دروس في علم الأصول - ج2

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
295 /
3

تشتمل هذه الحلقة على ما يلي:- 1- تمهيد.

2- الأدلة.

3- تعارض الأدلة

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الحلقة الثانية 1

تمهيد

1- تعريف علم الأصول.

2- موضوع علم الأصول و فائدته.

3- الحكم الشرعي و تقسيمه.

4- تنويع البحوث الأصولية.

5- حجية القطع و أحكامه.

6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و صلى اللَّه على محمد سيد المرسلين و آله و صحبه الطيبين الطاهرين‏

7

تعريف علم الأصول‏

يعرف علم الأُصول عادة بأنه «العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي».

و توضيح ذلك: إن الفقيه في استنباطه مثلا للحكم بوجوب رد التحية من قوله تعالى: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (1) يستعين بظهور صيغة الأمر في الوجوب، و حجية الظهور.

فهاتان قاعدتان ممهدتان لاستنباط الحكم الشرعي بوجوب رد التحية. و قد يلاحظ على التعريف ان تقييد القاعدة بوصف التمهيد يعني أنها تكتسب أصوليتها من تمهيدها و تدوينها لغرض الاستنباط، مع اننا نطلب من التعريف إبداء الضابط الموضوعي الّذي بموجبة يدون علماءُ الأصول في علمهم هذه المسألة دون تلك، و لهذا قد تحذف كلمة التمهيد و يقال: إنه العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط. و لكن يبقى هناك اعتراض أهم و هو انه لا يحقق الضابط المطلوب، لأن مسائل اللغة كظهور كلمة الصعيد تقع في طريق الاستنباط أيضاً، و لهذا كان الأولى تعريف علم الأصول بأنه: العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط. و نقصد بالاشتراك صلاحية العنصر للدخول في استنباط حكم أي مورد من الموارد

____________

(1) النساء 86.

8

التي يتصدى الفقيه لاستنباط حكمها مثل ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فانه قابل لأن يستنبط منه وجوب الصلاة أو وجوب الصوم و هكذا. و بهذا تخرج أمثال مسألة ظهور كلمة الصعيد عن علم الأصول، لأنها عنصر خاص لا يصلح للدخول في استنباط حكم غير متعلق بمادة الصعيد.

9

موضوع علم الأصول و فائدته‏

موضوع علم الأصول‏

يذكر لكل علم موضوع عادة، و يراد به ما يكون جامعاً بين موضوعات مسائله، و ينصب البحث في المسائل على أحوال ذلك الموضوع و شئونه، كالكلمة العربية بالنسبة إلى علم النحو مثلاً.

و على هذا الأساس حاول علماء الأصول تحديد موضوع لعلم الأصول، فذكر المتقدمون منهم ان موضوعه هو: الأدلة الأربعة (الكتاب و السنة و الإِجماع و العقل) و اعترض على ذلك: بان الأدلة الأربعة ليست عنواناً جامعاً بين موضوعات مسائله جميعا، فمسائل الاستلزامات مثلاً موضوعها الحكم، إذ يقال مثلاً: إن الحكم بالوجوب على شي‏ء هل يستلزم تحريم ضده أو لا؟ و مسائل حجية الأمارات الظنية كثيراً ما يكون موضوعها الّذي يبحث عن حجية شيئا خارجا عن الأدلة الأربعة، كالشهرة و خبر الواحد، و مسائل الأصول العملية موضوعها الشك في التكليف على أنحائه و هو أجنبي عن الأدلة الأربعة أيضا.

و لهذا ذكر جملة من الأصوليين: ان علم الأصول ليس له موضوع واحد، و ليس من الضروري ان يكون للعلم موضوع واحد جامع بين موضوعات مسائله. غير ان بالإمكان توجيه ما قيل أولاً من كون الأدلة

10

هي الموضوع مع عدم الالتزام بحصرها في الأدلة الأربعة بان نقول: إن موضوع علم الأصول هو كل ما يترقب ان يكون دليلاً و عنصراً مشتركاً في عملية استنباط الحكم الشرعي و الاستدلال عليه، و البحث في كل مسألة أصولية، انما يتناول شيئاً مما يترقب ان يكون كذلك، و يتجه إلى تحقيق دليليته و الاستدلال عليها إثباتاً و نفياً، فالبحث في حجية الظهور أو خبر الواحد أو الشهرة بحث في دليليتها، و البحث في ان الحكم بالوجوب على شي‏ء، هل يستلزم تحريم ضده بحث في دليلية الحكم بوجوب شي‏ء على حرمة الضد، و مسائل الأصول العملية يبحث فيها عن دليلية الشك و عدم البيان على المعذرية، و هكذا. فصح ان موضوع علم الأصول هو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، و البحث الأصولي يدور دائماً حول دليليتها.

فائدة علم الأصول‏

اتضح مما سبق ان لعلم الأصول فائدة كبيرة للاستدلال الفقهي، و ذلك ان الفقيه في كل مسألة فقهية يعتمد على نمطين من المقدمات في استدلال الفقهي:

أحدهما: عناصر خاصة بتلك المسألة من قبيل الرواية التي وردت في حكمها، و ظهورها في إثبات الحكم المقصود، و عدم وجود معارض لها و نحو ذلك.

و الآخر: عناصر مشتركة تدخل في الاستدلال على حكم تلك المسألة و في الاستدلال على حكم مسائل أخرى كثيرة في مختلف أبواب الفقه، من قبيل انّ خبر الواحد الثقة حجة و ان ظهور الكلام حجة.

و النمط الأول من المقدمات يستوعبه الفقيه بحثاً في نفس تلك‏

11

المسألة، لأن ذلك النمط من المقدمات مرتبط بها خاصة، و اما النمط الثاني فهو بحكم عدم اختصاصه بمسألة دون أخرى، أنيط ببحث آخر خارج نطاق البحث الفقهي في هذه المسألة و تلك، و هذا البحث الآخر هو الّذي يعبر عنه علم الأصول، و بقدر ما اتسع الالتفات تدريجاً من خلال البحث الفقهي إلى العناصر المشتركة، اتسع علم الأصول و ازداد أهمية، و بذلك صح القول: بأن دور علم الأصول بالنسبة إلى الاستدلال الفقهي، يشابه دور علم المنطق بالنسبة إلى الاستدلال بوجه عام، حيث ان علم المنطق يزود الاستدلال بوجه عام، بالعناصر المشتركة التي لا تختص بباب من أبواب التفكير دون باب، و علم الأصول يزود الاستدلال الفقهي خاصة بالعناصر المشتركة التي لا تختص باب من أبواب الفقه دون باب.

12

الحكم الشرعي و تقسيمه‏

الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من اللَّه تعالى لتنظيم حياة الإنسان و توجيهه، و هو على قسمين: أحدهما: الأحكام التكليفية التي تتعلق بأفعال الإنسان و لها توجيه عملي مباشر، و الآخر: الأحكام الوضعيّة التي ليس لها توجيه عملي مباشر، و كثيرا ما تقع موضوعا لحكم تكليفي كالزوجية التي تقع موضوعا لوجوب النفقة مثلا.

