالنحو المذكور هنا و ذلك لوروده بمتن آخر صحيح السند ايضا هكذا نصّه: رجال الكشّي عن علي بن محمد القتيبي عن الفضل بن شاذان عن عبد العزيز بن المهتدي و كان خير قمّي رأيته و كان وكيل الرضا (عليه السلام) و خاصّته قال: سالت الرضا (عليه السلام) فقلت: إني لا القاك في كل وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟

فقال: «خذ عن يونس بن عبد الرحمن» (الوسائل 18 باب 11 ح 33 و 34 ص 107)

43

التواتر لانه عدد محدود (1). نعم قد تبذل عنايات في تجميع ملاحظات توجب الاطمئنان الشخصي بصدور بعض هذه الروايات لمزايا في رجال سندها و نحو ذلك.

____________

(1) مثل ما رواه الكشي عن محمد بن قولويه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى عن احمد بن الوليد عن علي بن المسيب قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة و لست اصل إليك في كل وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «من زكريا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا».

و رجال السند كلهم ثقات الا احمد بن الوليد فانه مهمل في كتب الرجال، الّا ان رواية محمد بن عيسى و ولده احمد عن احمد بن الوليد على جلالتهما في العلم و الوثاقة يؤيّدان كونه ثقة.

يؤيد احتمال صحّة السند نفس هذا المتن القريب جدّا الى الواقع، إذ ان زكريا هذا- كما قال عنه النجاشي- ثقة جليل القدر ... و ما ورد فيه عن الامامين الرضا و الجواد (عليه السلام).

و قوله (عليه السلام) «المأمون على الدين و الدنيا» إشارة واضحة الى مناط الرجوع اليه. (و يرد) على هذا التقريب ان المامون اعلى من الوثاقة اذ ان المامون على الدين و الدنيا يشمل ايضا عدم الخيانة و السرقة و الغش و ...

و قد يدخل في هذه الطائفة الروايات الواردة عن جابر بن يزيد الجعفى و غيره و التي مفادها «سارعوا في طلب العلم فو الذي نفسي بيده لحديث واحد في حلال و حرام تاخذه عن صادق خير من الدنيا و ما حملت من ذهب و فضّة»، و ذلك ان الله تعالى يقول «ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا»* و «من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله التيه يوم القيامة» (*) جامع احاديث الشيعة المجلّد الاوّل باب 5 ابواب المقدّمات ج 8 و 7 عن ... عن‏

44

____________

أو «ألزمه الله البتة الى العناء»*.

ان اعطاء كل هذه الاهميّة لخبر الصادق يكشف لنا عن حجيته شرعا، خاصّة بتذييل هذه الاهمية بقوله (عليه السلام) «و ذلك ان الله تعالى يقول: ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا» و الا- مع عدم اعتباره حجّة و طريقا تعبّدا لمعرفة احاديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- لما ناسب هذا الذيل. (فان قلت) ان خبر الصادق يورث وثوقا و اطمئنانا بحسب العادة، فمن هنا اعطيت له هذه الاهميّة و ذيّلت هذه الرواية بهذا الذيل اي في حالة ترتّب الوثوق من قوله يكون كأنّ نفس رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ينطق بهذا عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفى، و ح 9 عن ... عن عبد السلام بن سالم عن رجل، و ح 10 صحيح السند فقد رواه البرقي (ثقة) في المحاسن عن محمد بن عبد الحميد العطّار (ثقة) عن عمّه عبد السلام بن سالم (ثقة) عن ميسر بن عبد العزيز قال قال ابو عبد الله (عليه السلام): «حديث يأخذه صادق عن صادق خير من الدنيا و ما فيها».

