دروس في مسائل علم الأصول - ج2

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
408 /
5

[تتمه المقصد الاول الأوامر]

[تتمه الفصل فى مقدمه الواجب‏]

[بقية البحث فى الأمور]

الأمر الثالث: في تقسيمات الواجب.

منها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط [1]، و قد ذكر لكلّ منهما تعريفات و حدود، تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود، و ربما أطيل الكلام بالنقض و الإبرام في النقض على الطرد و العكس، مع أنّها- كما لا يخفى- تعريفات لفظية لشرح الاسم، و ليست بالحد و لا بالرسم، و الظاهر أنّه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق و المشروط، بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي،

[1] ينقسم الواجب إلى المطلق و المشروط، و قد ورد في كلماتهم لكلّ منهما تعاريف تختلف بحسب القيود المأخوذة فيها، و أطيل الكلام فيها بالنقض و الإبرام في اطّرادها و انعكاسها بما لا فائدة في التعرّض لها؛ لأنّ كلّا من التعاريف من قبيل شرح الاسم، و لا يدخل في الحدّ أو الرسم، لكون الفعل واجبا مطلقا أو مشروطا بالاعتبار، و الأمر الاعتباري لا يقبل الحد و لا الرسم.

و الظّاهر أنّه ليس للاصوليين- في كون الواجب مطلقا أو مشروطا- اصطلاح خاصّ، بل يطلقان على الواجب بما لهما من المعنى العرفي، كما أنّ وصفي الإطلاق و التقييد ليسا بوصفين حقيقيين، بمعنى أنّ الواجب في نفسه مطلق أو مشروط، بل اتصافه بهما يكون بالإضافة إلى أمر، فإن كان ذلك الأمر دخيلا في وجوبه بأن يكون قيدا لذلك الوجوب كان واجبا مشروطا بالإضافة إليه، و إن لم يكن ذلك الأمر قيدا لوجوبه كان بالإضافة إليه واجبا مطلقا، و منه يظهر ما في اتصاف الواجب بهما من التسامح، إذ الوجوب في الحقيقة يكون مشروطا أو مطلقا لا الواجب، و على ذلك فيمكن أن يكون الوجوب بالإضافة إلى أمر مطلقا فيسمّى‏

6

كما أنّ الظاهر أنّ وصفي الإطلاق و الاشتراط، وصفان إضافيان لا حقيقيان، و إلّا لم يكد يوجد واجب مطلق، ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الأمور، لا أقل من الشرائط العامة، كالبلوغ و العقل.

فالحريّ أن يقال: إن الواجب مع كل شي‏ء يلاحظ معه، إن كان وجوبه غير مشروط به، فهو مطلق بالإضافة إليه، و إلّا فمشروط كذلك، و إن كانا بالقياس إلى شي‏ء آخر كانا بالعكس.

ثمّ الظّاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه، أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقة، و لا طلب واقعا قبل حصول الشرط، كما هو

الواجب مطلقا، و بالإضافة إلى أمر آخر مشروطا فيسمّى الواجب مشروطا.

و لا ينبغي التأمّل في أنّ ظاهر القضية الشرطية هو كون مفاد الشرط قيدا لمفاد الهيئة في الجزاء و أنّ قول المولى مثلا (إن جاءك زيد فأكرمه) كون مجيئه في المثال قيدا لطلب إكرامه، لا أنّ وجوبه و طلبه مطلق، و الشرط قيد للواجب، كما في الواجب المعلّق، و يزيد ذلك وضوحا أنّ استعمال مثل قوله (إن توضأت فصلّ) في مقام طلب الصلاة المقيّدة بالطهارة غير صحيح، بل يقال في ذلك المقام: صلّ متوضأ، أو مع الوضوء.

و لكن المنسوب إلى الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) أنّ رجوع القيد إلى مفاد الهيئة صوري و لا يكون الشرط قيدا لمعنى الهيئة واقعا و حقيقة؛ لامتناع كونه قيدا لمفاد الهيئة. و ذكر في وجه الامتناع أنّ التقييد عبارة عن تضييق دائرة المعنى و إلغاء التوسعة عنه، و لا يكون ذلك إلّا في المعاني التي في أنفسها كلّيات، و الطلب المنشأ بالصيغة، بل حتّى المنشأ بالمادة جزئي و فرد من الطلب، فلا يكون القيد (أي الشرط) راجعا إلى الوجوب المنشأ، بل يرجع إلى الواجب، فإنّ عنوانه اسمي قابل‏

7

ظاهر الخطاب التعليقي، ضرورة أن ظاهر خطاب (إن جاءك زيد فأكرمه) كون الشرط من قيود الهيئة، و أن طلب الإكرام و إيجابه معلق على المجي‏ء، لا أن الواجب فيه يكون مقيدا به، بحيث يكون الطلب و الإيجاب في الخطاب فعليا و مطلقا، و إنّما الواجب يكون خاصا و مقيدا، و هو الإكرام على تقدير المجي‏ء، فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة (أعلى اللّه مقامه)، مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا، و لزوم كونه من قيود المادة لبّا، مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية أنّه من قيود الهيئة ظاهرا.

أمّا امتناع كونه من قيود الهيئة، فلانّه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة، حتّى يصح القول بتقييده بشرط و نحوه، فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الذي يدل عليه الهيئة، فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة.

للتقييد و التضييق.

و بتعبير آخر: الوجوب المنشأ بصيغة افعل أو بغيرها يحصل بالإنشاء، و بعد فرض حصوله لا يبقى مجال لتقييده؛ لأنّ الموجود الحاصل لا يقيّد، و عليه فإن فرض الإنشاء فالوجوب حاصل، و معه فلا بدّ من إرجاع القيد إلى متعلّق الوجوب، بأن يكون الوجوب المتحقّق متعلّقا بالإكرام الخاصّ، و هو إكرامه عند مجيئه، و إن لم يحصل فهو خلاف فرض إنشائه، و لازمه تفكيك الإنشاء عن المنشأ، و هو باطل قطعا.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّه يكون الشرط من قيود المادة لبّا أيضا، و مراده أنّ ما تقدّم من أنّ المنشأ بصيغة افعل فرد و جزئي، و الجزئي لا يقبل التقييد، مقتضاه رجوع الشرط في مقام الإنشاء إلى تقييد الفعل، لا إلى مفاد الهيئة و الأمر (أي الطلب الحقيقي)، فإنّ الإرادة لا تقبل التقييد، فإنّ العاقل عند ما يلاحظ الفعل إمّا أن يريده أو لا يريده،

8

و أمّا لزوم كونه من قيود المادة لبّا، فلأنّ العاقل إذا توجه إلى شي‏ء و التفت إليه، فإمّا أن يتعلق طلبه به، أو لا يتعلق به طلبه أصلا، لا كلام على الثاني.

و على الأوّل: فإمّا أن يكون ذاك الشي‏ء موردا لطلبه و أمره مطلقا على اختلاف طوارئه، أو على تقدير خاص، و ذلك التقدير، تارة يكون من الأمور الاختيارية، و أخرى لا يكون كذلك، و ما كان من الأمور الاختيارية، قد يكون مأخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف، و قد لا يكون كذلك، على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه و الأمر به، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و القول بعدم التبعية، كما لا يخفى، هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل المقرر لبحثه بأدنى تفاوت، و لا يخفى ما فيه.

أمّا حديث عدم الإطلاق [1] في مفاد الهيئة، فقد حققناه سابقا، إنّ كل واحد

و على الأوّل فإمّا أن يريده مطلقا أو على تقدير خاص و مقيّدا، و على الثاني فالقيد مهما كان لا بدّ من أن يكون راجعا إلى المراد لا إلى نفس الإرادة، إذ لو كان القيد غير اختياري فلا بدّ من دخله في المراد بنحو لا يتعلّق به الطلب بأن يكون المراد الفعل المقارن لحصوله، و إذا كان اختياريا فقد يكون دخالته في المراد أيضا بنحو لا يتعلق به الطلب الغيري، بأن يكون المراد الفعل المقارن لوجوده الاتفاقي.

و المراد بالوجود الاتفاقي يكون المكلّف مطلق العنان بالإضافة إلى حصول القيد، بخلاف ما كان المراد الفعل المقارن له بحيث يكون على المكلف إيجاد ذلك القيد و تحصيله ليفعل ما هو المراد (1).

[1] و حاصل ما ذكر (قدّس سرّه) في الجواب عن عدم الإطلاق في معنى الهيئة، هو أنّ‏

____________

(1) مطارح الأنظار: ص 45 و 46.

9

من الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف يكون عاما كوضعها، و إنّما الخصوصية من قبل الاستعمال كالأسماء، و إنّما الفرق بينهما أنّها وضعت لتستعمل و قصد بها المعنى بما هو هو و الحروف وضعت لتستعمل. و قصد

مفاد الهيئة نفس الطلب و هو باعتبار كونه من الكلي الطبيعي قابل للتقييد حتّى بعد إنشائه، فإنّ المنشأ يعمّ حال وجود الشرط و عدمه، فيقيّد بما إذا حصل الشرط، كالتقييد في سائر المطلقات الواردة في الخطابات، و قد مرّ أنّ معنى الحرف كمعنى الاسم يكون كليّا قابلا للصدق على كثيرين، كما في قوله (سر من البصرة)، غاية الأمر يلاحظ المعنى في مقام الاستعمال في الحرف آليا، و في الاسم استقلاليا، و هذا اللحاظ لم يؤخذ في ناحية المستعمل فيه، لا في الاسم و لا في الحرف.

و بالجملة تقييد مفاد الهيئة و تضيق دائرته بالشرط بمكان من الإمكان.

و لو سلم أنّ المنشأ فرد من الطلب و لا يقبل التقييد إذ الفردية تحصل بالإنشاء و لا يمكن تقييده بعد الإنشاء فلا يمنع عن إنشاء الطلب من الأوّل مقيّدا و تكون الدلالة على الطلب المقيّد بدالّين، كما هو مفاد القضية الشرطية.

و بتعبير آخر: غاية ما يمكن أن يقال: هو إنّه كما لا يمكن تقييد الملكية بعد إنشائها و لكن لا يمنع ذلك عن إنشائها من الأوّل مقيّدة بتعدّد الدالّ و المدلول، بأن يقول إنشاء (هذا لك إن كان كذا)، كذلك الحال في إنشاء الطلب المدلول عليه بالهيئة، فإنّ الطلب المنشأ بالهيئة لا يزيد في الإنشاء على الملكية المنشأة باللام في قوله (هذا لك إذا مت).

و لا يخفى أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) في الجواب يرجع إلى أمرين: أحدهما أنّ انتزاع الكلية من المعنى بحيث يصدق على كثيرين لا يتوقّف على لحاظه استقلالا، و أنّ قول القائل (أطلب منك ضرب زيد) و قول الآخر (اضرب زيدا) لا يختلفان في أنّ‏

10

بها معانيها بما هي آلة و حالة لمعاني المتعلقات، فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى، بل من مشخصات الاستعمال، كما لا يخفى على أولي الدراية و النهى.

المستفاد من لفظ الطلب في الأوّل و من الهيئة في الثاني نفس الطلب المنتزع منه الكلية، بحيث يعمّ حال مجي‏ء زيد و عدمه، غاية الأمر يلاحظ نفس ذلك المعنى في موارد استعمال لفظ الطلب فيه استقلالا، و في مورد استعمال الهيئة آليّا، من غير أن يكون اللحاظ مأخوذا في المستعمل فيه و دخيلا في انتزاع الكلية منه على ما تقدّم في معاني الحروف.

الثاني لو لم يمكن إنشاء طبيعي الطلب بصيغة افعل أو بمادة الطلب مطلقا، يعني بلا قيد، ثمّ تقييده بالشرط، بدعوى أنّ الطلب بالإنشاء يكون شخصا اعتباريا و الجزئي لا يقبل التقييد، فلا ينبغي التأمّل في أنّ تقييد طبيعي الطلب بالشرط قبل الإنشاء ثمّ إنشاء الطلب المقيد بتعدّد الدالّ و المدلول أمر ممكن، و على ذلك فعدم فعلية الطلب قبل فعلية الشرط ليس من تفكيك المنشأ عن إنشائه، بل حصول المنشأ قبل حصول شرطه تفكيك بينهما، لأنّ المنشأ قبل الشرط و في فرض عدمه خارجا لم ينشأ و لو حصل قبله لكان من حصول المنشأ بلا إنشائه، و الإنشاء لا يزيد على الإخبار، فإنّه كما يمكن الإخبار بشي‏ء بنحو التعليق و التقييد، كذلك الأمر في الإنشاء.

أقول: إن أريد من تقييد الطلب أنّه إذا ورد في الخطاب (أكرم زيدا) في مقام إنشاء النسبة الطلبية المتعلّقة بضرب زيد، ثمّ ورد في خطاب آخر (ليس عليك إكرام زيد إذا لم يجئك) فيجمع بين الخطابين فيما إذا لم يكن المتكلّم ممّن يتصوّر في حقّه الندم عمّا أنشأه أوّلا، بأنّ مراده الاستعمالي من الخطاب الأوّل و لو كان طلب إكرام زيد جاء أو لم يجئ، إلّا أنّ مراده الجدّي كان طلب إكرامه على تقدير مجيئه، فهذا

11

فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق، قابل لأن يقيد، مع أنّه لو سلم أنّه فرد، فإنّما يمنع عن التقيد لو أنشئ أولا غير مقيد، لا ما إذا أنشئ من الأول مقيدا، غاية الأمر قد دلّ عليه بدالّين، و هو غير إنشائه أولا ثمّ تقييده ثانيا، فافهم.

التقييد أمر ممكن و هو الجاري أيضا في التقييد في المعاني الاسمية.

