زبدة الأصول - ج1

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
534 /
5

مقدمة الطبعة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد المتعالي في عز جلاله عن إدراك كنهه أفهام العارفين، المنزه بكمال ذاته عن مشابهة الأنام، فلا يبلغ صفته الواصفون، و لا يحصى نعمائه العادون، المتفضل بالمنن الجسام فلا يقوم بواجب شكره الحامدون.

و سبحانه حمداً يقربني إلى رضاه، و أشكره شكراً أستوجب به المزيد من مواهبه و عطاياه، و أستقيله من خطاياي استقالة عبد معترف بما جناه، نادم على ما فرط في جنب مولاه، و أسأله العصمة من الخطأ، و السداد في القول و العمل.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، الكريم الذي لا يخيب من دعاه و لا يقطع أمل من رجاه.

و أشهد أن محمدا عبده و رسوله المبعوث رحمة للعالمين، و بيان الدين القويم، و صلى اللّه عليه و على آله الهداة المهديين و عترته الكرام الطيبين صلاة ترضيهم و تزيد على منتهى رضاهم و تبلغهم غاية مرادهم و نهاية مناهم‏

6

و تكون لنا عدّة و ذخيرة يوم نلقى اللّه سبحانه و نلقاهم و سلم تسليما.

و العن من ناصبهم العداء، و انزلوا بهم و بشيعتهم فنون البلاء، و جحدوا مراتبهم و انكروا حقهم، من الأولين و الآخرين و دهر الداهرين.

و بعد فإن أولى ما تُنفق في تحصيله كنوز الأعمار، و تسموا في إطالة

النظر بمعالمه الأفكار، و تعز في استنباطه الرجال هو العلم بالأحكام الشرعية و المسائل الفقهية.

فلعمري إنه المطلب الذي يظفر بالنجاح طالبه، و المغنم الذي يُبشر بالأرباح كاسبه، و العلم الذي يعرج بحامله إلى الذروة العليا، و ينال به السعادة في الدار الأخرى.

و لقد بذل علماؤنا السابقون، و سلفنا الصالحون (رضوان اللّه عليهم أجمعين) في تحقيق مباحثه جهدهم، و أكثروا في تنقيح مسائله كدّهم، فكم فتحوا فيه مقفلا ببنان أفكارهم، و كم شرحوا منه مجملا ببيان آثارهم، و كم صنفوا فيه من كتاب يهدي في ظلم الجهالة إلى سنن الصواب.

فكانت تلك التصانيف عقداً منضداً في جيد المكتبة الاسلامية، يبهر الناظرين، فلمعت في سلسلته هذه الدرة البيضاء التي صيغت عن خمس دورات في بحوث الخارج بمدينة قم المقدسة، ألقاها سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد صادق الحسيني الروحاني دامت بركاته.

فتمخض بيراعه عن زبدتها هذا السفر الجليل الموسوم ب (زبدة الأصول)

و هي دورة كاملة وافية حوت بين دفتيها جلّ الأقوال بعذب البيان لتمحّص‏

7

محاكمة بسبر أغوارها تحقيقا و تدقيقا يميط اللثام عن الحق في مسائل هذا العلم.

و لذا كان ينبغي أن تظهر بحلة تليق بها و تُدني للطالبين قطوفها.

فشرعت بمراجعة مطالبها و التعليق عليها تلبية لأمر مؤلفها الفذ، و هو الذي خُصّ باجتناء رحيق أزهار مدرسة اساطين عصرهم من خرّيتي هذا الفن عنيت بهم:

1- سماحة آية اللّه العظمى الشيخ كاظم الشيرازي (قدِّس سره).

2- سماحة آية اللّه العظمى الشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني المعروف ب (كمباني) (قدِّس سره).

3- سماحة آية اللّه العظمى الشيخ محمد علي الكاظمي (قدِّس سره).

4- سماحة آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدِّس سره).

5- سماحة آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدِّس سره).

هؤلاء العظماء الذين هم مفخرة الطائفة الامامية، و سنام الحوزة العلمية في تاريخنا المعاصر، و لا غرو في ذلك ان كان من رشحات فيض مُشرّف الغري نميرهم، فوردوا سلسبيل معارفه ليصدروا ببهجة الرواء و قد ملئوا القرب إلى عقدها ينهلون الظّماءَ.

فكان في طليعة المنتهلين سيدنا المؤلف (مدّ ظله) حيث حظي بأوفى النصيب احاطة بعناية من آلت اليه زعامة الحوزة العلمية عدّة عقود من الزمن، آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (ره).

و قد عبّر عن المؤلف بعد مطالعة بعض تقريراته- حين كان له من العمر

8

حوالي خمسة عشر سنة (أي سنة 1360)-: بانه صاحب القريحة الوقادة و الفكرة النقادة ... و قال ايضاً: اني لاحظت منه مواقع عديدة و جملًا مفيدة فالفيتها تقريرات سديدة، تعرب عن الحقائق التي تلقّاها في محاضراتي التي كنت القيتها و تشف الشوارق التي اقتبسها من المباحث التي كنت امليتها، مما جعله عندي على صغر سنه كبيراً في فنه و كذا في دقة نظره، و قوة ذهنه، و استقامة سيره، و سرعة وصوله فيما حررّه و قرره في مباحث العلمين العظيمين الكبيرين، علم الفقه و اصوله.

و قد تميزت هذه الطبعة الجديدة بعدة امور:

1- تبديل أو اضافة بعض الكلمات في متن الكتاب زيادة في التوضيح، و تم ذلك بعد مراجعة المؤلف لها (دام ظله).

2- اصلاح الاخطاء المطبعية مهما امكن.

