دروس في مسائل علم الأصول - ج4

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
443 /
5

الأمر الخامس: هل تنجز التكليف بالقطع- كما يقتضي موافقته عملا- يقتضي موافقته التزاما [1].

[تتمة المقصد السادس الأمارات‏]

[المقدمة الأولى‏]

[الأمر الخامس‏]

الموافقة الالتزامية

[1] الكلام في المقام يقع في اقتضاء العلم بالتكليف الالتزام به كاقتضائه موافقته عملا على ما تقدم من تنجّز التكليف بالعلم.

و بتعبير آخر كما أن اللازم في الامور الاعتقادية من الاصول الدينية التسليم و الاعتقاد بها بحسب الجنان فهل يجب كذلك التسليم و الاعتقاد بالتكليف المعلوم زائدا على موافقته عملا، أو أنّ اللازم في موارد العلم بالتكليف الموافقة العملية خاصة، و لا يخفى أنّه لو كان عدم الالتزام قلبا بالتكليف المعلوم موجبا في مورد لفقد الشرط المعتبر في العمل فلا كلام في عدم جواز ترك الالتزام الموجب لفقد شرط ذلك الواجب، كما إذا كان الواجب تعبديا و فرض أنّ عدم الالتزام بوجوبه موجبا لفقد قصد التقرب، و كذا لا يجوز ترك الالتزام فيما إذا كان ذلك موجبا لتكذيب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو أحد الأئمة (عليهم السلام) قلبا الموجب لعدم الإيمان، و الحاصل أن الكلام في أن العلم بالتكليف يقتضي امتثالين أحدهما موافقته من حيث العمل و الثاني موافقته من حيث الالتزام أو لا يقتضي غير الأول، و قد يتوهّم أن العلم بالتكليف لا يجتمع مع عدم الالتزام به، و يدفع بأنّ الالتزام بالتكليف غير العلم به فيمكن موافقته عملا من دون الالتزام به، فإنّه كما يمكن التشريع مع العلم بالخلاف، كذلك يمكن عدم الالتزام به قلبا مع العلم به، و مما ذكر يظهر أنّ قصد التقرب في العبادات لا يتوقف إلّا على إحراز الأمر إذا كان جزميا، و إلّا يكفي احتمال الأمر بالعبادة و لا يتوقف على عقد

6

و التسليم له اعتقادا و انقيادا؟ كما هو اللازم في الأصول الدينية و الأمور الاعتقادية، بحيث كان له امتثالان و طاعتان، إحداهما بحسب القلب و الجنان، و الأخرى بحسب العمل بالأركان، فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاما و لو مع الموافقة عملا، أو لا يقتضي؟ فلا يستحق العقوبة عليه، بل إنما يستحقها على المخالفة العملية.

الحق هو الثاني، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان بذلك،

القلب و الالتزام به جنانا فتدبر.

و لا وجه للقول بأنّ مجرد التكليف بعمل يقتضي موافقته التزاما و عقد القلب عليه كما هو الحال في التكاليف الراجعة إلى الامور الاعتقادية و العرفان بها، حيث إنّ التكليف يقتضي الإتيان بمتعلّقه، و إذا كان متعلّقه الفعل الخارجي كما هو الفرض في المقام فغيره غير داخل في مقتضاه، و لو قيل باقتضائه موافقتين فلا ملازمة بينهما في الثبوت و السقوط، فتجب موافقته الالتزامية و لو مع عدم إمكان موافقته العملية، فإن التكليف و إن كان واحدا إلّا أنّه يمكن أن لا يتنجّز من جهة الموافقة العملية؛ لعدم إمكان إحرازها، و يتنجّز من حيث الموافقة الالتزامية لإمكانها كما في دوران الأمر بين المحذورين و عدم تنجّز التكليف بالإضافة إلى الموافقة العملية لا يوجب سقوط أصل التكليف حتّى لا يبقى مقتض لموافقته الالتزامية، و على ذلك ففي مورد دوران الأمر بين المحذورين يمكن الالتزام بما هو حكمه الواقعي على إجماله و لا يكون ذلك التكليف الواقعي بمنجّز لعدم إمكان موافقته القطعية العملية، و لو قيل بلزوم الالتزام بالتكليف الواقعي بنوعه لما أمكن موافقته الالتزامية أيضا.

لا يقال: كما لا يجوز في مورد عدم التمكّن من الموافقة القطعية العملية المخالفة القطعية بحسبه، بل عليه الموافقة الاحتمالية كذلك بناء على لزوم الالتزام‏

7

بنوع التكليف لا يجوز ترك الالتزام رأسا بل عليه الالتزام بالوجوب أو الحرمة تخييرا.

فإنّه يقال: لا دليل على ذلك فإن التكليف الواقعي يقتضي الالتزام به لا التخيير في الالتزام به أو بضدّه، مع أنّ الالتزام بأحدهما فيه محذور التشريع و لا يكون محذوره أقل من محذور عدم الالتزام بحكم الفعل قلبا أصلا.

ثم إنّه قد ذكر الشيخ (قدّس سرّه) في الرسالة بما حاصله؛ أنّه مع جريان الأصل في ناحيتي كلّ من احتمال وجوب الفعل و حرمته في دوران أمر الفعل بين الوجوب و الحرمة لا يلزم محذور في عدم الالتزام بالحكم الواقعي بناء على لزوم الالتزام به، فإن الموضوع لوجوب الالتزام خصوص نوع التكليف الواقعي من الوجوب و الحرمة فالأصل الجاري في ناحية كلّ من احتمالهما يكون حاكما على ما دلّ على وجوب الالتزام، حيث إنّ الأصل يخرج مجراه عن موضوع وجوبه.

و فيه، أنّ حكومة الأصل على دليل وجوب الالتزام بالحكم الواقعي ليس من قبيل حكومة أحد الدليلين على الدليل الآخر في الأدلّة الاجتهادية التي ترجع إلى ما يرجع إليه التخصيص في كشفه عن عدم ثبوت تمام مدلول الدليل المحكوم بحسب مقام الثبوت، و لذا تكون الحكومة نوع تخصيص بخلاف الاصول الجارية في ناحية نفي الموضوعات للتكاليف الواقعية أو إثباتها، مثلا الاستصحاب الجاري في ناحية عدم كون مائع خمرا لا يكون كاشفا عن خروج ذلك المائع على تقدير كونه خمرا عن موضوع حرمة الشرب و النجاسة لتكون حكومته بمنزلة المخصص لخطاب حرمة شرب الخمر و نجاسته، بل مفاده حكم ظاهري يعمل به مع عدم وصول الواقع و لا يوجب سعة و لا ضيقا في الواقع، بل الواقع باق على حاله و هذا هو السّر في عدم جريان الاصول النافية في أطراف العلم الإجمالي بالتكليف حيث إنّ جريانها فيها

8

و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده إلّا المثوبة دون العقوبة، و لو لم يكن متسلما و ملتزما به و معتقدا و منقادا له، و إن كان ذلك يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيده، لعدم اتصافه بما يليق أن يتصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه و الانقياد لها، و هذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا، كما لا يخفى.

يوجب الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف الواقعي الواصل بالعلم الإجمالي، و إذا كانت المخالفة الالتزامية كالمخالفة القطعية العملية في عدم الجواز فلا تجري الاصول في ناحية احتمال وجوب الفعل و حرمته، بل يجب الالتزام بالتكليف الواقعي على إجماله.

و أما ما ذكر الماتن (قدّس سرّه) في الجواب عما في الرسالة من أنّ دفع محذور عدم الالتزام بالتكليف الواقعي أو محذور الالتزام بخلافه لا يدفع بالاصول، لأنّ الدفع المزبور دوري و ذلك فإن جريانها موقوف على عدم المحذور في الالتزام بخلافه اللازم لجريانها و عدم المحذور أيضا موقوف على جريانها على الفرض لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فإنّه كما ذكرنا لو كان في ترخيص الشارع في المخالفة الالتزامية قبحا نظير الترخيص في المخالفة القطعية العملية للتكليف الواصل يكون حكم العقل بالقبح قرينة على أنّ المراد من خطابات الاصول النافية غير موارد لزوم ذلك الترخيص و إن لم يحكم العقل بقبحه تكون إطلاقات خطابات الاصول كاشفا عن عدم لزوم محذور فيه، و لو توقف التمسك بالإطلاق في الخطابات على إحراز عدم محذور في سعة الحكم الوارد فيها ثبوتا لبطل التمسك بالإطلاقات مع احتمال المحذور في سعة الحكم الوارد فيها واقعا.

ثمّ إنّه قد استشكل الماتن (قدّس سرّه) في الأخذ بالاصول العملية في دوران أمر الفعل‏

9

ثم لا يذهب عليك، إنه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية، لو كان المكلف متمكنا منها لوجب، و لو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملا، و لا يحرم المخالفة القطعية عليه كذلك أيضا لامتناعهما، كما إذا علم إجمالا بوجوب شي‏ء أو حرمته، للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعا، و الانقياد له و الاعتقاد به بما هو الواقع و الثابت، و إن لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة.

بين الوجوب و الحرمة حتّى بناء على عدم المحذور في الترخيص في المخالفة الالتزامية بوجهين:

الأول: أنّ الاصول الشرعية وظائف عملية في ظرف الشك في الحكم و التكليف الواقعي فلا بد من ترتب أثر عملي على جريانها، و ليس عند دوران أمر الفعل بين المحذورين إلّا عدم إمكان الموافقة القطعية و عدم إمكان المخالفة القطعية جرت الاصول أم لم تجر، و لكن لا يخفى أنّ الأصل يجري في ناحية كلّ من الوجوب و الحرمة، و مقتضى الأصل في ناحية احتمال الوجوب عدم تعين الفعل، كما أنّ مقتضاه في ناحية احتمال الحرمة عدم تعين الترك، حيث يحتمل أنّ الشارع في مقام دوران الأمر أن يقدم احتمال رعاية أحد التكليفين على الآخر، و مقتضى الأصل في ناحية احتمال كلّ منهما عدم كون المكلف مأخوذا باحتمال خصوص أحدهما، و على الجملة أصالة التخيير في دوران الأمر بين المحذورين ليس أصلا شرعيا آخر في مقابل أصالة البراءة أو الاستصحاب.

و الثاني: دعوى أنّ خطابات الاصول لا تعمّ أطراف العلم الإجمالي بثبوت التكليف؛ لأنّ شمولها لأطرافه يوجب المناقضة بين صدرها و ذيلها، و فيه أنّ هذا كما ذكر الماتن في بحث الاستصحاب يجري في بعض خطابات الاستصحاب بناء على ما ذكر الشيخ من تمامية لزوم التناقض و لإجمال هذا البعض يمكن رفع إجماله‏

10

و إن أبيت إلّا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه، لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة، و لما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا، فإن محذور الالتزام بضد التكليف عقلا ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة، مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي إلّا الالتزام بنفسه عينا، لا الالتزام به أو بضده تخييرا.

و من هنا قد انقدح أنه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية، مع قطع النظر عنه، كما لا يدفع بها محذور عدم الالتزام به.

بالبعض الآخر الذي لم يرد في ذيله الأمر بنقض الشك باليقين أو الأمر بنقض اليقين باليقين الآخر و لا يجري في خطابات أصالة البراءة حيث ليس فيها صدر و ذيل.

بقي في المقام امور:

الأول: أنّ القول بالتخيير في دوران الأمر بين المحذورين وحدة القضية و عدم تكرارها، فإنّه في صورة تكرار الواقعة يتمكّن المكلف من المخالفة القطعية كما إذا دار أمر المرأة بين كونها محلوفة الوطي في كلّ من ليلتين أو محلوفة الترك كذلك، فإنّ مع وطيها في ليلة و تركه في ليلة اخرى يعلم بمخالفة التكليف.

الثاني: أن لا يكون أحد التكليفين المردد أمر الفعل بينهما أو كلاهما تعبديا، و إلّا كان المكلف متمكّنا من المخالفة القطعية و في مثل الأمرين لا بد للمكلف من الالتزام عملا بأحد المحتملين حذرا من المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، و دعوى أنّ لزوم الموافقة القطعية و عدم جواز المخالفة القطعية متلازمان في الثبوت و السقوط كما هو ظاهر الماتن فيما يأتي لا يمكن المساعدة عليه، فإن ترخيص المولى في مخالفة تكليفه المعلوم قبيح سواء أمكنت موافقته القطعية أم لا،

11

إلّا أن يقال: إن استقلال العقل بالمحذور فيه إنما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام و الاقتحام في الأطراف، و معه لا محذور فيه، بل و لا في الالتزام بحكم آخر.

إلّا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول في أطراف العلم الاجمالي، مع عدم ترتب أثر عملي عليها، مع أنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية، مضافا إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه، للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها، كما ادعاه شيخنا العلامة (أعلى اللّه مقامه)، و إن كان محل تأمل و نظر، فتدبر جيدا.

الأمر السادس: لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما يترتب على القطع من الآثار عقلا [1].

و ما ذكر الماتن مبني على عدم فعلية التكليف بالمعنى المتقدم عنده و مع عدمها لا يلزم محذور في ارتكاب الفعل أو الترك و يأتي أيضا الكلام فيه.

