رسالة الاجتهاد والتقليد

- الشيخ محمد تقي بن محمد باقر الأصفهاني النجفي المزيد...
103 /
1

-

2

[مقدمتان‏]

بسم اللّه الرحمن الرّحيم‏

القول فى الاجتهاد و التّقليد و ما يتعلّق بهما هذا لمولانا شيخ المشايخ شيخ محمد و تفصيل القول فى ذلك يتوقّف على بيان مقدمتين‏

الاولى فى ان هذه المسألة هل هى من المسائل الاصولية او من المسائل الفرعية

فنقول ان الظاهر ان المسائل المدوّنة فى مبحث الاجتهاد من المباحث الاصولية لانها مما يتعلق اليه عمل المكلف مع الواسطة فان البحث فى شرائط الاجتهاد و حجية ظن المجتهد و حجية ظن المتجزى و امثال ذلك نظير البحث عن حجية خبر الواحد و الشرائط المقررة له و نحوها فان جميع ذلك مقدمة لعمل المكلف بخلاف المسائل الفرعيّة فانها ممّا يتعلق عليها عمل المكلف من دون واسطة كما فى مسئلة صلاة الجمعة و نحوها و لان الاصول عبارة عن العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها و المسائل المدوّنة فى مبحث الاجتهاد من هذا القبيل و اما التقليد فالظاهر انه من المسائل الفرعية لانه متعلق بعمل المكلف من دون واسطة فان المجتهد لو بيّن مسائله للمقلد جاز له ان يعمل بمقتضاه اعتمادا على الكليّة الثابتة و هى ان كلّ ما افتى به المفتى فهو حكم اللّه فى حقى و لانّ‏

3

الفقه عبارة عن العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية و المسائل المدونة فى مبحث التقليد من هذا القبيل‏

الثّانية فى ان التقليد بعد ثبوت جوازه و مشروعيّته هل هو طريق علمى او عملى‏

بمعنى ان المقلّد هل هو ايضا عالم بالاحكام الشرعية الفرعية او انه جاهل بها بل ما دون فى العمل لبا يقتضيه فتوى المجتهد فيه وجهان بل قولان و تظهر الثمرة بينهما فى مواضع منها جواز قضاء المقلّد بمقتضى فتوى المجتهد و عدمه فانّه بناء على الاول يكون عارفا و عالما بالاحكام الشرعية الواردة فى القضاء فيجوز له ان يحكم بمقتضاها و لا يجوز لاحد رد حكمه بل مقتضى ذلك نفوذ قضائه على المجتهد اذا حكم عليه فضلا عن المقلّد لعموم قوله (عليه السلام) انظروا الى رجل منكم يعرف شيئا من قضايانا و لقوله عليه السّلم العلماء ورثة الانبياء و نحو ذلك مما يدل على نفوذ حكم الحاكم عموما و خصوصا و امّا بناء على الثانى فمقتضى الاصل و القاعدة عدم نفوذ قضائه و منها جواز الافتاء مع عدم الاستناد الى المجتهد و عدمه فانه مبنى ايضا على ما ذكر و منها جواز البقاء على التقليد بعد موت المجتهد و عدمه لانه بعد البناء على كونه من قبيل الاول يكون عالما بالاحكام الشرعية فلا يجب عليه تحصيل العلم بعد ذلك كما هو مقتضى العمومات القاضية بوجوب تحصيل العلم فان مقتضاها عدم جواز العمل بقول الغير مط غاية الامر خرجت منها صورة حيوة المجتهد فيبقى موضوع البحث داخلا تحت العمومات المزبورة و منها ثبوت الولاية للعامى على من لا ولى له و عدمه فانه لو قلنا بانه من قبيل الاول لزم القول بثبوت الولاية له فى ذلك و اشباهه عند فقدان المجتهد او عدم الوصول اليه و اما لو قلنا بانه من الثانى كان مقتضى الاصل و القاعدة عدمها

[الاستدلال للقول الاول بوجوه‏]

و قد يستدل للقول الاول بوجوه‏

الاوّل ان فتوى المجتهد حجة شرعية فى حق المقلّد فتجرى آثارها

4

و من آثارها الثمرات المذكورة و القول بان التقليد طريق للعمل و ليس طريقا علميّا حتى يترتب عليه جميع الآثار المترتبة على العلم مدفوع بانا لا نجد فرقا بين الادلّة القاضية بحجية الطرق المقررة لمعرفة الاحكام و الموضوعات و بين التقليد فكما ان مقتضى الادلة القاضية بحجية تلك الطرق قاضية بجواز ترتّب الآثار عليها و التدين بها و حصول المعرفة بالاحكام المستفادة منها كذلك الادلة القاضية بحجية فتوى المجتهد قاضية بجواز ترتب الآثار عليه بعد ملاحظة مشاركتهما فى الحجية التى هى عبارة عن وجوب العمل بل نقول بان الحدّ الذى ذكروه للدليل شامل بالنسبة الى فتوى المجتهد فاجراء الآثار المزبورة عليه عمل بمقتضى الدليل الشرعىّ فلا محذور ثم نقول ايضا اىّ فرق بين الحكم الصّادر من الحاكم اذا كان مستندا الى الاستصحاب او الى غيره من الاصول العملية كاصالة الصحّة فى فعل المسلم و نحوها و بين الحكم الصّادر من المقلد اذا كان مستندا الى فتوى المجتهد الجامع للشرائط و القول بان التفرقة بينهما نظرا الى ان الاستصحاب حجة شرعية على جميع المكلفين بخلاف الفتوى فانها حجة شرعية على خصوص العوام مدفوع اوّلا بان التفرقة المذكورة غير سديدة اذ كما يكون حجية الاستصحاب مشروطة بامور مقررة كانتفاء المعارض و عدم العلم بالخلاف و نحوهما و يمكن ان يقال بعدم حجيته بالنسبة الى من كان عالما بمخالفة مدلوله لمقتضى الواقع كذلك نقول بان حجية الفتوى ايضا مشروطة بامور مقرّرة منها عدم كونه مجتهدا و عدم كونه عالما بمخالفته للواقع‏

الثّانى انّ الاوامر الواردة فى التعليم و التعلم شاملة لجميع المكلفين‏

من المجتهدين و المقلدين و مقتضاها وجوب تحصيل العلم على النحو المقرر المتعارف عند العقلاء و الاخذ بمقتضى الطرق العقلانية

5

و الشرعية اذ لم يرد من الشارع بيان مخصوص فى كيفية تحصيل العلم و ظاهر ان التقليد و رجوع الجاهل الى العالم من الطرق العقلانية المقررة عندهم لتحصيل العلم فيكون تلك الاوامر شاملة بالنسبة اليه و هو يستلزم القول بكون المقلد عالما بالاحكام الفرعية فيجرى عليه جميع الآثار المترتبة على العلم الشرعى و بتقرير آخر لا ريب فى ان رجوع الجاهل الى العالم من الطرق العقلانية فان العقلاء يحكمون بترتب الآثار على القول الصّادر عن العالم فى مقام الاطاعة و الامتثال و حينئذ فنقول ان اكتفى الشارع بذلك فى مقام امتثال التكاليف الشرعية فهو و الا وجب عليه الردع فعدم الردع دليل على الامضاء

الثّالث ان فتوى المجتهد حجة للمقلد فى الاحكام الجزئية

على ما ذهب اليه جماعة و ان كانت مخالفة لمقتضى الاستصحاب الجارى فى الموضوعات الصّرفة الذى هو حجة على المقلد و لو لم يكن الفتوى دليلا علميّا او بمنزلته فلا وجه لتقديمه على الاستصحاب الذى لا ينتقض الا بالعلم او بما هو بمنزلته فاذا ثبت كونه بمنزلة العلم لزم الحكم بجريان جميع آثار العلم عليه الّا ما قام الدليل على خلافه بل نقول بانه لو لا ذلك فلا وجه لتقديم الفتوى على قاعدة الاشتغال و استصحاب بقاء التكليف و نحوهما من الامور المقررة الجارية فى كلّ مقام لم يحصل للمكلف العلم الشرعى بخلافها إلّا ان يقال بانها ليست حجة للمقلّد و انما هى حجة شرعية للمجتهد لان المقلد لا يقدر على الفحص المعتبر فى حجيتها و فيه ان العلم بانتفاء المعارض ربما يحصل للمقلد ايضا بسبب التواتر و نحوه او بالبينة و نحوها و مع ذلك نرى قيام الاجماع على لزوم تقديم الفتوى على الاصول المزبورة

الرّابع ان ذلك مستفاد من الادلة التى استدلوا بها على جواز التقليد

كقوله تعالى‏

6

فى انّ التقليد طريق علمى او عملىّ‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* بناء على القول بان المراد من اهل الذكر هو العلماء فانه دليل على كون قولهم دليلا و مفيدا للعلم الشرعى اذ يستفاد منها انّ السؤال منهم لاجل تحصيل العلم الشرعى و حمله على العلم القطعى غير سديد كما سيأتي مع انه لو كان ذلك امارة شرعية علميّة لزم التسلسل اذ مقتضاه وجوب السؤال ما لم يحصل العلم الشرعى فيلزم منه القول بلزوم تكرار السؤال فت و قال عجّل اللّه فرجه و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانّهم حجّتى عليكم و انا حجّة اللّه فان حجية قول المجتهد ظاهرة فى ترتّب جميع الآثار عليه و قوله عليه السّلم انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا الحديث فانه شامل للمقلد ايضا الى غير ذلك من الادلّة القاضية بذلك‏

الخامس انه لو لم يكن الفتوى امارة علميّة للزم القول بعدم وجوب تحصيل العلم على العامى‏

و هو مخالف لاطلاق الاجماعات و النصوص القاضية بوجوب تحصيل العلم على جميع المكلّفين و يلزم منه القول بجريان جميع الاحكام المتعلقة بالجاهل عليه كبطلان عبادته و تقصيره و نحوهما و هو مما لا اظن احدا يلتزم به إلّا ان يقال بيان هذه الامور خارجة بالاجماع و التقليد سقط للتكليف الوجوبى المتعلق بتحصيل العلم او يقال بان العامى مخيّر من اول الامر بين تحصيل العلم الشرعى و بين التقليد فلا تغفل و بالجملة فلا ينبغى الاشكال فى هذا المجال فى ان المقلد عالم بالاحكام الشرعية الظاهرية و يكون ممتثلا للاوامر الواردة فى تحصيل العلم و علمه حجة فى حقّه فالاصل يقضى بترتّب الآثار المترتبة على العالم عليه و مما يدل على ذلك ملاحظة ان المجتهد مخبر عن اللّه بظنه فيكون روايته حجة للمقلد كما ان الراوى مخبر عن اللّه بالاخبار الحسّى فكما ان الثانى‏

7

امارة علمية شرعية كذلك الاول من الامارات العلمية و ليس عمليّا محضا و التفرقة بينهما غير سديدة و نقول ايضا انه كما يكون الرواية الصّادرة عن الراوى حجة شرعية للمروى عنده و يترتب عليها جميع الآثار المترتبة على العلم الواقعى كذلك فتوى المجتهد حجة شرعية للمقلد فيترتب عليها الآثار المترتبة على العلم الواقعى فيكون المقلد ايضا عالما بالاحكام الظاهرية سواء كانت مخالفة للواقع ام لا كما هو الحال بالنسبة الى سائر الطرق المجعولة المقررة لمعرفة الاحكام و الموضوعات و القول بان التقليد ليس طريقا لمعرفة الواقع و انما هو واجب على المكلّف من حيث هو نظير الاستقبال الواجب على المصلى فانه لا يقال ان المصلى المزبور عالم بالاستقبال غاية الامر يكون الاستقبال واجبا نفسيّا بخلاف سائر الطرق المقرن مدفوع بان ما دل على حجية الفتوى لا يقضى بكونه واجبا من حيث هو بل المستفاد منها هو انه امارة لمعرفة الاحكام الشرعية كما هو الحال بالنسبة الى سائر الطرق المقررة و المجعولة و لا ينافى ذلك عدم تعرّض الاصحاب لذكره فى عداد الادلة اذ ليس مجرد ذلك دليلا على خلاف المطلوب كما انه لا ينافى ذلك كون الفتوى أخبارا حدسيّا اذ هو ح يكون نظير الاجماع المنقول الذى لا ريب فى كونه امارة علمية عند القائل بحجيته مع انه رواية حدسية و القول بان التقليد ليس من الامارات المعتبرة و انما هو من الامور التى ورد الاذن من الشارع فى العمل بها و لذا يكون المقلد مخيّرا من اول الامر بين التقليد و بين غيره من الامور التى ورد فى فعلها كالاحتياط فيكون التقليد ايضا كالاحتياط الذى ليس طريقا علميّا مدفوع بان شيئا من الاذن و التخيير لا يقضيان بالمنع من كونه امارة علمية لانهما ربما يتحققان فى سائر الطرق المقررة و المجعولة كما فيما اذا تعارض الخبر ان عند انتقاء

8

جميع المرجّحات المنصوصة فان المعصوم عليه السّلم حكم هنا بالتخيير الشامل للاستمرار او المختص بالبدوى و بالجملة فالتفرقة بين الفتوى و بين الاصول العملية المجعولة غير سديدة فالقول بعدم كون المقلّد عالما مستلزم للقول بعدم كون المجتهد العامل بالاصول العملية عالما فى خصوص الحكم الذى كان منشؤه الاصول المزبورة و مقتضاه عدم جواز رجوع العامى اليه فى خصوص هذا الحكم بل هو مستلزم للمنع من جواز الحكم و الشهادة بمقتضى الاستصحاب بل هو مستلزم للقول ببطلان صوم المقلد الذى يذكر المسائل الشرعية التى قلّدها عن المجتهد اذ لم يستندها اليه و كل ذلك فى غاية البعد كما لا يخفى‏

فائدة اختلف الاصوليون فى قبول الاجتهاد للتجزية و عدمه على قولين او اقوال‏

و الكلام فيه يقع تارة فى امكانه عقلا و اخرى فى وقوعه شرعا فهنا

مقامان‏

اما المقام الاول [اى فى امكانه عقلا]

