دروس في علم الأصول(شرح الحلقة الثالثة) - ج4

- ناجي طالب‏ آل فقيه العاملي المزيد...
367 /
7

[تتمة الاصول العملية]

الاصول العمليّة- 3- الاستصحاب‏

1- أدلّة الاستصحاب‏

2- الاستصحاب أصل او أمارة

3- أركان الاستصحاب‏

4- مقدار ما يثبت بالاستصحاب‏

5- عموم جريان الاستصحاب‏

6- تطبيقات‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

أدلّة الاستصحاب‏

الاستصحاب قاعدة من القواعد الاصولية المعروفة، و قد تقدّم في الحلقة السابقة الكلام عن تعريفه و التمييز بينه و بين قاعدة اليقين و قاعدة المقتضي و المانع. و المهم الآن استعراض أدلّة هذه القاعدة، و لمّا كان أهمّ أدلّتها الروايات فسنعرض فيما يلي عددا من الروايات التي استدل بها على الاستصحاب كقاعدة عامّة:

الرواية الاولى:

رواية زرارة قال قلت له‏ (1): الرجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، فإذا نامت العين و الاذن و القلب وجب الوضوء. قلت فان‏

____________

(1) هذه الرّواية- كما ترى- مضمرة، إلّا ان اضمارها لا يضرّ في صحّتها لكون راويها الاخير «شيخ اصحابنا في زمانه و متقدّمهم و كان قارئا فقيها متكلما ...» كما وصفه النجاشي، و عدّه الكشّي من جملة الفقهاء الذين اجتمعت العصابة على تصديقهم و انقادوا لهم بالفقه .. ثم قال: «فقالوا افقه الاوّلين ستّة زرارة و ... قالوا وافقه الستّة زرارة»، يؤيّد هذا نفس المتن الواضح انّه من الإمام، مع روايات اخرى تؤيّدها، كل هذا يجعلنا في غاية الاطمئنان بان المجيب هو الامام (عليه السلام). و لا اظن انّ احدا من علمائنا ناقش في سند هذه الرواية

10

حرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال: «لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فانّه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين ابدا بالشك، و انّما تنقضه بيقين آخر» (1).

و تقريب الاستدلال: أنّه حكم ببقاء الوضوء مع الشك في انتقاضه تمسّكا بالاستصحاب، و ظهور التعليل في كونه بأمر عرفي مركوز (2) يقتضي كون الملحوظ فيه كبرى الاستصحاب المركوزة لا قاعدة مختصّة بباب الوضوء، فيتعيّن حمل اللام في اليقين و الشك على الجنس، لا العهد إلى اليقين و الشك في باب الوضوء خاصّة، و قد تقدّم في الحلقة السابقة تفصيل الكلام عن فقه فقرة الاستدلال و تقريب دلالتها و إثبات كليّتها فلاحظ (*).

____________

(1) وسائل ج 1/ باب 1 من ابواب نواقض الوضوء ح 1 ص 174

(2) هذه كلمة مهمّة و هي ان الاستصحاب قاعدة عرفية تناسب فطرة الإنسان لا تعبّدية محضة، اجعلها في ذهنك و ستأتيك فوائدها بعد حين. (انظر مثلا ص 49- 50)

(*) ملخّص الكلام في هذه الجهات الثلاث: (أوّلا) حول فقه الرواية: ما يفهم من الرواية هو انّ الامام (عليه السلام) قال له انّه لا اعتداد بعدم علمه بما حرّك على جنبه حتّى يستيقن أنه قد نام، و إلّا فان لم يستيقن بذلك فانه- اي بنحو التأكيد- على يقين من انه قد توضّأ، و لا يصحّ لمن هو على يقين ان ينقض يقينه أبدا بالشك، و انّما ينقضه بيقين آخر. و هذا كلام فني جدّا، فبدل ان يقول الامام (عليه السلام) و إلّا فان لم يستيقن بذلك فلا يجب عليه الوضوء، قال كلمة تدلّ على علّة عدم وجوب إعادة الوضوء عليه فذكر له الصغرى و الكبرى، مؤكّدا له الصغرى مما يفهم منه أن من كان على يقين من شي‏ء فمن الخطأ عقلائيا ان ينقضه بالشك، و كأنّ‏

11

____________

الامام (عليه السلام) يتعجّب ممّن هو على يقين ان ينقض يقينه بالشك. و لك ان تقول كأن الامام (عليه السلام) يريد ان يثير عند زرارة من خلال هذا التأكيد حسّ الالتفات الى امر عقلائي، فذكر الصغرى بصورة التأكيد فقال: ( (فانّه على يقين من وضوئه)) هذا من جهة،

- و أمّا من جهة تعيين المستصحب فسيأتيك دليلان عقلي و نقلي. في تعليقتنا المطوّلة الاخيرة على الركن الثاني من اركان الاستصحاب. انّه عدم طروء العارض المشكوك عروضه على الموضوع، كالنجاسة المشكوكة العروض على الثوب، لا ان المستصحب اوّلا و بالذات هو الحالة السابقة المتيقّنة كالطهارة المعلومة سابقا ...

- و امّا من حيث اصولية هذه القاعدة او أماريّتها فسيأتيك في تعليقتنا على مسألة ( (الاستصحاب اصل أو أمارة)) انها اصل محرز عقلائي المنشأ وسّعها الشارع، و ذلك لأن العقلاء لا يعملون إلّا بالاطمئنانات، و الاستصحاب يجري حتى مع الظن بزوال الحالة الاولى، و لذلك قلنا وسّعها الشارع المقدس ...

(ثانيا) و امّا تقريب دلالتها على الاستصحاب لا على قاعدة اليقين فلصراحتها. كما ذكرنا قبل قليل. بكون جملة ( (فانّه على يقين من وضوئه)) خبرية، فالسائل لا يشك في يقينه السابق، إذن ليس النظر إلى قاعدة اليقين بوجه، و لذلك تكون كبرى ( (و لا تنقض اليقين بالشك)) في هذا السياق صريحة في ارادة الاستصحاب.

(ثالثا) حول اثبات كلّية هذه الكبرى فنقول: لا شك انّك لاحظت من سياق الرواية ان الكبرى المذكورة في هذه الرواية واردة في مقام التعليل، و هذا يعني انها كلّية تجري في سائر الموارد لا انها مخصوصة في مقام الوضوء، و يزيدك اطمئنانا بكلّيتها ورود هذه القاعدة في مقام التعليل بصراحة في الرواية الثانية، و ورودها أيضا في عدّة موارد متغايرة من أبواب الفقه ...

و على أي حال لا ينبغي الشك في كلّية هذه الكبرى‏

12

الرواية الثانية:

و هي رواية اخرى لزرارة قال:

1- قلت: اصاب ثوبي دم رعاف (او غيره) او شي‏ء من مني فعلّمت أثره إلى ان اصيب له (من) الماء، فاصبت و حضرت الصلاة و نسيت أنّ بثوبي شيئا، و صلّيت، ثم اني ذكرت بعد ذلك؟ قال: «تعيد الصلاة و تغسله».

2- قلت: فاني لم اكن رأيت موضعه و علمت انه قد أصابه فطلبته فلم اقدر عليه، فلما صلّيت وجدته؟ قال: «تغسله و تعيد الصلاة».

3- قلت: فان ظننت أنّه قد اصابه و لم اتيقّن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثم صلّيت فرأيت فيه؟ قال: «تغسله و لا تعيد الصلاة». قلت: و لم ذلك؟ قال: «لانّك كنت على يقين من طهارتك، ثم شككت، و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا».

4- قلت: فانّي قد علمت انّه قد أصابه و لم ادر أين هو فأغسله؟ قال: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد اصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك».

5- قلت: فهل عليّ إن شككت في أنّه اصابه شي‏ء أن انظر فيه؟ قال: «لا، و لكنك انّما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك».

6- قلت: إن رأيته في ثوبي و انا في الصلاة؟ قال: «تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، و إن لم تشك ثمّ رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنّك لا تدري لعله شي‏ء

13

أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك» (1).

و تشتمل هذه الرواية على ستّة اسئلة من الراوي مع أجوبتها، و موقع الاستدلال ما جاء في الجواب على السؤالين الثالث و السادس، غير أنّا سنستعرض فقه الاسئلة الستّة و اجوبتها جميعا لما لذلك من دخل في تعميق فهم موضعي الاستدلال من الرواية.

ففي السؤال الاوّل يستفهم زرارة عن حكم من علم بنجاسة ثوبه ثم نسي ذلك و صلّى فيه و تذكّر الأمر بعد الصلاة، و قد افتى الامام بوجوب إعادة الصلاة لوقوعها مع النجاسة المنسيّة و غسل الثوب.

و في السؤال الثاني سأل عمّن علم بوقوع النجاسة على الثوب ففحص و لم يشخّص موضعه فدخل في الصلاة باحتمال انّ عدم التشخيص مسوّغ للدخول فيها مع النجاسة ما دام لم يصبها بالفحص، و قوله فطلبته و لم اقدر عليه انما يدلّ على ذلك، و لا يدلّ على أنّه بعدم التشخيص زال اعتقاده بالنجاسة، فانّ عدم القدرة (2) غير حصول التشكيك في الاعتقاد السابق و لا يستلزمه، و قد افتى الامام بلزوم الغسل و الاعادة لوقوع الصلاة مع النجاسة المعلومة إجمالا.

____________

(1) جامع الاحاديث ج 2. باب 23 من ابواب النجاسات ح 6، ص 165. و قد رواها الشيخ الصدوق في العلل بسند صحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام)

(2) أي فان عدم القدرة على وجدان مكان النجاسة لا يعني أنه قد حصل عنده شك في أصل النجاسة، و انما هو لا يزال معتقدا بحصول النجاسة

14

و في السؤال الثالث افترض زرارة انّه ظنّ الاصابة ففحص فلم يجد فصلّى فوجد النجاسة، فافتى الامام بعدم الاعادة و علّل ذلك بانه كان على يقين من الطهارة فشك، و لا ينبغي نقض اليقين بالشك.

و هذا المقطع هو الموضع الاوّل للاستدلال، و في بادئ الامر يمكن طرح اربع فرضيّات في تصوير الحالة التي طرحت في هذا المقطع:

. الفرضيّة الاولى: ان يفرض حصول القطع بعدم النجاسة عند الفحص و عدم الوجدان‏ (1)، و حصول القطع عند الوجدان بعد الصلاة بانّ النجاسة هي نفس ما فحص عنه و لم يجده أوّلا (2)، و هذه الفرضيّة غير منطبقة على المقطع جزما، لأنّها لا تشتمل على شك لا قبل الصلاة و لا بعدها، مع انّ الامام قد افترض الشك و طبق قاعدة من قواعد الشك ...

. الفرضيّة الثانية: ان يفرض حصول القطع بعدم النجاسة عند الفحص كما سبق، و الشكّ عند وجدان النجاسة بعد الصلاة في انّها تلك او نجاسة متاخّرة (3)، و هذه الفرضيّة تصلح لاجراء الاستصحاب فعلا في‏

____________

(1) من باب حسن الظن بزرارة*.

(* 1) [أقول‏] ظاهر قول زرارة ( (فنظرت فلم أر شيئا)) لا يعني إلّا الجهل باصابة النجاسة ثوبه، و هذا يضادّ تماما حصول القطع بعدم النجاسة، هذا اوّلا، و ثانيا: حتّى الإمام (عليه السلام) فهم هذا المعنى فقال: ( (لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت ..))، و لذلك لا وجه لذكر هذه الفرضيّة، و كذلك الكلام في الفرضيّة الثانية.

(2) بقرينة مثال المني‏

(3) بقرينة قوله (عليه السلام) في المقطع السادس «لانك لا تدري لعلّه شي‏ء اوقع عليك»

15

ظرف السؤال‏ (1)، لأنّ المكلّف على يقين من عدم النجاسة قبل ظنّ الاصابة فيستصحب‏ (2). كما انّها تصلح لاجراء قاعدة اليقين فعلا في ظرف السؤال، لأنّ المكلّف كان على يقين من الطهارة بعد الفحص و قد شك الآن في صحّة يقينه هذا.

. الفرضيّة الثالثة: عكس الفرضيّة السابقة بأن يفرض عدم حصول القطع بالعدم عند الفحص، و حصول القطع عند وجدان النجاسة بانّها ما فحص عنه‏ (3). و في مثل ذلك لا يمكن إجراء اي قاعدة للشك فعلا في ظرف السؤال لعدم الشك، و إنّما الممكن جريان الاستصحاب في ظرف الفحص‏ (4) و الاقدام على الصلاة.

. الفرضيّة الرابعة: عكس الفرضيّة الاولى بافتراض الشك حين الفحص و حين الوجدان‏ (5)، و لا مجال حينئذ لقاعدة اليقين إذ لم يحصل شك في خطأ اليقين السابق، و هناك مجال لجريان الاستصحاب حال الصلاة و حال السؤال معا (*).