الثالث: أنّه لو قيل بأنّ الالتزام بالتكليف عبارة عن التصديق بما جاء عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يختصّ ذلك بالالتزام بالأحكام الكلّية التي ثبتت من الشريعة بالأدلّة القطعية أو بالضرورة، و أمّا الاحكام المستفادة من الطرق المعتبرة فالثابت من الشرع لزوم العمل بها و التصديق بأنّها مما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غير لازم بل غير جائز بل غايته أن لزوم العمل بتلك الأمارات أو اعتبارها علما بالواقع مما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما هو ظاهر.

[الأمر السادس‏]

في أنّ القطع بالحكم من المقدمات العقلية

[1] تعرض (قدّس سرّه) في هذا الأمر لعدم تفاوت في منجزية القطع بالتكليف و معذريته بين الأسباب الموجبة للقطع و كذا بين موارد القطع و بين الأشخاص، فإنّه إذا كان القطع بالتكليف منجزا لما تعلق به من التكليف أو الموضوع له يكون كذلك‏

12

في جميع الموارد و من أي سبب حصل و من أي شخص كان و لو كان الشخص سريع الاعتقاد فإنّه يصحّ أخذ القاطع بمخالفة قطعه إذا أصاب الواقع بمخالفة الواقع و لا يقبل اعتذاره بأنّه كان في مورد كذا أو بسبب كذا أو كنت سريع الاعتقاد، كما أنّه يصح منه الاعتذار فيما إذا عمل على طبق قطعه و اتفق مخالفته الواقع لخطأ قطعه، و هذا فيما إذا لم يكن القطع بالحكم أو الموضوع موضوعا لحكم آخر، فالمتبع في عموم ذلك القطع أو خصوصه الخطاب الدالّ على ترتب الحكم الآخر عليه فإن مناسبة الحكم و الموضوع أو غيرها قد تقتضي أن يكون بالقطع بالحكم أو الموضوع من شخص خاص أو من سبب خاصّ كما في جواز التقليد من العالم بالأحكام و جواز الشهادة من العالم بالواقعة و القضاء ممن يقضي و يفصل النزاع في مورد المرافعة بما هو موازين القضاء، ثم إن المنسوب إلى أصحابنا الأخباريين أنّهم لا يرون بالقطع بالأحكام الشرعية اعتبارا إذا كان من الوجوه العقلية، و أنّ المعتبر عندهم العلم بالأحكام الشرعية الحاصل من السنة و الأخبار المأثورة عن الائمة (عليهم السلام)، و قد أنكر الماتن هذه النسبة و ذكر أنّه ليس مرادهم التفصيل في اعتبار القطع بالتكليف و الحكم الشرعي، بل كلامهم ناظر إلى أمرين:

أحدهما: المنع عن الملازمة بين حكم العقل بالقبح و الحسن و بين حكم الشرع بالحرمة و الوجوب.

ثانيهما: أنّ المقدمات العقلية لا تفيد إلّا الظن بالحكم و التكليف، و أنّ المدرك في الأحكام الشرعية غير الضرورية ينحصر في السماع عن الأئمة (عليهم السلام)، و قد ذكر المحدث الاسترآبادي في فوائد في جملة ما استدلّ به على انحصار المدرك على ما ذكره، الرابع: أنّ كلّ مسلك غير هذا المسلك إنما يعتبر من حيث إفادته الظن‏

13

بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف، و من سبب ينبغي حصوله منه، أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه، كما هو الحال غالبا في القطّاع، ضرورة أن العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله، و صحة مؤاخذة قاطعه‏

بحكم اللّه سبحانه و قد أثبتنا سابقا أنّه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها.

أقول: لا يبعد ظهور كلمات بعضهم فيما نسب الشيخ (قدّس سرّه) إليهم من عدم الاعتبار عندهم بالقطع الحاصل من غير الأخبار المأثورة عنهم (عليهم السلام)، قال: السيد الصدر في شرح الوافية في جملة كلام له: أنّ المعلوم هو أنّه يجب فعل شي‏ء أو تركه أو لا يجب إذا حصل الظن أو القطع بوجوبه أو حرمته أو غيرهما من جهة نقل المعصوم أو فعله أو تقريره لا أنّه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أي طريق كان.

و كيف كان فقد وجّه كلمات هؤلاء باحتمال كون مرادهم الالتزام بالتقييد في مرحلة فعلية الأحكام و بأن الأحكام الشرعية و إن كانت ثابتة في الوقائع إلّا أنّ فعليتها لا تكون مطلقة، بل فيما إذا وصلت إلى العباد بنحو السنة و الخبر المأثور عنهم (عليهم السلام) و لا تكون لها فعلية إذا لم تكن واصلة بهذا النحو و لا يكون للقطع بها أثر بل كان ممّا سكت اللّه عنه، و يشير إلى ذلك ما ورد مثل قولهم: «حرام عليكم أن تقولوا بشي‏ء لم تسمعوه منّا» (1) و قولهم: «لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه جلّ و عزّ حقّ في ثوابه» (2) و قد ردّ على ذلك بعدم دلالة الأخبار على‏

____________

(1) الكافي 2: 401، الحديث الأول.

(2) الكافي 2: 19، الحديث 5.

14

على مخالفته، و عدم صحة الاعتذار عنها بأنه حصل كذلك، و عدم صحة المؤاخذة مع القطع بخلافه، و عدم حسن الاحتجاج عليه بذلك، و لو مع التفاته إلى كيفية حصوله.

نعم ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعا، و المتبع في عمومه و خصوصه دلالة دليله في كل مورد، فربما يدل على اختصاصه بقسم في مورد، و عدم اختصاصه به في آخر، على اختلاف الأدلة و اختلاف المقامات، بحسب مناسبات الأحكام و الموضوعات، و غيرها من الأمارات.

ذلك، و أنّ المراد منها إمّا عدم نفع الأعمال مع ترك الولاية أو عدم جواز الاعتماد في الوصول إلى الأحكام الشرعية على القياس و الاستحسانات و ترك الرجوع إلى الأئمة الهداة (عليهم السلام) على ما كان عليه دين أهل الخلاف.

نعم، لا بأس بالالتزام بعدم جواز الركون في فهم الأحكام إلى استخراج مناطات الأحكام و ملاكاتها لينتقل منها إلى الأحكام الشرعية فإنّه يوجب كثيرا الخطأ في فهمها و استخراج الأحكام منها، بل يوجب طرح ظاهر بعض الخطابات الشرعية بتخيّل أنّ ظاهرها لا يناسب الملاكات، و إذا خاض المكلف في المقدمات العقلية و استحساناته في فهم الملاكات و أوجب ذلك الخطأ في فهم التكليف فلا يكون معذورا، و لكن لا يمكن منعه عن العمل بقطعه إذا حصل له القطع، فإنّ القطع بالتكليف لا يقبل الردع عنه، و ممّا يفصح عن عدم جواز الاعتماد على فهم الملاكات و الاستحسانات العقلية ما دلّ على أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول و أنّه لا شي‏ء أبعد عن دين اللّه من العقول، أوضح ذلك صحيحة أبان بن تغلب، «قال:

قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال:

عشرة من الإبل، قلت: قطع اثنتين، قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون،

15

و بالجملة القطع فيما كان موضوعا عقلا لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع، و لا من حيث المورد، و لا من حيث السبب، لا عقلا- و هو واضح- و لا شرعا، لما عرفت من أنه لا تناله يد الجعل نفيا و لا إثباتا، و إن نسب إلى بعض الأخباريين أنه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية، إلّا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة، بل تشهد بكذبها، و أنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شي‏ء و حكم الشرع بوجوبه، كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر في باب الملازمة، فراجع.

قلت: قطع أربعا؟ قال: عشرون، قلت: سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون، إن هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول الذي جاء به شيطان فقال: مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس و السنة إذا قيست محق الدين» (1).

أقول: اذا فرض ان القطع لا يكون عذرا فيما إذا أخطأ الواقع مع النهي عن تحصيله عن مثل القياس و الاستحسانات فلا بد من الالتزام من أنّ العذرية من لوازم الجهل بالواقع و عدم وصول بيانه إلى المكلف، و النهي عن تحصيل القطع و الوصول إلى الأحكام الواقعية من طريق كذا مسقط للجهل عن العذرية لكون هذا النهي يصلح للبيان للتحفظ على الواقع بسلوك غير ذلك الطريق أو السبب، و لا يبعد استفادة ذلك بالإضافة إلى الامور الاعتقادية من الآيات المباركة الدالّة على التوبيخ في ترك السؤال و النظر إلى المعجزة للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و اتباع الآباء و الأجداد و بالإضافة إلى الأحكام‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 29: 352، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأول.

16

و إما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية، لأنها لا تفيد إلّا الظن، كما هو صريح الشيخ المحدث الأمين الاسترآبادي (رحمه اللّه) حيث قال في جملة ما استدل به في فوائده على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في السماع عن الصادقين (عليهم السلام):

الرابع: إن كل مسلك غير ذلك المسلك- يعني التمسك بكلامهم (عليهم الصلاة و السلام)- إنما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم اللّه تعالى، و قد أثبتنا

بالإضافة إلى من ترك الرجوع إلى الأئمة الهداة و المنقول من آثارهم و اتباع طريق القياس و الاستنباط في الملاكات.

و أما إذا صادف القطع الحاصل من ذلك الواقع فعدم كون المكلف مأخوذا بذلك الواقع و لو لم يكن في البين طريق آخر و سبب آخر للوصول إليه فهذا أمر غير ممكن عند مثل الماتن (قدّس سرّه) ممن يرى أن منجزية القطع ذاتيه، و ظاهر بعض الكلام المنقول عن الاخباريين كالمنقول عن السيد الصدر في شرح الوافية عدم مؤاخذة المكلف بمخالفة مثل هذا القطع، و قد تقدم أنّ الالتزام بالتقييد في فعلية الأحكام كما ذكر في توجيه كلمات الأخباريين غير صحيح، فإن الفعلية تتبع مقام الجعل على ما مرّ، و لكن يمكن أن يكون الغرض من التكليف خاصا بوصول خاص، و معه لا يكون المكلف مأخوذا بذلك التكليف إذا لم يمكن الوصول إليه بذلك الوصول الخاص و لكن هذا لا يستفاد مما ورد في سلك الأخبار المشار إليها، بأنّها إما في مقام الردع عن الاعتماد بالقياس و الاستحسانات في كشف ملاكات الأحكام و أنّه لا تفيد في الوصول إلى الأحكام الشرعية في الوقائع و حتّى أنّ مثل صحيحة أبان ناظرة إلى عدم حصول العلم بالحكم الشرعي الواقعي و لا يصحّ ردّ ما وصل من قولهم (عليهم السلام) في حكم الواقعة بالقياس، و أمّا في مقام الردع عن الاعتماد في الأحكام الشرعية على آراء

17

و فتاوى أشخاص يسمّون عند الناس بالعلماء في مقابل الأئمة الهداة الأوصياء للنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و على الجملة العلم بحكم شرعي تكليفي أو وضعي مما يعتمد فيه على الأحكام العقلية غير المستقلة للملازمة بينه و بين الحكم الثابت بالخطابات الشرعية من الكتاب أو السنة أو الأخبار المأثورة عنهم (صلوات اللّه عليهم) بواسطة الثقات و العدول لا يعدّ قياسا و لا استحسانا و لا سماعا من غيرهم، بل هو في الحقيقة أخذ بما هو لازم قولهم (عليهم السلام) كما في أخذ المقر بلوازم إقراره، نعم المعروف من الأخباريين عدم جواز الاعتماد على حكم العقل بالقبح أو الحسن في استكشاف الحكم الشرعي لعدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و تبعهم بعض الاصوليين كصاحب الفصول (قدّس سرّه) بدعوى أنّ العقل و إن يدرك مفسدة فعل خالصة أو غالبة و معه يحكم باستحقاق فاعله الذم، و كذلك في ناحية دركه مصلحة ملزمة في الفعل و معه يحكم باستحقاق تاركه الذم، و لكن يمكن أن يكون بنظر الشارع جهة مانعة عن جعل الحرمة للاوّل أو جهة مزاحمة لجعلها فلا يحرّمه، و كذلك في ناحية درك العقل المصلحة الخالصة أو الغالبة في الفعل و ربما يكون إيجاب الشارع الفعل بلا ملاك في متعلقه، بل المصلحة في نفس جعل الوجوب كما في موارد الإيجاب امتحانا أو رعاية للتقية إلى غير ذلك، نعم التزم صاحب الفصول (قدّس سرّه) بالملازمة الظاهرية و أنّه يصحّ للشارع أخذ المكلف بارتكاب الأول و ترك الثاني ما لم يتبين للمكلف عدم جعل الشارع الحرمة أو الوجوب للمانع و المزاحم، و أورد على ذلك بأنّه خلاف الفرض في حكمه بالقبح أو الحسن، فإنّ مورد الكلام ما إذا أحرز أنّه في الفعل ليست جهة مانعة أو مزاحمة في مفسدته كما في حكمه بقبح الكذب الضار الموجب لهلاك النبي مع عدم رجوع نفع إلى الكاذب و مع استقلال العقل بقبحه كذلك يحكم بأن‏

18

سابقا أنه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها) و قال في جملتها أيضا- بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة- ما هذا لفظه:

(و إذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسكنا بكلامهم (عليهم السلام) فقد عصمنا من الخطأ، و إن تمسكنا بغيره لم يعصم عنه، و من المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا و عقلا، أ لا ترى أن الإمامية استدلوا على وجوب العصمة بأنه لو لا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ، و ذلك الأمر محال، لأنه قبيح، و أنت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز

الشارع لا يرضى بارتكابه و مع وجود مثل هذه المفسدة في العقل كيف يحتمل أن يكون مباحا عند الشارع، نعم إذا علم المكلف المفسدة في فعل و احتمل أن يكون عند الشارع جهة اخرى في فعله فلا يحكم بعدم رضاء الشارع به، فالمدعى في باب الملازمة ثبوت الحكم الشرعي في مورد ثبوت المفسدة أو المصلحة مما ذكر من الموارد، و المراد ثبوت الملازمة في الجملة لا في جميع موارد درك العقل مفسدة الفعل أو صلاحه، و قد أورد على ذلك الشيخ (قدّس سرّه) بأنّه و إن لا يكون شبهة في أنّ العقل بعد استقلاله بالمفسدة غير المزاحمة في فعل يحكم بقبحه و اللوم على فاعله، و لكن مع ذلك لا يلزم أن تكون تلك المفسدة تمام الملاك في حكم الشارع إذ ربما يرى الشارع مصلحة في صبره على ارتكاب العبد القبيح؛ لأنّ في صبره مصلحة أعظم حيث إنّه تسهيل الأمر على العبد، و مثل هذه المصلحة في صبر المولى لا توجب أن لا يحكم العقل بقبح العمل و اللوم على فاعله و إلّا لم يكن موضوع لصبر المولى على ارتكاب عبده القبيح و تبعية الحكم الشرعي لمفسدة المتعلق لا ينافي ذلك، إذ معنى التبعية عدم حكم الشارع بدون مفسدته لا لزوم حكمه معها.