مبادئ الحكم التكليفي‏

و نحن إذا حللنا عملية الحكم التكليفي كالوجوب- كما يمارسها أي مولى في حياتنا الاعتيادية- نجد انها تنقسم إلى مرحلتين: إحداهما: مرحلة الثبوت للحكم، و الأخرى مرحلة الإثبات و الإبراز، فالمولى في مرحلة الثبوت يحدد ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة- و هي ما يسمى بالملاك- حتى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معينة فيه تولدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، و بعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغة جعلية من نوع الاعتبار، فيعتبر الفعل على ذمة المكلف، فهناك إذن في مرحلة الثبوت ملاك و إرادة و اعتبار، و ليس الاعتبار عنصراً ضرورياً في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالباً كعمل تنظيمي و صياغي اعتاده المشرعون و العقلاء، و قد سار الشارع على طريقتهم في ذلك. و بعد

13

اكتمال مرحلة الثبوت بعناصرها الثلاثة- أو بعنصريها الأولين على أقل تقدير- تبدأ مرحلة الإثبات، و هي المرحلة التي يبرز فيها المولى- بجملة إنشائية أو خبرية- مرحلة الثبوت بدافع من الملاك و الإرادة، و هذا الإبراز قد يتعلق بالإرادة مباشرة، كما إذا قال أريد منكم كذا، و قد يتعلق بالاعتبار الكاشف عن الإِرادة، كما إذا قال‏ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. و إذا تم هذا الإبراز من المولى أصبح من حقه على العبد قضاءً لحق مولويته الإِتيان بالفعل، و انتزع العقل عن إبراز المولى لإرادته الصادر منه بقصد التوصل إلى مراده عناوين متعددة من قبيل البعث و التحريك و نحوهما. و كثيراً ما يطلق على الملاك و الإرادة- و هما العنصران اللازمان في مرحلة الثبوت- اسم (مبادئ الحكم)، و ذلك بافتراض ان الحكم نفسه هو العنصر الثالث من مرحلة الثبوت- أي الاعتبار- و الملاك و الإرادة مبادئ له و ان كان روح الحكم و حقيقته- التي بها يقع موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال- هي نفس الملاك و الإِرادة إذا تصدى المولى لإِبرازهما بقصد التوصل إلى مراده سواءً أنشأ اعتباراً أو لا.

و لكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، و من ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. و مبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، و من ورائها المفسدة البالغة إلى الدرجة نفسها. و الاستحباب و الكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، و لكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب و بارتكاب المكروه. و أما الإباحة فهي بمعنيين، أحدهما: الإِباحة بالمعنى الأخص التي تعتبر نوعاً خامساً من الأحكام التكليفية، و هي تعبر عن مساواة الفعل و الترك في نظر المولى.

و الآخر: الإِباحة بالمعنى الأعم، و قد يطلق عليها اسم الترخيص في مقابل الوجوب و الحرمة فتشمل المستحبات و المكروهات مضافاً إلى المباحات بالمعنى الأخص لاشتراكها جميعاً في عدم الإلزام.

و الإِباحة قد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك يدعو إلى‏

14

الإلزام فعلاً أو تركاً، و قد تنشأ عن وجود ملاك في ان يكون المكلف مطلق العنان، و ملاكها على الأول لا اقتضائي، و على الثاني اقتضائي.

التضاد بين الأحكام التكليفية:

و حين نلاحظ أنواع الحكم التكليفي التي مرت بنا، نجد ان بينها تنافياً و تضاداً، يؤدي إلى استحالة اجتماع نوعين منها في فعل واحد.

و مرد هذا التنافي إلى التنافر بين مبادئ تلك الأحكام، و أما على مستوى الاعتبار فقط فلا يوجد تنافر، إذ لا تنافي بين الاعتبارات إذا جردت عن الملاك و الإرادة.

و كذلك أيضاً لا يمكن ان يجتمع في فعل واحد فردان من نوع واحد، فمن المستحيل ان يتصف شي‏ء واحد بوجوبين، لأن ذلك يعني اجتماع إرادتين على مراد واحد، و هو من قبيل اجتماع المثلين، لأن الإرادة لا تتكرر على شي‏ء واحد، و انما تقوى و تشتد، و المحذور هنا أيضا بلحاظ المبادئ لا بلحاظ الاعتبار نفسه.

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة:

و لما كان اللَّه تعالى عالماً بجميع المصالح و المفاسد التي ترتبط بحياة الإنسان في مختلف مجالاته الحياتية، فمن اللطف اللائق برحمته ان يشرع للإنسان التشريع الأفضل وفقاً لتلك المصالح و المفاسد في شتى جوانب الحياة، و قد أكدت ذلك نصوص كثيرة وردت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، و خلاصتها ان الواقعة لا تخلو من حكم.

الحكم الواقعي و الحكم الظاهري‏

ينقسم الحكم الشرعي إلى واقعي و ظاهري. فالحكم الواقعي هو:

15

كل حكم لم يفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق، و الحكم الظاهري هو: كل حكم افترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق، من قبيل أصالة الحل في قوله: كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام و سائر الأصول العملية الأخرى، و من قبيل امره بتصديق الثقة و العمل على وفق خبره و أمره بتصديق سائر الأمارات الأخرى. و على هذا الأساس يقال عن الأحكام الظاهرية بأنها متأخرة رتبة عن الأحكام الواقعية، لأنها قد افترض في موردها الشك في الحكم الواقعي، و لو لا وجود الأحكام الواقعية في الشريعة لما كانت هناك أحكام ظاهرية.

الأمارات و الأُصول‏

و الأحكام الظاهرية تصنف عادة إلى قسمين:

أحدهما: الحكم الظاهري المرتبط بكشف دليل ظني معين على نحو يكون كشف ذلك الدليل هو الملاك التام لجعله كالحكم الظاهري بوجوب تصديق خبر الثقة، و العمل على طبقه سواء كان ذلك الدليل الظني مفيداً لظن الفعلي دائماً أو غالباً، و في حالات كثيرة، و في هذه الحالة يسمى ذلك الدليل بالأمارة، و يسمى الحكم الظاهري بالحجية فيقال: ان الشارع جعل الحجية للأمارة.

و القسم الآخر: الحكم الظاهري الّذي أخذ فيه بعين الاعتبار نوع الحكم المشكوك، سواء لم يؤخذ أي كشف معين بعين الاعتبار في مقام جعله أو أخذ، و لكن لا بنحو يكون هو الملاك التام، بل منضماً إلى نوع الحكم المشكوك. و مثال الحالة الأولى: أصالة الحل فان الملحوظ فيها كون الحكم المشكوك و المجهول مردداً بين الحرمة و الإباحة، و لم يلحظ فيها وجود كشف معين عن الحلية. و مثال الحالة الثانية: قاعدة الفراغ، فان التعبد في هذه القاعدة بصحة العمل المفروغ عنه يرتبط بكاشف معين عن الصحة، و هو غلبة الانتباه و عدم النسيان في الإنسان، و لكن هذا

16

الكاشف ليس هو كل الملاك، بل هناك دخل لكون المشكوك مرتبطاً بعمل تم الفراغ عنه، و لهذا لا يتعبدنا الشارع بعدم النسيان في جميع الحالات.

و تسمى الأحكام الظاهرية في هذا القسم بالأصول العملية، و يطلق على الأصول العملية في الحالة الأُولى اسم الأصول العملية غير المحرزة، و عليها في الحالة الثانية اسم الأُصول العملية المحرزة، و قد يعبر عنها بالأُصول العملية التنزيلية.

اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري‏

و بناءً على ما تقدم يمكن ان يجتمع في واقعة واحدة حكمان، أحدهما واقعي، و الآخر ظاهري مثلا: إذا كان الدعاء عند رؤية الهلال واجباً واقعاً و قامت الأمارة على إباحته، فحكم الشارع بحجية الأمارة، و بان الفعل المذكور مباح في حق من يشك في وجوبه، فقد اجتمع حكمان تكليفيان على واقعة واحدة، أحدهما واقعي و هو الوجوب، و الآخر ظاهري و هو الإِباحة، و ما دام أحدهما من سنخ الأحكام الواقعية، و الآخر من سنخ الأحكام الظاهرية، فلا محذور في اجتماعهما، و انما المستحيل ان يجتمع في واقعة واحدة وجوب واقعي و إباحة واقعية.

القضية الحقيقية و القضية الخارجية للأحكام‏

الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية، و أخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، و توضيح ذلك: أن المولى المشرع تارة يشير إلى الافراد الموجودين فعلا من العلماء مثلاً فيقول أكرمهم، و أخرى يفترض وجود العالم و يحكم بوجوب إكرامه و لو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. و الحكم في الحالة الأُولى مجعول على نحو القضية الخارجية، و في الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقة، و ما

17

هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية، الحقيقية، و الفارق النظريّ بين القضيتين اننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع ان نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعاً، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، و أي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، و لا نستطيع ان نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عدداً معيناً و أمر بإكرامهم، و ليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد.