____________

(1) و هو بعد الصلاة

(2) اي فيستصحب ثبوت الطهارة إلى ما بعد الصلاة لاحتمال ان تكون هذه النجاسة التي شوهدت بعد الصلاة قد حصلت بعد الصلاة كما هو الفرض‏

(3) و هذا يناسب حالة كون النجاسة هي المنيّ‏

(4) اي قبل الصلاة

(5) و هذا الوجه يناسب كون النجاسة هي دم الرّعاف‏

(*) الصحيح ان كلا الاحتمالين [الثالث و الرابع‏] يحتملهما قول زرارة ( (فرأيت فيه))، [فعلى‏] هذا الاحتمال الرابع يكون مورد جريان الاستصحاب هو ظرف الشك المذكور في السؤال‏

16

____________

و هو من حين الشروع في الصلاة إلى اقصى حد ممكن بعد الصلاة و قبل رؤيته، و هو في الواقع استصحاب واحد [لا استصحابان كما يقول سيدنا الشهيد]، نعم لو لم ير نجاسة بعد الصلاة لقلنا ان الاستصحاب يكون بلحاظ حال الصلاة، لكنه وجد نجاسة بعد الصلاة فقد تكون قد اتت بعد الصلاة من الرّعاف مثلا، وجد ان هذه النجاسة بعد الصلاة كان السبب في ديمومة ظرف الشك إلى ما بعد الصلاة و جريان الاستصحاب في هذا الظرف الممتد إلى ما بعد الصلاة. و هذا الكلام يصحّ في امثال حالة دم الرّعاف و نحوه مما يحتمل حصوله بعد الصلاة، و قد يكون المراد من قوله ( (فرأيت فيه)) هي هذه الحالة بقرينة ما ذكره الامام في جواب السؤال السادس بقوله ( (و إن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة، لأنك لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك)).

و امّا في فرض اصابة المني لثوبه و رؤيته بعد الصلاة فهذا يكون عادة نفس النجاسة الاولى، و يكون جريان الاستصحاب ح بلحاظ ظرف الصلاة فقط.

و بتعبير آخر قول زرارة ( (فرأيت فيه)) له وجهان:

الاوّل: فرأيت نفس النجاسة المظنونة سابقا و التي بحثت عنها فلم أجدها، ثم بعد الصلاة رأيتها. و هذا الوجه يناسب مثال المني، و لذلك فهو يناسب الجامع بين دم الرعاف و المني.

و الثاني: فرأيت نجاسة فيه لا أدري هل هي نفس السابقة المظنونة ام نجاسة جديدة، و هذا يتناسب مع دم الرّعاف و مع الجواب على الشقّ الثاني من السؤال السادس من قول الامام (عليه السلام) ( (لانك لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك ...)).

و هنا تستفيد عدّة فوائد:

الاولى: بما انّ الوجه الاوّل محتمل من زرارة، إذ قد يكون مراده انّه لو شك شخص في اصابة المني لثوب معيّن. مع علمه بخروج المني. و لم يتيقّن فنظر فلم ير شيئا، فصلّى و بعد الصلاة رأى ان المني كان قد اصاب هذا الثوب المعيّن و انه قد صلّى مع النجاسة، فاجابه الامام (عليه السلام) بانك كنت على يقين من طهارة ثوبك ثم شككت و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا، و هذا الاستصحاب ناظر إلى ظرف الفحص و الصلاة كما هو واضح‏

17

و من هنا يعرف ان الاستدلال بالمقطع المذكور على الاستصحاب موقوف على حمله على احدى الفرضيّتين الاخيرتين، أو على الفرضيّة الثانية مع استظهار إرادة الاستصحاب.

و في السؤال الرابع سأل عن حالة العلم الاجمالي بالنجاسة في الثوب، و أجيب بلزوم الاعتناء و الاحتياط.

و في السؤال الخامس سأل عن وجوب الفحص عند الشك، و اجيب بالعدم.

و في السؤال السادس يقع الموضع الثاني من الاستدلال بالرواية، حيث إنّه سأل عما إذا وجد النجاسة في الصلاة، فاجيب بانّه إذا كان قد شك في موضع منه ثم رآه [كما في مثال المني‏] قطع الصلاة و أعادها، و إذا لم يشك ثمّ رآه رطبا غسله و بنى على صلاته لاحتمال عدم سبق النجس، و لا ينبغي ان ينقض اليقين بالشك.

____________

الثانية: بناء على ما ذكرناه في الفائدة الاولى تعرف ان الصلاة في ثوب نجس واقعا طاهر ظاهرا صحيحة و هذا يعني ان الطهارة المشروطة في الصلاة هي الأعمّ من الواقعية و الظاهرية، و هذا امر قريب جدّا إلى ذوق المتشرّعة و منهج الشرع الحنيف، و لهذا الكلام تتمّة مضى بعضها في بحث ( (التصويب بالنسبة إلى بعض الاحكام الظاهرية)) ص 71- 72 من الجزء الاوّل، و يأتي بعضها الآخر بعد قليل عند التعليق على ادّعاء الشيخ الانصاري وقوع التعارض ....

و الثالثة: و هي مبنية على الوجه الثاني و قد علمت بيانه قبل قليل، و عرفت ايضا ان ظرف الاستصحاب- على هذا الوجه- يمتدّ من حين الشروع بالصلاة إلى آخر وقت ممكن بعد الصلاة و قبل الرؤية

18

و يحتمل ان يراد بالشقّ الاوّل صورة العلم الاجمالي، و بالشق الثاني المبدوء بقوله «و إن لم تشك» صورة الشك البدوي.

و يحتمل ان يراد بالشقّ الاول صورة الشك البدوي السابق ثمّ وجدان نفس ما كان يشك فيه، و بالشقّ الثاني صورة عدم وجود شك سابق و مفاجأة النجاسة للمصلّي في الاثناء. و لكلّ من الاحتمالين معزّزات‏ (*)،

____________

(*) هنا كلمات، الكلمة الاولى: هي عدم ارادة صورة العلم الاجمالي في الشقّ الاوّل من جواب الامام (عليه السلام) على هذا السؤال السادس، و ذلك بقرينة سبق سؤال زرارة الخامس و هو ( (فهل عليّ إن شككت في انّه اصابه شي‏ء ان انظر فيه؟)) قال (عليه السلام) لا .. قلت إن رأيته في ثوبي و انا في الصلاة؟ و معنى ذلك ارادة صورة حصول شك بدوي سابق [اي قبل الصلاة] ثم وجدان نفس ما كان يشك فيه. و قول الامام ( (في موضع منه)) مقدّمة لقوله ( (ثمّ رأيته)) و للاستفادة من وحدة الموضع وحدة النجاسة.

الكلمة الثانية: لم نجد وجها لإرادة العلم الإجمالي.

الكلمة الثالثة: مراد المصنّف [(قدس سره)‏] من قوله ( (و إن لم تشك)) في الاحتمال الاوّل هو و إن لم تشك شكّا بدويا [و انت ملتفت‏] و هو يعني القطع بعدم النجاسة.

و مراده من ( (صورة عدم وجود شك سابق و مفاجأة النجاسة للمصلّي في الاثناء)) ما يساوق الغفلة عن احتمال وجود نجاسة، و لا سيّما لمقابلتها لصورة ( (الشك البدوي السابق ثم وجدان نفس ما كان يشك فيه)) و التي تعني صورة وجود التفات و احتمال للنجاسة قبل الصلاة.

و سيأتي تفصيل الكلام عن الشقّ الثاني من السؤال السادس بعد بضع صفحات [في المقام الثاني ص 26].

الكلمة الرابعة: إنّه قد سبق منا- في التعليقة الأخيرة على السؤال الثالث- القول بانّ قول زرارة ( (فرأيت فيه)) يحتمل وجهين بمعنى انّه يحتمل ارادة احدهما او كليهما، فعلى احتمال ارادة وحدة النجاسة يكون الامام قد افتاه بصحّة الصلاة رغم وقوعها

19

و النتيجة المفهومة واحدة على التقديرين، و هي ان النجاسة المرئية في اثناء الصلاة إذا علم بسبقها بطلت الصلاة و إلّا جرى استصحاب الطهارة و كفى غسلها و إكمال الصلاة.

و قد ادّعي في كلمات الشيخ الانصاري وقوع التعارض بين هذه الفتوى في الرواية و الفتوى الواقعة في جواب السؤال الثالث إذا حملت على الفرضيّة الثالثة، إذ في كلتا الحالتين وقعت الصلاة في النجاسة جهلا إمّا بتمامها- كما في مورد السؤال الثالث- او بجزء منها- كما في مورد السؤال السادس-، فكيف حكم بصحّة الصلاة في الاوّل و بطلانها في الثاني؟

و الجواب: إنّ كون النجاسة قد انكشفت و علمت في اثناء الصلاة قد يكون له دخل في عدم العفو عنها، فلا يلزم من العفو عن نجاسة لم تعلم اثناء الصلاة العفو عن نجاسة علمت كذلك.

هذا حاصل الكلام في فقه الرواية. و امّا تفصيل الكلام في موقعي الاستدلال فيقع في مقامين:

____________

بمجموعها مع النجاسة، و امّا في الشق الاوّل من السؤال السادس فقد افتى الامام بنقض الصلاة و إعادتها و ذلك لوقوع بعضها مع النجاسة، فيتراءى في النظرة الاولى وجود تناقض في كلامي الامام و هما:

. صحّة الصلاة مع وقوعها بمجموعها مع النجاسة.

. و بطلان الصلاة مع وقوع بعضها مع النجاسة.

و هذا ما أثار الشيخ الانصاري فقال كلامه الآتي. [راجع الرسائل الجديدة ص 353]

20

* المقام الاوّل: في الموقع الاوّل، و الكلام فيه في جهات:

الجهة الاولى: ان الظاهر من جواب الامام تطبيق الاستصحاب لا قاعدة اليقين، و ذلك لأنّ تطبيق الامام لقاعدة على السائل متوقّف على ان يكون كلامه ظاهرا في تواجد اركان تلك القاعدة في حالته المفروضة، و لا شك في ظهور كلام السائل في تواجد اركان الاستصحاب من اليقين بعدم النجاسة حدوثا و الشك في بقائها، و امّا تواجد اركان قاعدة اليقين فهو متوقّف على ان يكون قوله: «فنظرت فلم أر شيئا ...» مفيدا لحصول اليقين بعدم النجاسة حين الصلاة بسبب الفحص و عدم الوجدان، و ان يكون قوله «فرأيت فيه» مفيدا لرؤية نجاسة يشك في كونها هي المفحوص عنها سابقا، مع‏ (1) انّ العبارة الاولى ليست ظاهرة عرفا في افتراض حصول اليقين حتّى لو سلّمنا ظهور العبارة الثانية في الشك.

الجهة الثانية: ان الاستصحاب هل اجري بلحاظ حال الصلاة او بلحاظ حال السؤال؟ و توضيح ذلك: ان قوله «فرأيت فيه» ان كان ظاهرا

____________

(1) قوله «مع ان العبارة ...» جواب على توهّم ارادة قاعدة اليقين.

(بيان التوهّم) قد يقال انّ نظر السائل في الفقرة الثالثة الى قاعدة اليقين بدليل حصول اليقين عنده من فحصه عن النجاسة و عدم وجدانه لها، ثم بعد الصلاة رآها فشك في صحّة اعتقاده الأول، و هذا مورد قاعدة اليقين. (فأجاب) سيدنا الماتن (رحمه اللّه) على هذا التوهّم بأن قول السائل «فنظرت فلم أر شيئا» ليس ظاهرا في حصول اليقين بعدم النجاسة ... و (كان) الأولى أن يقول رضي اللّه عنه مع ان عدم وجدانه للنجاسة ليس ظاهرا عرفا ..

21

في رؤية نفس ما فحص عنه سابقا (1) فلا معنى لاجراء الاستصحاب فعلا، كما انّ قوله «فنظرت فلم أر شيئا» إذا كان ظاهرا في حصول اليقين بالفحص فلا معنى لجريانه حال الصلاة (2).

و الصحيح: أنّه لا موجب لحمل قوله «فرأيت فيه» على رؤية ما يعلم بسبقه، فانّ هذه عناية اضافية تحتاج الى قرينة عند تعلّق الغرض بافادتها، و لا قرينة، بل حذف المفعول‏ (3) بدلا عن جعله ضميرا راجعا الى النجاسة المعهود ذكرها سابقا يشهد لعدم افتراض اليقين بالسبق‏ (4).