أقول: الظاهر أنّه اشتبه مصلحة صبر المولى على عدم مؤاخذة العبد بارتكابه‏

19

الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى)، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و ما مهده من الدقيقة هو الذي نقله شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- في الرسالة.

و قال في فهرست فصولها أيضا:

الأول: في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى شأنه، و وجوب التوقف عند فقد القطع بحكم اللّه، أو بحكم ورد عنهم (عليهم السلام)، انتهى.

و أنت ترى أن محل كلامه و مورد نقضه و إبرامه، هو العقلي غير المفيد للقطع، و إنما همّه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع.

القبيح و الحرام بعدم جعل الحرمة للفعل فإنّ الصبر على ارتكاب الفساد المحض أو الغالب كما هو فرض إحراز العقل مع استقلاله بدركه كما هو الفرض لا يوجب الترخيص في الارتكاب من المولى الحكيم، و إلّا بأن احتمل العقل أن عند المولى جهة صلاح في العمل المزبور أو جهة مصلحة تلازمه لا يحكم بقبحه أصلا، و الموضوع لصبر المولى في الفرض وجود تلك الجهة لا حكم للعقل بقبحه و لو أمكن منع استقلاله في الحكم بالقبح لانسد على العباد إحراز نبوة النبي بإخباره بنبوته و إظهاره المعجزة، حيث يمكن أن تكون مصلحة في إعطاء المعجزة بيد الكاذب و مصلحة في صبره على دعواه بالكذب. و ما يقال: من الموارد التي ثبت الحكم الشرعي فيها على خلاف حكم العقل نظير أكل المارة من ثمرة طريقه و لو بدون رضا مالكه، أو إيقاع المكلف نفسه في الهلكة، و نظير قتل الكافر الحربي و أسر عياله و أطفاله، فإنّ مثلها يدخل في عنوان التعدي على الغير مع حكم الشارع بالجواز أو الوجوب لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ مع إذن الشارع في إتلاف مال الغير أو إتلاف نفسه أو نفس الغير لجهة من المصلحة يرتفع عنوان الظلم المحكوم عقلا بالقبح، و لذا لا يمكن في موارد احتمال ثبوت المصلحة و حكم الشارع بالجواز

20

و كيف كان، فلزوم اتباع القطع مطلقا، و صحة المؤاخذة على مخالفته عند إصابته، و كذا ترتب سائر آثاره عليه عقلا، مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلا عن فاضل، فلا بد فيما يوهم خلاف ذلك في الشريعة [1] من المنع عن حصول العلم التفصيلي بالحكم الفعلي لأجل منع بعض مقدماته الموجبة له و لو إجمالا.

فتدبر جيدا.

التمسك بخطاب حرمة الظلم بل يتمسك بعموم ما دلّ على أنّه لا يحل التصرف في مال الغير إلّا بطيبة نفسه، أو ما دلّ على حرمة قتل الإنسان نفسه أو الغير إلى غير ذلك.

[1] قد يقال: إنّه لو لم يمكن تجويز مخالفة العلم بالتكليف فكيف وقع في الشرعيات و عدّ منها موارد كما إذا كان عند الودعي درهم لشخص و درهمان لآخر فسرق إحدى الدراهم، فإنّ لصاحب الدرهمين درهما و الدرهم الآخر يكون نصفه له و نصفه الآخر لصاحب الدرهم، و لو أخذ ثالث منهما الدرهم المحكوم بكونه لهما و اشترى به جارية يملكها مع علمه بعدم تمام الجارية له؛ لأنّ بعض ثمنها ملك الغير واقعا، و يجاب عن ذلك بأنّ الحكم بالتنصيف في الدرهم لكون الامتزاج و الاشتباه عند الودعي موجبا للشركة بينهما، فأخذ النصف من كلّ منهما تملك الدرهم من المالك الواقعي فينتقل في الفرض تمام الجارية إلى المشتري، و فيه أن مجرد اشتباه أحد المالين بالآخر من غير امتزاج موجب لوحدة المالين عرفا كما في المثال لا يوجب الشركة القهرية، و الشركة المعاملية غير مفروضة في المقام أضف إلى ذلك أن مقتضى كلامهم عدم الفرق في اشتباه الدرهم المسروق بخصوص أحد الدرهمين الباقيين أو بكلّ منهما، و من الظاهر أنّ مقتضى الشركة في الثاني كون ثلث الدرهمين لصاحب الواحد لا ربعهما كما هي الفتوى.

21

و قد يقال: إن التنصيف في الدرهم مصالحة قهرية على المالكين، حيث إن للشارع الولاية في الحكم بها على الناس في أموالهم و قد جوّز أكل المارّ من الثمرة التي في طريقه مع كونها ملك الغير و لو مع عدم رضاه، و فيه أنّ ظاهرهم أنّ هذا حكم شرعي لا حكم ولائي كما هو الحال في تجويز الشارع في أكل الثمرة من طريقه، و على الجملة الحكم في المقام من قبيل كون خمس المال المختلط بالحرام لأرباب الخمس فيكون حكما واقعيا، أو أنّه من قبيل الحكم الظاهري، فإن كان من قبيل الحكم الظاهري فلا يجوز للثالث الجمع بينهما في ملكه لعلمه بعدم انتقال أحدهما من مالكه الواقعي، و لذا لو علم أحدهما بعد الحكم بالتنصيف أن المسروق كان ماله فعليه أن يردّ النصف المأخوذ أو بدله إلى صاحبه، و لا يستفاد من الروايتين الواردتين المرويتين في باب الصلح أزيد من الحكم الظاهري، نظير ما إذا كان درهم في يد شخصين لا يعلم أنه لأيّ منهما أو كان مال لم يكن له يد و ادعاه اثنان حيث يحكم لكلّ منهما بنصفه.

و كما إذا اختلف البائع و المشتري في الثمن أو المثمن لا بنحو الأقل و الأكثر بل بنحو التباين، بأن قال البائع بعت الجارية بمائة دينار، و قال المشتري اشتريتها بمائتي درهم، أو قال البائع بعت الجارية بمائة و قال المشتري اشتريت العبد بمائة، و في مثل ذلك لو لم يقم أحد البيّنة على دعواه يحلف كلّ منهما على نفي دعوى الآخر فتسقط كلتا الدعويين و يرجع المالان إلى مالكيهما، و لو أخذ ثالث العبد و الجارية في شراء واحد منه فيعلم تفصيلا ببطلان الشراء و لو كان اختلافهما في الثمن من حيث الزيادة و النقيصة يكون مقتضى القاعدة كون مدعي الزيادة مكلفا بإقامة البينة على دعواه، إلّا أنّه قد ورد النص أنّه ما دام المبيع موجودا يحلف البائع على الزيادة و تؤخذ في‏

22

غير مورد النص بالقاعدة، و الجواب أنّ مع التحالف ينفسخ البيع الواقع فيكون أخذ العبد و الجارية من مالكهما الواقعي، و لو قيل بأنّ التحالف لا يوجب الانفساخ واقعا و كذا قضاء القاضي بالانفساخ، و لذا لو تذكّر أحدهما بالواقعة وجب تسليم حق صاحبه إليه كما هو مقتضى قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان ... فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنّما قطعت له به قطعة من النار» (1) فيمكن الجواب بأنّ للمالك الأصلي الإمساك بما باعه لا تقاصا ليقال بعدم جواز التقاص بعد تمام القضاء، بل الإمساك لجواز فسخ البيع من بايعه لعدم وصول ثمنه إليه، و لذا يجوز للثالث أخذ الثمن و المبيع منهما و لو فرض أنّ البائع و المشتري لم يفسخا البيع انتظارا لوضوح الحال للآخر فلا يجوز لثالث أخذ الثمن و المثمن منهما و هكذا.

و من الموارد التي ذكرت لجواز مخالفة العلم ما إذا اختلفا في سبب الانتقال، كما إذا قال مالك: المتاع بعتك إيّاه بكذا و قال الآخر: وهبتني، فإنّه لو لم يثبت شي‏ء من الدعويين يتحالفان و يرجع المتاع إلى مالكه الأصلي مع علمه بانتقاله عن ملكه إما بالبيع أو الهبة.

أقول: قد يقال إذا كانت العين تالفة أو كان المدعي للهبة من ذي الرحم يحلف مدعي الهبة على عدم الشراء لجريان أصالة عدم جريان البيع منه من غير أن يعارضها أصالة عدم الهبة منه، فإن أصالة عدم الهبة لا أثر لها بعد تلف العين أو كون المدعي من ذي الرحم، إلّا أن يثبت وقوع البيع، نعم مع بقاء العين و عدم كون مدعي الهبة من ذي الرحم فعلى المالك أن يرجع إلى متاعه أخذا بإقرار المشتري حيث إنّه اعترف‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 27: 232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث الأول.

23

بأنّ للمالك الرجوع إلى متاعه فلا مورد للحلف و لا علم بمخالفة التكليف لا تفصيلا و لا إجمالا حيث إنّ للبائع الرجوع إلى المبيع مع عدم تسليم صاحبه الثمن إليه.

و منها: ما إذا وجد اثنان منيا في ثوب مشترك بينهما بحيث يعلمان جنابة أحدهما، فإنّه قد ذكروا أنّه لا يجب على كلّ واحد لصلاته إلّا الوضوء لجريان الاستصحاب في ناحية عدم الجنابة في حقهما بلا تعارض، و مقتضى ذلك جواز اقتداء أحدهما بالآخر في صلاته و يجوز للثالث الاقتداء بهما في صلاتين مترتبتين، و هذا يوجب علم المأموم ببطلان صلاته لجنابته أو جنابة امامه و علم الثالث ببطلان صلاته الثانية لجنابة أحد الإمامين.

و لكن لا يخفى أنّ جواز اقتداء أحدهما بالآخر أو جواز اقتداء الثالث بهما في صلاتين لم يرد في شي‏ء من الخطابات الشرعية، فإن قيل بأنّ صلاة الإمام إذا كانت بحسب نظره صحيحة يجوز الاقتداء به فلا إشكال، و أمّا بناء على كون الشرط في جواز صحة صلاة الامام واقعا بحيث لو انكشف الحال له لم يجب عليه إعادتها فلا يجوز لصاحبه الاقتداء به، كما لا يجوز للغير الاقتداء بهما في صلاة أو صلاتين، و قد يقال: بلزوم الجمع بين الوضوء و الغسل على كلّ منهما إذا كان صاحبه ممن يمكن استيجاره قبل اغتساله لكنس المسجد و نحوه، مما لا يجوز للجنب، و لكن لا يخفى ما فيه، فإنّه إن كان المراد من عدم جواز الاستيجار الحكم الوضعي يعني الحكم ببطلان إجارته فالوضع يترتب على المعاملة بعد حصولها، و إن كان المراد عدم جوازه تكليفا؛ لأنّه من التسبيب إلى الحرام أي إدخال الجنب المسجد فإن إدخاله كدخول الجنب فيه محرم فلا يخفى ما فيه، فإن التسبيب يتحقق مع جهل المباشر بالحال لا مع علمه كما هو الفرض، فغاية الأمر يكون استيجار أحدهما الآخر

24

من الإعانة على الإثم، و الإعانة عليه في غير الظلم غير محرّم.