و إن أريد من التقييد أن يكون مراده الاستعمالي من الخطاب الأوّل طلب إكرام زيد جاء أو لم يجئ، ثمّ أراد أن يبدّل نفس المراد الاستعمالي لا الجدّي، فهذا أمر غير ممكن، سواء في معنى الهيئة أو المعاني الاسمية، و الممكن هو التقييد في المراد الاستعمالي بنحو تعدّد الدالّ و المدلول من الأوّل، أو بنحو الاستعمال العنائي و المجازي حتّى في الخطابات المتضمّنة للمعاني الاسمية، و لا دخل في ذلك أيضا للالتزام بأنّ المعاني الحرفية في أنفسها قابلة للتقييد، أو يكون التقييد فيها بتبع مدخولاتها.

و السرّ فيه هو أنّ النسبة الطلبية سواء أنشأت بالهيئة أو بالمعنى الاسمي فهي أمر اعتباري، و ليس أمرا تكوينيا خارجيا، فالمنشأ في الإنشائيات غير نفس الإنشاء، و لا يقاس بالإيجاد و الوجود، إذ هما مختلفان بالاعتبار و متحدان خارجا، فينسب الوجود و التحقّق إلى الماهية فيقال وجود، و ينسب إلى الفاعل و العلّة فيقال إيجاد.

و هذا بخلاف المنشأ و الإنشاء، إذ الإنشاء تكويني، و المنشأ اعتباري، فإنّ الإنشاء عبارة عن لحاظ المعنى القابل للاعتبار و الإتيان بما يدلّ على وقوعه بقصد أن يقع، و المنشأ خارجا وجود ذلك الأمر الاعتباري، و بما أنّ الوجود الاعتباري إنّما يكون في المعنى القابل للاعتبار كالملكية، و أنّ الوجوب غير وجود الشي‏ء الخارجي حيث أنّه لا يمكن فيه أن يكون الإيجاد فعلا و الوجود استقبالا؛ لأنّ فرق الوجود و الإيجاد في المفهوم لا في الخارج بخلاف الإنشاء و المنشأ، فيمكن أن‏

12

فإن قلت: على ذلك، يلزم تفكيك الإنشاء من المنشأ، حيث لا طلب قبل حصول الشرط.

قلت: المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله، فلا بدّ أن لا يكون قبل حصوله طلب و بعث، و إلّا لتخلف عن إنشائه، و إنشاء أمر على تقدير كالإخبار به بمكان من الإمكان، كما يشهد به الوجدان، فتأمل جيدا.

يعتبر فعلا حصول الشي‏ء في الاستقبال أو معلّقا على أمر استقبالي كاعتبار الملكية للموصى له معلقا على موته، فهذا لا محذور فيه، فإنّ الإنشاء كما ذكرنا متحقّق، و لكن المنشأ بما أنّه أمر استقبالي أو معلّق على الأمر الاستقبالي فهو غير فعلي، و لو كان المنشأ فعليا قبل ذلك الأمر لكان حصوله بلا إنشائه.

و كذا الحال في الإخبار؛ لأنّ الإخبار عبارة عن التكلّم بما ينتقل الذهن إلى الصورة التي هي لحصول الشي‏ء أو لحصول شي‏ء لشي‏ء، و الداعي إلى نقل الصورة هو الإعلام بحصول ذيها أو عدم حصوله، و كما يمكن الانتقال إلى الصورة التي يكون حصول ذيها فعليا، كذلك يمكن فيما يكون حصول ذيها استقبالا، و قد تقدّم في باب الفرق بين الإنشاء و الإخبار أنّهما يشتركان في الإتيان بما يوجب الانتقال إلى صورة حصول الشي‏ء، و لكنّ الغرض منه في الإنشاء حصول ذيها، بخلاف الإخبار فإنّ الغرض من الإتيان به الإعلام بحصول ذي الصورة في ظرفه المناسب، و لو كان استقبالا، و أنّه لو كان ما يقصد الإخبار عنه أمرا قابلا للإنشاء ففي موارد كون الغرض الإعلام، يكون حصول ذي الصورة مع قطع النظر عن هذا الإعلام، و في الأمر غير القابل للإنشاء لا يحتاج لإحراز كون المتكلّم في مقام الإعلام إلى أمر آخر.

و بالجملة كما أنّ في موارد الإنشاء بمفاد القضية الشرطية يكون الغرض حصول ذي الصورة في ظرف حصول الشرط، كذلك في موارد الاخبار بالجملة

13

الشرطية يكون الغرض الإعلام بتحقّق ذي الصورة خارجا على تقدير وجود الشرط.

و دعوى أنّ في موارد الاخبار بالجملة الشرطية يكون المحكي عنه هي الملازمة بين حصول الشرط و مضمون الجزاء لا تعليق الجزاء على الشرط؛ و لذا يكون صدق القضية الشرطية أو كذبها دائرا مدار صدق الملازمة أو عدمها، فمثل (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) صادقة؛ إذ الملازمة موجودة و لو مع عدم تحقّق الطرفين؛ لأنّ المحكي عنه هي الملازمة و حكايتها مطلقة، لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ هذا لا يجري في غير موارد الملازمة، مثل قوله (إن جاء الليل يضرب زيد) الذي هو مورد الكلام في المقام، فإنّه يكون صدق هذه القضية بتحقيق الضرب في الليل مع عدم الملازمة بينه و بين مجي‏ء الليل لا فعلا و لا مستقبلا، هذا بحسب المنطوق. و أمّا بحسب المفهوم، فكذب مفهومها بتحقّق الضرب قبل مجي‏ء الليل.

و ذكر المحقّق النائيني (قدّس سرّه) وجها آخر لامتناع إرجاع القيد إلى معنى الهيئة، و هو أنّ الالتزام بكون معنى الهيئة كليّا لا يصحّح التقييد؛ إذ التقييد في معناها غير ممكن، لكن لا لجزئيّته، بل من حيث إنّه يحتاج إلى لحاظ المعنى استقلالا، فإنّه ضرب من الحكم، و معنى الهيئة ملحوظ آليا، فالمتعيّن رجوع القيد إلى المادة الملحوظ معناها على الاستقلال؛ لأنّ الإطلاق و التقييد من شئون المفاهيم الاستقلالية، و مع أخذ القيد في المادة شرطا يستحيل تعلّق الطلب بتلك المادة بدون ذلك القيد، فمثلا الحجّ المتقيّد بالاستطاعة الخارجية يتّصف بالواجب و يقع طرفا للنسبة الطلبيّة، و بدون هذا القيد لا يكون متّصفا بوصف الواجب و لا يقع طرفا للنسبة الطلبية.

و بالجملة إرجاع القيد إلى المادة بهذا النحو لا محذور فيه، و لا يوجب إرجاع الواجب المشروط إلى الواجب المعلّق باصطلاح صاحب الفصول كما ذكر في‏

14

الكفاية (1).

أقول: يرد عليه:

أوّلا: بأنّه لا بدّ من أن يفرّق (قدّس سرّه) بين قول القائل (إن جاءك زيد فأكرمه) و بين قوله (إن جاءك زيد فأطلب منك إكرامه)، حيث إنّ التقييد في الأوّل غير ممكن؛ لكون الطلب و البعث يستفاد من الهيئة بخلاف الثاني، فإنّ الطلب فيه معنى اسمي، و يلاحظ استقلالا في مقام الاستعمال كسائر المعاني الاسمية الكلية القابلة للتقييد.

و ثانيا: قد تقدّم أنّ التقييد في الواجب المشروط بمعناه المشهور الذي كان في مقام الجعل و الإنشاء ليس بمعنى تضييق المعنى الكلي ليقال بأنّه لا يجري في المعاني الملحوظة آليا، حتّى مع كونها كليّة، بل هو بمعنى التعليق، و تعليق النسبة أمر ممكن، سواء كان الغرض من تلك النسبة إنشاء أو اخبارا، فلاحظ الذي يدقّ باب زيد و يسأل عن كونه في الدار مثلا، فإنّه لا غرض له إلّا الاستفهام عن النسبة الظرفية ثبوتا أو نفيا، و إذا صحّ تعلّق الغرض بالنسبة استقلالا- طلبية كانت أو خبرية- فيمكن كونها مطلقة، كما يمكن كونها معلّقة.

و ثالثا: إنّ ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ إرجاع الشرط إلى المادّة بالنحو الذي ذكره لا يوجب كونه من الواجب المعلّق، ففيه أنّه ليس في البين إلّا البعث و الطلب المتعلّق بالمادّة، فإن رجع الشرط إلى نفس الطلب و البعث يكون واجبا مشروطا باصطلاح المشهور، و إن رجع إلى المادة يكون من الواجب المعلّق، و لا يتعقّل الشقّ الثالث الذي عبّر عنه بالمادة المنتسبة و أرجع الشرط إليها، و ما ذكر (قدّس سرّه) من أنّ الحجّ المتصف‏

____________

(1) أجود التقريرات: 1/ 131.

15

و أمّا حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبّا [1] ففيه: إنّ الشي‏ء إذا توجه إليه، و كان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها، كما يمكن أن يبعث‏

بالاستطاعة الخارجية يتعلّق به الوجوب و يقع طرفا للنسبة الطلبية، فمعناها أنّ فعلية النسبة الطلبية منوط بحصول الاستطاعة، و هذا عبارة أخرى عن تعليق النسبة الطلبية إثباتا، و أخذها في الموضوع لتلك النسبة ثبوتا، بمعنى أنّه لم يعتبر الطلب المتعلّق بالحجّ إلّا في ظرف حصول الاستطاعة بنحو الشرط المقارن، فيكون المكلّف المستطيع خارجا موضوعا لوجوب الحج.

ثمّ إنّه قد يتراءى التنافي بين ما ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) هنا في الجواب عن إشكال رجوع الشرط إلى الهيئة من استلزام تعليق إنشاء الطلب على تقدير شي‏ء لعدم كون الطلب في فرض عدم حصوله فعليا، و إلّا يلزم تفكيك المنشأ و تخلّفه عن إنشائه. و بين ما ذكر في بحث الشرط المتأخّر من أنّ الدخيل في حصول الطلب لحاظ الشرط لا نفس الشرط و لحاظه مقارن لجعل الحكم و إنشاء الطلب، فإنّ مقتضى ذلك فعلية الطلب قبل حصول الشرط خارجا لفعلية لحاظه.

و يمكن دفع التنافي بأنّ ما ذكره سابقا راجع إلى دفع شبهة تأثير المعدوم في الموجود، فذكر في اندفاعها بأنّ المؤثّر في إرادة المولى إنشاء الحكم لحاظ الشرط المتقدّم و المتأخّر كما في الشرط المقارن، و كلامه في المقام ناظر إلى الشرط بالإضافة إلى الطلب المنشأ الذي يكون بالإنشاء، و أنّ هذا المنشأ إذا علّق في إنشائه على حصول شي‏ء لا يكون في فرض عدم حصوله لعدم الإنشاء بالإضافة إلى تقدير عدمه، فلا تنافي.

[1] و حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في الجواب عن دعوى لزوم رجوع الشرط إلى المادّة لبّا هو أنّ الشي‏ء إذا كان موافقا للغرض- سواء كان الغرض صلاح الفعل أو غيره-

16

فعلا إليه و يطلبه حالا، لعدم مانع عن طلبه كذلك، يمكن أن يبعث إليه معلقا، و يطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول لأجل مانع عن الطلب و البعث فعلا قبل حصوله، فلا يصح منه إلا الطلب و البعث معلقا بحصوله، لا مطلقا و لو متعلقا بذاك على التقدير، فيصح منه طلب الإكرام بعد مجي‏ء زيد، و لا يصح منه الطلب المطلق الحالي للإكرام المقيد بالمجي‏ء، هذا بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح.

يمكن أن يبعث المولى إلى ذلك الفعل فعلا بأن يكون طلبه حاليا لعدم المانع عن حاليته، كذلك يمكن أن يطلبه بنحو الاشتراط و التعليق، بأن لا يكون قبل حصول المعلّق عليه طلب فعلي للمانع عن فعلية الطلب و حاليته.

و بالجملة ففي فرض المانع عن فعلية الطلب لا يكون طلب حالي بنحو يكون المعلّق عليه قيدا لنفس الفعل مع حالية طلبه، كما هو ظاهر كلام الشيخ (قدّس سرّه)، و هذا- بناء على تبعية الأحكام للمصالح في نفس الأحكام- واضح.

و أمّا بناء على تبعيّتها للمصالح في متعلّقات الأحكام فأيضا كذلك، فإنّ تعلّق الطلب الحقيقي و البعث الفعلي بها على هذا القول أيضا يتوقّف على عدم المحذور في فعلية الطلب؛ إذ التبعية إنّما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية لا بما هي فعلية، و عليه فلا محذور في عدم فعليّتها لمانع، كما في موارد قيام الامارات و الأصول العملية على خلاف التكاليف الواقعية، و في بعض الأحكام في الشريعة مع بقاء المانع من فعليتها إلى ظهور شمس الهداية و ارتفاع الظلام.

أقول: ظاهر جوابه (قدّس سرّه) عن رجوع القيد إلى المادّة لبا، هو أنّه إذا كان الصلاح في الفعل، على تقدير حصول أمر خارجا يمكن أن ينشأ الوجوب عليه على تقدير حصول ذلك الأمر، بحيث لا يكون في فرض عدم حصوله طلب و منشأ و لا يكون‏

17

و أمّا بناء على تبعيتها للمصالح و المفاسد في المأمور به، و المنهي عنه فكذلك، ضرورة أنّ التبعية كذلك، إنّما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية، لا بما هي فعلية، فإنّ المنع عن فعلية تلك الأحكام غير عزيز، كما في موارد الأصول‏

بالإضافة إلى الفعل المزبور- على تقدير عدم حصول ذلك الأمر- إرادة أصلا، و عليه فلا يكون الوجوب المنشأ إلّا بعد حصوله و لا الإرادة إلّا بعده، فيكون نفس الوجوب المنشأ و فعليته أمرا استقباليا، لا أن يكون الوجوب و فعليته أمرا حاليا و الواجب استقباليا، كما هو ظاهر المحكي عن الشيخ و قال بأن الوجدان شاهد على أنّ الإرادة لا تقبل القيد، بل كل ما يفرض من القيد فهو راجع إلى المراد المشتاق إليه.

