دروس في مسائل علم الأصول - ج6

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
446 /
5

[تتمه المقصد السابع‏]

[تتمة الفصل فى الاستصحاب‏]

[تذنيب‏]

[قاعدة التجاوز حال الاشتغال بالعمل، و قاعدة الفراغ‏]

تذنيب: لا يخفى أن مثل قاعدة التجاوز حال الاشتغال بالعمل، و قاعدة الفراغ بعد الفراغ عنه، و أصالة صحة عمل الغير إلى غير ذلك من القواعد المقررة في الشبهات الموضوعية إلّا القرعة تكون مقدمة على استصحاباتها [1] المقتضية لفساد ما شك فيه من الموضوعات لتخصيص دليلها بأدلتها، و كون النسبة بينه و بين بعضها عموما من وجه لا يمنع عن تخصيصه بها بعد الإجماع على عدم التفصيل بين مواردها مع لزوم قلة المورد لها جدا لو قيل بتخصيصها بدليلها إذ قلّ مورد منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها كما لا يخفى.

تقديم قاعدة التجاوز و الفراغ و أصالة الصحة و قاعدة اليد على الاستصحاب في مواردها

[1] قد ذكر (قدّس سرّه) أن في البين قواعد فقهية يختص جريانها بالشبهات الموضوعية و لا مورد لها في الشبهات الحكمية كقاعدة التجاوز حيث تجري أثناء العمل عند الشك في الإخلال بجزء العمل الذي تجاوز محله و كقاعدة الفراغ عند الشك في صحة العمل بعد الفراغ عنه بأن احتمل الإخلال في العمل المأتي به بترك جزئه أو شرطه أو اقترانه بالمانع بحيث يكون ذلك الإخلال موجبا لبطلانه و لو كان من غير تعمد و كأصالة الصحة الجارية في عمل غير بحيث لو كان عمله فاسدا وجب عليه ذلك العمل كما في مورد الواجب الكفائي أو لم يجز له ترتيب الأثر على ذلك العمل كعدم جواز شراء متاع تملكه بايعه بالمعاملة الفاسدة و كقاعدة اليد فيما إذا شك في سلطنة ذي اليد بالمال الذي بيده فيبنى على كونه سلطانا أو مالكا و لا ينبغي التأمل أن في موارد جريان هذه القواعد يلغى الاستصحاب الجاري فيها المخالف لمفاد

6

تلك القواعد بمعنى أنه يخصص خطابات النهي عن نقض اليقين بالشك بأدلة اعتبار تلك القواعد، و قال: كون النسبة بين خطابات الاستصحاب و دليل اعتبار بعض تلك القواعد عموما من وجه لا يوجب التأمل في التخصيص و ذلك لوجهين:

الأول- للإجماع بعدم الفرق بين موارد تلك القواعد و أنها معتبرة فيها سواء كان الاستصحاب مخالفا لها في تلك الموارد أم لا.

و الثاني- أن النسبة بين خطاب الاستصحاب و قاعدة الفراغ و إن كانت العموم من وجه إلّا أن الغالب يكون الاستصحاب مخالفا لمفاد القاعدة و لو قدم الاستصحاب في تلك الموارد عليها يكون اعتبارها كاللغو حيث إن الشك في صحة عمل ناش عن إتيان الجزء أو شرطه و الاستصحاب يقتضي عدم الإتيان بهما حال العمل فتختص القاعدة على تقدير تقديم الاستصحاب بما إذا كان الاستصحاب موافقا لها كما إذا شك في صحة العمل للشك في بقاء وضوئه حال صلاته أو شك المكلف في وضوئه حال الصلاة مع علمه بحدوث حالتين من الحدث و الطهارة و شك في المتقدم و المتأخر منهما فإن مع حصول هذا العلم بعد صلاته لا يمكن تصحيح صلاته بالاستصحاب فتجري قاعدة الفراغ إلّا أن اختصاص القاعدة بمثل هذه الموارد النادرة يجعل اعتبارها كاللغو بخلاف تقديمها على الاستصحاب فإنه لا يوجب محذورا.

أقول: لا ينبغي التأمل في تقديم القواعد المذكورة على الاستصحابات في مواردها و دعوى الإجماع على ذلك لا يكون من الإجماع التعبدي لاحتمال أن يكون مدرك البعض لا الجل على التقديم ما تقدم من لزوم لغوية تلك القواعد أو كونها كاللغو مضافا إلى مسألة اعتبار الاستصحاب، و كذا بعض تلك القواعد عند البعض‏

7

تختلف، و ربّما يرى البعض تلك القواعد أمارة و الاستصحاب أصلا عمليا و لذلك يكون تقديم تلك القواعد باعتبار أماريتها بل قد يذكر أنها على تقدير الأمارية تكون معتبرة في مثبتاتها كما إذا شك بعد الصلاة أنه توضأ لها قبلها أم لا يحكم بصحة الصلاة. و ثبت كونه على وضوء يجوز مع عدم الحدث بعدها الدخول في صلاة اخرى و أيضا يمكن أن يقال: إن وجه تقديم قاعدتي التجاوز و الفراغ بل و قاعدة اليد ما ورد في إجراء تلك القواعد في الروايات في موارد كون الاستصحاب على خلافها كما في صحيحة زرارة الواردة في قاعدة التجاوز حيث حكم الإمام عليه بحصول الجزء السابق من الصلاة إذا شك بعد الدخول في الجزء اللاحق، و كما حكم بتمام الوضوء بعد الفراغ في مورد الشك في وقوع الخلل فيه، و مع هذا كيف يمكن دعوى الإجماع التعبدي؟

و ذكر النائيني (قدّس سرّه) أنه لا يجري الاستصحاب في موارد قاعدتي التجاوز و الفراغ سواء قيل بأنهما من الأمارة أم لا فإنهما لو كانتا من الأمارة من جهة أن إرادة المكلف الإتيان بالمركب أو المشروط كافية في الإتيان بهما بتمام الأجزاء و الشرائط على حسب الترتيب المقرر لهما و لا يحتاج إلى إرادة كل جزء مستقلا بل ما دامت الإرادة الأولية موجودة يعمل على طبقها و التخلف عن ذلك يكون بالغفلة في الأثناء اتفاقا، و الشارع اعتبر هذه الغلبة كما يشير إلى ذلك ما في بعض أخبار القاعدتين «حين يتوضأ أذكر منه حين ما يشك» (1) فعلى ذلك لا مجال مع اعتبار الغلبة بالأصل العملي و إن قيل بأن القاعدتين أيضا من الأصول العملية في الموضوعات فيمكن الالتزام بحكومة دليل اعتبارهما على الاستصحاب فإن الشك في بقاء الحالة السابقة

____________

(1) الوسائل 1: 332، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

8

ناش عن احتمال عدم حصول الرافع لتلك الحالة السابقة، و مفاد القاعدتين حدوث الرافع لها فينتفي الشك و الاحتمال في ناحية البقاء و الرافع لا عدم السابق هو الوجود.

و فيه: أنه لا دلالة لقوله (عليه السلام) «حين يتوضأ أذكر منه» إلّا على التعبد بالذكر حال العمل كناية عن التعبد بحصول العمل بتمامه؛ لأن ترك البعض عمدا خلاف المفروض في القاعدتين فيكون الترك في أثنائه للغفلة فالتعبد بعدم الغفلة كناية عن حصول تمام العمل لا يقتضي جعل الغلبة معتبرة مع أن القاعدتين تجريان فيما إذا شك المكلف بعد التجاوز و الفراغ و إن كانت الغفلة له أثناء العمل أمرا عاديا. نعم، مع علمه بالغفلة في مورد أثناء العمل يشكل جريان قاعدة الفراغ في ذلك العمل.

و أما ما ذكر (قدّس سرّه) من حكومة القاعدتين على الاستصحاب في موارد جريانهما؛ لأن احتمال بقاء العدم و هي الحالة السابقة ناش عن احتمال عدم حدوث رافعه فإن الوجود هو قالع العدم فإذا ورد التعبد بالحصول ينتفي احتمال بقاء العدم فلا يخفى ما فيه؛ لأن احتمال بقاء الشي‏ء على عدمه و احتمال وجوده في عرض واحد و كما أن التعبد بالوجود يرفع احتمال بقاء العدم كذلك التعبد ببقاء العدم يرفع احتمال الوجود و العمدة في نفي الحكومة ما ذكرنا لا ما يقال.

و أما الإشكال على الحكومة بأن الحكومة على ما إذا كان الخطاب الحاكم ناظرا إلى خطاب المحكوم بحيث لو لم يكن خطاب المحكوم كان خطاب الحاكم لغوا كقوله (عليه السلام): لا شك لمن كثر شكه، فإنه لو لم يكن خطاب: «إذا شككت فابن على الأكثر» (1) كان الخطاب المذكور لغوا و ليس المقام كذلك فإنه لو لم يكن خطاب‏

____________

(1) الوسائل 5: 318، الباب 8 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3.

9

لاعتبار الاستصحاب كان اعتبار قاعدتي الفراغ و التجاوز صحيحا و خطابهما لم يكن لغوا فلا يمكن المساعدة عليه؛ فإن ما ذكر غير معتبر في الحكومة و لذا يكون خطاب اعتبار البيّنة و خبر الثقة حاكما على خطاب اعتبار الاستصحاب و لو لم يكن دليل على اعتبار الاستصحاب لم يكن اعتبارهما لغوا بل الحال كذلك بالإضافة إلى خطاب «لا شك لكثير الشك» (1) فإنه لو لم يكن خطاب «إذا شككت فابن على الأكثر» لم يكن خطاب نفي الشك عن كثير الشك لغوا، بل كان واردا على أصالة الاشتغال التي يستقل بها العقل، و ما ذكرنا في وجه تقديم الأمارة على الاستصحاب من تقريب الحكومة لا يجري في المقام لأخذ الشك في كلا الخطابين.

ثمّ إن الماتن (قدّس سرّه) التزم بتقديم الاستصحاب في موارد جريانه على القرعة و أن ما ورد من: أن القرعة في كل مجهول‏ (2)، يكون مخصصا بخطابات النهي عن نقض اليقين بالشك فيكون الموضوع في الاستصحاب المجهول الخاص أي المعلوم حالته السابقة بخلاف الموضوع للقرعة فإنه مطلق المجهول، و دفع ما يقال في المقام من أن النسبة بين دليل اعتبار القرعة و الاستصحاب العموم من وجه لعدم جريان القرعة في الشبهات الحكمية باتفاق الكلمة بخلاف اعتبار الاستصحاب فإنه يعم الشبهة الحكمية أيضا فتكون الشبهة الموضوعية التي لا حالة سابقة لها مورد القرعة دون الاستصحاب، و موارد الحالة السابقة في الشبهات الحكمية مورد للاستصحاب لا القرعة فالشبهة الموضوعية التي لها حالة سابقا مورد اجتماع الخطابين فلا وجه‏

____________

(1) الوسائل 5: 329، الباب 16 من أبواب الخلل في الصلاة.

(2) التهذيب 6: 207، الباب 90، الحديث 24. و فيه: «كل مجهول ففيه القرعة».

10

لجعل خطابات الاستصحاب أخص مطلقا و وجه الدفع أنه يأتي في بحث انقلاب النسبة أن النسبة بين الخطابين تلاحظ قبل ملاحظة تخصيص أحدهما بمخصص آخر.

و بتعبير آخر: يعتبر في ملاحظة النسبة الظهور الاستعمالي بين الخطابين و تخصيص قاعدة القرعة بالشبهات الحكمية لا يوجب خروج خطابي الاستصحاب و القرعة عن نسبة العموم و الخصوص إلى العموم من وجه.

و أضاف إلى ذلك بأن العموم في قاعدة القرعة موهون لعدم جريانها في جلّ من الشبهات الموضوعية حتى التي لا تكون فيها حالة سابقة محرزة؛ و لذا يقال: إنه لا يعمل بها إلّا في مورد قام دليل خاص فيه أو عمل المشهور فيه بقاعدة القرعة حيث إن عملهم بها فيه كاشف عن أن القرينة الخاصة التي كانت في خطابات القرعة لم تكن مخرجة ذلك المورد عن أدلتها و هذا بخلاف أدلة الاستصحاب فإن قوة دليله لقلة التخصيص الوارد عليه توجب تقديمها على أدلتها حتى مع كون النسبة بينهما العموم من وجه.

قاعدة الفراغ‏

ثمّ إنه لا بأس بالتعرض لكل من تلك القواعد و إن كانت خارجة عن مباحث علم الاصول فإنها قواعد فقهية يكون نتيجة تطبيقها على صغرياتها إحراز حكم طريقي جزئي كما هو شأن القواعد الفقهية في جلها حيث يستفاد منها بعد ضمها إلى صغرياتها حكم جزئي سواء كان ذلك الحكم نفسيا أو طريقيا تكليفيا أو وضعيا فنقول أصالة الصحة فيما إذا شك بعد الفراغ من العمل في صحته المعبر عنها بقاعدة الفراغ يستفاد اعتبارها من بعض الروايات حيث إن الروايات بعضها و إن كانت واردة في‏

11

خصوص الشك في الطهارة و الصلاة و لا يستفاد منها إلّا حكم الشك في الصحة بعد الفراغ منهما إلّا أن بعضها الآخر يستظهر منه القاعدة الكلية:

- كموثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كلّما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1) فإن ظاهرها مضي نفس الشي‏ء و الشك فيه بعد مضيه لا مضي محله ينطبق على قاعدة الفراغ.