و منها: ما إذا كانت عين في يد شخص و ادعاها اثنان و اعترف ذو اليد بتلك العين بتمامها لأحدهما ثم اعترف بتمامها للآخر، فإنّهم ذكروا بكونها للمقرّ له الأول و يغرم ذو اليد بدلها للثاني، فإن مقتضى ذلك جواز أخذ الثالث العين من الأول و بدلها من الثاني و يشتري بهما متاعا مع علمه بعدم انتقال المتاع إليه لعدم كون تمام الثمن ملكه.

و يجاب عن ذلك بأن إقرار ذي اليد حجة يؤخذ بها، و مقتضى الأخذ بالإقرار الأول الحكم بكون العين ملكا للمقرّ له الأول كما أنّ مقتضى نفوذ الإقرار الثاني كون ذلك الإقرار اتلافا للعين على الثاني فيضمن له البدل.

ثم إنّه لو قيل بأنّ الحكم الظاهري لشخص موضوع للحكم الواقعي للآخرين فيجوز للثالث أخذ العين و البدل منهما و إلّا فلا يجوز له الأخذ عن أحدهما فضلا عن شراء المتاع بهما.

لا يقال: كيف يجوز للحاكم الحكم بإعطاء العين للأول و البدل للثاني مع أنّه يعلم بمخالفة أحد حكميه للواقع، و بتعبير آخر الإقرار إما من قبيل الأمارة أو الأصل و لا اعتبار بشي‏ء منهما مع التعارض.

فإنّه يقال: حكم الحاكم كإفتائه لكلّ من واجدي المني في الثوب المشترك بوجوب الوضوء لصلاتهما، فإنّ الموجب لسقوط الأصل في أطراف العلم لزوم الترخيص القطعي في التكليف الواصل بالإضافة إلى المكلف لا لزوم الترخيص في التكليف المتوجه إلى أحد المكلفين.

و أما الإقرار فاعتباره و إن كان من جهة كونه طريقا إلّا أنّ مقدار اعتباره بالإضافة

25

الأمر السابع: إنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه لا تكاد تناله يد الجعل إثباتا أو نفيا فهل القطع الإجمالي كذلك؟ [1]

إلى ما كان الإقرار على النفس و لو كان ذلك الإقرار مدلولا التزاميا، و حيث إنّ الدليل قام بنفوذ الإقرار الأول دون الإقرار الثاني في مدلوله المطابقي يكون الإقرار الثاني مع نفوذ الإقرار الأول إقرارا بإتلاف العين على المقر له الثاني، فيرجع الثاني إلى بدلها نظير رجوع الشاهدين عن شهادتهما بعد القضاء، و على الجملة لا علم للقاضي بالترخيص القطعي في مخالفة أحدهما في تكليفه الواقعي بعد احتمال أنّ الإقرار الأول إتلافا ظاهريا على الثاني بإقرار العين للمقر له الأوّل.

و منها: تجويز مخالفة التكليف في مورد الشبهة غير المحصورة فإنّها مخالفة مع العلم بالتكليف و فيه ما لا يخفى، فإنّ خروج بعض الأطراف فيها عن ابتلاء المكلف و تمكّن ارتكابه يوجب جريان الأصل النافي في الأطراف الداخلة في محلّ الابتلاء بلا معارض، أو أن كثرة الأطراف توجب الاطمئنان في البعض بعدم الحرام فيه مما يريد ارتكابه فلا تجويز في مخالفة التكليف المعلوم حتّى بنحو الإجمال و تمام الكلام في محلّه.

[1] يقع الكلام في العلم الإجمالي في مقامين:

احدهما: اعتبار العلم الإجمالي في ثبوت التكليف و إحراز تنجّزه، و بتعبير آخر هل يتنجّز التكليف المعلوم بالإجمال كتنجّزه بالعلم التفصيلي.

و ثانيهما: في سقوط التكليف بامتثاله الإجمالي مع التمكّن من امتثاله التفصيلي بمعنى يجوز للمكلف الاقتصار على امتثال التكليف بالعلم الإجمالي مع تمكّنه من امتثاله التفصيلي بلا فرق بين موارد الشبهة الحكمية و الموضوعية، مثلا إذا لم يدر في مورد أنّ وظيفته القصر أو التمام أو تردد الثوب الطاهر بين ثوبين أن يأتي بالقصر

26

فيه إشكال، ربما يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف، و كانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة، جاز الإذن من الشارع بمخالفته احتمالا بل قطعا، و ليس محذور مناقضته مع المقطوع إجمالا إلّا محذور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة الغير المحصورة، بل الشبهة البدوية، ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي و الإذن بالاقتحام في مخالفته‏

و التمام أو كرّر صلاته في كلّ من الثوبين مع تمكّنه على معرفة وظيفته من الصلاتين أو تمكّنه من الإتيان في ثوب طاهر آخر.

[الأمر السابع‏]

في تنجيز العلم الإجمالي‏

أما الكلام في المقام الأول فيقع في جهتين.

إحداهما: عدم جواز المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال.

و ثانيهما: لزوم الموافقة القطعية في التكليف المعلوم بالإجمال.

و قد ذكر الماتن (قدّس سرّه) في الجهة الأولى أنّه لا مانع من جعل الحكم الظاهري في كلّ من أطراف العلم الإجمالي بالتكليف و لو لزم من العمل بالحكم الظاهري في كلّ الأطراف العلم بمخالفة التكليف المعلوم بالإجمال؛ لأنّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظة في كلّ منها و هو الشك في تعلق التكليف به واقعا و دعوى مناقضة الترخيص في الارتكاب في كلّ من الأطراف مع التكليف المعلوم بالإجمال بينها مدفوعة، بأنّ المناقضة هي المناقضة الموهومة بين الحكم الظاهري و الواقعي و بما أنّ مرتبة الحكم الظاهري متأخرة عن تعلق الحكم الواقعي فلا مناقضة بينهما، و إلّا جرت المناقضة بين الحكم الظاهري المجعول في أطراف الشبهة غير المحصورة و التكليف المعلوم بينها بل تجري في الشبهة البدوية أيضا، لاحتمال ثبوت التكليف‏

27

بين الشبهات أصلا، فما به التفصي عن المحذور فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضا، كما لا يخفى، [و قد أشرنا إليه سابقا، و يأتي إن شاء اللّه مفصلا].

نعم كان العلم الإجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء، لا في العليّة التامة، فيوجب تنجز التكليف أيضا لو لم يمنع عنه مانع عقلا، كما كان في أطراف كثيرة غير محصورة، أو شرعا كما في ما أذن الشارع في الاقتحام فيها، كما هو ظاهر (كل شي‏ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه).

الواقعي فيها.

لا يقال: فرق بين الشبهة المحصورة و بين غير المحصورة و الشبهة البدوية فإن التكليف في الشبهة المحصورة فعلي بين أطرافها، بخلاف غير المحصورة و الشبهة البدوية إذا اتفق التكليف الواقعي فيها.

فإنّه يقال: لا فرق في ذلك بين الشبهة المحصورة و غير المحصورة و كذا الحال في الشبهة البدوية، حيث يحتمل فيها أيضا التكليف الفعلي، و إلّا لم يكن للأصل النافي معنى.

و على الجملة لو كان تأخر مرتبة الحكم الظاهري مفيدا في الشبهة غير المحصورة و البدوية لكان مفيدا أيضا في المحصورة و لو لم يكن تأخرها مفيدا في دفع المناقضة و توقف الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري على الالتزام بعدم فعلية التكليف الواقعي لأمكن الالتزام بعدم الفعلية حتّى في أطراف الشبهة المحصورة، و أنّ فعليته ما لم يمنع عنه مانع عقلا أو شرعا، فالأول كما في كثرة الأطراف، و الثاني كما في إذن الشارع في الاقتحام في المشتبه كما هو ظاهر قوله 7: «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام‏

28

و بالجملة: قضية صحة المؤاخذة على مخالفته، مع القطع به بين أطراف محصورة و عدم صحتها مع عدم حصرها، أو مع الإذن في الاقتحام فيها، هو كون القطع الإجمالي مقتضيا للتنجز لا علة تامة.

و أما احتمال أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية، و بنحو العلية بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية و ترك المخالفة القطعية، فضعيف جدا.

ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة، فلا يكون عدم القطع بذلك [1].

فهو لك حلال أبدا حتّى تعرف الحرام منه» (1).

و على الجملة صحة مؤاخذة المكلف على مخالفة التكليف مع القطع به في أطراف محصورة و عدم صحتها مع عدم حصرها أو مع الإذن في الاقتحام في الأطراف أن يكون العلم الإجمالي مقتضيا لتنجّز التكليف به لا علّة تامّة، نظير العلم التفصيلي بالتكليف.

[1] لعلّ هذا الكلام مستدرك فإن القطع بالتكليف الفعلي في أطراف الشبهة غير المحصورة و احتماله في الشبهة البدوية قد فهم مما ذكر قبل ذلك، و أما بدون ما ذكر كما في موارد الخطأ و القطع بالخلاف فلا يكون مورد لجريان الأصل، و التكليف الواقعي فيها إنشائي محض على مسلكه (قدّس سرّه) فلا موجب لذكره من موارد الإذن الشرعي في الارتكاب بعنوان الحكم الظاهري.

أقول: أما اختلاف الحكم الظاهري مع الواقعي في المرتبة فقد اعترف (قدّس سرّه) في بحث إمكان التعبد بالأمارة بأنّه غير مفيد في رفع التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري، فإنّه و إن لا يمكن جعل الحكم الظاهري إلّا بلحاظ ثبوت الحكم الواقعي‏

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 87، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

29

في مورده، إلّا أنه يثبت في مرتبة الحكم الظاهري الحكم الواقعي أيضا لما تقدم من عدم إمكان جعل الحكم الواقعي في خصوص صورة العلم به فيكون المجعول مطلقا ذاتا، و أما تقييد فعلية الحكم بعدم المانع بالتقريب المتقدم فهو مبني على ثبوت مرتبتي الإنشاء و الفعلية للحكم بالمعنى الذي التزم به، و قد ذكرنا أنّه غير صحيح و أنّ فعلية الحكم تابعة لكيفية جعله و اعتباره فلا تختلف فعلية الحكم عن مقام إنشائه إلّا بتحقق الموضوع له خارجا مع الفعلية و تقدير ذلك التحقق و فرضه في مقام الجعل.

و يمكن أن يكون مراد الماتن (قدّس سرّه) من محفوظية مرتبة الحكم الظاهري في كلّ من أطراف العلم الإجمالي بالتكليف تحقق الموضوع للحكم الظاهري بخلاف العلم التفصيلي، فإنّه لا موضوع معه للحكم الظاهري، و لكن مجرّد ذلك لا يصحح جعل الحكم الترخيصي في جميع أطراف العلم الإجمالي بالتكليف، و ذلك فإن الترخيص في الارتكاب في كلّ منها ينافي الغرض من التكليف الواقعي الثابت بينها الواصل بالعلم الإجمالي، و لا يقاس الترخيص في ارتكاب جميعها بالترخيص في ارتكاب الشبهة البدوية في بعض الأطراف في الشبهة غير المحصورة التي تكون بعض أطرافها خارجة عن تمكن المكلف بارتكابه أو عن ابتلائه لوصول التكليف فيه دونهما.

و على الجملة الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواصل بالعلم الإجمالي قبيح من المولى الحكيم إذا كان الغرض منه إمكان انبعاث العبد بالفعل أو الترك بوصوله كما هو الفرض. و دعوى أنّ القبيح هو ترخيص المولى في الارتكاب مع علم العبد حين الارتكاب بأنّ ما يرتكبه مخالفة للتكليف من قبل المولى، و لذا لا بأس على العبد بالارتكاب في موارد الشبهات البدوية حتّى لو اتفق بعد الارتكاب حصول‏

30

العلم له بأنّ بعض ما ارتكبه كان مخالفة للتكليف واقعا لا يمكن المساعدة عليها، فإنّ الارتكاب مع عدم وصول التكليف الواقعي حينه غير قبيح و حصول العلم به بعد ذلك لا يجعل التكليف السابق واصلا، إلّا في مورد لزوم تداركه بخلاف وصول التكليف قبل العمل فإن إجمال مورده و عدم تمييزه لا يكون موجبا لرفع قبح الترخيص القطعي في مخالفته، نعم لا بأس بالترخيص في بعض أطرافه إذا كان لذلك البعض معيّن، كما في موارد انحلال العلم الإجمالي حكما، حيث إن الترخيص فيه لا يلازم الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواصل و الترخيص في المخالفة الاحتمالية باكتفاء الشارع بالموافقة الاحتمالية المعبّر عنه بجعل البدل في مقام الامتثال واقع كما في موارد جريان قاعدة الفراغ و نحوها، بل يمكن أيضا الاكتفاء فيها بالأمر أو الترخيص في ارتكاب بعض الأطراف و لو على نحو التخيير في الجملة كمورد الاضطرار إلى شرب أحد الماءين المعلوم إجمالا نجاسة أحدهما، و إن شئت قلت: التبعيض في تنجيز العلم الإجمالي بالترخيص في ترك الموافقة القطعية مع إحراز الموافقة الاحتمالية لا يعدّ مناقضا مع إحراز ثبوت التكليف الواقعي في البين بخلاف الترخيص في المخالفة القطعية فإنّه ينافي مع احراز المكلف التكليف الموجود بين الأطراف حيث يناقض بالتكليف في البين مع كون الغرض منه الانبعاث بوصوله، نعم لو فرض كون الغرض من التكليف مختصا بوصوله الخاص لأمكن الترخيص في الارتكاب مع الوصول الآخر و جرى مثل ذلك في مورد العلم بالتكليف تفصيلا على ما مرّ في إمكان تصرف الشارع في منجزية العلم مع خصوص الفرض من التكليف، و لكن هذا مجرد فرض كما ذكرنا سابقا.