(*) المصدر السابق ح 123: الكافي: بعض اصحابنا عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني (رضوان الله عليه) (صاحب المزار المعروف في الرىّ. جنوب طهران. و الذي ورد فيه روايات منها أنّ من زاره «فكمن زار الحسين (عليه السلام) ...) عن مالك بن عامر (مهمل) عن المفضّل بن زائدة (مهمل ايضا) عن المفضّل بن عمر (ثقة) قال قال ابو عبد الله (عليه السلام): «من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه الله البتّة (التيه. خ) الى العناء، و من ادّعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك، و ذلك الباب المأمون على سرّ الله المكنون»، لكن بناء على صحّة جميع روايات الكافي الّا ما خرج بالدليل تكون هذه الرواية مصحّحة السند، و جهالة بعض الرواة عندنا لا يكشف عن جهالتهم عند الشيخ الكليني الذي عاصر الغيبة الصغرى. و مثله ح 124، انما هذا المتن عن عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد الجعفي ايضا ممّا يشكّك في صدور كلتا الروايتين بعد استبعاد ان يروي عمرو كلا هذين المتنين.

45

____________

الحديث، (قلت) لا شك بكثرة وجود تعارض بنحو مستقر في الروايات حتّى ان احدهم يقول انه حين دخل مسجد الكوفة و سمع كثرة التعارض في الروايات كاد ان يشكّ في دينه، و يكفي ان يوجد رواية ضعيفة مخالفة حتّى يرتفع الوثوق من البين. (فاذن) مجموع روايات «حديث الصادق» تفيدنا حجية خبر الصادق، او لا اقلّ من قوّة الظن بارادة هذا المعنى منهم (عليه السلام).

و صحيحة أبي علي احمد بن إسحاق: انه سأل أبا محمّد (عليه السلام) «اي الامام العسكري» عمّن يعامل او عمّن يأخذ و قول من يقبل؟ فقال له:

«العمريّ و ابنه ثقتان، فما أدّيا اليك عني فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما و اطعهما، فانهما الثقتان المأمونان».

(امّا) القول في السند فهي من الصحيح الاعلائي باجماع الرجاليين، فقد رواها الكلينى (رحمه اللّه) في الكافي عن محمد بن عبد الله (بن جعفر الحميري، ابو جعفر القمّي- ثقة وجه من وجوه اصحابنا) و محمد بن يحيى (ابو جعفر العطار القمي- شيخ اصحابنا في زمانه، ثقة عين كثير الحديث) جميعا عن عبد الله بن جعفر الحميري (القمّي- ثقة، يروي عن الامام العسكري أيضا، بل هو شيخ القميين و وجههم، قدم الكوفة سنة نيف و 290) قال: اجتمعت انا و الشيخ ابو عمرو (رحمه اللّه) (و هو عثمان بن سعيد اوّل نائب للحجّة (عج) من النواب الاربعة) عند احمد بن إسحاق (ثقة كبير القدر كان من خاصّة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) و روى عن الامامين الجواد و الهادي (عليه السلام) فغمزني احمد بن إسحاق ان اساله عن الخلف، فقلت له يا أبا عمرو ... و قد اخبرني ابو علي احمد بن إسحاق ... (و لذلك) فمن يتأمّل في السند يطمئن بصدورها.

و (امّا) من حيث المتن فيبعد جدا الاشتباه او التحريف لما عرفته من وثاقة هؤلاء الرواة و علمهم، فهم ليسوا من عوام الناس لكي يحرّفوا عن جهل أو عمد و يبعد عنهم النسيان و الاشتباه، خاصّة في كلمة «ثقتان» و ذلك‏

46

____________

لتكرارها في ذيل الحديث.

