دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - ج3

- ناجي طالب‏ آل فقيه العاملي المزيد...
360 /
5

-

6

الاصول العملية- 1-

1. خصائص الاصول العملية

2. الاصول العملية الشرعية و العقلية

3. الاصول التنزيلية و المحرزة

4. مورد جريان الاصول‏

7

التمهيد

(خصائص الاصول العملية) (1)

عرفنا فيما تقدّم أنّ الاصول العملية نوع من الأحكام الظاهرية الطريقية (2) المجعولة بداعي تنجيز الأحكام الشرعية أو التعذير عنها، و هو نوع متميّز عن الأحكام الظاهرية [المجعولة] في باب الامارات، و قد ميّز بينهما بعدّة وجوه:

الأوّل: إنّ الفرق بينهما ينشأ من اختلافهما في سنخ المجعول‏ (3) في دليل حجية الامارة و دليل الاصل. فالمجعول في الأوّل الطريقية مثلا و في‏

____________

(1) بسمه تعالى و به نستعين، لا بدّ أن نذكر بادئ ذي بدء أنّ الاصول العملية منها ما يكون مورد جريانها خاصّا، و منها ما يكون عامّا يجري في شتّى الفروع الفقهية.

فالاوّل من قبيل «قاعدة لزوم اتمام شهر رمضان- مع العذر الشرعي- ثلاثين يوما»، و «قاعدة البناء على الظن في حالة الشك في عدد ركعات الصلاة» ... و هذه كما هو معلوم ليس من شأنها أن تدخل في علم الاصول لأنّها تجري في موارد خاصّة، و لذلك تبحث في علم الفقه، و الثاني قواعد البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب‏

(2) قوله (قده) «الطريقية» عطف بيان، لأنّ كلّ الأحكام الظاهرية هي طريقية أي شرّعت للحفاظ على الملاكات الواقعية الأهمّ‏

(3) بيّنا في الجزء الأوّل مراد المحقق النائيني (رحمه اللّه) من هذا الكلام‏

8

الثاني الوظيفة العملية أو التنزيل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي بدون تضمّن لجعل الطريقية، و قد تقدّم الكلام عن ذلك، و مرّ بنا أنّ هذا ليس هو الفرق الحقيقي. و حاصل فذلكة الموقف أنّه لم يرد عنوانا (الامارة) و (الأصل) في دليل ليتكلّم عن تمييز أحدهما عن الآخر بأيّ نحو اتّفق، و إنّما نعبّر بالامارة عن تلك الحجّة التي لها آثارها المعهودة بما فيها إثباتها للأحكام الشرعية المترتّبة على اللوازم العقلية لمؤدّاها (1)، و نعبّر بالأصل‏

____________

(1) تقريب ذلك بمثال: لو نذر شخص بأنّ عليه أن يذبح شاة إذا نبتت لحية ابنه، و صادف أنّ ولده ضاع صغيرا قبل أن تنبت لحيته، فان رآه شاهدان عادلان بعد ما كبر و صار في عمر تنبت فيه لحيته، و لكنهما لم يشهدا على نبات اللحية- لعدم التفاتهما إليها حينما رأياه مثلا- فانّ على الأب أن يذبح شاة، و ذلك لأنّ اخبارهما عن حياته يستلزم إخباره بنبات لحيته، و حينما يعطي الشارع المقدّس الحجية للبيّنة أو لخبر الثقة فهو إنّما يعتبره مع كلّ لوازمه- شرعية كانت أم عقلية- حجّة و علما تعبديا لكاشفية عن الجميع بقوّة واحدة كما ذكرنا ذلك في الجزء الأوّل.

و أمّا إن لم تقم امارة حجّة، فانّ النذر لا يثبت في حقّه، و ذلك لأنّ استصحاب حياته إنّما يثبت الآثار الشرعية فقط كحرمة توزيع ماله على الورثة و نحو ذلك، و لا يثبت نبات اللحية، لأنّ نبات اللحية أثر عادي لا شرعي. و لا يخفى عليك أنّ وجوب الوفاء بالنذر يعتبر أثرا شرعيا مترتبا على الأثر العادي (الذي هو نبات اللحية). و إن شئت التوضيح أكثر فراجع بحث «مقدار ما يثبت الاستصحاب». و أجود التقريرات ج 2 ص 12- 16 و ص 78 سطر 6 و ص 84 سطر 19، و قد ذكرها السيد الشهيد (قده) مرّات في بحث الخارج، راجع مثلا ج 5 ص 16- 19، و ج 6 ص 175 من تقريرات السيد الهاشمي حفظه الله‏

9

عن ذلك الحكم الظاهري الذي ليس له تلك الآثار. و قد عرفنا سابقا أنّ مجرّد كون المجعول في دليل الحجيّة الطريقية لا يفي باثبات تلك الآثار للامارة (1).

الثاني: إنّ الفرق بينهما ينشأ من أخذ الشكّ موضوعا للأصل العملي و عدم أخذه كذلك في موضوع الحجيّة المجعولة للامارة.

و هذا الفرق- مضافا إلى أنّه لا يفي بالمقصود- غير معقول في نفسه، لأنّ الحجية حكم ظاهري، فان لم يكن الشك مأخوذا في موضوعها عند جعلها لزم إطلاقها لحالة العلم، و جعل الامارة حجّة على العالم غير معقول. و من هنا قيل بأنّ الشكّ مأخوذ في حجية الامارة موردا لا موضوعا (2)، غير أنّنا لا نتعقّل- بحسب عالم الجعل و مقام الثبوت-

____________

(1) توضيح ذلك أن جعل الشارع المقدّس الطريقية و الكاشفية لامارة لا يدلّ على جعل الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية حجّة، فقد يجعلها طريقا و كاشفا تعبدا بلحاظ مدلولها المطابقي دون الالتزامي. لذلك لا بدّ لنا من كشف خصوصية في الامارة بها يثبت لدينا حجية مثبتاتها كالاستدلال بالسيرة العقلائية الممضاة من الشارع المقدّس للأخذ بمثبتات الامارات كما فعل السيد الخوئي، أو الاستدلال بكاشفية الامارة على مداليلها المطابقية و الالتزامية بنفس القوّة بعد القول بأنّ الشارع قد جعل الامارة حجّة من باب قوّة احتمال اصابتها للواقع كما فعل السيد الشهيد

(2) قال المحقّق النائيني (قده) في ج 2 ص 10 سطر 11 من أجود التقريرات «... كيف و حجية الامارات إنّما هي في ظرف الجهل بالواقع، و الاصول أخذ في موضوعها الجهل بالواقع ...».

ثمّ إنّ الفرق بين المورد و الموضوع هو أنّ المورد هو المحل و الموضع‏

10

نحوين من الأخذ.

الثالث: إنّ الفرق بينهما ينشأ من ناحية أخذ الشكّ في لسان دليل الأصل و عدم أخذه في لسان دليل حجيّة الامارة، بعد الفراغ عن كونه مأخوذا في موضوعهما ثبوتا معا.

و هذا الفرق لا يفي أيضا بالمقصود، نعم قد يثمر في تقديم دليل الامارة على دليل الاصل بالحكومة (1). هذا مضافا إلى كونه اتفاقيا، فقد

____________

الذي يجري و يساق فيه الدليل، كحالة الشك التي هي موضع و ظرف لجريان الأحكام الظاهرية. و لذلك يعتبر المورد جزء ضمنيا في الموضوع، و لكن هناك أمور قد يدّعى بأنّها مورد للحكم ليعتبر جزء الموضوع و قد يدّعى عكس ذلك فلا يعتبر في الموضوع و لا يكون موردا بالاصطلاح الصحيح و إن ادّعيت الموردية. مثال ذلك قوله تعالى‏ لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّآ ءاتاه اللّه لا يكلّف اللّه نفسا إلّا مآ ءاتاها سيجعل اللّه بعد عسر يسرا (7) سورة الطلاق/ 7، فلقائل أن يقول: صحيح أنّ قوله تعالى‏ (لا يكلّف اللّه نفسا إلّا ما آتاها) قد ورد في سياق هذه الآية، لكن لا دليل على أنّ الحالة المالية هي مورد قوله تعالى: (لا يكلّف اللّه) لتدخل في موضوعها و تحصرها في مورد الانفاق فقط. و قد يدّعى العكس، للفهم العرفي أيضا ...

أمّا الموضوع فواضح، و هو كالشرط في الجملة الشرطية، و كالوصف و الموصوف، و اللقب في الجمل الحملية ... (إذن) بناء على الفهم الصحيح لاصطلاح المورد- و أنّه يغاير السياق معنى- نرى ان المورد يكون جزء ضمنيا من الموضوع و داخلا فيه‏

(1) قوله «قد يثمر ..» إشارة إلى وجود تأمّل في هذه الثمرة، فوجه عدم الحكومة أنّ الحكومة قوامها أن ينظر دليل إلى دليل آخر فيتصرّف به‏

11

يتفق أخذ عدم العلم في موضوع دليل الحجية، كما لو بني على ثبوت حجية الخبر بقوله تعالى‏ فسئلوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون‏ (1)، فهل يقال بأنّ الخبر يكون أصلا حينئذ؟

الرابع: ما حقّقناه في الجزء السابق من أن الأصل العملي حكم ظاهري لوحظت فيه أهميّة المحتمل عند التزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ التشريعي عند الاختلاط و الاشتباه، بينما لوحظت في أدلة الحجيّة الأهميّة الناشئة من قوّة الاحتمال محضا (2).

____________

موضوعا أو محمولا، و إذا كان موضوع كلا الدليلين هو الشكّ فانّ عدم ذكره في لسان الدليل لا يقدّم و لا يؤخّر بعد معرفتنا بكونه داخلا في الموضوع، فاذا تساويا من هذه الناحية و لم يتصرّف أحدهما في الآخر فلا حكومة.

(و وجه وجود الحكومة) هو أنّ عدم وجود الشك في لسان دليل حجية الامارة- كما في صحيحة أبي حامد أحمد بن ابراهيم المراغي ... عن صاحب الأمر (عج) «... فانّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنّا ثقاتنا ...»- يكشف لنا بالكشف الإنّي ان خبر الثقة ليس مجرّد أصل عملي يفيدنا وظيفة عملية، بل هو أقوى من ذلك، فهو- بدعم معونات أخرى- طريق و علم تعبّدي حتّى و إن كان بلفظة اتّبع خبر الثقة، و بالتالي فاذا وجد العلم التعبّدي فانه يلغي تعبدا موضوع الحكم الظاهري المجعول في ظرف الشكّ و الذي لسانه لسان إعطاء وظيفة عملية، و هذه هي الحكومة

(1) النحل: 43

(2) بيّنا في الجزء الأوّل أنّ مراد السيد الشهيد (قده) من قوّة الاحتمال هو أغلبية مصادفة الامارات للواقع، و هذا يلازم أغلبيّة مصادفة لوازمها

12

و قد عرفنا سابقا أنّ هذه النكتة تفي بتفسير ما تتميّز به الامارة عن‏

____________

العقلية للواقع (لأنّ بين المفاد اللفظي للامارة و اللوازم العقلية ارتباط عقلي)، فاذا جعل الشارع الامارة حجّة يفهم العقلاء جعلها حجّة بكلّ آثارها، لأنّ العقلاء يرون كاشفية الامارة عن مدلولها اللفظي و لوازمها العقلية بقوّة واحدة و بنحو واحد، و بهذا تثبت حجية الآثار الشرعية المترتبة على لوازم الامارة العقلية. راجع إن شئت ما ذكره السيد الشهيد (قده) في أوائل الجزء الخامس من تقريرات السيد الهاشمي ص 12.