3- اعادة ترتيب مقاطع الكتاب و ابراز الإشكالات وردها بما يسهل على القارئ الكريم تناول مطلوبه بايسر الطرق.

4- اعادة ترتيب فهرس الكتاب و ابراز الاوامر و المقاصد و الفصول و الجهات بما يسهل على الباحث الوصول إلى مبتغاه و مطلوبه بسرعة.

5- اخراج الآيات و الروايات و الاقوال من مصادرها الاساسية مهما امكن.

6- كتابة بعض الحواشي التوضيحية بما لا يخل بالاختصار، مع نقل‏

اقوال بعض العلماء نصاً اذا استدعت الحاجة زيادة في الفائدة، و بذلك اصبح الكتاب في ستة أجزاء بعد أن كانت أربعة.

9

و لما لم يذكر سماحته (مد ظله) مقدمة عن علم الأصول كما جرت العادة و اتماما للفائدة اوردت هذه السطور لعلها تعطي الباحث صورة عامة عن سير هذا العلم و ضرورته في زمن الغيبة- عجل اللّه فرج صاحبها- و لو اجمالًا.

علم الأصول في سطور

إن مباحث علم الأصول هي أهم الأسس لبناء و استنباط الأحكام الشرعية.

و معرفة الفقه من أسمى الغايات إذ أن العبد بعد الاعتقاد بالله سبحانه و تعالى لا طريق له لإظهار العبودية و الالتزام بأوامر المولى عز و جلّ إلا بمعرفة مسائل الفقه و العمل بها.

و لما كنّا قد بعدنا عن عصر النص و اختلطت الأمور و تداخلت المسائل كان لا بد من إيجاد قواعد تكون أشبه بالدليل و الميزان في معرفة أحكام الخالق المنّان فكان علم الأصول المتكفل لبيان الأحكام و استخراجها من أدلتها.

فهو العلم الذي يتمكن من خلاله الفقيه من التوصل إلى معرفة الأحكام الإلهية و التكاليف الشرعية سواء كانت عباديّة، أو معاملية، اقتصادية، أو نظاما عائليا، أو قانونا جزائيا أو غير ذلك، من كل ما يتعلق بأفعال العباد و أنظمة البلاد.

و بعبارة أخرى بكل ما يتعلق بتنظيم حياة الفرد و الأسرة و المجتمع.

و أول من فتح باب هذا العلم و فتق مسائله الإمامان محمد الباقر و جعفر الصادق فانهما قد أمليا على جماعة من تلامذتهما قواعد و مسائل هذا العلم.

10

و قد جمعها المتأخرون فيما بعد في كتب مستقلة ككتاب" أصول آل الرسول" للسيد هاشم بن زين العابدين الموسوي الخونساري الاصفهاني.

" و الفصول المهمة في أصول الأئمة" لمحمد بن الحسن بن علي بن الحر العاملي.

" و الأصول الأصلية" للسيد عبد اللّه بن محمد رضا الشبري الحسيني النجفي‏ (1).

و أول من أفرد بعض مباحث هذا العلم و صنف فيه تلميذ الإمام الصادق هشام بن الحكم الكوفي و كان أيضاً من أصحاب الإمام الكاظم حيث صنف كتاب الألفاظ و مباحثها (2)، و كان له مصنفات عديدة في علم الكلام، و الجدل، و الحديث، و توفي سنة 199 ه. ق ببغداد.

ثم اتى بعده يونس بن عبد الرحمن الذي رأى الإمام الصادق و لم يروي عنه، و روى عن الامامين الكاظم و الرضا، و كان الإمام الرضا يشير اليه في العلم و الفتيا، و قد كان ليونس تصانيف كثيرة في الحديث، و الفقه، و الكلام، و اما تصنيفه في علم الأصول فقد كان له كتاب (علل الحديث) او (اختلاف الحديث). و قد وصفه النجاشي انه كان وجها في اصحابنا متقدماً عظيم المنزلة ... الخ. و غيرهما.

____________

(1) راجع اعيان الشيعة و مستدركاته عند الحديث عن اسماء المؤلفين (رضوان اللّه عليهم)/ تأسيس الشيعة ص 310.

(2) الشيعة و فنون الإسلام ص 78.

11

و كان أصحاب الأئمة و العلماء يعملون بهذا العلم بقدر حاجتهم اليه و ان كانت قليلة لقربهم من النص.

و ممن عمل بهذا العلم عقيب زمن الغيبة (عجل اللّه فرجه الشريف) أستاذ الشيخ المفيد أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي صاحب" تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة"، و كان معاصرا للشيخ الكليني و قد قيل في وفاته أنها كانت سنة 381 في الري، و في العدّة للشيخ الطوسي أنه توفي قبل سنة 377 للهجرة (1).

و كان قد عمل قبل الإسكافي في هذا الفن ابن أبي عقيل صاحب كتاب" المتمسك بحبل آل الرسول"

إلا أن أول من صنف في هذا العلم من غير الشيعة محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سنة 204 ه كتاب (الرسالة) و شرحه جمع من علماء الشافعية.

و لما كان كتابه هو اول كتاب بهذه الشمولية في علم الأصول اذ الذين سبقوه لم تكن كتبهم جامعة لمعظم مباحث الأصول عدّه البعض كالفخر الرازي انه المؤسس لهذا العلم!

و في هذه الدعوى كلام لا يسع المجال لذكرها، و في غير مورد من مقدمات علم الأصول فند العلماء اعلى اللّه مقامهم تفاصيل هذه الدعوى و أوضحوا بطلانها.

____________

(1) العدّة ج 1 ص 127 الطبعة الجديدة.