و عليه فالاستصحاب جار بلحاظ حال السؤال‏ (5)، و يؤيّد ذلك ان قوله «فنظرت فلم أر شيئا» و إن لم يكن له ظهور في حصول اليقين‏ (6) ... و لكنه ليس له ظهور في خلاف ذلك، لانّ افادة حصوله‏

____________

(1) كما في مثال المني المذكور في سؤال زرارة، فانّ كلام زرارة- كما ذكرنا قبل قليل- يحتمل إرادة مثال من استمنى قبل ساعة مثلا فشك في إصابة المني لثوب معيّن فصلّى فيه، و بعد الصلاة رأى نفس تلك النجاسة التي ظنّ بحصولها و لم يجدها. و في هذه الحالة يكون ظرف جريان الاستصحاب هو حال الصلاة لانه كان شاكا وجدانا حال الصلاة فاستصحب‏

(2) لانّه كان على يقين من الطهارة حال الصلاة فلا محلّ للاستصحاب ح‏

(3) أي لو كان مراد السائل من قوله «فرأيت فيه» المنيّ لذكر هذا المفعول به، فحذفه يشهد لعدم افتراض اليقين بالسبق و ذلك لاحتمال أن تكون النجاسة المشكوك فيها هي دم الرعاف و قد حدثت بعد الصلاة

(4) اي بسبق النجاسة او قل «يشهد لعدم افتراض اليقين بوحدة النجاسة»

(5) لاحتمال ان تكون النجاسة قد عرضت بعد الصلاة

(6) أي و ان لم يكن قول زرارة «فنظرت فلم أر شيئا» ظاهرا في حصول اليقين‏

22

بمثل هذا اللسان عرفية، فكيف يمكن تحميل السائل افتراض الشك حال الصلاة و افتاؤه بجريان الاستصحاب حينها؟ (*)

و ليس في مقابل تنزيل الرواية على إجراء الاستصحاب بلحاظ حال السؤال إلّا استبعاد استغراب زرارة من الحكم بصحّة الصلاة حينئذ، لأنّ فرض ذلك‏ (1) هو فرض عدم العلم بسبق النجاسة، فأي استبعاد في ان‏

____________

بعدم النجاسة بعد الصلاة و لكنه ليس له ظهور في خلاف ذلك لانّ إفادة حصول اليقين بعدم النجاسة قبل الصلاة بمثل هذا اللسان عرفية، فمن طبيعة العرف ان يعبّر- بدلا عن قوله فنظرت فاعتقدت ان لا يوجد نجاسة- بقوله فنظرت فلم أر شيئا و يقصد فاعتقدت ان لا يوجد نجاسة

(1) أي صحّة الصلاة. و مراده (قدس سره) ان يقول: ان استغراب زرارة قرينة على ان مراد زرارة مثال المني و نحوه مما فيه فرض سبق النجاسة و وحدتها، فكأنّ زرارة

يتساءل كيف تصحّ الصلاة مع العلم بوقوعها مع النجاسة؟! فانّ زرارة يتوقع ان فرض صحة الصلاة انما يكون مع فرض عدم العلم بسبق النجاسة لا مع العلم بوجود النجاسة اثناء الصلاة. فمع احتمال إرادة مثال المني و فرض العلم بسبق النجاسة لا يصحّ إجراء الاستصحاب حال السؤال (أي بعد الصلاة)، فما ذا يستصحب بعد الصلاة، هل يستصحب عدم ثبوت النجاسة مع انّه يعلم بوجودها اثناء الصلاة بل قبلها؟! إذن يتعيّن ان يكون ظرف جريان الاستصحاب هو حال الصلاة فقط

(*) أقول ان كان قوله ( (نظرت فلم أر شيئا)) أعم من حصول الاعتقاد بالطهارة و عدم حصوله- كما هو الصحيح عندنا و عند سيدنا الشهيد- فمعنى ذلك امكان جريان الاستصحاب حال الصلاة أيضا على فرض وجود احتمال قبل الصلاة عند السائل في طروء نجاسة

23

يحكم بعدم إعادة صلاة لا يعلم بوقوعها مع النجاسة؟

فالاستبعاد المذكور قرينة على انّ المفروض حصول اليقين للسائل بعد الصلاة بسبق النجاسة، و من هنا استغرب الحكم بصحّتها، و هذا يعني ان إجراء الاستصحاب انّما يكون بلحاظ حال الصلاة لا حال السؤال.

و لكن يمكن الرّدّ على هذا الاستبعاد بانّه لا يمتنع ان يكون ذهن زرارة مشوبا بأنّ المسوّغ للصلاة مع احتمال النجاسة الظن بعدمها الحاصل من الفحص، و حيث ان هذا الظنّ يزول بوجدان النجاسة بعد الصلاة على نحو يحتمل سبقها كان زرارة يترقّب ان لا يكتفي بالصلاة الواقعة، فان تمّ هذا الرد (*) فهو، و الّا ثبت تنزيل الرواية على إجراء الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة (1)، و يصل الكلام حينئذ الى الجهة الثالثة.

الجهة الثالثة: إنّا إذا فرضنا كون النجاسة المكشوفة معلومة السبق‏

____________

(1) تأييدا لاستغراب زرارة فانّ زرارة يستغرب كيف يصح الاستصحاب حال الصلاة و الحال انه تبيّن للمكلّف انه قد صلّى بالمني. إذن المراد من الاستصحاب في الرواية الاستصحاب حال الصلاة

(*) و هو لا يتم كما عرفت في التعليقات السابقة، إضافة الى استبعاد ان يكون ( (ذهن زرارة مشوبا بان يكون المسوّغ للصلاة مع احتمال النجاسة الظنّ بعدمها الحاصل من الفحص))، بل القريب جدّا ان يكون اقدامه على الصلاة في هذه الحالة مبنيّا على إجراء الاستصحاب قبل الصلاة و حالها.

و على أيّ حال إنّ إعطاء مثالي دم الرعاف و المني قرينة واضحة على إمكان ان يريد من ( (فرأيت فيه)) نفس النجاسة السابقة، او الأعم من السابقة و الجديدة كما في دم الرّعاف‏

24

[كالمني‏] و ان الاستصحاب انّما يجري بلحاظ حال الصلاة ... فكيف يستند في عدم وجوب الاعادة الى الاستصحاب مع انّه حكم ظاهري يزول بانكشاف خلافه و مع زواله و انقطاعه لا يمكن ان يرجع إليه في نفي الاعادة؟.

و قد اجيب على ذلك (تارة) بأن الاستناد الى الاستصحاب في عدم وجوب الاعادة يصحّ إذا افترضنا ملاحظة كبرى مستترة في التعليل، و هي إجزاء امتثال الحكم الظاهري عن الواقع ... (و اخرى) بانّ الاستناد المذكور يصحّ إذا افترضنا ان الاستصحاب او الطهارة الاستصحابية بنفسها تحقق فردا حقيقيّا من الشرط الواقعي للصلاة بأن كان الشرط الواقعي هو الجامع بين الطهارة الواقعية و الطهارة الظاهرية (1)

____________

(1) أثار السيد الشهيد (قدس سره) هذا البحث في الجزء الاوّل تحت عنوان «التصويب بالنسبة الى بعض الاحكام الظاهرية»، و في الجزء الثالث تحت عنوان «الاصول التنزيلية و المحرزة» و في بحث الاجزاء. و على اي حال لا بأس بالتذكير هنا بأن هذا الجواب الثاني هو لصاحب الكفاية ذكره في بحث الاجزاء، راجع قوله و التعليق عليه في هذا الكتاب لتعرف ان ما ذكره صحيح و هو قوله «المقام الثاني: في اجزاء الاتيان بالمامور به بالامر الظاهري و عدمه و التحقيق ان ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف و تحقيق متعلّقه و كان بلسان تحقق ما هو شرطه او شطره كقاعدة الطهارة او الحلّية بل و استصحابها في وجه قوي و نحوها بالنسبة الى كل ما اشترط بالطهارة او الحلية يجزئ، فان دليله يكون حاكما على دليل الاشتراط و مبيّنا لدائرة الشرط و انه اعم من الطهارة الواقعية و الظاهرية، فانكشاف الخلاف فيه‏

25

____________

لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه» (*) (*) (أقول) صيغة التنزيل معروفة و مثالها من القرآن الكريم ( (لو لا جاءوا عليه باربعة شهداء، فاذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون)) [النور- 13] مع انهم قد يكونون صادقين باعتقادهم بل واقعا هذا من جهة، و أمّا بالنسبة الى التنزيل في اصالة الطهارة فقد بيّنا سابقا ظهور معنى التنزيل من موثّقة عمار عن الامام الصادق (عليه السلام) من تفسير الامام ل ( (كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر)) بقوله ( (فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك)) فراجع الجزء الاوّل ص 74- 75.

و اما بالنسبة الى اصالة الحل فكذلك يظهر من ادلّة الحلّ كصحيح عبد الله بن سنان عن الصادق [ع‏] ( (كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)) و امثالها التنزيل و جعل المشكوك الحرمة حلالا تعبّدا و ليس هاهنا محل تبيين هذا الامر، و على أي حال فحكومتها على أدلّة اشتراط الحلّية ظاهرية لاختلاف رتبتي الدليل الحاكم و الدليل المحكوم كما هو واضح، بخلاف حكومة ( (لا ربا بين الوالد و ولده)) على دليل ( (الربا حرام)) فانها واقعية لوحدة رتبتيهما في مرتبة الواقع.

و كذلك الامر بالنسبة الى تنزيليّة الاستصحاب- على مبنانا السالف الذكر في فهم أدلته- فانها واضحة أيضا، و ذلك لأنّ معنى ( (و لا تنقض اليقين أبدا بالشك)) و ما يجري مجراها هو انك على يقين تعبّدا من بقاء الحالة السابقة، و بما أنّ اليقين هنا مأخوذ بنحو المرآتية- بقرينة صحيحة عبد الله بن سنان و غيرها- فيصير المعنى هكذا: لا تنقض ثبوت الحالة السابقة بمجرّد الشك أبدا، فهي لا تزال باقية تعبّدا، و هذه من الصيغ الواضحة في ارادة التنزيل. هذا على مبنى التعبّد ببقاء الحالة السابقة. و امّا على مبنى التعبّد ببقاء اليقين فالأمر أوضح.

و على أساس ما ذكرنا تعرف وجه تعليل عدم إعادة الصلاة بقاعدة الاستصحاب، و هو أنه كان أثناء صلاته منزّلا منزلة الطاهر.

«تنبيه» كل حالات التنزيل تفيد بمقدار علمنا بنظر الشارع، فان لم نعلم بنظر الشارع المقدّس‏

26

إذ بناء على ذلك تكون الصلاة واجدة لشرطها حقيقة.

الجهة الرابعة: انه بعد الفراغ عن دلالة المقطع المذكور على الاستصحاب .. نقول: إنه ظاهر في جعله على نحو القاعدة الكلّية، و لا يصحّ حمل اليقين و الشك على اليقين بالطهارة و الشك فيها خاصّة، لنفس ما تقدّم من مبرّر للتعميم في الرواية السابقة، بل هو هنا أوضح لوضوح الرواية في أن فقرة الاستصحاب وردت تعليلا للحكم، و ظهور كلمة «و ليس ينبغي» في الاشارة الى مطلب مركوز و عقلائي. و على هذا فدلالة المقطع المذكور على المطلب تامّة.

* المقام الثاني: في الموقع الثاني من الاستدلال،

و هو قوله (عليه السلام) «و إن لم تشك ..» في جواب السؤال السادس.

____________

من هذا التنزيل الى آثار معيّنة فلا نستطيع ان نتمسّك باطلاق هذا التنزيل لاثباتها، لامكان التفكيك في الامور التعبدية.

مثال ذلك اننا قلنا قبل اسطر ان لسان قاعدة الحلّية لسان تنزيل، و لكن هل معنى هذا التنزيل امكان اثبات طهارة مدفوع هذا الحيوان المشكوك الحلّية؟! بالتاكيد لا يمكن، لعدم علمنا بنظر الشارع المقدّس إلى اثبات هذا اللازم، و هكذا الامر بالنسبة الى غيرها كقاعدة الطهارة، فانّنا- رغم قولنا بتنزيلية هذه القاعدة- ان وجدنا لحما في صحراء و قلنا بطهارته بناء على هذا الدليل فهل يلزم من هذا التنزيل القول بتذكية اللحم أيضا؟! و كذا القول بالنسبة إلى الاستصحاب، فانه و ان كان لسانه لسان استصحاب اليقين و هو معنى التنزيل، و لكن رغم ذلك لا يمكن لنا بهذا التنزيل اثبات لوازم الاستصحاب .... و سيأتيك في بحث ( (الاستصحاب اصل او امارة)) تكملة لهذا الكلام فراجع‏

27

و توضيح الحال في ذلك: ان عدم الشك هنا تارة يكون بمعنى القطع بعدم النجاسة، و اخرى بمعنى عدم الشكّ الفعلي الملائم مع الغفلة و الذهول أيضا.

فعلى الاوّل: تكون اركان الاستصحاب مفترضة في كلام السائل و كذلك اركان قاعدة اليقين، أمّا الافتراض الاوّل فواضح، و أمّا الافتراض الثاني فلأنّ اليقين حال الصلاة مستفاد بحسب الفرض من قوله «و إن لم تشك»، و الشك في خطأ ذلك اليقين قد تولّد عند رؤية النجاسة أثناء الصلاة مع احتمال سبقها. و عليه فكما يمكن تنزيل القاعدة في جواب الامام على الاستصحاب كذلك يمكن تنزيلها على قاعدة اليقين، غير انّه يمكن تعيين الاوّل بلحاظ ارتكازيّة الاستصحاب و مناسبة التعليل و التعبير ب «ليس ينبغي» لكون القاعدة مركوزة، و أمّا قاعدة اليقين فليست مركوزة.

هذا مضافا إلى أنّ استعمال نفس التركيب الذي اريد منه الاستصحاب في جواب السؤال الثالث في نفس الحوار يعزّز. لوحدة السياق. ان يكون المقصود واحدا في المقامين.