- و حسنة بكير بن أعين أو صحيحته قال: قلت له: الرجل شك بعد ما يتوضأ قال:

«هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (2) حيث يستفاد منها أن الحكم بعدم الاعتناء لكون المتوضئ حين توضئه أذكر و هذا يجري في حق كل مكلف يشك في عمله بعد الفراغ منه.

- و صحيحة محمد بن مسلم المروية في آخر السرائر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «إن شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أ ثلاثا صلى أم أربعا و كان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتم لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (3) و التقريب كما في السابقة عليها و المناقشة في الأخيرة بأنه عند الانصراف الظاهر في الإتيان بالتسليمة كان على يقين من تمام صلاته ثمّ شك في تمامها فتدل الصحيحة على اعتبار قاعدة اليقين في الفرض حيث إن ظاهرها أنه كان قريبا إلى الحق حال الانصراف المفروض فيه اليقين بتمام صلاته، و هذا غير كونه أقرب إلى الحق حين صلاته ففرق بين السابقة و بين الأخيرة أضف إلى ذلك أنه يحتمل أن‏

____________

(1) الوسائل 5: 336، الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(2) الوسائل 1: 331، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

(3) الوسائل 5: 343، الباب 27 من أبواب الخلل، الحديث 3.

12

يكون مفاد الجواب هو الحكم عليه بإتيان الركعة الرابعة حيث إنها متعلق شكه بعد تجاوز محلها لا يمكن المساعدة عليها؛ لأن قوله (عليه السلام) «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق بعد ذلك» ظاهره عند الانصراف و الفراغ و أنه عندهما كان أقرب إلى الحق يعني الإتيان بالعمل التام و هذا المفاد هو الحكم بتحقق العمل التام الصحيح لا التعبد بتحقق الركعة الأخيرة عند ما شك و إن كان الحكم بالثاني يلازم الحكم بتحقق التام الصحيح.

و أما حسنة بكير بن أعين فهي مضمرة و اعتبارها مبني على الوثوق بأن المسئول كان الإمام (عليه السلام) كما لا يبعد فإنه لم يوجد مورد أن يسأل هو عن شي‏ء غير الإمام (عليه السلام) و يروي جوابه ليقال أن مرويه في المقام من ذلك القبيل. و ربما يستدل على قاعدة الفراغ بصحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء، إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) و لكن لا يستفاد منها إلّا اعتبار قاعدة الفراغ في الوضوء، و أما في غيره فلا و ذلك فإن المراد من الضمير في قوله (عليه السلام): «دخلت في غيره» الوضوء، و كذا في قوله «لم تجزه» بقرينة عدم اعتبار قاعدة التجاوز في الوضوء قبل الفراغ منه.

و على الجملة: كل عمل يتصف بالصحة تارة، و اخرى بالفساد ففيما فرغ المكلف منه و كان مريدا الإتيان به على الوجه التام و الصحيح و شك في أنه وقع فيه خلل حاله للغفلة أم لا يحكم بوقوعه صحيحا ما لم يحرز الخلاف بلا فرق بين‏

____________

(1) الوسائل 1: 330، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

13

العبادات و غيرها من المعاملات بالمعنى الأخص من العقود و الإيقاعات بل المعاملات بالمعنى الأعم من الأعمال التي توصف بالصحة و التمام تارة و بالفساد اخرى، و أما قاعدة التجاوز فهل هي مختصة بباب الصلاة أو أنها تعم جميع الأعمال المركبة التي لها أجزاء مترتبة فتجري فيما إذا تجاوز المكلف محل جزء من أجزائه و دخل في الجزء المترتب عليه و شك في أنه أتى بالجزء السابق في محله أم لا يبني على الإتيان، و كذا في كل عملين تكون صحة اللاحق منوطة بسبق السابق و إذا اشتغل باللاحق مع فوت محل السابق كما في عمرة التمتع بالإضافة إلى حجه فإنه إذا دخل في أفعال حج التمتع و شك في أنه أتى بالعمرة قبله فيحكم بالإتيان بها قبله، و كما في أذان الصلاة و إقامتها على ما يأتي، و يقال قبل التكلم في عموم قاعدة التجاوز و عدم عمومها لا بد من التكلم في أمر و هو أن القاعدتين مرجعهما إلى أمر واحد أو أن كلا منهما قاعدة مستقلة و لا ترجعان إلى قاعدة واحدة فإنه لو قيل برجوعهما إلى أمر واحد يكفي العموم في أدلة قاعدة الفراغ و أما بناء على عدم رجوع إحداهما إلى الاخرى فلا بد في عموم قاعدة التجاوز كقاعدة الفراغ من ملاحظة أدلتها، و قد ذكر الشيخ (قدّس سرّه) في الرسالة بأن مرجع قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز، قال في الأمر السادس: إن الشك في صحة المأتي به حكمه حكم الشك في الإتيان بما هو هو لأنها بعينه الشك في وجود التام و المتعبد به في الروايات أنه إذا تجاوز المكلف الموضع المقرر للإتيان بالشي‏ء و شك بعد ذلك في الإتيان به في ذلك الموضع لا يعتني بشكه سواء كان المشكوك أصل وجوده أو وجوده التام فلا يكون في البين قاعدتان ليقع البحث في اختصاص قاعدة التجاوز بباب الصلاة أو أنها تعم كل الأبواب.

14

و ناقش المحقق النائيني (قدّس سرّه) في إرجاعهما إلى قاعدة واحدة بأن المتعبد به في قاعدة التجاوز وجود الشي‏ء أو العلم بوجوده عند الشك فيه بعد تجاوز محله على ما هو التعبد بمفاد كان التامة، و في قاعدة الفراغ صحة الموجود أو العلم بصحته بعد الفراغ عن إحراز أصل وجوده على ما هو مفاد كان الناقصة و الجمع بين التعبدين غير ممكن لعدم إمكان الجمع في لحاظ واحد الشي‏ء مفروض الوجود و في نفس ذلك لحاظه غير مفروض الوجود، و ما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) من أن الشك في الصحة يرجع إلى الشك في وجود الصحيح بمفاد كان التامة لا يمكن المساعدة عليه فإنه ليس المطلوب في موارد قاعدة الفراغ إثبات وجود الصحيح الذي مفاد كان التامة و إنما المطلوب إحراز صحة الموجود الذي مفاد كان الناقصة، و إثبات صحة الموجود خارجا بإثبات وجود الصحيح من الأصل المثبت نظير ما تقدم في الاستصحاب من أن الاستصحاب في وجود الماء الكر في مكان لا يثبت أن الماء الموجود فيه فعلا كرّ.

لا يقال: لا حاجة إلى إثبات صحة الموجود بمفاد كان الناقصة في موارد قاعدة الفراغ بل يكفي إحراز حصول الفعل التام بمفاد كان التامة فإن التكليف في باب الصلاة مثلا قد تعلق بما أوله التكبير و آخره التسليم الواجد للقيود و المطلوب صرف وجود هذا التام، و بالتعبد بصرف وجوده يتم إحراز الامتثال حيث يرتفع الموضوع لقاعدة الاشتغال.

فإنه يقال: نعم يكفي ذلك في العبادات و متعلقات التكاليف حيث إن المطلوب فيها حصول الشي‏ء بنحو صرف الوجود، و لكن لا يتم في المعاملات؛ لأن الأثر المطلوب فيها و هو الحكم الوضعي يترتب على وجوداتها الانحلالية مثلا النقل و الانتقال يترتب على ما يوجد من شخص البيع و لو شك في صحته و فساده فلا تثبت‏

15

صحته بأصالة الوجود الصحيح من طبيعي البيع بمفاد كان التامة بل لا بد من إثبات صحة ما وقع في الخارج.

و قد يجاب عما ذكره كما عن بعض الفحول (طاب ثراه) بأنه يكفي في المعاملات أيضا التعبد بحصول المعاملة التامة بين المالين فإن التعبد بحصول طبيعي البيع التام بين المالين الخارجيين المفروضين كاف في الحكم بالانتقال فيهما كما في فرض أن الكتاب الموجود خارجا ملك لزيد و الدرهم الموجود كذلك خارجا لعمرو، و يكفي في حصول النقل و الانتقال شرعا الحكم بحصول البيع التام المتعلق بهما، و لا حاجة إلى إثبات مفاد (كان) الناقصة، و كذا الحال فيما كان المبيع على ذمة زيد أو كان الثمن على عهدة عمرو.

و أيضا فما ذكر من أن الجمع بين مفاد (كان) التامة و (كان) الناقصة في التعبد بتشريع قاعدة واحدة غير ممكن ضعيف فإن معنى الإطلاق هو رفض القيود لا الجمع بينهما و إذا كان معنى الإطلاق رفضها فيمكن أن يجعل الشك فيما مضى بلا فرق بين كون المضي موضعا أو وجودا لاغيا من غير خصوصية لتعلق الشك بالوجود أو صحته.

و ذكر في آخر كلامه أنه يمكن إرجاع القاعدتين إلى قاعدة واحدة بلا محذور فإن الشك في الصحة إنما يكون مسببا عن الشك في وجود الجزء أو الشرط و مع التعبد بحصول الجزء أو الشرط حال العمل تثبت الصحة فيكون مفاد الروايات التعبد بوجود الشي‏ء بعد مضي محله.

نعم، يبقى في البين ظهور بعض الروايات في التعبد بالصحة كقوله (عليه السلام) كل ما

16

مضى من صلاتك و طهورك فامضه كما هو (1) فإنه ظاهر في تحقق نفس الصلاة و الطهارة في الحكم بعدم الاعتناء بالشك فيهما فيكون مفاده قاعدة الفراغ و ظهور بعضها الآخر في التعبد بأصل الوجود عند الشك فيه بعد تجاوز موضعه كما يأتي، أقول: قد تقدم ثبوت العموم بالإضافة إلى قاعدة الفراغ و لا بد من التكلم في أن عموم قاعدة الفراغ يغني في جميع موارد قاعدة التجاوز أو أن عمومها لا يغني، و مع عدم الإغناء لا بد من التصدي لإثبات قاعدة التجاوز و مجرد إمكان الجمع بينهما في خطاب واحد يكون ظاهره اعتبار قاعدة الفراغ فنظر لما في صحيحة محمد بن مسلم حيث إن ظاهرها مضي نفس العمل لا محله مع إغناء قاعدة الفراغ عن قاعدة التجاوز في كثير من الموارد غير كاف. نعم، لو ثبت العموم في قاعدة التجاوز أمكن أن يقال باغنائها عن قاعدة الفراغ لما تقدم من الوجه الأخير، و لكن هذا النحو من الإغناء يبتنى على القول بأن مضي نفس العمل من قبيل مضي محل شرط ذلك العمل و أما النحو الذي ذكره الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ المتعبد به هو الوجود الصحيح فلا يغني فإن موضوع الوجود الصحيح و محله لا يمضى إلّا بخروج الوقت المضروب للعمل، و أما ما لا وقت له فلا يمضي محله أصلا كما إذا شك قبل الزفاف في عقد النكاح الذي أوقعه و أنه أوقعه باللغة العربية مثلا أو بغيرها حيث إن العقد الصحيح لم يتجاوز محله فإن النكاح الصحيح لا محل له شرعا بأن يقع قبل الزفاف بل الوطء يعتبر في جواز وقوعه بعد العقد.

و لا يخفى أنه يكفي في تشريع القاعدتين عدم لغوية اعتبارهما معا و إن كان‏

____________

(1) الوسائل 5: 336، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

17

اعتبار أحدهما يغني عن الاخرى في كثير من الموارد أو غالبها فدعوى أن اعتبار كل من القاعدتين مع عموم كل منهما لغو لا يمكن المساعدة عليها.

فإنه قد يكون لإحدى القاعدتين معارض دون الاخرى كما إذا قام المصلي إلى الركعة و علم إجمالا بأنه ترك سجدتين أما من الركعة التي قام عنها أو في ركعة من صلاته السابقة فإن قاعدة التجاوز في كل من الصلاتين معارضة بقاعدة التجاوز في الاخرى، و أما قاعدة الفراغ فتجري في الصلاة السابقة بلا معارض؛ لأنها لا تجري في الصلاة التي بيده لعدم إحراز الفراغ من الركعة السابقة لاحتمال بقاء السجدتين منها.