هذا و سيأتيك- إن شاء الله تعالى- في بحث" الاستصحاب أصل أو امارة" مزيد تحقيق للفرق بين الأصل و الامارة*

(*) الصحيح عندنا انّ الامارة هي ما تكون دالّة بنفسها أوّلا- و بغضّ النظر عن اعتبار الشارع لها علما- بمدلوليها المطابقي و الالتزامي على المعنى المراد و تدّعي الحكاية عن الواقع بما يشمل ذلك الحكاية عن اللوازم، فعند ما يعتبرها الشارع علما فهو في هذه الحالة يعتبر المدلولين علما و ذلك كخبر الثقة، فانّ الثقة حينما يقول «قطع زيد نصفين» يعني ذلك كمدلول التزامي عادي أنّه قد مات، و هكذا يفهم الناس، فعند ما يجعل الشارع المقدّس هذه الامارة حجّة يجعلها على ما نقيد عرفا.

و هذا البيان لا يتم في الاصول العملية كالاستصحاب، فانه و ان نزّل الاحتمال فيه منزلة اليقين إلّا أنّ المرحلة الأولى فيه (و هي أن يدّعي احتمال البقاء إصابة الواقع) غير موجودة، و يترتب على ذلك إمكان أن يتعبّدنا الشارع المقدّس بالمدلول المطابقي دون الالتزامي، لأنّ دائرة التعبد تتحدّد بمقدار نظر الشارع المقدّس، فان علمت حدود دائرة نظره المبارك كما في خبر الثقة فبها و إلّا فيؤخذ بالقدر المتيقّن كما في الاستصحاب، و من هنا سرّى إن شاء الله في مسألة «مقدار ما يثبت الاستصحاب» من بحث الاستصحاب أنّنا لا نقول بحجيّة الآثار الشرعية المترتّبة على اللوازم العقلية للمستصحب حتّى و إن كانت الواسطة

13

الاصل من حجية مثبتاتها.

____________

- خفيّة عرفا.

و ما ذكره السيد الشهيد أعلى الله مقامه من أهمية المحتمل (كالتسهيل على الناس) و قوّة احتمال اصابة الواقع و ان كان جيّدا إلّا أنّه في الواقع ذكر لسبب هذين التشريعين لا ذكر للفرق الذاتي بينهما.

و الجدير ذكره في هذا المجال أن نذكر أنّ الاصول العملية في مجال الأحكام فيها جنبة امارية، بمعنى أنّ عدم ايضاح الشارع المقدّس لنا هذه الأحكام المجعولة عندنا أو التي هي موضع خلاف، مع قدرته على ايصالها لنا بطرق طبيعية كثيرة امارة عدم اهتمام الشارع بها .. و قد أوضحنا هذا المطلب بما لا مزيد عليه في هذا الجزء عند تعليقتنا على مسلك حقّ الطاعة ص 44

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

(الاصول العملية الشرعية و العقليّة)

و تنقسم الاصول العملية إلى شرعية و عقلية. فالشرعية هي ما كنّا نقصده آنفا، و مردّها إلى أحكام ظاهرية شرعيّة نشأت من ملاحظة أهمية المحتمل، و العقلية: وظائف عملية عقلية و مردّها في الحقيقة إلى حقّ الطاعة إثباتا و نفيا (1). فحكم العقل مثلا بأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني مرجعه إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى الذي يستقلّ به العقل إنّما هو حقّ الطاعة القطعية (2) فلا تفي الطاعة الاحتمالية بحقّ المولى. و حكم‏

____________

(1) هذه ملاحظة مهمة و هي أن الأحكام العقلية ليست أحكاما شرعية أصلا، فان مرجع الأحكام العقلية الى حكم العقل ب «وجوب طاعة المولى» و هذا حكم عقلي- لا شرعي أمرنا الله تعالى به- إذ لا يصح أن يأمرنا المولى باطاعته- إن لم يحكم العقل أوّلا بذلك- لاننا نسأل: ما الدليل على وجوب إطاعة «الأمر بالاطاعة»؟ فان قلت: الدليل أمر المولى لنا بذلك، قلت: ما الدليل على وجوب إطاعة هذا الأمر؟ فيبقى السؤال، فاذن لا يصح أن يقول بان" اطاعة المولى واجبة" حكم شرعي، و انما هو عقلي. (ثم) ان جميع الاحكام التي ترجع الى هذا الحكم العقلي هي حتما أحكام عقلية كقواعد «الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» و وجوب مقدمة الواجب و غيرها

(2) هذا الشغل اليقيني الذي يستدعي الفراغ اليقيني يجري إذا شككنا بانجاز تكليف يقيني ثبت في ذمتنا. مثال ذلك: لو فرضنا أنّ انسانا ثبت في ذمّته‏

16

العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان- على مسلك المشهور- مرجعه إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة خاصّة، بينما يرجع حكم العقل بمنجّزية التكاليف المحتملة عندنا إلى توسعة دائرة حقّ الطاعة و هكذا.

و للقسمين مميّزات يمكن ذكر جملة منها فيما يلي:

أوّلا: إنّ الاصول العملية الشرعية أحكام شرعية، و الاصول العملية العقلية ترجع إلى مدركات العقل العملي‏ (1) فيما يرتبط بحقّ الطاعة.

____________

كفّارة يمين، و كان عليه إحدى الخصال الثلاث المعروفة، و التي من جملتها إطعام عشرة مساكين، فأعطى مالا بقيمة عشرة أمداد إلى عشرة مساكين لا بنحو التوكيل في شراء الطعام عنه، ثمّ بعد ذلك شكّ في براءة ذمّته، ففي مثل هذه الحالة يحكم العقل بوجوب الاحتياط و الاعادة، و يسمّون هذه القاعدة العقلية بقاعدة «الاشتغال» و التي مفادها أنّ الاشتغال اليقيني بالتكليف يستدعي- عقلا- الفراغ اليقيني.

و المراد من قول المصنّف (قده) «... حقّ الطّاعة القطعية ...» أنّ للمولى تعالى- عند الشك في انجاز المكلّف به- حقّا على العبد في السعي حتّى يعلم بأنّه قد أدّى ما عليه، هكذا يحكم العقل لا الشرع‏

(1) مدركات العقل العملي هي الاحسان و العدل، و كفران النعمة و الظلم و نحوها ممّا ينبغي أو لا ينبغي أن يعمل، و مدركات العقل النظري هي التي لا يكون لها علاقة بالعمل مباشرة، نعم العقل النظري منشأ و مبدأ لادراكات العقل العملي، فمن مدركات العقل النظري كون الكل أعظم من الجزء، و كون ما أراه كتابا أو بابا و ككون الأمر الفلاني فيه مصلحة أو مفسدة

17

ثانيا: إنّه ليس من الضروري أن يوجد أصل عملي شرعي في كلّ مورد، و إنّما هو تابع لدليله، فقد يوكل الشارع أمر تحديد الوظيفة العملية للشاكّ إلى عقله العملي، و هذا خلافا للأصل العملي العقلي فانّه لا بدّ من افتراضه بوجه‏ (1) في كلّ واقعة من وقائع الشك في حدّ نفسها.

ثالثا: إنّ الاصول العملية العقليّة قد تردّ إلى أصلين، لأنّ العقل إن‏

____________

و قد تقول: إنّ المصلحة و المفسدة ينبغي أن تكونا من مدركات العقل العملي لأنّها محرّكة.

و لكن قد فاتك أنّ المراد من كون المصلحة و المفسدة من مدركات العقل النظري إنّما هو بلحاظ متعلّقه لا بلحاظ فاعله، فأنت تارة تدرك انّ في دراسة الطب في ذاتها مصلحة، لكن إذا قستها إلى نفسك و عملك فقد لا تكون حسنة و ملائمة بالنسبة لك، ككونك كثير النسيان مثلا.

نعم إذا أدركت انّ في دراسة الطب بالنسبة إليك مصلحة غالبة على المفسدة، فستكون حينئذ حسنة و ملائمة و ينبغي فعلها و يكون هذا الادراك من ادراكات العقل العملي، لأنّه سيكون حينئذ محرّكا مباشرة.

و من هنا تعرف لما ذا ترجع الاصول العملية العقلية إلى مدركات العقل العملي في مجال الامتثال و حقّ الطّاعة

(1) فلا بدّ من وجوده دائما كاصل أعلائي يرجع إليه مع فقد الأدلّة الشرعية، فانه ما من حالة مجهولة الحكم إلّا و للعقل فيها حكم، فقبل الفحص في الأدلة يحكم العقل بالاحتياط، و أما بعد الفحص فالمشهور يرون أن العقل يحكم بالبراءة و السيد الشهيد يرى أن العقل يحكم بالاحتياط، و في حالة تردد الحكم بين الحرمة و الوجوب المعروف أن العقل يرى لزوم مراعاة احتمال الحرمة لكون دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، و في حالة العلم الإجمالي يرى العقل لزوم الاحتياط ..

18

أدرك شمول حقّ الطاعة للواقعة المشكوكة حكم باصالة الاشتغال، و إن أدرك عدم الشمول حكم بالبراءة.

و لكن قد يفرض اصل عملي عقلي ثالث و هو أصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين‏ (1).