فالحق امكانه كما عليه المعظم بل لم نر احدا من الاصحاب ينكره الا ما استظهره بعضهم من كلام الشهيد الثانى فى بعض كتبه و يدل على ذلك ملاحظة الوجدان فانا نرى بالعيان ان كثيرا من اهل العلم يتمكنون من تحصيل بعض المسائل دون بعض فان طريقه استنباط مسائل مختلفة باختلاف مداركها فبعضها يتوقف على تحصيل مقدمات كثيرة بعيدة و لا يكون المجتهد قادرا على تحصيلها او لا تكون له قوة قريبة الى الفعلية بحيث يقتدر بها على استنباطها و بعضها يتوقف على بعض المقدمات التى تكون حاصلة عنده او تكون قريبة الى الحصول و ليس الاجتهاد الا كسائر الصّناعات المتعارفة بين الناس التى لا اشكال فى قبولها للتجزية مع انا نرى ان كثيرا من المجتهدين يتوقفون فى بعض المسائل فلو لم يكن الملكة قابلة للتجزية لزم القول بعدم صدق المجتهد

9

عليهم و هو فاسد جدا احتجّوا لعدم امكانه فى الملكة بان المجهولات التى لم يستنبط يحتمل ان يكون لها ارتباط بما يريد استنباطه فلا يحصل له الظن بعدم المانع سيما بعد ملاحظة التخصيصات الكثيرة الواردة على العمومات و الاطلاقات فكيف يمكن حصول الملكة بالنسبة الى بعضها دون بعض و الجواب ان مجرد العلم لا يوجب تزلزلا فى الاستنباط بالنسبة الى ما يريد استنباطه اذ يمكن ان يحصل له العلم بعدم مدخلية تلك المجهولات ضرورة امكان العلم بعدم مدخلية احكام التيمم فى الحدود و بالعكس و قد يستدل للجواز ايضا بالقاعدة التى ذكر الشيخ الرئيس و هى ان كل ما فرع سمعك فضعه فى بقعة الامكان و حمله على الاحتمال مخالف للظاهر و فيه نظر ثم ان مرادهم من التجزى فى المقام هو التجزى فى الملكة دون الاستنباط كما يدل عليه عناوينهم و ادلتهم اذ لا يعقل النزاع فى الثانى و المنع من وقوعه فيه بل هو مكابرة واضحة نعم يمكن ان يقال بان الشك فى حجية ظن المتجزى مستلزم للمنع من امكان اصل التجزى اذ المراد من الاجتهاد هو ما كان صحيحا و لا ريب فى ان صحته متوقفة على علمه بحجية ظنه فى حقه فالمتجزى الصحيح غير ممكن شرعا إلّا ان يقال بان الاجتهاد هو استفراغ الوسع من الادلة و هو اعم من الصّحيح و الفاسد فلا يتوقف تحقق الاجتهاد على علمه بحجية ظنه فى حقّه اقصى الامر يتوقف حجية الاجتهاد على العلم المزبور و هى امر خارج عن حقيقة الاجتهاد و إلا لزم القول بعدم كون المجتهد المطلق الذى لا يعرف جواز الاجتهاد متدرجا فى حقيقة المجتهد و هو مما لا يلتزم به احد و يورد عليه بان قيد الفقيه ماخوذ فى تعريف الاجتهاد كما لا يخفى على المتتبع فى كلمات القوم و لا ريب فى ان الفقيه عبارة عن العالم بالاحكام الشرعية فيتوقف كونه مجتهدا على كونه عالما بها و حصول هذا العلم‏

10

يتوقف على علمه بحجية اجتهاده و حجية ظنه فى حقه‏

و اما المقام الثانى [اى فى وقوعه شرعا]

فقد اختلفوا فيه على قولين او اقوال فذهب غير واحد منهم الى القول بالمنع و آخرون الى الجواز و ذهب بعضهم الى التوقف‏

[الاستدلال للقول الاوّل اى القول بالمنع بوجوه‏]

و قد يستدل للقول الاوّل بوجوه‏

منها الدّور

و

[تقرير الدور]

يقرر بوجوه أقواها ما ذكره الفاضل الجواد فى المحكى عنه و هو ان صحة اجتهاد المتجزى فى الفروع متوقفة على صحة اجتهاده فى اصل مسئلة التجزى و ان التجزى فى الاجتهاد جائز شرعا ام لا و صحة اجتهاده فى مسئلة التجزى موقوفة على اجتهاده فى اجتهاد المتجزى و هى مسئلة كلية تندرج فيها صحة الاجتهاد فى الفروع فالاجتهاد فى الفروع موقوف على الاجتهاد فى الفروع و يجرى الدور المزبور بالنسبة الى المجتهد المطلق ايضا بان يقال ان علمه بحجية اجتهاده فى الفروع موقوف على علمه بحجية اجتهاده فى حقه و هى مسئلة كلية تندرج فيها صحة الاجتهاد فى الفروع فكان الاجتهاد فى الفروع موقوفا على الاجتهاد فى الفروع بل يجرى الدور المذكور ايضا بالنسبة الى العامى الذى لا يعرف حقية شي‏ء من الاجتهاد و التقليد فان استناده فى ذلك الى التقليد من قبيل توقف الشى‏ء على نفسه و من هذا القبيل ايضا ما لو دار الامر بين تقليد الاعلم و الاورع بان كان غير الاورع اعلم من الاورع و لم يوجد مجتهد متصفا بهما و كان الاعلم قائلا بوجوب تقديم الاعلم و كان الاورع قائلا بوجوب تقديم الاورع و نظائر ذلك كثيرة

[تقرير الدور المذكور بوجه آخر]

و قد يقرر الدور المذكور بوجه آخر و هو ان علم المتجزى بحجية ظنه فى الفروع موقوف على علمه بكونه مجتهدا و علمه بكونه مجتهدا موقوف على علمه بحجيّة ظنه‏

[الجواب على الدور بامور]

و يمكن الجواب عن ذلك باحد امور

احدها ما ذكره بعض الافاضل و هو المنع من توقف صحة الاجتهاد فى الفروع على صحة اجتهاده فى مسئلة التجزى‏

11

بل يتوقف على صحة دليلها فى الواقع فلا توقف و لا دور و توضيحه ان محل النزاع هو ان المجتهد المطلق يبحث عن ان المتجزى هل له ان يجتهد فى استنباط حكم من دليل و يسنده الى ذلك الدليل ام لا و ليس فى ذلك حكاية دور او حديث توقف شي‏ء على شي‏ء و فيه نظر

و ثانيها ما حكاه بعضهم عن شيخنا البهائى ره و هو ان التجزى المتنازع فيه هو التجزى فى المسائل الفرعية اما التجزى فى الاصول فجائز اجماعا

و ثالثها ما ذكره بعضهم و هو انه لا ملازمة بين التجزى فى مسائل الفروع و التجزى فى الاصول‏

فقد لا يكون متجزيا فى الاصول بان يكون قادرا على استنباط جميع المسائل الاصولية عن ادلتها فلا يتوقف العلم بالتجزى فى الاجتهاد على العلم بالتجزى اصلا كيف و لو تم ما ذكر لجرى ذلك بعينه فى شان المطلق اذ جواز اجتهاده فى المسائل الفقهية يتوقف على جواز اجتهاده فى جواز الاجتهاد و جواز اجتهاده فى هذه المسألة يتوقف على جواز اجتهاده فى المسائل لكون تلك المسألة ايضا كغيرها من المسائل و الجواب فى المقامين امر واحد و هو ما ذكر من الفرق بين مسائل الاصول و الفروع و فيه نظر

و رابعها ان دعوى لزوم الدور فى هذا المقام غير مستقيمة

اذ حقيقة الدّور هى توقف الشى‏ء على نفسه و تقدمه على نفسه و تقدمه على غيره و توقفه على ضده و ليست المسألة المزبورة من هذا القبيل اذ ليست الادلة القاضية بحجية الطرق الخاصة و المدارك المقررة لمعرفة الاحكام الشرعية مختصة بالمجتهد المطلق بل هى عامّة بالنسبة الى كل من يقتدر على استنباط الاحكام الشرعية منها فيجوز للمتجزى ان يتمسّك فى المسائل الاصولية و الفرعية باجمعها بتلك الطرق من غير فرق فى ذلك بين مسئلة

12

فى جواز التّجزّى و عدمه‏

التجزّى و بين غيرها فلا توقف و لا دور

و خامسها ان يلتزم بجواز لتقليد للمتجزى فى خصوص مسئلة جواز التجزى و عدمه‏

و فيه ان المتجزى ان كان مجتهدا فيحرم عليه التقليد مطلقا و ان كان مقلّدا فيجوز له التقليد كذلك و التفرقة بين مسئلة التجزى و بين غيرها من المسائل الاصولية و الفرعية مستلزمة لخرق الاجماع المركب و هو باطل مضافا الى ان جواز التقليد مشروط بعدم كونه عالما و المتجزى بعد استفراغ وسعه فى مسئلة التجزى عالم بها فلا يجوز له التقليد

و سادسها ان دعوى لزوم الدور انما يستقيم لو لم يكن المتجزى متمكنا من الاحتياط

و هو متمكن منه و الاحتياط فى حقه يتصور على وجوه ثلاثة منها مراعات ما يحصل معه القطع باداء الواقع و منها مراعات التوافق بين ما اجتهده فى مسئلة التجزى و بين فتوى المجتهد المطلق اذ لا اشكال فى انه اما ان يجب عليه التقليد فى خصوص هذه المسألة او الاجتهاد فمع الجمع بينهما يحصل له القطع بالبراءة عن التكليف الشرعى و منها مراعات التّوافق بين ما ظنه و بين ما يفتيه المجتهد المطلق لحصول القطع له بتفريغ الذمة لدوران امره بين الاخذ بقوله و رجوعه الى المجتهد المطلق و المفروض اتيانه على كل من الوجهين و ليس المقصود من ذلك دعوى وجوب الاحتياط على المتجزى حتى ينتقض باستلزامه للحرج بل المقصود من ذلك هو دفع الدور و هو مندفع بمجرد اندفاع التوقف المفروض فان قلت ان مسئلة الاحتياط ايضا من المسائل الخلافية التى يجب فيها التقليد او الاجتهاد فعلمه بجواز الاجتهاد فى مسئلة الاحتياط موقوف على علمه بحجية اجتهاده فى حقه و علمه بحجية اجتهاده فى حقه موقوف على علمه بجواز الاجتهاد فى مسئلة الاحتياط كما هو قضية الاستدلال المزبور فعاد الدور المذكور

13

قلت اوّلا ان جواز الاحتياط قطعيّ فلا يجب فيها شي‏ء من الاجتهاد و التقليد اذا؟؟؟ خارجة عن الفقه و ثانيا بأنه يمكن له الاحتياط ايضا فى خصوص مسئلة الاحتياط و هو مراعات التوافق بين فتوى المجتهد المطلق و بين اجتهاده فى مسئلة الاحتياط و ليس هذا مستلزما لتوقف الشى‏ء على نفسه بعد ملاحظة تغايرهما سيما بعد ملاحظة كون جواز الاحتياط فى مسئلة الاحتياط خارجا عن محل النزاع المتحقق فى جواز الاحتياط و عدمه كما انه ليس ذلك مستلزما للتسلسل و هذا ظاهر و ثالثا بالتزام جواز التسامح فى دليل الاحتياط بملاحظة القاعدة المقررة الجارية فى كثير من المقامات و هو جواز التسامح فى ادلة السنن فانها جارية فى هذا المقام بعد ملاحظة كون الاحتياط مستحبا شرعيا فيجوز للمتجزى الرجوع فى مسئلة الاحتياط الى القاعدة المذكورة و لا محذور و قد يورد بوجوه الاول ان الاحتياط واجب فى هذا المقام بحسب ظاهر الشريعة بعد ملاحظة كون المتجزى متحيرا فى تشخيص الاحكام الشرعية و قد تقرر انه لا يجوز التسامح فى مسئلة الاحتياط الواجب كما هو الحال بالنسبة الى سائر التكاليف الوجوبية و الثانى انا لا نسلم جواز التسامح فى ادلة الطرق و انما القدر المسلم منه هو جواز التسامح فى ادلة الفروع و فيه نظر و الثالث انه لا ريب فى ان الفروع الفقهية مشتملة على واجبات و محرمات و عقود و احكام و لا ريب فى عدم جريان قاعدة التسامح في شي‏ء من ذلك الا فى العبادات و الرابع ان جواز الاحتياط فى امثال هذه المقامات و عدمه مبنى على عدم اعتبارية نيّة لوجه و اعتباره و هو من المسائل التى يجب على المكلف معرفتها بالاجتهاد او التقليد فلا مسرح لقاعدة التسامح فى مسئلة الاحتياط و الخامس ما ذكره بعضهم و هو ان شيئا من الاجتهاد و التقليد واجب عينى على المكلف فلا يجوز له‏

14

فى التّجزّى‏ ترك الاجتهاد و التقليد جميعا و التمسك بالقاعدة المزبورة و فيه نظر فان قلت انّ ما ذكر من اندفاع الدّور المفروض بالاحتياط غير مطرد اذ ربما لا يتمكن المتجزى من شي‏ء من الاقسام الثلاثة التى ذكر للاحتياط فعاد الدور المذكور بالنسبة الى صورة تعدّد الاحتياط قلت ان الواجب عليه ح هو العمل بمقتضى الظن المطلق المتعلق بالواقع او الظن المتعلق بالطريق مطلقا او بشرط افادته الظن على حسب الاختلاف الواقع بينهم فى مسئلة حجية الظن فان قلنا بان التكليف بعد انسداد سبيل العلم بالواقع هو البناء على مقتضى الظن به فلا بد من القول بوجوب الاجتهاد عليه فى ذلك مقدمة لتحصيل الظن بالاحكام الواقعية و ان قلنا بان الواجب على المكلف بعد الانسداد تحصيل الظن بالبراءة الفعلية او تحصيل الظن بالطرق المقررة او المجعولة من قبل الشارع فلا بد ايضا من القول بلزوم الاجتهاد عليه فى ذلك لحال لان عمل المتجزى بالطرق المعتبرة مما يحصل معه الظن بالبراءة الفعلية الشرعية و حجيتها فى حق المتجزى ايضا مظنونة فى النظر