و على الثاني: يكون الحمل على الاستصحاب أوضح، إذ لم يفترض حينئذ في كلام الامام اليقين بعدم النجاسة حين الصلاة لكي تكون اركان قاعدة اليقين مفترضة، فيتعيّن بظهور الكلام حمل القاعدة المذكورة على ما فرض تواجد اركانه و هو الاستصحاب، و هكذا تتّضح دلالة المقطع الثاني على الاستصحاب أيضا.

28

الرواية الثالثة:

و هي رواية زرارة «عن أحدهما (عليه السلام) قال: قلت له: من لم يدر في أربع هو ام في ثنتين و قد احرز الثنتين؟ قال: يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهّد و لا شي‏ء عليه، و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد احرز الثلاث قام فاضاف إليها ركعة اخرى و لا شي‏ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشكّ، و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكن ينقض الشك باليقين، و يتمّ على اليقين فيبني عليه، و لا يعتدّ بالشك في حال من الحالات» (*).

____________

(*) الاستبصار ج 1/ ابواب السهو و النسيان/ باب من شك في اثنتين و اربعة، و التهذيب كتاب الصلاة/ باب احكام السهو في الصلاة و ما يجب منه إعادة الصلاة/ 10/ ح. 41 و جامع احاديث الشيعة ج 6/ في الخلل/ باب 24/ ح 4/ ص 335.

و سند هذه الرواية صحيح بلا شك، و طريق الكليني لها في الكافي هو علي بن إبراهيم عن ابيه عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة و رواها الكليني في الكافي أيضا عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حمّاد بن عيسى أيضا عن حريز عن زرارة ....

و يقع الكلام في مقامين: المقام الاوّل: في الدليل على كون محمد بن إسماعيل المذكور هو النيسابوري دون غيره، فاقول: إنما عرفنا انّه النيسابوري من مجموع مقدّمتين:

(المقدمة الاولى): من حيث تناسب الطبقات، بيان ذلك:

ان الكليني يروي عن محمّد بن إسماعيل في 758 موردا على ما ذكر السيد الخوئي [(قدس سره)‏] في معجمه [ج 18 ص 55] من دون تمييزه، و قال في ج 15 ص 84 ( (أقول: رواية محمّد بن يعقوب عن محمّد بن اسماعيل و روايته عن الفضل بن شاذان كثيرة

29

____________

جدا و قد بلغ 761 موردا، و سنبيّن انه محمّد بن اسماعيل ابو الحسن النيسابوري الآتي)) انتهى كلامه، و هذا يعني أنّه كان علما في زمانه مميّزا و واضحا ... و بالتالي تخرج الاسماء المهملة و المجهولة، و يتعيّن في الاشخاص ذوي الكتب و العلم و هم خمسة فقط: 1- محمّد بن اسماعيل بن رجا [الطبقة السادسة، توفي في ايام الامام الرضا (عليه السلام)‏].

2- محمّد بن اسماعيل بن بزيع [الطبقة السادسة، و قد ادرك الائمة الكاظم و الرضا و الجواد] ثقة.

3- محمّد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني [الطبقة السادسة، لقي اصحاب الامام الصادق (عليه السلام) ثقة عين.

4- محمّد بن اسماعيل بن احمد بن بشير البرمكي [الطبقة السابعة و التي هي طبقة الامام الهادي (عليه السلام)‏] ثقة.

5- محمّد بن إسماعيل ابو الحسن النيسابوري، و يدعى بندفر 1 [الطبقة الثامنة]. و بما ان طبقة الكليني [الطبقة التاسعة] لا تناسب اي واحد من ابناء السادسة بوجه، لكون وفاة الشيخ الكليني ما بين عامي 328 و 329، اي ان زمان حياته كان في عصر الغيبة الصغرى [260- 329]، فيتعيّن ان يكون محمّد بن إسماعيل هذا إمّا البرمكي و امّا النيسابوري.

امّا احتمال ان يكون البرمكي فبعيد ايضا لأنّه كان في طبقة الإمام الهادي (عليه السلام) شيخا يروى عنه‏ 2 مما يعني ان زمان وفاته كان في ايّام الامام الهادي او ما يقاربه حيث لم يكن الشيخ الكليني قد ولد او انه كان في أوائل سني حياته، و لذلك تراه في الكافي يروي عن محمّد بن اسماعيل البرمكي بواسطة محمّد بن جعفر الاسدي في موارد كثيرة و كذلك الكشي [من طبقة الكليني‏] كان يروي عن محمد بن إسماعيل البرمكي بواسطة 3.

و أمّا احتمال ان يكون النيسابوري فالأولى ان نجعله في المقدّمة الثانية.

(المقدمة الثانية): لقد ثبت ان الذي يروي عن الفضل بن شاذان [الطبقة

30

____________

السابعة] هو النيسابوري، و لم تثبت رواية غيره عنه مطلقا 4 فالكشّي [الذي هو من طبقة الكليني كما قلنا] قد روى عن محمّد بن اسماعيل النيسابوري عن الفضل بن شاذان النيسابوري في عدّة موارد 5.

كل هذا يجعل الإنسان يطمئن بكون محمّد بن اسماعيل هذا هو النيسابوري و قد جزم السيد البروجردي بكونه النيسابوري‏ 6.

(المقام الثاني) في وثاقة النيسابوري هذا فأقول:

. لقد استدلّ السيد الخوئي [(قدس سره)‏] في معجمه على وثاقته بوقوعه في كامل الزيارات و هذا المبنى ضعيف، يذكر وجه ضعفه في محلّه‏ 7.

. و إنّما نحكم بوثاقته من جهة اكثار الكليني الرواية عنه جدّا في كتابه الكافي [كما قرأت قبل قليل‏]، و قد قال هذا الشيخ الجليل الثقة في مقدّمة كتابه في جواب من قال له انّه يحب ان يكون عنده كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم و يرجع اليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدين و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين [(عليهم السلام)‏]، فقال [(قدس سره)‏] ( (و قد يسّر الله و له الحمد تاليف ما سالت و ارجو ان يكون بحيث توخّيت))، فلا أقلّ من الحكم بوثاقة مشايخه رحمهم الله و هو الخبير في الرجال و له في هذا العلم كتاب، و إن ابيت ايضا فلا اقلّ من الاقتصار على من اكثر عنه الرواية كثيرا بعد عدم احتمال جهالته عنده فضلا عن علمه بكذبه، و مع الاخذ بعين الاعتبار أيضا كثرة تدقيق العلماء في الرواة بعد وفاة الامام الصادق (عليه السلام) 8 حتّى‏ (1) و في بعض النسخ بندقر، و في بعضها بندقي.

(2) إذ ان محمّد بن جعفر الأسدي (المتوفى سنة 312) الذي روى عن الامام الهادي (عليه السلام) روى عن محمّد بن إسماعيل البرمكي كتابه إلى من بعده.

(3) راجع المعجم ج 15 ص 90.

(4) راجع معجم رجال الحديث ج 13 ص 299 و ج 15 ص 92.

(5) راجع معجم رجال الحديث ج 15 ص 90.

(6) راجع معجم الثقات ص 103.

(7) راجع بحوث في علم الرجال ص 54.

(8) يظهر ذلك من مقولات الشيخ الطوسي و الشيخ النجاشي، فقد قال الاوّل:

31

____________

انهم كانوا يعيبون على من يكثر من رواية المراسيل و الرواية عن المجاهيل أو الضعفاء. و بعد الذي ذكرناه يكون التردد في وثاقة النيسابوري من وساوس الشيطان أعاذنا الله منه.

«إنا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الاخبار فوثقت الثقات منهم و ضعّفت الضعفاء، و فرّقت بين من يعتمد على حديثه و روايته و بين من لا يعتمد على خبره، و مدحوا الممدوح منهم و ذمّوا المذموم، و قالوا فلان متهم في حديثه و فلان كذّاب .... و غير ذلك من الطعون التي ذكروها، و صنّفوا في ذلك الكتب ...

و قال الثاني في مواضع من فهرسته: ذكره اصحاب الرجال، ذكر في الفهرستات، ذكره اصحابنا في الرجال ...

و قال السيد الخوئي في مدخل معجم رجاله ج 1 ص 42 «و قد بلغ عدد الكتب الرجالية من زمن الحسن بن محبوب إلى زمان الشيخ نيفا و مائة كتاب على ما يظهر من النجاشي و الشيخ و غيرهما، و قد جمع ذلك البحاثة الشهير المعاصر الشيخ آقا بزر الطهراني في كتابه مصفى المقال» انتهى كلامه رفع مقامه.

و يحسن ان نذكر بعضا ممّن الّف في علم الرجال إلى زمان الشيخ الكليني (قدس سره) فمن رجال الطبقة السادسة: الحسن بن محبوب و الحسن بن علي بن فضّال و عبد الله بن جبلّة.

و من الطبقة السابعة علي بن الحسن بن علي بن فضّال و محمّد بن عيسى و أحمد بن الحسين بن عبد الملك.

و من الطبقة الثامنة احمد بن علي بن محمّد بن جعفر و حميد بن زياد و سعد بن عبد الله.

و من الطبقة التاسعة ثقة الاسلام الكليني (محمّد بن عمر بن عبد العزيز) و ابو غالب الزراري (احمد بن محمّد بن سليمان) و احمد بن محمّد بن عمار و احمد بن محمد الزيدي و الحمزة بن القاسم بن علي و عبد العزيز بن يحيى الجلودي و ابو بكر الجعابي المعروف بابن الجعابي (محمّد بن عمر بن محمد) و محمد بن الحسن المحاربي و ابن عقدة (ابو العباس احمد بن محمّد بن سعيد).

ثمّ بعد الكليني استمرّ الاهتمام برجال الحديث، فممّن كتب من‏

الطبقة العاشرة: محمّد بن احمد بن داود (شيخ القميين في وقته و فقيههم) و الشيخ الصدوق، و من الطبقة الحادية عشر: احمد بن محمّد بن عبيد الله بن عيّاش و احمد بن محمد بن نوح (ابو العبّاس السيرافي).

و من الطبقة الثانية عشر: ركنا الرجاليين الشيخان النجاشي و الطوسي ... (راجع بحوث في علم الرجال ص 130 و غيره)

32

و فقرة الاستدلال في هذه الرواية تماثل ما تقدّم في الروايتين السابقتين، و هي قوله «و لا ينقض اليقين بالشك ...».

و تقريبه ان المكلّف في الحالة المذكورة على يقين من عدم الاتيان بالرابعة في بادئ الامر، ثم يشك في اتيانها، و بهذا تكون اركان الاستصحاب تامّة في حقّه، فيجري استصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة، و قد افتاه الامام على هذا الاساس بوجوب الاتيان بركعة عند الشك المذكور، و استند في ذلك الى الاستصحاب المذكور معبّرا عنه بلسان «و لا ينقض اليقين بالشك». و لكن يبقى على هذا التقريب ان يفسّر (1) لنا النكتة في تلك الجمل المتعاطفة بما استعملته من الفاظ متشابهة من قبيل: عدم إدخال الشك في اليقين، و عدم خلط احدهما بالآخر، فان ذلك يبدو غامضا بعض الشي‏ء.

____________

(1) فاعل «يفسّر» هو التقريب‏

قال الشيخ التجليل في معجم ثقاته ص 103 ( (و قد حكم العلّامة في مسألة عدد التسبيحات في ( (المنتهى)) ص 275 و المختلف ص 92 و غيرهما من كتبه بصحّة حديث يرويه عن زرارة و هو في طريقه، و كذا الشهيد في الذكرى [مسألة 11 من قراءة الصلاة]، راجع الوسائل ج 20 ص 316 رقم 984.

و إن احتملت انّه البرمكي- رغم ضعف هذا الاحتمال- فهو ثقة، صرّح بذلك النجاشي.

و قد تعمّدنا إثارة الطريق الثاني من السند المذكور لما فيه من فوائد للطالب و إلّا فالطريق الاوّل لا إشكال فيه‏

33

و قد اعترض على الاستدلال المذكور باعتراضات:

الاوّل: دعوى ان اليقين و الشك في فقرة الاستدلال لا ظهور لهما في ركني الاستصحاب، بل من المحتمل ان يراد بهما اليقين بالفراغ و الشك فيه‏ (1)، و محصّل الجملة حينئذ أنّه لا بد من تحصيل اليقين بالفراغ، و لا ينبغي رفع اليد عن ذلك بالشك و مجرّد احتمال الفراغ، و هذا اجنبي عن الاستصحاب.

و الجواب: ان هذا الاحتمال مخالف لظاهر الرواية، لظهورها في افتراض يقين و شك فعلا، و في ان العمل بالشك نقض لليقين و طعن فيه، مع أنّه بناء على الاحتمال المذكور لا يكون اليقين فعليّا و لا يكون العمل‏

____________

(1) المراد بهذا الكلام ان هذه الرواية ناظرة الى تطبيق القاعدة العقلية «الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» لا قاعدة الاستصحاب، فبناء على ارادة قاعدة الاشتغال يصير المعنى هكذا: لا يكتفى بالشك في الفراغ بل يقوم فيضيف ركعة أخرى حتّى يحصل عنده يقين بالفراغ‏*.