و قد يعترض على افتراض هذا الأصل، بأنّ التخيير إن أريد به دخول التكليف في العهدة و اشتغال الذمّة و لكن على وجه التخيير فهو غير معقول‏ (2)، لأنّ الجامع بين الفعل و الترك في موارد الدوران بين المحذورين ضروري الوقوع‏ (3)، و إن أريد به أنّه لا يلزم المكلّف عقلا

____________

(1) كما لو شك المكلّف أنّ التسبيحتين الأخيرتين (أي سبحان الله) في الركوع و السجود- في ضيق الوقت- واجبتان أم محرّمتان، و كما لو شكّ المسافر- الذي لم يبيّت النيّة من الليل- أنّ الصيام عليه واجب أم محرّم ... و هكذا، و سيأتي التعرّض لذلك في هذا الجزء في فصل مستقل، انظر ص 271

(2) أي لا يعقل التخيير في مورد دوران الأمر بين المحذورين لأنك اذا أردت بأنك ملزم بالفعل أو الترك فهذا غير معقول، فهل يعقل أن تلزم ولدك يوما بالدرس أو عدم الدرس بنحو التخيير، و بالنوم أو عدم النوم! و إن أردت من قولك بالتخيير في مورد دوران الأمر بين المحذورين أنك غير ملزم بفعل و لا بترك فأنت مخيّر، قلت: هذا ليس تخييرا و إنما هو براءة

(3) الجامع في قوله (قده) «لأنّ الجامع بين الفعل و الترك» هو انتزاعي، و الذي هو عبارة عن أحدهما و ليس جامعا حقيقيا لأن الفعل و الترك متناقضان، و لهذا لا بدّ لهذا الجامع من أن يقع‏

19

بفعل و لا ترك و لا يدخل شي‏ء في عهدته فهذا عين البراءة، و سيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في بحث دوران الأمر بين المحذورين إن شاء الله تعالى.

و أمّا الاصول العملية الشرعية فلا حصر عقليّ لها في البراءة أو الاشتغال، بل هي تابعة لطريقة جعلها، فقد تكون استصحابا مثلا (1).

رابعا: انّ الاصول العملية العقلية لا يعقل التعارض بينها لا ثبوتا كما هو واضح‏ (2) و لا اثباتا لأنّ مقام إثباتها هو عين إدراك العقل لها (3)، و لا تناقض بين ادراكين عقليين.

____________

(1) إذ يمكن للشارع المقدّس أن يشرّع اصولا لا حصر لها، كأصالة وجوب اتباع الظنّ في حالات معيّنة أو أصالة الاستحباب في حالات معيّنة، أو أصالة النجاسة في حالات معيّنة و هكذا.

(2) لانّ احكام العقل تابعة لادراكاته، فهو اما ان يدرك في مورد معين لزوم الاحتياط فيحكم به، و اما ان يدرك عدم الالزام فيحكم بالبراءة، و لا يعقل ان يدرك في نفس المورد ما يوجب الاحتياط و ما يوجب الحكم بالبراءة، كما لا يعقل أن يدرك فيه مصلحة توجب الفعل و مفسدة توجب الترك‏

(3) قال أوّلا: لا ثبوتا، اي لا يمكن- في عالم التفكير و الامكان- ان يحكم العقل بحكمين متعارضين لما ذكرناه في الشرح السابق، و كذلك لا و لم يحكم العقل يوما بحكمين متعارضين- اي اثباتا- و السبب في ذلك هو عدم الامكان ثبوتا، و بتعبير السيد المصنف (قده) لان حكم العقل في مقام الاثبات هو عين ادراك العقل لهذا الحكم و ليس قولنا بلزوم الاحتياط او البراءة في مورد ما الا كاشفا عن هذا الإدراك، و قد عرفت في الشرح السابق عدم امكان ان يدرك العقل في نفس القضية ادراكين‏

20

و أمّا الاصول العملية الشرعية فيعقل التعارض بينها إثباتا (1) [أي‏] بحسب لسان ادلّتها، و لا بدّ من علاج ذلك وفقا لقواعد باب التعارض بين الأدلّة.

خامسا: إنّه لا يعقل التصادم بين الاصول العملية الشرعية و الاصول العملية العقلية، فاذا كانا مختلفين في التنجيز و التعذير، فان كان الاصل العملي العقلي معلّقا على عدم ورود اصل عملي شرعي على الخلاف كان هذا واردا (2)، و إلّا (3) امتنع ثبوت الأصل العملي الشرعي في مورده.

____________

متناقضين لا على مستوى الملاك و لا على مستوى الحكم‏

(1) لا ثبوتا و إلّا لتناقضت الأحكام الظاهرية في الواقع و حاشا للمولى تعالى ذلك. أمّا تعارضها إثباتا فستعلم في محلّه إن شاء الله تعالى أنّه يعالج بالحكومة أو غيرها من قواعد باب التعارض غير المستقر

(2) كالبراءة العقلية (على مسلك قبح العقاب) و الاشتغال العقلي (على مسلك حقّ الطّاعة) فانّ الأصل الشرعي إذا جاء على خلافهما يكون واردا لأنّه يلغي موضوع الأصل العقلي حقيقة، لأنّ موضوع الأصل العقلي هو عدم وصول دليل شرعي، فاذا ورد دليل شرعي كأصالة البراءة الشرعية فلا يجوز حينئذ الرّجوع إلى الأصل العقلي‏

(3) قوله (قده) «و إلّا ...» أي و إن كان الأصل العقلي مطلقا من ذاك القيد أو قل ثابتا على كلّ حال- كوجوب اطاعة المولى- فحينئذ يمتنع أن يوجد حكم شرعي على خلافه، فان وجد يقطع الانسان أنّ هذا الحكم الشرعي غير موجود في الواقع أو على الأقل في نظر القاطع، و ذلك لأنّ الشرائع السماوية لا يمكن أن تعارض مدركات العقل الصحيحة، و من هنا ترى العلماء في موارد العلم الاجمالي بنجاسة أحد إناءين مثلا لا يجرون قاعدة الحليّة مثلا مع انها أصل شرعي و يجرون قاعدة منجزية العلم الاجمالي مع انها عقلية، و لا يجرون البراءة قبل الفحص و انما يجرون الاحتياط و هكذا

21

(الاصول التنزيلية و المحرزة)

الاصول العملية الشرعية تارة تكون مجرّد وظائف عملية بلسان إنشاء حكم تكليفي ترخيصي أو الزامي بدون نظر بوجه إلى الأحكام الواقعية، و هذه اصول عملية بحتة .. و أخرى تبذل فيها عناية إضافية إذ تطعم بالنظر إلى الأحكام الواقعية، و هذه العناية يمكن تصويرها بوجهين:

أحدهما: (1) أن يجعل الحكم الظاهري بلسان تنزيله منزلة الحكم الواقعي، كما قد يقال في أصالة الحلّ و أصالة الطهارة، إذ يستظهر أنّ قوله «كلّ شي‏ء لك حلال» أو «كلّ شي‏ء لك طاهر حتّى تعلم ...» يتكفّل تنزيل مشكوك الحلّيّة و مشكوك الطهارة منزلة الحلال الواقعي و منزلة الطاهر الواقعي، خلافا لمن يقول: إنّ دليل هذين الأصلين ليس ناظرا إلى الواقع بل ينشئ بنفسه حليّة أو طهارة بصورة مستقلة (2).

____________

(1) تقدّم بيان هذا الوجه في الجزء الأوّل من هذه الحلقة ص 82 (مفصلا)، و ج 2 ص 281 (بنحو الاشارة) و تجده في تقريرات السيد الهاشمي حفظه الله ج 2 ص 157 مفصّلا أيضا و في ج 5 ص 17، و في أجود التقريرات بحث الإجزاء و في ج 2 منه ص 373 سطر 20 فما بعد

(2) أي ينشئ حليّة أو طهارة ظاهريّتين لا تنزيل فيهما منزلة الحكم‏

22

و يسمّى الأصل في حالة بذل هذه العناية التنزيلية بالأصل التنزيلي، و قد تترتّب على هذه التنزيلة فوائد، فمثلا إذا قيل بأنّ أصل الإباحة (1) تنزيلي ترتّب عليه حين تطبيقه على الحيوان مثلا طهارة مدفوعه ظاهرا، لأنّها مترتبة على الحلية الواقعية، و هي ثابتة تنزيلا فكذلك حكمها. و أمّا إذا قيل بأنّ أصل الإباحة ليس تنزيليا بل انشاء لحلية مستقلة فلا يمكن أن ننقّح بها طهارة المدفوع‏ (2)، و هكذا ...

____________

الواقعي و لا نظر فيهما إلى الواقع، و إنّما هي انشاءات تفيدنا حكم الأشياء من حيث انّها مجهولة الحكم.

ملاحظتان: الاولى: قد يرد التنزيل بألسنة تغاير هذا الاسلوب المعروف، كما ورد مثلا في تنزيل مقدار الخمس في المال المختلط بالحرام منزلة مقدار الحرام، كما جاء في الروايات بأن أخرج الخمس من ذلك المال، فانّ الله عزّ و جلّ قد رضي من ذلك المال بالخمس و سائر المال لك حلال.

و الثانية: انّ التنزيل يحصل في احدى مرحلتين، فإمّا أن يكون في مرحلة الواقع كما في «الطواف في البيت صلاة»، و إمّا أن يحصل في مرحلة الظاهر كما في» كلّ شي‏ء لك طاهر حتّى تعلم انّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و إن لم تعلم فليس عليك شي‏ء» الذي يعني توسعة الشارع المقدّس لمفهوم الطهارة و الذي يعني بالتالي حكومة هذا الدليل على دليل اشتراط الصلاة بالطهارة، و الذي يعني أيضا أنّه إن علم بالنجاسة بعد الصلاة فانّه لم يخالف تكليفه الواقعي، فلا يجب عليه إعادة الصلاة واقعا، و هذا و إن كان تصويبا و لكنّه لا مشكلة منه لكون المجمع على بطلانه هو التصويب في الأحكام الواقعية و الطهارة من الموضوعات‏

(1) أي أصالة الحليّة

(2) و حينئذ- اي بعد عدم إمكان تنقيح موضوع الطهارة- نحتاج لاثبات‏

23

و الآخر: أن ينزّل الأصل أو الاحتمال المقوّم له منزلة اليقين بأن تجعل الطريقية في مورد الاصل، كما ادّعي ذلك في الاستصحاب من قبل المحقق النائيني‏ (1) و السيد الاستاذ (2) على فرق بينهما، حيث انّ الاوّل اختار ان المجعول هو العلم بلحاظ مرحلة الجري العملي فقط، و الثاني اختار ان المجعول هو العلم بلحاظ الكاشفية، فلم يبق على مسلك جعل الطريقية فرق بين الاستصحاب و الامارات في المجعول على رأي السيد الاستاذ (3).