12

و لعل أول من كتب كتاباً متكاملًا عند الشيعة في هذا العلم الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 ه سماه (التذكرة بأصول الفقه)، و بذلك يكون قد تأخرت كتابة علم الأصول عند الشيعة عن الشافعية ما يقرب من 200 عام.

و الظاهر أن السبب في هذا التأخير أن الشيعة لم يروا حاجة إلى هذا التصنيف مع وجود النص بوجود المعصومين خلافا لمخالفيهم الذين يعتقدون انقطاع النص من حين استشهاد النبي الأكرم (ص).

ثم كتب بعد الشيخ المفيد تلميذة السيد المرتضى المتوفى سنة 436 كتاب" الذريعة إلى أصول الشيعة" و ناقش فيه آراء السنة مناقشة جادة و قوية.

و بعده تلميذه الشيخ الطوسي المتوفى عام 460 ه كتاب" عدَّة الأصول" و لم يحدث تطورا في هذا العلم إلى عهد العلامة الحلي حيث أبدع في هذا العلم و ألف كتباً كثيرة أهمها:

" نهاية الوصول في علم الأصول"

" تهذيب الوصول في علم الأصول"

" مبادئ الوصول في علم الأصول"

و ممن أتى بعد العلامة الحلي عمد إلى شرح كتبة و منهم ضياء الدين الأعرجي في كتابة" منية اللبيب" و عميد الدين الأعرجي في كتابه" شرح التهذيب" و هو من أعلام القرن الثامن للهجري.

و جمع بين هذين الكتابين و أضاف عليهما بعض تحقيقاته الشهيد الأول في كتاب سماه" جامع البين".

13

و بعد مدرسه العلامة بقيت الحوزة العلمية بصورة عامة تحت ظل الاخباريين حتى أواسط القرن الثاني عشر، حيث استطاع العالم العظيم من خلال فكره الثاقب الوحيد البهبهاني المتوفى عام 1205 ه إعادة الطريقة الأصولية إلى الحوزات العلمية.

و هنا نذكر بايجاز أهم الفوارق بين المدرسة الاخبارية و الاصولية:

1- ذهب الاخباريون إلى عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريميّة.

بينما يذهب الاصوليون إلى جريانها سواء في الشبهات الحكمية الوجوبية او التحريمية بالدليل العقلي و النقلي، الا عن بعض المتأخرين من الاصولين حيث التزم بعد جريان البراءة العقلية دون الشرعية.

2- نفى الاخباريون حجية الاجماع مطلقا، بين يرى الاصوليون صحت التمسك بالاجماع المحصل الكاشف عن رأي المعصوم ...

3- يرى الأخباريون قطعية صدور كل ما ورد في الكتب الاربعة من الروايات اجمالا، لاهتمام اصحابها بتدوين ما يصح العمل به، فالفقيه يصح له التمسك بروايات هذه الكتب دون البحث عن اسانيدها.

بينما يقسم الاصوليون الروايات بما في ذلك روايات الكتب الاربعة إلى اربعة اقسام: الصحيح، و الحسن، و الموثق، و الضعيف، و بعضهم يقسمها إلى اكثر من ذلك الا انهم لا ياخذون بالاخير و بعضهم لا يأخذ ايضا بالموثق في الجملة.

14

4- توقف الاخباريون عن العمل بالكتاب العزيز ما لم يرد فيه بيان و ايضاح من الروايات لوجود المخصص و المقيد، و النهي عن تفسير القرآن بالرأي.

بينما يفصل الاصوليون بين ظواهر القرآن فيجوز العمل بها بعد اليأس‏

عن المخصص و يعتبرون ان الظواهر ليست من التفسير بالرأي المنهي عنه دون ما ليس بظاهر ... الخ‏

اما مدرسة الوحيد البهبهاني فقد أنتجت الكثير من العلماء الذين كتبوا و ألفوا في الأصول و من أهم تلك التأليفات:

القوانين لأبي القاسم بن الحسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمِّي.

و هداية المسترشدين لمحمد تقي بن محمد رحيم الأصفهاني.

و الفصول الغروية لمحمد حسين بن محمد رحيم الأصفهاني.

و مفاتيح الأصول للسيد المجاهد السيد محمد الطباطبائي.

و الضوابط للسيد إبراهيم القزويني.

ثم جاءت مدرسة الشيخ الأعظم الأنصاري التي رفعت علم الأصول إلى القمة، و كانت من أبحاثه فرائد الأصول التي سيطرت على مدارس الأصول الشيعية فضلا عن السنية.

و أعطت الباحث آفاقا واسعة في هذا المجال، و خرجت المئات من فطاحل العلماء الذي كان من أبرزهم الآخوند الخراساني الذي ألف كتاب كفاية الأصول بعد حاشيته على الفرائد فكان و لا زال من ابرز كتب التدريس في‏

15

الحوزات العلمية.

و لا زال هذا العلم في نمو و اتساع بفضل جهود الأفذاذ من علمائنا الأعلام. و قد برز في هذا الميدان بعد المحقق صاحب الكفاية عدّة من الاعلام على مستوى الدراسات و البحوث العليا، و التجديد و التطوير لهذا العلم.

و من ابرز هؤلاء: المحقق الميرزا حسين النائيني (قدِّس سره) (1277- 1355 ه)

و المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني المعروف ب (الكُمباني) (قدِّس سره) (1296- 1361 ه)

و المحقق الشيخ ضياء الدين العراقي (قدِّس سره) (المتوفى 1361 ه)

و المحقق آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدِّس سره) و هو من أبرز

تلامذة المحقق النائيني، و قد علق على تقريرات استاذه، ثم القى بحوثه لسنوات عديدة في الحوزة العلمية في النجف الاشرف، و كانت له زعامتها (ره) لعقود من الزمن.