(*) (ملاحظة): (قد يقال) إنّ بين اصالة الاشتغال و قاعدة الاستصحاب تداخلا، فمن حيث مورديهما ترى ان مورد اصالة الاشتغال هو الشك في فراغ الذمّة مما قد علم بثبوته فيها سابقا، اما مورد الاستصحاب فاعمّ من ذلك، و امّا من حيث مفادهما، فمفاد اصالة الاشتغال هو لزوم العلم بفراغ الذمّة، و امّا مفاد قاعدة الاستصحاب فهو إحراز بقاء الحالة السابقة تعبّدا، (و لكن الصحيح) أنّ اصالة الاشتغال هي فرع من فروع الاستصحاب كما يتّضح ذلك بادنى تأمّل، فانك إذا تردّدت بين وجوب صلاة الجمعة و وجوب صلاة الظهر ثم صليت إحداهما، فان العقل هنا يستصحب بقاء اشتغال الذمّة حتّى يعلم بفراغها، و كذا الامر في اشباه هذا المورد

34

بالشك نقضا لليقين بل هو نقض لحكم العقل بوجوب تحصيله‏ (1).

____________

(1) ذكر السيد الشهيد (رحمه اللّه) هنا جوابين:

الاوّل: قوله بأن احتمال ارادة قاعدة الاشتغال مخالف لظاهر الرواية، لظهور الرواية في افتراض يقين و شكّ فعلا، مع أنّه- بناء على ارادة قاعدة الاشتغال- لا يكون اليقين فعليا، بل يكون اليقين مما يراد تحصيله بحكم العقل.

و الثاني: قوله (قدس سره) بانّ ارادة قاعدة الاشتغال تخالف ظاهر الرواية لظهور هذه الرواية في ان العمل بالشك نقض لليقين الفعلي و طعن فيه، مع انه بناء على ارادة قاعدة الاشتغال لا يكون العمل بالشك نقضا لليقين، بل يكون نقضا لحكم العقل بوجوب تحصيل اليقين بالفراغ‏*.

(*) [أقول‏] إنّ قوله (عليه السلام) ( (و لا ينقض اليقين بالشك)) يفهم منه وحدة متعلّقهما و إلّا فلا يصحّ التعبير بالنقض، و عليه يتعيّن ان يكون المتعلّق هو عدم الاتيان بالركعة الرابعة، و معنى ذلك ان الامام (عليه السلام) يريد ان يقول: لقد كان على يقين من عدم الاتيان بالركعة الرابعة ثم شك في الاتيان بها، و في مثل هذه الحالة عليه ان ( (لا ينقض اليقين بالشك)) و هو عين الاستصحاب.

هذا و لكن يمكن ان تحمل هذه الرواية على اصالة الاشتغال ايضا و ذلك بأن نقول- بعد التسليم بلزوم وحدة متعلقي اليقين و الشك- انه قد كان عنده يقين بعدم الاتيان بالركعة الرابعة ثم شك في الاتيان بها فهنا حكم الشارع المقدّس- كما يدرك العقل- بلزوم الاتيان بالركعة المشكوكة حتّى يعلم بفراغ ذمّته، و هذا كما ترى من موارد التداخل بين الاصالة و القاعدة.

و من هنا تعرف الجواب على جواب السيد الشهيد [(قدس سره)‏] عند ما قال: ( (و الجواب: انّ هذا الاحتمال ...))، فان اليقين و الشك في اصالة الاشتغال فعليّان كما

35

الاعتراض الثاني: ان تطبيق الاستصحاب على مورد الرواية متعذّر، فلا بد من تأويلها. و ذلك لأنّ الاستصحاب ليست وظيفته إلّا إحراز مؤدّاه و التعبّد بما ثبت له من آثار شرعيّة، و عليه فان اريد في المقام من استصحاب عدم إتيان الرابعة التعبّد بوجوب اتيانها موصولة كما هو الحال في غير الشاك ... فهذا يتطابق مع وظيفة الاستصحاب، و لكنه باطل من الناحية الفقهيّة جزما لاستقرار المذهب على وجوب الركعة المفصولة، و إن اريد من الاستصحاب المذكور التعبّد بوجوب اتيان الركعة مفصولة فهذا يخالف وظيفة الاستصحاب، لأنّ وجوب الركعة المفصولة ليس من آثار عدم الاتيان بالركعة الرابعة لكي يثبت باستصحاب العدم المذكور، و إنّما هو (1) من آثار نفس الشك في إتيانها.

____________

(1) يعني أنّه إن اريد من استصحاب عدم ثبوت الاتيان بالركعة الرابعة التعبّد بوجوب إتيانها مفصولة فهذا يخالف وظيفة الاستصحاب، لأنّ من آثار استصحاب عدم ثبوت الاتيان بالركعة الرابعة الموصولة وجوب الاتيان بالرابعة موصولة، و ان وجوب الركعة المفصولة انما يكون من آثار الشك في الاتيان بالركعة المفصولة (بمعنى انه إن شككنا في الاتيان بالركعة المفصولة و اجرينا استصحاب عدم الاتيان بها يترتب على هذا الاستصحاب وجوب الاتيان بالركعة المفصولة)

قلنا، و ثانيا إنّ العمل بالشك- بناء على إرادة اصالة الاشتغال- بأن لا يأتي بالركعة يكون ايضا نقضا لليقين و تغليبا للشك عليه.

نعم يمكن للسيد الشهيد [(قدس سره)‏] ان يستدلّ على ارادة قاعدة الاستصحاب من هذه الرواية من مركوزيّتها- و لو بنحو الاجمال- في أذهان العقلاء فضلا عن المتشرّعة، و لذلك تنصرف هذه التعابير- نحو و لا ينقض اليقين بالشك- الى خصوص الاستصحاب‏

36

و قد اجيب على هذا الاعتراض بأجوبة:

منها: ما ذكره المحقّق العراقي من اختيار الشقّ الاوّل‏ (1) و حمل تطبيق الاستصحاب المقتضي للركعة الموصولة على التقيّة مع الحفاظ على جدّيّة الكبرى و واقعيّتها، فأصالة الجهة و الجدّ النافية للهزل و التقيّة تجري في الكبرى دون التطبيق.

فان قيل: إنّ الكبرى إن كانت جدّيّة فتطبيقها صوري، و إن كانت صورية فتطبيقها بما لها من المضمون جدّي، فأصالة الجد في الكبرى تعارضها اصالة الجد في التطبيق .. كان الجواب: إن اصالة الجد في التطبيق لا تجري‏ (2) إذ لا اثر لها للعلم بعدم كونه تطبيقا جادّا لكبرى جادّة على أيّ حال، فتجري اصالة الجهة في الكبرى بلا معارض.

____________

(1) لا يخفى ان المراد بالشق الاوّل قوله السابق «فان اريد في المقام ....» و بالكبرى في قوله «على جدّية الكبرى» هو الاستصحاب، و باصالة الجهة اصالة الواقعية التي تقابل التقيّة، فالامام (عليه السلام) يريد جدّا و واقعا الاستصحاب و أمّا تطبيق الاستصحاب على هذا المورد فهو للتقيّة

(2) إنّما قدّم اصالة الجهة في كبرى الاستصحاب على اصالة الجهة في التطبيق لوجود طولية و ترتب بين الاصالتين، بمعنى انّه في المرحلة الاولى ننظر إلى حالة اليقين السابق بعدم الاتيان بالركعة الرابعة فنرى انّ هذا المورد مورد لجريان الاستصحاب و الاصل صدور الرواية لكشف الواقع (لا للتقية)، فيجري الاستصحاب بلا مانع، ثم بعد ذلك نرى ان أثر هذا الاستصحاب هو لزوم الاتيان بالرابعة موصولة، و بما ان كونها موصولة تخالف ما استقرّ عليه المذهب فيتعيّن ان نحمل تطبيق الاستصحاب هنا على التقيّة

37

و لكن الانصاف: ان الحمل على التقيّة في الرواية بعيد جدّا بملاحظة أن الامام قد تبرّع بذكر فرض الشك في الرابعة، و انّ الجمل المترادفة التي استعملها تدلّ على مزيد الاهتمام و التأكيد بنحو لا يناسب التقية (*).

و منها: ما ذكره صاحب الكفاية (رحمه اللّه) من ان عدم الاتيان بالركعة الرابعة له أثران: احدهما: وجوب الاتيان بركعة، و الآخر (1): مانعيّة التشهّد و التسليم قبل الاتيان بهذه الركعة، و مقتضى استصحاب العدم المذكور التعبّد بكلا الاثرين، غير ان قيام الدليل على فصل ركعة الاحتياط يخصّص دليل الاستصحاب و يصرفه الى التعبّد بالاثر الاوّل لمؤدّاه دون الثاني، فاجراء الاستصحاب مع التبعيض في آثار المؤدّى صحيح.

____________

(1) و الآخر هو كون الركعة الرابعة موصولة، و لم يقل هكذا بل ذكر لازمه‏

(*) بل يظهر من متن الرواية إرادة التقية كما قال الامام الخميني [(قدس سره)‏] و ذلك لظهورها البدوي في ارادة البناء على الاقل و الاتيان بركعة متّصلة الموافق للعامّة، مع ان بعض رواياتنا صرّحت بلزوم البناء على الاكثر [كما ورد في ح 1، و 2 و 3 من باب 22 من جامع احاديث الشيعة ج 5 ص 601] و التسليم ثم الاتيان بصلاة الاحتياط، [و قد ورد ذلك في اكثر من سبع عشرة رواية] بل ان الاشارة إلى فصل ركعة الاحتياط بقوله ( (و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط احدهما بالآخر)) فيها تكلّف كان يمكن الاستغناء عنه- لو لا التقيّة- بما هو أقصر قولا و أوضح بيانا كأن يقول مثلا كما في سائر الروايات ( (انصرف)) أو ( (سلّم)) ثم صلّى ركعتين و هو جالس .. و سينبّه المصنّف على ذلك في آخر الاعتراض الثاني ص 42

38

و نلاحظ على ذلك ان مانعيّة التشهّد و التسليم إذا كانت ثابتة (1) في الواقع- على تقدير عدم الاتيان بالرابعة موصولة- (2) .. فلا يمكن إجراء

____________

(1) كما هو الحال على مذهب العامّة، فانهم يعتبرون ان التشهد و التسليم بين الصلاة و ركعة الاحتياط مانعان من صحّة الصلاة

(2) و الاتيان بها مفصولة. و كان الأولى تحسين الاسلوب في هذه الملاحظة. و على اىّ حال فمراده من هذه الملاحظة ان يقول:

إنّه ان كان الواجب واقعا هي الركعة الموصولة. كما عليه رأي العامّة في هذه المسألة. فالركعة المفصولة لن تكون هي المصداق الواقعي للركعة المطلوبة على اي حال، لانه على فرض ان صلاته كانت واقعا اربع ركعات فهذه الركعة المفصولة لم تكن مطلوبة من الاصل واقعا، و على فرض انها كانت ثلاث ركعات فالاتيان بها مفصولة مخالف للواقع.

و اذا افترضنا ان رأي اصحابنا في هذه المسألة هو المصيب واقعا. بأن لم تكن الركعة الموصولة من آثار استصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة، و ان الذي يكون من آثار هذا الاستصحاب هو الاتيان بالركعة الرابعة مع غضّ النظر عن لزوم كونها موصولة أو مفصولة. فان قلنا بالفصل. كما هو فرض بحثنا. فهذا يعني أن التشهّد و التسليم يكونان مانعين من صحّة الصلاة إلّا في بعض حالات الشك، و هذا في الواقع تخصيص لدليل المانعيّة الواقعية، و ليس تخصيصا في آثار الاستصحاب، و الوجه في ذلك أن الظاهر من الامر بفصل الركعة ارادة قاعدة تغاير قاعدة الاستصحاب، و لك أن تسمّيها قاعدة البناء على اليقين، و هي قاعدة أجنبية تماما عن قاعدة الاستصحاب، فالعرف يرى أن الامر بالركعة المفصولة لم يكن بملاك الاستصحاب بدليل اشتراط فصل الركعة.

(أقول) لكن الامام (عليه السلام) أراد تطبيق قاعدة الاستصحاب هنا بوضوح فلا بأس بالالتزام بالتخصيص مع وجود دليل شرعي عليه‏

39

الاستصحاب مع التبعيض في مقام التعبّد بآثار مؤدّاه، لانّ المكلّف يعلم حينئذ وجدانا بانّ الركعة المفصولة التي يأتي بها ليست مصداقا للواجب الواقعي، لانّ صلاته التي شك فيها إن كانت اربع ركعات فلا أمر بهذه الركعة [المفصولة] و إلّا فقد بطلت بما أتى به من المانع بتشهّده و تسليمه، لانّ المفروض انحفاظ المانعية واقعا على تقدير النقصان.

و إذا افترضنا ان مانعيّة التشهد و التسليم ليست من آثار عدم‏ (1) الاتيان في حالة الشك ... فهذا يعني ان الشك في الرابعة أوجب تغيّرا في الحكم الواقعي و تبدّلا لمانعيّة التشهّد و التسليم الى نقيضها، و ذلك تخصيص في دليل المانعية الواقعيّة و لا يعني تخصيصا في دليل الاستصحاب كما ادّعي في الكفاية.