18

تنويع البحث‏

حينما يستنبط الفقيه الحكم الشرعي، و يستدل عليه تارة، يحصل على دليل يكشف عن ثبوت الحكم الشرعي فيعول على كشفه، و أخرى يحصل على دليل يحدد الموقف العملي و الوظيفة العملية تجاه الواقعة المجهول حكمها، و هذا ما يكون في الأصول العملية التي هي أدلة على الوظيفة العملية و ليست أدلة على الواقع.

و على هذا الأساس سوف نصنف بحوث علم الأُصول إلى نوعين:

أحدهما: البحث في الأدلة من القسم الأول، أي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتخذ أدلة، باعتبار كشفها عن الحكم الشرعي، و نسميها بالأدلة المحرزة.

و الآخر: البحث في الأُصول العملية، و هي الأدلة من القسم الثاني أي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتخذ أدلة على تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المجهول، و نسميها بالأدلة العملية أو الأصول العملية.

و كل ما يستند إليه الفقيه في استدلاله الفقهي و استنباطه للحكم الشرعي لا يخرج عن أحد هذين القسمين من الأدلة. و يمكن القول على العموم: بان كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها أساسا دليل من‏

19

القسم الثاني أي أصل عملي يحدد الوظيفة العملية، فان توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به و ترك الأصل العملي، وفقاً لقاعدة تقدم الأدلة المحرزة على الأُصول العملية كما يأتي إن شاء اللَّه تعالى، و ان لم يتوفر دليل محرز أخذ بالأصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

و يوجد عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي، سواء ما استند فيه الفقيه إلى دليل من القسم الأول أو إلى دليل من القسم الثاني، و هذا العنصر هو حجية القطع، و نريد بالقطع انكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك، و معنى حجيته كونه منجزاً أي مصححاً للعقاب إذا خالق العبد مولاه في تكليف مقطوع به لديه، و كونه معذراً أي نافياً لاستحقاق العقاب عن العبد إذا خالف مولاه نتيجة عمله بقطعه.

و واضح ان حجية القطع بهذا المعنى لا تستغني عنه جميع عمليات الاستنباط، لأنها إنما تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي أو بالموقف العملي تجاهه، و لكي تكون هذه النتيجة ذات أثر، لا بد من الاعتراف مسبقاً بحجية القطع، بل ان حجية القطع مما يحتاجها الأُصولي في الاستدلال على القواعد الأُصولية نفسها، لأنها مهما استدل على ظهور صيغة أفعل في الوجوب مثلاً فلن يحصل على أحسن تقدير إلا على القطع بظهورها في ذلك، و هذا لا يفيد إلا مع افتراض حجية القطع.

كما انه بعد افتراض تحديد الأدلة العامة، و العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، قد يواجه الفقيه حالات التعارض بينها، سواء كان التعارض بين دليل من القسم الأول، و دليل من القسم الثاني كالتعارض بين الأمارة و الأصل، أو بين دليلين من قسم واحد سواء كانا من نوع واحد كخبرين لثقتين، أو من نوعين كالتعارض بين خبر الثقة و ظهور الآية، أو بين أصالة الحل و الاستصحاب.

20

و من أجل ذلك سنبدأ فيما يلي بحجية القطع، ثم نتكلم عن القسم الأول من الأدلة. ثم عن القسم الثاني (الأصول العملية) و نختم باحكام تعارض الأدلة إن شاء اللَّه تعالى و منه نستمد التوفيق.

21

حجية القطع‏

للقطع كاشفية بذاته عن الخارج. و له أيضاً نتيجة لهذه الكاشفية محركية نحو ما يوافق الغرض الشخصي للقاطع إذا انكشف له بالقطع، فالعطشان إذا قطع بوجود الماء خلفه تحرك نحو تلك الجهة طلباً للماء.

و للقطع إضافة إلى الكاشفية و المحركية المذكورتين خصوصية ثالثة و هي:

الحجية بمعنى ان القطع بالتكليف ينجز ذلك التكليف، أي يجعله موضوعاً لحكم العقل بوجوب امتثاله و صحة العقاب على مخالفته.

و الخصوصية الأُولى و الثانية بديهيتان و لم يقع بحث فيهما، و لا تفيان بمفردهما بغرض الأصولي، و هي تنجيز التكليف الشرعي على المكلف بالقطع به، و انما الّذي يفي بذلك الخصوصية الثالثة. كما انه لا شك في ان الخصوصية الأولي هي عين حقيقة القطع، لأن القطع هو عين الانكشاف و الإراءة، لا انه شي‏ء من صفاته الانكشاف، و لا شك أيضاً في ان الخصوصية الثانية من الآثار التكوينية للقطع بما يكون متعلقا للغرض الشخصي، فالعطشان الّذي يتعلق غرض شخصي له بالماء حينما يقطع بوجوده في جهة، يتحرك نحو تلك الجهة لا محالة، و المحرك هنا هو الغرض، و المكمل لمحركية الغرض هو قطعه بوجود الماء، و بإمكان استيفاء الغرض في تلك الجهة.

و اما الخصوصية الثالثة و هي حجية القطع، أي منجزيته للتكليف‏

22

بالمعنى المتقدم، فهي شي‏ء ثالث غير مستبطن في الخصوصيّتين السابقتين، فلا يكون التسليم بهما من الناحية المنطقية تسليماً ضمنياً بالخصوصية الثالثة، و ليس التسليم بهما مع إنكار الخصوصية الثالثة تناقضاً منطقياً، فلا بد إذن من استئناف نظر خاص في الخصوصية الثالثة. و في هذا المجال يقال عادة: ان الحجية لازم ذاتي للقطع، كما ان الحرارة لازم ذاتي للنار، فالقطع بذاته يستلزم الحجية و المنجزية، و لأجل ذلك لا يمكن أن تلغى حجيته و منجزيته في حال من الأحوال، حتى من قبل المولى نفسه. لأن لازم الشي‏ء لا يمكن ان ينفك عنه، و انما الممكن للمولى ان يزيل القطع عن القاطع، فيخرجه عن كونه قاطعاً بدلاً عن ان يفكك بين القطع و الحجية. و يتلخص هذا الكلام في قضيتين: إحداهما: ان الحجية و المنجزية ثابتة للقطع لأنها من لوازمه.

و الأخرى: انها يستحيل ان تنفك عنه لأن اللازم لا ينفك عن الملزوم.

اما القضية الأُولى فيمكن ان نتساءل بشأْنها، أي قطع هذا الّذي تكون المنجزية من لوازمه؟ هل هو القطع بتكليف المولى أو القطع بتكليف أي آمر؟ و من الواضح ان الجواب هو الأول لأن غير المولى إذا أمر لا يكون تكليفه منجزاً على المأْمور و لو قطع به، فالمنجزية إذا تابعة للقطع بتكليف المولى، فنحن إذا نفترض أولا ان الآمر مولى ثم نفترض القطع بصدور التكليف منه، و هنا نتساءل من جديد ما معنى المولى؟ و الجواب ان المولى هو من له حق الطاعة أي من يحكم العقل بوجوب امتثاله و استحقاق العقاب على مخالفته، و هذا يعني ان الحجية (التي محصلها- كما تقدم- حكم العقل بوجوب الامتثال و استحقاق العقاب على المخالفة) قد افترضناها مسبقاً بمجرد افتراض ان الآمر مولى فهي إذا من شئون كون الآمر مولى، و مستبطنة في نفس افتراض المولوية، فحينما نقول أن القطع بتكليف المولى حجة أي يجب امتثاله عقلاً كأننا قلنا: أن القطع بتكليف‏

23

من يجب امتثاله يجب امتثاله، و هذا تكرار لما هو المفترض، فلا بد ان نأخذ نفس حق الطاعة و المنجزية المفترضة في نفس كون الآمر مولى، لنرى مدى ما للمولى من حق الطاعة على المأمور، و هل له حق الطاعة في كل ما يقطع به من تكاليفه، أو أوسع من ذلك بان يفترض حق الطاعة في كل ما ينكشف لديه من تكاليفه و لو بالظن أو الاحتمال، أو أضيق من ذلك بان يفترض حق الطاعة في بعض ما يقطع به من التكاليف خاصة، و هكذا يبدو ان البحث في حقيقته بحث عن حدود مولوية المولى، و ما نؤمن به له مسبقا من حق الطاعة، فعلى الأول تكون المنجزية ثابتة في حالات القطع خاصة، و على الثاني تكون ثابتة في كل حالات القطع و الظن و الاحتمال، و على الثالث تكون ثابتة في بعض حالات القطع.