____________

طهارة المدفوع إلى قاعدة الطهارة

(1) فوائد الاصول ج 4 ص 486

(2) مصباح الاصول ج 2 ص 38 و ج 3 ص 154

(3) لا بأس بنقل ما ذكره السيد الخوئي (رضي الله عنه) في المصباح ج 3 ص 154. قال: «و ذكر المحقق النائيني (قده) وجها ثالثا و هو أنّ المجعول في باب الامارات هي الطريقية و اعتبارها علما بالتعبّد، كما يظهر ذلك من الاخبار المعبّرة- عمّن قامت عنده الامارة- بالعارف، كقوله (عليه السلام) «من نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا» فيكون من قامت عدة الامارة عارفا تعبّديا بالاحكام، فكما أنّ العلم الوجداني بالشي‏ء يقتضي ترتب آثاره و آثار لوازمه، فكذلك العلم التعبدي الجعلي، بخلاف الاستصحاب، فان المجعول فيه هو الجري العملي‏* على طبق اليقين السابق، و حيث ان اللازم لم يكن متيقّنا، (*) و هذا هو الصحيح و لكن ببيان سيأتيك في شرحنا للوجه الثالث من الوجوه المذكورة في مسألة «اليقين بالحدوث» من بحث الاستصحاب، و ان العلم الوارد في شرعنا الحنيف سواء في الاستصحاب او غيره انما المراد منه اليقين الطريقي، و انّ الاستصحاب‏

24

و يسمّى الاصل في حالة بذل هذه العناية بالاصل المحرز، و هذه المحرزية قد يترتّب عليها بعض الفوائد في تقديم الاصل المحرز على غيره باعتباره علما و حاكما على دليل الاصل العملي البحت على ما يأتي‏ (1) في محلّه ان شاء الله تعالى.

و هناك معنى آخر للاصول العملية المحرزة ينسجم مع طريقتنا في التمييز بين الامارات و الاصول، و هو أنّه كلما لوحظ في جعل الحكم الظاهري ثبوتا أهمية المحتمل فهو اصل عملي، فان لوحظ منضما اليه قوّة الاحتمال أيضا فهو اصل عملي محرز كما في قاعدة. الفراغ، و إلّا فلا. و المحرزية بهذا المعنى في قاعدة الفراغ لا تجعلها حجّة في مثبتاتها إلّا أن استظهارها من دليل القاعدة (2) يترتب عليه بعض الآثار ايضا، من قبيل عدم شمول دليل القاعدة لموارد انعدام الامارية و الكشف نهائيا.

____________

فلا وجه للتعبد به، فالفرق بين الامارة و الاصل من ناحية المجعول»

(1) فى الجزء الرابع ص 305. و من هنا عرفت أن الأصل التنزيلي كان ناظرا الى تنزيل مؤدّاه منزلة الواقع، و ان الأصل المحرز. أي الأصل الذي شرّع لوجود كاشفية فيه و لو بنسبة ضئيلة و لانه يحرز الواقع تعبّدا. ناظر الى تنزيل الاحراز و الكاشفية و احتمال الاصابة فيه منزلة العلم‏

(2) كمضمرة بكير بن أعين قال قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضّأ، قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك»، و المظنون قويّا ان المسئول منه هو احد الصادقين (عليهم السلام) و احتمال كونه زرارة ضعيف للغاية، إذا لم نر

ما هو إلّا اصل عملي بحت، و لا وجه لما يقوله السيد الخوئي (رحمه اللّه) ردّا على المحقّق النائيني (قده) من اماريّة الاستصحاب‏

25

و من هنا يقال بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد العلم بعدم التذكر حين العمل.

مورد جريان الاصول العملية

لا شك في جريان الاصول العملية الشرعية عند الشك في الحكم التكليفي الواقعي لتنجيزه كما في اصالة الاحتياط أو للتعذير عنه كما في اصالة البراءة، و لكن قد يشك في التكليف الواقعي و يشك في قيام الحجّة الشرعية عليه بنحو الشبهة الموضوعية- كالشك في صدور الحديث- أو بنحو الشبهة الحكمية- كالشك في حجية الامارة المعلوم وجودها- فهل يوجد في هذه الحالة موردان للاصل العملي، فنجري البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك و نجري براءة اخرى عن الحجية أي الحكم الظاهري المشكوك ... أو تكفي البراءة الاولى؟

و بكلمة اخرى إنّ الاصول العملية هل يختص موردها بالشك في الاحكام الواقعية أو يشمل مورد الشك في الاحكام الظاهرية نفسها؟

قد يقال باننا في المثال المذكور نحتاج الى براءتين اذ يوجد احتمالان صالحان للتنجيز فنحتاج الى مؤمّن عن كلّ منهما:

احدهما: احتمال التكليف الواقعي و لنسمّه بالاحتمال البسيط،

و الآخر: احتمال قيام الحجّة عليه.

____________

رواية لزرارة عن الامام تشبه هذه الرواية، اضافة الى قرائن اخرى معلومة قد تجعل الانسان يطمئن بصدورها

26

و حيث ان الحجية معناها ابراز شدّة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك، كما عرفنا سابقا عند البحث في حقيقة الاحكام الظاهرية ... فاحتمال الحجّة على الواقع المشكوك يعني احتمال تكليف واقعي متعلق لاهتمام المولى الشديد و عدم رضائه بتفويته، و لنسمّ هذا [الاحتمال‏] ب «الاحتمال المركّب» (1).

و عليه فالبراءة عن الاحتمال البسيط لا تكفي بل لا بد من التأمين من ناحية الاحتمال المركّب ايضا ببراءة ثانية.

و قد يعترض على ذلك بأنّ الاحكام الظاهرية كما تقدّم في الجزء السابق متنافية بوجوداتها الواقعية، فاذا جرت البراءة عن الحجّية المشكوكة (2) و فرض انها (3) كانت ثابتة يلزم اجتماع حكمين‏

____________

(1) وجه هذه التسمية انه عند ما يحتمل وجود أمارة حجّة يتولّد احتمال آخر- تبعا للاوّل- و هو احتمال وجود تكليف واقعي على طبقه قد اهتمّ المولى بشأنه‏

(2) سواء كان الشك في صدور حديث معتبر شرعا او كان الشك في حجية الحديث الصادر كخبر الثقة غير الامامي او وكيل الامام الذي لم يوثّق بصراحة

(3) أي فاذا جرت البراءة عن «الحجيّة المشكوكة» وجودا أو حكما- اي عن احتمال وجود امارة حجّة ملزمة للتكليف او عن حجيّتها بعد فرض وجودها- و فرض ان هذه الحجيّة كانت ثابتة في الواقع يلزم اجتماع براءة ظاهرية معذّرة و امارة منجّزة، و هو محال، و ذلك لعدم امكان أن يكون المكلّف بري‏ء الذمّة عن حجيّة مشكوكة و مشغول الذمّة بها في نفس الوقت‏

27

ظاهريين متنافيين.

و جواب الاعتراض أنّ البراءة هنا نسبتها إلى الحجيّة المشكوكة نسبة الحكم الظاهري إلى الحكم الواقعي، لأنّها (1) مترتبة على الشك فيها. فكما لا منافاة بين الحكم الظاهري و الواقعي كذلك لا منافاة بين حكمين ظاهريين طوليين من هذا القبيل. و ما تقدّم سابقا من التنافي بين الأحكام الظاهرية بوجوداتها الواقعية ينبغي أن يفهم في حدود الأحكام الظاهرية العرضية، أي التي يكون الموضوع فيها نحوا واحدا من الشك.

و قد يعترض على إجراء براءة ثانية بأنّها لغو، إذ بدون إجراء البراءة عن نفس الحكم الواقعي المشكوك لا تنفع البراءة المؤمّنة عن الحجية المشكوكة، و مع إجرائها لا حاجة إلى البراءة الثانية، إذ لا يحتمل العقاب إلّا من ناحية التكليف الواقعي، و قد أمّن عنه‏ (2).

و الجواب على ذلك: انّ احتمال ذات التكليف الواقعي شي‏ء و احتمال تكليف واقعي واصل إلى مرتبة من الاهتمام المولوي التي تعبّر

____________

(1) أي لأنّ البراءة مترتبة و مشروطة بالشكّ في حجيّة الامارة

(2) لو يتمّم هذا الاعتراض لصحّ، و يمكن بيانه متمّما بالبيان التالي: .. و مع إجرائها لا حاجة إلى إجراء البراءة الثانية، لأنّ جريان البراءة عن الحكم الواقعي يكشف عن عدم تحفّظ المولى على ملاكات الأحكام الواقعية (إذ لو كان مهتمّا بحفظها لشرّع فيها الاحتياط)، فمع ذلك كيف يمكن للمولى تعالى أن يشرّع الاحتياط عند احتمالنا لوجود امارة حجّة، أ ليس قد قلنا سابقا أنّ تشريع الاحتياط كاشف عن اهتمام المولى بملاكات الأحكام الواقعية؟! إذن تشريع البراءة عن الحكم الواقعي المشكوك كاشف عن الترخيص في الطرق الحجّة المحتملة

28

عنها الحجية المشكوكة شي‏ء آخر، و التأمين عن الأوّل لا يلازم التأمين عن الثاني. أ لا ترى أنّ بامكان المولى أن يقول للمكلّف: كلّما احتملت تكليفا و أنت تعلم بعدم قيام الحجّة عليه فأنت في سعة منه، و كلّما احتملت تكليفا و احتملت قيام الحجّة عليه فاحتط بشأنه؟ (1)

و لكن التحقيق مع ذلك: انّ اجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك يغني عن إجراء البراءة عن الحجية المشكوكة، و ذلك بتوضيح ما يلي:

أوّلا: انّ‏ (2) البراءة عن التكليف الواقعي و الحجيّة المشكوكة حكمان ظاهريّان عرضيّان لأنّ موضوعهما معا الشك في الواقع، خلافا للبراءة عن الحجية المشكوكة فانّها ليست في درجتهما كما عرفت.

____________

(1) فعلى هذا الاساس يجب اجراء البراءة عن وجوب الاحتياط المحتمل، فنصل الى نتيجة هي لزوم اجراء براءتين في هكذا حالة

(2) أي: انّ البراءة (ككاشفة عن عدم اهتمام المولى بالأحكام الواقعية) في عرض الحجية (ككاشفة عن اهتمام المولى بها فيما لو كانت الامارة منجّزة)، فالبراءة تعذّر عن التكليف الواقعي و تلك قد تنجزه، و هذا خلافا للبراءة عن الامارة (المشكوكة وجودا أو حجية)، فانّ البراءة الأولى (الناظرة إلى الحكم الواقعي) ليست في عرض البراءة الثانية (الناظرة إلى الحكم الظاهري).

و غرض السيد الشهيد (قده) من هذه المقدمة أن يقول: إنّ الشارع المقدّس لا يعقل أن يشرّع البراءة عن التكليف الواقعي و يقول لك في نفس الوقت احتط بشأن الحجية المشكوكة، فانّهما يؤولان إلى التناقض المستحيل لأنّهما في عرض واحد.

(و في) النسخة الأصلية قال بدل «درجتهما» «درجتها»، و هو سهو

29

ثانيا: إنّ الحكمين الظاهريين المختلفين‏ (1) متنافيان بوجوديهما الواقعيين سواء وصلا أو لا، كما تقدّم في محله.