و قد برز من بين فضلاء درسه نخبة من الاعلام الذين انتهلوا من معين علمه ليصبحوا منارات يهتدي بها المهتدون و يلتمسوا من نورها العلم و المعرفة فكان السيد آية اللّه العظمى محمد صادق الروحاني الاسبق في التدريس و الاستنباط و التأليف في شتى المجالات: سواء الفقهية منها كتأليفه موسوعة (فقه الصادق 26 جزء)، و منهاج الفقاهة في 6 اجزاء و غيرهما.

أو الأصولية حيث كان له الدور البارز في اغناء الحوزة العلمية بقم المقدسة بتدريس بحوث علم الأصول، و التأليف أيضا فكانت زبدة الأصول دورة كاملة

16

في هذا الفن من مباحث الالفاظ إلى الأصول العملية، و التعادل و التراجيح.

و قد تعرض في هذه الدورة بصورة اساسية إلى مناقشة عدّة من الاعلام المتقدمين منهم و المتأخرين ممن دارت عليه رحى هذا العلم نقضاً أو تأييدا بالدليل و البرهان.

و أسأل اللّه تعالى أن يمن عليَّ بالمزيد من فهم هذا الفن و العمل بقواعده بعد أن وفقني للحضور عند عدّة من الاساطين فقدس اللّه أرواح الماضين و حفظ الباقين.

و قد تُوّجت تلك الألطاف بالتعرف على عدّة من العظماء و من حسن ثقتهم حظيت باهتمامهم فنسأل اللّه أن نوفق لنكون عند حسن ظنهم.

و منهم سماحة السيد المؤلف مد ظله الذي كان المرشد و المشجع و الموجه في خوض هذا المضمار.

و قد أولاني ثقة عالية لمراجعة كتابه" زبدة الأصول" و التعليق عليه فجزاه اللّه كلّ خير.

و رجائي من إخواني المؤمنين المعذرة عن كلّ تقصير أو اشتباه فالعصمة لأهلها ...

و لا تنسونا من صالح الدعاء

مكتب سماحة آية اللَّه العظمى الروحانى‏

17

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله على ما أولانا من رد الفروع إلى الأصول، و التفقه في الدين و تهذيب مباني الأحكام الشرعية بالبحث في المسائل الأصولية، و استخراج زبدتها، و أفضل صلواته و أكمل تحياته على صاحب الشريعة الخالدة الكفيلة بإسعاد المجتمع و معالجة مشاكله، و على آله العلماء بالله الأمناء على حلاله و حرامه، لا سيّما بقية اللّه في الأرضين، الإمام الثاني عشر، الإمام المهدي أرواح من سواه فداه.

و بعد فهذه زبدة الأصول جاد بها الفكر من خلال إلقاء المحاضرات في المسائل الأصولية على جماعة من الأفاضل في خمس دورات، و كنت أدوِّن ما القيه فلما تم تأليف الكتاب رأيت الأولى إخراجه إلى عالم الظهور.

و حيث انه من النواميس المطردة إهداء المؤلفات إلى كبير من أكابر الدهر و لا أجد اكبر من الإمام المهدى روحي فداه (عج)، فلذلك ارفع بكلتا يديَّ لأهدى هذا الكتاب إلى رفيع قدس الإمام، موقناً أني لست ممن يقوى على إنفاق بضاعته في مثل هذه السوق الغالية غير أني أقول سيدي بما أنَّ هذا الذي بين يديَّ مسائل يستنبط منها الأحكام الشرعية المأثورة عنك و عن آبائك الطاهرين، فمنَّ عليَّ بقبول هذه البضاعة المزجاة و ثبتها في ديوان الحسنات، ليكون ذخرا لي يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم.

18

و قد رتبت كتابي هذا على مقدمة و مقاصد و خاتمة

المقدمة: و فيها ستة عشر أمراً:

الأمر الأول: في ثبوت المبادئ الأحكامية لعلم الأصول و عدمه.

الأمر الثاني: في لزوم الموضوع للعلم و عدمه.

الأمر الثالث: في لزوم البحث عن العوارض الذاتية لموضوع العلم و عدمه.

الأمر الرابع: فيما به تمايز العلوم.

الأمر الخامس: في موضوع علم الأصول.

الأمر السادس: في تعريف علم الأصول.

الأمر السابع: في الوضع.

الأمر الثامن: في استعمال اللفظ في المعنى المجازى.

الأمر التاسع: في استعمال اللفظ في نوعه، و مثله، و صنفه، و شخصه.

الأمر العاشر: في تبعية الدلالة للارادة.

الأمر الحادي عشر: في وضع المركبات.

الأمر الثاني عشر: في علامات الحقيقة و المجاز.

19

الأمر الثالث عشر: في الحقيقة الشرعية و الكلام فيها في جهات.

الأمر الرابع عشر: في الصحيح و الاعم.

الأمر الخامس عشر: في الاشتراك.

الأمر السادس عشر: في المشتق.

المقاصد: و هي ثمانية:

المقصد الأول: الأوامر

المقصد الثاني: النواهي‏

المقصد الثالث: المفاهيم‏

المقصد الرابع: العام و الخاص‏

المقصد الخامس: المطلق و المقيد

المقصد السادس: القطع و أقسامه و أحكامه‏

المقصد السابع: الامارات‏

المقصد الثامن: الأصول العملية

و في كل مقصد من هذه المقاصد فصول و مباحث.

و خاتمة: في التعادل و الترجيح.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

مقدمة علم الأصول: في ستة عشر أمراً

أما المقدمة، ففي بيان أمور (1)

في ثبوت المبادئ الأحكامية لعلم الأصول و عدمه‏

الامر الأول: لا كلام في انه لكل علم، مسائل، و مبادئ تصورية، و تصديقية.