و الّذي ندركه بعقولنا ان مولانا سبحانه و تعالى له حق الطاعة في كل ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال ما لم يرخص هو نفسه في عدم التحفظ، و هذا يعني ان المنجزية ليست ثابتة للقطع بما هو قطع بل بما هو انكشاف، و ان كل انكشاف منجز مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به.

نعم كلما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الإدانة و قبح المخالفة أشد، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشد من التنجز و الإدانة لأنه المرتبة العليا من الانكشاف.

و اما القضية الثانية و هي: ان المنجزية لا تنفك عن القطع بالتكليف، و ليس بإمكان المولى نفسه ان يتدخل بالترخيص في مخالفة القطع و تجريده من المنجزية فهي صحيحة، و دليلها: ان هذا الترخيص إما حكم واقعي أو حكم ظاهري، و الأول مستحيل لأن التكليف الواقعي مقطوع به فإذا ثبتت أيضا إباحة واقعية لزم اجتماع الضدين لما تقدم من التنافي و التضاد بين الأحكام التكليفية الواقعية. و الثاني مستحيل أيضا لأن الحكم الظاهري كما تقدم ما أخذ في موضعه الشك و لا شك مع القطع.

24

و بهذا يظهر ان القطع لا يتميز عن الظن و الاحتمال في أصل المنجزية، و انما يتميز عنهما في عدم إمكان تجريده عن تلك المنجزية، لأن الترخيص في مورده مستحيل كما عرفت، و ليس كذلك في حالات الظن و الاحتمال، فان الترخيص الظاهري فيها ممكن لأنه لا يتطلب أكثر من فرض الشك و الشك الموجود، و من هنا صح ان يقال إن منجزية القطع غير معلقة بل ثابتة على الإطلاق، و ان منجزية غيره من الظن و الاحتمال معلقة لأنها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ.

معذرية القطع:

كنا نتحدث حتى الآن عن الجانب التنجيزي و التسجيلي من حجية القطع (المنجزية)، و الآن نشير إلى الجانب الآخر من الحجية و هو المعذرية، أي كون القطع بعدم التكليف معذرا للمكلف على نحو لو كان مخطئا في قطعه لما صحت معاقبته على المخالفة، و هذه المعذرية تستند إلى تحقيق حدود مولوية المولى و حق الطاعة، و ذلك لأن حق الطاعة هل موضوعه الّذي تفرض طاعته تكاليف المولى بوجودها في الشريعة بقطع النّظر عن قطع المكلف بها و شكه فيها، أو قطعه بعدمها، أي انها تستتبع حق الطاعة في جميع هذه الحالات، أو ان موضوع حق الطاعة تكاليف المولى المنكشفة للمكلف و لو بدرجة احتمالية من الانكشاف؟ فعلى الأول لا يكون القطع معذرا إذا خالف الواقع، و كان التكليف ثابتا على خلاف ما قطع، و على الثاني يكون القطع معذرا إذ لا حق طاعة للمولى في حالة عدم انكشاف التكليف و لو انكشافاً احتمالياً. و الأول من هذين الاحتمالين غير صحيح، لأن حق الطاعة من المستحيل ان يحكم به العقل بالنسبة إلى تكليف يقطع المكلف بعدمه. إذ لا يمكن للمكلف ان يتحرك عنه فكيف يحكم العقل بلزوم ذلك، فيتعين الاحتمال الثاني، و معه يكون القطع بعدم التكليف معذراً عنه لأنه يخرج- في هذه الحالة- عن دائرة حق الطاعة، أي عن نطاق حكم العقل بوجوب الامتثال.

25

التجري‏

إذا قطع المكلف بوجوب أو تحريم فخالفه و كان التكليف ثابتاً في الواقع اعتبر عاصياً، و اما إذا قطع بالتكليف و خالفه و لم يكن التكليف ثابتاً واقعاً سمي متجرياً، و قد وقع البحث في انه هل يدان مثل هذا المكلف المتجري بحكم العقل و يستحق العقاب كالعاصي أو لا؟

و مرة أخرى يجب ان نرجع إلى حق الطاعة الّذي تمثله مولوية المولى لنحدد موضوعه، فهل موضوعه هو التكليف المنكشف للمكلف أو مجرد الانكشاف و لو لم يكن مصيباً، بمعنى ان حق المولى على الإنسان هل في ان يطيعه في تكاليفه التي انكشفت لديه أو في كل ما يتراءى له من تكاليفه، سواء كان هناك تكليف حقاً أو لا؟ فعلى الأول لا يكون المكلف المتجري قد أخل بحق الطاعة إذ لا تكليف، و على الثاني يكون قد أخل به فيستحق العقاب. و الصحيح هو الثاني لأن حق الطاعة ينشأ من لزوم احترام المولى عقلاً و رعاية حرمته، و لا شك في انه من الناحية الاحترامية و رعاية الحرمة لا فرق بين التحدي الّذي يقع من المعاصي، و التحدي الّذي يقع من المتجري، فالمتجري اذن يستحق العقاب كالعاصي.

العلم الإجمالي‏

القطع تارة يتعلق بشي‏ء محدد و يسمى بالعلم التفصيليّ و مثاله:

العلم بوجوب صلاة الفجر أو العلم بنجاسة هذا الإناء المعين، و أخرى يتعلق بأحد شيئين لا على وجه التعيين، و يسمى بالعلم الإجمالي و مثاله:

العلم بوجوب صلاة ما في ظهر الجمعة هي اما الظهر أو الجمعة دون ان تقدر على تعيين الوجوب في إحداهما بالضبط، أو العلم بنجاسة أحد الإناءين بدون تعين.

26

و نحن إذا حللنا العلم الإجمالي نجد انه مزدوج من العلم بالجامع بين الشيئين، و من شكوك و احتمالات بعدد الأطراف التي يتردد بينها ذلك الجامع، ففي المثال الأول يوجد عندنا علم بوجوب صلاة ما، و عندنا احتمالان لوجوب صلاة الظهر خاصة، و لوجوب صلاة الجمعة خاصة.

و لا شك في ان العلم بالجامع منجز، و ان الاحتمال في كل طرف منجز أيضاً وفقاً لما تقدم من ان كل انكشاف منجز مهما كانت درجته، و لكن منجزية القطع على ما عرفت غير معلقة، و منجزية الاحتمال معلقة، و من هنا كان بإمكان المولى في حالات العلم الإجمالي ان يبطل منجزية احتمال هذا الطرف أو ذاك، و ذلك بالترخيص الظاهري في عدم التحفظ، فإذا رخص فقط في إهمال احتمال وجوب صلاة الظهر بطلت منجزية هذا الاحتمال و ظلت منجزية احتمال وجوب الجمعة على حالها، و كذلك منجزية العلم بالجامع فانها تظل ثابتة أيضاً بمعنى ان المكلف لا يمكنه ان يترك كلتا الصلاتين رأساً، و إذا رخص المولى فقط في إهمال احتمال وجوب صلاة الجمعة بطلت منجزية هذا الاحتمال و ظلت منجزية الباقي كما تقدم، و بإمكان المولى ان يرخص في كل من الطرفين معاً بترخيصين ظاهريين، و بهذا تبطل كل المنجزيات بما فيها منجزية العلم بالجامع. و قد تقول: ان العلم بالجامع فرد من القطع و قد تقدم ان منجزية القطع غير معلقة، فكيف ترتفع منجزية العلم بالجامع هنا؟

و الجواب ان القطع الّذي تكون منجزيته غير معلقة هو العلم التفصيليّ، إذ لا مجال لترخيص الظاهري في مورده، لأن الترخيص الظاهري لا يمكن الا في حالة الشك، و لا شك مع العلم التفصيليّ، و لكن في حالة العلم الإجمالي حيث ان الشك في كل طرف موجود، فهناك مجال للترخيص الظاهري فتكون منجزية العلم الإجمالي معلقة على عدم إحراز الترخيص الظاهري في كل من الطرفين، هذا من الناحية النظرية ثبوتاً، و اما من الناحية الواقعية إثباتاً، و انه هل صدر من الشارع ترخيص في كل من طرفي العلم الإجمالي، فهذا ما يقع البحث عنه في الأصول العملية.