و منها الاستصحاب‏

و تقريره ان هذا المتجزى قبل حصول الظن له بالحكم الشرعى وظيفته التقليد فالاصل هو البقاء و عدم حصول ما يزيله فلا يجوز له و لا لغيره العمل بظنه‏

[الاعتراض على الاستصحاب بوجوه‏]

و قد يعترض عليه بوجوه‏

الاول ان هذا الاستصحاب معارض باستصحاب وجوب العمل بظنه‏

اذا كان فى السابق مجتهدا او زال عنه ملكة الاطلاق و بقيت متجزية اما بتقصير نفس المجتهد عن الممارسة او بقصور او غير ذلك مما يوجبه سواء كان كونه مجتهدا مط فى السابق مسبوقا بكونه متجزيا ايضا او لا بل كان من اول الامر مجتهدا مطلقا فانه لا اشكال بل لا خلاف ظاهرا بين المجتهدين فى انه كان يجب عليه و على مقلده العمل بما ادى اليه نظره و كان ذلك يقينا و بعد صيرورته متجزيا يشك فى زوال وجوب‏

15

العمل و عدمه فيستصحب بقاؤه و السر فى وقوع التعارض بين الاستصحابين المزبورين هو عدم القول بالفصل بين المقامين المزبورين لان كل من قال بوجوب التقليد على المتجزى فى غير ما اذا كان مجتهدا مطلقا ثم زال قوته قال بوجوبه عليه اذا لم يكن كذلك من اول الامر بل كان عاميا و كل من قال بوجوب الاجتهاد عليه اذا لم يكن مجتهدا مطلقا من اول الامر قال بوجوب الاجتهاد عليه اذا كان مجتهدا مطلقا ثم زال قوته و لما كان هدان الاجماعان المركبان من المستدل و المعترض متعارضين فلا بد فى المسألة من الرجوع الى المرجح فيظن ترجيح ما كان منه معه الشهرة من الدعويين اعنى جواز العمل بمقتضى اجتهاده مطلقا و قد يورد عليه اولا بالمنع من ثبوت الاجماع المركب فى هذا المقام و ثانيا سلّمنا تحقق الاجماع المركب على الوجه المزبور و الاكتفاء فيه بنقل الثقة بناء على كونه بمنزلة الاجماع المنقول بخبر الواحد لكنا نلتزم بامكان التفكيك بين اللوازم و الملزومات فى الاصول العملية كما هو الحال بالنسبة الى سائر المقامات اذ الاصل العملى غير مثبت لجميع اللوازم و الملزومات الغير الشرعية فمجرد حصول العلم الاجمالى المفروض لا يقضى بتحقق المعارضة بين الاصلين المزبورين و الحاصل ان الاجماع المركب المذكور على فرض تسليم تحققه انما يقضى بثبوت الملازمة بين المسألتين المزبورتين بحسب الواقع و لا يقضى بتحقق الملازمة بينهما فى جميع الاحكام الظاهرية إلّا ان يقال بان مقتضى الاستصحاب هو ثبوت جميع الملزومات العادية فى زمان الشك بناء على كونه من الكواشف التعبدية فيجرى عليه جميع الآثار الواقعية الشرعية و العقلية و العادية فيقع المعارضة بينهما و يورد عليه بانه مترتب على حجية الاصل المثبت و هى ممنوعة و ثالثا بان الالتزام بالرجوع الى المرجح‏

16

فى التّجزى‏ عند تعارض الاصلين غير مستقيم اذ لا دليل على ذلك و مجرد الاحتمال غير كاف فى هذا المقام فيحكم بتساقطهما و الرجوع الى الظن بالبراءة الفعلية او الى الظن بالطريق المقرر او الى الظن بالواقع فان قلت ان العلم الاجمالى حاصل فى هذا المقام بحجية احد الاصلين المزبورين و هو مردد فى الظاهر بين الراجح و المرجوح و المرجوح من حيث كونه مرجوحا ليس معينا فيكون الامر دائرا فى المقام فى الطريق بين التعيين و التخيير فمقتضى الاصل هو البناء على الاول قلت اولا نمنع من وجوب التمسك باحدهما بعد ملاحظة كونه مرددا بين الامرين و مشتبها بعين الحجة و ثانيا بانه كما يجب على المكلف العمل بالحجة كذا يحرم عليه العمل بعين الحجة فيكون الامر فى المقام دائرا بين الوجوب و الحرمة و ثالثا بالمنع من ثبوت حجية احدهما فى المقام اذ يعتبر فى حجية الاستصحاب انتفاء المعارض و هو متحقق فى هذا المقام فينتفى عند تحققه فان قلت ان مقتضى الادلّة هو حجية جميع اقسام الاستصحاب من غير فرق بين صورة تحقق المعارضة بينها و عدمه و مقتضاها وجوب العمل بكل منهما و لما كان التمسك بهما جميعا ممتنعا فلا بد ح من البناء على مقتضى الاهمّ و الاقوى كما هو الحال بالنسبة الى سائر الحقوق المتزاحمة قلت ما ذكر انما يستقيم فى الواجبات النفسية فلا مسرح لهذه القاعدة فى الطرق التى يكون المقصود الوصول الى الواقع اذ العلم الاجمالى بمخالفة احدهما للواقع مانع من التمسك باحدهما لعدم التميز نعم لو ثبت وجود المصلحة فى نفس الطريق و لو مع مخالفته للواقع كان ذلك متجها و هو فى محل المنع فان قلت ان الكلام المذكور بعينه جار فى سائر الادلة المتعارضة و مقتضاه عدم امكان الرجوع فيها الى المرجح مع انا نرى جريان الطريقة المألوفة فى جميع الطرق المقررة لمعرفة الاحكام كخبر الواحد و الطرق المقررة لمعرفة الموضوعات على الرجوع فى مقام‏

17

التعارض الى المرجح قلت اولا انا نمنع من جواز الرجوع الى المرجح عند التعارض فى جميع المقامات و انما القدر المتيقن منه هو الرجوع الى المرجحات المنصوصة فى خصوص الاخبار المتعارضة حسب ما يقتضيه النصوص و الاجماع فت و ثانيا بان الرجوع الى المرجح فى مقام التعارض انما يستقيم فيما اذا كان الدليل القاضى بحجية احد المتعارضين مغايرا مع الدليل الدال على حجية الآخر فيمكن ان يقال ح بمعارضة بين دليل احدهما مع دليل الآخر فيرجع فيها الى المرجح و مع انتفائه فالمرجع فيهما الى اصالة التخيير العقلية او الشرعية او يحكم ح بتساقطهما و الرجوع الى الاصول العملية الاولية كقاعدة الاشتغال و نحوها على حسب ما استقرت عليه طريقة اصحابنا اما لو كانا مندرجين فى عنوان دليل واحد كالاستصحاب فلا نسلّم جواز الرجوع فيه عند التعارض الى المرجّح لعدم قيام دليل عليه فيحكم بتساقطهما و الرجوع الى الاصل و القاعدة الاوليين‏

الثانى انه لا يشترط فى الاستصحاب بقاء الموضوع و هو مشكوك‏

اذ وجوب التقليد عليه ليس بنفسه بل لاندراجه تحت عنوان العامى المشكوك بقاؤه بعد وصوله الى مرتبة التجزى إلّا ان يقال بان الموضوع فى هذا المقام ليس هو العامى بل هو عبارة عن المكلف الغير البالغ رتبة الاجتهاد فمع حصول الاجتهاد الشك فى اجتهاده يتمسك فى عدمه بالاستصحاب لان الاصل عدم المانع او يقال بان الموضوع فى المقام و ان كان هو العامى إلّا انّه يمكن الحكم ببقائه بمقتضى الاستصحاب الموضوعى فيتفرع عليه جريان الاستصحاب الحكم او يقال بالمنع من اشتراط بقاء الموضوع فى حجية الاستصحاب و لو سلم فانما يعتبر فيه عدم العلم بتغيره اما مجرد الاحتمال فليس قادحا فيها

الثالث ان الاستصحاب المزبور معارض مع العمومات الناهية عن التقليد

و هو اصل عملى فلا يصلح للمعارضة معها سلمنا

18

وقوع المعارضة بينهما لكنه يقتضى الرجوع الى المرجح و هو فى جانب الادلة القاضية بحرمة التقليد فلا مسرح للاستصحاب المزبور فى هذا المقام سيّما بناء على القول باشتراط الظن فى حجية الاستصحاب و فيه نظر لان الاستصحاب المزبور على تقدير تسليم جريانه فى محل البحث يقضى بكون المتجزى مندرجا فى عنوان العامى فيجرى عليه جميع الاحكام المتعلقة على العامى و منها وجوب التقليد عليه و لذا ذكروا ان الاستصحاب المخصص مقدم على العمومات الاجتهادية نعم يجرى الاشكال المزبور بالنسبة الى الاستصحاب الحكمى الذى تمسكوا به فى هذا المقام و هو استصحاب وجوب التقليد عليه لان مقتضى هذا الاستصحاب هو بقاء الحكم الذى هو وجوب التقليد و مقتضى العمومات المزبورة هو الحرمة فيقع المعارضة بينهما إلّا ان يقال بان الاستصحاب المزبور اخص منها بحسب المورد فيجب حمل الاعم على الاخص و فيه ان المعارضة انّما تحققت فى هذا المقام بين الدليل القاضى بحجية الاستصحاب و بين العمومات المزبورة و التعارض بينهما عموم من وجه فتامل‏

الرابع انه معارض مع العمومات الناهية عن العمل بغير العلم‏

اذ لا ريب فى عدم صيرورة المتجزى عالما بمجرد التقليد فكلما دل على حرمة العمل بغير العلم و وجوب تحصيل العلم قاضية بارتفاع الاستصحاب المزبور و عدم جريانه فى هذا المقام فيجب عليه الاجتهاد و يورد عليه تارة بانه ان اريد من ذلك ان المقلد ليس عالما بالاحكام الواقعية فهو مسلّم لكن لا نجد تفرقة بينه و بين المجتهد من هذه الحيثية اذ المجتهد ايضا ليس عالما بالاحكام الواقعية و ان اريد من ذلك عدم كونه عالما بالاحكام الظاهرية فهو مدفوع بما ذكرناه فى المقدمة الثانية و اخرى بان ما دل على حرمة العمل بغير العلم و وجوب تحصيل العلم مخصّص بما دل على جواز التقليد للعامى فاذا ثبت‏

19

جواز التقليد بالنسبة الى العامى يجب الحكم ببقائه و ثبوته بالنسبة الى المتجزى كما هو قضية الاستصحاب الحكمى و الموضوعى و هذا من قبيل استصحاب المخصص الذى لا ريب فى لزوم تقديمه على العمومات الاجتهادية بل يمكن ان يقال بان ما دل على حرمة العمل بغير العلم انما يقضى بحرمة ذلك من حيث كونه عملا بغير العلم و هو مسلّم و نحن انما تقول بجواز التقليد للمتجزى من حيث قيام امارة شرعية على جوازه و هى الاستصحاب فلا معارضة بينهما و الحاصل ان ما دل على حجية الطرق الظنية الشرعية حاكمة على العمومات الناهية عن العمل بغير العلم لان ما دل على اعتبار تلك الطرق قاض بكونه نازلة منزلة الواقع فيجرى عليها جميع الآثار المترتبة على العلم الواقعى فان قلت ان التعارض بين ما دل على حجية الطرق كالاستصحاب و نحوه و بين ما دل على حرمة العمل بغير العلم عموم من وجه اذ تلك الطرق ربما تفيد القطع بالواقع فيتساقطان قلت اولا ان حمل الادلة القاضية بحجية الطرق المقررة على خصوص صورة كونها مفيدة للعلم بالواقع فى غاية البعد بل هو مخالف لمقتضى المحاورات العرفية لانه من قبيل حمل المطلق على الفرد النادر بل هو مخالف للاجماع كما لا يخفى بعد ملاحظة كلماتهم و ثانيا بان تخصيص النّواهى المزبورة بالادلة القاضية بحجية الطرق اولى من العكس لان ارتكاب التّخصيص القليل اولى من ارتكاب التخصيص الكثير و ثالثا سلمنا التعارض لكنه يقتضى الرجوع الى المرجح و هو فى جانب الادلة الدالة على حجية الطرق المقررة

الخامس ان الاستصحاب المزبور من قبيل الشك فى اقتضاء المقتضى‏

لان مقتضى لثبوت جواز التقليد للعامى اعنى الدليل القاضى بذلك مردد فى هذا المقام بين الاقل و الاكثر فشموله للمتجزى مشكوك فيه فيقتصر فيه على الاقل و يرجع فى الزائد الى استصحاب‏

20

فى التّجزى‏ العدم الاولى و الى اصالة العدم المعتبرة فى امثال هذه المقامات و السّر فى ذلك ان الموضوع متعدد فى هذا المقام فلا يثبت الموضوع الثانى بالموضوع الاول و لا دلالة فى ادلة الاستصحاب على ثبوت ذلك و قد يجاب عنه بان الموضوع الذى هو العامى ايضا مما لا يمكن اثباته بالاستصحاب فيجرى عليه آثاره بل يمكن ان يقال بان الوصف المزبور غير معتبر فى موضوع المستصحب المزبور لان الموضوع الذى ثبت عليه حكم التقليد هو الجاهل فليسا من قبيل الموضوعين المتعددين حتى يكون ذلك من قبيل الشك فى المقتضى فت‏

السّادس ان مقتضى الاستصحاب المزبور هو عدم حجية ظن المتجزى فى حقه و مقتضى الادلة القاضية بحجية الطرق الخاصة هو حجية ظنه فى حقه‏

بناء على شمولها بالنسبة الى المتجزى فلا مسرح لاستصحاب المزبور فى هذا المقام لانه اصل عملى لا يعارض الدليل الاجتهادى اما لان الدليل الاجتهادى حاكم عليه او لانه وارد عليه او لانه مخصّص له‏

السّابع ان التمسك بالاستصحاب فى هذا المقام انما يجوز مع عدم قيام دليل اجتهادى على حجية ظن المتجزى فى حقه‏

و وجوب العمل عليه و الدليل متحقق فى المقام كما سيأتي بيانه انش تعالى‏

الثامن ما ذكره بعض الافاضل و هو ان العمدة فى ادلة وجوب التقليد هو الاجماع و العقل و لا مجرى فيهما للاستصحاب‏