(و امّا) من حيث الدلالة فانّ تفريع «فما أدّيا اليك عني فعني يؤديان ...» على وثاقتهما لتعبير صريح عن ان من كان ثقة فقوله حجّة و طريق و كاشف تعبّدي لمعرفة قول الامام (عليه السلام) و إنّ تكرار هذا التعبير في آخر الرواية المباركة ليؤكّد إرادة الامام هذا المعنى. (ثم) إنّ هذه الرواية ليست في مقام نصب العمري (ابو عمرو، عثمان بن سعيد) و ولده (محمد) نائبين خاصّين للامام (عليه السلام) لوضوح كون السؤال عمّن يأخذ- اي معالم دينه- و قول من يقبل، (و إن) كان في الجواب اشارة واضحة اضافية في تبيين نيابتهما عن الامام (عليه السلام) و هو قوله «فاسمع لهما و اطعهما»، فهذه النقطة الاضافيّة لا تؤثّر على اصل كلامنا الاوّل. و بكلمة اخرى: ليس السؤال عن تعيين نائب الامام و تحديده له، و ليس في الجواب: العمري و ابنه ثقتاي و لا نائباي و لا نحو ذلك من تعابير، (و لذلك) قد يستفاد من هذا المتن تنزيل خبر الثقة منزلة كلام نفس المعصوم (عليه السلام) و على طريقة مسلك الطريقية الذي يتبنّاه المحقّق النائيني و السيد الخوئي (رحمهما الله). (يؤيّد) هذه الطريقة في التعبير قول الامام (عليه السلام): «ائت ابان بن تغلب فانه قد سمع منّي حديثا كثيرا، فما روى لك (عني- كشّي) فاروه (عنّي- جش)»، اي بحذف الواسطة* بناء على صحّة نسخة النجاشي، (و إن) كنّا نرفض هذا الفهم لاحتمال ارادة الإخبار من صحيحة احمد بن إسحاق عن مطابقة اخبارهما للواقع لا التنزيل منزلة الواقع، و كذلك لشدّة وثاقة أبان اجاز الامام (عليه السلام) بان تحذف وساطته.

- و الرواية المعروفة الواردة عن كتب بني فضّال إذ سئل الامام العسكري (عليه السلام) عنها فقالوا: كيف نعمل بكتبهم و بيوتنا منها ملاء؟

(*) رواها في الفقيه بقوله: قال الصادق (عليه السلام) لا بأن بن عثمان، و رواها الكشي و النجاشي.

47

____________

43- 1 () فقال (صلوات الله عليه): «خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا»، و القدر المتيقّن منه إرادة الثقات من بني فضّال، بل لم نعرف كتابا لاحدهم إلّا و هو ثقة* 1.

(يؤيّد) هذه الطائفة مجموعة من الروايات فيها اشارة و لو ضعيفة الى حجية خبر الثقة من قبيل ما رواه سليم بن قيس الهلالي في كتابه عن الحسين بن علي (عليه السلام)- الى ان قال-: «انشدكم الله إلّا حدّثتم به من تثقون (تتّقون- خ) به»* 2، و «ان العلماء ورثة الانبياء»* 3، و مثلها «اللّهم ارحم خلفائي ... الذين يأتون من بعدي و يروون حديثي و سنتي»* 4 و «اكتب و بثّ علمك في اخوانك، فان متّ فاورث كتبك بنيك، فانه يأتي على الناس زمان لا يأنسون فيه الّا بكتبهم»* 5 و نحو ذلك.

(و يؤيّدها) ايضا الروايات المستفيضة التي تعطي- على قول- الحجية لخبر الثقة في مجال الموضوعات، و سنذكرها في آخر التعليقة إن شاء الله، و إن كنّا لا نؤمن بهذا القول.

و لأهمية البحث جدّا، بل هو اهم بحث في علم الاصول بلا شك يلزم علينا أن نعيد ذكر متون الروايات الظاهرة في إعطاء الحجيّة لخبر الثقة او المؤيّدة (* 1) اصحاب الكتب منهم هما: الحسن بن علي بن فضّال، و ولده علي (واسع الرواية و الاخبار جيد التصانيف، فطحي و لكنه مع ذلك قريب الامر الى اصحابنا، بل فقيه اصحابنا بالكوفة و وجههم و ثقتهم، روى عن الامامين الهادي و العسكري (عليه السلام)، و لا نعرف غيرهما من بني فضّال مصنّفين.