و ذكر النائيني (قدّس سرّه) محذورا آخر في إرجاع القاعدتين إلى قاعدة واحدة و هو أنه إذا تكفل خطاب واحد لاعتبارهما يلزم التنافي في مدلول ذلك الخطاب؛ لأن مقتضى قاعدة التجاوز عدم الاعتناء باحتمال ترك الركوع فيما إذا شك فيه بعد الدخول في السجود؛ لأن الشك في الركوع بعد تجاوز محله حيث إن محله قبل السجود، و مقتضى قاعدة الفراغ الاعتناء بالشك فيه؛ لأن الشك في صحة الركعة أو الصلاة قبل الفراغ منهما فيعمه قوله (عليه السلام) «إنما الشك في شي‏ء لم تجزه» (1) و لو كان خطاب واحد كان مفاده الاعتناء بالشك في الركوع في الفرض و عدم الاعتناء به فهذا هو التنافي في مدلوله بخلاف ما إذا قلنا بأن كلا منهما قاعدة مستقلة استفيدت من خطاب مستقل فإنه في الفرض تقدم قاعدة التجاوز على مفهوم قاعدة الفراغ؛ لأنه لو لم يقدم خطاب قاعدة التجاوز على مفهوم قاعدة الفراغ لم يبق لقاعدة التجاوز مورد؛ لأنها مضروبة للشك في أثناء عمل يشك في أثنائه في الإتيان بجزئه. أقول: لو كان في‏

____________

(1) الوسائل 1: 330، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

18

البين الخطاب الواحد لم يقع بينهما تناف في مثل الفرض حيث يكون المفروض كوجود الموضوع للاستصحاب في كل من الشك السببي و المسببي و كما لا تحصل منافاة في خطاب الاستصحاب؛ لأنه بشموله ناحية السبب يرتفع الشك في ناحية المسبب ففي الفرض أيضا بالتعبد بحصول الركوع قبل السجود لا يكون شك في الصلاة قبل الفراغ منها بل يحرز صحتها و حصول الركوع فيها قبل السجود قبل الفراغ منها، و لعله (قدّس سرّه) أشار إلى ما ذكرنا في آخر بيان هذا الوجه بالأمر بالتأمل.

و ذكر (قدّس سرّه) وجها آخر أيضا في امتناع تكفل خطاب واحد لكل من قاعدة التجاوز و قاعدة الفراغ و قال إن مورد قاعدة التجاوز يكون التعبد بالجزء بعد الدخول في جزء آخر كما إذا شك في حصول جزء من أجزاء العمل بعد دخوله في الجزء الآخر فلا بد في قاعدة التجاوز النظر إلى كل جزء نظرا استقلاليا بخلاف قاعدة الفراغ ففيها يكون النظر الاستقلالي إلى الكل بحيث يلاحظ الكل شيئا واحدا و إذا شك في صحته بعد الفراغ منه يبنى على صحته و لو شمل خطاب واحد لكل من القاعدتين يلزم أن يكون اللحاظ في الجزء نظرا تبعيا و استقلاليا بلحاظ واحد و فيه أنه كما تجري قاعدة الفراغ في الكل تجري في الجزء أيضا مثلا إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في الطهارة حالها يحكم بقاعدة الفراغ بصحتها، و كذا إذا شك بعد الركوع في أنه كان حال الاستقرار أو بلا استقرار يحكم بصحتها و بتعبير آخر الشك في شرط يعتبر في نفس الصلاة بعد الفراغ منها مورد لقاعدة الفراغ دون الشك في ذلك الشرط في أثنائها مثلا إذا شك في أثناء الصلاة في طهارته فلا تصحح الصلاة بقاعدة الفراغ؛ لأن الطهارة معتبرة حتى في الأجزاء الباقية التي لم يفرغ منها بخلاف الشك أثناء الصلاة في أنه كان عند ما ركع استقرار أم لا فإنه يحكم بقاعدة الفراغ صحة ركوعه فقاعدة الفراغ تعم الشك في‏

19

صحة الجزء و صحة الكل فكيف اجتمع في التعبد الواحد بين الجزء و الكل؟ و إذا كان الجواب أنه إنما لا يمكن الجمع بين النظر الاستقلالي و التبعي في شي‏ء واحد في لحاظ واحد تفصيلا، و أما لحاظها بعنوان عام إجمالي يندرج فيه الكل و الجزء فلا بأس به كقولهم: إن الممكن لا يوجد بلا علة هذه القاعدة كما تعم الجزء تعم الكل أيضا حيث إن الحكم بلحاظ عنوان عام واحد و هو عنوان ممكن الوجود المنحل إلى الجزء و الكل و غيرهما ممكن فالأمر في قاعدتي الفراغ و التجاوز أيضا كذلك حيث يلاحظ المشكوك بعنوان الشي‏ء الذي مضى بنفسه أو بمحله و أن الشي‏ء بعد مضيه لا يعتني به فيعم الشك في الركوع بعد الدخول في السجود و يعم الشك في الاستقرار حال الركوع بعد الفراغ منه و يعم الشك في الطهارة في الصلاة بعد الفراغ منها.

و دعوى أن المضي في قاعدة الفراغ يلاحظ بالإضافة إلى نفس العمل فيكون الإسناد حقيقيا و في قاعدة التجاوز إسناده إلى نفس الشي‏ء بالعناية أو الإضمار حيث إن الماضي محل الشي‏ء و موضعه فتكون إرادة القاعدتين من مثل قوله (عليه السلام): «إنما الشك في شي‏ء لم تمضه» من استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و العنائي أو من قبيل الإسناد الحقيقي و المجازي.

و فيه: أن الشك في موارد قاعدة الفراغ في الحقيقة في شي‏ء تجاوز محله فإن اقتران الصلاة بالطهارة بعد الفراغ من أصل الصلاة تجاوز محله لا يمكن المساعدة عليه فإن في موارد قاعدة الفراغ يكون منشأ الشك في الصحة الشك في الجزء أو الشرط و محل الجزء أو الشرط المشكوك و لو كان شرطا في المركب ينقضي بانقضاء العمل فإذا جرت القاعدة في الجزء أو الشرط المشكوكين تحرز صحة العمل على ما تقدم. نعم، بين الشك في الجزء و الشرط فرق فإنه إذا شك في الركوع بعد السجود،

20

و جرت قاعدة التجاوز في الركوع يحرز بها تحقق الركوع قبل السجود و تصح الأجزاء الآتية أيضا؛ لأن الركوع قبل السجود في الركعة الاولى كما هو شرط في صحة السجود شرط في الأجزاء الآتية أيضا و قد أحرز ذات الركوع بالقاعدة فتصح الأجزاء الآتية أيضا بخلاف ما إذا شك في أثناء الصلاة في وضوئه فإنه كما أن الوضوء شرط في الأجزاء السابقة كذلك شرط في الأجزاء اللاحقة، و بالقاعدة لا تحرز نفس الوضوء بل مفاد (واو) الجمع و محل (واو) الجمع لم تمض بالإضافة إلى الأجزاء اللاحقة.

و بتعبير آخر: لا يمكن إحراز نفس الوضوء بمفاد قاعدة التجاوز بجريانها في الصلاة حتى فيما إذا شك فيه بعد الفراغ من الصلاة فضلا عن أثنائها؛ و لذا لا بد من الوضوء للصلاة الآتية و إنما يحرز بها مفاد (واو) الجمع بخلاف ما إذا شك في جزء العمل في أثناء العمل بعد تجاوز محله أو بعد العمل فإنه يحرز بها نفس ما يسمى جزءا و لذا يحكم بصحة الأجزاء الآتية و تمام العمل.

ثمّ إنه قد تقدم العموم في قاعدة الفراغ و إن كان بعض رواياتها قاصرة عن العموم و يكفي في العموم قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كلّما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» (1) و ربّما يستظهر العموم من قوله (عليه السلام) في موثقة بكير بن أعين قال: «قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: هو حين ما يتوضأ أذكر» (2) و وجه الاستظهار أن الحكم بعدم الاعتناء بالشك في صحة الوضوء بعد تمامه و الفراغ منه لكونه أذكر حين التوضؤ، و من الظاهر أن الأذكرية حال‏

____________

(1) الوسائل 5: 336، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

(2) الوسائل 1: 331، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

21

العمل لا يختص بالوضوء بل كل فاعل عند العمل الذي يريده لا يترك منه شيئا إلّا مع الغفلة و مثلها كما تقدم صحيحة محمد بن مسلم المروية في آخر السرائر حيث ورد فيها «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (1) و أما صحيحة عبد اللّه بن يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء و إنما الشك في شي‏ء لم تجزه» (2) فلا ظهور لها في العموم لاحتمال كون المراد بالشي‏ء في القضية الحصرية ما يعتبر في الوضوء و الضمير في «لم تجزه» راجع إلى نفس الوضوء و لو بقرينة ما ورد في عدم اعتبار قاعدتي التجاوز و الفراغ أفعال الوضوء قبل الفراغ من الوضوء و القيام عنه، و بعض روايات قاعدة الفراغ في نفسها قاصرة عن العموم كقوله (عليه السلام) «كلّما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه» (3) كما ذكرنا و لكن يكفي في الالتزام بعمومها ما ذكرنا.

و أما بالإضافة إلى عموم قاعدة التجاوز و عدم عمومها فالعمدة في قاعدته صحيحة زرارة حيث ورد في ذيلها «إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» (4) و موردها شاهد قطعي بأن المراد الخروج من محل الشي‏ء، و لكن قد يقال كما أن موردها قرينة على أن المراد تجاوز محل الشي‏ء كذلك قرينة على كون المراد من الشي‏ء المذكور بنحو النكرة ما هو معتبر في الصلاة من أجزائها أو يعتبر

____________

(1) السرائر 3: 614.

(2) الوسائل 1: 330، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

(3) الوسائل 1: 331، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 6.

(4) الوسائل 5: 336، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث الأول.

22

قبلها في كمالها مما أمر به قبلها كالأذان و الإقامة، و مع الإغماض عن ذلك وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع عن تمامية مقدمات الحكمة.

و فيه أن تطبيق الكبرى على موارد الشك في الوجود بعد مضي محلها يعد قرينة على أن المراد من الخروج من الشي‏ء الخروج من موضعها و لا تكون قرينة على أنها مختصة بالشك في الوجود بعد مضي محلها في خصوص تلك الموارد الواردة في السؤال و أن وجود القدر المتيقن بهذا النحو لا يمنع عن انعقاد الظهور الإطلاقي في الكبرى و إلّا بطل التمسك في الإطلاقات الواردة في الجواب عند السؤال عن بعض الموارد و الصغريات كما قرر في الاصول و مع الإغماض عن ذلك فقد ورد في صحيحة إسماعيل بن جابر العموم الوضعي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (1) و قد ذكر في بحث العام و الخاص أن أداة العموم بوضعها متكفلة لبيان شمول الحكم الوارد في الخطاب لجميع مصاديق المدخول لا ما احتمله في الكفاية في ذلك البحث أنه لا بد في إثبات المراد من المدخول أولا بمقدمات الحكمة أنه مطلق أو مقيد ثبوتا لتكون الأداة دالة على شمول الحكم في أفراد ذلك المراد حيث إن لازم ذلك كون الإرادة تأكيدا، و على الجملة فقاعدة التجاوز كقاعدة الفراغ عامة ما لم يقم في مورد دليل على إلغائها في ذلك يؤخذ بعمومها و يؤيد عمومها ما ورد في الشك في الطواف بعد الفراغ منه.

____________

(1) الوسائل 4: 937، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 4.

23

في اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة التجاوز أو قاعدة الفراغ أيضا أم لا

ثمّ إنه يبقى الكلام في امور:

منها- أنه يعتبر في جريان قاعدة التجاوز الدخول في غير فإنه لا ينبغي التأمل في اعتبار الدخول فيه فيما كان مضي محل الشك بالدخول فيه كمضي محل القراءة في الدخول بالركوع، و أما إذا لم يتوقف مضيه على الدخول في غير كما إذا شك في الجزء الأخير من العمل بعد فعل المنافي كأن شك في التشهد و التسليمة بعد الحدث أو استدبار القبلة و نحوها فهل تجرى قاعدة التجاوز لعدم اعتبار الدخول في غير أو لا تجري؟ أو فيما إذا شك في العمل بعد مضي الوقت المضروب له كما إذا شك في الإتيان بالصلاة بعد خروج وقتها أو شك في طواف الحج و سعيه بعد مضي ذي الحجة، و كذا فيما إذا شك في سعيه خاصة بعد مضيه.

فقد يقال باعتبار الدخول في غير المترتب عليه؛ لأن العمدة في دليل قاعدة التجاوز صحيحة زرارة و صحيحة إسماعيل بن جابر و الوارد فيهما «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره» (1) و «كل شي‏ء مما جاوزه و دخل فيه غيره» (2) و في موارد عدم الدخول في غير مع فرض تجاوز المحل لا بد من الأخذ بذيل قاعدة الفراغ بدعوى أن الفراغ يحصل بالإتيان بالفعل المنافي كما يأتي.

و لكن يمكن الجواب بأن ذكر الدخول في غيره في الصحيحتين؛ لأن الدخول في الجزء المترتب على المشكوك محقق للتجاوز عن محل المشكوك فلا يكون‏

____________

(1) الوسائل 5: 336، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع من الصلاة، الحديث الأول.