و منها: ما ذكره المحقّق النّائيني (قدس سره) من افتراض ان عدم الاتيان بالرابعة مع العلم بذلك موضوع واقعا لوجوب الركعة الموصولة، و عدم الاتيان بها مع الشك موضوع واقعا لوجوب الركعة المفصولة.

و على اساس هذا الافتراض إذا شك المكلّف في الرابعة فقد تحقّق احد الجزءين لموضوع وجوب الركعة المفصولة وجدانا و هو الشك، و أمّا الجزء الآخر و هو عدم الاتيان فيحرز بالاستصحاب‏ (2)، و عليه فالاستصحاب يجري لاثبات وجوب الركعة المفصولة بعد افتراض‏

____________

(1) يقصد «ليست من آثار استصحاب عدم ..» و الظاهر انه من سهو قلمه الشريف‏

(2) أي أنّه باستصحاب عدم الاتيان بالركعة نحرز عدم الاتيان بها

40

كونه‏ (1) ثابتا على النحو المذكور (2).

و هذا التصحيح‏ (3) للاستصحاب في المورد و إن كان معقولا غير ان حمل الرواية عليه خلاف الظاهر، لانّه يستبطن افتراض حكم واقعي بوجوب الركعة المفصولة على الموضوع المركّب من عدم الاتيان و الشك، و هذا بحاجة الى البيان مع ان الامام اقتصر على بيان‏

____________

(1) مرجع الضمير هو الاستصحاب، و مراده (رحمه اللّه) ان يقول: بعد افتراض استظهار الاستصحاب من هذه الرواية

(2) يرى المحقّق النائيني (قدس سره) ان موضوع الحكم ب «لزوم الاتيان بالركعة المفصولة» هو «عدم الاتيان بالركعة» و «الشك في الاتيان بها» و كأنّه رأى ان «الاتيان بالركعة» إنما لزم لثبوت «عدم الاتيان بالركعة» بالاستصحاب، و كونها «مفصولة» انّما لزم ل «الشك في الاتيان بالركعة» و ضرورة عدم ادخال الشك في اليقين و عدم خلط احدهما بالآخر. ثم إذا سألت المحقّق النائيني رضي اللّه عنه: من أين علمت ان المراد من هذه الرواية الاستصحاب؟

يجيب: بأنّه- إضافة الى ظهور نفس جملة «لا تنقض اليقين بالشك» الظاهرة في وحدة متعلقيها كما اوضحنا ذلك في التعليقة الثالثة ص قد علمنا بان موضوع الحكم ب «لزوم الاتيان بالركعة مفصولة» هو «عدم الاتيان بالركعة» و «الشك في الاتيان بها» فعند احراز الحكم نستكشف احراز الموضوع الذي منه «عدم الاتيان بالركعة»، و لا يحرز عدم الاتيان بالركعة إلّا بالاستصحاب، إذن فمراد الامام (عليه السلام) هو الاستصحاب‏

(3) خلاصة جواب سيّدنا الشهيد هو أنه لو كان مراد الامام (عليه السلام) إثبات «عدم الاتيان بالركعة» بالاستصحاب لكفتنا أصالة الاشتغال الثابتة بحكم العقل بلا حاجة الى التعبّد بالاستصحاب‏

41

الاستصحاب‏ (1) على الرغم من ان ذلك الحكم الواقعي المستبطن‏ (2) هو المهم، إذ مع ثبوته لا بد من الاتيان بركعة مفصولة حينئذ سواء جرى استصحاب عدم الاتيان أو لا، إذ تكفي نفس اصالة الاشتغال و الشك في وقوع الرابعة للزوم إحرازها (3). فالعدول في مقام البيان عن نكتة الموقف‏

____________

(1) الذي يثبت عدم الإتيان و الذي يفهم منه وجوب الركعة الموصولة، على الرغم من أن المهم هو ذكر وجوب الركعة المفصولة لا الاستصحاب، فان الاستصحاب ليست ضرورية في المقام إذ يمكن الاستغناء عنها بأصالة الاشتغال العقلية بلا حاجة الى إثبات قاعدة الاستصحاب‏

(2) و هو وجوب الركعة المفصولة

(3) اي للزوم الاتيان بالركعة المفصولة* (*) [أقول‏] يمكن للمحقّق النائيني [(قدس سره)‏] ان يجيب السيد الشهيد هنا بانّ إعطاء قاعدة عامّة في المقام ذو فائدة كبيرة اولى من إعطاء قاعدة خاصّة يدركها العقل.

و على أيّ حال فليس كلامنا في معرفة سبب وجوب الاتيان بالركعة هل انه الاستصحاب ام الاشتغال، انّما الكلام في معرفة سبب فصلها في حالة الشك، فنقول: أولا: إننا لا نفهم من ( (عدم الاتيان)) و ( (الشك)) إلا معنى ( (الشك في الاتيان)) فهو اذن موضوع بسيط، و حكمه الاستصحاب.

ثانيا: إنّ الاستصحاب في هذه الرواية وارد لاثبات وجوب الاتيان بالركعة بنحو الاهمال من حيث الوصل و الفصل و إنّما قلنا بالاهمال هنا لعدم امكان تطبيق الاستصحاب على ما نحن فيه بالتقريب السابق، و امّا اثبات فصلها فطريقتنا الى معرفته كلام الشارع المقدّس الذي عرفناه من هذه الرواية بنحو الاشارة [و ذلك كاشف عن وجود تقية فيها]، و عرفناه من خارجها، و لو لا الروايات الخاصّة في الباب لقلنا بوجوب وصل هذه الركعة انطلاقا من حكم الامام (عليه السلام) هنا بالاستصحاب‏

42

إلى ما يستغنى عنه ليس عرفيّا.

و من هنا يمكن ان يكون الاعتراض الثاني بنفسه قرينة (1) على حمل الرواية على ما ذكر في الاعتراض الاوّل‏ (2)، و إن كان خلاف الظاهر في نفسه، و بالحمل على ذلك يمكن ان نفسّر النهي عن خلط اليقين بالشك و ادخال احدهما بالآخر بأن المقصود التنبيه بنحو يناسب التقيّة على لزوم فصل الركعة المشكوكة عن الركعات المتيقّنة.

الاعتراض الثالث‏ (3): إن حمل الرواية على الاستصحاب متعذّر،

____________

(1) مراد السيد الشهيد هنا ان يقول:

أوّلا: إنّ هذا الاعتراض الثاني (الذي كان مفاده ان تطبيق الاستصحاب على ما نحن فيه غير ممكن) ثابت و صحيح.

ثانيا: إذن. و هروبا من هذا الاعتراض الثاني. يتعيّن علينا ان نحمل هذه الرواية على إرادة اصالة الاشتغال لا الاستصحاب، و إن كان ذلك. كما قال سابقا. خلاف الظاهر في نفسه.

ثالثا: و بعد أن حملنا هذه الرواية على ارادة اصالة الاشتغال يمكن ان نفسّر النهي عن خلط اليقين بالشك و ادخال احدهما بالآخر بان المقصود التنبيه. بنحو يناسب التقيّة. على وجوب فصل الركعة المشكوكة عن الركعات المتيقّنة

(2) و هو إرادة أصالة الاشتغال من هذه الرواية

(3) ذكره السيد الخوئي في مصباحه ج 3 ص 61 بقوله «و ذكر بعض الاعاظم ان الاستصحاب في الشك في عدد الركعات غير جار في نفسه‏

و امّا تحليلنا لسبب فصلها فهناك احتمالات و وجوه لا تخفى على من يقرأ الروايات التي ليس هاهنا محلّ ذكرها

43

لأنّ الاستصحاب لا يكفي لتصحيح الصلاة حتّى لو بني على اضافة الركعة الموصولة، و تجاوزنا الاعتراض السابق‏ (1)، لأنّ الواجب ايقاع التشهّد و التسليم في آخر الركعة الرابعة، و باستصحاب عدم الاتيان بالرابعة يثبت وجوب الاتيان بركعة، و لكن لو أتى بها فلا طريق لاثبات كونها رابعة بذلك الاستصحاب، لأنّ كونها كذلك لازم عقلي للمستصحب‏ (2) فلا يثبت، فلا يتاح للمصلّي إذا تشهّد و سلّم حينئذ اثبات‏ (3) أنّه قد اوقع ذلك في آخر الركعة الرابعة.

و قد أجاب السيد الاستاذ على ذلك بأنّ المصلّي بعد ان يستصحب عدم الاتيان و يأتي بركعة يتيقّن بأنّه قد تلبّس بالركعة الرابعة (4) و يشك في‏

____________

- مع قطع النظر عن الاخبار الخاصّة الدّالة على وجوب الاحتياط-، و ذلك لوجوب التشهّد و التسليم في الركعة الرابعة و في الشك بين الثلاث و الاربع، غاية ما يثبت بالاستصحاب عدم الاتيان بالركعة الرابعة، و بعد الاتيان بركعة اخرى لا يمكن اثبات كونها هي الركعة الرابعة ليقع التشهّد و التسليم فيها إلّا على القول بالأصل المثبت، و لا نقول به. و لعلّ هذا هو السرّ في إلغاء الفقهاء الاستصحاب في الشكوك الواقعة في عدد الركعات على ما هو المعروف بينهم، انتهى» هذا تمام ما أورده السيد الخوئي (قدس سره) من كلام المعترض‏

(1) اي سواء بني على الركعة الموصولة او على الركعة المفصولة لا يمكن ان نثبت بالاستصحاب كون التشهّد و التسليم قد وقعا في آخر الركعة الرابعة

(2) اي لازم عقلي لكون الركعة الاخيرة هي الثالثة

(3) كلمة «إثبات» غير موجودة في النسخة الاصلية و اثباتها اولى‏

(4) امّا الآن و اما قبل الاتيان بركعة الاحتياط

44

خروجه منها إلى الخامسة فيستصحب بقاءه في الرابعة.

و نلاحظ على هذا الجواب: ان الاستصحاب المذكور معارض باستصحاب عدم كونه في الرابعة، لأنّه يعلم إجمالا بأنّه إمّا الآن أو قبل ايجاده للركعة المبنيّة على الاستصحاب ليس في الرابعة، فيستصحب العدم و يتساقط الاستصحابان.

كما يلاحظ على اصل الاعتراض بأنّ اثبات اللازم العقلي بالاستصحاب ليس امرا محالا بل [إثباته‏] محتاج الى الدليل، فإذا توقّف تطبيق الاستصحاب في مورد الرواية على افتراض ذلك‏ (1) كانت بنفسها دليلا على الاثبات المذكور.

الرواية الرابعة:

و هي رواية عبد الله بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر: انّي أعير الذمّي ثوبي و أنا اعلم انّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ، فاغسله قبل ان اصلّي فيه؟ فقال ابو عبد الله (عليه السلام) «صلّ فيه و لا تغسله من اجل ذلك، فانك اعرته إياه و هو طاهر و لم تستيقن انّه نجّسه، فلا بأس ان تصلّي فيه حتّى تستيقن انّه نجّسه» (2).

____________

(1) اي على افتراض انك في الركعة الثالثة او في الركعة الرابعة و انه يجب عليك التشهد و التسليم كانت نفس هذه الرواية دليلا على إثبات اللازم العقلي تعبدا

(2) وسائل الشيعة ابواب النجاسات الباب 74 ح 1 ص 1095، و لا إشكال في صحّة سندها

45

و لا شك في ظهور الرواية في النظر إلى الاستصحاب لا قاعدة الطهارة، بقرينة اخذ الحالة السابقة في مقام التعليل، إذ قال: «فانّك اعرته اياه و هو طاهر» فتكون دالّة على الاستصحاب، نعم لا عموم في مدلولها اللفظي، و لكن لا يبعد التعميم باعتبار ورود فقرة الاستدلال مورد التعليل و انصراف فحواها إلى نفس الكبرى الاستصحابية المركوزة عرفا.

هذا هو المهم من روايات الباب‏ (1) و هو يكفي لاثبات كبرى الاستصحاب.

و بعد اثبات هذه الكبرى يقع الكلام في عدّة مقامات، إذ نتكلّم في روح هذه الكبرى و سنخها من حيث كونها امارة او أصلا و كيفية الاستدلال بها،

ثمّ في اركانها،

ثمّ في مقدار و حدود ما يثبت بها من آثار،

ثمّ في سعة دائرة الكبرى و مدى شمولها لكل مورد،

ثمّ في جملة من التطبيقات التي وقع البحث العلمي فيها.

فالبحث إذن يكون في خمسة مقامات كما يلي:

____________

(1) ذكر في الرسائل (فرائد الاصول) احدى عشرة رواية فراجع من ص 190 إلى ص 202. و ذكر في جامع الاحاديث ج 1 باب 9 حوالي تسع روايات في هذا المجال‏

46

الاستصحاب أصل أو أمارة؟

قد عرفنا سابقا (1) الضابط الحقيقي للتمييز بين الحكم الظاهري في باب الامارات و الحكم الظاهري في باب الاصول، و هو أنه كلما كان الملحوظ فيه أهميّة المحتمل كان اصلا ... و كلما كان الملحوظ قوّة الاحتمال و كاشفيته محضا كان المورد امارة.