(* 2) مستدرك الوسائل 3 باب 8 من صفات القاضي ح 24 ص 183، و في جامع الاحاديث (المصدر السابق) ح 42 قال «تتّقون» بدل «تثقون».

(* 3) المصدر السابق (جامع الاحاديث) ح 70.

(* 4) نفس المصدر ح 46- 49.

(* 5) نفس المصدر ح 50.

48

____________

لذلك- باختصار-:

1- صحيحة احمد بن اسحاق إذ سأل الامام العسكري (عليه السلام) عمّن يعامل او عمّن يأخذ و قول من يقبل؟ فاجابه (عليه السلام): «العمريّ و ابنه ثقتان، فما أدّيا اليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك عني فعني يقولان، فاسمع لهما و اطعهما، فانهما الثقتان المأمونان»، بتقريب التفريع الصريح في اعطاء الحجية لخبر الثقة، و لعلها احسن الروايات الدّالة على المطلوب و اقواها سندا.

2- مصحّحة محمّد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يتّهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه؟ قال: «ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»، بتقريب اقرار الامام (عليه السلام) لارتكازه في البناء على حجية خبر الثقة و لو لم يحصل عنده منه وثوق، و لذلك ترى الامام (عليه السلام) انتقل الى مرحلة ثانية- أي بانيا على حجية خبر الثقة- فقال ان الحديث ينسخ ...

3- مصحّحة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما ...- الى ان قال- فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال (عليه السلام): «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنّة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة»، بتقريب إمضاء الامام (عليه السلام) لارتكاز عمر على حجية خبر الثقة و عدم تنبيهه على بطلان ارتكازه المذكور.

4- صحيحة عبد العزيز بن المهتدي قال: قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام):

جعلت فداك إني لا أكاد اصل اليك أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم ديني؟ قال (عليه السلام): «نعم»، بالتقريب السابق.

5- رواية علي بن المسيّب (مظنونة الصدور جدّا) قال قلت للرضا (عليه السلام):

شقّتي بعيدة و لست اصل اليك في كل وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟

49

____________

فقال (عليه السلام): «من زكريا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا»، بتقريب ان ذكر هذا الوصف في هذا المقام اشارة واضحة في الكشف عن سبب الارجاع اليه و اخذ معالم دينه من زكريا.

6- روايات «حديث الصادق» المتعددة و التي نصّها «سارعوا في طلب العلم، فوالذي نفسي بيده لحديث واحد في حلال و حرام تاخذه عن صادق خير من الدنيا و ما حملت من ذهب و فضّة، و ذلك ان الله تعالى يقول «ما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا» و «من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه الله التيه يوم القيامة (او البتة الى العناء- خ)» بتقريب ان ذكر وصف الصادق هنا مع اعطائه كل هذه الاهميّة اشارة جيدة عرفا في تبيين حجّية قوله، و لا اقلّ من انها توهم حجّية خبره و هو خلاف الحكمة إن لم يكن حجّة شرعا.

7- مرسلة الاحتجاج: روي عن الحسن بن الجهم (ثقة) عن الرضا (عليه السلام) انه قال: قلت للرضا (عليه السلام): يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيّهما الحق؟ فقال (عليه السلام): «إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما اخذت»، بتقريب امضاء الامام (عليه السلام) لارتكاز الحسن من حجية خبر الثقة، و دلالتها جيدة.

8- مرسلته الاخرى عن الحارث بن المغيرة (ثقة ثقة) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «اذا سمعت من اصحابك الحديث و كلّهم ثقة فموسّع عليك حتى ترى القائم فتردّه عليه»، بتقريب ان نفس الامام (عليه السلام) يعلّمنا ان خبر الثقة حجّة، (بيان ذلك) يوجد في هذه الرواية احتمالان: الاوّل: ان يكون المراد منها إفادة حجية خبر الثقة، و الثاني: ان يكون المراد منها افادة التخيير في حال التعارض، يؤيّد الاوّل صيغة الافراد في «الحديث» فلم يقل مثلا «الحديثين المتعارضين»، و قرينة الثاني قوله (عليه السلام) «فموسّع عليك» و هذه قد لا تلائم القول بحجية خبر الثقة، لانه على القول بالحجية يجب عليه الالتزام بقوله لا انّ له الالتزام به و إن شاء تركه،

50

____________

و الاحتمال الثّاني (اي كون هذه الرواية واردة في التعارض) هو الأظهر.