و ذكر المحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) في تعليقته تقريبا لما ذكر الماتن (قدّس سرّه) بأنّ الشوق المؤكّد لا يكوّن إرادة، بل الإرادة هي المحرّكة للعضلة نحو الفعل، و ما دام لم يحصل القيد لا تحصل هذه الإرادة، و كما أنّه مع المانع عن الفعل المباشري لا تتحقّق الإرادة- أي الشوق المحرّك للعضلات- كذلك مع المانع عن بعث العبد، لا يحصل للمولى الشوق المحرّك نحو البعث، فلا يكون في ظرف المانع بعث حالي فعلي‏ (1).

و لكن يأتي من المصنّف (قدّس سرّه)(2) أنّه لا يعتبر في فعلية الإرادة كونها محرّكة نحو المراد فعلا، بل يمكن أن يكون المراد أمرا استقباليا و الإرادة حالية و أمّا توصيفهم الشوق بكونه مؤكّدا محرّكا فهو بيان مرتبة للشوق الذي يطلق عليه الإرادة و التحريك الفعلي غير معتبر في كونها إرادة فتصوير المانع بالإضافة إلى تحريكه لا إلى حصوله، و المدّعى في كلام الشيخ (قدّس سرّه) عدم التقييد في الشوق، بل القيد في المشتاق إليه.

و الجواب الصحيح هو أنّ الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد و إن صحّ تعلّقه بالأمر

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 67.

(2) الكفاية: ص 102.

18

و الأمارات على خلافها، و في بعض الأحكام في أول البعثة، بل إلى يوم قيام القائم (عجل اللّه فرجه)، مع أن حلال محمد (صلّى اللّه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، و مع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الأحكام باقيا مرّ الليالي و الأيام، إلى أن تطلع شمس الهداية و يرتفع الظلام، كما يظهر من الأخبار المروية عن الأئمة (عليهم السلام).

الاستقبالي إلّا أنّه ليس حكما و لا دخيلا في فعلية الحكم و التكليف، كما يشهد بذلك فعلية الإباحة مع عدم تصوير الاشتياق فيها بالإضافة إلى الفعل، بل ذكرنا في بحث الطلب و الإرادة أنّ الشوق المؤكّد غير الإرادة، فإنّ الشوق يتعلّق بغير المقدور بمنتهى شدّته، و الإرادة لا تتعلّق به، و قد يصدر الفعل عن الفاعل بالاختيار بلا اشتياق منه إلى الفعل.

و بالجملة الشوق المؤكّد ليس من الحكم، و إرادة المولى لا تتعلّق بفعل العبد، فإنّ فعل العبد بما هو فعل الغير غير مقدور للمولى بما هو مولى، بل إرادة الآمر تتعلّق بفعله يعني بعثه و طلبه، و يكون إعمال قدرته فيه، و قد ذكرنا بما أنّ الوجوب و الطلب أمر إنشائي يكون إنشائه بعثا و طلبا حقيقة بكون الغرض منه إمكان كونه داعيا للعبد إلى الإتيان بمتعلّقه.

و تقدم أيضا أنّه قد يكون صلاح الفعل على تقدير حصول شي‏ء بحيث لو لم يحصل، لما كان في الفعل الاختياري ملاكا كما في قوله: (إذا جاء الشتاء فالبس الثياب الشتوية) ففي مثل هذه الموارد لا يكون للمولى موجب لإنشاء الطلب مطلقا حتى يكون القيد راجعا إلى متعلّق الطلب و البعث، بل ينشأ الطلب على نحو التعليق على حصول أمر آخر، و يكون غرضه من المنشأ أن يكون في ظرف فعليّته داعيا للعبد إلى الإتيان بالفعل.

19

فان قلت: فما فائدة الانشاء؟ إذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليا، و بعثا حاليا.

قلت: كفى فائدة له أنّه يصير بعثا فعليا بعد حصول الشرط، بلا حاجة إلى خطاب آخر، بحيث لولاه لما كان فعلا متمكنا من الخطاب، هذا مع شمول الخطاب كذلك للإيجاب فعلا بالنسبة إلى الواجد للشرط، فيكون بعثا فعليا بالإضافة إليه، و تقديريّا بالنسبة إلى الفاقد له، فافهم و تأمل جيّدا.

و يمكن أن يكون صلاح الفعل مطلقا و لكن لا يتمكّن العبد من ذلك الفعل إلّا بحصول أمر آخر كقوله: (إذا تمكّنت على تعلّم العلم فتعلّم) فإنّ كون الطلب مشروطا لأجل أنّه لا أثر للطلب بدون حصول التمكّن، فلا يكون الطلب المشروط طلبا واقعيا إلّا بعد حصول الشرط إذن فلا ينحصر الطلب المشروط بموارد وجود المانع عن إطلاق الطلب الحقيقي.

و قد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ البعث و الطلب و إن اتّصف بكونه حقيقيا إلّا أنّ اتّصافه به إنّما هو بلحاظ كون الغرض من اعتباره إمكان انبعاث العبد به إلى الفعل، و عليه إذا كان الصلاح في الفعل أو غيره داعيا للمولى إلى إنشاء البعث و الطلب على نحو الاشتراط و التعليق فلا محذور فيه، حيث إنّ الإنشاء ليس عين المنشأ خارجا ليكون تغايرهما بالاعتبار كما في تغاير الكسر و الانكسار و الإيجاد و الوجود حتّى يلزم فعلية الإنشاء بلا فعلية المنشأ فيكون ممتنعا، بل هما متغايران ذاتا كما بيّناه سابقا. و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بكون الإنشاء مبرزا للمنشإ و مقوّما لعنوانه أو القول بأنّ المنشأ أمر مسبّب عن الإنشاء، فإنّ التسبّب المزبور بما أنّه أمر جعلي اعتباري فيمكن أن يوجد بالسبب التكويني الفعلي الأمر الاعتباري المتأخّر.

20

ثم الظاهر دخول المقدّمات الوجودية للواجب المشروط، في محل النزاع أيضا [1]، فلا وجه لتخصيصه بمقدّمات الواجب المطلق، غاية الأمر تكون في الاطلاق و الاشتراط تابعة لذي المقدمة كأصل الوجوب بناء على وجوبها من باب الملازمة.

و أما الشرط المعلق عليه الإيجاب في ظاهر الخطاب، فخروجه ممّا لا شبهة فيه، و لا ارتياب:

أمّا على ما هو ظاهر المشهور و المتصور، لكونه مقدمة وجوبية.

المقدمات الوجودية للواجب المشروط:

[1] يعني كما أنّ مقدّمات الواجب المطلق مورد النزاع في المقام، و يقع البحث في أنّ وجوب ذيها يلازم تعلّق الوجوب المولوي الارتكازي بها، كذلك المقدّمات الوجودية للواجب المشروط داخلة في النزاع، غاية الأمر أنّ المقدّمة تتبع ذيها في إطلاق الوجوب و اشتراطه، كما أنّها تابعة له في أصل الوجوب ففي الواجب المطلق يكون وجوب المقدّمة مطلقا بخلاف الواجب المشروط فإنّه يكون وجوب مقدّمته أيضا مشروطا بحصول شرط الوجوب، فلا وجه لتخصيص النزاع بمقدّمات الواجب المطلق، كما هو مقتضى ظاهر بعض الكلمات. نعم لا يكون شرط الوجوب و قيده داخلا في محلّ الكلام في الملازمة و إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بقوله: «و أمّا الشرط المعلّق عليه الإيجاب ... إلخ» (1) و حاصله عدم امكان تعلق الوجوب الغيري بشرط الوجوب و لو كان الشرط فعلا اختياريا لأنّ المزبور عدم الوجوب مع عدمه، و وجوبه مع حصوله مقتضاه طلب الحاصل.

____________

(1) الكفاية: ص 99.

21

و أمّا على المختار لشيخنا العلّامة- أعلى اللّه مقامه- فلأنّه و إن كان من المقدمات الوجودية للواجب، إلا أنّه أخذ على نحو لا يكاد يترشح عليه الوجوب منه، فإنّه جعل الشي‏ء واجبا على تقدير حصول ذاك الشرط، فمعه كيف يترشح‏

و أمّا بناء على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) فقد تقدّم أنّ الوجوب يتعلق بالحجّ المقارن للاستطاعة الخارجية مثلا، و أنّ الاستطاعة قد أخذت قيدا للحجّ بنحو لا يتعلّق بها وجوب و يكون المكلّف مطلق العنان بالإضافة إليها، و لو تعلّق بها وجوب ففي فرض عدمها يلزم الخلف، و في فرض وجودها يلزم طلب الحاصل.

أقول: ظاهر كلامه (قدّس سرّه) تعلق الوجوب فعلا على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) بالحجّ على تقدير استطاعته و لو بعد حين من عمره؛ و لذا يجب عليه فعلا سائر مقدّماته الوجودية على تقدير تلك الاستطاعة، و هذا يرجع إلى الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، كما يظهر ذلك أيضا من قوله: «فإنّه جعل الشي‏ء- أي الحج مثلا- واجبا على تقدير حصول ذلك الشرط، فمعه كيف يترشح عليه الوجوب و يتعلّق به الطلب؟

و هل هو إلّا طلب الحاصل» (1)، و لكن إنّ هذا الإرجاع لا يناسب استدلال الشيخ (قدّس سرّه) على عدم كون الشرط قيدا للوجوب، فإنّه لو أمكن كون الشرط قيدا للوجوب بنحو الشرط المتأخّر لأمكن كونه قيدا للوجوب بنحو الشرط المقارن بالأولوية.

و المناسب لكلامه و استدلاله هو أن يلتزم بأنّ التكليف في الواجبات المشروطة كالواجبات المطلقة مجعول في حقّ كلّ قابل للتكليف من البالغ العاقل المتمكّن على متعلّقه زمان العمل فيطلب منه الفعل المقيّد بحيث لا يسري الطلب إلى قيده، و لو سرى الطلب إلى ذلك القيد لزم الخلف.

____________

(1) الكفاية: ص 99.

22

عليه الوجوب و يتعلق به الطلب؟ و هل هو إلّا طلب الحاصل؟ نعم على مختاره (قدّس سرّه) لو كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها وجوبه، لتعلّق بها الطلب في الحال على تقدير اتفاق وجود الشرط في الاستقبال، و ذلك لان إيجاب ذي المقدمة على ذلك حالي، و الواجب إنما هو استقباليّ، كما يأتي في الواجب المعلّق، فإنّ الواجب المشروط على مختاره (قدّس سرّه)، هو بعينه ما اصطلح عليه صاحب الفصول من المعلّق، فلا تغفل.

ثمّ لا يخفى أنّ في الواجبات المشروطة و إن كان الشرط قيدا لنفس الوجوب أخذا بظاهر القضية الشرطية في الخطاب إلّا أنّ الوجوب في مقام الثبوت مجعول بمفاد القضية الحقيقية، و أنّ كلّ شرط و قيد للتكليف يفرض في مقام الجعل ثبوتا قيدا للموضوع لذلك التكليف، فالشارع يجعل وجوب صلاة الظهر مثلا على كلّ بالغ عاقل زالت عليه الشمس، و وجوب الحجّ على كلّ بالغ عاقل يكون مستطيعا، فكل قيود التكليف تفرض في مقام الجعل ثبوتا في ناحية الموضوع مفروضة الوجود و يجعل التكليف على الواجد لتلك القيود، فاختلاف مفاد القضية الشرطية مع مفاد القضية الحقيقية ينحصر بمقام الإثبات، و إلّا فالقضية الشرطية ترجع إلى مفاد القضية الحملية ثبوتا، و على ذلك فليس لازم ما ذكرنا من رجوع الشرط قيدا للحكم أن يثبت حكم شرعي معلّق بعد جعله في أفراد موضوعه، كما توهّم من ثبوت وجوب الحج المعلّق على الاستطاعة في حقّ جميع المكلّفين، فإنّ ثبوت هذا النحو من الحكم المعلّق ثبوتا في حقّ كلّ بالغ عاقل لغو محض.

و العجب من الشيخ (قدّس سرّه) حيث التزم بامتناع كون الشرط قيدا لنفس الوجوب، و التزم برجوعه إلى تقييد متعلّق التكليف، و لم يلتزم برجوعه إلى تقييد الموضوع للتكليف حتّى لا يرد عليه بأنّه كيف يكون العمل الاختياري قيدا لمتعلّق التكليف‏

23

هذا في غير المعرفة و التعلم من المقدمات، و أمّا المعرفة، فلا يبعد القول بوجوبها، حتّى في الواجب المشروط- بالمعنى المختار [1]- قبل حصول‏

و مع ذلك لا يجب تحصيله كسائر مقدّمات ذلك المتعلّق، و أخذه طورا لا يكاد يسري إليه الوجوب، لا يعقل إلّا بفرض وجود الشرط في ناحية الموضوع لذلك الوجوب، و ممّا يترتب على ما ذكرنا بطلان القول باعتبار الاستصحاب التعليقي، حيث إنّ المستصحب في موارد الاستصحاب هو الحكم في مقام الثبوت، و الحكم في مقام الثبوت له مرتبتان: مرتبة الجعل و مرتبة الفعلية، و ليس شي‏ء منهما ممّا يتمّ فيه أركان الاستصحاب على ما سيأتي توضيحه في محلّه إن شاء اللّه تعالى.