أما المسائل: فهي قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في غرض خاص.

و أما المبادئ فهي قسمان:

قسم راجع إلى حدود تلك القضايا بأطرافها، و هي المبادئ التصورية.

و قسم يتوقف عليه التصديق بثبوت محمولات تلك القضايا لموضوعاتها، و هي المبادئ التصديقية.

و أفاد المحقق النائيني (ره) (2) أن لعلم الأصول قسما ثالثا من المبادئ، و هي المبادئ الأحكامية، و هي ما يتوقف عليه معرفة الأحكام الشرعية من التكليفية و الوضعية بأقسامها، و كذا الأحوال و العوارض للأحكام من كونها متضادة، و كون الأحكام الوضعية متأصلة في الجعل أو منتزعة عن التكليف و غير ذلك من حالات الحكم.

قال:" و وجه اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأصول، هو أنَّ منه يستنتج الحكم الشرعي و واقع في طريق استنباطه".

____________

(1) عدّها سماحة السيد (مد ظله) ستة عشر أمراً، أما الآخوند في الكفاية فاعتبرها ثلاثة عشر أمراً، و غيره زاد أمراً أو نقْص واحداً، و الذي زاده السيد هو الأمر الأول و الثالث و الرابع.

(2) فوائد الأصول ج 1 ص 27، موضوع علم الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.

22

و كون الاحكام الوضعية متأصلة في الجعل أو منتزعة عن التكليف و غير ذلك من حالات الحكم.

قال: و وجهه اختصاص المبادى الاحكامية بعلم الأصول، هو أن منه يستنتج الحكم الشرعي و واقع في الطريق استنباطه.

أورد عليه المحقق الأصفهاني (ره) (1) بأن المبادئ الأحكامية ليست قسيما للتصورية و التصديقية.

" بل المبادئ التصورية، تارة لغوية، و أخرى أحكامية، و كذا المبادئ التصديقية.

فالبحث عن المعاني الحرفية، و الخبر و الإنشاء، و الحقيقية و المجاز و أشباهها من المبادئ التصورية اللغوية يعرف بها مفاد الهيئات النسبية الإنشائية، و معنى حقيقتها و مجازها"

و البحث عن حقيقة الحكم بما هو، و عن التكليفي و الوضعي، و المطلق و المشروط، و غير ذلك من تقسيمات الحكم من المبادئ التصورية الأحكامية.

" و البحث عن ثبوت الحقيقة الشرعية، و الصحيح و الأعم من المبادئ التصديقية اللغوية، بها يصح حمل الصلاة مثلا على معناها المتداول شرعا، و بها يحكم بإجمال اللفظ على الصحيح، فلا موقع للإطلاق، أو بالبيان الذي معه مجال له على الأعم".

____________

(1) بحوث في الأصول أو الأصول على النهج الجديد ص 17.

23

و البحث عن إمكان اجتماع الحكمين و امتناعه من المبادئ التصديقية الأحكامية- فيحكم بناء على الإمكان بعدم التعارض بين الدليلين المتكفلين للحكمين، و على الامتناع بالتعارض- و لا بأس به.

و كيف كان فجملة من المسائل المدوَّنة في علم الأصول من قبيل المبادئ بأقسامها، و إنما نتعرض لها من جهة عدم التعرض لها في علوم أخر و دخالتها مع الواسطة في الاستنباط.

24

لزوم الموضوع للعلم و عدمه‏

الامر الثاني: في لزوم الموضوع للعلم و عدمه. صرح أعلام الفن، بلزوم الموضوع للعلم.

و لذلك صرح المحقق الخراساني (ره) (1) بأنه" ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلي المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص" كما في علم الأصول،

و محصل ما ذكروه‏ (2) في وجه ذلك: أن الغرض المترتب على كل علم بما انه أمر واحد، مثلًا: الغرض من علم الأصول القدرة على الاستنباط، و من علم النحو صون اللسان عن الخطأ في المقال، و هكذا سائر العلوم، و هذا الغرض الواحد يترتب على مجموع القضايا و المسائل المتشتتة و المختلفة

____________

(1) كفاية الأصول ص 8 (تعريف علم الأصول).

(2) أكثر من واحد ممن ناقش موضوع علم الأصول لجأ إلى أن الجامع هو الغرض كالآخوند في الكفاية ص 8 خلافا للمشهور الذي اعتبر أن المائز الموضوع، و خلافا للبروجردي في حاشيته على الكفاية حيث ذهب إلى أن المائز المحمول و فصَّل السيد الخوئي (قدِّس سره) في المحاضرات ج 1 ص 27، حيث ذهب إلى أن المائز هو الغرض للمدوِّن، و قد يكون الموضوع، لو فرض موضوع جامع، و قد يكون المائز هو المحمول إذا كان البحث عن حالات الموضوع و ما يعرض عليه.

25

موضوعاً و محمولًا.

و قد برهن في محله" أن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد" (1)، فلا بد

و ان يكون المؤثِّر فيه هو الجامع الذاتي الوحداني.

و أيضاً لا بد و ان يكون ذاك هو الجامع بين موضوعات المسائل لا الجامع بين المحمولات، لتقدم الموضوع على المحمول، و كونه من آثار ذلك الموضوع، و يكون ذلك الجامع الوحداني هو موضوع العلم.

و ان شئت قلت انه لا بد من رجوع الموضوعات إلى موضوع جامع.

و يرد عليه:

أولا: إن ذلك الغرض الوحداني إما أن يكون واحدا شخصيا، أو يكون واحدا نوعياً، و على التقديرين لا تكشف وحدة الغرض عن وجود الجامع.