و على هذا الاحتمال أيضا تستفاد حجية خبر الثقة، إذ ان التخيير في حال التعارض فرع حجية الخبرين كما هو واضح.

9- مرفوعة عوالي اللئالئ عن زرارة قال: سألت الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران او الحديثان المتعارضان ...- الى ان قال- «خذ بقول اعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك»، بتقريب ان المراد بأعدلهما اصدقهما.

10- الرواية المعروفة الواردة عن كتب بني فضّال «خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا»، بتقريب انّ المعروف منهم من اصحاب الكتب هما الحسن بن علي بن فضّال و ولده علي فهما اصحاب الكتب المذكورة خاصّة علي، و كلاهما ثقتان، و حتّى احمد (ولد الحسن بن علي) فانه رغم انهم لم يذكروا له كتابا فهو ثقة، و قد قال عنهم الامام (عليه السلام) «خذوا بما رووا» و هي صريحة في المطلوب.

11- روايات الارجاع بتقريب انهم قالوا ان مناط ارجاع الأئمة (عليهم السلام) اليهم هو وثاقتهم في أنفسهم، بالاضافة الى انه لو لم يكن خبر الثقة حجّة لما ارجعوا إليهم الّا بتنبيه الى عدم سريان هذا الارجاع الى مطلق ثقة.

12- رواية «اذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنّا فانظروا الى ما رووه عن علي (عليه السلام) فاعملوا به»، و القدر المتيقن منهم هم خصوص الثقات من العامّة.

13- الصحيحة القائلة: انه ليس كل ساعة القاك و يمكن القدوم و يجي‏ء الرجل من اصحابنا فيسألني و ليس عندي كل ما يسألني عنه؟ فقال (عليه السلام):

" فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي فانه سمع من ابي و كان عنده مرضيّا (وجيها- خ)، (بتقريب) ان وصفه بالمرضي او الوجيه اشارة واضحة الى مناط الارجاع اليه، لا انها صفة اجنبية عن المقام.

14- مصحّحة إسحاق بن يعقوب «و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى‏

51

____________

رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم و انا حجّة الله ...»، (بتقريب) الاطلاق الموجود في «فارجعوا» فانها تشمل الرجوع اليهم كرواة- و القدر المتيقّن منهم الثقات- و كمفتين.، و غيرها من الروايات ...

(و بيان) الاستدلال بها على حجية خبر الثقة (امّا) بطريق مباشر و ذلك لعدم تقييد هذه الروايات بكونه إماميا الّا في مرسلة الحارث بن المغيرة و مرفوعة زرارة على كلام فيهما (ان الاولى في مورد التعارض، و احتمال ارادة اصدقهما من اعدلهما في الثانية)، فلم يبق مقيّد واضح بالعدالة او الامامية، (و إمّا) بان يقال- و لو بقرينة آيتي النبأ و النفر و غيرهما- بان القدر المتيقّن هو حجية خبر العادل الامامي، فاذا ثبت ذلك نقول افادنا خبر العادل الامامي في صحيحة احمد بن إسحاق و غيرها حجية خبر الثقة.

(و النتيجة) هي حجية خبر الثقة بلا شك، (على) انه سيأتيك بعض المؤيّدات لهذه النتيجة كعدم ردع المعصومين (عليه السلام) عن هذه السيرة.

الحمد لله رب العالمين.