اما الاجماع فلكونه لبيّا فيرجع فيه الى الاخذ بالمتيقن الذى هو العامى المشكوك وجوده فى المتجزى ايضا فيكون كالاول مع انه لو قيل بشمول الاجماع له لا معنى للاستصحاب ايضا كما هو ظاهر و اما العقل فلان العقل مما لا يعقل فى موضوعه الاجمال و الاهمال حتى يحتاج الى اعمال الاصل فحكم العقل بوجوب التقليد انما هو لانسداد باب العلم و بقاء

21

التكليف و قبح التكليف بما لا يطاق و كون التقليد فى حق العامى اقرب من غيره الى الواقع فيتعين بحكم العقل العمل بظنه و القول بان التقليد اقرب من غيره الى الواقع فيتعين بحكم العقل فى حقه كون التقليد اقرب فى حق المتجزى من ظنه الحاصل بعد بذل جهده و استفراغ وسعه غير معلوم لو لم نقل بعكسه انتهى و فيه نظر اذ الادلة القاضية بجواز التقليد غير منحصرة فى الاجماع و العقل بل الاطلاقات الواردة كافية فى هذا المقام إلّا ان يقال بانه بعد ملاحظة وجود الاطلاقات المزبورة التى هى من الادلة الاجتهادية لا مسرح للاستصحاب المزبور فى هذا المقام بعد ملاحظة ارتفاع موضوع الشك الماخوذ فى الاستصحاب بمجرد قيام الادلة المزبورة القاضية بجواز التقليد

التاسع ان جواز احتجاج المتجزى بالاصل المزبور اول الكلام‏

اذ لا فرق بين اجرائه الاستصحاب فى المقام او فى المسائل الفقهية مما يجرى فيه ذلك فلا يصح استناده الى ذلك الا بعد اثبات كونه حجة فى شانه و معه يتم المدعى و لا حاجة الى الاستناد بالاستصحاب‏

و منها عموم الادلة القاضية بجواز التقليد و رجوع الجاهل الى العالم‏

من بناء العقلاء و جملة من الاطلاقات كما سيأتي بيانها انش تعالى فى مبحث التقليد فان جملة من هذه الاطلاقات شاملة بالنسبة الى المتجزى ايضا كقوله (عليه السلام) عليك بزكريّا ابن آدم و قوله عليه السّلم لبعض اصحابه اجلس فى هذا المجلس و افت الناس و نحو ذلك و حملها على خصوص العامى البحث تخصيص من غير مخصص و تقييد من غير مقيد لا بد من الحكم بالتعميم المذكور و هو جواز التقليد للمتجزى ايضا

[الايراد على هذا الوجه بوجوه‏]

و قد يورد عليه بوجوه‏

الاول ان المتجزى بعد استفراغ وسعه فى الادلة و تحصيل الظن المعتبر ايضا عالم بالاحكام الشرعية

فما دل على وجوب‏

22

فى التجزّى‏ رجوع الجاهل الى العالم غير شامل بالنسبة اليه إلّا ان يقال بان المفروض كونه جاهلا بحجية ظنه فليس عالما بالاحكام الظاهرية فتامل‏

الثانى ان الادلة المزبورة كما تدل على جواز التقليد كذا تدل على حجية الطرق المقررة بالنسبة الى من يقتدر على استنباط لحكم الشرعى منها

فتدل ح على جواز تعويل المتجزى على الطرق المقررة و لا نعني بالاجتهاد الا هذا

الثالث عدم ظهور و شمول ما دل على وجوب التقليد لمثله‏

لعدم شمول الاجماع للمقام نظرا الى شياع الخلاف فيه بل ذهاب الاكثر الى خلافه و اما غير ذلك من الادلة الدالة عليه لو قلنا بشمولها لذلك فهى ايضا ظواهر لا تفيد القطع و قد يذبّ عنه بان وقوع الخلاف فى المقام انما هو من جهة البناء على حجية ظنه و اما مع البناء على عدم الاعتماد به و عدم حجيته فلا ريب فى وجوب تقليده‏

و منها اصالة المنع من العمل بالظن الثابت من العقل و العمومات الناهية عن الاخذ به كتابا و سنّة خرج عنه ظن المجتهد المطلق بالاجماع فيبقى غيره تحت الاصل‏

اذ لم يقم دليل قطعى على حجية ظن المتجزى كما قام على حجية ظن المتجزى المجتهد المطلق‏

و قد يجاب عنه بوجوه‏

الاول ان العمومات الناهية عن الاخذ مقتضى الظن ارشادية

لانها ناظرة الى ما هو مركوز فى العقول من قبح التدين بالظن من حيث انه ظن فلا تعم الظنون المعتبرة عند العقلاء التى حرت طريقتهم على الاخذ بمقتضاها فى مقام الامتثال و المتجزى انما يعتمد على الظنون المعتبرة فى مباحث الالفاظ و الظن الحاصل من ظواهر الكتاب و السنة و الاجماع المنقول و غيرها و ذلك كله من الظنون العقلانية فليست مشمولة للادلة القاضية بالمنع و فيه نظر لان بعضها من النواهى التعبدية و ليس ارشاديا محضا بل يمكن ان يقال بامكان استفادة الحكم التحريمى‏

23

من النهى الارشادى و القول بامتناع اجتماعهما فى محل واحد غير مسلّم‏

الثانى ان غاية ما يستفاد من الادلة المزبورة انما هو حرمة العمل بالظن من حيث انه ظن و المتجزى انما يعتمد على الظنون المعتبرة

من حيث قيام الدليل القاطع على اعتبارها و الحاصل ان العمل بمقتضى الطرق المقررة ليس من قبيل التعويل على الظن بل انما هو تعويل على الدليل القاضى بحجيتها و هو قطعى‏

الثالث ان الادلة القاضية على حجية الطرق المقررة حاكمة على الادلة الناهية عن الاخذ بمقتضى الظن‏

بل هى مفسرة لمدلولها عرفا كما هو المنساق منها فلا معارضة بينهما سلّمنا وقوع التعارض بينهما لكن لا ريب فى ارجحية ما دل على حجيتها على النواهى المزبورة من وجوه عديدة و العمل بالراجح واجب‏

الرابع ما ذكره بعض المحققين و هو ان الاصل كما قضى بالمنع من العمل بالظن كذا قضى بالمنع من التقليد بل هو اولى بالترجيح‏

لكونه كاشفا عن الواقع على سبيل الرجحان بخلاف التقليد اذ لا يدور مدار ذلك سيما فيما اذا قضى الظن الحاصل للمتجزى بخلافه انتهى فان قلت انا نقول بوقوع التعارض بين العمومات الناهية عن التقليد و بين العمومات الناهية عن الاخذ بالظن لان العلم الاجمالى حاصل باندراج المتجزى فى احد العنوانين المزبورين اى وجوب التقليد و وجوب الاخذ بالظن و هذا العلم الاجمالى شاهد على تحقق المعارضة بينهما فى هذا العلم المقام قلت لا نسلّم ان مجرد وقوع العلم الاجمالى قاض بوقوع المعارضة بين الدليلين المزبورين سيما بعد ملاحظة عدم تحقق التنافى بين مدلوليهما عرفا اذ حرمة التقليد مما يجتمع مع حرمة العمل بالظن سيما بعد ملاحظة كون التقليد ايضا مندرجا فيما لا يعلم فى الغالب اذ حصول العلم من التقليد نادر جدا فيكون المقلد ايضا مندرجا فى العمومات الناهية عن الاخذ

24

فى التّجزّى‏ بما لا يعلم نعم يمكن ان يقال بان هذه المسألة من قبيل دوران الامر بين المحذورين فيجب على المكلف المزبور ارتكاب ما هو اقل محذورا من الآخر و لا ريب فى ان العمل بالظن اولى من التعويل على التقليد كما هو مقتضى طريقة العقلاء و فتوى المشهور سيّما بعد ملاحظة قيام الادلة الآتية على حجية ظن المتجزى و قيامه مقام العلم‏

احتج القائل بحجية ظن المتجزى بوجوه‏

الاول اطلاق ما دل على المنع من التقليد و الاخذ بقول الغير من العقل و النقل‏

غاية الامر جوازه فى شان غير القادر على الاستنباط لمكان الضرورة و قيام الاجماع عليه فيبقى غيره مندرجا تحت ادلة المنع‏

[الايراد عليه بوجوه‏]

و قد يورد عليه بوجوه‏

احدها ان العمل بالظن على خلاف الاصل ايضا خرج ظن المجتهد المطلق لقضاء الاضطرار به و قيام الاجماع عليه‏

فيبقى غيره مندرجا تحت قاعدة المنع‏

ثانيها انه ليس فيما دل على المنع من التقليد ما يشمل تقليد المجتهد بعد ملاحظة كونه حاكيا عن قول الامام (عليه السلام)

بحسب ظنه‏

ثالثها ان تلك الادلة انما تقضى بحرمة التقليد على العالم او من كان قادرا على تحصيل العلم‏

فشمولها بالنسبة الى المتجزى غير ثابت بعد ملاحظة حصول الشك فى اندراجه فى الموضوع المزبور و عدمه‏

رابعها ان ما دل على المنع من العمل بالظن يقضى بعدم الاعتداد بظنه فيندرج فى الجاهل‏

و يشمله ما دل على وجوب رجوعه الى العالم و بتقرير آخر لا ريب فى ان العمومات المزبورة معارضة مع جملة من الاخبار القاضية بجواز التقليد و ما دل على الجواز اقوى منها لاعتضادها ببناء العقلاء فانه قد استقرت طريقتهم على رجوع الجاهل الى العالم‏

خامسها ان ما دل على المنع من التقليد من النواهى الارشادية

فيكون ناظرا الى ما هو مركوز فى العقول من قبح التدين بمحض‏

25

التقليد لان ذلك هو المنساق منها عرفا بعد ملاحظة اشتمالها على ذم الكفار حيث عولوا على التقليد فى امور دينهم اذ لو لم يكن ذلك مركوزا فى عقولهم فلا يستقيم ذمهم لذلك و لا ريب فى ان حسن الرجوع الى اهل الخبرة فى كل صنعة مما استقرت عليه طريقة العقلاء فى كل مقام و التقليد فى الفروع من هذا القبيل فلا يعمه ما دل على حرمة التقليد

سادسها ان الآيات الناهية عن التقليد انما تدل على حرمة التقليد فى اصول الدين‏

لانه المنساق منها بعد ملاحظة ورودها فى ذم الكفار حيث فلدوا آباءهم فلا دلالة فيها على حرمة التقليد فى الفروع‏

سابعها ان العمومات الناهية عن التقليد على تقدير تسليم دلالتها على العموم الشامل للفروع مخصصة بقوله عليه السلم و اما من كان من العلماء الى ان قال فللعوام ان يقلدوه‏

فان هذه الرواية قاضية بانه يجوز للعامى التقليد و ح يحصل الشك فى ان المتجزى هل هو مندرج فى العامى او فى غيره و هو يستلزم الشك فى اندراجه فى كل من العمومات و المخصص فيكون الاحتجاج المزبور من قبيل التمسك بالعمومات و الاطلاقات فى الشبهات المصداقية و هو غير جائز لان اصالة عدم اندراج الفرد المشكوك فيه فى العموم معارضة مع اصالة عدم اندراجه فى الخاص فيتساقطان بعد ملاحظة تحقق العلم الاجمالى المفروض و انتفاء المرجح‏

[الايراد على الوجوه السبعة]

و لا يخفى عليك ما فى الجميع‏

[الايراد على الوجه الاول‏]

اما فى الاوّل فلان المفروض ان المتجزى ايضا انما يعتمد على الظنون الخاصة و المدارك المخصوصة التى ثبت حجيتها فى الشريعة فليس ذلك تعويلا على مطلق الظن الذى كان مقتضى الاصل عدم حجيته‏

[الايراد على الوجه الثانى‏]

و اما فى الثانى فلان المنساق مما دل على حرمة التقليد هو عدم الفرق بين تقليد المجتهد و بين غيره لان التحريم فى هذا المقام انما تعلق على موضوع التقليد فيتحقق‏

26

فى التّجزى‏ بتحققه‏

[الايراد على الوجه الثالث‏]

و اما فى الثالث فلانا لا نسلم انه مندرج فى عنوان الجاهل بعد ملاحظة ما سيأتي بيانه من ان ظنه ايضا من الظنون المنتهية الى اليقين بل لا نسلم اختصاص النواهى المزبورة بالعالم بل المنساق منها هو حرمة التقليد على العالم و الجاهل جميعا غاية الامر ثبت جواز التقليد للعامى الصرف بالاجماع فيبقى المتجزى مندرجا تحت العموم المزبور

[الايراد على الوجه الرابع‏]

و اما فى الرابع فلانا لا نسلم اندراج المتجزى فى عنوان الجاهل كما سيأتى بيانه و ما ذكر من التعارض مما لا وجه له و على تقدير تحقق التعارض فلا ريب فى ان الترجيح فى المقام فى جانب الادلة القاضية بحرمة التقليد لان الشهرة قائمة على حرمة التقليد على المتجزى و هى من اقوى المرجحات و

[الايراد على الوجه الخامس‏]

اما فى الخامس فلوجهين احدهما ان جملة من تلك النواهى و ان كانت ظاهرة فى الارشاد الّا ان هناك ادلة أخر ظاهرة فى حرمة التقليد من حيث هو فيثبت الحكم بها على سبيل العموم التعبدى فلا ينصرف الى ما هو مركوز عند العقلاء سلمنا دوران الامر فى هذا المقام بين الارشادى و التعبدى لكن لا ريب فى ان مقتضى الاصل هو الثانى لان الاصل فى الاوامر و النواهى الصادرة فى الشريعة هو وجوب اطاعتها و حرمة مخالفتها لان الادلة الاربعة قاضية بوجوب الاطاعة و حرمة المعصية و ثانيهما المنع من كون مجرد ظهورها فى الارشاد مانعا من دلالتها على الحرمة لانها ح مفيدة لامضاء الطريقة المتعارفة عند العقلاء و مجرد ذلك لا يقضى بتخصيص النواهى المزبورة بالظنون التى استقرت طريقتهم على تحريم الاخذ بها بل المنساق منها هو تعميم التحريم لها و لغيرها

[الايراد على الوجه السادس‏]