(2) مرّ تخريجه قبل قليل.

24

القيد أمرا تعبديا بعد ذكر الخروج عن محل الشي‏ء و مضي ذلك المحل فلو فرض تحقق مضي المحل في مورد من غير الدخول في الأمر المترتب عليه يكون ذلك أيضا مجرى قاعدة التجاوز كما إذا شك في الإتيان بالتشهد و التسليمة بعد فعل المنافي أو شك في الواجب بعد انقضاء الوقت المضروب له.

و على الجملة: لا يكون الدخول في غير في مورد الصحيحتين قيدا تعبديا زائدا على مضي المحل فلا يكون له ظهور في القيد التعبدي الآخر وراء مضي المحل ليمكن التمسك بإطلاقه هذا كله بالإضافة إلى قاعدة التجاوز، و أما اعتبار الدخول في غير بالإضافة إلى اعتبار قاعدة الفراغ فلا مجال لدعواه؛ لأن قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة: «كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو» و قوله (عليه السلام) «حين يتوضأ أذكر» إلى غير ذلك اعتبار مضي نفس العمل و الفراغ منه في الحكم بالصحة و تمامية ذلك العمل سواء دخل في غيره من العمل المترتب عليه أم لا.

و دعوى أن الغالب من مضي الشي‏ء و الفراغ منه الدخول في غيره مما هو مترتب عليه فيكون الوارد في الروايات من مضي الشي‏ء منصرفا إليه لكون التشكيك في صدق المعنى يوجب الانصراف لا يمكن المساعدة عليها؛ لأن مجرد الغلبة على تقديرها في أفراد الطبيعي لا يوجب انصراف اللفظ الموضوع للطبيعي إلى تلك الأفراد بل الموجب له غلبة الاستعمال و أرادتها من الطبيعي من غير الإتيان إلّا بنفس اللفظ الموضوع لذلك الطبيعي كانصراف الحيوان إلى غير الإنسان و مجرد التشكيك أيضا لا يفيد شيئا فإن صدق المضي في فرض الدخول في غير و إن كان أوضح إلّا أن ذكر مجرد المضي ما لم يكن في البين ما ذكر مطلق يؤخذ بإطلاقه.

نعم، ربّما يقال: إن في البين ما يوجب رفع اليد عن الإطلاق و اعتبار الدخول‏

25

في غير نظير ما تقدم من القول باعتباره في جريان قاعدة التجاوز و هي صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء إنّما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) و وجه القول المذكور أن قاعدة التجاوز لا تجري في أجزاء الوضوء فالمراد من الشك في شي‏ء من الوضوء مفروض بعد الفراغ عن الوضوء فقوله (عليه السلام) «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء» أي بعد مضي الوضوء و دخلت في غير الوضوء فليس شكك بشي‏ء و حيث إن مضي الوضوء لا يتوقف على الدخول في غيره فذكر الدخول في غيره ظاهر في اعتباره في التعبد بقاعدة الفراغ، و لكن لا يخفى أن صدر الرواية و إن سلم ظهوره في اعتبار الدخول في غير و لكن ذيلها و هو قوله (عليه السلام) «إنما الشك في شي‏ء لم تجزه» ظاهره كفاية مضي الشي‏ء في جريان القاعدة.

و بتعبير آخر ظاهر الصحيحة اعتبار قاعدة التجاوز في الوضوء نظير اعتبارها في أجزاء الصلاة و جعل التسالم و غيره على عدم جريانها في أثناء الوضوء قرينة على أن المراد منها قاعدة الفراغ يستلزم أن يكون القيد الوارد في الصدر بقرينة الحصر الوارد في الذيل قيدا غالبيا أو تحمل الصحيحة على قاعدة التجاوز، و لكن جريانها في الوضوء مشروط بتجاوز المحل و الفراغ من الوضوء بأن كان في قوله (عليه السلام) «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و دخلت في غيره» الضمير في (غيره) يرجع إلى نفس الوضوء لا إلى الشي‏ء المشكوك و مع الإغماض عن ذلك كلّه و الإغماض عن إجمال الرواية غايتها اعتبار الدخول في غير في جريان قاعدة الفراغ في الوضوء.

____________

(1) الوسائل 1: 330، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

26

و مما ذكر يظهر الحال في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) الواردة في الشك في أجزاء الوضوء قال: «إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حالة اخرى في الصلاة أو غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شي‏ء عليك فيه فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قدميك فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك و امض في صلاتك» الحديث‏ (1) فإن ذيلها و ان كان دالا على عدم اعتبار قاعدة الفراغ في الوضوء قبل صيرورة المكلف في حالة اخرى من صلاة أو غيرها إلّا أن ذكر «حالة اخرى» من القيد الغالبي لكون الشي‏ء في الوضوء يحصل غالبا بعد مدة بحيث يكون المكلف داخلا في حالة اخرى.

و بتعبير آخر قوله (عليه السلام) «فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حالة اخرى» تفريع على القضية الشرعية الواردة في صدر الصحيحة من قوله (عليه السلام) «إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر ...» الخ فإن مفاد هذه الشرطية الاعتناء بالشك في الوضوء ما دام قاعدا فيه فالعبرة في لزوم الاعتناء بالشك عدم الفراغ من الوضوء و ما دام قاعدا فيه و المذكور في الشرطية المتفرعة على هذا الشرطية من المفهوم و القيد الزائد فيه غير دخيل في الحكم و إنما أتى به باعتبار الغلبة و نحوها و على تقدير الإغماض عن ذلك و تسليم ظهورها في اعتبار الدخول في حالة اخرى فلا يعتبر ذلك‏

____________

(1) التهذيب 1: ص 100.

27

في غير الوضوء ثمّ إنه بناء على اعتبار الدخول في غير في جريان قاعدة التجاوز دون قاعدة الفراغ أنه لو شك في الجزء الأخير من العمل الارتباطي كما إذا شك في الإتيان بالتشهد و التسليمة من الركعة الأخيرة لا مجرى لقاعدة التجاوز سواء كان الشك بعد الدخول في مثل التعقيب مما يستحب فعله بعد تمام الصلاة أم لا و سواء كان الشك قبل فعل المنافي أم بعده فإنه إذا كان الشك قبل الدخول في التعقيب و قبل فعل المنافي فالأمر ظاهر لعدم مضي محلّ التشهد و التسليم و عدم الدخول في غير و كذا إذا كان الشك بعد الدخول في التعقيب و قبل فعل المنافي فإنه مع الشروع في التعقيب لا يتحقق مضي محل التشهد و التسليم؛ لأنه لم يعتبر في التشهد و التسليم وقوعهما قبل التعقيب بل المعتبر في التعقيب أن يكون بعد الفراغ من الصلاة نظير ما تقدم من أنه لم يعتبر في الوضوء وقوعه قبل الصلاة بل المعتبر في الصلاة أن تكون بعد الوضوء بل و لا تجري قاعدة التجاوز مع فعل المنافي أيضا فإنه اعتبر التشهد و التسليم في الصلاة بعد السجدتين من غير صدور المنافي إلى إتمامها فيوجب وقوعه بطلانها عمدا كان أو سهوا و لذلك يمضي محل التشهد و التسليمة مع صدوره إلّا أن المكلف لم يدخل في الغير و المفروض اعتبار الدخول في غير في جريانها نعم يجري في الفرض بعد فعل المنافي قاعدة الفراغ حيث إن المعتبر في جريانها مضي الشي‏ء بحيث لو أحرز الخلل فيه وجب تداركه بالإعادة أو القضاء و المضي كذلك حاصل في الفرض، و مع الشك في الخلل يحكم بصحة العمل و تماميته.

و قد يقال كما عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) أن المراد بالفراغ في قاعدته مضي معظم العمل و مع الدخول في التعقيب أيضا و لو قبل فعل المنافي يصدق الفراغ بهذا المعنى، و لكن قد تقدم أن ظاهر ما ورد في قاعدة الفراغ مضي نفس العمل و الشك‏

28

في صحته و فساده فما دام محل الجزء الأخير باقيا لا يحرز مضي نفس العمل بل يحتمل، كما أنه قد يقال لا يعتبر في جريان قاعدة الفراغ الفراغ الحقيقي بل يكفي الفراغ الاعتقادي، و ما دام المكلف لم يعتقد تمام العمل لا يشرع في التعقيب فيكون مجرد الاشتغال بالتعقيب كافيا في جريان قاعدة الفراغ.

و فيه أيضا ظاهر مضي العمل و الشك بعد مضيه و أن يكون الشك بعد العمل بحيث لو علم الخلل لزم تدارك ذلك العمل إما بالإعادة أو قضاء النقص، و مجرد الاعتقاد بالفراغ من العمل مع بقاء محل المشكوك لا يوجب صدق المضي و الاعتقاد بالفراغ و المضي مع عدمهما ليس فراغا و لا مضيا. نعم، لا ينحصر صدق المضي على موارد يوجب الخلل بطلان العمل رأسا كما هو ظاهر كلام بعض الفحول (قدّس سرّه).

و عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) جريان قاعدة التجاوز أيضا و لو قبل فعل المنافي إذا شك في الجزء الأخير مع الاشتغال بالتعقيب؛ لأن قوله (قدّس سرّه) في الحكم بتحقق الأذان بعد الدخول في الإقامة شاهد بأنه لا يلزم أن يكون غير- الذي اعتبر الدخول فيه في جريان قاعدة التجاوز- من أجزاء العمل و فيه ما لا يخفى فإنه (قدّس سرّه) اعتبر في جريان قاعدة التجاوز مضي المحل و الدخول في غير، و مع عدم مضي محل الشي‏ء كيف تجري قاعدة التجاوز و استشهاده بما ورد في صحيحة زرارة بالشك في الأذان و الإقامة غير صحيح؛ لأن المعتبر في كمال الصلاة أن يكون الأذان قبل الإقامة و الإقامة بعد الأذان فمع الاشتغال بالإقامة ينقضي محل الأذان بخلاف التشهد و التسليم بالإضافة إلى التعقيب فإنه لا يعتبر في كمال الصلاة وقوعها قبل التعقيب بل يعتبر في التعقيب أن يكون بعد الصلاة.

و قد تحصل مما ذكرنا أن محل الجزء الأخير من المركب الارتباطي هو بعد

29

الإتيان بسائر الأجزاء و أن لا يقع إلى تمام ذلك الجزء ما يعد مانعا من ذلك العمل كما تقدم ذلك في ركعات الصلاة أيضا من أن محل الركعة الأخيرة من صلاة بعد الإتيان بغيرها من الركعات و أن لا تقع إلى تمامها ما ينافي الصلاة من فوات الموالاة أو وقوع الحدث أو الاستدبار إلى القبلة أو غير ذلك بل و حتى ما إذا تكلم باعتقاد الفراغ ثمّ شك في أنه تشهد و سلم قبله أم لا فلا يجب عليه قضاء التشهد، و لا سجدتا السهو، و لا العود إلى التشهد و التسليم؛ لأن مضي محل الشي‏ء المشكوك غير محله عند إحراز نسيانه.

و على الجملة: لو بنى على الاكتفاء في جريان قاعدة التجاوز على مضي المحل من غير اعتبار الدخول في غير جرت القاعدة فيما إذا شك في الجزء الأخير من العمل بعد فعل المنافي الموجب للتدارك بالإعادة أو تدارك النقص بعنوان القضاء و نحوه و إلّا يحكم بتمام العمل بقاعدة الفراغ حيث يكفي في جريانها صدق مضي العمل بحيث يكفي في مضيّه أنه على تقدير الخلل فيه يحتاج إلى الإعادة أو التدارك بقضاء الجزء و نحوه على ما تقدم.