تذييل مهم: الكلام في حجيّة خبر الثقة في الموضوعات‏ نسب الى المشهور عدم حجية خبر العادل في الموضوعات الخارجية إلّا ما خرج بالدليل، و الظاهر أن دليلهم في ذلك:

- ما روياه في الكافي و التهذيب عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال:

" كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه او خدع فبيع قهرا، او امرأة تحتك و هي اختك او رضيعتك، و الاشياء كلها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك او تقوم به البيّنة. (الوسائل 12 باب 4 من ابواب ما يكتسب به ح 4

52

____________

ص 60). و البيّنة بالاصطلاح المتشرّعي عبارة عن رجلين عادلين، و قد وردت لفظة «البيّنة» بهذا المعنى على لسان الرسول الاعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) من بعده مئات المرّات في كتاب القضاء من وسائل الشيعة. بحيث لا يبقى شك في كون هذه اللفظة حقيقة متشرّعية في العادلين، على انه يحتمل ايضا ان تكون قد تحوّلت الى هذا المعنى الاصطلاحي في زمن النبي الاعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يقول السيد الخوئي (رحمه اللّه) انه «ثبت من الخارج انه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يقضي بشهادة العدلين» (فقه الشيعة 2 ص 59)، و في بعض الروايات يسأل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدّعي «أ لك بيّنة؟!» (المصدر السابق ص 58). (فما) لم يحصل عند الشخص علم او بيّنة تجري قاعدة الحلّيّة و لا عبرة بخبر العادل فضلا عن الثقة غير العادل. و المراد بالحلية هنا- في الرواية- الاعمّ من الحلية الاصطلاحية و التي موردها الطعام و ذلك بصريح هذه الرواية في أمثلتها، ففي المثال الاوّل يحلّ لبس الثوب المذكور .. و في الثاني يحلّ استخدام المملوك المذكور .. و في الثالث يحلّ وطء تلك المرأة.

(امّا) سند هذه الرواية فقد رواها الكافي عن علي بن ابراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (عليه السلام). و رواها الشيخ في التهذيب باسناده عن علي بن ابراهيم. و الجميع ثقات الّا ان الكلام في مسعدة، فانه عامّي بتري روى عن الصادق و الكاظم (عليه السلام) لم يوثقه احد و لم يضعّفه احد، الّا انّ وثاقته تثبت برواية الصدوق عنه في فقيهه و قد شهد انه قد اخذ رواياته عن المصنفات و الاصول التي عليها المعوّل و اليها المرجع مما يعني وثاقة اصحابها على الاقلّ، و هذه الطريقة معروفة و مشهورة بين علماء الحديث و الرجال. فالسند موثّق، و كذا وصفها جملة من الاعلام كالشيخ الانصاري و صاحب الحدائق و غيرهما.

- و رواية الكافي عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجبن قال:" كل شي‏ء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان ان فيه ميتة (وسائل 17 باب 61 من ابواب الاطعمة المباحة ح 2 ص 91)، (بتقريب) عدم وجود ميزة في الجبن و الميتة.

و الجواب: انّه و إن كان ظاهر هاتين الروايتين الحصر لكن هذا الظهور على سعته ممنوع‏

53

____________

لتعارضهما مع ما هو صريح في قبول قول الثقة في عدّة موارد. فقد وردت روايات مستفيضة صحيحة صريحة في حجية خبر الثقة في موارد متعدّدة فيتخصص حكم لزوم الرجوع الى العلم او البيّنة بما عدا الموارد المذكورة.

و إليك هذه الروايات:

1- صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال: «إن الوكيل اذا وكّل ثم قام عن المجلس فامره ماض أبدا و الوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه او يشافهه (اي الموكّل) بالعزل عن الوكالة» (وسائل 13 باب 2 من كتاب الوكالة ح 1 ص 286)، (ببيان) عدم وجود فرق بين ان يبلغه بالعزل او بغيره إذ لا ميزة في العزل عن الوكالة.