و اما فى السادس فان الادلة القاضية بحرمة التقليد ليست منحصرة فى الآيات المزبورة بل تدل عليها جملة من العمومات المروية فى الوسائل بل يمكن ان يقال ان الظاهر ان المنساق من الآيات‏

27

المزبورة هو حرمة التقليد لكونه تقليدا و اعتمادا على قول الغير و هذا شاهد على تعميم التحريم لجميع اقسام التقليد

[الايراد على الوجه السابع‏]

و اما فى السابع فلانه بعد ملاحظة قيام الدليل على حجية ظنه كان المتجزى بعد استفراغ وسعه مندرجا فى المجتهد و دعوى حصول الشك فى المقام غير مستقيمة

الثانى ان الادلة القاضية بحجية الطرق الخاصة و وجوب الرجوع الى الكتاب و السنة شامل بالنسبة الى المتجزى كما تعم المجتهد المطلق‏

لان مقتضاها هو جواز العمل بتلك الطرق فى استعلام الاحكام مطلقا اقصى الامر خرج عنها العامى الذى لا يقتدر على استنباط الاحكام منها اما لعدم كونه اهلا لذلك او لخروجه عنها بالاجماع فيبقى غيره مندرجا تحت الادلة المذكورة بل نقول بانا لو فرضنا حصول التمكن للعامى من شهادة كثير من اهل الخبرة و نحوه على كون المستفاد من الطرق الشرعية هو هذا الحكم المعين جاز له العمل بمقتضاه و الحاصل ان المستفاد من الادلة هو ان كل من يقتدر على فهم الاحكام من تلك الطرق بالقوة القدسية او بالاستعانة من اهل الخبرة او بالبينة فى وجه و علم بانتفاء المعارض لها جاز له التعويل عليها

[المناقشة فى هذا الوجه و الدفع‏]

و نوقش فيه بان اقصى ما يفيده تلك الادلة هو الظن بشمول الحكم للمتجزى و من المقرر ان الظن من حيث هو لا حجيه فيه فالعبرة فى المقام بالدليل القاطع القائم على حجية الظن و ليس الا الاجماع او الضرورة و هما لا يفيدان بازيد على حجية ظن المطلق اذ لا اجماع و لا ضرورة بالنسبة الى غيره انتهى و يدفعها انا لا نسلّم انحصار الدليل فى المقام بالاجماع و الضرورة بل نقول بان العمومات القاضية بحجية الطرق المقررة و المدارك المخصوصة كافية فى هذا المقام بعد ملاحظة شمولها بالنسبة الى المتجزى فان قلت ان العلم الاجمالى حاصل بورود المعارضات الكثيرة

28

فى التّجزى‏ على الطرق المقررة و سبيل العلم بانتفاء المعارض ينسد فى الغالب و الاكتفاء بالظن بعدم المعارض مما لم يقم على جوازه دليل بحيث يعم المتجزى و الاجماع القائم عليه مختص بالمجتهد المطلق و هذا الشك مستلزم لحصول الشك فى حجية ظن المتجزى و عدم شمول الادلة المقررة بالنسبة اليه فيندرج ح فى الجاهل فلا بدّ له من الرجوع الى العالم و مجرد حصول الظن بانتفاء المعارض لا يقضى بارتفاع العلم الاجمالى المزبور و لذا لم يقل احد بارتفاع العلم الاجمالى فى الشبهة المحصورة بمجرد حصول الظن معتبرا كان كالبينة و نحوها او لا و لذا ذهب جماعة من الفقهاء الى انه لو قامت بينة على نجاسة احد الإناءين المشتبهين وجب الاجتناب عنهما ايضا بخلاف ما لو قامت على تعيين النجس الواقعى المعلوم اجمالا فانه لا يحب ح الاجتناب عن الآخر و الحاصل ان حجية الظن بعدم المعارض فى حق المجتهد المطلق انما هو لكونه فى مقام الضرورة فلا يعم المتجزى الذى يتمكن من التقليد قلت اولا انا لا نسلم وجود العلم الاجمالى بوجود المعارض بعد تشخيص المظنونات من غيرها بالتتبع فبعد حصول الظن بانتفاء المعارض يمكن التمسك فى دفعه بالاصل المقرر عند كافة العقلاء و ثانيا بالمنع من كون المتجزى متمكنا من التقليد لعدم علمه بمشروعية التقليد و اثباته بالعمومات يتوقف على حجية اجتهاده فى حقه و لو فى هذه المسألة و لان المتجزى بعد استفراغ وسعه فى الادلة يقطع بعدم مطابقة الفتوى الصادر من المجتهد المطلق المخالف له فى الفتوى لمقتضى ظاهر الشريعة فلا يجوز له تقليده فاذا لم يتمكن من التقليد الشرعى تعين عليه الاجتهاد اذ لا واسطة بينهما و ثالثا نقول بان محل النزاع فى هذا المقام هو ان مقتضى الاجتهاد الذى يجتهده المجتهد المطلق هل هو حجية ظن المتجزى و قيامه‏

29

مقام العلم او عدمه فالمقصود ان المجتهد المطلق يريد ان يستعلم من الادلة حجية ظن المتجزى او عدمها كى يصرح بالفتوى فى هذه المسألة و هذا مما لا يمنعه العلم الاجمالى المذكور و ليس المقصود من ذلك كيفية معرفة المتجزى حجية ظنه فى حقه و رابعا بان المتجزى بعد ملاحظة دوران امره بين الاجتهاد و التقليد يتعين عليه البناء فى ذلك على ما يحصل معه الظن بالامتثال و هو انما يحصل بالاجتهاد سيما بعد ملاحظة قيام الشهرة على حرمة التقليد على المتجزى فلا عبرة بالعلم الاجمالى المفروض فى هذا المقام و خامسا بان مقتضى الادلة القاضية بحجية الطرق الخاصة و جواز التعويل عليها فى استعلام الاحكام هو عدم اعتبار العلم الاجمالى المزبور بعد ملاحظة منافاته للعمل بتلك الطرق و احتمال اختصاصها بالمجتهد المطلق تخصيص من غير مخصص كاحتمال اختصاصها بخصوص المشافهين حيث لم يعلموا اجمالا بوجود المعارض ضرورة انه مناف لكثير من الاخبار الآمرة بالرجوع الى الكتاب و السنة كخبر الثقلين و الاخبار الآمرة بالرجوع الى الثقات و الى رواياتهم و الاخبار الآمرة بكتابة الحديث و نحو ذلك و سادسا بان المتجزى ربما يحصل له القطع بانتفاء المعارض فى مسئلة خاصة و لا ريب فى ان العلم الاجمالى المزبور لا يقضى بعدم حجية ظنه فى هذه المسألة و مقتضى الادلة القاضية بحجية الطرق المقررة هو حجية ظنه فاذا ثبت حجيته فى هذا المقام ثبت فى غيره بالاجماع المركب‏

الثالث جريان الطريقة فى اعصار الائمة عليهم السّلم و ما قاربها بالرجوع الى الروايات الواردة عن الائمة عليهم السّلم‏

و معلوم عدم اطلاع الجميع على جميع روايات الباب فضلا عن غيرها مع انهم كانوا باقين على الاخذ بها فكان اجماعا منهم كاشفا عن تقرير الائمة عليهم السلم لقيام العلم‏

30

فى التّجزى‏ العادى على اطلاعهم على ذلك‏

[الايراد عليه‏]

و قد يورد عليه اولا بان مقتضى ذلك هو جواز الاخذ بها من غير ان يجب الفحص عما يعارضها و ثانيا بظهور الفرق بين اعصار الائمة عليهم السلم و ما قاربها و هذه الاعصار اذ لا اشكال فى انه كان يحصل للمكلفين الموجودين فى ازمنتهم الظن الاطمينانى بل العلم العادى غالبا بصحة الاخبار المروية من طرق الثقات بخلاف هذه الاعصار فان غاية ما يحصل من الاخبار الموجودة فى ايدينا هو الظن بل ربما لا تفيد الظن اصلا و بتقرير آخر لا ريب فى ان الامام عليه السّلم بالنسبة الى عصره كالمجتهد بالنسبة الى عوامنا فكما انه ياخذ العامى بقول المجتهد عند سماعه منه من غير حاجة الى تحصيله لملكة الاجتهاد فكذا الحال بالنسبة الى كثير من الموجودين فى تلك الاعصار فى جملة من الاحكام و ليس ذلك من التجزى فى الاجتهاد فى شي‏ء و ثالثا بان القدر المتيقن من السيرة المزبورة هو حجية الطرق بالنسبة الى من لا يعلم بوجود ما يعارضها اجمالا لان العلم الاجمالى حادث فى امثال زماننا فلا يثبت هذا الموضوع بالسيرة المتحققة فى ذلك الزمان اذ يشترط فى السيرة عدم اختلاف الموضوع المتحقق فى زماننا مع الموضوع المتحقق فى ازمنة الحضور و رابعا بانه يعتبر فى حصول الكشف عن السيرة العلم بعدم ورود الردع عن المعصوم عليه السّلم اما مع احتمال وروده كما فى المقام فلا يحصل منه العلم بتقرير الامام عليه السلم و التمسك باصالة عدم الردع فى المقام غير سديد اذ لم يقم دليل على اعتبار الاصل المزبور سيما بعد ملاحظة عدم احراز المقتضى فى هذا المقام مضافا الى ان الاصل المزبور مما لا يثبت به تحقق التقرير عن المعصوم عليه السلم لانه اصل مثبت و خامسا بان السيرة المزبورة كما قامت على العمل بالطرق المقررة كذلك قائمة على جواز التقليد للمتجزى فيما لم يستفرغ‏

31

وسعه فى ادلته اذ القدرة على استعلام الاحكام من الادلة قد كانت حاصلة للمشافهين و الموجودين فى اعصار المعصومين عليهم السلم و مع ذلك كانوا يعتمدون على الفتاوى الصادرة عن الثقات كما يكشف عنه الاخبار الدالة على جواز الافتاء و العمل بمقتضى الفتاوى و ضعف الكل واضح‏

الرابع مشهورة ابى خديجة المروية فى الفقيه و غيره‏

و فيها انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه و ورود الرواية فى القضاء لا يمنع من دلالتها على المدعى للاتفاق على عدم الفرق بين القضاء و الافتاء كما نص على تحققه جماعة من المحققين بل صرح جمع منهم بان ثبوت الحكم المزبور فى القضاء يقضى بثبوته فى الافتاء بطريق اولى‏

و قد يورد على الاستدلال بالرواية المزبورة بوجوه‏

منها انه لا دلالة فى الرواية فى حجية ظن المتجزى و المذكور فيها خصوص العلم‏

و ارادة خصوص الظن من لفظ العلم مجاز لا يصار اليه الا بقرينة صارفة و هى مفقودة فى هذا المقام و مجرد وقوعه فى الشرعيات لا يقضى بثبوت الحمل المذكور فى المقام و ارادة معنى الاعم من العلم و الظن من اللفظ المزبور مستلزم لاستعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى و المجازى و هو بعيد جدا

و يجاب عنه من وجوه‏

الاول ان استعمال لفظ العلم فيما يعم الظن المعتبر شائع فى الكتاب و السنة كما لا يخفى‏

على المتتبع فيهما فينصرف اليه عند الاطلاق لان الشيوع المزبور قرينة على ذلك من باب عموم المجاز او من باب الحقيقة فيكون لفظ العلم فى هذا المقام مستعملا فى العلم الشرعى فيعمهما جميعا و السّر فى ذلك ان لفظ العلم حقيقة فى الاعتقاد الجازم و هو اعم من ان يعلم بمطابقته لمقتضى الواقع او للظاهر اذ

32

فى التّجزى‏ الاحكام الظاهرية ايضا مما لا يعلم بثبوتها فى الشريعة واقعا على سبيل الترتب و البدلية او على سبيل العذر الواقعى و هذا مطابق لما نحن فيه‏

الثانى سلمنا اختصاصه بالاعتقاد الجازم المطابق للواقعى الاولى لكن نقول بانه متى ثبت جواز تقليد المتجزى فى خصوص الامور المعلومة يثبت فى غيره بالاجماع المركب‏

الثالث انه متى ثبت جواز تقليده فى الامور المعلومة فيجب القول بجوازه فى الامور المستندة الى الظنون الخاصة

كما هو قضية الادلة القاضية بحجيتها و قيامها مقام العلم فان مقتضاها هو الحكم بترتب جميع الآثار الواقعية عليها

و منها ان الرواية المزبورة ضعيفة سندا و مجرد دعوى اشتهارها لا يقضى بصحتها

و حصول الوثوق بصحة مضمونها سيما بعد ملاحظة قيام الشهرة العظيمة على عدم جواز تقليد المتجزى‏

و منها ان هذه الرواية معارضة للإجماع المنقول‏

فى كلام بعض الفحول القاضى بعدم جواز تقليد المتجزى‏

و منها ان غاية ما يستفاد من الرواية المزبورة الظن بحجية ظن المتجزى‏

و هذه المسألة من المسائل الاصولية التى لا يعتمد على الظن فيها و هذا الوجه بظاهره فى غاية الوهن اذ الحجية من الاحكام الشرعية التى يمكن الرجوع فيها الى المدارك المعتبرة

و منها ان غاية ما يستفاد من الخبر المذكور هو نفوذ قضاء المتجزى‏

و لا دلالة فيها على جواز اعتماده على ظنه و فيه اولا بان الرواية قاضية بجواز البناء على ظنه فى مقام القضاء و ثبوته فى مقام القضاء يقضى بثبوته فى سائر المقامات بالاجماع المركب و تنقيح المناط بل الاولوية و ثانيا بان نفوذ قضائه مستلزم لنفوذ افتائه للاجماع المنقول على عدم القول بالفصل بينهما و لما قيل من ان ثبوته فى القضاء يقضى بثبوته فى الافتاء بالطريق الاولى و ثبوت جواز افتائه يقضى بثبوت جواز عمله بظنه كما هو

33

قضية الاجماع المركب‏

و منها ان التمسك بهذه الرواية فى اثبات حجية ظن المتجزى و قيامه مقام العلم يستلزم الدور

لان كون المتجزى عالما بشي‏ء من القضايا يتوقف على حجية ظنه فى حقه و الاستدلال على حجية ظن المتجزى يتوقف على ثبوت كونه عالما بشي‏ء من القضايا فهذا دور ظاهر