أما على الأول: فلأنه يترتب على مجموع القضايا، و كل مسألة تكون جزءا من المؤثر، و المؤثر هو المجموع من حيث هو، و يكون سببية المجموع سببية واحدة

____________

(1) هذه من القواعد العقلية الفلسفية، و المراد من الواحد الذي لا يصدر عنه إلا واحد، هو الواحد البسيط من جميع الجهات الذي ليس في ذاته جهة تركيبية و كثرة كما في نهاية الحكمة ص 214 ط جامعة المدرسين، و قد بُرهن على ذلك في أغلب كتب الفلسفة منها نقد المحصّل للخواجة نصير الدين الطوسي ص 237، و مشارق الإلهام للاهيجي ص 206، و شرح الإشارات ج 3 ص 122 و 127، و على هذا مذهب الحكماء و المعتزلة، و خالفهم الأشاعرة فذهبوا إلى أن الواحد البسيط يمكن أن يصدر عنه متعدد كما في كتاب المواقف ص 172، و المباحث المشرقية ج 1 ص 460 و 468.

26

شخصية، و الاستناد إليه استناد معلول واحد إلى علة واحدة شخصية لا إلى علل عديدة.

و أما على الثاني: فلان الغرض يكون كليا ذا أفراد يترتب كل فرد منه على واحدة من المسائل. مثلا يترتب على مسألة حجية خبر الواحد، الاقتدار على استنباط جملة من المسائل، و هو غير الاقتدار على استنباط المسائل المترتب على مسألة استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده، و هما غير ما يترتب على مسألة حجية الاستصحاب.

اللهم إلا أن يقال: إن الغرض الكلي إذا كان واحدا نوعيا حقيقيا، و ذلك الواحد بالذات الجامع بين أفراده لا بد و ان يكون له سنخية مع علته،

و السنخية تستدعى وحدة العلة لوحدة المعلول.

نعم إذا كان الغرض واحدا بالعنوان كما اختاره المحقق الأصفهاني (ره) (1)

____________

(1) قال في كتابه نهاية الدراية في حاشيته على الكفاية ج 1 ص 13" «و قد عرفت سابقاً أيضاً أنّ أمر العلم يتمّ بتدوين جملة من القضايا المتحدة في الغرض و لا يتوقّف حقيقته على تعيين حقيقة الموضوع إلا انه لا برهان على اقتضاء وحدة الغرض لوحدة القضايا موضوعا و محمولًا، إلّا أنّ الأمور المتباينة لا تؤثر أثراً واحداً بالسّنخ، و أنّ وحدة الموضوع أو وحدة المحمول تقتضي وحدة الجزء الآخر، مع أن البرهان المزبور لا يجري إلّا في الواحد بالحقيقة لا الواحد بالعنوان و ما نحن فيه من قبيل الثاني، بداهة أنّ صون اللّسان عن الخطاء في المقال في علم النحو مثلًا ليس واحداً بالحقيقة و الذات بل بالعنوان فلا يكشف عن جهة وحدة ذاتية حقيقية) و قال أيضاً في كتابه بحوث في الأصول ص 17 «و إن كان بملاحظة أن تأثير القضايا المتشتتة في غرض واحد يقتضي وحدة القضايا، و لا تكون واحدة إلّا برجوع موضوعاتها إلى موضوع جامع و محمولاتها إلى محمول جامع، ففيه أن الغرض الجامع واحد بالعنوان لا بالحقيقة ليجري فيه البرهان و هو استحالة تأثير الأمور المتباينة أثرا واحداً".

27

يتم هذا الجواب.

و ثانيا: إن المؤثر في الغرض ليس هو القضايا بوجوداتها، النفس الأمرية و إلا لزم حصول الغرض لكل شخص كان عنده كتاب يشتمل على تلك القضايا، بل المؤثر فيه إنما هو العلم بتلك القضايا و ثبوت محمولاتها لموضوعاتها، فلا بد من تصوير الجامع بين العلوم إذ القضايا حينئذ من قبيل الشروط، و لم يدع أحد لزوم وحدة الشروط مع فرض وحدة المعلول، و على فرض التنزل لا بد من فرض جامع بين النسب الخاصة لا الموضوعات.

و ثالثا: إن موضوعات مسائل علم الفقه لا يمكن تصوير جامع حقيقي بينها، إذ بعض منها أمر وجودي، و الآخر أمر عدمي، كترك الأكل في الصوم، و بعضها من الجواهر كالبول و المني، و بعضها من قبيل الكيف المسموع كالقراءة، و بعضها من قبيل مقولة الوضع كالركوع.

و قد برهن في محله: (1) انه لا يتصور الجامع بين المقولات العشر فضلا عن الوجود و العدم.

____________

(1) كما في كتب الفلسفة راجع الأسفار أوائل الجزء الرابع، نهاية الحكمة المرحلة السادسة المقولات العشر ص 112. م النشر الإسلامي.

28

فالمتحصل مما ذكرناه: انه لا ملزم لتصوير الجامع بين موضوعات المسائل ليكون هو موضوع العلم.

*****

29

لزوم البحث عن العوارض الذاتية لموضوع العلم و عدمه‏

الامر

الثالث: في لزوم البحث عن العوارض الذاتية لموضوع العلم و عدمه.

قد طفحت كلمات القوم و أهل الفن بان" موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية" (1)، مع أنهم صرحوا بان العارض للشي‏ء بواسطة أمر أخص عارض غريب لا ذاتي. فيشكل حينئذ بان اغلب محمولات العلوم، عارضة لأنواع موضوعاتها، فتكون أعراضا غريبة بالنسبة إلى موضوع العلم.