27

القطع الطريقي و الموضوعي‏

تارة يحكم الشارع بحرمة الخمر مثلا فيقطع المكلف بالحرمة، و يقطع بان هذا خمر، و بذلك يصبح التكليف منجزاً عليه كما تقدم، و يسمى القطع في هذه الحالة بالقطع الطريقي بالنسبة إلى تلك الحرمة لأنه مجرد طريق و كاشف عنها و ليس له دخل و تأثير في وجودها واقعا، لأن الحرمة ثابتة للخمر على أي حال، سواء قطع المكلف بان هذا خمر أو لا.

و أخرى يحكم الشارع بان ما تقطع بأنه خمر حرام فلا يحرم الخمر الا إذا قطع المكلف بأنه خمر، و يسمى القطع في هذه الحالة بالقطع الموضوعي، لأنه دخيل في وجود الحرمة، و ثبوتها للخمر فهو بمثابة الموضوع للحرمة.

و القطع انما ينجز التكليف إذا كان قطعاً طريقياً بالنسبة إليه، لأن منجزيته انما هي من أجل كشافيته، و هو انما يكشف عما يكون قطعاً طريقياً بالنسبة إليه، و اما التكليف الّذي يكون القطع موضوعاً له و دخيلاً في أصل ثبوته، فهو لا يتنجز بذلك القطع، ففي المثال المتقدم للقطع الموضوعي لا يكون القطع بالخمرية منجزاً للحرمة، لأنه لا يكشف عنها و انما يولدها، بل الّذي ينجز الحرمة في هذا المثال القطع بحرمة مقطوع الخمرية. و هكذا ينجز كل قطع ما يكون كاشفاً عنه، و طريقاً إليه من التكاليف دون ما يكون موضوعاً و مولداً له من الأحكام. و قد يتفق ان يكون قطع واحد طريقياً بالنسبة إلى تكليف، و موضوعيا بالنسبة إلى تكليف آخر، كما إذا قال المولى الخمر حرام، ثم قال من قطع بحرمة الخمر فيحرم عليه بيعه، فان القطع بحرمة الخمر قطع طريقي بالنسبة إلى حرمة الخمر، و قطع موضوعي بالنسبة إلى حرمة بيع الخمر.

28

جواز الإسناد إلى المولى:

و هناك جانب ثالث في القطع غير المنجزية و المعذرية، و هو جواز اسناد الحكم المقطوع إلى المولى، و توضيح ذلك ان المنجزية و المعذرية ترتبطان بالجانب العملي فيقال: ان القطع بالحرمة منجز لها بمعنى انه لا بد للقاطع ان لا يرتكب ما قطع بحرمته، و ان القطع بعدم الحرمة معذر عنها، بمعنى ان له ان يرتكب الفعل، و هناك شي‏ء آخر و هو اسناد الحرمة نفسها إلى المولى، فان القطع بحرمة الخمر يؤدي إلى جواز اسناد الحرمة إلى المولى، بان يقول القاطع: ان الشارع حرم الخمر لأنه قول بعلم، و قد اذن الشارع في القول بعلم، و حرم القول بلا علم.

و بالتدبر فيما بيّناه من التمييز بين القطع الطريقي و القطع الموضوعي يتضح ان القطع بالنسبة إلى جواز الإسناد قطع موضوعي لا طريقي، لأن جواز الإسناد حكم شرعي أخذ في موضوعه القطع بما يسند إلى المولى.

تلخيص و مقارنة:

اتضح مما ذكرناه ان تنجز التكليف المقطوع لما كان من شئون حق الطاعة للمولى سبحانه، و كان حق الطاعة له يشمل كل ما ينكشف من تكاليفه، و لو انكشافاً احتماليا. فالمنجزية إذا ليست مختصة بالقطع، بل تشمل كل انكشاف مهما كانت درجته، و ان كانت بالقطع تصبح مؤكدة و غير معلقة كما تقدم.

و خلافاً لذلك مسلك من افترض المنجزية و الحجية لازماً ذاتياً للقطع، فانه ادعى انها من خواص القطع، فحيث لا قطع و لا علم لا منجزية، فكل تكليف لم ينكشف بالقطع و اليقين فهو غير منجز و لا يصح‏

29

العقاب عليه، و سمي ذلك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان أي بلا قطع و علم، وفاته ان هذا في الحقيقة تحديد لمولوية المولى و حق الطاعة له رأساً.

و هذان مسلكان يحدد كل منهما الطريق في كثير من المسائل المتفرعة، و يوضح للفقيه منهجاً مغايراً من الناحية النظرية لمنهج المسلك الآخر.

و نسمي المسلك المختار بمسلك حق الطاعة، و الآخر بمسلك قبح العقاب بلا بيان‏

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الحلقة الثانية 2

الأدلة

1- الأدلة المحرزة.

2- الأصول العملية (أو الأدلة العملية).

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

تحديد المنهج في الأدلة و الأصول‏

عرفنا سابقاً ان الأدلة التي يستند إليها الفقيه في استدلاله الفقهي و استنباطه للحكم الشرعي على قسمين، فهي: اما أدلة محرزة يطلب بها كشف الواقع، و اما أدلة عملية (أصول عملية) تحدد الوظيفة العملية للشاك الّذي لا يعلم بالحكم.

و يمكن القول على العموم بان كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها دليل من القسم الثاني أي أصل عملي يحدد لغير العالم الوظيفة العملية، فان توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به و ترك الأصل العملي وفقاً لقاعدة تقدم الأدلة المحرزة على الأصول العملية، كما يأتي ان شاء اللَّه تعالى في تعارض الأدلة، و ان لم يتوفر دليل محرزاً أخذ بالأصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

و تختلف الأدلة المحرزة عن الأصول العملية في ان تلك تكون أدلة و مستنداً للفقيه بلحاظ كاشفيتها عن الواقع و إحرازها للحكم الشرعي، و اما هذه فتكون أدلة من الوجهة العملية فقط، بمعنى انها تحدد كيف يتصرف الإنسان الّذي لا يعرف الحكم الشرعي للواقعة. كما ان الأدلة المحرزة تختلف فيما بينها، لأن بعضها أدلة قطعية تؤدي إلى القطع بالحكم الشرعي، و بعضها أدلة ظنية تؤدي إلى كشف ناقص محتمل الخطأ عن الحكم الشرعي، و هذه الأدلة الظنية هي التي تسمى بالأمارات.

34

المنهج على مسلك حق الطاعة

و أعم الأصول العملية- بناء على مسلك حق الطاعة- هو أصالة اشتغال الذّمّة، و هذا أصل يحكم به العقل و مفاده ان كل تكليف يحتمل وجوده و لم يثبت إذا الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجز، و تشتغل به ذمة المكلف. و مرد ذلك إلى ما تقدم من ان حق الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف و لو انكشافا ظنيا أو احتماليا.

و هذا الأصل هو المستند العام للفقيه، و لا يرفع يده عنه الا في بعض الحالات التالية:

أولا: إذا حصل له دليل محرز قطعي على نفي التكليف كان القطع معذرا بحكم العقل كما تقدم، فيرفع يده عن أصالة الاشتغال إذ لا يبقى لها موضوع.

ثانيا: إذا حصل له دليل محرز قطعي على إثبات التكليف فالتنجز يظل على حاله، و لكنه يكون بدرجة أقوى و أشدكما تقدم.