عدم جواز الاكتفاء في جريان قاعدة التجاوز بالدخول في الجزء المستحب و جواز الاكتفاء بالدخول في جزء الجزء

ثمّ إنه هل يعتبر في غير الذي يعتبر الدخول فيه عند الشك في غير الجزء الأخير من العمل أن يكون من الأجزاء المستقلة لذلك العمل أو يشمل جزء الجزء أيضا، و على تقدير الشمول يختص الشمول بأجزاء الحمد و السورة أو يشمل الدخول في مقدمات الأجزاء أيضا كما إذا شك في القراءة عند الهوي إلى الركوع و لما وصل إلى حده أو شك في الركوع عند الهوي إلى السجود و لم تصل مساجده إلى الأرض أو شك في السجود حال النهوض إلى القيام، و هل يشمل غير الأجزاء

30

المستحبة كما إذا شك في قراءة السورة حال القنوت؟ لا ينبغي التأمل في أنه لا يشمل الدخول في الأجزاء المستحبة نظير الشك في قراءة السورة حال القنوت أو الشك في الإتيان بالذكر الواجب للركوع و السجود حال الاشتغال بالصلاة على النبي و آله بناء على استحبابها بعد الذكر الواجب فيهما و الوجه في ذلك أن القنوت و الصلاة على النبي و آله مقيدتان بكونهما بعد قراءة السورة و الإتيان بالذكر الواجب في الركوع و السجود لا أن قراءة السورة مقيدة بكونها قبل القنوت أو الذكر الواجب في الركوع، و السجود مقيد بكونه قبل الصلاة على النبي و آله؛ لأن أجزاء الصلاة من الأركان و غيرها يتعلق بها تكليف واحد، و مقتضى ذلك كونها ارتباطية، و كون كل جزء منها مشروطا بوقوعه قبل الجزء التالي، و التالي مشروطا بوقوعه بعد السابق و لو كان شي‏ء مشروطا بوقوعه بعد جزء و لم يكن ذلك الجزء مشروطا بوقوعه قبل ذلك الشي‏ء فلا يتحقق وجوب واحد بل يكون في البين تكليفان أو وجوب و استحباب كما هو الحال بالإضافة إلى اشتراط صلاة العصر بكونها بعد صلاة الظهر، و لا يعتبر في صلاة الظهر أن تكون قبل صلاة العصر، و الجزء المستحب في الحقيقة غير جزء من الواجب و كونه جزءا منه في الحقيقة غير معقول فإن لازم كونه جزءا من الواجب أخذه فيه، و لازم كونه مستحبا عدم أخذه في متعلق ذلك الواجب، و كل ما يطلق عليه الجزء المستحب في الحقيقة مستحب نفسي يكون ظرف الإتيان به في ضمن الواجب غاية الأمر ربّما ليس له ملاك مستقل بل ملاكه الزيادة في ملاك الواجب.

و بهذا الاعتبار يطلق عليه الجزء المستحب و إلّا يكون كالأدعية المستحبة للصائم في شهر رمضان من ترتب ملاك مستقل عليه إذا صدرت عن الصائم كما يحتمل ذلك بالإضافة إلى القنوت في الصلاة، و قد تقدم أن قوله (عليه السلام) في صحيحة

31

زرارة بعدم اعتبار الشك في الأذان بعد الشروع في الإقامة لا يدلّ على كفاية الدخول في المستحب المترتب على المشكوك كترتب القنوت على قراءة السورة؛ لأن الأذان للصلاة أيضا مقيد بوقوعه قبل الإقامة لها و إلّا فلا دليل على مشروعية الأذان للصلاة بلا إقامة.

و على الجملة: الدخول فيما يسمى بالجزء المستحب للعمل لا يوجب تجاوز المحل المشكوك لعدم تقييد الجزء المشكوك بوقوعه قبل ذلك المستحب بل ما يسمى بالجزء المستحب مقيد بوقوعه بعد ذلك الجزء المشكوك.

عدم الاكتفاء في جريان قاعدة التجاوز بالدخول في مقدمة الجزء اللاحق‏

و مما ذكرنا يظهر الحال في الدخول في مقدمة الجزء اللاحق للعمل كما إذا شك عند الأخذ بالهوى إلى الركعة اللاحقة في سجود الركعة السابقة أو شك في الركوع عند الأخذ بالهوي إلى السجود فإن الأخذ بالقيام أو الهوي إلى السجود غير داخل في الصلاة بل هما أمران قهريان لامتناع الطفرة، و أخذهما في متعلق الأمر بالصلاة لغو و عليه فلا يوجب الدخول في الهوي تجاوز محل الجزء السابق المشكوك لتجري فيه قاعدة التجاوز، و أما ما ذكر الشيخ (قدّس سرّه) في وجه عدم كفاية الدخول في مقدمة الجزء اللاحق في جريان القاعدة من أن الشارع قد حدد (غير) في أجزاء العمل دون مقدمات الأجزاء كما في صحيحة زرارة فلا يمكن المساعدة عليه فإن قوله (عليه السلام) بأن الشك في الركوع بعد السجود بيان الصغرى للكبرى الواردة في تلك الصحيحة أو غيرها و العبرة بعموم الكبرى إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره و لو كان الدخول في غير الجزء موجبا لانقضاء محل المشكوك أخذ بالعموم في الكبرى لا لما ذكر من الصغريات قبل الكبرى.

و ربّما يفصل في المقام بين الشك في الركوع بعد الأخذ بالهوي للسجود فيقال:

32

لا يعتني بالشك في الركوع، و بين الأخذ بالقيام إلى الركعة عند الشك في السجود فيقال: بلزوم الاعتناء و أورد على التفصيل بأنه لا وجه له؛ لأنه إن جرت قاعدة التجاوز جرت في كلا الفرضين، و إن لم تجر فلم تجر في كلا الفرضين فالتفكيك غير صحيح، و لكن عدم صحة التفصيل إنما هو بملاحظة قاعدة التجاوز في كلا الموردين و أما إذا قام في أحد الفرضين نص على خلاف القاعدة يلتزم بمدلوله؛ لأن القاعدة لا تزيد على سائر العمومات و المطلقات التي يرفع اليد عن عمومها أو إطلاقها بورود الخاص أو المقيد على الخلاف و التفصيل بينهما مدركه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لا قال: قد ركع» (1) فاستظهر من هذه الصحيحة عدم الاعتناء بالشك في الركوع بالأخذ بالهوي إلى السجود، و لكن لا يخفى أن ظاهر أهوى إلى السجود تحقق الهوى و انقضاؤه بوصوله إلى السجود فإنه فرق بين التعبير ب (يهوى) و التعبير ب (أهوى) فلا دلالة في الصحيحة على خلاف القاعدة بل ربّما يقال: إنه إذا شك في السجود بعد الدخول في التشهد لا بد من الاعتناء و يستظهر ذلك من صحيحة إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (2) و وجه الاستظهار لم يفصل (عليه السلام) بين بعد ما قام من الركعة الأولى أو الثانية و مقتضى إطلاقها عدم الفرق، و لكن لا يخفى أن الشك في السجود

____________

(1) الوسائل 4: 937، الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 6.

(2) المصدر السابق: الحديث 4.

33

بعد تحقق القيام مورد لقاعدة التجاوز و أما الشك في السجود بعد الدخول في التشهد لم يفرض لا في منطوق القضية الشرطية و لا في ناحية مفهومها فإن مفهومها إن لم يشك بعد ما قام لا أنه شك قبل ما قام في التشهد فالشرطية سيقت لتحقق الشك بعد ما قام فمفهومها إن لم يشك بعد ما قام مع أنا قد ذكرنا أن المعيار في جريان القاعدة الكبرى الواردة في الصحيحة لا بيان الصغريات و إذا شك الرجل في السجود بعد الدخول في التشهد فقد جاوز محل السجود و دخل في غير المشكوك.

و المتحصل مما ذكرنا أنه لم يثبت تعبد في الشك في الركوع و السجود على خلاف قاعدة التجاوز كما ظهر منه أنه لو رفع رأسه من الركوع و انتصب قائما ثمّ شك في أنه وصل إلى حدّ الركوع ثمّ انتصب قائما أو أنه انتصب قبل أن يصل إلى حدّ الركوع يبني على أنه ركع؛ لأن محل الركوع قبل الانتصاب قائما بخلاف ما إذا كان قائما فشك أنه قيام ما قبل أن يركع أو أنه قيام ما بعد الركوع فإنه يرجع و يركع لعدم إحراز مضي محل الركوع و كون قيامه بعده.

عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء قبل الفراغ منه‏

بقي في المقام امور:

منها- أنه قد ذكروا عدم جريان قاعدة التجاوز في أجزاء الوضوء ما دام لم يفرغ منه، و هذا الحكم متسالم عليه بين الأصحاب و ألحق جماعة الغسل و التيمم به بل الإلحاق منسوب إلى المشهور، و لكن لم يتعرض لذلك كثير من الأصحاب فدعوى الشهرة لا تخلو عن التأمل بل المنع، و يستدل على ذلك تارة باختصاص قاعدة التجاوز في أجزاء العمل بالصلاة فلا تجري في أجزاء غيرها و منه الطهارات الثلاث،

34

و قد تقدم عموم قاعدة التجاوز و عدم اختصاصها بالصلاة، و اخرى ما عن الشيخ (قدّس سرّه) بأن الشرط في الصلاة و غيرها مما هو مشروط بالطهارة من الحدث في الحقيقة الطهارة المسببة من الوضوء أو الغسل أو التيمم و إذا شك في شي‏ء من الوضوء و الغسل و التيمم أثناء العمل يكون الشك في الطهارة قبل تجاوز محلها، و هذا نظير ما يقال من عدم جريان أصالة البراءة عند الشك في اعتبار شي‏ء في الوضوء أو الغسل أو التيمم حيث إن التعبد بالصلاة المقيدة بالطهارة من الحدث محرز و يجب إحراز الإتيان بها و ليس متعلق التكليف مرددا بين الأقل و الأكثر بل متعلقه على كل تقدير صلاة مقيدة بالطهارة فلا بد من إحراز حصولها.

و بتعبير آخر يكون الوضوء باعتبار مسببه أمرا واحدا لا يتجاوز من شي‏ء منه قبل الإتيان بجزئه الأخير.

أقول: قد ذكرنا في بحث الفقه من مبحث الوضوء أن ظاهر الخطابات الشرعية أن الطهارة عنوان لنفس الوضوء بعد الحدث الأصغر لا أنها أمر واقعي مسببة و إلّا فلو قيل بأن الشرط للصلاة و نحوها هي الطهارة المسببة فلا بد في إحرازها من إحراز الوضوء أو الغسل و التيمم بالوجدان فلا مجرى لقاعدة التجاوز و لا لقاعدة الفراغ حتى بعد الفراغ منها لعدم مضي محل الطهارة بمجرد الإتيان بالجزء الأخير من الوضوء أو الغسل أو التيمم و لا يحرز أصل الطهارة لتجري قاعدة الفراغ في صحتها؛ لأن المفروض أن الطهارة أمر واقعي بسيط أمرها مردد بين الوجود و العدم و لا يجدي في الخروج عن الإشكال دعوى كون الوضوء من أوله إلى آخره عملا واحدا و إذا شك بعد الفراغ منه جرت قاعدة التجاوز حيث إن بالقاعدة لا تحرز تحقق المسبب.

نعم، إذا كانت الطهارة أمرا اعتباريا مترتبة على الوضوء و الغسل و التيمم أمكن‏

35

القول بأن تعبد الشارع بحصول أجزاء الوضوء أو تمام الغسل و التيمم تعبد بحصول ذلك الأمر الاعتباري حيث إن ترتبه عليها نظير التعبد بالحكم الوضعي بالتعبد لموضوعه و أما إذا لم يحصل الفراغ من الوضوء أو الغسل أو التيمم لم يقع فيها تعبد و على القائل بذلك لا بد من أن يقيم دليلا على أن الإطلاق في دليل قاعدة التجاوز و كذا قاعدة الفراغ بل عمومها مقيد أو مخصص في الطهارات الثلاث أي الوضوء و الغسل و التيمم، كما أن من يقول بأن الطهارة عنوان لنفس الوضوء و الغسل و التيمم فلا بدّ له من إقامة الدليل على التقييد و التخصيص و إلّا فالإطلاق و العموم في دليل القاعدتين متحقق و العمدة في المنع عن جريان قاعدة التجاوز بل الفراغ في أجزاء الوضوء روايتان:

إحداهما- صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) و لكن يمكن أن يقال هذه الصحيحة لا تنافي اعتبار قاعدة التجاوز و الفراغ في أجزاء الوضوء حيث إن الضمير في غيره يرجع إلى غير المشكوك من أجزاء الوضوء كما أن الضمير في الحصر الوارد في الذيل يرجع إلى نفس الشي‏ء المشكوك غاية الأمر هذه الصحيحة بهذا الظهور تنافيها صحيحة زرارة التي هي الرواية الثانية.

و الاخرى- و مدلولها أن المكلف ما دام قاعدا في الوضوء و لم يفرغ منه فعليه أن يعتني بشكه و يتدارك المشكوك و إذا فرغ منه و قام فلا يعتني بشكه‏ (2).

____________

(1) التهذيب 1: 101.

(2) الكافي 3: 33.

36

و على الجملة: فلو أمكن توجيه صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور بحيث لا تنافي الصحيحة بإرجاع الضميرين فيها إلى الوضوء و غير الوضوء تكون عمدة الدليل على عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء قبل الفراغ و مضيّه هي صحيحة زرارة و لا دلالة فيها و لا في صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور على التعرض لحال الشك في الغسل أو التيمم قبل الفراغ منهما أصلا فيؤخذ فيهما بالإطلاق أو العموم المشار إليهما في خطابات القاعدتين. نعم، لا يتحقق تجاوز المحل بالإضافة إلى الجزء الأخير من الغسل لعدم اعتبار الموالاة بل بالإضافة إلى غسل اليمين و اليسار أيضا بناء على عدم اعتبار الترتيب بينهما، نعم بالأخذ بقاعدة الفراغ بعد تمام المشروط بالغسل كالصلاة يحكم بصحة ذلك المشروط.