و قبل الشروع في ما ذكره الأصحاب في التفصي عن هذه العويصة، و بيان ما هو الحق عندنا لا بد من تقديم مقدمة:

و هي أن العوارض جمع العارض، لا العَرَض، فإن جمعه الأعراض‏ (2)، و هو

____________

(1) من أوائل من صرح بهذا التعريف في علم الأصول ممن عثرنا عليهم العلامة المحقق محمد تقي الأصفهاني في هداية المسترشدين ج 1 ص 14 و المتوفى 1248 حيث نسبه إلى المشهور خلافاً لما ذهب إليه صاحب المعالم. ثم محمد حسين الأصفهاني في الفصول الغروية ص 10 و المتوفى 1254. ثم المحقق الرشتي المتوفى 1312 ه ق في كتابه بدائع الأفكار ص 27 و 29 و 32. و غيرهم.

(2) كما في مجمع البحرين ج 4 ص 215 تعريف العرض بالتحريك. و قال في تاج العروس إن العرض جمعه أعراض ج 5 ص 47. و كذا في الصحاح ج 3 ص 1086 ط 4 بيروت قال: جمع العارضة أعراض.

30

المحمول على الشي‏ء الخارج عنه، فيشمل العرض، المقابل في باب الكليات بالذاتي، و هو ما يتألف منه الشي‏ء كالجنس و الفصل، و غيره، كما يشمل الذاتي باصطلاح الحكماء و ما يقابله، و هما، المحمول بالضميمة، أي ما لا يحمل على الشي‏ء إلا بعد ضم شي‏ء آخر

إليه كالعالم، حيث انه لا يحمل على الذات إلا بعد ضم العلم إليه، و خارج المحمول، أي ما يكون خارجا عن حقيقة الشي‏ء، المحمول عليه بعد ملاحظة نفس الذات، و ان لم ينضم إليه شي‏ء آخر.

ثم إن أول من صرح بهذا الكلام، أي موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، بما انه من الحكماء، و تبعه غيره منهم، و كان لا ينطبق ذلك على اصطلاحهم في الذاتي، إذ اغلب المحمولات بالنسبة إلى الموضوعات تكون من المحمولات بالضميمة، ففسَّره أهل المعقول، بما فسَّره به صاحب الكفاية بقوله:" أي بلا واسطة في العروض" (1).

و المراد به كون العارض عارضا له حقيقة، سواء كان بلا واسطة في الثبوت كإدراك الكليات العارضة للنفس الناطقة، أو مع الواسطة في الثبوت كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار.

و الضابط: هو أن لا يكون نسبة العرض إلى الشي‏ء بالعناية و المسامحة، من قبيل وصف الشي‏ء بحال متعلقه من غير فرق بين كونها جليَّة كالحركة العارضة لجالس السفينة بواسطتها، أو خفية كالبياض المنتسب إلى الجسم، فان المعروض‏

____________

(1). () كفاية الاصول ص 7 (و المقصود إخراج القسم الثامن من العروض و هو العارض بالمجاز كما سيأتي).

31

له حقيقة هو السطح.

و بذلك يظهر أن تعريف العارض الذاتي، بما يعرض الشي‏ء لذاته أو لجزئه المساوي و هو الفصل.

و العارض الغريب بما يعرضه، بواسطة الجزء الأعم، أو أمر خارجي سواء كان أخص أو اعم أو المساوي، تام‏ (1).

____________

(1) و للتوضيح نذكر أنواع العروض فقد عدّ أهل المعقول العوارض ثمانية: فالأول ما كان العرض بلا واسطة في العروض سوى اقتضاء الذات، كعروض الزوجية على الأربعة. و الثاني ما كان العروض مع الواسطة في الثبوت و هي ستة: 1- العارض أمر داخلي مساوي للمعروض كالتكلم للإنسان بواسطة كونه ناطقا. 2- أو أعم من المعروض، كالمشي العارض على الإنسان بواسطة كونه حيوانا، و لا ثالث للأمر الداخلي لأنه لا تخلو الواسطة إما أن تكون فصلا و هو المساوي أو تكون جنسا و هو الأعم. 3- العارض الخارجي و هو المساوي للمعروض كالضحك العارض على الإنسان بواسطة التعجب، و المساواة من جهة أنّ التعجب لا يجتمع مع غير الإنسان. 4- و الأخص من المعروض، كعروض الضحك على الحيوان بواسطة كونه ناطقا فإن بعض أفراد الحيوان ناطق. 5- و الأعم من المعروض كالتعب العارض على الإنسان بواسطة المشي فالمشي أعم من الإنسان. 6- و المباين للمعروض كالحرارة العارضة على الماء بواسطة النار المباينة للماء إذ أنهما لا يجتمعان أبدا. و الثالث هو العروض مع الواسطة غير الحقيقية بل العرض فعلا لغيره و لكن ينسب إليه مجازا، كعروض الجري على الميزاب فإن الجري حقيقة للماء و نسبته إلى الميزاب مجازا للعلاقة بينه و بين الماء.* فالمقصود بالعرض الذاتي هنا خروج هذا الفرد الأخير دون السبعة الأوائل.

32

إذا عرفت ذلك، فاعلم انه تفصى الأصحاب عن هذه العويصة بوجوه، و لهم فيه مذاهب:

الأول: ما أفاده صدر المحققين‏ (1).

و أوضحه الحكيم السبزواري‏ (2)"، و إليه نظر المحقق الخراساني في الكفاية (3) و هو أن الجنس إن أخذ لا بشرط فعوارض أنواعه ذاتية له، و ان‏

اخذ بشرط لا فعوارض أنواعه غريبة عنه، مثلا لو اخذ الحيوان لا بشرط يكون التعجب عارضا ذاتيا له، و ان اخذ بشرط لا يكون غريبا عنه، و علل بان الجنس إن اخذ لا بشرط يكون نفس الأنواع و متحدا معها، فالعوارض لأنواعه عوارض له بلا واسطة.