[1] المراد معرفة الواجب من حيث أجزائه و شرائطه ممّا يعتبر فيه من ترتيب الأجزاء و غيره كحدود الصلاة و الحج و الصوم و غيرها، و لا ينبغي التأمّل في لزوم معرفة الواجب فيما إذا كان وجوبه فعليّا سواء كان ظرف الإتيان به أيضا فعليّا أو كان ظرفه أمرا استقباليا، كما في الواجبات المشروطة على مسلك الشيخ (قدّس سرّه).

و لكن ربّما يناقش في وجوب تعلّم الواجب قبل حصول شرط وجوبه و فعلية وجوبه كما في الواجبات المشروطة و المؤقتة على مسلك المشهور فيما إذا علم المكلّف أو احتمل حصول شرطها فيما بعد، و أنّه إذا لم يتعلّمها قبل فعلية وجوبها لم يتمكّن بعد فعلية الشرط أو دخول الوقت من الإتيان بذلك الواجب بتمام أجزائه و شرائطه للغفلة أو العجز.

و وجه المناقشة أنّه قبل حصول الشرط أو دخول الوقت لا يكون الوجوب في ذلك الواجب فعليّا ليجب عليه المعرفة كسائر مقدّمات الواجب، و كما أنّ سائر مقدّمات الواجب لا يكون وجوبها فعليا قبل فعلية وجوب ذيها- كما تقدّم- فكيف تجب معرفته قبل وجوبه؟

24

شرطه، لكنه لا بالملازمة، بل من باب استقلال العقل بتنجز الأحكام على الأنام بمجرد قيام احتمالها، إلّا مع الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل على التكليف، فيستقل بعده بالبراءة، و إن العقوبة على المخالفة بلا حجة و بيان، و المؤاخذة عليها بلا برهان، فافهم.

و قد ذكر المصنف (قدّس سرّه) أنّ وجوب المعرفة ليس وجوبا غيريا كسائر المقدّمات الوجودية للواجب حتّى يناقش في وجوبها قبل فعلية وجوب الواجب، بل معرفته تدخل فيما يستقلّ به العقل من تنجّز الأحكام و التكاليف في الوقائع على المكلّف بمجرد احتمالها، و لا يكون مخالفتها من حيث الجهل بها عذرا إلّا مع الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل على التكليف، فيستقلّ العقل بعده بالبراءة و أنّ العقاب على المخالفة بلا حجّة و بيان.

أقول ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ المعرفة وجوبها ليس من الوجوب الغيري كالمقدمات الوجودية للواجب أمر صحيح، و لكنّ استقلال العقل بما ذكره- فيما إذا كان التعلّم من تحصيل القدرة على الواجب قبل فعلية وجوبه- غير معلوم، و إنّما الثابت عدم المعذورية في مخالفة التكليف المحتمل فعليته، مع التمكّن على موافقته على تقديره بالاحتياط أو بالاجتهاد و التقليد، و أمّا عدم المعذورية مع عدم التمكّن من موافقته و لو بترك التعلّم قبل زمان حصول فعليّة الوجوب و حصول شرطه، فهذا لا يستقلّ به العقل؛ لعدم القدرة على الفعل بعد فعلية شرط الوجوب.

و قد يجاب عن ذلك بأنّ الغفلة أو العجز لم يؤخذ عدمها شرطا في ناحية التكليف، بل التكليف المجعول يصير فعليّا بحصول شرطه و دخول وقته. نعم تكون الغفلة أو العجز مانعا عن تنجّز التكليف في الموارد التي يحكم العقل بالعذر، و العقل لا يحكم بالمعذورية مع ترك التعلّم.

25

تذنيب: لا يخفى أنّ إطلاق الواجب [1] على الواجب المشروط، بلحاظ حال حصول الشرط على الحقيقة مطلقا، و أمّا بلحاظ حال قبل حصوله فكذلك على الحقيقة على مختاره (قدّس سرّه) في الواجب المشروط، لأن الواجب و إن كان أمرا استقباليا عليه، إلا أن تلبّسه بالوجوب في الحال، و مجاز على المختار، حيث‏

و فيه: أنّ من شرط التكليف القدرة على متعلّقه في ظرف الواجب، و الغافل كالعاجز غير متمكّن عليه.

و لكن مع ذلك، الصحيح وجوب المعرفة؛ و ذلك فإنّ الأخبار الواردة في وجوب تعلّم الأحكام و الواجبات بإطلاقها تعمّ المشروطة و الموقتة، ممّا يحتمل المكلّف الابتلاء بها فضلا عمّا يعلم، و تكون دالّة على أنّ العجز الناشئ عن ترك التعلّم- و لو كان الترك قبل حصول الشرط أو الوقت- يوجب تفويت ملاك الواجب، نظير ما تقدّم في الأمر بالاغتسال في الليل على الجنب الذي عليه صوم الغد عند طلوع الفجر.

و بالجملة وجوب التعلّم طريقيّ يقطع العذر في مخالفة التكليف أو في تفويت الملاك الملزم الموجود في مورده.

[1] قد تقدّم في بحث المشتق أنّ معناه ضيّق لا ينطبق إلّا على المتلبس بالمبدإ، و عليه فإن كان إطلاق الواجب على الحجّ- مثلا- بلحاظ حال الاستطاعة، يكون الإطلاق حقيقيا، بلا فرق بين مسلك المشهور و مسلك الشيخ (قدّس سرّه)، و إن كان الإطلاق بلحاظ قبل الاستطاعة يكون الإطلاق حقيقيا بناء على مسلكه (قدّس سرّه) بخلاف مسلك المشهور، فإنّ الإطلاق يكون بالعناية، كما صرّح به الشيخ البهائي (قدّس سرّه)، و الشاهد لكون الإطلاق مع العنائية أنّ إطلاق المستحبّ على الحجّ حال عدم الاستطاعة صحيح لا عناية فيه.

26

لا تلبّس بالوجوب عليه قبله، كما عن البهائي (رحمه اللّه) تصريحه بأن لفظ الواجب مجاز في المشروط، بعلاقة الأول أو المشارفة.

و أمّا الصيغة مع الشرط، فهي حقيقة على كل حال لاستعمالها على مختاره (قدّس سرّه) في الطلب المطلق، و على المختار في الطلب المقيد، على نحو تعدد الدالّ و المدلول، كما هو الحال فيما إذا أريد منها المطلق المقابل للمقيد، لا المبهم المقسم، فافهم.

و أمّا صيغة الأمر فهي موضوعة لإنشاء البعث و الطلب الجامع بين مطلقه و مشروطه المعبّر عن ذلك الجامع بالمبهم المقسم فيكون استعمالها في إنشاء الطلب على نحو حصل الحقيقة سواء بها الطلب المطلق أو المشروط، فإنّها في كلتا الصورتين تستعمل في معناها الموضوع له، و يكون إنشاء أصل الطلب بها و خصوصية الإطلاق أو الاشتراط بدال آخر، و هي القرينة العامّة يعني مقدمات الحكمة فيما كانت الخصوصية هي الإطلاق المقابل للاشتراط، و القرينة الخاصّة فيما كانت الخصوصية هي الاشتراط.

و المراد من الطلب المطلق على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) الإطلاق الذاتي الذي لا يحتاج إلى مقدّمات الحكمة، حيث إنّ الاحتياج إليها في إثبات الإطلاق العرضي الذي يكون في فرض إمكان تقييده، و قد التزم (قدّس سرّه) بعدم إمكان تقييد الوجوب بوجه ثبوتا أو إثباتا.

أقول: إطلاق الواجب على الفعل يكون باعتبارين.

أحدهما: بحسب مقام الإنشاء و الجعل، كما يقال: الصلوات الخمس واجبة، و غسل الميت واجب، و غسل الجمعة مستحب، و لا فرق بين المسلكين في هذا الإطلاق، فإنّه عليهما حقيقي لا جازي لفعلية الإنشاء و تحقّقه حتّى على المسلك المشهور.

27

و منها: تقسيمه إلى المعلّق و المنجّز [1]، قال في الفصول: إنّه ينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلّق وجوبه بالمكلّف، و لا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له، كالمعرفة، و ليسمّ منجّزا، و إلى ما يتعلّق وجوبه به، و يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له، و ليسمّ معلّقا كالحج، فإن وجوبه يتعلّق بالمكلّف من أوّل زمن‏

و الثاني: الإطلاق بحسب فعلية الوجوب المنشأ و الطلب، فالوجوب قبل حصول شرطه غير فعلي، فلا يكون الفعل حينئذ واجبا، ليكون الإطلاق بلحاظه حقيقيا و هذا على مسلك المشهور.

و أمّا بناء على مسلك الشيخ (قدّس سرّه) فالفعل الاستقبالي واجب حقيقة؛ لعدم الاشتراط في وجوبه.

الواجب المعلق و المنجز:

[1] حاصل ما ذكره في الفصول أنّه إن لم يتوقّف متعلّق الوجوب على أمر غير مقدور كالمعرفة باللّه (سبحانه) يكون الواجب منجّزا و إن توقّف عليه كالحجّ بالإضافة إلى مجي‏ء زمانه بناء على حصول وجوبه بحصول الاستطاعة أو خروج الرفقة يكون الواجب معلّقا، و الفرق بين المعلّق و المشروط أنّ نفس الوجوب في المشروط معلّق على حصول الشرط بخلافه في المعلّق فإنّه لا يتوقّف على حصول الشرط، بل المتوقّف على حصوله هو الواجب.

و ذكر الماتن في ذيله: بما أنّ الواجب المعلّق عند صاحب الفصول بعينه هو ما التزم به الشيخ (قدّس سرّه) في الواجب المشروط حيث ذكر امتناع رجوع القيد إلى نفس الوجوب ثبوتا و إثباتا و أنّ القيود كلّها ترجع إلى متعلّق الوجوب أنكر على صاحب الفصول هذا التقسيم، و قد عرفت أنّ إنكاره يرجع في الحقيقة إلى الواجب المشروط

28

الاستطاعة، أو خروج الرفقة، و يتوقف فعله على مجي‏ء وقته، و هو غير مقدور له، و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط هو أن التوقف هناك للوجوب، و هنا للفعل. انتهى كلامه رفع مقامه.

لا يخفى أنّ شيخنا العلّامة- أعلى اللّه مقامه- حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى، و جعل الشرط لزوما من قيود المادة ثبوتا و إثباتا، حيث ادعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك، أي إثباتا و ثبوتا، على خلاف القواعد العربية و ظاهر المشهور، كما يشهد به ما تقدم آنفا عن البهائي، أنكر على الفصول هذا التقسيم، ضرورة أنّ المعلّق بما فسّره، يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك، كما هو واضح، حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر معقول، كان هو المعلق المقابل للمشروط.

باصطلاح المشهور لا إلى الواجب المنجّز و المعلّق.

نعم يرد على الفصول أنّ تقسيم الواجب إلى المنجّز و المعلّق بلا موجب، فإنّ الوجوب الغيري للمقدّمة من لوازم حاليّة وجوب ذيها سواء كان متعلّقه منجّزا أو معلّقا، و لو أريد تقسيم الواجب من غير دخله في المهمّ لكثرة تقسيماته.

أقول: قد ذكر صاحب الفصول (قدّس سرّه) هذا التقسيم لتصحيح وجوب المقدّمة في بعض الواجبات قبل مجي‏ء زمانها، كاغتسال الجنب و الحائض في الليل لصوم يوم الغد، و كالخروج إلى السفر قبل زمان مجي‏ء أشهر الحجّ للنائي.

و ذكر المحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) في ذيل ما أورده الماتن على الفصول: انّه لا يخفى أنّ انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب (أي تأخّر زمان الواجب) هو المصحّح لوجوب مقدّمته قبل زمان الواجب، و إلّا فلو كان زمان الوجوب متّحدا مع زمان الواجب لما وجبت مقدّمته قبل زمان الواجب، و لعله (قدّس سرّه) أشار إلى ذلك بقوله‏

29

و من هنا انقدح أنّه في الحقيقة إنّما أنكر الواجب المشروط، بالمعنى الذي يكون هو ظاهر المشهور، و القواعد العربية، لا الواجب المعلّق بالتفسير المذكور.

و حيث قد عرفت- بما لا مزيد عليه- امكان رجوع الشرط إلى الهيئة، كما هو ظاهر المشهور و ظاهر القواعد، فلا يكون مجال لإنكاره عليه.

نعم يمكن أن يقال: إنّه لا وقع لهذا التقسيم، لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط و خصوصية كونه حاليّا أو استقباليّا لا توجبه ما لم توجب الاختلاف في المهم، و إلا لكثر تقسيماته لكثرة الخصوصيات، و لا اختلاف فيه، فإن ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلا- كما يأتي- إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه و حاليّته، لا من استقباليّة الواجب، فافهم.

«فافهم»، فوجوب المقدّمة حينئذ و إن كان معلولا لوجوب ذيها لكن وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها لتقدّم زمان وجوب ذيها على زمان ذيها، بحيث لو لا هذا التقدم و التأخر لما وجبت المقدّمة قبل زمان ذيها (1).

أقول: ما ذكره (قدّس سرّه) لا يزيد أمرا و لا يوجب خللا فيما ذكر الماتن (قدّس سرّه) من أنّ وجوب المقدّمة في مورد لفعليّة زمان ذيها، سواء كان نفس الواجب مقيّدا بقيد متأخّر أم لا.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام هو أنّ نفس فعلية وجوب ذي المقدّمة- مع كونه مقيّدا بقيد استقبالي- لا يوجب وجوب مقدّمته بأن يؤتى بالمقدّمة قبل مجي‏ء زمان ذيها و لو بنحو الواجب الغيري الموسّع، بل يختصّ ذلك بما إذا لم يؤخذ المتأخّر قيدا لنفس المقدّمة أيضا بأن لم تكن المقدّمة من قبيل الاغسال للمستحاضة

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 72.