ثالثا: إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لا إثباتا، و لكن حصل له القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ، فحيث ان منجزية الاحتمال و الظن معلقة على عدم ثبوت إذا من هذا القبيل كما تقدم، فمع ثبوته لا منجزية فيرفع يده عن أصالة الاشتغال.

و هذا الإذن تارة يثبت بجعل الشارع الحجية للأمارة (الدليل المحرز غير القطعي)، كما إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب فقال لنا الشارع: صدق الثقة، و أخرى يثبت بجعل الشارع لأصل عملي من قبله، كأصالة الحل الشرعية القائلة (كل شي‏ء حلال حتى تعلم انه حرام) و البراءة الشرعية القائلة (رفع ما لا يعلمون) و قد تقدم الفرق بين الأمارة و الأصل العملي.

35

رابعا: إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لا إثباتا، و لكن حصل له القطع بان الشارع لا يأذن في ترك التحفظ، فهذا يعني ان منجزية الاحتمال و الظن تظل ثابتة غير انها آكد و أشد مما إذا كان الاذن محتملا.

و هنا أيضا تارة يثبت عدم الاذن من الشارع في ترك التحفظ، بجعل الشارع الحجية للأمارة، كما إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب فقال الشارع: لا ينبغي التشكيك فيما يخبر به الثقة أو قال: صدق الثقة، و أخرى يثبت بجعل الشارع لأصل عملي من قبله كأصالة الاحتياط الشرعية المجعولة في بعض الحالات.

فائدة المنجزية و المعذرية الشرعية:

و بما ذكرناه ظهر انه في الحالتين الأولى و الثانية لا معنى لتدخل الشارع في إيجاد معذرية أو منجزية، لأن القطع ثابت، و له معذرية و منجزية كاملة، و في الحالتين الثالثة و الرابعة يمكن للشارع ان يتدخل في ذلك، فإذا ثبت عنه جعل الحجية للأمارة النافية للتكليف أو جعل أصل مرخص كأصالة الحل، ارتفعت بذلك منجزية الاحتمال أو الظن. لأن هذا الجعل منه إذا في ترك التحفظ، و المنجزية المذكورة معلقة على عدم ثبوت الاذن المذكور، و إذا ثبت عنه جعل الحجية لأمارة مثبتة للتكليف أو لأصل يحكم بالتحفظ، تأكدت بذلك منجزية الاحتمال، لأن ثبوت ذلك الجعل معناه العلم بعدم الاذن في ترك التحفظ و نفي لأصالة الحل و نحوها.

المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان:

و ما تقدم كان بناء على مسلك حق الطاعة، و اما بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فالأمر على العكس تماما و البداية مختلفة، فان أعم‏

36

الأصول العملية حينئذ هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان و تسمى أيضا بالبراءة العقلية و مفادها: ان المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ تجاه أي تكليف ما لم ينكشف بالقطع و اليقين، و هذا الأصل لا يرفع الفقيه يده عنه إلا في بعض الحالات:

و لنستعرض الحالات الأربع المتقدمة لنرى حال الفقيه فيها بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان.

اما الحالة الأولى: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا (أي المعذرية) غير انه يتأكد بحصول القطع بعدم التكليف.

و اما الحالة الثانية: فيرتفع فيها موضوع البراءة العقلية، لأن عدم البيان على التكليف تبدل إلى البيان و القطع فيتنجز التكليف.

و اما الحالة الثالثة: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا، غير انه يتأكد بثبوت الإذن من الشارع في ترك التحفظ.

و اما الحالة الرابعة: فأصحاب هذا المسلك يلتزمون عمليا فيها، بان التكليف يتنجز على الرغم من انه غير معلوم، و يتحيرون نظريا في كيفية تخريج ذلك على قاعدتهم القائلة بقبح العقاب بلا بيان، بمعنى ان الأمارة المثبتة للتكليف بعد جعل الحجية لها أو أصالة الاحتياط، كيف تقوم مقام القطع الطريقي فتنجز التكليف مع انه لا يزال مشكوكا و داخلا في نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و سيأتي في الحلقة التالية بعض أوجه العلاج للمشكلة عند أصحاب هذا المسلك.

37

الأدلة 1

الأدلة المحرزة

1- الدليل الشرعي.

2- الدليل العقلي.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

تقسيم البحث في الأدلة المحرزة

يعتمد الفقيه في عملية الاستنباط على عناصر مشتركة تسمى بالأدلة المحرزة كما تقدم. و هي اما أدلة قطعية، بمعنى انها تؤدي إلى القطع بالحكم فتكون حجة على أساس حجية القطع الناتج عنها، و اما أدلة ظنية، و يقوم دليل قطعي على حجيتها شرعا، كما إذا علمنا بان المولى امر باتباعها فتكون حجة بموجب الجعل الشرعي.

و الدليل المحرز في الفقه سواء كان قطعيا أو لا، ينقسم إلى قسمين.

الأول: الدليل الشرعي و نعني به كل ما يصدر من الشارع مما له دلالة على الحكم، ككلام اللَّه سبحانه أو كلام المعصوم.

الثاني: الدليل العقلي و نعني به القضايا التي يدركها العقل و يمكن ان يستنبط منها حكم شرعي كالقضية العقلية القائلة بان إيجاب شي‏ء يستلزم إيجاب مقدمته.

و القسم الأول ينقسم بدوره إلى نوعين:

أحدهما: الدليل الشرعي اللفظي، و هو كلام المعصوم كتابا أو سنة.

و الآخر: الدليل الشرعي غير اللفظي، و يتمثل في فعل المعصوم‏

40

سواء كان تصرفا مستقلا أو موقفا إمضائيا تجاه سلوك معين و هو الّذي يسمى بالتقرير.

و البحث في هذا القسم بكلا نوعيه تارة يقع في تحديد دلالات الدليل الشرعي، و أخرى في ثبوت صغراه، و ثالثة في حجية تلك الدلالة و وجوب الأخذ بها، ففي الدليل الشرعي إذن ثلاثة أبحاث.

و لكن قبل البدء بهذه الأبحاث على الترتيب المذكور نستعرض بعض المبادئ و القواعد العامة في الأدلة المحرزة.

الأصل عند الشك في الحجية:

عرفنا ان للشارع دخلا في جعل الحجية للأدلة المحرزة غير القطعية (الأمارات)، فان أحرزنا جعل الشارع الحجية لأمارة فهو، و إذا شككنا في ذلك لم يكن بالإمكان التعويل على تلك الأمارة لمجرد احتمال جعل الشارع الحجية لها، لأنها ان كانت نافية للتكليف و نريد ان نثبت بها المعذرية فمن الواضح بناء على ما تقدم عدم إمكان ذلك ما لم نحرز جعل الحجية لها الّذي يعني اذن الشارع في ترك التحفظ تجاه التكليف المشكوك، إذ بدون إحراز هذا الاذن تكون منجزية الاحتمال للتكليف الواقعي قائمة بحكم العقل، و لا ترتفع هذه المنجزية الا بإحراز الاذن في ترك التحفظ، و مع الشك في الحجية لا إحراز للإذن المذكور. و ان كانت الأمارة مثبتة للتكليف، و نريد ان نثبت بها المنجزية خروجا عن أصل معذر كأصالة الحل المقررة شرعا فواضح أيضا انا ما لم نقطع بحجيتها لا يمكن رفع اليد بها عن دليل أصالة الحل مثلا، فدليل الأصل الجاري في الواقعة و المؤمن عن التكليف المشكوك، هو المرجع ما لم يقطع بحجية الأمارة المثبتة للتكليف. و بهذا صح القول ان الأصل عند الشك في الحجية عدم الحجية، بمعنى ان الأصل نفوذ الحالة المفترضة لو لا تلك الأمارة من منجزية أو معذرية.