لا يقال: يمكن استكشاف عدم عموم الفرض في الشبهة المحصورة و غيرها من‏

31

الشبهات من مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «كلّ شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال ابدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه» (1) فإنّ ظاهرها لزوم الاجتناب عن الحرام إذا تعيّن.

أقول: الرواية مختصّة بالشبهات الموضوعية بقرينة ما ورد فيها من أن الشارع جعل لشي‏ء قسمين: قسم حلال و قسم حرام، و حكم بأنّ ارتكاب ذلك الشي‏ء له حلال إلى أن يعلم أنّ ما يرتكبه قسمه الحرام، و كلمة (بعينه) تأكيد جي‏ء بها للاهتمام بالعلم، كما قد يقال: رأيت زيدا بعينه، و يراد منه دفع توهم وقوع الرؤية بغيره ممن يتعلق به كخادمه أو ابنه، و التوهم المنفي في الرواية كفاية الظن بالحرام و احتماله.

و على الجملة: عرفان الحرام بعينه عبارة اخرى عن العلم بوجود الحرام فيما يرتكبه و لو كان ذلك الحرام غير متميّز عن غيره، و إن ادّعي أنّ كلمة «منه» في الصحيحة ظاهرها عرفان قسم الحرام معينا، و لكن ذكرنا أن معرفة قسم الحرام بعينه ليس معناه معرفته متميّزا عن غيره حين الارتكاب.

فتحصل مما ذكرنا أنّ فعلية التكليف و وصوله بالعلم الإجمالي لا ينافي الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية و العلم الإجمالي بالتكليف الواصل و كون الغرض منه إمكان الانبعاث علة تامة بالإضافة إلى عدم جواز الترخيص في مخالفته القطعية، و لكن بالإضافة إلى موافقته القطعية مقتض، بل الحال في العلم التفصيلي بالتكليف أيضا كذلك فيمكن للشارع الاكتفاء بموافقته الاحتمالية. و دعوى الفرق بينهما بأنّ قاعدة الفراغ و نحوها من حيث المفاد جعل البدل في مقام الامتثال، بخلاف الأصل النافي‏

____________

(1) وسائل الشيعة 17: 87، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأول.

32

في مقام ثبوت التكليف فإنّه لا يمكن إذا كان مفاده الترخيص في المخالفة الاحتمالية، حيث إنّه ليس من جعل البدل في مقام الامتثال لا يمكن المساعدة عليها؛ لانّ مرجع جعل البدل الظاهري إلى الترخيص في مخالفة التكليف الواقعي الواصل كما هو الحال في الترخيص في ارتكاب بعض أطراف العلم، حيث يمكن فيه أيضا دعوى أنّه من جعل البدل الظاهري للواجب أو الحرام الواقعيين.

في جريان الاصول العملية في اطراف العلم الاجمالي‏

بقي في المقام أمر، و هو أنّه قد يقال: بعدم جريان الأصل العملي في شي‏ء من أطراف العلم الإجمالي بالتكليف سواء كان الأصل الجاري في كلّ من أطرافه مثبتا للتكليف و موافقا للعلم الإجمالي به، أو كان الأصل الجاري في كلّ منها منافيا كما يظهر ذلك مما ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) من أنّ شمول خطابات الاصول العملية لأطراف العلم الإجمالي بالتكليف يوجب المناقضة بين صدرها و ذيلها فإن إطلاق الصدر في مثل قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» جريان الاستصحاب في كل من الأطراف و إطلاق الذيل، «و لكن انقضه بيقين آخر» لزوم رفع اليد عن الحالة السابقة و عدم جريانه في جميعها، و كذا في قوله (عليه السلام) «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام» فإنّ كلّ واحد من الأطراف مشكوك فيه مع قطع النظر عن سائر الأطراف و مقتضى إطلاق العلم في الذيل عدم الحكم بالحلية.

و لكن لا يخفى ما فيه فإنّ ما ورد في الذيل ليس حكما تعبديا بل لبيان ارتفاع الموضوع للحكم الظاهري و من الظاهر أنّ العلم الذي يرفع الموضوع للحكم الظاهري تعلقه بعين ما تعلق به الشك، و العلم في موارد العلم الإجمالي يتعلق بأحدهما لا بعينه لا بأحدهما بعينه، و المورد للحكم الظاهري هو الثاني دون الأول.

33

أضف إلى ذلك أنّه لو فرض إجمال مثل هذه الخطابات بالإضافة إلى أطراف العلم الإجمالي فيرجع في مورد إجمالها بالخطابات التي ليس فيها ذلك الذيل أو التحديد بحصول العلم بالخلاف، كقوله «رفع عن امتي ما لا يعلمون» (1) و «الناس في سعة ما لا يعلمون» (2) و «لا تنقض اليقين بالشك» و كيف يلتزم بأن إطلاق العلم و العرفان يشمل العلم و العرفان بالعلم الإجمالي بدعوى لزوم التناقض بين الصدر و الذيل مع أنّ لازمه أن لا تجري الاصول العملية في أطراف العلم الإجمالي غير المنجز مما يعبّر عنه بمورد الانحلال الحكمي، كما إذا كان أحد الإناءين معلوم الطهارة و الآخر معلوم نجاسته ثم علم إما بطهارة الأول أو تنجس الثاني بوقوع نجاسة في الثاني أو وقوع المطر في الأول، حيث إن العلم الإجمالي بعدم بقاء الحالة السابقة في أحدهما يمنع عن شمول النهي عن نقض اليقين بالشك لكلّ منهما.

في جريان الاصول المثبتة في أطراف العلم الإجمالي‏

و قد ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأنّه لا مجال للاصول التنزيلية في أطراف العلم الإجمالي سواء كان مقتضاها الترخيص في الارتكاب أم لا فلا يجري استصحاب النجاسة في كلّ واحد من الإناءين المعلوم إجمالا طهارة أحدهما مع سبق النجاسة في كلّ منهما، كما لا يجري الاستصحاب في طهارة كلّ من الإناءين مع سبق طهارتهما و العلم الإجمالي بتنجس أحدهما بعد ذلك، فإنّ التعبد بالعلم بنجاسة كلّ من الإناءين لا يجتمع مع العلم الوجداني بطهارة أحدهما، و كذا التعبد بالعلم بطهارة

____________

(1) وسائل الشيعة 15: 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث الأول.

(2) وسائل الشيعة 3: 493، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 11.

34

معها موجبا لجواز الإذن في الاقتحام، بل لو صح الإذن في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضا، فافهم.

و لا يخفى أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك، كما أن المناسب في باب البراءة و الاشتغال- بعد الفراغ هاهنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو الاقتضاء

كلّ منهما مع العلم الوجداني بنجاسة أحدهما، و أما في الاصول غير التنزيلية التي لا يكون مفادها التعبد بالعلم فعدم جريانها في أطراف العلم يختص بموارد لزوم الترخيص في المخالفة القطعية نظير قوله «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف أنّه حرام»، أو «رفع عن امتي ما لا يعلمون» إلى غير ذلك.

و فيه أنّ العلم المتعبد به في الاصول التنزيلية هو العلم من حيث الجري العملي في كلّ من الأطراف بخصوصه، فالمتعبد به من حيث الجري العملي غير مخالف مع مقتضى العلم الإجمالي بالتكليف بحيث لا يلزم المخالفة القطعية من جريان الاصول العملية التنزيليّة فلا محذور في جريانها في أطرافها، و إلّا كان التعبد بالعلم مع فرض الشك في غير موارد العلم الإجمالي أيضا تعبدا بخلاف الوجدان.

ثمّ إنّه قد يقال: إذا كان الممتنع من الترخيص هو الترخيص في المخالفة القطعية للمعلوم بالإجمال فلا بأس بالأخذ بالاصول المرخصة في كلّ من أطراف العلم و رفع اليد عن إطلاق الترخيص في كلّ منهما بأن يرخص الشارع في ارتكاب كلّ من الطرفين بشرط الاجتناب عن الطرف الآخر، و المورد من صغريات القاعدة التي تذكر في أنّه كلّما دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الحكم المدلول عليه بالخطاب الشرعي و رفع اليد عن إطلاقه، يتعين رفع اليد عن إطلاقه كما إذا دلّ دليل على وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة و دلّ خطاب آخر على وجوب الجمعة يحمل الخطابان على كون وجوبهما تخييرا.

35

لا العلية- هو البحث عن ثبوت المانع شرعا أو عقلا و عدم ثبوته، كما لا مجال بعد البناء على أنه بنحو العلية للبحث عنه هناك أصلا، كما لا يخفى.

هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف و تنجزه به، و أما سقوطه به بأن يوافقه إجمالا فلا إشكال فيه في التوصليّات [1].

و لكن لا يخفى أنّ هذا فيما إذا احتمل أنّ التخيير هو الحكم الواقعي، و فيما نحن فيه لا يحتمل كون الحكم الواقعي تخييريا، كما إذا علم بأن أحد المائعين خمر أو نجس فإنّ الترخيص في ارتكاب كلّ منهما بشرط الاجتناب عن الآخر لا يكون حكما واقعيا لشي‏ء منهما فإنّ أحدهما الذي هو خمر في الواقع يجب الاجتناب عنه مطلقا، و الآخر الذي ليس بخمر لا يجب الاجتناب عنه أصلا.

و على الجملة الحكم الظاهري في موضوع لا بد من احتمال مصادفته الواقع و مع العلم بعدم كونه حكما واقعيا لا معنى كونه حكما طريقيا إلى الواقع، و على الجملة الحكم الظاهري المجعول في مورد لا بد من احتمال إصابته الواقع.

و أما ما ذكر النائيني (قدّس سرّه) في وجه عدم إمكان تقييد الترخيص في كلّ من الأطراف بالاجتناب عن الآخر بأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة، و إذا امتنع إطلاق الترخيص في كلّ منهما امتنع التقييد أيضا فلا يمكن المساعدة عليه؛ لما تقدّم من أن امتناع أحدهما يقتضي تعين الآخر، و قد ظهر مما ذكرنا أنه لو كان معين لبعض أطراف العلم في جريان الأصل الترخيصي فيه فيؤخذ به بلا محذور، و من هنا لو علم المكلف إجمالا بنجاسة الماء أو الثوب فلا يجوز الوضوء من الماء و الصلاة في الثوب، و أما شرب الماء فلا بأس به لأصالة الحلية فيه و لا مجرى لها في ناحية الثوب.

[1] لا يخفى أنّه لا مورد للتأمل في كفاية الامتثال الإجمالي مع عدم التمكّن من‏

36

الامتثال التفصيلي، فإنّ الاحتياط غاية ما يمكن للعبد في مقام الامتثال مع عدم التمكّن من الامتثال التفصيلي من غير فرق بين أن يستلزم تكرار العمل أم لا، و بين موارد تنجز التكليف الواقعي و عدمه كالشبهات البدوية سواء كانت حكمية أو موضوعية، و كذا كفايته مع التمكّن من الامتثال التفصيلي في التوصليات فإنّ المطلوب و المترتب عليه الملاك نفس الفعل أو الترك المفروض حصولهما بالامتثال الإجمالي، و من التوصليات العقود و الإيقاعات و يكون الاحتياط فيها بتكرار الإنشاء تارة كما إذا تردّد النكاح الممضي شرعا بين كونه بصيغة أنكحت أو بصيغة زوجت فمع التمكّن من الفحص و تعيين أن الإنشاء بالاولى أو الثانية يكرّر الإنشاء بكلّ منهما، و كما إذا أراد طلاق زوجة موكّله و تردّدت التي وكّله في طلاقها بين امرأتين له فيجري الطلاق على كلّ منهما لحصول طلاق المرأة التي وكّله في طلاقها، و قد يشكل في الإنشاء كذلك تارة باختلال الجزم المعتبر فيه، و اخرى بلزوم التعليق في العقد أو الإيقاع، و لكن لا يخفى أنّ التردّد في صحة أي الإنشاءين شرعا لا يوجب التردّد في النية، فإن الإمضاء الشرعي خارج عن الإنشاء و المنشأ حكم شرعي يترتب عليهما، و لذا يحصل الإنشاء و العقد ممن لا يعتقد بالشرع، أو لا يعتني به، و أما التعليق فلا حاجة إليه أيضا حتّى فيما إذا كانت زوجة موكّله مردّدة بين امرأتين إحداهما زوجته فإنّه إذا أجرى الطلاق على كلّ منهما يتمّ طلاق من كانت زوجة موكّله، بل لو علق الطلاق المنشأ على كلّ منهما على كونها زوجة لموكّله، بأن قال: إن كانت فلانة زوجة موكّله فهي طالق تمّ الطلاق، فإنّه قد ذكر في بحث التعليق في العقد و الإيقاع أنّه لا يضر التعليق بحصول أمر يتوقف عنوان العقد أو الإيقاع على حصوله عند الانشاء، حيث يكون التعليق في المنشأ لا الإنشاء، و المفروض أنّ المنشأ

37

و أما في العباديّات فكذلك فيما لا يحتاج إلى التكرار [1].