30

ثمّ إنّه ربّما حكي عن بعض أهل النظر [1] من أهل العصر إشكال في الواجب المعلّق، و هو أن الطلب و الإيجاب، إنّما يكون بإزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد، فكما لا تكاد تكون الإرادة منفكة عن المراد، فليكن الإيجاب غير منفك عما يتعلق به، فكيف يتعلّق بأمر استقبالي؟ فلا يكاد يصح الطلب و البعث فعلا نحو أمر متأخر.

الكثيرة أو المتوسّطة بالإضافة إلى صومها في الغد.

و عليه، فلا يكون مجرّد انفكاك زمان فعلية وجوب فعل عن زمان الإتيان بنفس الفعل مجديا في تعيّن أو جواز الإتيان بمقدّمته قبل مجي‏ء ذلك الزمان و إنّما يكون ذلك فيما إذا كان المتأخّر مأخوذا في ناحية نفس الواجب النفسي خاصّة لا في ناحية وجوبه و لا في ناحية مقدّمته.

الإشكالات على الواجب المعلّق:

[1] قيل هو المحقّق النهاوندي (قدّس سرّه)، و حاصله أنّ الإيجاب يقابل الإرادة، و كما لا تنفك إرادة الفاعل عن مراده، بل تحريك العضلات نحو المراد بفعليّة الإرادة، فليكن الحال في الإيجاب الفعلي كذلك، بأن يكون تحريك العبد نحو المتعلّق تابعا لحدوث الطلب الفعلي، فإنّ الايجاب أيضا إرادة، غاية الأمر تتعلّق الإرادة في الأول بفعل الغير و في الثاني بالفعل المباشري، و على ذلك فلا يمكن تصوير الواجب المعلّق، حيث إنّ لازمه الفصل بين تحقّق الطلب الفعلي و المطلوب بزمان.

و أجاب المصنّف (قدّس سرّه) عن المناقشة بوجوه ثلاثة: الأوّل و الثاني راجعان إلى الإرادة التكوينية المتعلّقة بالفعل المباشري، و الثالث إلى الإيجاب و الإرادة التشريعيّة.

31

قلت: فيه أنّ الإرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي، كما تتعلق بأمر حالي، و هو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلا عن فاضل، ضرورة أن تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات- فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة و كثير المئونة- ليس إلا لأجل تعلق إرادته به، و كونه مريدا له قاصدا إيّاه، لا يكاد يحمله على التحمل إلّا ذلك، و لعلّ الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكد المحرّك للعضلات نحو المراد، و توهم أنّ تحريكها نحو المتأخر ممّا لا يكاد، و قد غفل عن أن كونه محركا نحوه يختلف حسب اختلافه، في كونه مما لا مئونة له كحركة نفس العضلات، أو ممّا له مئونة و مقدمات قليلة أو كثيرة، فحركة العضلات‏

و حاصل الوجه الأوّل: أنّ الإرادة التكوينية أيضا تتعلّق بأمر استقبالي و تنفكّ عن المراد بحسب الزمان، كما إذا تعلّقت بأمر يكون موقوفا على مقدّمات يحتاج في تحصيلها إلى طول الزمان، كإرادة الوصول إلى مرتبة الاجتهاد و استنباط الأحكام من مداركها، فإنّ الشوق إليه الحادث للنفس يدعو إلى تحمّل المشاقّ في تحصيل مقدّماته ليحصل له الغرض بعد سنين، و لو كان حدوث الشوق إلى الاجتهاد بعد حصول مقدّماته لما كان كلّ مريد للاجتهاد متحمّلا للمشاقّ من تحصيل المقدّمات، فحركة العضلات المعتبرة في الإرادة التكوينية نحو المراد أعمّ من أن تكون نحو نفس المراد أو نحو مقدّماته.

و حاصل الوجه الثاني أنّه يمكن انفكاك إرادة الفاعل عن مراده بأن لا تتحرّك عضلاته نحو المراد و لا نحو مقدّماته لكون المراد و ما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمرا استقباليا غير محتاج إلى تهيئة مقدّمة، فيكون غرضهم من توصيف الإرادة و الشوق المؤكّد بكونها محرّكة للعضلات بيان المرتبة من الشوق الذي تسمّى إرادة، ضرورة إمكان كون اشتياق الإنسان إلى أمر استقبالي أقوى و آكد من الشوق المحرّك فعلا نحو

32

تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له، و الجامع أن يكون نحو المقصود، بل مرادهم من هذا الوصف- في تعريف الإرادة- بيان مرتبة الشوق الذي يكون هو الإرادة، و إن لم يكن هناك فعلا تحريك، لكون المراد

مراد حالي أو استقبالي يحتاج إلى مقدّمة أو مقدّمات.

و حاصل الوجه الثالث: منع قياس الايجاب بالارادة التكوينية و ذلك فإنّ البعث و الطلب لإيجاد الداعي إلى الفعل في نفس العبد و حركته نحو الفعل تتوقّف على علمه بالبعث و تصوّره ما يترتب على موافقته و مخالفته و التصديق بما هو صلاح له و بعد ذلك ينقدح الداعي في نفسه فتتحرّك عضلاته نحو الفعل. فيكون تخلل زمان بين زمان الإيجاب و بين الفعل خارجا ممّا لا بدّ منه. و إذا أمكن الانفكاك بينهما بزمان قصير أمكن الفصل بالطويل أيضا.

و عن المحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) ما حاصله أنّ ما ذكر المصنف (قدّس سرّه) في ناحية كلّ من الإرادة التكوينية و التشريعية غير تام، أمّا الإرادة التكوينية فالأمر فيها كما ذكر النهاوندي من أنّ الإرادة (أي الشوق المؤكّد) علّة تامّة لحركة العضلات نحو الفعل.

و بيانه: أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى لها منازل و مراتب، و لها في كلّ مرتبة و منزل من تلك المراتب و المنازل شأن و حركة فتدرك في مرتبة العاقلة أنّ في الفعل فائدة عائدة إلى جوهر ذاتها أو إلى قوة من قواها و يحصل لها في مرتبة القوة الشوقية شوق إلى ذلك الفعل، و إذا لم تجد مانعا و مزاحما يخرج الشوق المنبعث من حدّ النقصان إلى الكمال المعبّر عن ذلك الكمال بالإجماع تارة، و بتصميم العزم أخرى، و بالقصد و الإرادة ثالثة، و ينبعث من هذه المرتبة من الشوق البالغة كماله و حدّ نصابه، حركة و هيجان في مرتبة القوّة العاملة في العضلات.

و على ذلك فلا يكون الشوق في مرتبة ضعفه إرادة و قوة فاعلة، لتعلّق الشوق‏

33

و ما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمرا استقباليا غير محتاج إلى تهيئة مئونة أو تمهيد مقدمة، ضرورة أن شوقه إليه ربّما يكون أشد من الشوق المحرّك فعلا نحو أمر حالي أو استقبالي، محتاج إلى ذلك.

بما هو خارج عن اختيارها، بل إنّما يكون إرادة في مرتبة كماله و هيجانه للقوّة العاملة في العضلات، ففاعلية النفس محركيّتها بالإرادة التي تنبعث منها القوى العاملة في العضلات، و إذا لم تنبعث تلك القوى فلا يكون عدم الانبعاث إلّا بعد خروج الشوق عن نقصانه و عدم وصوله إلى كماله.

و لا منافاة بين بقاء النفس في مرتبة النقص من الشوق بالإضافة إلى الفعل المراد و بين خروج الشوق إلى مقدّمته- المتولّد من الشوق إلى ذلك الفعل- إلى مرتبه كماله، و ينبعث من الشوق الواصل إلى كماله القوى العاملة في العضلات بالإضافة إلى تلك المقدمة فلا يكون التصدي لمقدمات المطلوب و المراد كاشفا عن وصول الشوق إلى ذى المقدمة إلى كماله.

و بتعبير آخر: عدم المانع و المزاحم بالاضافة إلى مقدمة فعل، الموجب لخروج الشوق بها إلى الارادة الناشي من الشوق بذى المقدمة لا ينافي بقاء الشوق إلى ذى المقدمة لوجود المزاحم و المانع في مرتبة نقصانه.

و الحاصل تكون الارادة المتعلّقة بشي‏ء الجزء الأخير من العلّة التامّة لذلك الشي‏ء، فلا يعقل انفكاك انبعاث القوى العاملة في العضلات عن إرادة ذلك الشي‏ء و إلّا لزم تخلّف المعلول عن علّته التامة، هذا بالإضافة إلى الارادة التكوينية.

و أمّا الإرادة التشريعيّة فالأمر فيها أيضا كذلك، فإنّ شوق المولى بفعل العبد لا يمكن أن يصل إلى مرتبة الإرادة؛ لأنّ فعل العبد خارج عن اختياره بما هو مولى، فيتولّد من اشتياقه إلى فعل العبد المنقاد شوق إلى بعثه نحو ذلك الفعل، و يصل هذا

34

هذا مع أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أن البعث إنما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلف به، بأن يتصوره بما يترتب‏

الشوق إلى مرتبة الإرادة، فإرادة المولى تتعلّق ببعثه، و هذا البعث لا يترتّب عليه انبعاث العبد إلى الفعل بنحو القهر و الغلبة، فإنّه خلاف الفرض، بل لا بدّ من أن يكون بنحو يترتّب عليه إمكان انبعاثه.

و بتعبير آخر ما تعلّق به شوق المولى و ميله هو الفعل الاختياري للعبد، و لو كان بعث المولى إلى فعله بنحو القهر و الإجبار لكان ذلك بعث إلى غير ما اشتاق إليه، فلا بدّ من أن يكون بعثه على نحو يترتّب عليه إمكان انبعاث العبد فيما لو كان منقادا، و المفروض في الواجب المعلّق عدم ترتّب الانبعاث عند تحقّق البعث مع فرض انقياد العبد، فلا يكون بعث المولى بعثا حقيقة و لو إمكانا (1).

أقول قد تقدّم سابقا و كرارا أنّ إرادة المولى لا تتعلّق بالبعث الخارجي الحقيقي، فإنّ البعث الخارجي الحقيقي قهر على الغير لا ينفكّ عن الانبعاث الخارجي و لا يتحقّق بدونه، كما لا يتحقّق الكسر بلا انكسار، و إنمّا تتعلّق إرادته بالبعث الخارجي الاعتباري، و إذا كان البعث اعتباريا فيمكن أن ينشأ البعث معلقا على أمر استقبالي بنحو الشرط المقارن أو غيره نظير الوصية التمليكية و يمكن أن ينشأ البعث مطلقا و يقيّد المبعوث إليه بأمر استقبالي، فإنّ الاعتبار غير التكوين، غاية الأمر فاللازم في موارد إطلاق البعث هو أن يكون لإطلاقه أثر حتّى لا يلحق إطلاقه بأنياب الأغوال و لئلّا يكون الاعتبار فيه لغوا و مجرّد فرض و خيال، و المفروض في موارد إطلاقه و استقبالية متعلّق البعث و الطلب حصول الأثر، و لو كان الأثر تهيّؤ

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 73.

35

عليه من المثوبة، و على تركه من العقوبة، و لا يكاد يكون هذا إلّا بعد البعث بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان، و لا يتفاوت طوله و قصره،

المكلّف بالاشتغال ببعض مقدّماته، نظير الاغتسال في الليل لصوم يوم الغد و التحفّظة بمال الاستطاعة لسفر الحج و إلى غير ذلك.

و قد ذكرنا في بحث الطلب و الإرادة أنّ الشوق بأي مرتبة فرض لا يكون إرادة، إذ قد تتحقّق إرادة الفعل من غير اشتياق إليه أصلا، فلا نعيد.

و قد يجاب عن المحقّق الاصفهاني (قدّس سرّه) بأنّ للفاعل في موارد الفعل بالمباشرة إرادتين تتعلّق كلّ منهما بمراد، إذ تعيّن الإرادة للنفس في النفس إنّما يكون بالمراد، و مع تعدّد المراد لا يعقل وحدة الإرادة، فإنّ المتعدّد بما هو متعدّد لا يتعلّق به إرادة واحدة، فالعطشان الذي يريد رفع عطشه أو شرب الماء تكون إرادته متعلّقة برفع عطشه أو شرب الماء، و مع الالتفات بأنّ شرب الماء (أي إيجاده) لا يكون إلّا بحركة عضلاته تكون حركة عضلاته بإرادة ثانية، و لو كانت تبعيّة؛ و مصحّح اختيارية الأفعال هذه الإرادة الثانية، إذ لو لم تكن حركتها بإرادة ثانية لا يكون الفعل اختياريا، و الإرادة التي لا تنفكّ عن المراد هي هذه الإرادة لا الاولى، حيث لا يعقل تحقّق الإرادة بالحركة الفعلية من غير تحرّك العضلات فعلا، و أمّا الإرادة الأولى فيمكن تعلّقها بما يكون أمرا استقباليا، و هذا ليس من التخصيص في حكم العقل، بل لأنّ تحقّق حركة العضلات يكشف عن بروز الإرادة للنفس بلا مزاحم، و أمّا الإرادة الأولى فهي تابعة لكيفيّة تعلّقها، فإن تعلّقت بالفعل فورا يحصل للنفس إرادة ثانية التي لا تنفك عن حركة العضلات، و إن تعلّقت بالفعل استقبالا فلا تحصل الإرادة الثانية إلّا مع بقاء الإرادة الأولى إلى وصول زمان الفعل في المستقبل، ففي ذلك الزمان تحصل الإرادة الثانية، فالّتي يترتّب عليها حركة العضلات هي الإرادة الثانية المترتّبة

36

فيما هو ملاك الاستحالة و الإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب، و لعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه، و الإطناب إنّما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلاب.

على الإرادة الأولى فيما كان المراد به فعليّا و لو بفعلية القيد الاستقبالي‏ (1).

أقول: ما ذكره (قدّس سرّه) غريب، و ذلك فإنّ تحقّق الإرادتين إنّما يكون فيما لا ينطبق المراد على نفس حركة العضلات، إذ من أراد شرب الماء و شربه، فالصادر منه بما هو فعل ليس إلّا عبارة عن تحريك الحلق بنحو ينزل الماء في المعدة، و عليه فلا تتعلّق مع إرادة شرب الماء إرادة أخرى متعلّقه بحركة الحلق بنحو يزدرد الماء.