41

مقدار ما يثبت بالأدلة المحرزة

الدليل المحرز له مدلول مطابقي و مدلول التزامي، فكلما كان الدليل المحرز حجة ثبت بذلك مدلوله المطابقي، و اما مدلوله الالتزامي ففيه بحث، و حاصله ان الدليل المحرز إذا كان قطعيا فلا شك في ثبوت مدلولاته الالتزامية به لأنها تكون قطعية أيضا، فتثبت بالقطع كما يثبت المدلول المطابقي بذلك، و إذا كان الدليل ظنيا و قد ثبتت حجيته بجعل الشارع كما في الأمارة مثل خبر الثقة و ظهور الكلام فهنا حالتان:

الأولى: ان يكون موضوع الحجية- أي ما حكم الشارع بأنه حجة- صادقا على الدلالة الالتزامية كصدقها على الدلالة المطابقية، و مثال ذلك:

ان يرد دليل على حجية خبر الثقة، و يقال بان الاخبار عن شي‏ء اخبار عن لوازمه، و في هذه الحالة يثبت المدلول الالتزامي لأنه مما أخبر عنه الثقة بالدلالة الالتزامية فيشمله دليل الحجية المتكفل للأمر بالعمل بكل ما أخبر به الثقة مثلا.

الثانية: ان لا يكون موضوع الحجية صادقا على الدلالة الالتزامية، و مثال ذلك: ان يرد دليل على حجية ظهور اللفظ، فان الدلالة الالتزامية غير العرفية ليست ظهورا لفظيا فلا تشكل فردا من موضوع دليل الحجية، فمن هنا يقع البحث في حجية الدليل لإثبات المدلول الالتزامي في حالة من هذا القبيل، و قد يستشكل في ثبوت هذه الحجية بدليل حجية الظهور، لأن دليل حجية الظهور لا يثبت الحجية الا لظهور اللفظ، و الدلالة الالتزامية لهذا الظهور ليست ظهورا لفظيا فلا تكون حجة، و مجرد علمنا من الخارج بان ظهور اللفظ إذا كان صادقا فدلالته الالتزامية صادقة أيضا، لا يبرر استفادة الحجية للدلالة الالتزامية، لأن الحجية حكم شرعي، و قد يخصصه بإحدى الدلالتين دون الأخرى على الرغم من تلازمهما في الصدق.

42

و يوجد في هذا المجال اتجاهان:

أحدهما للمشهور و هو: ان دليل الحجية كلما استفيد منه جعل الحجية لشي‏ء بوصفه أمارة على الحكم الشرعي كان ذلك كافيا لإثبات لوازمه و مدلولاته الالتزامية. و على هذا الأساس وضعوا قاعدة مؤداها ان مثبتات الأمارات حجة، أي ان الأمارة كما يعتبر إثباتها لمدلولها المطابقي حجة، كذلك إثباتها لمدلولها الالتزامي.

و الاتجاه الآخر للسيد الأستاذ حيث ذهب إلى ان مجرد قيام دليل حجية أمارة على أساس ما لها من كشف عن الحكم الشرعي لا يكفي لذلك، إذ من الممكن ثبوتا ان الشارع بتعبد المكلف بالمدلول المطابقي من الأمارة فقط، كما يمكنه ان يتعبده بكل ما تكشف عنه مطابقة أو التزاما، و ما دام كلا هذين الوجهين ممكنا ثبوتا، فلا بد لتعيين الأخير منهما من وجود إطلاق في دليل الحجية يقتضي امتداد التعبد و سريانه إلى المداليل الالتزامية.

و الصحيح هو الاتجاه الأول، و ذلك لأننا عرفنا سابقا ان الأمارة معناها الدليل الظني الّذي يستظهر من دليل حجيته، ان تمام الملاك بحجيته هو كشفه بدون نظر إلى نوع المنكشف، و هذا الاستظهار متى ما تم في دليل الحجية كان كافيا لإثبات الحجية في المدلولات الالتزامية أيضا، لأن نسبة كشف الأمارة إلى المدلول المطابقي و الالتزامي بدرجة واحدة دائما، و ما دام الكشف هو تمام الملاك للحجية بحسب الفرض، فيعرف من دليل الحجية ان مثبتات الأمارة كلها حجة. و على خلاف ذلك الأصول العملية تنزيلية أو غيرها فانها لما كانت مبنية على ملاحظة نوع المؤدى كما تقدم، فلا يمكن ان يستفاد من دليلها إسراء التعبد إلى كل اللوازم الا بعناية خاصة في لسان الدليل، و من هنا قيل إن الأصول العملية ليست حجة في مثبتاتها أي في مدلولاتها الالتزامية، و سيأتي تفصيل الكلام عن ذلك في أبحاث الأصول العملية إن شاء اللَّه تعالى.

43

تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية:

عرفنا ان الأمارات حجة في المدلول المطابقي و المدلول الالتزامي معا، و المدلول الالتزامي تارة يكون مساويا للمدلول المطابقي، و أخرى يكون أعم منه، ففي حالة المساواة إذا علم بان المدلول المطابقي باطل فقد علم ببطلان المدلول الالتزامي أيضا، و بذلك تسقط الأمارة بكلا مدلوليها عن الحجية، و اما إذا كان اللازم أعم و بطل المدلول المطابقي، فالمدلول الالتزامي يظل محتملا، و من هنا يأتي البحث التالي: و هو ان حجية الأمارة في إثبات المدلول الالتزامي هل ترتبط بحجيتها في إثبات المدلول المطابقي أو لا؟ فالارتباط يعني انها إذا سقطت عن الحجية في المدلول المطابقي للعلم ببطلانه مثلا، سقطت أيضا عن الحجية في المدلول الالتزامي و هو معنى التبعية، و عدم الارتباط يعني ان كلام من الدلالة المطابقية و الدلالة الالتزامية حجة ما لم يعلم ببطلان مفادها بالخصوص، و مجرد العلم ببطلان المدلول المطابقي لا يوجد خللا في حجية الدلالة الالتزامية ما دام المدلول الالتزامي محتملا و لم يتضح بطلانه بعد.

و قد يستدل على الارتباط بأحد الوجهين التاليين:

الأول: ان الدلالة الالتزامية متفرعة في وجودها على الدلالة المطابقية، فتكون متفرعة في حجيتها أيضا. و يلاحظ على ذلك ان التفرغ في الوجود لما ذا يستلزم التفرع في الحجية؟ أو لا يمكن ان نفترض ان كل واحدة من الدلالتين موضوع مستقل للحجية بلحاظ كاشفيتها؟.

الثاني: ان نفس السبب الّذي يوجب سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية، يوجب دائما سقوط الدلالة الالتزامية، فإذا علم مثلا بعدم ثبوت المدلول المطابقي و سقطت بذلك حجية الدلالة المطابقية، فان هذا العلم بنفسه يعني العلم أيضا بعدم ثبوت المدلول الالتزامي، لأن ما تحكي عنه‏

44

الدلالة الالتزامية دائما حصة خاصة من اللازم، و هي الحصة الناشئة أو الملازمة للمدلول المطابقي لا طبيعي اللازم على الإطلاق، و تلك الحصة مساوية للمدلول المطابقي دائما.

و بكلمة أخرى ان ذات اللازم و ان كان أعم أحيانا، و لكنه بما هو مدلول التزامي مساو دائما للمدلول المطابقي فلا يتصور ثبوته بدونه، فموت زيد و ان كان أعم من احتراقه بالنار و لكن من أخبر باحتراقه بالمطابقة فهو لا يخبر التزاما بالموت الأعم و لو كان بالسم، بل مدلوله الالتزامي هو الموت الناشئ من الاحتراق خاصة، فإذا كنا نعلم بعدم الاحتراق فكيف نعمل بالمدلول الالتزامي؟ و سيأتي تكميل البحث عن ذلك و تعميقه في الحلقة الآتية إن شاء اللَّه تعالى.

وفاء الدليل بدور القطع الموضوعي‏

الدليل المحرز إذا كان قطعيا فهو يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية و معذرية، لأنه يوجد القطع في نفس المكلف بالحكم الشرعي، كما انه يفي بما يترتب على القطع الموضوعي من أحكام شرعية، لأن هذه الأحكام يتحقق موضوعها وجدانا.