لا يتحقق بدون ذلك الحصول حتّى مع إطلاق العقد أو الإيقاع، و يترتب على ذلك الطلاق احتياطا في موارد الشبهة في الزوجية و العتق في مورد الشك في الرقية و نحو ذلك.

جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي‏

[1] و أما الامتثال الإجمالي في العبادات فإن كان غير محتاج إلى تكرار العمل كما إذا شك المكلف في اعتبار السورة بعد قراءة الحمد في صلاته فقرأها لاحتمال جزئيتها فلا ينبغي المناقشة في جواز ذلك و لو مع تمكّنه من الامتثال التفصيلي و لو علما فإنّه بالامتثال الإجمالي لا يختلّ شي‏ء مما يعتبر في العبادة من قصد القربة، بل الوجه و التمييز حتّى لو قيل باعتبارهما زائدا على قصد القربة، فإن ما لا يحصل بالامتثال الإجمالي تمييز الأجزاء الواجبة عن غيرها و هو غير معتبر في صحتها قطعا حيث لم يرد في شي‏ء من الخطابات الشرعية و الروايات التعرض للزومه، بل ما ورد ما يدفع هذا الاحتمال كصحيحة حريز الواردة في تعليم الإمام (عليه السلام) الصلاة التي ينبغي للمكلف الإتيان بها بذلك النحو و يأتي التوضيح لذلك عند التعرض لاعتبار قصد الوجه و التمييز في العبادات.

و أما إذا كان الاحتياط فيها محتاجا إلى تكرار العمل كما في مورد تردّد الصلاة الواجبة بين القصر و التمام في الشبهة الحكمية أو الموضوعية أو تردّد الثوب الطاهر بين ثوبين فيصلّي صلاته قصرا و يعيدها تماما أو يصلّي في أحد الثوبين و يعيدها في الثوب الآخر إلى غير ذلك، فقد يقال: بعدم جواز ذلك مع التمكّن من الامتثال بالعلم التفصيلي؛ لأنّ الامتثال الإجمالي يلازم الإخلال بقصدي الوجه و التمييز أو لكون التكرار يعدّ لعبا و عبثا في مقام الامتثال فلا يناسب العبادة، و الجواب عن ذلك بأنّه‏

38

لا يكون في الاحتياط بتكرار العمل إخلال بقصد الوجه، فإنّه إذا أتى المكلّف بالصلاة قصرا و أعادها تماما بقصد تحقق الصلاة الواجبة عليه فقد حصلت الصلاة المأمور بها واقعا بقصد وجهها، نعم عند العمل لا تتميز تلك الصلاة عن الاخرى و قصد التمييز كذلك غير معتبر في صحة العمل و وقوعها عبادة حتّى بناء على القول بأنّه في الشك في اعتبار القيود الثانوية مما لا يمكن أخذها في متعلق الأمر يلزم رعايتها لاستقلال العقل بلزوم الإتيان بنحو يكون محصّلا للغرض من متعلّق الأمر، فإنّ مقتضى ذلك القول و إن كان الالتزام بالاشتغال، إلّا أنّ الالتزام به يختصّ بمورد عدم ثبوت الإطلاق المقامي فيه، و الإطلاق المقامي بالإضافة إلى قصد الوجه و قصد التمييز موجود خصوصا بالإضافة إلى الثاني فإنّهما مما يغفل عامة الناس عن اعتبارهما و لو كانا معتبرين في حصول الغرض لتعرض الشارع له بالتنبيه عليه في بعض خطاباته، و يقال: في مثل هذا الإطلاق المقامي بأنّ عدم الدليل فيه دليل على العدم، أضف إلى ذلك أنّه ليس قصد التمييز في الشبهات الموضوعية من الانقسامات الثانوية حيث يمكن أخذه في متعلق الامر كسائر القيود التي يعبّر عنها بالانقسامات الأولية، بأن يأمر الشارع بالصلاة إلى جهة يعلم حالها أنّها إلى القبلة أو في ثوب طاهر إلى غير ذلك فالإطلاق اللفظي يدفع اعتبار قصد هذا التمييز.

و أما دعوى كون الاحتياط بتكرار العمل مع التمكّن من الامتثال بالعلم التفصيلي يعدّ من اللعب و لا يناسب العبادة فلا يمكن المساعدة عليها أيضا، و ذلك فإنّه قد يكون تكرار العمل و ترك الامتثال التفصيلي لغرض عقلائي أنّ المعتبر في العبادة الاتيان بمتعلق الأمر بقصد التقرب و الخصوصيات المقارنة لمتعلق الأمر خارجا أو المتحدة معه الخارجة عن متعلق الأمر لا يعتبر حصولها بقصد القربة

39

فالمكلف إذا أتى بصلاته أول الوقت، أو في مكان خاص بداع نفساني له في أول الوقت أو في الإتيان بها في ذلك المكان صحت صلاته حيث إن المأخوذ متعلق الامر لا بد من وقوعه بقصد القربة لا ما هو خارج عن متعلق الأمر و لا يقاس بما إذا كانت الخصوصية المتحدة مع العبادة واقعا رياء، فإن قصد التقرب لا يجتمع مع اتحاد متعلق الأمر بما هو محرم، بل قد يقال: ببطلان العبادة حتّى مع الخصوصية المنضمة إليها رياء بدعوى إطلاق ما دلّ على مبطلية الرياء في العمل، و لو كان الرياء في الخصوصية المقارنة المنضمة إليها.

و الحاصل أنّ الإتيان بالعبادة في ضمن عملين المسمّى بالامتثال الإجمالي من خصوصيات تلك العبادة الخارجة عن متعلق الأمر بها، و لا يضرّ الإتيان بالخصوصيات الخارجة عن متعلق الأمر بلا داع عقلائي أو بداع نفساني، و هذا مراد الماتن (قدّس سرّه) من قوله: إنما يضرّ اللعب و العبث إذا كانا بأمر المولى لا في كيفية إطاعته بعد كون الأمر داعيا له إلى أصل الطاعة.

و قد ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) وجها آخر لعدم جواز التنزل إلى الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيلي و هو استقلال العقل بأنّ الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال العلمي و إذا أتى المكلّف بصلاته قصرا ثم أعادها تماما مع تمكّنه من تحصيل العلم بوظيفته من القصر أو التمام يكون الداعي له إلى الصلاة قصرا احتمال الوجوب، و هذا الامتثال كما ذكر في طول الامتثال التفصيلي.

و بتعبير آخر للامتثال مراتب أربع لا يجوز التنزل إلى المرتبة اللاحقة إلّا مع عدم التمكّن من المرتبة السابقة، الامتثال التفصيلي و الامتثال بالعلم الاجمالي، الامتثال الظني و الامتثال الاحتمالي كما يأتي التعرض لذلك.

40

كما إذا تردد أمر عبادة بين الأقل و الأكثر، لعدم الإخلال بشي‏ء مما يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها، مما لا يمكن أن يؤخذ فيها، فإنه نشأ من قبل الأمر بها، كقصد الإطاعة و الوجه و التمييز فيما إذا أتى بالأكثر، و لا يكون إخلال حينئذ إلّا بعدم إتيان ما احتمل جزئيته على تقديرها بقصدها، و احتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف في الغاية و سخيف إلى النهاية.

أقول: لم يظهر وجه صحيح لكون الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيلي بل هما في عرض واحد، و ذلك فإنّ المعتبر في العبادة هو حصول العمل بنحو قربي لا لزوم خصوص الإتيان بالعمل بداعي الأمر به، نعم هذا من أفراد حصول العمل قربيا كما أنّه يكفي في حصول القربة الإتيان بداعي احتمال كونه متعلق الأمر، و ما يكون في طول الامتثال العلمي الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي مع التمكّن من الامتثال العلمي كما إذا كان المكلف في آخر الوقت بحيث لا يتمكّن إلّا من الاتيان بأربع ركعات قبل خروج الوقت و دار أمره بين أن يصليها في ثوب طاهر معلوم و بين أن يصليها في أحد ثوبين يعلم بطهارة أحدهما و نجاسة الآخر، فإن العقل في الفرض مستقل برعاية الامتثال التفصيلي و عدم جواز التنزل إلى الاحتمالي، هذا مع أن الإتيان بالقصر أولا ثم إعادتها تماما يكون بداعي الأمر المعلوم إجمالا المتعلق بأحدهما واقعا، و هذا الامتثال علمي لا احتمالي غاية الأمر لا يدري حال العمل أنّ ما يأتي به هو متعلق الأمر أو ما يأتي به بعده أو أتى به قبل ذلك فيكون فاقدا لقصد التمييز و قد تقدم عدم اعتباره في صحة العبادة.

جواز الامتثال الإجمالي مع إمكان الامتثال الظني التفصيلي‏

ثمّ إنّ الماتن (قدّس سرّه) لم يصرح في كلامه دوران الأمر بين الامتثال الإجمالي و الامتثال الظني بالظن الخاصّ، و الظاهر أنّه أدرج الامتثال الظني الخاص في الامتثال‏

41

و أما فيما احتاج إلى التكرار، فربما يشكل من جهة الإخلال بالوجه تارة، و بالتمييز أخرى، و كونه لعبا و عبثا ثالثة.

و أنت خبير بعدم الإخلال بالوجه بوجه في الإتيان مثلا بالصلاتين المشتملتين على الواجب لوجوبه، غاية الأمر أنه لا تعيين له و لا تمييز فالإخلال إنما يكون به، و احتمال اعتباره أيضا في غاية الضعف، لعدم عين منه و لا أثر في‏

التفصيلي، و كيف ما كان إذا دار الأمر بين الامتثال التفصيلي بالظن الخاص و الامتثال الإجمالي فللمكلّف الأخذ بالامتثال الإجمالي فإن غاية ما دلّ على اعتبار الظنّ انّه في اعتبار الشارع علم أو أنّه كالعلم، و قد تقدم جواز الامتثال الاجمالي مع التمكّن من الامتثال بالعلم الوجداني التفصيلي، نعم بناء على عدم جواز الامتثال الإجمالي مع التمكّن منه للإخلال بقصد التمييز يتعين على المكلف في الواقعة تشخيص الوظيفة بالظن المعتبر، و لكن يجوز له الإتيان بالمحتمل الآخر لاحتمال كونه هو الواجب واقعا بلا فرق بين الإتيان بذلك المحتمل بعد الإتيان بالمظنون وجوبه أو الإتيان به قبل الإتيان بالمظنون، فإن الإتيان به برجاء أنّه الواجب واقعا مع الإتيان بالمظنون من أرقى مراتب العبودية، مثلا إذا سافر بأربعة فراسخ مريدا الرجوع قبل عشرة أيام يأتي بالصلاة التي استفاد باجتهاده أو تقليده وجوبها بقصد أنها الواجب في حقه، ثمّ يأتي بالتمام لرجاء إدراك الواقع أو يأتي بالآخر رجاء أولا ثم يأتي بما هو الواجب في حقه باجتهاده أو تقليده، و قد يقال: بتعيّن الإتيان بالمظنون أولا ثم الإتيان بالمحتمل الآخر رجاء بدعوى أنّه في العكس يكون الامتثال احتماليا، و قد حكي عن الشيرازي (قدّس سرّه) أنّه في مسألة المسافر المزبور يتعين عليه عند إرادته الاحتياط الإتيان بالقصر أولا ثم الإتيان بالتمام رجاء، و المحكي عن الشيخ (قدّس سرّه) تعين الاتمام أولا ثم الإتيان بالقصر رجاء و اختلافهما ناش من الاختلاف المستفاد من الروايات الواردة من أن المستفاد

42

الأخبار، مع أنه مما يغفل عنه غالبا، و في مثله لا بد من التنبيه على اعتباره و دخله في الغرض، و إلّا لأخلّ بالغرض، كما نبّهنا عليه سابقا.

و أما كون التكرار لعبا و عبثا، فمع أنه ربما يكون لداع عقلائي، إنما يضر إذا كان لعبا بأمر المولى، لا في كيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها، كما لا يخفى، هذا كله في قبال ما إذا تمكن من القطع تفصيلا بالامتثال.

منها وجوب القصر أو التمام، و لكن لا يخفى أنّه لا موجب للالتزام بأنّه يتعين الإتيان بالمظنون أولا، فإنّه مع تقديم المحتمل الآخر يأتي به رجاء ثم يأتي بالمظنون بقصد أنّه الواجب في حقه فعلا بحسب الأدلة فلا يفوت منه قصد التمييز.