2. صحيحة علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّن يلي صدقة العشر من لا بأس به؟ (اي ان يليها) فقال: «إن كان ثقة فمره ان يضعها في مواضعها، و إن لم يكن ثقة فخذها انت وضعها في مواضعها» (وسائل 6 باب 35 من ابواب المستحقّين للزكاة ح 1 ص 193). (فقال) (عليه السلام) إن كان ثقة و لم يقل إن كان أمينا و ذلك إمّا للملازمة بين الوثاقة و الامانة و إمّا لكفاية الوثاقة و هو بعيد للغاية لان المقام مقام أمانة، فيتعين الاوّل و هو أنّ من كان ثقة اي أمينا في نقل الاقوال كان أمينا في نقل السلع و الاغراض.

3. رواية الكافي عن شهاب بن عبد ربّه قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنّي اذا وجبت زكاتي اخرجتها فادفع منها الى من أثق به يقسّمها، قال:" نعم، لا بأس بذلك، اما انّه احد المعطين" (المصدر السابق ح 4). (بدعوى) وجود ملازمة عاديّة بين الوثاقة في اداء الامانة الفعلية و اداء الامانة القولية، على نظر في ذلك.

4. في نهج البلاغة عن امير المؤمنين (عليه السلام) «... و لا تأمننّ عليها الّا من تثق بدينه» (من وصية له (عليه السلام) كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات رقم 25 «في اواسطها»). (و موردها) الامين الذي يأتي بأنعام الزكاة الى الامام. (و يرد) على الاستدلال بها ان الوثاقة بالدين اشدّ اهمية من الوثاقة في القول، (اضافة) الى ما ذكرناه قبل قليل من وجود تامّل في الملازمة بين الامانة في الفعل و الامانة في القول، فالامين في الفعل قد يكون اشدّ وثاقة من الامين في نقل الكلام‏

54

____________

و (هذه) الروايات موردها الوكالة.

(و هناك) روايات موردها إخبار ذي اليد و هي:

5. صحيحة حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يشتري الأمة من رجل فيقول إني لم أطأها، فقال (عليه السلام): «إن وثق به فلا باس ان يأتيها» (وسائل 14 باب 6 من ابواب نكاح العبيد و الاماء ح 1 ص 503).

6. صحيحة عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية و لم تحض، قال: «يعتزلها إن كانت قد مسّت (يئست خ)»، قلت: أ رأيت إن ابتاعها و هي طاهر و زعم صاحبها انه لم يطأها منذ طهرت؟ فقال: «ان كان عندك أمينا فمسّها»، و قال: «ان ذا الامر شديد فان كنت لا بدّ فاعلا فتحفّظ لا تنزل عليها» (المصدر السابق ح 2).

7. صحيحة ابي بصير قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية و هي طاهر و يزعم صاحبها انه لم يمسّها منذ حاضت؟ فقال: «إن ائتمنته فمسّها» (المصدر السابق ح 4).

(و في) الاستدلال بهذه الروايات ايضا نظر من ناحية ان هذه الطائفة تدلّ على حجية خبر ذي اليد فيقتصر في الاستفادة على هذا المقدار (اي على مورد ذي اليد)، مدعومة بقاعدة استصحاب عدم الوطء في طهرها الاخير، فلا يستفاد حجية قوله هنا في مورد الاستصحاب. (و لا يخفى عليك) ان الامام (عليه السلام) لم يعتمد على الاستصحاب لوحده و الّا لما اشترط وثاقة البائع.

و من طائفة روايات قاعدة اليد:

8. صحيحة حمّاد عن ابي عبد الله (عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها، فقال لها: إني اريد مراجعتك فتزوّجي زوجا غيري، فقالت له: قد تزوّجت زوجا غيرك و حلّلت لك نفسي، أ يصدّق قولها و يراجعها و كيف يصنع؟ قال: «إذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها» (وسائل 15 باب 11 من ابواب اقسام الطلاق ص 370) (و هو) اخبار عن فعلها. (و يرد) على الاستدلال بهذه الصحيحة اشكالات: الاوّل: ان هذه‏