و قد يقال: عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء عند الشك في أجزائها قبل الفراغ و كذا عدم جريان قاعدة الفراغ في الشرط في ناحية أجزائها يختص بالشك في أجزائه التي سماها في الكتاب المجيد و كذلك الشرط الوارد فيه من كونه بالماء، و أما إذا شك في غيرها و شرط غير الماء فلا مانع عن التمسك بقاعدة التجاوز و الفراغ؛ لأن الخارج عن القاعدتين ما ورد في صحيحة زرارة و الوارد فيها ما ذكر من الأجزاء و الشرط الوارد في الكتاب المجيد.

أقول: هذا مبني على عدم دلالة صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور على عدم اعتبار قاعدة التجاوز عند الشك أثناء الوضوء، و كذا عدم اعتبار قاعدة الفراغ في صحة أجزاء الوضوء قبل الفراغ منه و إلّا يؤخذ بإطلاقها و ما ورد في صحيحة زرارة من تقييد المشكوك بما سمى اللّه من أجزائه لا يحسب تقييدا ليرفع اليد به عن الإطلاق في صحيحة ابن أبي يعفور لكون الغالب على الشك في الوضوء الشك في‏

37

غسل بعض مواضع الوضوء الواردة في الكتاب المجيد.

أضف إلى ذلك أن التفرقة بين الشرط الوارد في الكتاب المجيد لكونه بالماء، و الوارد في غيره كالشك في طهارة الماء أو رعاية الترتيب في الغسل و غير ذلك مما استفيد من السنة بعيد كما يفصح عن ذلك عدم معهودية هذا التفصيل بين الأصحاب و كون ما ورد في الكتاب فريضة و المستفاد من غيره سنة لا يوجب الاختلاف لجريان قاعدة التجاوز في أجزاء الصلاة و الحج و غيرهما من العبادات و كذا قاعدة الفراغ بلا فرق بين استفادة الجزئية و الشرطية من الكتاب أو السنة هذا، بالإضافة إلى الوضوء.

في جريان قاعدة التجاوز و الفراغ في الغسل‏

و أما بالإضافة إلى الغسل فالمستفاد من ذيل صحيحة زرارة أن المكلف إذا دخل في صلاته و شك في غسل موضع من جسده فإن كان بالموضع بلّة يمكن غسل ذلك الموضع بالمسح عليه بتلك البلة مسحة و استأنف الصلاة، و إن لم تكن بلة بالموضع بأن يبست أعضاء بدنه فليمض في صلاته و مقتضاها جريان قاعدة الفراغ أو التجاوز في غسل الموضع المشكوك فإنه روى عن أبي جعفر (عليه السلام) قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال: «إن شك و كانت به بلّة و هو في صلاته مسح بها عليه، و إن كان استيقن رجع فأعاد عليهما ما لم يصب بلّة فإن دخله الشك و قد دخل في صلاته فليمض في صلاته و لا شي‏ء عليه و ان استيقن رجع فأعاد عليه الماء و إن رآه و به بلة مسح عليه و أعاد الصلاة باستيقان و إن كان شاكا فليس عليه في شكه شي‏ء فليمض في صلاته» (1) و مقتضاه عدم جريان شي‏ء من‏

____________

(1) الوسائل 1: 524، الباب 41 من أبواب الجنابة، الحديث 2.

38

قاعدة الفراغ و التجاوز عند الشك قبل الدخول في الصلاة أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة و جريانهما بعد الدخول في الصلاة و نحوها إذا لم يكن في البين بلة يمكن غسله و استيناف الصلاة بعده، و عدم الجريان قبل الدخول في المشروط بالطهارة على القاعدة عند الشك في أيّ موضع من الجسد بناء على عدم الترتيب بين غسل اليمين و الشمال لعدم مضي محل الغسل لعدم اعتبار الموالاة لا بين غسل الرأس و الرقبة و بين الجسد و لا في غسل نفس العضو فمحل الغسل الشرعي عند الشك لم يتجاوز منه، و لا تجري قاعدة الفراغ؛ لأن الشك في نفس الجزء الأخير من الغسل و الجزء الأخير لا ترتيب في غسله و لكن جريانهما بعد الدخول في الصلاة أيضا كذلك فإن الصلاة مشروطة بوقوعها بعد الغسل، و لا يعتبر في الغسل وقوع الصلاة بعده و جريان قاعدة الفراغ في نفس الصلاة مع وقوع الشك في أثنائها غير ممكن؛ لأنه لا تثبت صحة الأجزاء اللاحقة من الصلاة و أنها واجدة للطهارة المعتبرة و الالتزام بأنه يكفي في جريان قاعدة التجاوز مجرد الدخول فيما هو مترتب عليه كترتب التعقيب على التشهد و التسليم أو ترتب الصلاة على الوضوء و الغسل قد تقدم ما فيه من عدم صحة الالتزام؛ لأن الظاهر من قوله (عليه السلام): «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره» الخروج من موضعه المقرر شرعا و لكن لا يبعد الالتزام بهذا الحكم المخالف لقاعدتي التجاوز و الفراغ، و ظاهر الصحيحة كما ترى الحكم بتمام الغسل إذا دخل في الصلاة و حصل الشك بعد الدخول و عدم بقاء البلة في البين فلا يحتاج إلى استيناف الصلاة كما لا نحتاج إلى تدارك غسل ما بقي الشك في غسله مع أن مقتضى القاعدة تدارك غسل الموضع المشكوك، و استيناف الصلاة نعم، لو حصل هذا الشك بعد الإتيان بالصلاة أو غيرهما مما هو مشروط بالطهارة يحكم بصحة تلك‏

39

الصلاة و لكن يجب تدارك غسل الموضع لجريان قاعدة الفراغ في ناحية نفس الصلاة و مقتضى الاستصحاب الجاري في ناحية عدم غسل ذلك الموضع تدارك غسله، و هذا الاستصحاب و إن سقط اعتباره بالإضافة إلى الصلاة التي فرغ عنها؛ لحكومة قاعدة الفراغ، و لكنه يجري بالإضافة إلى الصلاة الآتية بل إذا أحدث بالأصغر قبلها يجب الجمع بين إعادة الغسل و الوضوء لحدوث العلم الإجمالي باعتبار الغسل أو الوضوء للصلاة الآتية كما أوضحناه في بحث الفقه في مسائل الجنابة.

و منها- ما أشرنا إليه في المباحث السابقة من أن المراد من التجاوز في قاعدة التجاوز مضي المحل الشرعي للمشكوك، و لا يكفي مضي المحل العادي سواء كانت العادة شخصية أو نوعية و ذلك فإنه إذا قرر الشارع للشي‏ء محلا بحيث يمكن الإتيان به فيه لم يصدق التجاوز و الخروج من محله و الدخول في غيره مثلا إذا شك المكلف في غسل جانبه الأيسر بعد خروجه من الحمام فلا يمكن له البناء على تمام الغسل مع بقاء محله الشرعي و لو لم يكن هذا ظاهر التجاوز عن موضع الشي‏ء و الخروج منه فلا أقل من عدم إحراز الإطلاق فيهما الواردين في صحيحتي زرارة و إسماعيل بن جابر و هذا بخلاف الشك في مسح رأسه و رجليه في الوضوء فإنه مع فقد المولاة بيبس أعضاء الوضوء و الشك عنده يحكم بصحة الوضوء بلا فرق بين أن يكون الشك في مسح الوضوء في أثناء الصلاة أو بعد انقضائها و لعله إلى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قدميك و إن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك فامض في صلاتك» (1) فإنه مع‏

____________

(1) التهذيب 1: 100.

40

عدم بقاء البلل حتى في لحيته يصدق عنوان مضي الوضوء فيحكم بتمامه بقاعدة الفراغ بل بقاعدة التجاوز أيضا فإن محل المسح قبل انقضاء البلل و الدخول في غير غير معتبر إلّا من حيث انقضاء المحل.

لا يقال: يمكن أن يقال: بجريان قاعدة الفراغ فيما إذا شك في الإتيان بالجزء الأخير من الشي‏ء مع بقاء محله الشرعي و انقضاء محله العادي كما إذا شك بعد الخروج من الحمام في غسل شي‏ء من جانبه الأيسر أو من جانبه الأيمن بناء على عدم الترتيب بين غسل الجانبين. و الوجه في ذلك أن المستفاد من حسنة بكير بن أعين أن عدم الاعتناء بالشك بعد العمل لعدم اعتبار احتمال الغفلة حال العمل حيث ورد فيها قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (1) و إذا كان المكلف بحيث لا يترك الشي‏ء من العمل في محله العادي إلّا لغفلة يكون مقتضى التعليل في الحسنة يعمه فإن المغتسل في الحمام لا يترك غسل شي‏ء من جانبه الأيسر أو الأيمن إلّا بالغفلة، و الغفلة حال العمل ملغاة.

فإنه يقال: التعبد بالغلبة المشار إليها وقع فيما إذا كان الشك بعد مضي العمل و الفراغ منه أو مضي محله الشرعي لا مطلقا و لا يحرز مضي العمل و الفراغ منه إلّا بعد الإتيان بجزئه الأخير أو حدوث ما لا يمكن معه إتمام العمل بأن يمضي محله الشرعي بحيث لزم تدارك الخلل بعد العمل بالقضاء أو إعادة نفس العمل و كذا لا تجري قاعدة التجاوز أيضا مع انقضاء المحل العادي شخصيا كان أو نوعيا مع بقاء المحل الشرعي.

____________

(1) الوسائل 1: 331، الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

41

و قد تقدم أن الدخول في غير لاعتبار مضي المحل لا أنه تعبد آخر بقيد آخر في جريان قاعدة التجاوز و قلنا إذا كان مضي محل الشي‏ء بالدخول في غير كما إذا شك في غير الجزء الأخير من العمل فلا بد من الدخول في نفس الجزء الآخر المترتب عليه أو في جزء جزئه، و لا يكفي الدخول في مقدمة الجزء الآخر و قد يتوهم أن المستفاد من صحيحة إسماعيل بن جابر أن الشك في السجود بعد ما قام من الدخول في مقدمة الجزء مع أن الشك فيه محكوم بعدم الاعتناء حيث إن القيام من السجدة الثانية معتبر في القراءة أو التسبيحات الأربع في غير الركعتين الأوليتين، و لكن الوهم فاسد فإن الدخول في الركعة الاخرى يحصل بالقيام من بعد السجدة الثانية فالسجدة الثانية محلها الشرعي قبل الدخول في الركعة الاخرى فالركعة الاخرى جزء من الصلاة من حين تحققها إلى انقضائها غاية الأمر يجب فيها القراءة أو التسبيحات فالدخول في القيام جزء من الصلاة و شرط للقراءة أو الذكر الواجب في الركعة فعدم الاعتناء بالشك في السجود بعده غير الشك في السجدة عند الأخذ بالقيام فإن الأول شك بعد مضي المحل و الثاني شك قبل مضيه.

و منها- أنه هل تجري قاعدة الفراغ في العمل بمجرد الشك في صحته و فساده بعد مضيه و الفراغ عنه مطلقا أو ينحصر جريانها فيه عند الشك بعد العمل على صورة احتمال الخلل فيه ناشئا عن احتمال الغفلة عند العمل. و لذلك صورتان:

الاولى- ما إذا علم الغفلة حال العمل و لكن مع ذلك يحتمل صحة العمل لمجرد احتمال اتفاق الصحة كما إذا اغتسل المكلف أو توضأ مع الخاتم بيده و علم أيضا أنه لغفلته لم يعالج لوصول الماء تحت الخاتم عند الاغتسال أو التوضؤ و مع ذلك يحتمل اتفاق وصول الماء تحته فإنه قد يقال بجريان قاعدة الفراغ بالإضافة إلى‏

42

وضوئه أخذا بالعموم في قوله (عليه السلام): «كلما شككت فيه مما قد مضى فليس عليك شي‏ء» و قد يقال بعدم جريانها في شي‏ء من موارد إحراز الغفلة حال العمل و احتمال صحته اتفاقا فإن ترك بعض ما يعتبر في العمل عمدا غير داخل في اعتبار القاعدتين بل الداخل فيهما احتمال الخلل لاحتمال الغفلة كما هو مقتضى قوله (عليه السلام) في حسنة بكير بن أعين: «حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» و قوله (عليه السلام): «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق بعد ذلك» (1) فإن مدلول الأول إذا كان أذكر فلا يترك و لا ينقض من العمل فيختص التعبد بما إذا احتمل الذكر حال العمل، و مدلول الثاني إذا احتمل كونه حين الفراغ أقرب إلى الحق فلا يجري التعبد في ما إذا علم عدم الفرق بين زمان حصول الشك و زمان الفراغ كما هو الحال في موارد إحراز الغفلة.

و عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأنه لا يختص جريان قاعدة الفراغ بصورة احتمال الخلل لاحتمال الغفلة بل إذا احتمل الصحة في العمل الماضي و لو اتفاقا جرت قاعدة الفراغ؛ لأن الوارد في الروايتين من بيان الحكمة للتعبد بالصحة فلا يكون الحكم بها دائرا مدار حصولها، و لا يخفى أن التعبد في الحسنة بالذكر حال الوضوء و إذا علم الغفلة حاله لا يمكن التعبد به.