و الدليل المحرز غير القطعي (أي الأمارة) يفي بما يقتضيه القطع الطريقي من منجزية و معذرية، فالأمارة الحجة شرعا إذا دلت على ثبوت التكليف أكدت منجزيته و إذا دلت على نفي التكليف كانت معذرا عنه و رفعت أصالة الاشتغال كما لو حصل القطع الطريقي بنفي التكليف كما تقدم توضيحه، و هذا معناه قيام الأمارة مقام القطع الطريقي. و لكن هل تفي الأمارة بالقيام مقام القطع الموضوعي فيه بحث و خلاف فلو قال المولى كل ما قطعت بأنه خمر فأرقه و قامت الأمارة الحجة شرعا على ان هذا خمر و لم يحصل القطع بذلك، فهل يترتب وجوب الإراقة على هذه الأمارة كما يترتب على القطع أو لا؟ و هنا تفصيل و هو انا تارة نفهم من دليل وجوب‏

45

إراقة مقطوع الخمرية، ان مقصود هذا الدليل من المقطوع ما قامت حجة منجزة على خمريته و ليس القطع الا كمثال، و أخرى نفهم منه إناطة الحكم بوجوب الإراقة بالقطع بوصفه كاشفا تاما لا يشوبه شك ففي الحالة الأولى تقوم الأمارة الحجة مقام القطع الموضوعي و يترتب عليها وجوب الإراقة لأنها تحقق موضوع هذا الوجوب وجدانا و هو الحجة.

و في الحالة الثانية لا يكفي مجرد كون الأمارة حجة و قيام دليل على حجيتها و وجوب العمل بها لكي تقوم مقام القطع الموضوعي، لأن وجوب الإراقة منوط بالقطع بما هو كاشف تام، و الأمارة و ان أصبحت حجة و منجزة لمؤداها بجعل الشارع، و لكنها ليست كاشفا تاما على أي حال، فلا يترتب عليها وجوب الإراقة، الا إذا ثبت في دليل الحجية أو في دليل آخر، ان المولى أعمل عناية و نزل الأمارة منزلة الكاشف التام في أحكامه الشرعية، كما نزل الطواف منزلة الصلاة في قوله: الطواف بالبيت صلاة، و هذه عناية إضافية لا يستبطنها مجرد جعل الحجية للأمارة. و بهذا صح القول إن دليل حجية الأمارة بمجرد افتراضه الحجية لا يفي لإقامتها مقام القطع الموضوعي.

إثبات الدليل لجواز الاستناد

من المقرر فقيها ان اسناد حكم إلى الشارع بدون علم غير جائز، و على هذا الأساس فإذا قام على الحكم دليل و كان الدليل قطعيا، فلا شك في جواز اسناد مؤداه إلى الشارع لأنه اسناد بعلم. و اما إذا كان الدليل غير قطعي كما في الأمارة التي قد جعل الشارع لها الحجية و أمر باتباعها فهل يجوز هنا اسناد الحكم إلى الشارع؟

لا ريب في جواز اسناد نفس الحجية و الحكم الظاهري إلى الشارع لأنه معلوم وجدانا. و اما الحكم الواقعي الّذي تحكي عنه الأمارة فقد يقال: ان اسناده غير جائز لأنه لا يزال غير معلوم، و مجرد جعل الحجية

46

للأمارة لا يبرر الإسناد بدون علم، و انما يجعلها منجزة و معذرة من الوجهة العملية. و قد يقال إن هذا مرتبط بالبحث السابق في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، لأن القطع أخذ موضوعا لجواز اسناد الحكم إلى المولى، فإذا استفيدت من دليل الحجية تلك العناية الإضافية التي تقوم الأمارة بموجبها مقام القطع الموضوعي، ترتب عليها جواز اسناد مؤدى الأمارة إلى الشارع و إلا فلا.

47

الأدلة المحرزة 1

الدليل الشرعي‏

1- تحديد دلالات الدليل الشرعي.

2- إثبات صغرى الدليل الشرعي.

3- إثبات حجية الدلالة في الدليل الشرعي.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الدليل الشرعي 1

تحديد دلالات الدليل الشرعي‏

1- الدليل الشرعي اللفظي.

2- الدليل الشرعي غير اللفظي.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

1- الدليل الشرعي اللفظي‏

تمهيد

لما كان الدليل الشرعي اللفظي يتمثل في ألفاظ يحكمها نظام اللغة .. ناسب ذلك ان نبحث في مستهل الكلام عن العلاقات اللغوية بين الألفاظ و المعاني، و نصنف اللغة بالصورة التي تساعد على ممارسة الدليل اللفظي و التمييز بين درجات من الظهور اللفظي.

الظهور التصوري و الظهور التصديقي‏

إذا سمعنا كلمة مفردة كالماء من آلة انتقل ذهننا إلى تصور المعنى، و كذلك إذا سمعناها من إنسان ملتفت، و لكننا في هذه الحالة لا نتصور المعنى فحسب بل نستكشف من اللفظ ان الإنسان قصد بتلفظه ان يخطر ذلك المعنى في ذهننا، بينما لا معنى لهذا الاستكشاف حينما تصدر الكلمة من آلة، فهناك اذن دلالتان لكلمة الماء إحداهما: الدلالة الثابتة حتى في حالة الصدور من آلة و تسمى بالدلالة التصورية. و الأخرى: الدلالة التي توجد عند صدور الكلمة من المتلفظ الملتفت و تسمى بالدلالة التصديقية.

و إذا ضم المتلفظ الملتفت كلمة أخرى فقال (الماء بارد) استكشفنا انه يريد ان يخطر في ذهننا معنى الماء و معنى بارد، و معنى جملة الماء بارد

52

ككل. و لكن لما ذا يريد ان نتصور ذلك كله؟ و الجواب ان تلفظه بهذه الجملة يدل عادة على ان المتكلم يريد بذلك ان يخبرنا ببرودة الماء و يقصد الحكاية عن ذلك، بينما في بعض الحالات لا يكون قاصدا ذلك كما في حالات الهزل، فان الهازل لا يقصد الا إخطار صورة المعنى في ذهن السامع فقط على خلاف المتكلم الجاد. فالمتكلم الجاد حينما يقول الماء بارد يكتسب كلامه ثلاث دلالات و هي: الدلالة التصورية المتقدمة، و الدلالة التصديقية المتقدمة، و لنسمها بالدلالة التصديقية الأولى، و دلالة ثالثة هي الدلالة على قصد الحكاية و الاخبار عن برودة الماء، و تسمى بالدلالة على المراد الجدي، كما تسمى بالدلالة التصديقية الثانية. و اما الهازل حين يقول الماء بارد، فلكلامه دلالة تصورية و دلالة تصديقية أولى دون الدلالة التصديقية الثانية، لأنه ليس جادا و لا يريد الاخبار حقيقة، و اما الآلة حين تردد الجملة ذاتها فليس لها الا دلالة تصورية فقط. و هكذا أمكن التمييز بين ثلاثة أقسام من الدلالة.

الوضع و علاقته بالدلالات المتقدمة

و الدلالة التصورية هي في حقيقتها علاقة سببية بين تصور اللفظ و تصور المعنى، و لما كانت السببية بين شيئين لا تحصل بدور مبرر، اتجه البحث إلى تبريرها، و من هنا نشأت عدة احتمالات:

الأول: احتمال السببية الذاتيّة بان يكون اللفظ بذاته دالا على المعنى و سببا لإحضار صورته. و لا شك في سقوط هذا الاحتمال لما هو معروف بالخبرة و الملاحظة من عدم وجود اية دلالة للفظ لدى الإنسان قبل الاكتساب و التعليم.

الثاني: افتراض ان السببية المذكورة نشأت من وضع الواضع اللفظ للمعنى، و الوضع نوع اعتبار يجعله الواضع و ان اختلف المحققون في نوعية المعتبر، فهناك من قال إنه اعتبار سببية اللفظ لتصور المعنى، و من قال انه‏