و منها ان الرواية المزبورة معارضة مع ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة

المروية عن الصادق عليه السلم انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فانى قد جعلته عليكم حاكما فان الجمع المضاف حقيقة فى العموم فان لم يكن يراد به الاستغراق الحقيقى فلا اقل من حمله على العرفى بان يعرف جملة وافية من الاحكام بحيث يعد مع علمه بها عارفا بالاحكام و يورد عليه اولا بان الرواية المتقدمة نص فى المطلوب و هذه الرواية ظاهرة فى المنع فيحمل الظاهر على النص و مجرد اعتضاد هذه الرواية بالشهرة لا يقضى بتقديمها عليها اما لان النص قرينة على عدم ارادة الظاهر من الخبر المعارض له و اما لان المرجحات الداخلية اقوى من المرجحات الخارجية مطلقا و ثانيا بانه لا دلالة فى هذه الرواية على الحصر لان مفهوم اللقب ليس بحجة سيما مع عدم ثبوت وروده فى حيز البيان إلّا ان يتمسك فى هذا المقام بمفهوم التحديد بان يقال ان المنساق من هذه الرواية هو اعتبار جميع هذه الامور المذكورة فيها فى المفتى بحيث لا يصحّ تقليده الا مع اجتماع هذه الشرائط فيه فتفيد الحصر و ثالثا سلمنا ظهوره فى الحصر لكن لم لا يمكن حمل قوله عليه السلم و عرف احكامنا على كونه شرطا فى كمال المفتى لا شرطا فى جواز تقليده و ضعفه ظاهر بعد ملاحظة مخالفته للظاهر و رابعا لم لا يمكن حمله على كون تقليده العالم المنصف فهذه الامور من قبيل احد افراد الواجب‏

34

فى التّجزى‏ التخييرى و فيه انه ايضا مخالف للظاهر و خامسا بانه يمكن حمل قوله عليه السلم و عرف احكامنا على الجنس فيعم المتجزى و سادسا بان ظاهر قوله عليه السّلم و عرف احكامنا هو اشتراط المعرفة الفعلية بجميع الاحكام و مقتضاه خروج المجتهد المطلق الذى لم يعرف جميع الاحكام فعلا عن العنوان المزبور و هو مخالف للاجماع و فيه ان العام المخصص حجة فى الباقى و سابعا بان هذه الرواية واردة فى خصوص القضاء فلا يعم الافتاء و الاجماع المركب غير متحقق فى ذلك بخلاف الرواية المتقدمة فان قضية الاجماع المركب قاضيته بالتعميم فى ذلك المقام فلا مانع ح من جواز التمسك بها فى اثبات حجية الظن المتجزى فى حقه و فيه ان اثبات جواز افتائه بها متفرع على دلالته على جواز قضائه فينتفى بانتفائه‏

و منها ما ذكره بعض المحققين من ان غاية ما يستفاد من اطلاق هذا الخبر و نحوه على فرض دلالتها الظن بجريان الحكم فى المتجزى‏

و من المقرر عدم جواز الاستناد الى الظن من حيث هو فلا يصح اعتماد المتجزى عليها نعم لو قام دليل على حجية الظن الحاصل من الاخبار مطلقا تم الاستدلال إلّا انه محل المنع لعدم قيام الاجماع عليه كيف و لو سلم ذلك لكان بنفسه حجة مستقلة على جواز التجزى من غير حاجة الى ضمها الى ذلك و يمكن دفعه بان الادلة القاضية على حجية الطرق المعتبرة و المدارك المخصوصة ليست منحصرة فى الاجماع و الضرورة بل العمومات القاضية بذلك كافية فى اثبات المطلوب‏

الخامس مكاتبة إسحاق بن يعقوب الى الحجة عليه السّلم و فيها و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتى عليكم و انا حجة اللّه‏

فان ظاهر اطلاقها يعم القضاء و الافتاء و يعم ما لو كانوا قادرين على استنباط جميع الاحكام اولا و قد يورد على الاستدلال بها اولا بما ذكره بعض المحققين من ان امره عليه السلم بالرجوع اليهم فى الحوادث الواقعة

35

شاهد على كون المرجوع اليهم عالمين او قادرين على استنباط الجميع اذ لا يمكن ارجاعهم الى غير القادر على الاستنباط و لا يكون ذلك فى شان المتجزى و يورد عليه بانه يمكن حمله على الجنس بان يقال بان ذلك من قبيل مقابلة الجمع بالجمع فيكون المراد منها هو رجوع جنس الحوادث الواقعة الى الرواة فيعم المتجزى نعم يعتبر فى دخوله فى عنوان الرواية المزبورة كونه بحيث يصدق عليه الراوى عرفا و هو يتوقف على الممارسة المعتد بها و ثانيا بانها انما تقضى بجواز تقليد المتجزى و لا دلالة فيها على حجية ظنه فى حقه و فيه انه اذا ثبت جواز التقليد ثبت ذلك بالطريق الاولى و بالاجماع المركب مضافا الى انه يستفاد من الاخبار ان المناط فى جواز عمله بظنه هو كونه مندرجا فى العالم شرعا و لا ريب فى ان جواز افتائه يتوقف على كونه عالما فاذا ثبت كونه عالما ثبت حجية ظنه فى حقه و ثالثا بانه يمكن حمل الرواية المزبورة على ايجاب الرجوع الى روايات الرواة فلا دلالة فيها على المدعى و فيه ان قوله عليه السلم فارجعوا شامل للمتجزى ايضا فيكون ايضا مامورا بالرجوع الى الروايات و لا نعنى بالاجتهاد الا هذا و مقتضى ذلك هو حجية ظنه فى حقه مضافا الى ان احتمال المزبور بعيد عن ظاهر الرواية المزبورة اذ لا يناسب مع قوله عليه السلم فانهم حجتى عليكم و انا حجة اللّه‏

السادس ما فى تفسير الامام فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه‏

فان ظاهر اطلاقها يعم المتجزى فى الجملة بناء على شمول لفظ الفقيه لمن قدر على استنباط جملة وافية من الاحكام و عرفها من الادلة و ان عجز عن الباقى‏

السابع ان جواز للتقليد فى الاحكام مشروط بعدم كون المكلف مجتهدا فيها

ضرورة عدم جواز تقليد المجتهد لغيره فمرتبة الاجتهاد مقدمة على مرتبة

36

فى التّجزى‏ التقليد فيتعين عليه الرجوع الى الادلة المقررة و فيه نظر اذ لقائل ان يقول انا لا نسلم ان مرتبة الاجتهاد مقدمة على مرتبة التقليد بل نقول بانه يجب عليه التقليد ما لم يكن عالما فلا اقل من تساويهما من هذه الحيثية و يمكن توجيه الدليل المذكور بان ما دل على حجية الطرق الخاصة و قيامها مقام العلم يقضى بكون مرتبة العمل بتلك الطرق و مرتبة الاجتهاد مقدمة على مرتبة التقليد فلا تغفل‏

الثامن ان قضية حكم العقل بعد انسداد باب العلم و بقاء التكليف هو الرجوع الى الطن‏

لكونه الاقرب الى العلم فلا يجوز له التقليد

التاسع الصحاح المستفيضة منها قوله عليه السلم علينا بالقاء الاصول و عليكم بتفريع الفروع‏

وجه الدلالة ان تفريع الفروع على الاصول و القواعد لا يكون غالبا الا على سبيل الظن اذ دلالة العمومات على كل حكم من الجزئيات المندرجة فيها لا يكون غالبا الا على سبيل الظن و الظهور دون التنصيص و ايضا كثير من التفريعات مما يختلف فيه الانظار فالامر بالتفريع دليل على مشروعيته الاجتهاد و لا ريب فى ان اطلاق هذه الروايات شاملة للمتجزى ايضا و قد يورد على الاستدلال بها بالمنع من شمولها للتفريعات الظنية فلا دلالة فيها على المدعى و اجيب عنه بان قضية الامر بالتفريع اثبات ما يتفرع على الكلام من الاحكام بحسب العرف و هو اعم مما يفيد القطع بالواقع و توضيح المقام ان تفريع الاحكام على الاصول الماخوذة من اهل العصمة اما ان تكون ثابتا باثبات تلك الاحكام للجزئيات الظاهرة الاندراج او للجزئيات التى يتامل فى اندراجها تحت اىّ من تلك القواعد و يتوقف اندراجها فى خصوص بعضها على البحث و النظر او باثبات اللوازم المتفرعة على الملزومات الماخوذة عنهم عليهم السلم و ح فقد يكون اللزوم بيّنا و قد يفتقر الى البيان فقد يكون المبين له العقل او النقل‏

37

او الملفق منهما و ظاهر تلك الاخبار تعميم ذلك للجميع و ما قد يقال من ان مقتضى الرواية المزبورة هو حجية الاصول المثبتة ففيه ما لا يخفى‏

العاشر الاخبار الكثيرة الدالة على الرجوع الى المرجحات الظنية عند تعارض الاخبار الماثورة

فانها شاملة للمتجزى ايضا

الحادى عشر انه لو لم يجب على المتجزى العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو باطل‏

فتامل‏

الثانى عشر ان التكليف انما تعلق فى ازمنة المعصومين عليهم السلم بوجوب الرجوع الى الكتاب و السنة بالنسبة الى كل من يقتدر على استعلام الاحكام الشرعية منهما فيثبت ايضا فى حقنا بقاعدة الاشتراك فى التكليف‏

الثابتة بالادلة الثلاثة او الاربعة و هذا دليل على عدم اختصاص ذلك بالمطلق و بتقرير آخر نقول بان ثبوت حجية الطرق المقررة و وجوب العمل بمقتضاها بالنسبة الى المجتهد المطلق يقتضى ثبوته بالنسبة الى المتجزى بقاعدة الاشتراك فى التكليف و نوقش فيه بان التمسك بالقاعدة المزبورة يتوقف على احراز الموضوع و هو غير ثابت فى المقام و فيه نظر ظاهر و استدل للمختار فى المفاتيح بوجوه ضعيفة الاول مصير المعظم به الثانى ان اكثر الموارد التى لم يثبت فيها حجية الظن كالقبلة و الصلاة و غيرهما يكتفى فيها بمجرد الظن و لم يشترط معه شي‏ء زائد عليه فكذا الاجتهاد عملا بالاستقراء الثالث ان العمل بالظن فى مقام انسداد باب العلم من مقتضيات العقول كما لا يخفى على من لاحظ سيرة العقلاء فى محاوراتهم و معاملاتهم فيكون حجة مطلقا الرابع ان شرعية التقليد يستلزم شرعية العمل بمثل هذا الاجتهاد بالطريق الاولى فت الخامس ان تكليف المتجزى بالعمل بظنه يوجب زيادة الاهتمام بالاتيان بالتكليف و تقربه اليه و لا كذلك تكليفه بالتقليد و الوجه فى هذا ان الطباع تميل الى ما ادركتها و ما حصلتها فكان الاجتهاد هو المتعين فى الشرع‏

38

لانه مقرب الى الطاعة و مبعّد عن المعصية و كلما كان كذلك فهو من اللطف فت السادس ان المتجزى اذا ظن بوجوب فعل او حرمته فيحصل له ظن الضرر و قد ثبت ان دفع الضرر المظنون واجب عقلا و لا يخفى عليك ما فى الجميع‏

فائدة اختلفوا فى وجوب تجديد النظر على المجتهد عند تجدد الواقعة التى اجتهد فى حكمها

و جواز بقائه على مقتضى اجتهاده الاول الى ان ينساه او يتغير رايه عنه فيجوز له الافتاء باجتهاده السابق فى الوقائع المتاخرة من غير حاجة الى اجتهاد آخر ام لا على اقوال فقيل بالجواز مطلقا و قيل بعدم الجواز مطلقا و قيل بالتفصيل بين ما اذا قويت قوته فى الاستنباط و عدمه فيجب فى الاول دون الثانى‏

احتج القائلون بالجواز بوجوه‏

الاول استصحاب الحكم الثابت بالاجتهاد الاول‏

الثانى حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرة الاولى‏

نظرا الى تعلق الوجوب بالطبيعة و حصول الطبيعة بالمرة و وجوب الاتيان به مرة اخرى يحتاج الى قيام دليل عليه عدا ما دل على وجوب اصل الاجتهاد

الثالث ان القول بوجوب التجديد يستلزم الحرج الشديد المنفى فى الشريعة

نظرا الى شيوع تكرر الوقائع سيّما فيما يعم به البلوى فوجوب تكرر الاجتهاد بحسبها باعث على ما ذكر

الرابع جريان السيرة المستمرة على عدم وجوب التكرار

و لذا لو سئل مجتهد عن المسألة التى اجتهد فيها مرات عديدة لم يتوقف عن الافتاء فى غير المرة الاولى‏

الخامس وجوب تجديد النظر من الامور التى يعم بها البلية و تشتد اليها الحاجة

فعدم قيام دليل عليه دليل العدم‏

السادس اطلاق ما دل على حجية كل من الادلة الشرعية

فان قضية ما دل على ذلك هو جواز الرجوع الى كل منها و الاخذ بما يدل عليه من غير حاجة الى البحث عما يعارضه خرج عن ذلك ما اذا كان الرجوع اليه قبل البحث عن الادلة نظرا الى ما دل على وجوب استفراغ الوسع فى ملاحظة

39

الادلة فيبقى غير تلك الصور مندرجا تحت الادلة المزبورة فلا يجب الاجتهاد ثانيا و ان زادت القوة او نسي ما لاحظه من تفصيل الادلة

الايراد على جميع الوجوه المذكورة

و يمكن الايراد على الجميع‏

[الايراد على الوجه الاول فبوجوه‏]

اما على الوجه الاول فبوجوه‏

احدها انه فى الغالب يحتمل مخالفة الاجتهاد الاوّل للواقع فيكون ذلك من قبيل الشك السارى‏