و دعوى أن التعبد بالذكر فيها حال العمل أو كونه عند الفراغ أقرب إلى الحق في الصحيحة لا تنافي التعبد بالتمام و الصحة في سائر الروايات يمكن دفعها بأن ظاهر الروايات الواردة في قاعدة الفراغ أن المتعبد به فيها أمر واحد، و أن قوله (عليه السلام) «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق» من قبيل التعليل لعدم الاعتناء بالشك بعد العمل،

____________

(1) الوسائل 5: 343، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

43

و حمله على بيان الحكمة خلاف الظاهر؛ لأن قاعدة الفراغ مفادها أمر ارتكازي و هو بما أن الفاعل لفعل لا يترك خللا فيه مع معرفته العمل إلّا مع الغفلة عن حال العمل يكون الشارع في تلك الروايات بصدد بيان اعتبار هذا الأمر الارتكازي.

و قد يقال: بأن المستفاد من بعض الروايات أن الشارع قد حكم بصحة العمل المفروغ حتى في صورة العلم بالغفلة و احتمال الصحة الواقعية، و يدلّ على ذلك صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت قال: حوله من مكانه و قال في الوضوء: تدره فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة» (1) و الوجه في دلالتها أنه لو لم تجر قاعدة الفراغ في نفس الوضوء فالصلاة تكون محكومة بالبطلان، و كذا الحال في الغسل فإنه لو لا اعتبار قاعدة الفراغ في الغسل بعد الدخول في الصلاة كما استفدنا ذلك من صحيحة زرارة المتقدمة أيضا لما أمكن الحكم بصحة الصلاة التي دخل فيها، و لكن لا يخفى ما في الاستدلال فإنه لم يظهر من الرواية أن نظر السائل استعلام حال الوضوء و الغسل عند احتمال عدم وصول الماء تحت الخاتم في الوضوء أو الغسل بل من المحتمل لو لا الظهور احتماله كون الخاتم في اليد عند الوضوء أو الغسل مانعا عنهما أو نزعه واجبا أو مستحبا و لذا فصل الإمام (عليه السلام) في الجواب بين الوضوء و الغسل، و ذكر في الوضوء بالإدارة، و في الغسل بالتحويل، و لو لا كونها في بيان الحكم الأدبي في الغسل و الوضوء لم يكن وجه للتفصيل بين الوضوء و الغسل بما ذكر.

أقول: رواية بكير بن أعين مضمرة لم يعلم المسئول هو الإمام (عليه السلام) و مع الغمض‏

____________

(1) الوسائل 1: 329، الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

44

عن ذلك فلا يستفاد منها إلّا حكم الوضوء و إن الحكم بصحته في فرض احتمال الذكر و إحرازه عند التوضؤ تمامه فإن للوضوء خصوصية كعدم جريان قاعدة التجاوز فيه ما دام لم يحصل الفراغ منه فلا تنافي الأخذ بالعموم في مثل قوله (عليه السلام): «كلّما شككت فيه مما قد مضى فليس عليك شي‏ء» (1).

و دعوى أن الإمام (عليه السلام) في روايات قاعدة الفراغ بصدد بيان الأمر الارتكازي لا يمكن المساعدة عليها فإن العمدة في ذلك مضمرة بكير بن أعين، و أما ما في صحيحة محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام): «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» فظاهرها اعتبار قاعدة اليقين في الصلاة أي إذا حصل الشك في عدد الركعات بعد الصلاة مع أن اليقين حال الانصراف غير دخيل في الحكم بصحة الصلاة بل إذا كان ظانا حين التسليمة أو غافلا عن حاله فشك بعد التسليمة بين الثلاث و الأربع يحكم بصحة صلاته فاليقين في مورد الرواية لا اعتبار به فضلا عن التعدي إلى غير مورده.

و على الجملة مقتضى الإطلاق في اعتبار قاعدة الفراغ غير بعيد، و لكن الاقتصار على موارد احتمال الغفلة أحوط. نعم، لو كان الشك بعد الإتيان بعمل بعد خروج وقته مما يجب قضاؤه على تقدير فوته يجري في ناحية ذلك العمل أصالة البراءة عن وجوب قضائه كما إذا صلى بعد الغسل أو الوضوء المفروض و بعد خروج وقت الصلاة شك في وصول الماء إلى تحت خاتمه مع العلم بغفلته حال الوضوء أو الغسل عنه فلا بأس بالرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب قضاء الصلاة لأن وجوب‏

____________

(1) الوسائل 5: 336، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

45

القضاء بتكليف جديد عند الاشتغال بالصلاة أيضا.

الصورة الثانية- ما إذا أحتمل صحة عمله السابق من جهة مصادفته للواقع مع علمه فعلا بجهله بالصحيح عند العمل من جهة تركه الاجتهاد و التقليد في الشبهة الحكمية و في هذه الصورة لو كانت صورة ما عمله سابقا محفوظة عنده فيمكن إحراز صحته و فساده بالطريق الفعلي المعتبر في حقه شرعا و أما إذا لم تكن صورة ما عمله سابقا محفوظة عنده فلا يمكن إحراز صحته بقاعدة الفراغ و ذلك فإن ما دل على قاعدة الفراغ ناظر إلى صورة احتمال الغفلة عند العمل مع العلم بالحكم و التكليف لا صورة احتمال الخلل عند العمل للجهل بأحدهما أو حتى للغفلة الناشئة من الجهل بالحكم و التكليف.

و بتعبير آخر: إنما تجري قاعدة الفراغ إذا كان احتمال الخلل فيما بعد العمل ناشئا من احتمال طرو الغفلة حال العمل. نعم، لو احتمل أن العمل كان على تقليد صحيح و احتمل أنه لم يأت بالعمل على طبق ذلك التقليد للغفلة حال العمل فلا بأس بالرجوع إلى قاعدة الفراغ؛ لأن المعتبر في أجزاء العمل الاستناد إلى الحجة و الإتيان به على طبق ذلك و هذان الأمران يحرزان بقاعدة الفراغ الجارية في أعماله السابقة التي لا يحفظ صورتها فعلا.

فتحصل مما ذكرنا أن شرائط العمل إذا كانت من قبيل فعل المكلف ففي الشك في الإخلال بها عند العمل للغفلة لا يعتني بالشك، و أما إذا كان الشرط من الأمر غير المقدور للمكلف كدخول الوقت بالإضافة إلى الصلاة، و كذا إذا صلى إلى جهة ثمّ شك في أنها كانت هي القبلة أو أن القبلة كانت في جهة اخرى فلا مجال لقاعدة الفراغ في الأول؛ لأن القاعدة تختص بموارد الشك في أن الامتثال للتكليف المحرز كان بنحو الصحيح و المجزي أو كان فيه خلل و في المقام شك في حدوث التكليف بما

46

أتى به لا في الشك بعد الفراغ في امتثال التكليف المحرز حال العمل، و نظير ذلك ما إذا اغتسل غسل الجنابة، و بعد تمامه شك في أنه كان جنبا قبل الاغتسال أم لا فإنه لا يجوز له الصلاة بلا وضوء، و كما إذا صلى تماما ثمّ شك في أنه كان قاصدا للإقامة قبلها أو وقع التمام اشتباها ففي هذه الموارد و نظائرها مما يكون الشك في صحة العمل ناشئا من ثبوت التكليف به قبل العمل لا يجري قاعدة الاشتغال؛ لأن ظاهر ما ورد في اعتبار قاعدة الفراغ هو أن الشك كان في عمله بعد إحراز التكليف به فلا تكون موارد حفظ صورة العمل عند الشك و كون شكه في صحة عمله ناشئا عن ثبوت التكليف به مجرى لقاعدة الفراغ. نعم، لو احتمل أنه كان عند الدخول في العمل محرزا التكليف به و أن إحرازه كان صحيحا فلا بأس بجريان القاعدة، و كذا لا تجري القاعدة في مثل مثال القبلة لحفظ صورة العمل عند الشك حيث إن حال المكلف حال العمل لا يختلف عن حاله عند الشك و عدم الجريان مبني على اعتبار احتمال الذكر حال العمل و احتمال الخلل فيه لاحتمال غفلته عند العمل كما أنه كان عالما بالقبلة في جهة و شك بعد الصلاة أنه صلاها بتلك الجهة أو الجهة الاخرى اشتباها.

و مثله ما إذا توضأ أو اغتسل بمائع ثمّ شك في أن ذلك المائع ماء أو مضاف بخلاف ما إذا أحرز أن المائع ماء و الآخر مضاف و شك في أنه توضأ أو اغتسل بالماء أو اشتبه فتوضأ أو اغتسل من المضاف فإنه يحمل وضوءه أو غسله على الصحة بقاعدة الفراغ.

و على الجملة: كلّما احتمل أنه عند العمل أحرز الشرط و التكليف بوجه معتبر و أتى بالعمل على وجه الصحة يجري قاعدة الفراغ في ذلك و إن لم يثبت وجود ما يسمى بالشرط أو التكليف في ذلك الزمان. هذا كلّه في ما إذا شك في شرط صحة العمل بعد الفراغ منه، و أما إذا شك في صحته أثناء العمل فللشرط أنحاء:

47

فتارة- يكون الشرط معتبرا في تمام العمل حتى في الآنات المتخللة بين أجزائه بحيث إذا لم يكن الشرط حاصلا من الابتداء بالعمل لم يكن حصوله بالإضافة بعد ذلك كالطهارة من الحدث فإنها معتبرة في الصلاة من حين الشروع فيها إلى إتمامها حتى في الآنات المتخللة بحيث لو لم يتوضأ المحدث بالأصغر قبل الصلاة فلا يمكن تداركها أصلا، و في مثل ذلك إذا شك المكلف في الأثناء في أنه توضأ قبل الصلاة أم لا؟ يجب عليه استئناف الصلاة بعد التوضؤ؛ لعدم جريان قاعدة الفراغ فيما أتى به من بعض الصلاة؛ لأنها لا تثبت الطهارة بالإضافة إلى الباقي كما لا تجري في ناحية التوضؤ قبل الصلاة قاعدة التجاوز؛ لأن الوضوء غير مشروط بوقوعه قبل الصلاة بل الصلاة مشروطة بوقوعها مع الوضوء من المحدث بالأصغر نعم لو أحرز الوضوء حال الصلاة بالاستصحاب كما إذا كانت الحالة السابقة الطهارة و شك في بقائها تحرز الطهارة حال الصلاة بالاستصحاب و هذا خارج عن مورد الكلام.

و اخرى- يكون الشرط معتبرا في تمام العمل و لكن يمكن إحرازه بالإضافة إلى الباقي بالوجدان، كما إذا أحرز المكلف ستره في أثناء الصلاة و بعد الإحراز شك في ستره المعتبر بالإضافة إلى الأجزاء السابقة و الآنات المتخللة بينها، و في الفرض لا بأس بجريان قاعدة الفراغ بالإضافة إلى السابقة، و المفروض أنه كان محرزا للباقي و أن شكه الستر بالوجدان، نعم إذا كان شاكا في ستره حتى زمان شكه لم تجر قاعدة الفراغ، و لا قاعدة التجاوز لعين ما تقدم.

و ثالثة- يكون الشرط شرطا في أجزاء العمل خاصة لا في الآنات المتخللة ففي هذا الفرض إذا أحرز الشرط بالإضافة إلى الجزء التالي و شك في حصول الشرط في الجزء السابق كما إذا انتصب من الركوع أو فرغ من ذكره الواجب و شك في أنه كان‏

48

ركوعه مع الاستقرار أو بدونه يحكم بصحة صلاته.

عدم جريان قاعدة الفراغ أو قاعدة التجاوز في الشك في العناوين القصدية في قصد عناوينها

و ينبغي أن نختم المقام بذكر أمرين:

الأول- ما تقدم من جريان قاعدة الفراغ فيما إذا أحرز الفراغ و مضى العمل و شك بعده في صحته و فساده، و حيث إن تحقق العمل في الأفعال التي عناوينها قصدية موقوف على قصد تلك العناوين فلا تجري قاعدة الفراغ فيما إذا شك بعد العمل في قصد عنوانه كما إذا صلى الظهر أو المغرب ثمّ دخل في صلاة اخرى ثم شك في أنه أتى بالصلاة الاخرى أو دخل فيها بقصد صلاة العصر أو العشاء أو دخل فيها بقصد صلاة الظهر أو المغرب بزعم أنه لم يصل الظهر أو المغرب ففي هذه الصورة لا يحكم بوقوعها عصرا أو دخل فيها عشاء لا بقاعدة الفراغ و لا بقاعدة التجاوز؛ أما عدم جريان قاعدة الفراغ؛ لأنه لم يحرز أصل الإتيان بصلاة العصر أو الإتيان و الشروع في صلاة العشاء، و كذا الأمر في قاعدة التجاوز فإنه لم يحرز أن الجزء المأتي به من العصر أو العشاء و يشك في الجزء المتقدم عليه. نعم، ربما يقال في الصلاة إنه إذا رأى نفسه يأتي بنية العصر أو العشاء و شك في أنه كان ينوي من الأول كذلك أو كان قصده في الأول الظهر و المغرب بزعم أنه لم يصلّها أنه يجري قاعدة التجاوز في قصد العصر و العشاء، و أنه من الشك بعد تجاوز المحل و هذا مبني على أن قصد العنوان في مثل الصلوات معتبرة شرعا و محلها شرعا عند الدخول في العمل خصوصا بملاحظة ما ورد في روايات معتبرة في أنها على ما افتتحت‏ (1)، و قد التزم بذلك السيد اليزدي (قدّس سرّه) في مسائل العدول في النية.