و على هذا الضوء إذا درسنا الكبرى المجعولة في دليل الاستصحاب واجهنا صعوبة في تعيين هويّتها و دخولها تحت احد القسمين، و ذلك لأنّ ادخالها في نطاق الامارات يعني افتراض كاشفية الحالة السابقة و قوّة احتمال البقاء، مع انّ هذه الكاشفية لا واقع لها- كما عرفنا في الحلقة السابقة- و لهذا انكرنا حصول الظن بسبب الحالة السابقة، و ادخالها في نطاق الاصول‏ (2) يعني ان تفوّق الاحكام المحتملة البقاء على الاحكام المحتملة الحدوث في الاهمية اوجب الزام الشارع برعاية الحالة السابقة، مع ان الاحكام المحتملة البقاء ليست متعيّنة الهويّة و النوعية، فهي تارة وجوب، و اخرى حرمة، و ثالثة اباحة، و كذلك الامر فيما يحتمل حدوثه،

____________

(1) في بحث «الامارات و الاصول» من الجزء الاوّل ص 68، و في اوائل الجزء الثالث، و يأتي في بحث «مقدار ما يثبت الاستصحاب»

(2) كاصالة الطهارة و البراءة و الحلّية

47

فلا معنى لان يكون سبب تفضيل الاخذ بالحالة السابقة الاهتمام بنوع الاحكام التي يحتمل بقاؤها، و بعبارة اخرى ان ملاك الاصل. و هو رعاية اهميّة المحتمل. يتطلّب ان يكون نوع الحكم الملحوظ محدّدا، كما في نوع الحكم الترخيصي الملحوظ في اصالة الحل، و نوع الحكم الالزامي الملحوظ في اصالة الاحتياط، و إمّا اذا كان نوع الحكم غير محدّد و قابلا للاوجه المختلفة فلا ينطبق الملاك المذكور.

و حلّ الاشكال: انّه بعد ان عرفنا انّ الاحكام الظاهرية تقرّر دائما نتائج التزاحم بين الاحكام و الملاكات الواقعيّة في مقام الحفظ عند الاختلاط ... فبالامكان ان نفترض ان المولى قد لا يجد في بعض حالات التزاحم قوّة تقتضي الترجيح لا بلحاظ المحتمل و لا بلحاظ نفس الاحتمال، و في مثل ذلك قد يعمل نكتة نفسيّة في ترجيح احد الاحتمالين على الآخر، ففي محل الكلام حينما يلحظ المولى حالات الشك في البقاء لا يجد اقوائيّة لا للمحتمل إذ لا تعيّن له‏ (1) و لا للاحتمال إذ لا كاشفيّة ظنّية [دائمية] له، و لكنه يرجّح احتمال البقاء لنكتة نفسيّة و لو كانت هي رعاية الميل الطبيعي العام الى الاخذ بالحالة السابقة، و لا يخرج الحكم المجعول على هذا الاساس عن كونه حكما ظاهريا طريقيا، لأنّ النكتة النفسيّة ليست هي الداعي لاصل جعله بل هي الدخيلة (2) في تعيين كيفية جعله.

____________

(1) لانه تارة يكون الطهارة و تارة النجاسة و تارة الوجوب و تارة الحرمة و تارة الزوجية ..

(2) الفرق بين الداعي و الدخيل هو انّ الاوّل هو سبب الحكم كتمامية ملاك وجوب الصلاة فانه داع للحكم بوجوب الصلاة، و أما بالنسبة الى‏

48

____________

«الميل النفسي للبقاء على الحالة السابقة» فانه و إن لم نكن نعلم بانه داع و سبب تام لتشريع الاستصحاب الّا اننا نعلم بدخالته في تشريعه و لو بنحو جزء العلّة لظهور الروايات بذلك، يقول السيد الشهيد في تقريرات السيد الهاشمي ج 6 ص 180: «و امّا الاستصحاب فانه و إن لم يكن قد لوحظ فيه نوعيّة المحتمل لأنّه لا بشرط من حيث نوع الحكم المؤدّي إليه كالخبر و الظهور، كما انّه ربما تكون قوّة الاحتمال و الكشف النوعي و لو الضعيف ملحوظا في حجّيته، إلّا أنّ (احتمال) أخذ خصوصيّة و نكتة نفسية في حجيّته و لو نكتة الثبوت سابقا أو اليقين السابق بحيث لا يمكن الغاء ذلك بعد ان كان دليل حجيته ظاهرا في اعتباره (متّجه)، كما ان الارتكاز لا يقتضي الغاء ذلك ان لم نقل باقتضائه ملاحظته، حيث تقدّم ان بناء العرف على الاستصحاب لا يستبعد ان يكون لما فيه من حالة الانس و الانسياق مع الوضع السابق و الميل النفسي نحوه، لا لمجرّد الكاشفيّة و قوّة الاحتمال‏*» انتهى كلامه زيد مقامه.

(*) [أقول‏] كنّا قد ذكرنا في مسألة ( (الامارات و الاصول)) من الجزء الاوّل الفرق بين الامارة و الاصل، و قلنا انّه لم يرد هكذا عناوين في شرعنا الحنيف، و انما الفرق بينهما هو من حيث ثبوت الآثار الشرعية المترتّبة على اللوازم العقليّة في الامارة و عدم ترتّبها في الاصل، و من هنا يتعيّن ان نبحث في الفرق بينهما من هذه الناحية فنقول:

إنّ الامارة هي ما تدلّ على مدلولاتها المطابقية و الالتزامية بنفس القوّة في نظر العرف، و ذلك لانها تدّعي انّها تحكي عن الواقع و تدّعي الكاشفية عنه و المطابقة له، فعند ما يعتبرها الشارع المقدّس حجّة فهذا يعني عرفا انّها بكل مداليلها العرفية تصير حجّة، أي بما في ذلك مداليلها الالتزامية العقلية، و من هنا يقول علماؤنا (رضوان الله عليهم) بحجيّة مثبتات الامارات‏

49

____________

و أمّا الاستصحاب فليس احتمال بقاء الحالة السابقة فيه كاشفا عن الواقع و لا يحكي عنه اصلا، و إن كان فيها نحو من الكاشفية، لكن هذه الكاشفية قد تكون ضعيفة في بعض الاحيان و رغم ذلك يجري الاستصحاب شرعا بلا شك، اذن الاستصحاب لا يدّعي الحكاية عن الواقع دائما كخبر الثقة و اليد و سوق المسلمين و قاعدة الصحة و غيرها و هذا أمر واضح، و ايضا لا نفهم الاماريّة من كلمة اليقين الواردة في السنة الروايات و ذلك لما ذكرناه في تعليقتنا على الوجه الثالث من اوجه الركن الاوّل من اركان الاستصحاب من ان المراد من اليقين الوارد في أدلة الاستصحاب و غيره هو اليقين الطريقي و المرآتي و الكاشف عن متعلّقه، و الذي يعني ثبوت الحالة السابقة، [فلا يصحّ تعلّق السيد الخوئي [(قدس سره)‏] بلفظه اليقين لاثبات اماريّة الاستصحاب‏] اضافة إلى انّ بقاء الحالة السابقة ليس دائما مظنونا، بل حتّى و لو فرضناه مظنونا دائما فانّه لم يعلم ان الشارع المقدّس عند ما تعبّدنا ببقاء الحالة السابقة انما تعبّدنا به بما انّه حاك و كاشف عن الواقع كخبر الثقة مثلا ... فلا يبقى عندنا دليل على امارية الاستصحاب.

إذن ما هي حقيقة الاستصحاب؟ فنقول: في الحقيقة الاستصحاب هو اصل عقلائي المنشأ ارشدنا إليه المشرّع الحكيم لا بقائنا على هذا الارتكاز الفطري، أ لا ترى القضاة في الشرائع و القوانين الوضعيّة يحكمون. من حيث عقلائية تشريعاتهم. بالملكية بناء على سند ملكية قديم التاريخ و لا يرفعون اليد عن ذلك حتّى يثبت لديهم الخروج عن ملكيته بدليل اقوى كاخبار صادقين، أ لا تراهم يحكمون الدّين على المستدين حتى يثبت لديهم دفعه، و يحكمون ببقاء الزوجية الى أن يثبت الرافع و يرتّبون على ذلك الارث، و يقرضون بعضهم بعضا ... و قد يكون هذا الاقراض و نحوه ناشئا احيانا من الغفلة عن احتمال عروض الموت او غير ذلك للمستدين، و هذا ما يؤكد شدّة هذا الارتكاز العقلائي و لذلك انتشرت هذه الاعمال و الاحكام عند جميع العقلاء.

لكن هناك حالات لا يصحّ ان يجري فيها الاستصحاب للزوم ثبوت الحالة السابقة وجدانا كما فيما لو اراد تاجر ان يبعث اموالا الى تاجر آخر احتمل موته لبعض قرائن،

50

____________

و نحو ذلك من الامور التي لا يترتّب عليها آثار شرعية و انما يراد منها تحصيل العلم الوجداني بحصولها.

و من هنا تعرف الفرق بين النحو الاوّل من الموارد و النحو الثاني، فالنحو الاوّل يفترق عن النحو الثاني بانّه يكون في مجال القوانين و التشريعات، ففي هذا المجال من العقلائية ان يشرّع المشرّع- انسانا كان ام ربّ الانسان- قاعدة الاستصحاب، لأنها هي الطريق العقلائي، و ذلك بان يحكم ببقاء الحالة السابقة حتّى يثبت ارتفاعها بدليل.

هذا الامر تراه واضحا ايضا في رواياتنا، فترى مثلا الرواية الاولى تقول- بعد ما يسأل زرارة من الامام (عليه السلام) .... فان حرّك على جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟- ( (لا، حتّى يستيقن انّه قد نام، حتّى يجي‏ء من ذلك امر بيّن، و إلّا فانّه على يقين من وضوئه ...)) فانّ قول الامام ( (فانه)) التأكيدية إثارة لحسّ الفطرة و الارتكاز العقلائي لدى السائل، و كأنّ الامام يتعجّب منه و يقول إنّه على يقين من وضوئه و لم يستيقن من رفع الحالة السابقة المتيقّنة ففي هذه الحالة عليك ان لا تنقض يقينك بثبوت الحالة السابقة بالشك في رفعها بطروء عارض، و ببيان آخر: لم يستدلّ الامام (عليه السلام) هنا لعدم وجوب إعادة الوضوء بالقرآن او بحديث او بانّ الله تعالى قد تعبّدنا بذلك كما تعبّدنا بكون صلاة المغرب مثلا ثلاث ركعات، و انّما استدلّ لنا- لكي يقنعنا- بامر عقلائي و فطري و هو كونه على يقين بوضوئه ثم شك في طروء ما يرفع تلك الحالة السابقة، فقال (عليه السلام) لكي يثير عندنا هذا الاحساس الفطري ( (لا، حتّى يستيقن انه قد نام حتّى يجي‏ء من ذلك امر بيّن، و إلّا فانّه على يقين من وضوئه ...))، و مثلها صحيحته الثانية إذ سأل فيها زرارة الامام قال (عليه السلام) ... فان ظننت انّه اصابه و لم اتيقّن فنظرت و لم أر شيئا فصليت فرأيت فيه؟ قال (عليه السلام) تغسله و لا تعيد. قال زرارة لم ذلك؟ فلم يجبه الامام بآية و لا رواية او بأمر يفهم منه التعبدية المحضة و انما اجابه بتعليل فطري فقط فقال (عليه السلام): ( (لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت، و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا)) الصريحة في المطلوب، و مثلهما رواية الخصال ... عن محمّد بن مسلم و ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) ( (من كان على يقين ثمّ شك فليمض على يقينه))، ثمّ علّل (عليه السلام) ذلك بهذا الارتكاز

51

____________

الفطري المحض فقال ( (فان الشك لا ينقض اليقين)) و في رواية اخرى ( (فان اليقين لا يدفع بالشك))، و كذلك الامر في صحيحة عبد الله بن سنان التي يسأل فيها ابوه الامام الصادق (عليه السلام) عن ثوب اعاره لذمّي و هو يعلم انّه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيردّه عليه هل يجب عليه ان يغسله قبل ان يصلّي فيه؟ فقال ابو عبد الله (عليه السلام): ( (صلّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك)) ثم يعلّل الامام (عليه السلام) ذلك بالطريقة السابقة، قال: ( (فانك اعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن انّه نجّسه))، و هو ايضا صريح في المطلوب.

هذا، و لكن هذا لا يعني انّ الاستصحاب صار يثبت لوازمه العقلية على ما سيأتيك في بحث ( (مقدار ما يثبت الاستصحاب)) من انّ العقلاء يلاحظون الفرق بوضوح بين الامارات التي تحكي عن الواقع كخبر الثقة و بين قاعدة الاستصحاب الناظرة إلى اثبات آثارها الشرعية و ليست ناظرة بوجه الى اثبات الآثار الشرعيّة المترتبة على الوسائط العقلية او العادية، و ذلك لأنّ ترتيب تلك اللوازم العقلية أو العاديّة ليس أمرا فطريّا، مثال ذلك: من المعلوم وجوب الكفّارة على المحرم إذا قتل صيدا، فلو رمى محرم سهما نحو طائر مثلا ثم شك في بقائه في مكانه، بحيث لو استصحبنا بقاءه في مكانه لقتله فهل ترى من نفسك الحكم على هذا المحرم بوجوب دفع الكفّارة بعنوان أنّه قتل طيرا؟! و ببيان آخر: الاستصحاب هنا انما اثبت ( (عدم طيران هذا الطائر))، و لازم ذلك ( (اصابته)) و لازم اصابته ( (قتله))، و الكفّارة انما تترتب على عنوان ( (القتل)) لا على ( (عدم طيرانه))، و لذلك لا نظن ان احدا من العقلاء يوجب في هذه الحالة على الرامي دفع الكفارة.