ثالثا: إنّ البراءة عن التكليف الواقعي منافية ثبوتا للحجية المشكوكة على ضوء ما تقدّم‏ (2).

رابعا: إنّ مقتضى المنافاة أنّها تستلزم عدم الحجية واقعا (3) و نفيها.

خامسا: إنّ الدليل الدّال على البراءة عن التكليف الواقعي يدلّ بالالتزام‏ (4) على نفي الحجية المشكوكة.

و هذا يعني انّنا باجراء البراءة عن التكليف الواقعي سنثبت بالدليل‏

____________

(1) كقاعدتي البراءة و الاحتياط، كما تقدم في الجزء الأوّل ص 77

(2) لان الاولى تكشف عن عدم الاهتمام بالملاكات الواقعية و الثانية تكشف عن الاهتمام بها

(3) أي انّ جريان البراءة عن التكليف الواقعي (ككاشفة لنا عن عدم اهتمام المولى بالملاكات الواقعية) كاشف لنا عن عدم حجية الامارة (المشكوك بها وجودا أو حكما) واقعا، و إلّا يتناقضان، لأنّهما في عرض واحد (كما قال في المقدّمة الأولى)

(4) و هذه عين سابقتها من وجه، إلّا أنّ الاولى ناظرة إلى عالم الثبوت و الثانية إلى عالم الاثبات.

و يمكن اختصار ما ذكره السيد الشهيد (قده) بأن نقول: إنّ جريان البراءة الشرعية عن التكليف الواقعي كاشف عن عدم اهتمام المولى بالملاكات الواقعية (و إلّا لما شرّع البراءة بل كان يشرّع الاحتياط)، الكاشف لنا بالتالي عن ترخيص الشارع باحتمال حجيّة الامارات المشكوكة (إذا شككنا بوجودها أو بحجيتها)، لأنّ تشريع هذه الامارات إنّما هو من أجل الحفاظ على الملاكات الواقعية ليس إلّا

30

نفي الحجية المشكوكة، فلا حاجة إلى أصل البراءة عنها، و إن كان لا محذور فيه أيضا (1).

و يمكن‏ (2) تصوير وقوع الأحكام الظاهرية موردا للاصول العملية في الاستصحاب، إذ قد يجري استصحاب الحكم الظاهري لتمامية أركان الاستصحاب فيه و عدم تماميتها في الحكم الواقعي، كما إذا علم بالحجية و شك في نسخها فانّ المستصحب هنا نفس الحجية لا الحكم الواقعي.

____________

(1) ان احتملت لزوم جريانها

(2) خلاصة البحث لحدّ الآن: انه يكفي ان تجري البراءة عن الحكم الواقعي المشكوك، و ليس بالضرورة ان نجري براءة ثانية عن الحجية المشكوكة، إذن مورد جريان البراءة هو الحكم الواقعي المشكوك، و هنا يريد ان يقول إنّ مورد الاستصحاب قد يكون الحكم الظاهري المشكوك، و لا يجري الاستصحاب في الحكم الواقعي المشكوك، لما ذكرناه مرّات من ان الاستصحاب لا يجري في عالم الجعل. و ببيان آخر: يريد هنا التعرّض للاستصحاب، بعد التعرّض للبراءة، و لذلك كان الأولى أن يغيّر كلّ العبارة بأن يقول مثلا: و أمّا تصوير وقوع الأحكام الظاهرية موردا للاستصحاب فتقريبه أنّه قد يجري الاستصحاب في الحكم الظاهري كما اذا علمنا بحجية قول المفتي حال حياته فنستصحبها بعد وفاته، و كما اذا علمنا بحجية خبر الثقة في عصر الرسول الاعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و شككنا في نسخها فاننا نستصحب حجيته، و كما اذا كانت وظيفتنا في مورد العلم الاجمالي لزوم الاحتياط و ترك كلا الإناءين، و بعد ما اهريق احد الاناءين شككنا في بقاء منجزيّة العلم الاجمالي فاننا نستصحب المنجزية و هكذا ...

(إذن) مورد جريان الاصول العملية قد يكون الحكم الواقعي المشكوك و قد يكون الحكم الظاهري المشكوك‏

31

الوظيفة العملية في حالة الشك‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

الاصول العملية- 2-

1- الوظيفة في حالة الشك البدوي‏

2- الوظيفة في حالة العلم الاجمالي‏

3- الوظيفة عند الشك في الوجوب و الحرمة معا

4- الوظيفة عند الشك في الأقلّ و الأكثر

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الوظيفة العملية في حالة الشك‏

- 1- الوظيفة في حالة الشك البدوي‏

1. الوظيفة الأوّلية في حالة الشك‏

2. الوظيفة الثانوية في حالة الشك‏

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الوظيفة الأوّلية في حالة الشكّ‏

كلّما شك المكلّف في تكليف شرعي و لم يتأتّ له اقامة الدليل عليه إثباتا أو نفيا فلا بدّ له من تحديد الوظيفة العملية تجاهه. و يقع الكلام أوّلا في تحديد الوظيفة العملية تجاه التكليف المشكوك بقطع النظر عن أيّ تدخّل من الشارع في تحديدها، و هذا يعني التوجّه إلى تعيين الأصل الجاري في الواقعة بحدّ ذاتها و ليس هو إلّا الأصل العملي العقلي. و يوجد بصدد تحديد هذا الأصل العقلي مسلكان:

1- مسلك قبح العقاب بلا بيان‏

إنّ مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو المسلك المشهور (1).

____________

(1) نظرة في تاريخ هذه المسألة:

كان هناك بحث في زمن الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي رحمهما الله تعالى و هو أنّه: ما هو حكم العقل في الأشياء المجهولة الحكم، هل هو الحظر أم الاباحة- فيما إذا لم يستقلّ العقل فيه بالقبح أو الحسن- فانّه يستشم من كلام الشيخ المفيد (قده) اصالة الحظر، لأنّه- مع الاقدام- لا يؤمن من الوقوع في المفسدة، و قال الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في العدّة بأصالة الوقف، و التي تنتج في مقام العمل و الافتاء الاحتياط.

و جاء بعدهما- بحوالي القرن من الزمان- السيد أبو المكارم حمزة بن‏

38

و قد يستدلّ عليه بعدّة وجوه: الأوّل: ما ذكره المحقق النائيني (رحمه اللّه) (1) من أنّه لا مقتضي للتحرّك مع عدم وصول التكليف، فالعقاب حينئذ عقاب على ترك ما لا مقتضي لايجاده و هو قبيح‏ (2). و قد عرفت في الحلقة السابقة انّ هذا الكلام مصادرة، لأنّ عدم المقتضي فرع ضيق دائرة حقّ الطاعة و عدم شمولها عقلا للتكاليف المشكوكة، لوضوح أنّه مع الشمول يكون‏

____________

علي بن زهرة الحلبي (511- 585 ه) فقال: «بقبح التكليف مع عدم العلم لأنّه من التكليف بغير المقدور». و يرد عليه أنّه قد يمكن الاحتياط فكيف تقول بأنّ التكليف بالمجهول غير مقدور؟! و أجيب عنه بأنّ مراده عدم امكانية الامتثال التفصيلي!

و جاء بعده المحقق الحلّي (602- 676) فقال: إنّ التكليف بشي‏ء مع عدم نصب دليل عليه قبيح، و عدم وصول الدليل دليل على عدم وجوده.

و قد آمن صاحب المعالم (الشيخ حسن بن الشهيد الثاني 959- 1011) بتقريب المحقق.

و نقل ذلك عن القوانين ..

ثمّ آمن الشيخ الأعظم الأنصاري بها فقال: «الثالث من الأدلّة حكم العقل بقبح العقاب على شي‏ء من دون بيان التكليف، و يشهد له حكم العقلاء كافّة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريم».

و من زمانه (رضي الله عنه) تبلورت فكرة «قبح العقاب بلا بيان»، و بدأ الكلام في حدود جريانها، فهل تجري في الشبهتين المفهومية و الموضوعية أم لا؟ ... راجع- مثلا- تقريرات السيد الهاشمي ج 5 ص 25 فما بعد

(1) فوائد الاصول ج 3 ص 365

(2) راجع أجود التقريرات ج 2 ص 186

39

المقتضي للتحرّك‏ (1) موجودا، فينتهي البحث إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة.

الثاني: الاستشهاد بالاعراف العقلائية، و قد تقدّم أيضا (2) الجواب بالتمييز بين المولوية المجعولة و المولوية الحقيقية.

الثالث: ما ذكره المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه)(3) من أنّ كلّ أحكام العقل العملي مردّها إلى حكمه الرئيسي الأوّلي بقبح الظلم و حسن العدل. و مخالفة (*) ما قامت عليه الحجّة خروج عن رسم العبودية، و هو ظلم من العبد لمولاه، فيستحق منه الذمّ و العقاب، و انّ مخالفة ما لم تقم عليه الحجّة ليست من أفراد الظلم، إذ ليس من زيّ العبوديّة أن لا يخالف العبد مولاه في الواقع و في نفس الأمر، فلا يكون ذلك ظلما للمولى، و عليه فلا موجب للعقاب بل يقبح، و بذلك يثبت قبح العقاب بلا بيان.

و التحقيق انّ ادّعاء كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لأحكام العقل العملي بالقبح عموما و انّها كلّها تطبيقات له ... و إن كان‏

____________

(1) و هو حقّ الطاعة في موارد الظن و الاحتمال أيضا، أو قل حكم العقل بلزوم اطاعة المولى في هكذا موارد

(2) في الحلقة الثانية بحث «القاعدة العملية الاولية في حالة الشك» عند قوله «و اما الوجه الثاني فهو قياس لحق الطاعة الثابت للمولى سبحانه و تعالى على حق الطاعة الثابت للآمر العقلائي ...»

(3) نهاية الدراية ج 2 ص 190

(*) في النسخة الأصلية «و نحن نلاحظ أن مخالفة ...» و هي توهم ابتداء ان هذه ملاحظة السيد الشهيد (رضي الله عنه) فحذفناها ليتّضح المراد

40

هو المشهور و المتداول في كلماته و كلمات غيره من المحقّقين إلّا أنّه لا محصّل له، لأنّنا (1) إذا حلّلنا نفس مفهوم الظلم وجدنا أنّه عبارة عن‏

____________

(1) بيان عدم المحصّلية لقاعدة «الظلم قبيح»: انّ العقل إنّما يدرك القبح للظلم إذا كان الظلم مما لا ينبغي أن يفعل، و إلّا فان الكذب- مثلا- قد يحسن أحيانا إذا توقّف إنقاذ مؤمن عليه. إذن الظلم- بشرط كونه لا ينبغي فعله- قبيح، و ما لا ينبغي فعله يعني بمفهومه أنّه قبيح، فتصير القضية هكذا: الظلم بشرط كونه قبيحا قبيح، و هذا لا محصّل له. هكذا أفاد (رحمه اللّه) في تقريرات السيد الهاشمي ج 4 ص 137.