____________

(1) الوسائل 4: 712، الباب 2 من أبواب النية، الحديث 2. و فيه: «هي على ما افتتح الصلاة عليه».

49

الأمر الثاني- أنه إذا فرغ من صلاته و شك في أنه صلاها عصرا بزعم أنه صلى الظهر قبل ذلك أو صلاها ظهرا و قد فرغ منها فالصلاة التي أتى بها محكومة بالصحة سواء نواها ظهرا أو عصرا و الصحة على الأول ظاهرة، و على الثاني فإن ترتب العصر على الظهر اشتراطه ذكري فمع الغفلة تصح عصرا، و الصلاة التالية مرددة بين كونها عصرا أو ظهرا فيأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمة، و أما إذا صلى أربع ركعات بعنوان صلاة العصر زاعما أنه صلى الظهر قبلا ثمّ بعد الفراغ شك في أنه صلى الظهر قبلها أم لا فلا ينبغي التأمل في وجوب صلاة الظهر بعد ذلك؛ لأن صحة صلاة العصر مقطوعة؛ لأن اعتبار وقوعها بعد الظهر ذكري يسقط مع الغفلة و العذر، و لا تجري قاعدة الفراغ في ناحية صلاة الظهر لعدم إحراز الإتيان بها أصلا كما لا تجري في ناحيتها قاعدة التجاوز لعدم الاشتراط في ناحيتها بوقوعها قبل العصر بل الاشتراط في ناحية العصر فقط بأن تقع بعد صلاة الظهر حال الذكر. نعم، ربّما يقال: لزوم الإتيان بصلاة الظهر إنما هو في صورة الشك في الوقت المشترك، و أما إذا وقع الشك في الوقت المختص بالعصر كما إذا شك في ذلك و قد بقي إلى الغروب مقدار أربع ركعات فتجري قاعدة التجاوز في ناحية صلاة الظهر لمضي وقتها ببقاء مقدار أربع ركعات إلى غروب الشمس، و لكن لا يخفى بأنه لم يقم على هذا الوقت الاختصاصي دليل و الثابت عدم مزاحمة وجوب صلاة الظهر لوجوب صلاة العصر في مقدار أربع ركعات مع الإتيان بالعصر قبل ذلك المقدار و لم تكن في البين مزاحمة.

فصل: تمتاز أصالة الصحة الجارية في عمل غير عن قاعدة الفراغ في جهتين:

الاولى- أن قاعدة الفراغ تجري في عمل نفس المكلف بعد الفراغ عنه و الشك‏

50

في صحته و فساده بعده بخلاف أصالة الصحة فإنها تجري في عمل غير مع الشك في صحته و فساده.

الثانية- أن قاعدة الاشتغال مجراها عند حصول الشك في العمل بعد الفراغ عنه بخلاف أصالة الصحة فإنها تجري في عمل غير حتى حين الاشتغال بذلك العمل.

في أصالة الصحة الجارية على عمل غير

ثمّ إن أصالة الصحة الجارية في عمل غير تطلق على معنيين:

الأول- حمل عمله على الصحيح في مقابل القبيح و الحرام بأن لا ينسب صدور الحرام إلى غير و لو بصورة الاحتمال فيما إذا احتمل كونه حلالا و يختص ذلك بما إذا كان غير أخا في الدين بل في الإيمان و يدلّ على ذلك قوله سبحانه: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ‏ (1) و قوله سبحانه: قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (2) بقرينة ما ورد في تفسيره «لا تقولوا إلّا خيرا» (3) و في صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء» (4) و على الجملة الروايات: «المستفادة منها حمل فعل الأخ في الإيمان على الصحيح و سلب جهة السوء و نفي الحرام منه كثيرة لا حمل فعله على الصحيح بمعنى ترتيب الأثر المترتب على عنوان الخاص من الصحيح عليه كما إذا تردد

____________

(1) سورة الحجرات، الآية 12.

(2) سورة البقرة: الآية 83.

(3) تفسير البرهان 1: 263، طبعة الأعلمي، الطبعة الاولى، 1419 ه- 1999 م.

(4) الوسائل 8: 613، الباب 161، من أبواب أحكام العشرة، الحديث الأول.

51

الصادر عن غير بكونه سبا له أو سلاما فإن الوظيفة سلب كونه سبا لا ترتيب أثر كونه سلاما بأن يجب عليه ردّ التحية، و كذا إذا سلّم عليه و دار أمر سلامه بين كونه تحية له أو استهزاء فيحمل على الصحيح بأن لا ينسب إليه أنه يستهزئ و الرد إنما يجب إذا أحرز أنه تحية كما هو ظاهر السلام مع عدم القرينة على الخلاف لا ما إذا اقترن ببعض الامور التي توجب سلب هذا الظهور.

الثاني- حمل الفعل الصادر عن غير على التمام و المراد الحمل العملي يعني ترتيب الأثر العملي التام على الصادر عن غير كما إذا طلق غير زوجته فيجوز للشاك في أن الطلاق الصادر عن الزوج صحيح أم لا التزوج بمطلقته بعد انقضاء عدتها حملا لطلاق زوجها على الصحيح، و إذا شك المأموم في صحة صلاة الإمام أو فسادها يجوز له الاقتداء بصلاته لحملها على الصحة إلى غير ذلك و يستدل على اعتبار أصالة الصحة بهذا المعنى بالكتاب و السنة و الإجماع:

أما الكتاب فقوله سبحانه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) بدعوى أن الخطاب متوجه إلى عامة المكلفين فالوفاء من غير المتعاقدين ترتيب الأثر على العقد الصادر من المتعاقدين، و فيه ما ذكرنا في بحث الفقه من أن الأمر بالوفاء بالعقود انحلالي و في مثل البيع الصادر من المتعاملين إرشاد إلى لزوم العقد و عدم انحلاله و ليس متضمنا للتكليف أصلا مثلا بالبيع فينتقل المبيع إلى المشتري و الثمن إلى بايعه و إذا أمسك البائع بالمبيع و لم يقبضه مع تسلمه الثمن من المشتري يكون إمساكه عدوانا على المشتري و لو كان القبض بعنوان الوفاء واجبا تكليفيا للزم أن يلتزم باستحقاق البائع‏

____________

(1) سورة المائدة: الآية 1.

52

عقابين و أنه ارتكب أمرين: أحدهما حرام، و الآخر ترك واجب، و هذا ينافي ما ورد في بائع أمسك بالمبيع من استحقاق المشتري تسليمه و قبضه و مع الإغماض عن ذلك و دعوى ظهوره في أنه خطاب لملاك العقد و أرباب العقود فلا ينبغي التأمل في أن وجوب الوفاء في العقود ورد عليه التخصيص أو اعتبر في كل عقد قيدا أو قيودا كاعتبار الكيل في بيع المكيل و تعين الثمن و مدته و إذا فرض في مورد بالشبهة الخارجية في كون العقد الصادر عن غير باقيا تحت العموم أو خارجا عنه يكون التمسك بالعموم في الآية من التمسك بالعام في شبهته المصداقية أضف إلى ذلك أن الآية لا تدل على الحكم في الإيقاعات.

و الصحيح أنه لا يمكن إثبات اعتبار أصالة الصحة بمعناها الثاني من الكتاب المجيد كما لا يمكن التمسك في اعتبارها بذيل الإجماع فإن الاتفاق على حمل عمل غير على الصحيح و إن كان أمرا محققا على ما نذكر كما يظهر من كلماتهم في الفروع المتعددة في الأبواب المختلفة خصوصا في مسائل الخصومات في المعاملات و نحوها إلّا أن كونه من الإجماع التعبدي بحيث وصل إليهم ما لم يصل إلينا من المدرك غير معلوم بل من المحتمل جدا لو لا دعوى اليقين أن المستند عندهم ما نذكر من الروايات، و السيرة المستمرة الجارية من المتشرعة و غيرهم من غير ردع من ناحية الشرع من حمل الفعل الصادر عن غير على التمام.

في الاستدلال على اعتبار أصالة الصحة

و قد يستدل على اعتبار أصالة الصحة في المقام بما ورد من التعليل في رواية حفص بن غياث الواردة في اعتبار قاعدة اليد من قوله (عليه السلام): «لو لم يجز هذا لما قام‏

53

للمسلمين سوق» (1) بدعوى أن هذا التعليل يجري في أصالة الصحة أيضا فإنه لو لم تعتبر أصالة الصحة لما قام أيضا سوق و ناقش في ذلك المحقق النائيني (قدّس سرّه) بأن الحاجة إلى أصالة الصحة ليست بمثابة يلزم من عدم اعتبارها العسر و الحرج و قاعدة اليد تغني في الأكثر عن اعتبار أصالة الصحة، و لكن فيه ما لا يخفى، و أن القاعدة لا تغني عن أصالة الصحة فإن اليد لا اعتبار بها فيما إذا علم وجه جريان اليد على المال فلا بد في ترتيب الأثر تصحيح الوجه الذي جرى معه اليد على المال كما إذا علم أن المال الذي كان بيد زيد أمانة عنده اشتراه من مالكه و إذا لم يجري أصالة الصحة في ذلك الشراء خصوصا مع دعوى المالك فساده كيف يجوز الشراء من زيد؟ و إذا كان الحال كذلك في بعض موارد اليد فكيف الحال في غير مواردها؟ مما أشرنا إليها من أفعال غير و الصحيح في الجواب مع الغمض عن السند أن غاية ما يقتضي التعليل المذكور اعتبار أصالة الصحة في المعاملات الجارية على الأموال، و المدعى في المقام اعتبار الصحة في أفعال غير من الواجبات و غيرها مما يطلق عليه المعاملة بالمعنى الأعم، و يمكن اتصافها بالصحة و الفساد.

و قد يستدل أيضا على اعتبار أصالة الصحة بما ورد في مشروعية التوكيل حيث إنه لا يحرز عادة صحة عمل الوكيل إلّا بالحمل على الصحة، و لكن لا يخفى ما في هذا الاستدلال أيضا فإن ما دل على مشروعية الوكالة في المعاملة و نحوها مدلولها عدم لزوم الإتيان بها مباشرة و لكن لا دلالة له على اعتبار قول الوكيل في إحراز صحته فضلا عن إحرازها بأصالة الصحة حيث لا منافاة بين مشروعية الوكالة في معامله‏

____________

(1) الوسائل 18: 215، الباب 25، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.

54

و لزوم إحراز صحتها بوجه معتبر ككون الوكيل ثقة أو عدلا عارفا بالصحيح و الفاسد و على الجملة كما يعتبر إحراز أصل عمل الوكيل في ترتيب الأثر كذلك يعتبر إحراز صحته و لا منافاة بين مشروعية الوكالة و لزوم هذا الإحراز.

و هذا نظير ما دل على صحة الاقتداء بمن يثق بدينه‏ (1) فإن غاية مدلوله إحراز العدالة في إمام الجماعة في جواز الاقتداء به، و أما إحراز صحة صلاته فيمكن أن لا يعتبر في إحرازها أصالة الصحة فلا منافاة بين جواز الاقتداء بالعادل و عدم اعتبار أصالة الصحة فيقتدى به فيما إذا أحرز و لو بالاطمينان أنه لا يصلي بنحو لا يرى صحتها.

و العمدة كما أشرنا في اعتبار أصالة الصحة جريان السيرة الجارية من العقلاء و المتشرعة من حمل الفعل الصادر عن غير على الصحة أي التام و ترتيب الأثر عليه ما لم يحرز الخلاف من غير أن يرد من الشرع ما يدل على إلغاء السيرة.

موارد الرجوع إلى أصالة الصحة في عمل غير

و ينبغي التنبيه في المقام على امور:

الأول- المراد بالصحة في المقام المحمول عليها فعل غير الصحة الواقعية لا الصحة على اعتقاد الفاعل كما يظهر الحمل على ذلك من بعض كلمات المحقق القمي و غيره ممن استند في اعتبارها لظهور حال المسلم فإن مقتضى الظاهر أي الغلبة في الفاعل المريد لفعل أنه لا يأتي به على الوجه الباطل عنده إلّا مع الغفلة عن بعض خصوصياته التي يعلم باعتبارها فيه و الغفلة أمر نادر بالإضافة إلى تذكر الفاعل‏

____________

(1) الوسائل 5: 388، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.