نعم تهيئة الماء و إيصاله إلى فضاء الحلق يكون بإرادة أخرى، حيث إنّ ذلك مقدّمة للشرب، و هذا غير منكر في كلام المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه)، و إنّما الكلام فيما إذا أراد- مثلا- مصافحة إنسان قد مدّ يده إليه، فإنّ إرادة مصافحته عبارة أخرى عن تعلّق إرادته بمدّ يده و وضعها في اليد الممدودة إليه، و ليس في البين إرادتان إحداهما تتعلّق بمصافحته، و أخرى بمدّ يده و وضعها في اليد الممدودة إليه، و إذا لم يكن في مثل ذلك إرادتان، فكيف تكون هذه الأفعال اختيارية بناء على ما أسّسه و اختاره؟ و كيف تكون إرادتها علّة تامّة لحصول المراد؛ إذن فلا معنى للقول بتصحيح اختيارية الأفعال بالالتزام بإرادة ثانية متعلّقة بحركة الأعضاء و الجوارح، تابعة للإرادة الأولى المتعلّقة بالمراد بالذات. و مع الإغماض عن ذلك و التسليم بأنّ للفاعل المريد إرادتين تتعلّق إحداهما بالمراد بالذات، و الأخرى بحركة العضلة، فنقول: كما أنّ الإرادة بالإضافة إلى المراد بالذات تابعة لكيفية تعلّقها، كذلك الإرادة

____________

(1) تهذيب الأصول: 1/ 182.

37

بحركة العضلات- بشهادة الوجدان و البرهان- تابعة لكيفية تعلّق الإرادة الأولى، فإن كانت الإرادة الأولى متعلّقه بفعل حالا تتعلّق الإرادة بحركة العضلات أيضا حالّا، و إن تعلّقت بفعل مستقبلا، تعلّقت الإرادة بحركة العضلات أيضا مستقبلا بأن يكون الاستقبال قيدا للحركة لا لإرادتها. و دعوى أنّ إرادة حركة العضلات في هذه الموارد لا تحصل من الأوّل و إنّما تحصل عند فعلية القيد الاستقبالي، خلاف الوجدان و برهان تبعية الإرادة الثانية.

ثمّ إنّه قد أنكر المحقّق النائيني (قدّس سرّه) الواجب المعلّق و التزم بامتناع فعليّة الوجوب بدون فعليّة أمر يكون من القيد غير الاختياري المأخوذ في الواجب كالزمان، و اوضح ذلك بأنّ الإيجاب يعني الإرادة التشريعية تكون بإزاء الإرادة التكوينية، و كما لا يصحّ من الإنسان إرادة فعل و عمل فعلا يكون ذلك الفعل مقيّدا بزمان الاستقبال أو أمر استقبالي غير مقدور إلّا بنحو التقدير و التعليق، كذلك لا يصحّ الأمر به فعلا، بل يصحّ على نحو الاشتراط و التقدير، و هذا بخلاف عمل يتوقّف ذلك العمل على تهيئة مقدّمات مقدورة، و لا يحصل إلّا بعد حصولها، فإنّه يصحّ من الإنسان إرادة ذلك العمل كإرادة استنباط الأحكام، حيث يتوقّف الاستنباط على مراجعة الأدلّة و النظر فيها، فيكون الداعي إلى هذه المقدّمات نفس إرادة الاستنباط، ففي مثل ذلك يصحّ للآمر الأمر بذلك العمل بلا محذور.

و إن شئت قلت: ما يكون من العمل موقوفا على مقدّمات مقدورة للفاعل، ففي مثله لا بأس بالأمر فعليّا بذلك العمل و قبل حصول تلك المقدّمات، فيكون الأمر به داعيا إلى الانبعاث إلى تلك المقدّمات، و ما يكون من العمل موقوفا على حصول أمر غير اختياري، كالزمان المستقبل و الزماني، ففي مثل ذلك لا يصحّ الأمر

38

الفعلي بذلك العمل، بل يكون الأمر على تقدير مجي‏ء ذلك الزمان أو الزماني كما هو الحال في الواجب المشروط، و هذا مقتضى لحاظ الإرادة التشريعية بالإضافة إلى الإرادة التكوينية، حيث لا تكون الإرادة التكوينية في هذا القسم إلّا بنحو التقدير و الاشتراط، فمثلا إرادة شرب الماء موجودة لكلّ ملتفت إلى صلاح شربه عند عطشه، و لكن هذه الإرادة تقديريّة، و تكون فعليّة عند فعليّة العطش، و لو كان في هذا القسم مقدّمة مقدورة بحيث لو لم يأت بها المكلّف قبل فعليّة الإيجاب لما تمكّن منه بعد فعليّة العطش، يكون إيجاب تلك المقدّمة بأمر نفسي تهيّئي لا بالالتزام بفعلية وجوب ذيها و استقبالية ذلك الواجب، كما هو ظاهر الفصول‏ (1).

أقول: لا يكون التقدير و التعليق في نفس الإرادة- يعني الشوق المؤكّد- بأن يكون للشوق وجود تقديري في مقابل وجوده التنجيزي، بل هو كسائر الأمور الواقعية يتّصف بالوجود تارة و بالعدم أخرى، و إنّما يكون القيد راجعا إلى المشتاق إليه باعتبار دخله في صلاحه، بلا فرق بين كون القيد اختياريا أو غير اختياري.

و دعوى أنّه لا يكون للشوق فعليّة مع كون القيد أمرا غير اختياري بخلاف ما إذا كان القيد اختياريا غير تامّة، فإنّه يكفي في فعليّة الشوق إحراز ذلك القيد في موطنه، كما إذا أحرز أنّ الأمير يعطيه الجائزة الخطيرة غدا، فإنّه يصبح باشتياق مفرط لأخذ تلك الجائزة من غير أن ينام في ليلته مهما طالت، شوقا إليها.

و السرّ في ذلك أنّ الموجب للاشتياق ليس الوجود الخارجي بنفسه، بل بإحراز حصوله في موطنه، و يشهد لعدم الفرق بين كون القيد اختياريا أو غير اختياري أنّ‏

____________

(1) أجود التقريرات: 1/ 137.

39

و ربّما أشكل على المعلّق أيضا، بعدم القدرة على المكلّف به في حال البعث [1]، مع أنّها من الشرائط العامة.

الاشتياق إلى شرب الماء عند عطشه لا يوجب جعل نفسه عطشانا أو قطع المسافة ..

نعم لو كانت الإرادة هي الاختيار بمعنى إعمال النفس قدرتها في أحد طرفي الشي‏ء، فهذا لا يتعلّق بغير المقدور و المتأخر، كما تقدّم التفصيل في بحث الطلب و الإرادة.

و ذكرنا أنّ الحاصل في المتأخّر القصد و البناء و أنّ صرف المولى قدرته يكون على فعله و هو إنشاء البعث و الطلب، و البعث و الطلب بما أنّه أمر اعتباري لا يحتاج في تحقّقه إلى حصول القيد خارجا، فيمكن للمولى لحاظ ذلك القيد في ناحية المتعلّق، لا في ناحية نفس البعث، فيكون واجبا معلّقا، كما يمكن أن يلاحظ قيدا لنفس البعث، فيكون واجبا مشروطا.

و الحاصل لو كان المراد بالإرادة التشريعية البعث الاعتباري، فهذا لا يقاس بالإرادة التكوينية، و على تقدير القياس فالإرادة التكوينية أيضا- بمعنى الشوق و الميل و البناء قلبا- تتعلّق بفعل استقبالي مع إحراز حصول قيدها في موطنه، و لو كان المراد بالإرادة الاختيار و إعمال القدرة، فصرف المولى قدرته يكون بفعله، و هو إنشاء البعث لا بفعل العبد، على ما تقدّم.

[1] و قد يقال: إنّ ما ذكره في الفصول من كون غير الاختياري قيدا للواجب، و كون الوجوب بالإضافة إليه مطلقا، غير صحيح، بل الواجب المعلّق بعينه هو الواجب المشروط بنحو الشرط المتأخّر، بحيث لو لم يحصل ذلك القيد غير الاختياري في موطنه أو لم يحصل التمكّن على الفعل في ذلك الظرف لما كان وجوب من الأوّل، فيكون الوجوب من الاوّل مشروطا بحصول ذلك القيد غير

40

و فيه: إنّ الشرط إنّما هو القدرة على الواجب في زمانه، لا في زمان الإيجاب و التكليف، غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخر، و قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّه كالمقارن، من غير انخرام للقاعدة العقلية أصلا، فراجع.

الاختياري في موطنه، كما تقدّم بحث الواجب المشروط.

و دعى صاحب الفصول (قدّس سرّه) إلى تصحيح الواجب المعلق تصحيح وجوب الإتيان ببعض مقدّمات الواجب قبل حصول ظرف نفس الواجب، يترتّب على الوجوب المعلّق بذلك الفعل بنحو المشروط بالشرط المتأخّر أيضا، فلا موجب لتصحيح وجوب الإتيان ببعض مقدّمات الواجب قبل وقت ذلك الواجب إلى الالتزام بالواجب المعلّق، بل ما سمّاه واجبا معلقا فهو في الواقع من الواجب المشروط بالشرط المتأخّر.

و يظهر من الماتن (قدّس سرّه) في الجواب عن الإشكال الذي تعرّض له في المتن بقوله:

«و ربّما أشكل على المعلّق أيضا بعدم القدرة ... الخ» (1) أنّ في موارد الواجب المعلّق تكون القدرة على الفعل شرطا للتكليف بنحو الشرط المتأخّر، و لكن نفس القيد غير الاختياري المتأخّر كالزمان لا يكون قيدا لنفس التكليف، و لو بنحو الشرط المتأخّر، بل ذلك القيد قيد للواجب فقط، و بهذا يفترق الواجب المشروط بالشرط المتأخّر عن الواجب المعلّق، فإنّه لو كان نفس القيد غير الاختياري قيدا للتكليف بنحو الشرط المتأخّر لكان الواجب من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخّر و أمّا إذا كان القيد المزبور قيدا للواجب فقط و لم يكن في ناحية الوجوب إلّا الاشتراط بالقدرة على ذلك الفعل في ظرفه فهو من الواجب المعلّق.

____________

(1) الكفاية: ص 103.

41

ثمّ لا وجه لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور [1]، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخّر، أخذ على نحو يكون موردا للتكليف، و يترشح عليه الوجوب من الواجب، أو لا، لعدم تفاوت فيما يهمّه من وجوب‏

و لكن لا يخفى أن اشتراط حصول ذلك الزمان يدخل في اشتراط القدرة على ذلك الفعل، فيكون حصوله قيدا للوجوب بنحو الشرط المتأخّر و للواجب بنحو الشرط المقارن، نظير دخول الوقت، حيث أنّه شرط للوجوب و قيد للصلاة أيضا، و لا فرق في اشتراط التكليف بين كون الشي‏ء بنفسه قيدا له أو بما يحصل عنه.

و المتحصّل أنّ مرجع الواجب المعلّق إلى الواجب المشروط بالشرط المتأخّر فلا يكون أحدهما في مقابل الآخر، و قد أشرنا إلى أنّ الثمرة التي ذكرت للواجب المعلّق تترتّب على الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، حتّى لو فرض أنّ أحدهما في مقابل الآخر.

[1] و حاصل ظاهر كلامه (قدّس سرّه) أنّه لا وجه لتخصيص الواجب المعلّق بما إذا كان قيد الواجب أمرا غير اختياري، بل ينبغي تعميمه لما إذا كان القيد المزبور اختياريا مأخوذا في الواجب بنحو يترشّح عليه الوجوب الغيري، أو مأخوذا بنحو لا يترشّح عليه ذلك الوجوب، فإنّ غرض صاحب الفصول من تقسيم الواجب إلى المعلّق و المنجّز لزوم تحصيل بعض المقدّمات التي لا يتمكّن المكلّف من الإتيان بها في ظرف الواجب، فإنّ لزوم التحصيل يترتّب على كون الواجب معلّقا، و لا يترتّب على كونه مشروطا، لثبوت الوجوب الحالي في الواجب المعلّق، فيترشّح من الوجوب الحالي المتعلّق بالواجب وجوب تلك المقدّمات بناء على الملازمة، و لا يترشّح هذا الوجوب لها بناء على الواجب المشروط؛ لعدم وجوب حالي لذلك الواجب إلّا بعد حصول الشرط.

42

تحصيل المقدمات التي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب المعلّق، دون المشروط، لثبوت الوجوب الحالي فيه، فيترشح منه الوجوب على المقدمة، بناء على الملازمة، دونه لعدم ثبوته فيه إلا بعد الشرط.

و لكن هذا بناء على كون اشتراط وجوب الواجب بالشرط بنحو الشرط المقارن، و أمّا إذا كان بنحو الشرط المتأخّر و فرض وجود الشرط في ظرفه المتأخّر، يكون وجوب ذلك الواجب حاليّا أيضا، فيكون الوجوب الغيري لتلك المقدّمة أيضا حاليا، و ليس الفرق بين الواجب المشروط بالشرط المتأخّر و بين الواجب المعلّق إلّا كون وجوب الواجب مرتبطا بحصول الشرط المتأخّر، بخلاف المعلّق، فإنّ المرتبط فيه بالمتأخّر نفس الواجب.

أقول: قد تقدّم أنّ الوجوب في الواجب المعلّق أيضا مرتبط بحصول ذلك الشرط، فإنّه لولاه لما تمكّن المكلّف من الإتيان بالواجب، و القدرة على الإتيان بالواجب في ظرفه شرط لوجوبه لا محالة، غاية الأمر على تقدير اعتبار المتأخّر في الواجب أيضا كما هو الفرض يكون نظير اشتراط شي‏ء في كلّ من وجوب الواجب و نفس الواجب، و اعتبر في الوجوب بنحو الشرط المتأخّر و في الواجب بنحو الشرط المقارن.