و أمّا هنا فنظر إلى موضوع القضيّة و قال: الظلم هو الاعتداء و سلب الآخرين حقوقهم، و فيما نحن فيه نقول: ما الدليل على كون «التكاليف المحتملة واجبة» من الاعتداء و التجاوز على الناس و أنّها سلب لحقوقهم حتّى يكون ظلما، و ممّا لا ينبغي فعله، و بالتالي قبيحا؟! ...

فالنقاش إذن ينبغي أن يتوجّه أولا إلى الصغرى و هو اثبات الظلم، ثمّ يحكم عليه بأنّه قبيح.

و من هنا رأيت أنّ هذا النقاش الثاني مترتّب على التسليم بأصل هذه القاعدة، و إلّا فأصل القاعدة لا محصّل لها عند السيد (رضي الله عنه)*

(*) (أقول) لا نسلّم بالنقاش الأوّل للسيد المصنّف (قده) القائل بأنّ «الظلم هو الخروج عن الحدّ الذي يضبطه العقل و يحدّده بأنّه ينبغي أو لا ينبغي أن يتعدّاه الانسان، و هو عبارة أخرى عن القبيح ...»، إذ هناك فرق مفهومي واضح بين الظلم (الذي هو عبارة عن سلب الحق) و القبيح، و لذلك قد يحصل اختلاف في كون العمل الفلاني ظلما أو لا، و لكن بعد وضوح كونه ظلما لا يشك إنسان في كونه قبيحا و لا ينبغي أن يفعل. فالكذب مثلا قد لا يكون ظلما أحيانا بل يكون عدلا كما لو كان هو الطريق لانقاذ نفس أو مال أو نحو ذلك، فطريق العدل عدل، و لا يمكن ان يكون الظلم بحال حسنا، فيلغو شرط الحمل و هو

41

الاعتداء و سلب الغير حقّه، و هذا يعني افتراض ثبوت حقّ في المرتبة السابقة، و هذا الحقّ بنفسه من مدركات العقل العملي، فلو لا أنّ للمنعم حقّ الشكر في المرتبة السابقة لما انطبق عنوان الظلم على ترك شكره، فكون شي‏ء ظلما و بالتالي قبيحا مترتب دائما على حقّ مدرك في المرتبة السابقة، و هو في المقام حقّ الطاعة. فلا بدّ أن يتّجه البحث إلى أنّ حقّ الطاعة للمولى هل يشمل التكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي أو يختصّ بما كان واصلا بالوصول القطعي بعد الفراغ‏ (1) عن عدم شموله للتكليف بمجرّد ثبوته واقعا و لو لم يصل بوجه.

الرابع: ما ذكره المحقق الاصفهاني‏ (2) أيضا تعميقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، على أساس مبنى له في حقيقة التكليف، حاصله: انّ التكليف انشائي و حقيقي، فالانشائي: ما يوجد بالجعل و الانشاء، و هذا لا يتوقّف على الوصول، و التكليف الحقيقي: ما كان إنشاؤه بداعي البعث و التحريك، و هذا متقوّم بالوصول، إذ لا يعقل أن يكون التكليف بمجرّد انشائه باعثا و محرّكا، و انّما يكون كذلك بوصوله، فكما أنّ بعث العاجز

____________

(1) أي بعد الفراغ عن عدم شمول حقّ الطاعة للتكاليف الغير محتملة و لو لعدم الالتفات و التوجّه، و بكلمة أخرى لا وجوب عقلي لتكليف ثابت في الواقع إلّا إذا كان له كاشف و لو بنحو الاحتمال‏

(2) المصدر السابق‏

«بشرط كونه قبيحا» و ذلك لأن كل ظلم هو قبيح، و هذا معنى قولهم بان الاحكام العقلية لا تقبل التخصيص. و عليه فيصحّ عندنا النقاش الثاني- المذكور في هذا الكتاب- دون الأوّل‏

42

غير معقول، كذلك بعث الجاهل، و كما يختص التكليف الحقيقي بالقادر كذلك يختص بمن وصل إليه ليمكنه الانبعاث عنه، فلا معنى للعقاب و التنجّز مع عدم الوصول، لأنّه يساوق عدم التكليف الحقيقي، فيقبح العقاب بلا بيان، لا لأنّ التكليف الحقيقي لا بيان عليه، بل لأنّه لا ثبوت له مع عدم الوصول.

و يرد عليه:

أولا (1): إنّ حقّ الطاعة إن كان شاملا للتكاليف الواصلة بالوصول الاحتمالي فباعثية التكليف و محرّكيته مولويا مع الشك معقولة ايضا، و ذلك لأنّه يحقق موضوع حقّ الطاعة، و إن لم يكن حقّ الطاعة شاملا للتكاليف المشكوكة فمن الواضح أنّه ليس من حقّ المولى أن يعاقب على مخالفتها، لأنّه ليس مولى بلحاظها، بلا حاجة إلى هذه البيانات و التفصيلات. و هكذا نجد مرّة أخرى انّ روح البحث يجب أن يتّجه إلى تحديد دائرة حقّ الطاعة.

و ثانيا (2): إنّ التكليف الحقيقي الذي ادّعي كونه متقوّما بالوصول‏

____________

(1) هذا ردّ على قول المحقّق الاصفهاني بأنّ بعث الجاهل غير معقول، فردّ عليه السيد المصنّف (رحمه اللّه) بأنّ بعث المحتمل معقول‏

(2) و هذا ردّ على حصر المحقق الاصفهاني للمحرّك بالتكليف الواصل، فانّه هو الذي يكون محرّكا و باعثا، و هو الذي يطلق عليه اسم «التكليف الحقيقي».

فأجابه السيد المصنّف (رحمه اللّه) انّه ما الدليل على حصر المحرّكية بما ذكرت، فما الدليل مثلا على عدم كون «احتمال الحكم الانشائي» محرّكا؟!

43

إن أراد به الجعل الشرعي للوجوب مثلا النّاشئ من ارادة ملزمة للفعل و مصلحة ملزمة فيه فمن الواضح أنّ هذا (1) محفوظ مع الشك أيضا- حتّى لو قلنا بأنّه غير منجّز و ان المكلّف الشاكّ غير ملزم بامتثاله عقلا- لأنّ شيئا من الجعل و الارادة و المصلحة لا يتوقّف على الوصول‏ (2)، و إن أراد به ما كان مقرونا بداعي البعث و التحريك فلنفترض انّ هذا (3) غير معقول بدون وصول إلّا أنّ ذلك لا ينهى البحث، لأنّ الشكّ في وجود جعل‏ (4) بمبادئه من الارادة و المصلحة الملزمتين موجود على أيّ حال- حتّى و لو لم يكن مقرونا بداعي البعث و التحريك-، و لا بدّ أن يلاحظ أنّه هل يكفي احتمال ذلك في التنجيز أو لا؟ و عدم تسمية ذلك بالتكليف الحقيقي مجرّد اصطلاح، و لا يغني عن بحث واقع الحال.

____________

بل ما الدليل على عدم منجزية «احتمال وجود مبادئ الحكم» و محرّكيّته؟!

(1) أي الجعل الشرعي أو قل الحكم الانشائي، و ليس مراد المحقق الاصفهاني (قده) من التكليف الحقيقي هذا المعنى، لأنّه لا يشترط في الحكم الانشائي الوصول‏

(2) و بتعبير آخر ان الاحكام الشرعية- كوجوب الصلاة و حرمة الخمر- مشتركة بين العالم بها و الجاهل، أي ليس وصول الاحكام و العلم بها دخيلة في ملاك الاحكام الانشائية، و انما هي دخيلة في تنجّزها فقط

(3) مرجع «هذا» إلى «التكليف الحقيقي» الذي هو محور الكلام‏

(4) أي لان الشك في وجود حكم انشائي الزامي موجود، و لا بد أن ننظر هل يكفي وجود هكذا شك في اثبات التنجيز أي التحريك‏

44

2- مسلك حقّ الطاعة

و هكذا نصل إلى المسلك الثاني و هو مسلك حقّ الطاعة المختار، و نحن نؤمن في هذا المسلك بأنّ المولوية الذاتيّة الثابتة لله سبحانه و تعالى لا تختصّ بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة و لو احتمالا، و هذا من مدركات العقل العملي‏ (1) و هي غير مبرهنة، فكما انّ اصل حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أوّلي للعقل العملي أي غير مبرهن، كذلك حدوده سعة و ضيقا (2).

و عليه فالقاعدة العملية الأوّلية هي اصالة الاشتغال بحكم العقل‏ (*)

____________

(1) ليعلم أن جميع الأحكام العقلية- كوجوب اطاعة المولى- هي من مدركات العقل العملي، فان العقل العملي يدرك ما ينبغي أن يفعل و ما لا ينبغي أن يفعل، بخلاف العقل النظري فانه يدرك ما ينبغي أن يعلم ككون أن الجزء أصغر من الكل، و لذلك يكون العقل النظري منشأ لادراكات العقل العملي‏

(2) قال في الحلقة الثانية: «... إذ كيف يفترض انّ التحرّك مع عدم العلم بالتكليف بلا مقتضي، مع أنّ المقتضي للتحرّك هو حقّ الطاعة الذي ندعي شموله للتكاليف المشكوكة أيضا.»