بعد ملاحظة سريان الشّك المزبور فى مطابقة المتيقن فى هذا المقام للواقع و عدمه فلا عبرة بالاستصحاب المزبور اما الصغرى فظاهر و ربما يمنع من كونه من قبيل الشك السارى اذا لم يكن الشك المزبور قاضيا بحصول الاختلال فى بعض شرائط الاستدلال فان تحقق اليقين فى اول الامر و مطابقته لمقتضى الواقع مما لا شبهة فيه غاية الامر حصل الشك فى انتقاضه بمجرّد احتمال تجدد الراى فالاصل عدم انتقاضه و بقائه على ما كان نعم لو كان الشك المزبور باعثا لحصول الشك فى مطابقة الاجتهاد الاول بمقتضى الطرق الظاهرية كان ذلك من قبيل الشّك السارى و هذا مخالف لما نحن فيه بل يمكن ان يقال بان جميع فروض المسألة من قبيل الشك الطاري لان المستصحب فى المقام انما هو الحكم الظاهرى الثابت فى اول الامر بسبب الاجتهاد الاولى و الشك اللاحق ليس ساريا فيه و انما يكون ساريا اذا جعلنا المستصحب فى المقام عبارة عن المتيقن الواقعى اعنى الاجتهاد المطابق لمقتضى الطرق المقررة فى الواقع و هو مما لا نقول به فتامل و اما الكبرى فلانه خارج عن مجارى الاستصحاب موضوعا و حكما اما الاول فلان الاستصحاب هو ابقاء ما كان و من البيّن ان الحاصل اولا فى مفروض المسألة ليس إلا وصف الاعتقاد و هو مما لا يعقل ابقاؤه بعد عروض الشك اما المعتقد فهو مشكوك فيه من اصله و ابقاؤه فرع ثبوته فى الاصل و اما الثانى فلاصالة عدم الحجية بعد عدم شمول الادلة العقلية و النقلية للاستصحاب المزبور لوضوح انه لا دلالة فى‏

40

العقل على اعتباره و الاخبار بين صريحة فى غيره كقوله عليه السّلم فانه على يقين من وضوئه الخ و ظاهرة فان الظاهر من عدم نقض اليقين بالشك اليقين الحاصل حين النقض دون المتبدل بالشك اذ ليس الحاصل ح الا الشّك فليس من نقض اليقين فى شي‏ء و اما اليقين الاول فقد علم انتقاضه و زواله بعروض الشك المفروض و لتمام الكلام فى المقام محل آخر

و ثانيها ان الاستصحاب فى محل الفرض قاض بخلاف مقتضى اليقين السابق‏

فانا نقول حينئذ بالرجوع الى الحالة التى كان عليها قبل حصول اليقين المفروض فاذا فرض تعلق اليقين السابق بخلافها صح استصحاب بقائها بعد حصول الشّك فى زوالها و وجب ابقاء الامر فيه على ما كان عليه من قبل و لا يقدح فيه الاعتقاد المتوسط بين المستصحب و الاستصحاب بعد زواله و انتقاله الى الشك فلو فرض جواز الاستصحاب المذكور فهذا الاستصحاب سابق عليه فى حدّ ذاته و ينتفى به موضوع المستصحب فيه للحكم بانتفائه من اصله فلا يعقل استصحابه معه فان قلت انّ غاية ما يتخيل لاحتمال وجوب التجديد امكان اطلاعه على ما لم يطّلع عليه فى الاجتهاد السّابق و هو مع عدم قيام دليل على منعه من الحكم مدفوع بالاصل على انه لو كان مانعا من الحكم لجرى بالنسبة الى الواقعة الاولى مع انه لا يجب تكرار النظر اليها بالاتفاق قلت اوّلا انا لا نسلّم جريان الاصل المزبور فى هذا المقام بعد ملاحظة عدم اقتضائه لثبوت مطابقة الاجتهاد الاول لمقتضى الطرق الظاهريّة و انه من الاصول المثبتة مع ان جريانه موقوف على احراز المقتضى و هو غير متحقق فى هذا المقام و ثانيا بان هذا الاصل معارض مع اصالة عدم مطابقة الاجتهاد الاولى لمقتضى الطرق الظاهرية فيحكم بتساقطهما بعد ملاحظة وجود العلم الاجمالى فى المقام و انتفاء المرجح‏

و ثالثها المنع من جريان الاستصحاب المزبور فى هذا المقام‏

بعد ملاحظة تبدل الموضوع‏

41

فى المقام فان المستصحب هو ثبوت الحكم المفروض بالنسبة الى الواقعة الاولية و المشكوك هو ثبوته بالنسبة الى الواقعة الثانوية و قد تقرر ان اتحاد الموضوع معتبر فى جريان الاستصحاب لعدم قيام دليل عليه و تارة بان الموضوع فى هذا المقام هو المكلف لان الحكم المزبور انما تعلق عليه و هو مقطوع البقاء و اخرى بالتزام امكان اثبات اصل الموضوع فى هذا المقام و اشباهه بالاستصحاب فيجرى عليه آثاره و رابعا بان دعوى تبدل الموضوع فى هذا المقام انما يستقيم لو كان الشك المفروض باعثا لحصول الاختلال فى بعض شرائط الاستدلال امّا مع بقاء الدليل القاضى بثبوت الحكم فى الواقعة الاولى على الحالة الاولى اعنى الحالة المستجمعة للاجزاء و الشرائط فالموضوع فيها مقطوع البقاء و خامسا سلّمنا اشتراط القطع ببقاء الموضوع و تحقق التغيير فيه فى المقام عند التدقيق العقلى لكن نقول بان المعيار فى ذلك على العرف و هو قاض ببقاء الموضوع فى هذا المقام اذ لا عبرة بشي‏ء من التدقيقات العقليّة فى استفادة الاحكام الشرعية من الخطابات اللفظية و سادسا بالتزام ان الموضوع فى هذا المقام مقطوع البقاء حتى عند التدقيق العقلى نظرا الى انّ الموضوع الذى تعلق عليه الحكم المذكور من اول الامر هو ظن المجتهد و المفروض حصول القطع ببقائه و مجرد احتمال تجدد الراى لا يمنع من بقاء الظن المزبور فى الغالب فت

و رابعها ان ذلك من قبيل الشك فى المقتضى‏

اذ الدليل المقتضى لثبوت الحكم من اول الامر مردّد بين صلاحيته للاستمرار و عدمها و هو ليس بحجة و اجيب عنه تارة بان المقتضى لثبوت الحكم من اول الامر هو ظن المجتهد و هو من الامور المقتضية للاستمرار فيتوقف ارتفاعه الى تحقق المانع و هو منتف فى المقام و بتقرير آخر نقول بان المستصحب فى هذا المقام هو الحكم الظاهرى فيحتاج فى رفعه الى دليل فيكون ذلك من قبيل الشّك فى المانع و اخرى‏

42

فى تجديد النّظر بالتزام امكان اجراء الاستصحاب فى الموضوع الذى تعلق عليه الحكم المذكور فاذا ثبت بقاء الموضوع فى هذا المقام كان اقتضاء المقتضى المزبور للاستمرار ثابتا فتامّل و ثالثا بالتزام حجية الشك فى المقتضى و لو سلّمنا عدم حجيته فانما يسلّم فيما اذا كان مما لا يصدق عليه صدق النقض فلا ربط له بما نحن فيه فان رفع اليد عن الاجتهاد الاولى بالشك المزبور نقض لآثاره فيتعين ح الحكم ببقائه و قضاء لحق الاستصحاب‏

و خامسها ان الاستصحاب المزبور معارض مع قاعدة الاشتغال‏

و تقريره انه لا ريب فى ان التكليف بالواقعة الثانية و ما بعدها ثابت فى نفس الامر و قد تقرر فى حكم العقل ان اشتغال الذمة اليقينية يستدعى البراءة اليقينيّة و انّما يجب تحصيلها دفعا للضرر المخوف و هو يتوقف على تجديد النظر لان ما شك فى شرطيته شرط و يورد عليه بان الاستصحاب المذكور اصل شرعىّ و هو مقدم على قاعدة الاشتغال التى هى من الاصول العقليّة لان الاصل الشرعى بمنزلة البيان و لانه اخصّ من القاعدة المزبورة و لقيام الاجماع على تقديمه عليها و لان الحكم بجريان قاعدة الاشتغال فى جميع موارد الاستصحاب يستلزم القول بلغوية الاستصحاب بالنسبة الى اكثر موارده‏

و سادسها ان الاستصحاب المذكور معارض مع استصحاب الاشتغال‏

و تقريره ان المكلّف لو اتى بالواقعة الثانية او بما بعدها من الوقائع المتجددة قبل تجديد النظر يحصل له الشك فى حصول البراءة له عن التكليف الذى اشتغلت ذمته به قبل الاتيان بالفعل المزبور فيستصحب بقاؤه الى ان يتحقق العلم بالمزيل و هو لا يتحقق الّا مع الاتيان به بعد تجديد النظر و فيه نظر لان الاستصحاب المذكور على تقدير جريانه فى هذا المقام مقدم على استصحاب الاشتغال لان مقتضاه ثبوت البراءة فى المقام و لقيام الاجماع على تقديمه عليه و لان القول بتقديم استصحاب الاشتغال عليه مط يستلزم المنع من جريانه فى اكثر الموارد

43

التى نعلم يقينا بجريانه فيها بل هو مستلزم لتخصيص المورد الذى ورد فيه الاخبار الواردة فى مبحث الاستصحاب‏

و سابعها ان التكليف من اول الامر انما تعلق بالعمل بمقتضى الطرق المقررة الواقعة و المدارك المخصوصة المعتبرة فى الشريعة

فمتى علم المكلف بمطابقة فتواه لمقتضى الطرق المزبورة جاز له التعويل على مقتضاه لان اعتقاده طريق لمعرفة الواقع فاذا حصل له الشك فى مطابقة فتواه لمقتضاها لم يجز التعويل عليه و لا يسقط عنه التكليف المتعلق بالعمل بها لان سقوط التكليف المزبور يتوقف على العلم بكون العمل المزبور موافقا لها و الشك فيه يستلزم الشك فى البراءة فالاصل عدمها

و ثامنها ما ذكره جدى العلّامة ره و هو ان الاستصحاب انما يكون حجة عند عدم قيام دليل شرعىّ و لو ظاهر عموم او اطلاق على خلافه‏

و لذا لا يقاوم الاستصحاب شيئا من الظواهر و الاطلاقات و ح فنقول ان قضيّة العمومات و الاطلاقات الدّالة على حرمة العمل بالظنّ هو عدم جواز الرجوع اليه و العمل به فى شي‏ء من الاحوال و الازمان خرج عن ذلك ظن المجتهد المطلق بالنسبة الى الافتاء الحاصل عقيب الاجتهاد و اما العمل به بعد الحكم الاول فممّا لا اجماع عليه و قضيته تلك الاطلاقات هو المنع من الاخذ به و الحكم ثانيا بمقتضاه فلا يصحّ الخروج عن مقتضاه بما ذكر من الاستصحاب و يمكن دفعه بان قضيّة تلك الاطلاقات عدم حجيّة الظنّ من حيث هو مع عدم قيام دليل قاطع على جواز الرجوع اليه لوضوح انه مع قيام الدليل عليه يكون الاتكال على العلم دون الظن فاذا قضى الاستصحاب بجواز الرجوع اليه كفى فى المقام اذ لا معارضة اذا بينه و بين تلك الاطلاقات حيث انّها لم تدلّ الّا على عدم جواز الرجوع الى كل ظن لم يقم دليل على حجية فبعد قضاء الدليل بحجيّة الاستصحاب و قضاء الاستصحاب بحجية الظن المذكور لا يكون الاتكال فى المقام على الظن بل على الدليل القاطع الذى ينتهى اليه الظن المذكور انتهى كلامه‏

44

رفع مقامه و توضيح الحال ان غاية ما يمكن المناقشة فى هذا المجال هو وقوع المعارضة بين الادلة القاضية بحجيّة الاستصحاب و بين الادلة القاضية بحرمة العمل بالظن و لا ريب فى تعيّن تقديم ادلّة الاستصحاب عليها الا ما قام الاجماع العملى او القولى عليه او لارجحية ادلة الاستصحاب منها من وجوه عديدة او لان ادلّة الاستصحاب ارجح من وجوه عديدة او لان ادلة الاستصحاب اخصّ منها او لانّ تخصيص ادلة الاستصحاب بها يستلزم حمل ادلة الاستصحاب على بعض الفروض النادرة بل هو مستلزم لتخصيص مورد ادلة الاستصحاب و هو بعيد او لانّ تخصيص العمومات الناهية عن العمل بالظن بالاخبار الواردة فى الاستصحاب اولى من العكس لان ارتكاب قلة التخصيص اولى من ارتكاب كثرة التخصيص و ممّا يدل على ما ذكرناه ان الاستصحاب المزبور من قبيل استصحاب المخصص و قد تقرّر انه مقدّم على العمومات الاجتهادية مع ما قد يقال من ان المعارضة فى المقام انما تحققت بين هذا الاستصحاب الشخصى و بين العمومات المزبورة فيجب حملها عليه بل يمكن ان يقال ان الادلة القاضية بحجية الاستصحاب حاكمة على العمومات المزبورة و مفسرة لمدلولها عرفا و لا ريب فى وجوب تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم‏

و تاسعها ان الادلة القاضية بوجوب تحصيل العلم او اليقين قاضية بوجوب تجديد النظر فى هذا المقام‏

اذ مع عدمه لا يحصل العلم الشرعى بصحة العمل المزبور و جوابه ظاهر من ملاحظة ما ذكرناه و

عاشرها ان ذلك من قبيل استصحاب الجنس و الكلّى‏

و قد تقرر فى محلّه انه ليس بحجّة فتامّل‏

و حادى عشرها ان الاستصحاب المزبور لا يقضى بكون الوقائع الآتية جامعة للاجزاء و الشّرائط

لانه اصل مثبت لا يقضى بثبوت مثل هذه الآثار و قد يجاب عنه تارة بالتزام كون ذلك من الآثار الشرعيّة المترتبة على المستصحب المزبور فيجوز الحكم ببقائها

45

فى المقام و تارة بالتزام خفاء الواسطة فى هذا المقام فيمكن التمسّك بذلك فى اثبات الصحّة فى المقام و لو كان من قبيل الاصل المثبت و اخرى بان ذلك لو كان من قبيل الاصل المثبت للزم المنع من جريانه بالنسبة الى الواقعة الاولى ايضا و هو مناف لظاهر الاتفاق المتحقق فى هذا المقام‏