و الحاصل أنّ الواجب المعلّق قسم من الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، و هذا من جهة كون شي‏ء واجبا معلّقا أو مشروطا.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّه لا وجه لتخصيص المعلّق بما إذا كان قيد الواجب أمرا غير اختياري، بل يعم ما إذا كان ذلك القيد الاستقبالي مقدورا، سواء أخذ في الواجب بنحو يترشّح عليه أيضا الوجوب الغيري أم لا، فهو صحيح في الجملة و غير صحيح بالجملة إذ لو كان ذلك القيد للواجب أمرا اختياريا، بحيث يترشّح عليه‏

43

نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر، و فرض وجوده، كان الوجوب المشروط به حاليا أيضا، فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضا حاليا، و ليس الفرق بينه و بين المعلّق حينئذ إلّا كونه مرتبطا بالشرط، بخلافه، و إن ارتبط به الواجب.

الوجوب الغيري، فيدخل الواجب في المنجّز، حيث لا يعتبر في الواجب المنجّز المساوي للمطلق أن لا يكون قيد للواجب أصلا، نظير الأمر بدفن الميت، فإنّه مقيّد بكونه بعد تغسيله و كفنه و الصلاة عليه، و بما أنّ كلّا من الاغتسال و الكفن و الصلاة عليه أمر مقدور، يكون الدفن واجبا منجّزا فيجب مع قيوده.

و أمّا إذا أخذ القيد المقدور في الواجب بنحو لا يترشّح عليه الوجوب، و يعبّر (قدّس سرّه) عن ذلك بأنّ وجوده الاتفاقي قيد للواجب، فما ذكره و إن كان صحيحا إلّا أنّ هذا أيضا يدخل في الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، فيكون حصوله فيما بعد شرطا لوجوب الواجب بنحو الشرط المتأخّر و لنفس الواجب بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن، و ذلك لما يأتي من أنّه إذا أراد المولى أن لا يسري الوجوب الغيري الشرعى أو لزوم الإتيان العقلي إلى قيد الواجب فعليه أن يفرض ذلك القيد في ناحية موضوع التكليف مفروض الوجود، كما إذا التزمنا بأنّ وجوب غسل مسّ الميت يكون حاليا قبل مسّه، و لكن الغسل لا بدّ من أن يقع بعد المسّ، فعلى المولى أن يفرض في موضوع وجوب الاغتسال مسّ الميت بنحو الشرط المتأخّر، و يجعل المسّ قيدا لنفس الاغتسال بنحو الشرط المتقدّم، فيجب على المكلّف الذي يعلم بمسّ الميت بعد ذلك تحصيل الماء لاغتساله فيما أحرز أنه لا يتمكّن على تحصيل الماء بعد المسّ.

و بما أنّ القسم الأول لا يدخل في الواجب المعلّق بوجه- و المراد بالقسم الأوّل‏

44

تنبيه: قد انقدح- من مطاوي ما ذكرناه [1]- أنّ المناط في فعلية وجوب المقدمة الوجودية، و كونه في الحال بحيث يجب على المكلّف تحصيلها، هو فعلية وجوب ذيها، و لو كان أمرا استقباليا، كالصوم في الغد و المناسك في الموسم، كان وجوبه مشروطا بشرط موجود أخذ فيه و لو متأخرا، أو مطلقا، منجزا كان أو معلقا، فيما إذا لم تكن مقدمة للوجوب أيضا، أو مأخوذة في الواجب على نحو يستحيل أن تكون موردا للتكليف، كما إذا أخذ عنوانا للمكلّف، كالمسافر و الحاضر و المستطيع إلى غير ذلك، أو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله، و تقدير وجوده- بلا اختيار أو باختياره- موردا للتكليف، ضرورة أنّه لو كان مقدمة الوجوب أيضا، لا يكاد يكون هناك وجوب إلّا بعد حصوله، و بعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل، كما أنّه إذا أخذ على أحد النحوين يكون كذلك، فلو لم يحصل لما كان الفعل موردا للتكليف، و مع حصوله لا يكاد يصح تعلقه به، فافهم.

القيد الاختياري للواجب الذي يترشّح عليه الوجوب الغيري- التزم بعض بوقوع الغلط في نسخة الكتاب بسقوط كلمة «لا» في قوله «على نحو يكون موردا للتكليف» (1)، و كان الصحيح «على نحو لا يكون موردا للتكليف» و أنّ كلمة «أو لا» بعد قوله «و يترشّح عليه الوجوب» زائدة.

و كانت العبارة هكذا «بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور و متأخّر أخذ على نحو لا يكون موردا للتكليف و يترشّح عليه الوجوب لعدم تفاوت فيما يهمّه» و اللّه العالم.

[1] حاصله: أنّ المناط في فعلية الوجوب الغيري للمقدّمة و كونها بحيث يلزم على المكلّف تحصيلها هو حالية الوجوب في ذي المقدّمة و فعليّته، سواء كان نفس‏

____________

(1) الكفاية: ص 103.

45

إذا عرفت ذلك، فقد عرفت أنّه لا إشكال أصلا في لزوم الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب، إذا لم يقدر عليه بعد زمانه، فيما كان وجوبه حاليا مطلقا، و لو كان مشروطا بشرط متأخر، كان معلوم الوجود فيما بعد، كما لا يخفى، ضرورة فعلية وجوبه و تنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته، فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة، و لا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، و إنما اللازم‏

ذي المقدّمة أمرا حاليا أو استقباليا، كالصوم في الغد و المناسك في الموسم، و لا يفرق أيضا في فعلية وجوب ذيها بين كون وجوبه مشروطا قد تحقّق ذلك الشرط، كما إذا كان مشروطا بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن، أو يتحقّق في ظرفه، كما إذا كان وجوبه مشروطا بنحو الشرط المتأخّر أو كون وجوبه مطلقا بنحو الواجب المنجّز، أو بنحو الواجب المعلّق، فإنّه مع حالية وجوب ذي المقدّمة يجب على المكلّف مقدّماته الوجودية.

نعم فيما كانت مقدّمة الوجود قيدا للوجوب أيضا، أو كانت مقدّمة الوجود مأخوذة في الواجب بنحو لا يسري إليها الوجوب الغيري، كما إذا أخذت عنوانا للمكلّف، كالمسافر و الحاضر و المستطيع، أو كان الواجب هو الفعل المقيّد باتفاق حصوله باختيار المكلّف أو بلا اختياره، لم يتعلّق بها الوجوب الغيري و لم يلزم تحصيلها.

و الوجه في عدم اتّصاف مقدّمة الوجوب و شرطه بالوجوب الغيري فيما أخذ بنحو الشرط المتقدّم أو المقارن ظاهر حيث لا فعلية لوجوب ذي المقدّمة قبل تحقّقه، و بعد تحقّقه لا معنى لتعلّق الوجوب الغيري به، لأنّه من طلب الحاصل، و كذا فيما كان القيد عنوانا للمكلّف، فإنّ وجوب الصلاة قصرا يتوقّف على السفر خارجا ليصير المكلّف مسافرا، و معه لا معنى لتعلّق الوجوب الغيري بالسفر بعد

46

الإتيان بها قبل الإتيان به، بل لزوم الإتيان بها عقلا، و لو لم نقل بالملازمة، لا يحتاج إلى مزيد بيان و مئونة برهان، كالإتيان بسائر المقدمات في زمان الواجب قبل إتيانه.

فانقدح بذلك: أنّه لا ينحصر التفصي عن هذه العويصة بالتعلق بالتعليق، أو بما يرجع إليه، من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط.

فانقدح بذلك: أنّه لا إشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الإتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب، كالغسل في الليل في شهر رمضان و غيره مما وجب عليه الصوم في الغد، إذ يكشف به بطريق الإنّ عن سبق وجوب الواجب، و إنّما المتأخر هو زمان إتيانه، و لا محذور فيه أصلا، و لو فرض العلم بعدم سبقه، لاستحال اتصاف مقدمته‏

صيرورة المكلّف مسافرا لأنّه من طلب الحاصل.

و ذكر (قدّس سرّه) أنّ الأمر فيما كان القيد شرطا للوجوب بنحو الشرط المتأخّر أو كان الفعل المقيّد بقيد اتفاقيّ موردا للتكليف أيضا كذلك، بمعنى أنّ تعلّق الوجوب الغيري بالقيد يكون من طلب الحاصل، و كذا فيما أخذ القيد عنوانا للمكلّف بنحو الشرط المتأخّر.

و لكن قد يتوهّم أنّ الشي‏ء إذا كان شرطا للوجوب بنحو الشرط المتأخّر لا يلزم من تعلّق الوجوب الغيري به طلب الحاصل؛ لأنّ فعليّة الواجب تكون قبل تحقّق ذلك الشرط، و لكنّه فاسد، فإنّ اشتراط وجوب الواجب بشي‏ء يلازم اشتراط وجوب مقدّماته أيضا بذلك الشي‏ء بمقتضى التبعية في الملازمة، و لو كان نفس ذلك الشي‏ء أيضا واجبا غيريّا لكان وجوبه أيضا مشروطا بحصول نفسه، و هذا من طلب الحاصل.

و بهذا يظهر الحال فيما إذا كان انطباق عنوان على المكلّف فيما بعد شرطا لتكليفه فعلا بالفعل، فإنّ الأمر الغيري لا يمكن أن يتعلّق بتطبيق ذلك العنوان، بناء

47

بالوجوب الغيري، فلو نهض دليل على وجوبها، فلا محالة يكون وجوبها نفسيا و لو تهيؤا، ليتهيأ بإتيانها، و يستعد لإيجاب ذي المقدمة عليه، فلا محذور أيضا.

إن قلت: لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفا [1]

على ما تقدّم من رجوع تقييد الواجب بالوجود الاتفاقي للقيد- كجعله عنوانا للمكلّف- إلى اشتراط وجوب الفعل به بنحو الشرط المتأخّر، و ظاهر ذيل كلام الماتن (قدّس سرّه) يساعد على ذلك أيضا، فتدبر تجزم أنّه لا معنى للوجود الاتفاقي للقيد غير كون المكلّف مطلق العنان بالإضافة إلى ذلك القيد الاختياري، و لازم كون المكلّف مطلق العنان بالإضافة إليه جعل التكليف الفعلي على تقدير حصوله، كما هو الشأن في جميع قيود التكليف ثبوتا.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الواجب التعليقي و الواجب المشروط بالشرط المتأخّر على اصطلاح الشيخ (قدّس سرّه) و المشهور مرجعهما إلى أمر واحد ثبوتا، فيكون التكليف على تقدير حصول ذلك القيد المتأخّر، فعليّا قبله لحصول شرطه المتأخّر في موطنه، سواء كان القيد أمرا غير اختياري أو اختياريا.

و ثمرة فعليّة التكليف لزوم الإتيان بمقدّماته الوجودية تعيّنا فيما إذا لم يتمكّن المكلّف- على تقدير عدم تحصيلها فعلا- من الإتيان بمتعلّق التكليف فيما بعد، و بنحو التوسعة و التخيير فيما إذا تمكّن منه بالإتيان بالمقدّمة بعد ذلك.

[1] هذا إشكال على ما التزم به (قدّس سرّه) من أنّ وجوب المقدمة قبل زمان ذيها يكشف إنّا عن سبق وجوب ذلك الواجب و كون وجوبه فعليا، و إن كان نفس الواجب فعلا استقباليا.

و حاصل الإشكال أنّه بناء على كشف حالية وجوب المقدّمة عن فعلية وجوب ذيها يكون فعلية وجوب ذيها موجبا لتعلّق الوجوب الغيري بسائر مقدّماته أيضا و لو

48

موسّعا، فتجب المبادرة إلى تلك المقدّمات قبل زمان الواجب فيما إذا لم يتمكّن المكلّف منها بعد زمان الواجب لو لا المبادرة، مع أنّ الأمر ليس كذلك.

و أجاب (قدّس سرّه) بأنّه يلتزم بهذه المبادرة إلّا إذا كانت القدرة المأخوذة من ناحية سائر المقدّمات أو بعضها قدرة خاصّة، و هي القدرة عليها بعد مجي‏ء زمان الواجب، لا مطلق القدرة و لو في زمان وجوب الواجب.

و بيان ذلك أنّ المقدّمة الوجودية و إن لم تكن بنفسها قيدا لوجوب ذيها إلّا أنّ التمكّن على تلك المقدّمة يكون قيدا للتكليف بذيها لا محالة؛ و لذا لا يجب الشي‏ء فيما إذا لم يتمكّن المكلّف على مقدّمة من مقدّماته، و التمكّن على المقدّمة المعتبرة في التكليف بذيها ليس خصوص التمكّن عليها بعد حصول ظرف الإتيان بنفس الواجب، بل يعم التمكّن عليها في زمان التكليف بذيها. و إذا لم يجب تحصيل مقدّمة قبل حصول ظرف الواجب بحيث إذا لم يأت بها لم يتمكّن عليها في ظرف الواجب، يكون ذلك كاشفا عن كون المعتبر من التمكّن عليها في وجوب ذيها هي القدرة عليها بعد حصول ظرف الواجب كما لو أنّه لو ثبت عدم وجوب التحفّظ بها حتّى بعد حصول ظرف الواجب، كجواز إجناب المكلّف نفسه بعد حصول ظرف الواجب- يعني الصلاة-، و لو مع علمه بأنّه لا يتمكّن من الغسل مع إجناب نفسه، يكون ذلك كاشفا عن كون المعتبر في وجوب الصلاة مع الطهارة المائية من حدث الجنابة خصوص التمكّن على تلك الطهارة في ظرف القيام إلى الصلاة المعبّر عن ذلك بالقدرة على المقدّمة حال العمل.