(*) هذا تمام ما ذكره السيد الشهيد (رحمه اللّه) هنا و في بحث الخارج- على ما في تقريرات استاذنا السيد الهاشمي ج 5 ص 26- 29- و لعلك تدري أن محل الكلام هو ما بعد الفحص في الأدلّة، و أما قبل الفحص فانه يجب الاحتياط بالإجماع، فعلى هذا إن فحص المجتهد و لم يجد دليلا شرعا على الحكم المجهول فان عليه أن يحتاط عند السيد المصنّف و هو بري‏ء الذمّة عند المشهور، و الصحيح ما عليه المشهور- مع غضّ نظر المشهور و السيد الشهيد عن قضيّة العلم الإجمالي بوجود تكاليف الزامية في الشريعة-

45

____________

بيان ذلك: إن الذي يوقع الانسان في هذه المقالة هو وضعه لجهنّم أمام عينيه عند ما يسأل عقله، و هذا الوضع يوجب انحرافا مزاجيا عند العقل، و ذلك كما لو علم شخص بأنّ النائم بجنبه في الليل ميت و هما لوحدهما في البيت فانّه رغم علمه بموته لكنّك تراه يخاف منه و لا ينام مطمئنّا، هذا الانحراف المزاجي هو الذي يعطّل العقل السليم من أن يحكم على طبق فطرته الأوّليّة. فعلى الانسان اذا أراد أن يسأل عقله ان يجتنب كلّ المؤثّرات الخارجية ثمّ ينظر. و هنا لو اعتقدنا من الشارع المقدّس أنّه لن يعاقب أصلا حتّى مع المخالفة و انّما يكتفي باللوم فقط، فهل لله تعالى أن يلوم الشخص الذي يحتمل أو يظنّ بوجود تكليف الزامي رغم سؤاله بالفحص؟

قال السيد المصنّف (قده): نعم ... و قد يستدل على مقالته بلزوم دفع الضرر المحتمل عقلا، فمن يحتمل دخوله للنار يوم القيامة مع عدم احتياطه- مع عدم وجود مؤمن بحسب الفرض- يلزمه عقله بالاحتياط. و لك أن توضّح هذا الأمر بنحو آخر بأن تقول إنّ الشارع المقدّس لم يقيّد الأحكام الشرعية أو متعلقاتها- في الغالب- بالعلم بها، فكان يقول مثلا الخمر حرام، لا معلوم الخمرية حرام أو الخمر حرام فعلا ان علمت بحرمته جعلا، و كذا في سائر الالزاميات، فخوفا من أن نقع في مخالفة الواقع المجهول و نرتكب ما فيه مفسدة و قبح أو نترك ما فيه ملاك الواجب و المصلحة الالزامية يلزمنا العقل بالاحتياط في موارد الاحتمال.

(أقول) إنّ ما ذكر في النحو الأوّل يتوقّف دفعه على العلم ببراءة الذمّة، و هذا ما سنبيّنه إن شاء الله بعد قليل، فلا نعود نحتمل الضرر. و أمّا ما ذكر في النحو الثاني فجوابه انّ الموارد تختلف، ففي الموارد المهمّة كما في موارد احتمال التسمّم لا يحكم العقل فيها ببراءة الذمّة، و أمّا في غير ذلك فانّ العقل يحكم فيها ببراءة الذمّة سواء كان المورد من الشبهات الحكمية أم من الشبهات الموضوعية، وجوبية كانت الشبهة أم تحريميّة، و ان كان الأمر في الشبهات الحكمية أوضح، و في خصوص الوجوبية أشدّ وضوحا، و لعلّ هذا هو السرّ في ورود بعض الروايات في خصوص الشبهات الموضوعية التحريمية لتأكيد البراءة في هذا المورد

46

____________

و بيان أوضحيّة براءة الذمّة في الشبهات الحكمية أن نقول: إنّ سكوت المشرّع الحكيم عن ايصال الأحكام الشرعية للمكلفين مع قدرته الطبيعية على ايصالها بطرق كثيرة إلى الناس لكاشف عن الترخيص به، و لذلك ترى انّ الله تعالى يرشد رسوله الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى استعمال هذه البراءة العقلية في جداله مع احبار اليهود الذين ينكرون نبوّته و لو ظاهرا و في مقام الجدال، فقال تعالى: قل لا أجد فى ما أوحى إلىّ محرّما على طاعم يطعمه إلّا أن يكون ميتة أو دما مّسفوحا أو لحم خنزير ...، فلو لم تكن اصالة الحليّة أصلا عقلائيا واضحا لما صحّ هذا البرهان بهذا الاسلوب، و قد بيّنا هذا الأمر أكثر في بحث البراءة الشرعية عند الاستدلال بهذه الآية على البراءة، و واضح عدم الفرق بين احتمال الحرمة و احتمال الوجوب إن لم يكن حكم العقل بالبراءة في الثاني أولى، و ذلك لوجود مفسدة في ارتكاب الحرام بخلاف ترك الواجب فان فيه ترك المصلحة الملزمة، و ارتكاب القبيح أشدّ ضررا من ترك الواجب مع فرض تساويهما في الأهمّية.

(و لك) أن تقول: إذا تردد الحكم الشرعي عند المجتهد بين الالزامي و غير الالزامي فحينئذ يستكشف العقل الترخيص، و ذلك يظهر ممّا يلي:

إنّه لا شكّ في أنّ الرسول الأعظم و الأئمّة الهداة كانوا في عصرهم المبارك بصدد بيان تمام الشريعة الالهية إلى الناس كما ورد في بعض الآيات القرآنية الكريمة من قبيل قوله تعالى: قل أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول فإن تولّوا فإنّما عليه ما حمّل و عليكم مّا حمّلتم و إن تطيعوه تهتدوا و ما على الرّسول إلّا البلغ المبين، فلو كان الشارع المقدّس مهتمّا بهذا التكليف المعيّن كوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو وجوب السورة في الصلاة لا وصله إلينا بطرق صحيحة و هو قادر على إيصالها بشكل طبيعي و بأساليب متعدّدة، و إنّ كثرة الروايات‏ أ الواردة في السواك و القياس تصلح أن تكون منبّهة على ما ذكرنا، فعدم إيصال حجج تنجّز علينا التكاليف المشكوكة- مع القدرة على إيصالها- أمارة (أ) فقد ورد في كتاب (الآداب الطبّية في الاسلام ص 213) أنّ الروايات الواردة في السواك تفوق المائة رواية بكثير جدّا، أقول و ذكر في جامع أحاديث الشيعة (الجزء الأوّل) روايات في حرمة العمل بالقياس قد تزيد على روايات السواك.

47

____________

أهمّيتها في نظره، و قد أشار إلى ذلك الهداة الميامين (عليهم السلام)، نكتفي باثنتين منها لوضوح الأمر و هما:

1- ورد بطرق العامّة أنّ الرسول الأعظم خطب الناس فقال: «ايّها النّاس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا»، فقال رجل: أ كلّ عام يا رسول الله؟ فسكت (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى قالها ثلاثا، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لو قلت نعم لوجب، و لما استطعتم»، ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم، فانّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فاذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم، و إذا نهيتكم عن شي‏ء فدعوه» (محاضرات السيد الخوئي ج 2 ص 477).

2- و في نهج البلاغة: قال (عليه السلام): «إنّ الله افترض عليكم الفرائض فلا تضيّعوها، و حدّ لكم حدودا فلا تعتدوها، و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها» (جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 330).

و رواها في الفقيه بمتن شبيه بالمذكور قال: «... و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها» (المصدر السابق). و هذا كلّه اقرار بل إرشاد للناس للاستفادة من حكم العقل بالبراءة.

و قد تتساءل فتقول: لعلّ الهداة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) قد بلّغوا رسالات ربّهم و لكن لم تصلنا بشكل معتبر إمّا لجهالة بعض رجال السند عندنا و إمّا لجهالة معاني بعض الألفاظ، فانّ ذلك أمر طبيعي إذا أخذنا بعين الاعتبار ما مرّ على الاسلام و المسلمين من المحن و الفتن بدء بيوم السقيفة مرورا بكربلاء و ما حصل على المؤمنين في عصري الأمويين و العبّاسيين ... و قد جرت سنّة الله أن يجري الأمور بأسبابها.

(أقول) إنّ الهداة المعصومين (عليهم السلام) ينظرون في تبليغهم الأحكام الشرعية إلى الموجودين في عصر الصدور و إلى الذين سيوجدون فيما بعد، و هذا أمر لا شكّ فيه، و يعلمون أيّ رواية سوف تصل إلى الأزمنة اللاحقة صحيحة السند و الدلالة و أيّها لن تصل كذلك، و قد صرّح الامام الثاني عشر (عج) بذلك بقوله- في صحيحة أبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي- «فانّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا، قد عرفوا

48

____________

بأننا نفاوضهم بسرّنا و نحمّله إيّاه إليهم، و عرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى»، بل هذا اوضح من أن يذكر، و الروايات فيه متكاثرة.

فالهداة المعصومون (صلوات الله عليهم أجمعين) سواء كانوا بصدد تبليغ تمام احكام الشريعة أم المهم منها لا يبلّغونها كاناس عاديّين حتّى نقول بان الظروف القاسية منعت من إيصال جميع ما صدر عنهم، و لكنهم يبلّغون كخلفاء الله في أرضه و لهم كل القدرة التكوينية في إيصال الاحكام إلى العصور المتأخّرة و هم بمقتضى مقامهم و وظيفتهم الرسالية يبلغون رسالات ربّهم سواء (قلنا) بوجوب التبليغ عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كما فى قوله تعالى السابق‏ قل أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول فإن تولّوا فإنّما عليه ما حمّل و عليكم مّا حمّلتم و إن تطيعوه تهتدوا و ما على الرّسول إلّا البلغ المبين، و قد ذكر فيه وجوب التبليغ عليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مرتين، بل هذا أمرّ واضح من كونه رسولا في تبليغ رسالات ربّه، ام (قلنا) بعدم الوجوب، لكن على الثاني نعلم أيضا أنهم قد بلّغوا تمام احكام الشريعة المهمّة التي لا مجال للترخيص فيها، و هذا امر لا ينبغي الارتياب فيه، فانّ غرضهم هو بيان الشريعة الالهية للنّاس، و لذلك كانوا يحثّون على كتابة رواياتهم و حفظها.

إذن كما أنّ غاية الشارع المقدّس تبليغ الناس في عصر ظهورهم المبارك كذلك غايته ايصال الاحكام إلى العصور اللاحقة، بل الايصال إلى العصور اللاحقة أهم من جهات، منها أكثرية اتباعهم فيها على اتباعهم في عصرهم بأضعاف مضاعفة، و منها عدم وجود مبلّغ عن الله ظاهر، و منها هذا الفاصل الزمني الطويل الذي يوجب عادة خفاء الكثير من موجبات العلم بالاحكام كما في معرفة بعض الالفاظ التي كانت معروفة آنذاك او معرفة الرجال الذين نجهلهم اليوم إلى غير ذلك، كلّ هذا يجعلنا نعلم أنهم (صلوات الله عليهم) كانوا بصدد ايصال تمام الأحكام المهمّة إلينا و الكثير جدا من غيرها كما ورد في ابواب الأخلاق و الاطعمة و الاشربة و الاخبار الغيبيّة و غيرها.