في دوران الأمر بين الامتثال الإجمالي و الظني التفصيلي‏

و إذا دار الأمر بين الامتثال الإجمالي و الظني المعتبر بدليل الانسداد المعبر عنه بالظن المطلق فقد يقال: إنّه بناء على أن نتيجة مقدمات الانسداد حجية الظن المطلق شرعا فاللازم على المكلف ترك الامتثال الإجمالي و الأخذ بالامتثال الظني؛ لأنّه لا يستكشف من مقدمات الانسداد حجية الظن المطلق شرعا إلّا إذا كان من مقدماتها عدم جواز الاحتياط لكونه مفوتا لقصد التمييز المعتبر في العبادات، أو أنّ الاحتياط غير جائز فيها و في غيرها لكونه موجبا لاختلال نظام العباد، و أما بناء على أنّه ليس نتيجتها اعتبار الظن شرعا بل عدم وجوب الاحتياط التام برعاية التكاليف في مظنونات التكليف و المشكوكات و الموهومات لكون الاحتياط كذلك موجبا للعسر و الحرج فمقتضاها جواز التنزل إلى لزوم الاحتياط في المظنونات خاصة فلا بأس بجواز الامتثال الإجمالي و ترك تحصيل الظن في الوقائع.

و قد ذكر صاحب القوانين (رحمه اللّه) أنّه لا يجوز للمكلّف في العبادات ترك الاجتهاد و التقليد و الأخذ بالاحتياط فيها و تعجب الشيخ الانصاري (قدّس سرّه) من هذا الحكم و ذكر أنه‏

43

و أما إذا لم يتمكن الا من الظن به كذلك، فلا إشكال في تقديمه على الامتثال الظني لو لم يقم دليل على اعتباره، إلّا فيما إذا لم يتمكن منه، و أما لو قام على اعتباره مطلقا، فلا إشكال في الاجتزاء بالظني، كما لا إشكال في الاجتزاء بالامتثال الاجمالي في قبال الظني، بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد، بناء على أن يكون من مقدماته عدم وجوب الاحتياط، و أما لو كان من مقدماته بطلانه لاستلزامه‏

كيف يصحّ ممن لا يرى اعتبار الظن إلّا بمقدمات الانسداد و يذهب إلى بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد.

و فيه أنّ التعجب بناء على اعتبار الظن على الحكومة في مورده و أما بناء على الكشف فلا مورد للعجب.

في دوران الأمر بين الامتثال الإجمالي و الظني المطلق‏

و لعل المحقق القمي (رحمه اللّه) يرى اعتبار الظن المطلق على الكشف لاعتبار قصد التمييز فيها و ترك طريقي الاجتهاد و التقليد و الأخذ بالاحتياط يوجب فقده.

أقول: أما احتمال أنّ حكم المحقق القمي ببطلان عمل تارك طريقي الاجتهاد و التقليد و الأخذ بالاحتياط مبني على اعتبار قصد الوجه و التمييز فلا يحتمل ذلك في موارد عدم توقف الاحتياط على تكرار العبادة، فإن اعتبار قصد الوجه و التمييز في أجزاء العمل و قيوده غير معتبر قطعا بل يلزم على المحقق القمي حينئذ الالتزام ببطلان الاحتياط في موارد الشّبهة البدويّة من الشبهة الموضوعيّة كما إذا أراد المكلف صوم يوم لاحتمال فوت الصوم عنه مع ظنه عدم الفوت و نحو ذلك مما لا يحتمل التزامه بذلك، و كذلك لا يحتمل بأن يحتاط المجتهد في مسألة مع ظنه بأحد الطرفين من مسائل العبادات، و أما دعوى عدم جواز الاحتياط في المسائل فإن الاحتياط فيها يوجب الاختلال في النظام فلا يخفى ما فيها، فإن الاختلال في النظام‏

44

العسر المخل بالنظام، أو لأنه ليس من وجوه الطاعة و العبادة، بل هو نحو لعب و عبث بأمر المولى فيما إذا كان بالتكرار، كما توهم، فالمتعين هو التنزل عن القطع تفصيلا إلى الظن كذلك.

و عليه: فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد و الاجتهاد، و إن احتاط فيها، كما لا يخفى.

هذا بعض الكلام في القطع مما يناسب المقام، و يأتي بعضه الآخر في مبحث البراءة و الاشتغال، فيقع المقال فيما هو المهم من عقد هذا المقصد، و هو بيان ما قيل باعتباره من الأمارات، أو صح أن يقال، و قبل الخوض في ذلك ينبغي تقديم امور:

أحدها: أنه لا ريب في أنّ الأمارة غير العلمية ليس كالقطع [1].

يترتب على الاحتياط في جميع الوقائع من العبادات و غيرها و لا يلزم من الاحتياط في خصوص العبادات التي يبتلي بها المكلف، و لذا يأخذ بعض الناس بالاحتياط فيها من صلاته و صومه و غسله و تيمّمه من غير اختلال لامور معاشه.

و على الجملة: الحكم ببطلان عبادة من يأخذ بالامتثال الإجمالي فيها غير صحيح، نعم ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) عدم الجواز فيما إذا كان الاحتياط موجبا لتكرار العمل بدعوى أن المكلّف عند الامتثال الإجمالي يكون داعيه إلى العمل احتمال الأمر لا الأمر و قد تقدم ما فيه فلا نعيد.

[المقدمة الثانية]

الأمارات في الأمارات غير العلميّة

[1] قد تقدم أنّ القطع بالتكليف الفعلي يوجب تنجّز التكليف المقطوع به و لا يمكن التصرف في منجزيته، و أنّ العلم الإجمالي بالتكليف مقتض لتنجز التكليف المعلوم بالإجمال بالإضافة إلى عدم جواز مخالفته القطعية و لزوم موافقته‏

45

في كون الحجية من لوازمها و مقتضياتها بنحو العلية، بل مطلقا، و أن ثبوتها لها محتاج إلى جعل أو ثبوت مقدمات و طروء حالات موجبة لاقتضائها الحجية عقلا، بناء على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة، و ذلك لوضوح عدم اقتضاء

القطعية على مسلك الماتن (قدّس سرّه) و موجب لعدم جواز مخالفته القطعية، و مقتض بالإضافة إلى موافقته القطعية على ما اخترناه، و أمّا بكلا قسميه أي الظن النوعي و الشخصي فلا يوجب بنفسه تنجز التكليف المظنون كما لا يكون مقتضيا له، بل كونه طريقا منجزا يحتاج إلى الاعتبار أو أن تثبت مقدمات و تطرأ على المكلفين حالات توجب اعتبار الظن عقلا كما على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة، و عدم اقتضاء الظن للاعتبار بنفسه في ثبوت التكليف ظاهر، و كذا في اعتباره في مرحلة سقوطه بعد ثبوته، و ان يظهر من بعض الكلمات، يكتفى بالظن بالفراغ في مرحلة الامتثال على ما حكى الماتن (قدّس سرّه) و احتمل في وجهه عدم لزوم دفع الضرر المحتمل عندهم.

أقول: الضرر المحتمل الذي ذكر البعض عدم لزوم الاجتناب عنه هو الضرر الدنيوي لا الضرر الاخروي؛ و لذا يجب الاجتناب و رعاية احتمال التكليف في جميع أطراف العلم الإجمالي، و كذا يجب الفحص في الشبهات الحكمية عن التكليف و لا يجوز الرجوع إلى الأصل النافي، و لو كان الضرر الاخروي المحتمل غير لازم الدفع لكان اللازم الاكتفاء بمجرد احتمال الامتثال و لا يلزم خصوص الظن به.

و على الجملة: الظن في نفسه لا اعتبار به سواء تعلق بثبوت التكليف أو بسقوطه بعد إحراز ثبوته كيف و لو صادف احتمال الضرر أي استحقاق العقاب الواقع يثبت.

ثم لا يخفى أنّ اعتبار الظن يكون بالشرع سواء كان الاعتبار تأسيسا أو إمضاء،

46

غير القطع للحجية بدون ذلك ثبوتا بلا خلاف، و لا سقوطا و إن كان ربما يظهر فيه من بعض المحققين الخلاف و الاكتفاء بالظن بالفراغ، و لعله لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل، فتأمل.

و أما ما ذكر الماتن من طروّ حالات و ترتيب مقدمات يحكم العقل باعتباره معها كاعتبار القطع حال الانفتاح فهو غير صحيح، فإنّه بناء على طروّها و تقرير مقدماتها لا يحكم العقل باعتبار الظن بل يحكم بالاحتياط في مظنونات التكليف المعبر عنه بالتبعيض في الاحتياط برعاية التكليف المحتمل فيها و عدم لزوم رعايته في المشكوكات و الموهومات.

و على الجملة استحقاق العقوبة على مخالفة التكليف الواقعي في المظنونات بناء على تقرير مقدمات الانسداد على الحكومة غير مترتب على الظن بأن يكون هو المنجّز للتكاليف، بل المنجّز لها العلم الإجمالي بثبوت التكاليف في الوقائع التي يبتلي بها المكلف، و القاعدة الأولية و إن تقتضي رعاية احتمال التكاليف المعلومة بالإجمال حتى في الموهومات إلّا أن الاحتياط التام لكونه موجبا للعسر و الحرج و نعلم أنّه غير مراد للشارع يرفع اليد عن رعايتها في المشكوكات و الموهومات و يبقى لزوم رعايتها في المظنونات بحاله، و سيأتي توضيح الفرق بين هذا التبعيض في الاحتياط و بين اعتبار الظن لكونه طريقا متبعا عند التكلم في مقدمات الانسداد كما هو على الكشف، حيث يرفع اليد بالظن المطلق القائم على نفي التكليف عن الإطلاق أو العموم المقتضي لثبوت التكليف و يقع التعارض بين ظنين نوعيين يدلّ أحدهما على ثبوت التكليف، و الآخر على نفيه على ما يأتي.

47

ثانيها: في بيان إمكان التعبد بالأمارة غير العلمية شرعا، و عدم لزوم محال منه عقلا [1].

في إمكان التعبد بالأمارة

في بيان المراد من الإمكان في المقام‏ [1] لا ينبغي التأمل في أنّ البحث في إمكان التعبد بغير العلم من الأمارة غير العلمية و غيرها ليس بحثا عن الإمكان الذاتي في مقابل الامتناع الذاتي، و المراد من الامتناع الذاتي أن يكون لحاظ الشي‏ء كافيا في الجزم بامتناعه كلحاظ اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، فإنّ الإمكان الذاتي للتعبد بغير العلم غير قابل للتأمل، فإنّ لحاظه بمجرده لا يكون كافيا في الحكم بامتناعه، و كذا ليس المراد منه مجرد الاحتمال كما في قولهم- على ما قيل- كلّ دم أمكن كونه حيضا فهو حيض، و في المحكي عن الشيخ الرئيس: كلما قرع سمعك من العجائب فذره في بقعة الإمكان، حيث إن العاقل لا يعتقد بامتناع شي‏ء وقوعا أو إمكانه كذلك بلا شاهد و برهان، بل المراد منه الإمكان الوقوعي، و يكون البحث في أنّه يلزم من اعتبار أمارة غير علمية أو غير العلم، وقوع ما هو محذور مطلقا المعبّر عنه بالممتنع، أو ما هو محذور على الحكيم المعبّر عنه بالأمر القبيح كالأمر بارتكاب الفساد و الاجتناب عن الصلاح أو التكليف بما لا يطاق، أو لا يلزم شي‏ء من ذلك، و ظاهر كلام الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أن عدم ثبوت امتناع الشي‏ء و لزوم المحذور من وقوعه طريق عند العقلاء إلى إمكانه، و لذا تصدى (قدّس سرّه) لرفع المحاذير المتوهمة من لزوم التعبد بالظن، و اورد عليه الماتن (قدّس سرّه) بما حاصله.

أنّ بناء العقلاء على الإمكان الوقوعي للشي‏ء مع عدم ثبوت امتناعه من ترتيب آثار الإمكان، و على تقدير بنائهم على الإمكان مع احتمال الامتناع فلا يصح الاعتماد

48

في قبال دعوى استحالته للزومه، و ليس الإمكان بهذا المعنى، بل مطلقا أصلا متبعا عند العقلاء، في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع، لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشك فيه، و منع حجيتها- لو سلم ثبوتها- لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها، و الظن به لو كان فالكلام الآن في إمكان التعبد بها

عليها؛ لأنّها تحتاج إلى إحراز الإمضاء فإن كان طريق الإمضاء موجبا للعلم به يحرز معه إمكان التعبد بغير العلم؛ لأنّ وقوع الشي‏ء من طرق إثبات إمكانه و إن لم يثبت الإمضاء بالعلم كما هو الفرض، فلا يفيد لأنّ الكلام في المقام في إمكان التعبد بغير العلم و من غير العلم ما دلّ على اعتبار تلك السيرة و إمضائها، و أعقب ذلك بأنّه لا يترتب على البحث في إمكان التعبد بغير العلم و امتناعه ثمرة فإنّه يتعين في الالتزام بأمارة غير علمية ثبوت التعبد بها بالعلم أو بما ينتهي إليه، فإن احرز وقوع التعبد بها كذلك يستكشف إمكانه أيضا، لأنّ وقوع الشي‏ء طريق إلى العلم بإمكانه و إن لم يحرز التعبد بها كذلك يكون البحث في إمكان التعبد لغوا لأنّه لا يختلف الحال بين إمكانه و عدمه بعد فرض عدم وقوع التعبد به.

و قد يقال: بأنّه ليس مراد الشيخ (قدّس سرّه) دعوى سيرة العقلاء على الإمكان في كلّ شي‏ء احتمل امتناعه.