و امّا على الوجه الثانى فبوجوه‏

الاول انا لا نسلّم حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرة فى الواقع‏

اذ التكليف الواقعى انما تعلّق بالاجتهاد المطابق لمقتضى الطرق المقررة فى نفس الامر و هو غير معلوم فى هذا المقام غاية الامر نلتزم بكونه معذورا بالنسبة الى الواقعة الاولى لانّ اعتقاده بمطابقة اجتهاده لمقتضاها طريق الى الواقع و هذا القدر منتف بمجرد عروض الاحتمال المزبور

الثانى سلّمنا حصول ما وجب عليه من الاجتهاد بالمرّة الاولى و ان التكليف انما تعلّق بتحصيل الظن المعتبر و ان الحكم الظاهرى المتحقق فى المقام قائم مقام الواقع فى مقام عمل المكلّف لكنّا نقول باناطة الحجيّة و عدمها على بقاء الاعتقاد المزبور و عدمه‏

فمع حصول الشك المفروض لا يمكن الحكم بحجيته فالاصل عدمها

الثالث ان التكليف بالاجتهاد انما تعلق على المكلف لاجل تطبيق العمل على الطرق المخصوصة

و لا فرق فى ذلك بين الواقعة الاولى و الثانية فيجب عليه تحصيل القطع بمطابقتها لمقتضاها فلا يجوز الاكتفاء ح بالشك المزبور

الرابع انه مع قيام احتمال الخلاف ربما يتبدل ظنه بالشّك‏

بل ربّما يظن بمخالفة اجتهاده لمقتضى الواقع بل ربما يقطع بخطائه فى الاجتهاد الاولى و ظاهر ان حجيّة الاجتهاد مشروطة بحصول الظن فانه الذى يكون حجة عليه فينتفى عند انتفائه‏

و اما على الوجه الثالث فبوجوه‏

الاوّل ان مقتضى قاعدة الميسور هو وجوب التجديد فى جملة من الوقائع ما لم يستلزم الحرج‏

و قاعدة الحرج لا تقضى بسقوط التكليف من اصلها نعم لو تعسر عليه التجديد مطلقا لزم القول بسقوطه و هو منتف فى المقام و يورد عليه‏

46

فى تجديد النّظر بانّ قاعدة الميسور ضعيفة سندا و لا جابر لها فى هذا المقام الّا ان يقال بانّ اعتماد الاصحاب عليها فى سائر المقامات و اشتهارها بينهم موجب لانجبارها بل يمكن التمسّك فى المقام بقضية حكم العقل القاضية بعدم سقوط بعض الميسور بمجرد تعسّر المجموع و يورد عليه اوّلا بانّ حكم العقل انما يتحقّق فيما اذا تعسّر الاتيان ببعض المامور به معيّنا و هو خارج عمّا نحن فيه لانّ الحرج فى المقام نوعىّ فاذا قضى الدّليل الشرعى بارتفاع الحرج لم يبق مسرح للقاعدة العقلية المزبورة فى هذا المقام و ثانيا بان القاعدة المزبورة من قبيل الاصل العقلى فما دلّ على ارتفاع الحرج النّوعى دليل شرعىّ على عدم جريانها فى مثل المقام‏

الثّانى انّا لا نقول بوجوب التجديد فى صورة حصول القطع بعدم مخالفة الاجتهاد الاوّل لمقتضى الطّرق الخاصّة حتّى يكون ذلك مستلزما للحرج النوعىّ بل نقول بوجوبه عند قيام احتمال المخالفة

الناشى من احتمال وجود المعارض و نحوه و لا ريب فى ان الالتزام بوجوب تجديد النّظر فى خصوص المقام ليس مستلزما للحرج كما لا يخفى‏

الثالث ان من جملة صور المسألة صورة حصول القطع بمخالفة الاجتهاد الاوّل لمقتضى الطّرق الخاصّة

و لا ريب فى وجوب التجديد فى هذا المقام امّا لقيام الاجماع عليه او لما دلّ على وجوب الرجوع الى الظنون الخاصّة او لان الاعتماد على ذلك فى هذا المقام عمل من غير دليل بل هو قياس محض و لا ريب فى بطلانه فالتعميم المذكور غير مستقيم‏

الرابع انه ان اراد من ذلك كون التجديد بالنسبة الى الوقائع الواقعة فى محل الابتلاء مستلزما للحرج فهو ممنوع‏

سيّما بعد ملاحظة انّ مدارك اكثر المسائل موجودة فى ذهن المجتهد فى الغالب و ان اراد من ذلك ان التجديد فى جميع المسائل مستلزم للحرج فهو مسلّم‏

47

لكن نمنع من ارتفاعه لعدم تعلّق التكليف على الجميع فى زمان واحد

و اما على الوجه الرابع فبوجوه‏

الاوّل ان القدر المتيقن من السيرة المزبورة هو صورة عدم قيام احتمال مخالفة الاجتهاد الاول لمقتضى الطرق المخصوصة اما عند عروض الاحتمال المزبور فلا نسلّم قيام السيرة على الالتزام بوجوب التجديد

بل الظاهر ان اكثرهم ملتزمون بذلك‏

الثانى انه لو سلّمنا قيام السّيرة فى هذا المقام فلا نسلّم استمراره الى ازمنة المعصومين عليهم السّلم‏

الّا ان يلتزم بان السيرة المتحققة فى عصر واحد ايضا حجة لدلالة عدة من الاخبار على عدم تحقق اتفاقهم على الباطل فتامّل او يقال بان السيرة المزبورة كاشفة عن قيام دليل معتبر على ثبوت ذلك لان اتفاقهم لا يكون الا عن دليل و حجة فلا يشترط فى حجيته القطع بالاستمرار او يقال بامكان ثبوت استمراره بالاستصحاب القهقرى لو قلنا بحجيّته و قلنا بحجيّة اصل المثبت فتامل او يقال بانها مستمرة بعد ملاحظة استقرار طريقة الصحابة و التابعين و غيرهم على العمل بالطرق على النحو المتعارف بين المجتهدين فى هذه الازمان فتامّل‏

الثالث ان حجية السيرة مشروطة بحصول القطع باطلاع المعصوم على ذلك من احد الاسباب العاديّة و هو غير معلوم فى هذا المقام‏

الرابع ان حجية السيرة انما نشأت من دلالة التقرير و هو موقوف على العلم بعدم الردع و هو مشكوك فى هذا المقام‏

و الاكتفاء فى دفعه بالاصل كما ترى بل يمكن دعوى ثبوت الردع فى هذا المقام فان كلما دل على وجوب تحصيل العلم و اليقين و عدم الاكتفاء بالظن و التخمين و حرمة العمل بالقياس و نحوه من المصالح المرسلة شاهدة على وجوب التجديد فى هذا المقام و فيه نظر ظاهر و ممّا ذكرنا يظهر الجواب عن الوجه الخامس و اما على الوجه السادس فبما ذكره جدّى العلّامة طاب ثراه من عدم‏

48

فى تجديد النّظر انطباقه على المدعى فان اقصى ما يدل عليه الاكتفاء ح فى الاستدلال بمجرّد الرجوع الى احد الادلة المذكورة من غير حاجة الى البحث عما يعارضها و اين ذلك عن المدّعى على ان الظاهر قيام الاجماع على وجوب البحث عن المعارض على فرض الاستدلال بتلك الادلة و الاخذ بها و على القول بعدم وجوب تجديد النظر لا حاجة الى الرجوع الى احد الادلة المذكورة ايضا مضافا الى انه لا يوافق القول بحجيّة الظنون الخاصّة حيث انه اقيم الدّليل على حجيّة كل واحد منها و اما على القول بحجية مطلق الظن فانما قام الدليل على الرجوع الى الظن بعد بذل الجهد و الاجتهاد فى تحصيل الادلة فح يبقى الكلام فى اعتبار الاتيان بالاجتهاد المذكور بالنسبة الى كل واقعة اذ يكتفى باجتهاد واحد للجميع و ليس هناك ما يدل على الثانى لو لم نقل باقتضائه الوجه الاول فت‏

حجة القول بوجوب تجديد النظر مط

انه يحتمل ح تغير اجتهاده بعد تجديد نظره كما يتفق فى كثير من المسائل الظنية و مع الاحتمال المذكور لا بقاء للظن فلا بدّ ثانيا من استكشاف الحال لدفع هذا الاحتمال‏

[الاعتراض عليه‏]

و اعترض عليه‏

اوّلا بالنقض بقيام الاحتمال المذكور قبل افتائه فى الواقعة الاولى ايضا

فلو صح ما ذكر لزم تكرر النظر بالنسبة اليها ايضا و هو باطل اتفاقا كما نص عليه العضدى و هو الظاهر من كلماتهم‏

و ثانيا بالمنع من كون الاحتمال المذكور مانعا من حصول الظن‏

و هو ظاهر جدّا

[دفع الاعتراض‏]

و يدفع الاوّل المنع من قيام الاجماع على عدم وجوب تجديد النظر بالنسبة الى الواقعة عند قيام الاحتمال المذكور و ما يتراءى من ظواهر كلماتهم من القول بعدم الوجوب بالنسبة اليها محمول على الغالب من عدم قيام الاحتمال المزبور بالنسبة الى الواقعة الاولى و الاجماع المنقول المذكور مما لا يصلح جعله دليلا على ما ذكر و الثانى بان الاحتمال المزبور ربما يكون مانعا

49

من حصول الظن فيجب التجديد مع ان مجرد احتمال مخالفة الاجتهاد الاولى لمقتضى الطرق الظاهريّة كاف فى اثبات وجوب التجديد فى هذا المقام حسب ما عرفت بيانه‏

[تفصيل الكلام فى تجديد النظر]

و

[بيان الوجوه التى يختلف تجديد النظر بحسبها]

تفصيل الكلام ان الحاصل فى الزمان السابق امّا الاعتقاد المقارن للعمل او مجرّد صفة الاعتقاد من غير ان يتفق منه العمل بمقتضاه و على الوجهين فاما ان يستند اعتقاده الى الاستنباط المامور به فى تلك الحال لتحقق الحكم كما فى حق المجتهد او الموضوع كالتحرى المامور به فى حق المتحير فى القبلة و الفحص اللازم عن الماء فى حق فاقده و ما اشبه ذلك او لا يكون كذلك و على التقديرين فاما ان يكون الشك الحاصل فى الزمان اللاحق رافعا لنفس الدليل الذى استند اليه الاعتقاد او قاضيا بحصول الاختلال فى بعض شرائط الاستدلال او لا يكون كذلك و على الثانى فاما ان يعلم بقاء الدليل على اعتباره بشرائطه و انما يحتمل تبدل الراى بتجديد النظر أو لا يعلم و على التقادير فاما ان يعلم بتبدل الراى بالاجتهاد الثانى او يعلم بعدمه او يشكّ فى ذلك او يظن بعدمه فهذه وجوه يختلف الحكم باختلافها

منها ان يكون الشك حاصلا بعد الفراغ من العمل الواقع على حسب الاعتقاد السابق‏

كان يشك بعد الفراغ عن عبادة او معاملة او نحوهما فى استجماع الواقع للاجزاء و الشرائط المعتبرة و عدمه فان الشك هنا و ان اوجب السراية الى الاعتقاد السابق إلّا انه من حيث وقوعه بعد العمل لا عبرة به و المستند فيه امران احدهما عموم ما دل على عدم العبرة بالشّك الحاصل بعد العمل معلّلا بانه حال العمل اذكر و الثانى ان اخبار الاستصحاب كافية فى الدلالة عليه وافية باثباته لحصول مسمّى اليقين فى حال الاستصحاب و هو اليقين بالعمل الواقع و يمكن الايراد على كلّ من الوجهين المذكورين اما على الاوّل فبان القدر المسلّم من جريان قاعدة الفراغ فى مثل المقام انما هو فى صورة

50

فى تجديد النّظر كون الشك الحاصل فى الحكم الشرعى ناشيا من الشك فى المصداق و لا نسلّم جريان هذه القاعدة فيما لو كان الشك المزبور ناشيا من الشك فى الحكم او فى الموضوع المستنبط الشرعى او العرفى فالدليل المزبور اخص من المدعى امّا عدم جريان قاعدة الفراغ فى القسمين المزبورين فلان الفحص واجب فيهما سواء كان قبل العمل او بعده فلا يجوز العمل بها قبله امّا وجوب الفحص عن المعارض فى القسمين المزبورين مطلقا فللاجماع المنقول فى بعض العبائر و لما دل على لزوم التفقه فى الدّين و سؤال اهل الذكر حال الجهل ببعض احكامه و وجوب التعليم و التعلّم و تحصيل التفقه و ما اشبه ذلك و لانا نعلم قبل الفحص على الاجمال ان فى الشرع احكاما يخالف مقتضى القواعد و الاصول و قد تحقق فى مسئلة الشبهة المحصورة ان العلم الاجمالى مانع من اجراء الاصل و لان ترك الفحص فى امثال هذه المقامات مما يتحقق معه صدق العصيان فيجب التحرز عنه و احتمال كونه معذورا فاسد بملاحظة وجود العلم الاجمالى فى المقام فانه قاض بوجوب الاحتياط و تحصيل اليقين بالامتثال و الاطاعة كما هو مقتضى الادلة الاربعة القاضية بوجوب الاطاعة و حرمة العصيان بل الادلة القاضية بوجوب تلك التكاليف الواقعيّة المخالفة لمقتضى هذه الطرق كافية فى اثبات وجوب الاحتياط فى هذا المقام فان حكم العقل و قاعدة وجوب دفع الضرر المخوف قاض بوجوب تحصيل البراءة اليقينيّة فى هذا المقام و اشباهه و اجيب عن ذلك بانّا لا نمنع من وجوب الفحص و الاجتهاد بالنسبة الى الوقائع الآتية بل نقول بان المكلف المذكور انما كان مامورا بالاجتهاد الجامع للشرائط لتحصيل العمل المذكور و المفروض انه مطابق له فيكون صحيحا و اما على الوجه الثانى فبوجوه الاوّل ان اليقين الحاصل ح انما يتعلق بالقدر المشترك بين الصحيح و الفاسد و لا معنى للمضى عليه اذ لا اثر للعلم به فظاهر المضى على اليقين‏