أقول: قيام الدليل على وجوب مقدّمة في زمان- كما في وجوب الغسل في الليل بالإضافة إلى صوم الغد- لا يكون كاشفا عن فعليّة التكليف بذيها في ذلك‏

49

الزمان، فإنّ تعلّق الوجوب الغيري بشي‏ء ليس إلّا لتوقّف الواجب عليه، و إذا فرض توقّف استيفاء الصلاح الملزم في الواجب على الإتيان بشي‏ء بحيث لا يمكن استيفاء الصلاح بدونه، يكون العقل حاكما بلزوم تحصيل القدرة عليه بتحصيل ذلك الشي‏ء، و لو قبل فعليّة وجوب ذلك الواجب.

و قد ذكرنا عند التعرّض لوجوب التعلّم أنّ تفويت الغرض الملزم للمولى- كمخالفة تكليفه- قبيح في نظر العقل، و عليه فلو فرض أنّ الواجب كذلك و لم يكن للمكلّف سبيل إلى معرفة ذلك، لكان على المولى الحكيم الأمر بتلك المقدّمة و البعث إليها قبل البعث إلى ذيها، و لا نتعقّل لهذا الوجوب معنى غير الوجوب الغيري.

و ما يسمّى بالوجوب النفسي التهيّئي بحيث يتعدّد العقاب في صورة المخالفة أو يكون العقاب على مخالفة الأمر بتلك المقدّمة لا يمكن الالتزام به مع استقلال العقل بأنّه يصحّ للمولى مؤاخذة العبد على تفويت الملاك الملزم في ذلك الواجب في ظرفه، و لو بتعجيز نفسه بترك تلك المقدّمة التي أمر بها المولى قبل الأمر بذيها.

و بتعبير آخر: فعلية وجوب المقدّمة تتبع فعلية ملاك ذيها فيما كانت تلك المقدّمة دخيلة في استيفاء ملاك ذيها، بخلاف المقدّمة التي يكون التمكّن عليها في ظرف الواجب دخيلا في ملاك ذلك الواجب، فإنّه لا يصحّ للمولى الأمر بتلك المقدّمة قبل مجي‏ء ظرف ذلك الواجب.

و يمكن أن يكون ملاك الواجب بالإضافة إلى مقدّمة من مقدّماته فعليا، و بالإضافة إلى سائرها غير فعلي، فلا يكون تعلّق الوجوب الغيري بالأوّل كاشفا عن فعلية وجوب ذيها، و إنّما يكون كاشفا عن فعلية الملاك و ملزميّته بالإضافة إلى تلك المقدّمة، و لذا ذكرنا في بحث الشرط المتأخّر للواجب أنّ وجوب الصوم عن‏

50

المستحاضة يسقط بدخول الليل، لكون بقاء وجوبه لغوا، و لكن الوجوب الغيري المتعلّق باغتسالها في الليل باق، لبقاء الملاك الملزم و عدم حصوله بدونه.

و ما في بعض الكلمات من أنّ إيجاب مقدّمة في مورد قبل إيجاب ذيها، من الإيجاب للغير لا الإيجاب بالغير؛ لا يرجع إلى أمر صحيح بعد الإحاطة بما ذكرنا من أنّ الإيجاب الغيري للمقدّمة يتبع فعلية ملاك ذيها من ناحيتها لا فعلية الأمر بذيها، فعلا و سنذكر فيما بعد من أنّه لو كان للوجوب الغيري أثر، حتّى يكون مولويا فهو هذا المورد.

و جميع ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) و غيره مبني على كون فعلية وجوب فعل متوقّفة على تعلّق إرادة المولى بذلك الفعل، و يلزم من إرادته إرادة ما يتوقّف عليه ذلك الفعل من المقدّمات قهرا، و لكن قد تقدّم منّا تعلّق إرادة المولى بفعل نفسه و هو البعث نحو الفعل لملاك ملزم يكون ذلك الملاك داعيا له إلى البعث نحوه، و إذا اختلفت مقدّماته من حيث دخلها في ذلك الفعل ملاكا يبعث إلى مقدمته التي لها دخل في ملاكه مطلقا قبل مجي‏ء ظرف ذلك الفعل كما تقدم من غير أن يطلب نفس الفعل قبل مجي‏ء ظرفه.

لا يقال: الأمر بمقدّمة قبل التكليف بذيها إرشاد إلى دخلها في ملاكه الملزم مطلقا، فلا يدخل الأمر بها في التكليف المولوي بالمقدّمة، ليقال إنّه غيري لا نفسي تهيّئي، فقاعدة الملازمة بين إيجاب ذي المقدّمة و مقدّمته في الفعلية و عدمها لم تنتقض.

فإنّه يقال: جميع الأوامر المولوية- نفسية كانت أو غيرية- تكشف عقلا- بمقتضى حكمة المولى- عن ثبوت الملاك في متعلّقاتها نفسيا أو غيريا، و هذا لا يوجب الإرشادية، بل لو لم يأمر المولى بالفعل و أخبر أنّ له فيه ملاكا ملزما له بداعي البعث إليه يعتبر هذا أمرا و طلبا مولويا قاطعا لعذر العبد و مصحّحا لاحتجاجه‏

51

عليه فيما إذا لم يأت بالفعل المزبور مع تمكّنه عليه.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو ترك المكلّف المقدّمة التي وجبت عليه قبل التكليف بذيها، فلا يكون في حقّه تكليف بذيها فيما بعد، فإنّ تكليفه به لغو محض، و لكن مع ذلك يستحقّ العقاب على تركه و تفويته ملاكه الملزم، و الأمر الغيري بتلك المقدّمة مصحّح لهذا الاستحقاق، حيث إنّ الامتناع بسوء الاختيار ينافي التكليف و لا ينافي استحقاق العقاب.

أقسام القدرة:

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه قد تكون القدرة على الواجب في ظرفه دخيلة في ملاكه الملزم، بحيث لا يكون في حق العاجز عنه في ذلك الظرف فوت ملاك ملزم، فيجوز في هذا الفرض للمكلّف تعجيز نفسه قبل حصول ظرف ذلك الواجب.

و قد تكون القدرة عليه في ذلك الظرف دخيلة في مجرّد استيفاء الملاك، بحيث يفوت على العاجز عنه في ذلك الظرف الملاك الملزم، و في هذه الصورة لا يجوز للمكلّف تعجيز نفسه قبل ذلك الظرف، بل يجب عليه التحفّظ و تحصيل القدرة عليه، و لا مانع من أن يكون تحصيل القدرة عليه من ناحية بعض مقدّماته من قبيل القسم الثاني، و في ناحية بعضها الآخر من قبيل الأوّل.

و يستكشف كون القدرة في ظرف الواجب كذلك- أي دخيلة في مجرد الاستيفاء- بتوجيه التكليف به و لو قبل مجي‏ء ظرف الواجب و لو بنحو الشرط المتأخّر أو الأمر بمقدّمته التي تكون القدرة على الواجب في ظرفه دخيلة في مجرد استيفاء ملاكه كما في الأمر بالاغتسال على الجنب و الحائض في الليل لصوم الغد.

52

و قد يقال: بأنّه إذا لم يؤخذ في خطاب الأمر بفعل قدرة المكلّف عليه بأن كان الحاكم بتقييد موضوع ذلك التكليف، العقل بملاك قبح خطاب العاجز و تكليفه، تكون القدرة فيه شرطا في استيفاء الملاك، بخلاف ما إذا أخذت القدرة عليه في خطاب التكليف، فإنّه لا يستفاد منه ثبوت الملاك إلّا في صورة القدرة عليه.

و لكن الصّحيح أنّ الكاشف عن الملاك هو التكليف بالفعل، فإذا فرض عدم ثبوت التكليف في حقّ العاجز عن العمل و لو بحكم العقل، فلا كاشف عن الملاك و إحراز كون القدرة على العمل دخيلة في استيفاء الملاك فقط يحتاج إلى التكليف الفعلي بذلك العمل و لو بنحو الشرط المتأخر أو الأمر بمقدّمته قبل زمان الواجب، المعتبر في التكليف بالصلاة مع الطهارة المائية من الحدث الأكبر، خصوص التمكّن في ظرف القيام إلى الصلاة المعبّر عن ذلك بالقدرة حال العمل.

قد التزم (قدّس سرّه) بأنّ وجوب مقدّمة من مقدّمات الواجب في زمان يكشف عن فعليّة الوجوب المتعلّق بذلك الواجب في ذلك الزمان، و يرد على هذا الالتزام أمران:

أحدهما: ما تقدّم من أنّه قد تكون مقدّمة الواجب في زمان واجبا مع العلم بعدم فعلية وجوب الواجب في ذلك الزمان، كما في وجوب معرفة بعض العبادات، كالصلاة قبل مجي‏ء زمان وجوبها، مع أنّ وجوبها يكون بدخول الوقت.

و قد أجاب عن هذا الأمر بأنّ الوجوب الغيري لمقدّمة يكشف عن فعلية وجوب ذيها في ذلك الزمان بطريق الإنّ لا محالة، سواء كان فعلية وجوبه بنحو الواجب المعلّق أو المشروط بالشرط المتأخّر، و الأمر في مثل تعلّم أجزاء الصلاة و شرائطها قبل الوقت ليس للوجوب الغيري بل للوجوب النفسي التهيئي.

و ثانيهما: ما أشار إليه بقوله: «إن قلت: لو كان ... الخ» و تقرير الإشكال أنّه إذا

53

كشف وجوب مقدّمة قبل ظرف الواجب عن فعليّة وجوب ذلك الواجب لوجب قبل ذلك الظرف سائر مقدّماته أيضا، و لو موسّعا فيجب المبادرة إلى تلك المقدّمات فيما إذا أحرز المكلّف اتفاقا عدم التمكّن منها بعد حصول ظرف الواجب، مع أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ الشيخ (قدّس سرّه) مع إنكاره الواجب المشروط باصطلاح المشهور و التزامه بفعلية وجوب الصلاة قبل الوقت لم يلتزم بوجوب المبادرة إلى الوضوء أو الغسل قبل دخول وقت الصلاة، حتّى فيما إذا أحرز المكلّف عدم تمكّنه منها بعد دخول الوقت.

و أجاب (قدّس سرّه) عن هذا الإشكال بأنّه إذا كان وجوب الواجب فعليا في زمان صار وجوب سائر مقدّماته أيضا فعليّا.

و لكن بما أنّ القدرة على مقدّمة الواجب شرط في وجوب ذلك الواجب، فربّما يكون المأخوذ في وجوبه و لو بنحو الشرط المتأخر القدرة الخاصّة على مقدّمته، و هي القدرة عليها في ظرف الواجب، ففي مثل ذلك لا يتعيّن على المكلّف المبادرة إلى تلك المقدّمة قبل وقت الواجب و ظرفه، حتّى فيما إذا أحرز عدم تمكّنه عليها في ظرف الواجب لو لم يبادر، لأنّ عدم التمكّن عليها في ذلك الظرف يكشف عن عدم وجوب الصلاة بالوضوء أو الغسل من الأوّل، و لو كان هذا العجز لأجل ترك المكلّف المقدّمة قبل وقت الواجب و ظرفه.

أقول: قد تقدّم أنّ وجوب مقدّمة قبل ظرف الواجب لا يكشف إلّا عن فعلية الملاك في الواجب من ناحية تلك المقدّمة، بمعنى أنّ القدرة على الواجب في ظرف وجوب الواجب شرط في استيفاء ملاكه، و ليست القدرة عليها في ظرف الواجب دخيلا في أصل ملاكه، فيمكن أن يكون وجوب المقدّمة فعليا من غير أن‏

54

عن سبق وجوب ذي المقدمة لزم وجوب جميع مقدماته و لو موسّعا، و ليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم تمكنه منها لو لم يبادر.

قلت: لا محيص عنه، إلّا إذا أخذ في الواجب من قبل سائر المقدمات قدرة خاصة، و هي القدرة عليه بعد مجي‏ء زمانه، لا القدرة عليه في زمانه من زمان وجوبه، فتدبر جدّا.

يكون وجوب ذيها في ذلك الزّمان فعليا، و يرد على الماتن (قدّس سرّه) بناء على ما اختاره- من إمكان إيجاب المقدّمة قبل فعلية وجوب ذيها بالوجوب النفسى التهيئي- أنّه كيف يستكشف من الأمر بمقدّمة من مقدّمات الواجب في زمان، كون وجوب الواجب فعليا في ذلك الزمان، لأنّ وجوب المقدّمة المحتمل كونه نفسيا تهيّئيّا يمنع من الكشف عن فعليّة وجوب ذيها، بخلاف ما ذكرناه من كشفه عن فعلية ملاك ذيها من ناحية تلك المقدّمة، فإنّه لا مانع من هذا الكشف، فتدبّر جيّدا.

نعم لو أحرز وجوب الواجب قبل مجي‏ء زمانه و ظرفه، لزم الإتيان بسائر مقدّماته موسّعا، و يتعيّن المبادرة إليها لو أحرز المكلّف عدم تمكّنه من تلك المقدّمات بعد حصول ظرفه إلّا فيما ذكره (قدّس سرّه) في الموارد التي اعتبر في وجوب الواجب القدرة الخاصّة على تلك المقدّمات.

و نزيد على ما ذكره أنّه قد يقوم دليل على عدم وجوب التحفّظ على القدرة على مقدّمة الواجب و جواز تفويتها حتّى في ظرف الواجب، كما ورد الدليل على جواز إجناب المكلّف نفسه بعد دخول وقت الصلاة مع علمه بأنّه على تقدير إجناب نفسه لا يتمكّن من الغسل، فيكون هذا الدليل كاشفا عن كون التمكّن من الغسل بحيث لو لم يأت المكلّف بتلك المقدّمة قبله لما تمكّن عليه في ذلك الظرف المتّحد مع زمان التكليف به.