ليقال، بمنع ذلك، بل مراده البناء على إمكان الحكم الذي هو مدلول خطاب المولى، فإنّه إذا ورد في خطابه ما هو ظاهر في وقوع التعبد بأمارة غير علمية كخبر العدل و احتمل عدم إمكان التعبد به في الأحكام أو الموضوعات يأخذون بظاهر الخطاب المزبور، نظير ما ورد في خطاب الأمر بإكرام العلماء و شك في إمكان طلب إكرام غير العادل من العلماء، فلا يجوز طرح عموم الخطاب بمجرد احتمال الامتناع بأن يقال: العموم المزبور إمكانه ثبوتا غير ثابت يحتمل في الخطاب التأويل، نعم إذا

49

و امتناعه، فما ظنك به؟ لكن دليل وقوع التعبد بها من طرق إثبات إمكانه، حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تال باطل فيمتنع مطلقا، أو على الحكيم تعالى، فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى إثبات الإمكان، و بدونه لا فائدة في إثباته، كما هو واضح.

و قد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلامة- أعلى اللّه مقامه- من كون‏

ثبت امتناع الحكم المدلول عليه بالخطاب ثبوتا لقبحه من الحكيم يطرح ذلك الظهور أو يؤوّل و قد تحصّل أنّ البحث في إمكان التعبد بالأمارة غير العلمية مرجعه أنّه يثبت عند العقل محذور من التعبد بالأمارة غير العلمية ليطرح الخطاب الظاهر فيه أو أنّه لم يثبت حتّى يؤخذ بمدلوله، و هذا بحث اصولي تترتب عليه الثمرة.

أقول: لو كان المراد مما ذكر الشيخ من القاعدة عند العقلاء لكان هذا من إثبات إمكان التعبد بغير العلم بالوقوع؛ لأنّ مع إحراز سيرتهم على الأخذ بظاهر كلام المولى و خطابه حتّى فيما كان مدلوله اعتبار أمارة يكون العقل حاكما بأنّه لو لم يمكن التعبد بأمارة غير علمية لكان على الشارع ردع الناس عن الأخذ بظاهر خطاباته، و مع إحراز عدم ردعه بضميمة عدم إحراز امتناع التعبد يكون ذلك دليلا قطعيا على إمضاء السيرة و وقوع التعبد بأمارة غير علمية و لو في الجملة، و إنّما قلنا بضميمة عدم إحراز الامتناع عند العقل؛ لأنّه مع ثبوت الامتناع عنده لا حاجة إلى ردعه لكفاية اعتماده في الردع على حكم العقل بالامتناع.

و قد أورد المحقق النائيني على ما ذكر الشيخ بوجه آخر، و هو أنّه على تقدير السيرة من العقلاء على ترتيب آثار إمكان الشي‏ء عند عدم ثبوت امتناعه فهو فيما إذا كان المشكوك إمكانه التكويني لا الإمكان التشريعي، و الكلام في إمكان التعبد بالأمارة غير العلمية في إمكانه التشريعي و لا يخفى ما فيه، فإن الإمكان أو الامتناع‏

50

الإمكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلا، و الإمكان في كلام الشيخ الرئيس:

(كلما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذدك عنه واضح البرهان)، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع و الإيقان، و من الواضح أن لا موطن له إلّا الوجدان، فهو المرجع فيه بلا بينة و برهان.

و كيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من المحال أو الباطل و لو لم يكن بمحال امور [1]:

يكون من حكم العقل غاية الأمر المتصف بحكمه بالإمكان أو الامتناع يكون الشي‏ء التكويني أو الأمر التشريعي، من الحكم التكليفي أو الوضعي، فلا يختلف و لا يتعدد الإمكان أو الامتناع و إنما الاختلاف في الموصوف بكل منهما.

في إمكان التعبد بالأمارة غير العلمية

[1] قيل يلزم من التعبد بالأمارة غير العلمية اجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين فيما أصاب أو ضدين من إيجاب و تحريم و من إرادة و كراهة و مصلحة و مفسدة ملزمتين بلا كسر و انكسار في البين فيما أخطأ، و لو فرض الكسر و الانكسار في موارد خطأ الأمارة يلزم التصويب أي تبدل الحكم الواقعي إلى ما يقتضيه الانكسار، و الانكسار من الحكم الذي هو مدلول الأمارة أو حكم ثالث آخر كما قيل بأنّ التعبد بالأمارة يوجب بطلان الضدّين، كما إذا كان فعل واجبا واقعا و قامت الأمارة على وجوب ضدّه، كما يوجب التعبد بها تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، كما إذا قامت الأمارة على عدم وجوب ما هو واجب واقعا أو عدم حرمة ما هو حرام واقعا، بأن قامت على كون الفعل الذي هو واجب واقعا أنّه محكوم بسائر الأحكام أو ما هو حرام واقعا على كونه محكوما بغير الحرمة.

و أجاب الماتن (قدّس سرّه) عما قيل من لزوم الأمرين الأولين بأنّهما غير لازمين لاعتبار

51

أحدها: اجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين مثلا فيما أصاب، أو ضدين من إيجاب و تحريم و من إرادة و كراهة و مصلحة و مفسدة ملزمتين بلا كسر و انكسار في البين فيما أخطأ، أو التصويب و أن لا يكون هناك غير مؤديات الأمارات أحكام.

الأمارة و ذلك فإنّ اعتبارها عبارة عن جعل الحجية التي كانت للقطع بالتكليف بالذات و بحكم العقل للامارة فتكون الأمارة القائمة على التكليف الواقعي منجّزة له فيما أصاب، فيكون المكلف مستحقا للعقاب على مخالفة ذلك التكليف الواقعي و معذّرة فيما أخطأ كما أن المكلف يستحق المثوبة و العقاب على مخالفة الأمارة في موارد مخالفتها الواقع لانقياده و تجريه، و اعتبار الحجية للأمارة القائمة على التكليف لا يستلزم جعل حكم تكليفي على طبقها أصلا، و ذلك فإنّ الفعل الذي قامت الأمارة على حكمه الواقعي لا يكون فيه مصلحة أو مفسدة غير ما كان فيه قبل قيامها فلا موجب لجعل حكم نفسي آخر، حيث إن جعله يكون بلا ملاك و كذا لا موجب لجعل حكم مولوي طريقي يتعلق بذلك الفعل؛ لانّ شأن الحكم الطريقي لكون جعله تحفظا على امتثال التكليف الواقعي عند ثبوت التكليف الواقعي أو التعذير عنه، و المفروض تنجّز الحكم الواقعي عند إصابة الأمارة التكليف الواقعي و التعذير عنه عند عدم إصابتها بنفس جعل الحجية لها التي هي من قسم الحكم الوضعي.

و على الجملة فلا معنى لتنجّز الواقع بعد فرض تنجّزه و لو فرض الأمر بالعمل بالأمارة يكون الأمر المزبور إما ارشادا إلى حجيتها أو إرشادا إلى موافقة التكليف الواقعي و إطاعته.

و قد اورد على ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) بوجهين:

أولهما: أنّه لو كان المجعول في اعتبار الأمارة جعل الحجية لها التي هي بمعنى‏

52

ثانيها: طلب الضدين فيما إذا أخطأ و أدى إلى وجوب ضد الواجب.

ثالثها: تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فيما أدى إلى عدم وجوب ما هو واجب، أو عدم حرمة ما هو حرام، و كونه محكوما بسائر الأحكام.

و الجواب: إن ما ادعي لزومه، إما غير لازم، أو غير باطل، و ذلك لأن التعبد

المنجّزية و المعذرية لزم التخصيص في الحكم العقلي بقبح العقاب بلا بيان، فإنّه إن اعتبرت الأمارة القائمة بالتكليف الواقعي عند إصابتها الواقع علما به فيرتب على هذا الاعتبار استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي لوصوله بتلك الأمارة و لا يقبح العقاب على مخالفته لوصول التكليف و كون المكلف عالما في اعتبار الشارع فلا موضوع في موردها لقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ و إما مع عدم اعتبارها علما و بقاء التكليف الواقعي على حاله من عدم البيان يكون المكلف معاقبا على مخالفته، و هذا معنى التخصيص في حكم العقل، و لكن هذا الإشكال ضعيف و ذلك فإنّ الموضوع في قاعدة قبح العقاب بلا بيان عدم البيان لا عدم العلم و بجعل الحكم الطريقي أو اعتبار الحجية للأمارة يرتفع عدم البيان، فإنّ المراد بالبيان مصحح العقاب و لذا يكون الأمر المولوي الطريقي بالاحتياط في الشبهة البدوية في مورد حتّى بعد الفحص موجبا لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعي، و تخرج تلك الشبهة عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بارتفاع موضوعها.

و الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الاصبهاني و هو أنّه لا عقاب على مخالفة الواقع مع عدم الحجة على الواقع عقلا أو شرعا فنفس جعل الحجية بنفس جعل العقاب المتوقف على وجود الحجيّة دورى.

و فيه أيضا أنّ الشارع يعتبر تأسيسا أو إمضاء مخالفة الأمارة المصيبة للتكليف الواقعي موضوعا لاستحقاق العقاب على مخالفة ذلك التكليف، و هذا الاعتبار معنى‏

53

بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته، و الحجية المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق، بل إنما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا أصاب، و صحة الاعتذار به إذا أخطأ، و لكون مخالفته و موافقته تجريا و انقيادا مع‏

إنشاء الحجية للأمارة و إذا وصل هذا الاعتبار إلى المكلف يترتب على مخالفة الأمارة المصيبة للتكليف الواقعي استحقاق العقاب، و لذا يكون الشك في حجية أمارة مساوقة للقطع بعدم حجيتها، فإنشاء الحجية الموقوف عليها الاستحقاق الفعلي غير الاستحقاق الموقوف كما لا يخفى.

و قد ذكرنا مرارا أن اعتبار الأمارة عبارة عن كونها علما في اعتبار الشارع كما هو الحال أيضا في سيرة العقلاء حيث يعتبرون خبر الثقة أو ظاهر خطاب المتكلم علما بمراده، و قد أورد المحقق الاصبهاني على ذلك أيضا بأن اعتبار الأمارة علما بتنزيلها منزلة العلم في الأثر العقلي فمرجعه إلى جعل الأثر العقلي للأمارة أي التنجيز الذي لا يقول بجعله من يقول باعتبار الأمارة علما، و إن كان تحقيق الموضوع للأثر العقلي، فمقتضاه أن يكون الأثر العقلي مترتبا على الأعم من الوصول الحقيقي و الاعتباري، لا أن يكون مترتبا على خصوص العلم الوجداني.

و فيه أنّ التنزيل فيما كان المنزل بنفسه قابلا للاعتبار و الجعل يكون بجعله لا جعل أثر المنزل عليه على المنزل، و الموضوع لاستحقاق العقوبة على مخالفة التكليف تمامية البيان لذلك التكليف بحيث يخرج المورد به عن اللابيان الموضوع لقبح العقاب، و كما تقدم أن ترتب الاستحقاق على مخالفة التكليف المعلوم لكون العلم بيانا و باعتبار الأمارة القائمة بالتكليف علما يتمّ كونها بيانا أي مصححا للعقاب.

و على الجملة مقتضى السيرة العقلائية في باب الأمارات اعتبارهم تلك الأمارات علما، و لذا يطلقون عليها العلم و الشارع قررهم على اعتبارهم في‏

54

عدم إصابته، كما هو شأن الحجة غير المجعولة، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين، و لا طلب الضدين و لا اجتماع المفسدة و المصلحة و لا الكراهة و الإرادة، كما لا يخفى.

و أما تفويت مصلحة الواقع أو الإلقاء في مفسدته فلا محذور فيه أصلا، إذا كانت في التعبد به مصلحة غالبة [1] على مفسدة التفويت أو الالقاء.

الشرعيات أيضا، و يشهد لكونها علما في اعتبار الشارع أيضا أنّ الاعتماد عليها لا يكون تخصيصا أو تقييدا في مثل قوله سبحانه‏ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (2) حيث إنّ مثلهما آب عن التخصيص، و اعتبار مثل الظن بالقبلة إذا لم يعلم وجهه من قبيل الاكتفاء بالامتثال الظني في التكليف المحرز بالعلم التفصيلي، حيث ذكرنا جواز الاكتفاء من الشارع في مثله حتى بالامتثال الاحتمالي كما في مورد قاعدتي الفراغ و التجاوز لا من باب جعل الظن أمارة فتدبر.

[1] و توضيح الجواب عن المحذور الثالث و هو لزوم تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة هو أنّ الحكم الواقعي المتعلق بالفعل جعله ناش عن مصلحة أو مفسدة في ذلك الفعل، و أما اعتبار الأمارة القائمة على الحكم الواقعي فناشئ عن الصلاح في نفس الاعتبار لها، و إذا كانت مصلحة في اعتبارها فلا محذور في تفويت المصلحة أو ابتلاء المكلف في المفسدة في بعض الأحيان.

و بتعبير آخر أنّ الأمارة القائمة بوجوب فعل أو حرمته أو إباحته إما أن تكون معتبرة بنحو السببية و الموضوعية، بأن يكون قيامها بحكم فعل موجبا لحدوث مصلحة أو مفسدة في ذلك الفعل أو زوال المصلحة أو المفسدة عنه، بحيث يكون‏

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 36.

(2) سورة يونس: الآية 36.