و على ضوء ما ذكرنا تعرف انه إن لم يصل إلينا حكم ما بنحو معتبر سندا أو دلالة فهذا يكشف لا محالة عن رضا الشارع بتركه و الترخيص به. و لم أر من صرّح بهذا الكلام إلّا المحقّق الحليّ (قده) و ارتضاه غيره كما ذكرنا ذلك سابقا ص 38

49

____________

و من هنا تعرف:

(أولا) إن ما ذكرناه هو المنشأ أيضا لدليل «الاطلاق المقامي» المعروف إنّما الفرق بين هذا الاطلاق المقامي الصغير و ما ذكرناه و هو الاطلاق المقامي الكبير أعمّية ما ذكرناه من مورد الاطلاق المقامي الصغير، فانّ الاطلاق المقامي الصغير عبارة عن سكوت الشارع عن قيد ما في مقام ذكر تمام خصوصيات الماهيّة الشرعية المركبة، و امّا اطلاقنا المقامي الكبير فهو يعتبر كل الروايات الواردة في مقام بيان احكام الموضوعات بمثابة الرواية الواحدة الواردة في مقام بيان احكام موضوع واحد كالصلاة مثلا، فكما ان الفقهاء يستدلون على عدم وجوب جلسة الاستراحة مثلا بعدم ورودها في الادلة المحرزة مع كونها في مقام البيان فكذلك نستدلّ على عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال. مثلا. بنفس هذا الدليل، و هو دليل سكوت الشارع مع كونه في مقام البيان. و قد علّمنا الشارع المقدّس ذلك و عوّدنا عليه، و لذلك ترى جميع علماء المسلمين يعملون على هذا الأمر بارتكازهم فيعتبرون كل الروايات الواردة في مقام بيان تمام احكام الشريعة بمثابة الرواية الواحدة الواردة في مقام بيان تمام تفاصيل الصلاة مثلا، و لذلك تراهم يعتبرونها ناظرة إلى بعضها البعض فيقدّمون بعضا على بعض بالتقييد او التخصيص أو الحكومة أو الورود، و لذلك ترى هذا الاطلاق المقامي الكبير يجري في كل تكليف مشكوك سواء كان متعلّقه ضمنيّا كالسورة في الصلاة أو استقلاليا كشرب التتن، بخلاف الاطلاق المقامي المصطلح (أي الصغير) فانّ مورده المتعلّقات المركّبة للاحكام كالصلاة.

(ثانيا) انّ البراءة المستكشفة من هذا الاطلاق المقامي الكبير هو دليل محرز لانّه. كما عرفت. كاشف عن عدم اهتمام الشارع به، و أماريّتها إنّما هي في الشبهات الحكمية لا في الشبهات الموضوعية التي ليس من شأن الشارع تبيينها، بل لم يتضح حكم العقل بالبراءة في الشبهات الموضوعية، كما لو شك المكلف في كون المائع الذي أمامه خلا أو خمرا.

(لكن) هذه الامارية التي لاحظتها لا تجعل هذه البراءة العقلية كخبر الثقة في الأمارية

50

____________

و الكاشفية، و ذلك لأنّ هذه البراءة اقصى ما تقيدنا ترخيص الشارع في الأحكام الغير مهمّة و لا تحدّد لنا شخص الحكم و لا تدّعي الكاشفيّة عنه، و لذلك ينبغي تقديم خبر الثقة عليها.

هذا و لكن علماؤنا اطلقوا على هذه البراءة تعبير الاطلاق المقامي و اجروه في المركبات، و إن كان من الضروري لاصحاب القول بالبراءة العقلية اجراؤها في موارد الاحكام المستقلّة ايضا كمورد شرب التتن مثلا.

و بما أنه سياتيك في بحث جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية عدم جريانه فيها لا طولا- اي بلحاظ العدم الازلي- و لا عرضا- اي بلحاظ المجعول-، و بما انه لا يصحّ ايضا جريان اصالة الاشتغال فيها. و ذلك لانّ أصالة الاشتغال العقلية هي فرع من فروع الاستصحاب في الشبهات الموضوعية 1 و لا مورد لها في الشبهات الحكمية.، فبالتالي ستكون البراءة العقلية هي المسيطرة على الموقف في مجال الشبهات الحكمية.

(فان قلت) هناك حالة لا تجري فيها البراءة العقلية في الشبهات الحكمية و هي حالة ما لو كان هذا الموضوع مستحدثا، فان سكوت الهداة المعصومين (عليهم السلام) عنه انما يكون من باب السالبة لانتفاء الموضوع، فهنا لا تجري البراءة العقلية، و تجري النقلية فقط.

(قلت) ان قدرة المعصومين (عليهم السلام)- مع علمهم الغيبي بما سيحدث. على بيان حكم اي مسألة سوف تحدث امر مسلّم، فبقدرتهم (عليهم السلام) ان يعطوا قواعد عامّة تشمل ما يريدونه، بل لو شاءوا لصرّحوا و لو باسلوب يفهمه الآتون كما ورد عن الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بضع روايات الحكم بتحريم البنج الذي لم يكن موجودا في عصر الرسول، إذ قال في بعضها «سيأتي زمان على أمّتي يأكلون شيئا اسمه البنج، انا بري‏ء منهم و هم بريئون مني» (راجع جامع احاديث الشيعة ج 24 باب 58 من ابواب الاشربة ص 265، و تجدها في‏ (1) و موردها الشك في تحقيق المكلّف به، كالاكرام في قول المولى «اكرم العلماء»، فان شككنا في تحقيق الاكرام بمجرّد التسليم عليه فان العقل يحكم بعدم الاكتفاء به، و يعبّر عن ذلك باصالة الاشتغال.

51

____________

المستدرك الباب الاخير من ابواب الاشربة المحرّمة).

(اعترافان ارتكازيان من السيد الشهيد بصحّة البراءة العقلية):

الأوّل: لقد اعترف السيد الشهيد (قده) بدلالة آية «و ما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا» على نقي استحقاق العذاب على الجاهل بالحكم، و هو يناقض قوله باستحقاق العذاب عليه أي يبطل مسلك حق الطاعة. و لعلك تعلم أن مراد السيد المصنف من الجاهل بالحكم في الآية هو الذي يحتمل وجود تكليف و لكن لم يجده رغم الفحص، و ليس مراده الغافل أو قل القاطع بعدم وجود تكليف الزامي لأن هذا لا تجري في حقه البراءة حتما و ذلك لحجيّة القطع، و على أي حال فالقدر المتيقن هو مورد المجتهد الذي فحص و لم يجد دليلا محرزا على الحكم.

و الثاني: اعتقد السيد الشهيد (قده) في هذه الحلقة (مسألة صحّة التمسك بالعام في الشبهة المفهومية من بحث نتائج الجمع العرفي بالنسبة إلى الدليل المغلوب. الجزء الرابع) بصحّة التمسّك بالعام في الشبهة المفهومية، و استدلّ لذلك بعدم احراز دلالة على التخصيص في المقدار الزائد و هو. في مثال «لا يجب اكرام الفسّاق» «و اكرم العالم الفاسق». مرتكب الصغائر، (اقول) و هذا يعني ان لفظة «الفسّاق» حينما كانت غير واضحة الدلالة على مرتكبي الصغائر فان العقل في مثل ذلك. عند السيد الشهيد (قده). لا ينجز هذا الحكم المخصص في المقدار الزائد المشكوك للجهل به، و هو يعني الاعتقاد ارتكازا بالبراءة العقلية و إلّا لقال يجب الاحتياط في المقدار الزائد المشكوك و يجب اكرام العالم و ان كان مرتكب الصغائر دون مرتكب الكبائر.

و بتعبير آخر، يقول السيد الشهيد في البحوث ج 3 ص 298:

نتمسّك بعموم العام لانه هو المقتضي لوجوب الاكرام. في مثال «اكرم العالم» و «لا تكرم العالم الفاسق». و لا نلتفت إلى احتمال شمول «الفاسق» لمرتكب الصغائر لكونه غير محرز، فمع احراز وجود المقتضي و عدم احراز شمول المانع يصحّ التمسّك بعموم العام في المورد الزائد المشكوك، (أقول) و هو اعتقاد ارتكازي بالبراءة العقلية عند الجهل‏

52

____________

بالحكم، و لا تتوهّم ان هذه براءة شرعية، و ذلك لانه يتكلّم الآن على صعيد العقل، و ثانيا لعدم صحّة جريان الاصول العمليّة في موارد تواجد ادلّة محرزة من باب السالبة بانتفاء الموضوع او قل من باب عدم وجود اصل عملي في هكذا حالات ..

(و النتيجة):

1. ان البراءة العقلية و التي يسمّونها احيانا الاطلاق المقامي هي سيدة الموقف في مجال الشبهات الحكمية و لم يتضح حكم العقل بالبراءة في مجال الشبهات الموضوعية. (و لا شك) انك تعلم ان المشكوك في الشبهات الحكمية هو الحكم كحكم التدخين مثلا، و المشكوك في الشبهات الموضوعية هو الموضوع، فنحن نعلم بحلية الخلّ و حرمة الخمر و لكننا خارجا شككنا في هذا المائع الخارجي المعين هل انّه خلّ او خمر، فهنا لم يتّضح حكم العقل بالحلية، و لذلك نرجع في هذه الشبهة الموضوعية إلى البراءة الشرعية.

2. إنّ البراءة الشرعية تجري في كلتا الشبهتين الحكمية و الموضوعية.

3. إنّ اصالة الحل هي فرع من فروع البراءة العقلية، و ان نفس دليل البراءة العقلية يجري لاثبات اصالة الطهارة- لا قاعدة الطهارة- ايضا بمعنى أنها ترفع المنجزيّة المحتملة.

4. إنّ بعض ما ورد من ادلّة في الشرع على اثبات البراءة هو ارشاد إلى البراءة العقلية كما سيتّضح ذلك اكثر في آية «قل لا اجد فيما أوحي اليّ ...».

5. ان البراءة العقلية هي في الحقيقة امارة، و ان كانت اماريتها ضعيفة لانها تكشف عن الترخيص فقط و عن ان هذه المنطقة قد جعلها المولى تعالى منطقة للاجتهاد و الخلاف بين العلماء لحكمة عنده تعالى في ذلك .... بخلاف خبر الثقة الذي يكشف- و لو ادّعاء- عن شخص الحكم الشرعي.

6. امّا الاستصحاب فمجاله الشبهات الموضوعية فقط بخلاف البراءة التي قلنا ان مجالها الشبهات الحكمية و الموضوعية

53

ما لم يثبت الترخيص الجادّ في ترك التحفّظ، على ما تقدّم في مباحث القطع. فلا بدّ من الكلام عن هذا الترخيص و امكان إثباته شرعا، و هو ما يسمّى بالبراءة الشرعية.

____________

7. انّ بعض الادلّة الجارية في الشبهات الموضوعية هي اصول عملية كالاستصحاب و الاشتغال و أصالة الحل و قاعدة الطهارة، و بعضها امارات كقواعد اليد و الفراغ و سوق المسلمين.

8. من ثمرات و فوائد المسألة إذا قلنا بالتعارض بين ادلة وجوب الاحتياط و ادلة البراءة الشرعية فاننا نرجع الى حكم العقل بالبراءة على رأي المشهور او بالاحتياط على رأي السيد الشهيد (ره).

و هذه النتائج و التفريعات يظهر وجه بعضها ممّا مرّ و يظهر وجه البعض الآخر ممّا يأتي في محلّه المناسب‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}