و بكلمة اخرى: ان الاستصحاب و ان كان يوافق الطبع العقلائي كما ورد في الروايات إلّا أنّه ليس امارة لا في نظر الشارع و لا في نظر العقلاء، اما بالنسبة إلى نظر الشارع المقدّس فلم يعلم- بل نستبعد- ان ملاك تشريع الاستصحاب هو اماريته و كشفه عن الواقع و حكايته عنه و اقوائية احتمال اصابته كما كان الحال في سائر الامارات كخبر الثقة مثلا.

و أمّا بالنسبة إلى نظر العقلاء، فانّ الاستصحاب و ان كان يوافق طبعهم- و هو البناء على الحالة السابقة حتّى يعلموا برفعها- إلّا أنّه ليس عندهم من قبيل خبر الثقة، و مجرّد

52

____________

الموافقة للطبع لا يعني ان الاستصحاب كاشف عندهم عن الحالة السابقة، و النتيجة مع ملاحظة هاتين النقطتين [و هما وجود نحو من الامارية و الكاشفية، و عدم ثبوت ان هذا النحو من الكاشفية و اقوائية احتمال المصادفة للواقع هي الملاك التام لتشريع الاستصحاب كما كان الحال في خبر الثقة مثلا] ان يكون الاستصحاب اصلا محرزا، فهو بالتالي يغاير الاصل العملي البحت كالبراءة التي ليس فيها جنبة امارية و كاشفية، و كذا قاعدتا الحلية و الاحتياط.

[و بالتالي‏] تعرف ان القدر المتيقّن ان يثبت الاستصحاب خصوص المدلول المطابقي- كما في استصحاب حياة الابن فانه يثبت بقاءه حيّا فلا توزّع تركته و لا تعتدّ زوجته- و لا يعلم أنه يثبت لوازم المستصحب- كنبات اللحية- و لذلك لو نذر الاب أن يذبح شاة اذا نبتت لحية ولده فان الاستصحاب لا يكفينا لاثبات نبات اللحية و ذلك لعدم معلومية تشريع الاستصحاب لكاشفيته، و انما المعلوم هو دخالة ( (ميل الطبع للبناء على الحالة السابقة)) في تشريع الاستصحاب لظهور الروايات في ذلك كما رأيت مرارا، و هذا الميل لا يقتضي اثبات لوازم المستصحب عقلا و لا عقلائيا و لا دليل شرعي على اثبات لوازم المستصحب فافهم.

[ثمّ‏] إن اقتصرت في تسمية الامارة على ما تترتب عليه اللوازم العقلية- على ما هو معروف عند علمائنا. فالاستصحاب ليس امارة، و ان اطلقت لفظة ( (امارة)) على ما كان علّة تشريعها الكاشفية- قويت او ضعفت- حتّى و ان لم تترتب عليها اللوازم العقلية فالاستصحاب امارة، و كذلك ان اطلقت لفظة ( (امارة)) على ما نزّل الشارع الاحتمال فيه منزلة اليقين و قلت ان هذا التنزيل موجود في أدلة الاستصحاب فسيكون الاستصحاب ح امارة ايضا.

المهم ان التسمية بانه امارة او اصل لا تفيد، و الذي يفيدنا هو انه هل تترتب الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقليّة أو لا؟

و ستأتي تتمة هذا البحث إن شاء الله تعالى في مسألة ( (مقدار ما يثبت الاستصحاب))، و ستعرف هناك ان النتيجة ستكون هي الاقتصار على ترتيب الآثار الشرعية الغير مترتبة

53

و على هذا الاساس يكون الاستصحاب أصلا، لان الميزان في الاصل الذي لا تثبت به اللوازم على القاعدة عدم كون الملحوظ فيه قوّة الاحتمال محضا سواء كان الملحوظ فيه قوّة المحتمل او نكتة نفسيّة، لان النكتة النفسيّة قد لا تكون منطبقة إلّا على المدلول المطابقي للاصل فلا يلزم من التعبّد به التعبّد باللوازم.

كيفية الاستدلال بالاستصحاب:

و قد يتوهّم‏ (1) ان النقطة السابقة تؤثّر في كيفية الاستدلال‏

____________

(1) ما يريد افادته هنا سيدنا الماتن (رحمه اللّه) هو انه قد يتوهّم- كما حصل بالفعل مع السيد بحر العلوم- أننا اذا قلنا بأمارية الاستصحاب فانّ الاستصحاب ح يقدّم على أصالة الحل بالتخصيص (بدليل ان الاستصحاب دليل كحجية خبر الثقة، فكما يقدّم خبر الثقة على أصالة الحل فكذلك الاستصحاب الأمارة يقدّم على أصالة الحل)، و أما اذا قلنا بأصليّته فيجب أن تلحظ النسبة ح بين مدرك هذا الاستصحاب و مدرك أصالة الحل (لان الاستصحاب ح ليس دليلا و انما يكون مفاد دليل و النسبة يجب أن تلحظ بين نفس الأدلّة)، و قد تكون النسبة ح العموم من وجه لاعميّة مورد الاستصحاب على مورد الحليّة بغير موارد الحليّة ممّا لها حالة سابقة كما في استصحاب طهارة الثوب و كريّة الماء و أعميّة مورد الحلية على مورد الاستصحاب فيما لا حالة سابقة له معلومة له عندنا و كان الاصل فيها الحليّة كما لو شككنا في حليّة طعام ما أو شراب‏

على اللوازم العقلية أو العادية، و لاهمية هذا البحث كثيرا في الفقه يلزم على الطالب اتقانه و التأمّل فيه‏

54

بالاستصحاب، و بالتالي في كيفية علاج تعارضه مع سائر الادلّة، فإن افترضنا ان الاستصحاب امارة و ان المعوّل فيه على كاشفيّة الحالة السابقة، كان الدليل هو الحالة السابقة على حدّ دليلية خبر الثقة، و من هنا يجب ان تلحظ النسبة بين نفس الامارة الاستصحابية و ما يعارضها من أصالة الحل مثلا، فيقدّم الاستصحاب بالاخصّيّة على دليل اصالة الحل كما وقع في كلام السيد بحر العلوم‏ (1) انسياقا مع هذا التصوّر، و إن‏

____________

(قال) سيدنا المصنف و هذا التوهّم باطل إذ انّ المدار في ملاحظة النسبة ينبغي ان يكون دائما بين كلا كلامي الشارع- و هما دليلا الاستصحاب و الحليّة- لا بين مفاد كلاميه- و هما نفس الاستصحاب و الحليّة-، (على) انك تعلم ان جميع أهل بيت العصمة انما يفيدون من جهة واحدة و كلامهم ناظر الى بعضه البعض‏

(1) الطباطبائي في فوائده، الفائدة 35 ص 116، ذكر ذلك في الرسائل/ أوائل بحث الاستصحاب عند قوله «بقي الكلام في أمور ... الثالث» صفحة 545 من طبعة جماعة المدرسين، و صفحة 320 من الطبعة الحجرية المحشّاة، و صفحة 156 من شرح الرسائل للاعتمادي الجزء الثاني.

و هاك كلام السيد بحر العلوم (رحمه اللّه) «استصحاب الحكم المخالف [الاصل‏] في شي‏ء دليل شرعي رافع لحكم الاصل مخصّص لعمومات الحل كاستصحاب حكم العنب، فانّ الاصل قد انتقض فيه بالاجماع و النصوص الدالّة على تحريمه بالغليان و عمومات الكتاب و السنّة قد تخصّصت بهما قطعا، و ح فينعكس الاصل في الزبيب و يكون الحكم فيه بقاء التحريم الثابت له قبل الزبيبية بمقتضى الاستصحاب فلا يرتفع إلّا مع العلم بزواله، و الخاص و إن كان استصحابا مقدّم على العام و إن كان كتابا كما حقّق في محلّه، و أما استصحاب الحل فغايته الحلّية

55

افترضنا الاستصحاب اصلا عمليا و حكما تعبّديا مجعولا في دليله فالمدرك حينئذ لبقاء المتيقّن عند الشك نفس ذلك الدليل لا أمارية الحالة السابقة، و عند التعارض بين الاستصحاب و اصالة الحل يجب ان تلحظ النسبة بين دليل الاستصحاب. و هو مفاد رواية زرارة مثلا. و دليل أصالة الحل، و قد تكون النسبة حينئذ العموم من وجه.

و هذا التوهّم باطل فانّ ملاحظة نسبة الاخصيّة و الأعميّة بين المتعارضين و تقديم الاخصّ من شئون الكلام الصادر من متكلّم واحد خاصّة، حيث يكون الاخصّ قرينة على الاعم بحسب أساليب المحاورة

____________

بالفعل و هي لا تنافي التحريم بالقوّة، و الحل المنجّز يرتفع بحصول شرائط التحريم المعلّق، (فان قيل) مرجع الاستصحاب الى ما ورد في النصوص من عدم جواز نقض اليقين بالشك و هذا عام لا خاص (قلنا) الاستصحاب في كل شي‏ء ليس إلا بقاء الحكم الثابت له، و هذا المعنى خاص بذلك الشي‏ء و لا يتعدّاه الى غيره، و عدم نقض اليقين بالشك و ان كان عاما إلّا أنه واقع في طريق الاستصحاب و ليس نفس الاستصحاب المستدلّ به، و العبرة في العموم و الخصوص بنفس الأدلّة لا بنفس أدلّة الادلّة و الّا لزم أن لا يوجد في الأدلة الشرعية دليل خاص أصلا، إذ كل دليل ينتهي الى أدلّة عامّة هي دليل حجيّته، و ليس عموم قولهم (عليهم السلام) «لا تنقض اليقين بالشك» بالقياس الى أفراد الاستصحاب و جزئياته الّا كعموم قوله تعالى «إن جاءكم فاسق بنبإ» بالقياس الى آحاد الاخبار المرويّة، و كما ان ذلك لا ينافي كون الخبر خاصّا اذا اختصّ مورده بشي‏ء فكذا هذا (ثم استشهد بجملة من كلمات العلماء و قال) و لو لا انّ الاستصحاب دليل خاص يجب تقديمه على الاصل و العمومات لم يصحّ شي‏ء من ذلك، و هذا من نفايس المباحث فاحتفظه» انتهى (أوثق الوسائل)

56

العرفية، و لما كانت حجّية كل ظهور منوطة بعدم ثبوت القرينة على خلافه كان الخبر المتكفّل للكلام الاخصّ‏ (1) مثبتا لارتفاع الحجيّة عن ظهور الكلام الاعمّ في العموم، و ليست الأخصّيّة في غير مجال القرينية ملاكا لتقديم احدى الحجّتين على الاخرى، و لهذا لا يتوهّم أحد انّه إذا دلّت بيّنة على ان كل ما في الدار نجس، و دلّت اخرى على ان شيئا منه طاهر قدمت الثانية للاخصّية، بل يقع التعارض، إذ لا معنى للقرينية مع فرض صدور الكلامين من جهتين. و على هذا ففي المقام سواء قيل بامارية الاستصحاب او اصليّته لا معنى لتقديمه بالاخصّيّة الملحوظة بينه و بين معارضه، بل لا بد من ملاحظة النسبة بين دليله و ما يعارضه من دليل الاصل او دليل حجيّة الامارة، فان كان اخصّ قدّم بالاخصّيّة، لأنّ مفاد الادلة كلام الشارع‏ (2)، و متى كان أحد كلاميه اخصّ من الآخر قدّم بالاخصّيّة (*).

____________

(1) المنفصل، فان السيد الشهيد (قدس سره) يقول بسقوط حجيّة ظهور ذي القرينة في هذه الحالة دون المدلول الجدّي له، فراجع ص 249- 252 من ابحاث التعارض‏

(2) و هو كلام صادر من جهة واحدة و ان تعدّدت الائمة (عليهم السلام) فانهم كلهم يبيّنون عن جهة واحدة

(*) سنتعرّض إلى هذا البحث في بحثي تعارض الامارة و الاصل و تعارض الاصلين ان شاء الله تعالى. و نكتفي هنا بذكر الصحيح في المقام باختصار و هو: ان دليل الاستصحاب يتقدّم على دليل الاصل البحت بالتخصيص لكون مورده في عرض مورد الاصل البحث؟؟؟- لا في طوله- فهذا الاستثناء يكون من باب التخصيص، و تتقدّم الامارة على الاستصحاب من باب الورود ... [فراجع‏]، و على أي حال فانّه لا شك في ان النسبة بين مورد الاستصحاب و مورد اصالة الحل و نحوها هي العموم من وجه كما افاد السيد بحر العلوم، لكن في موضع الالتقاء يقدّم الاستصحاب بالتخصيص كما ذكرنا