و على ذلك فان أخذ موضوع العلم لا بشرط تكون محمولات المسائل عوارض ذاتية له.

و فيه، إنّ كون" عوارض الأنواع عوارض غريبة للجنس" مبنى على اللابشرطية، فاخذ الجنس لا بشرط يصحح الحمل، إذ لو اخذ بشرط لا يكون‏

____________

(1) الشواهد الربوبية ص 20.

(2) في حاشيته على الشواهد الربوبية ص 410.

(3) الكفاية ص 6، عند ما عرّف موضوع علم الأصول" بأنه ما يبحث عن عوارضه الذاتية بلا واسطة في العروض"، و عدم الواسطة لا يكون للموضوع الجامع إلا بلا بشرط و يوضّح ذلك قوله:" هو نفس موضوعات مسائله عينا"، و خالف في ذلك المحقق الأصفهاني في نهاية الدراية كما سيأتي.

33

مبايناً لمعروض ذلك العارض، و المباينة منافية للحمل، و موجبة لعدم صحته، فان أُخذ الجنس لا بشرط، صح الحمل و كان العارض غريبا عنه لا ذاتيا، إذ لو كان من عوارضه الذاتية لزم كونه عارضا له في ضمن أي نوع تحقق و لو غير ذلك النوع، و حيث انه بديهي البطلان فيستكشف من ذلك انه إنما يعرضه بالعناية و المسامحة، و ان كان بنظر العرف منسوبا إليه بالحقيقة، مع انه لا يرتفع التهافت بين كلمات القوم بذلك، فإنهم صرحوا (1) بان العارض بواسطة أمر أخص، عارض غريب، مع انه من الواضح أن مرادهم هو صورة أخذه لا بشرط.

و بما ذكرناه ظهر ضعف ما نسب إلى المحقق الرشتي (ره) (2): من أن الملاك في كون العارض ذاتيا كون الواسطة وذي الواسطة متحدين في الوجود حتى يكون العارض عارضا لكليهما. و لذا التزم بكون عوارض النوع عوارض ذاتية للجنس، و لم يبال بمخالفة القوم، قائلا: إن الاشتباه من غير المعصوم غير عزيز.

الثاني: ما ذكره المحقق الأصفهاني (ره) في تعليقته‏ (3): و هو أن موضوع كل‏

____________

(1) كما في بحوث في علم الأصول، ج 1 ص 50، (ما يبحث عنه في مسائل العلم).

(2) الناسب إلى المحقق الرشتي (قدِّس سره) هو المحقق الأصفهاني في نهاية الدراية ج 1 ص 2، و أما ما أفاده المحقق الرشتي ففي كتابه بدائع الأفكار ص 31 في مناقشته لما ورد في تحديد موضوعات العلوم، ط مؤسسة أهل البيت 1313 ه.

(3) نهاية الدراية ج 1 ص 6 عند قوله (و يمكن الجواب عن موضوعات سائر العلوم) .. الخ.

34

علم متحيث بحيثية خاصة، و لا يبحث في العلم عن جميع أحواله، مثلا، موضوع علم الفقه ليس هو فعل المكلف من حيث هو و لا يبحث فيه عن جميع ما يعرض له ككونه مخلوقا لله تعالى أو الناس مثلا أو غير ذلك، بل يبحث فيه عن فعل المكلف من حيث الاقتضاء و التخيير، و كذا، موضوع علم النحو ليس هو الكلمة و الكلام بما هما، بل من حيث الإعراب و البناء، و كذا سائر العلوم. و الحيثيات المذكورة ليست عبارة عن الحيثيات اللاحقة لموضوعات المسائل أي الحيثيات الفعلية ككون الكلمة معربة أو مبنية، لان اخذ مبدأ المحمول في الموضوع مستلزم لعروض الشي‏ء لنفسه، بل المراد الحيثيات السابقة، أي الحيثيات الاستعدادية، ككون الكلمة مثلا مستعدة لعروض الإعراب أو البناء عليها، فهذه الحيثيات المتقدمة عناوين منتزعه من موضوعات المسائل، فالكلمة من حيث الفاعلية مستعدة لعروض الرفع عليها، و فعل المكلف من حيث انه الصلاة مستعدة لعروض الوجوب عليه، و هكذا و حيث أن الأمر الانتزاعي لا وجود له، و لا تحمل عليه المحمولات، و إنما هي تحمل على مناشئ انتزاعه، فليس موضوع العلم كليا متخصصا في مراتب تنزله بخصوصيات تكون واسطة في عروض اللواحق له، بل هي تحمل على المعنونات بلا توسط شي‏ء في اللحوق و الصدق.

و فيه: انه إن كان مراده أن الموضوع هو الأمر الانتزاعي بما انه مشير إلى موضوعات المسائل و مرآة إليها و معرِّف لها و لا نظر إليه أصلًا، فهو في الحقيقة إنكار لوجود الموضوع.

و ان كان مراده أخذ الأمر الانتزاعي بما هو موضوعا، فلا ريب في أنَ‏

35

عوارض منشأ انتزاعه عوارض غريبة له، و بعبارة أخرى حاله أسوأ من الكلي الحقيقي الجامع بين موضوعات المسائل، حيث أن الكلي متحد في الوجود مع أفراده، بخلاف الأمر الانتزاعي الذي لا موطن له إلا الذهن، و لا يكون متحدا مع منشأ انتزاعه، فإذا كان عوارض الفرد عوارض غريبة للكلي فعوارض منشأ الانتزاع أولى بان تكون عوارض‏

غريبة للأمر الانتزاعي.

و أما ما أورده الأستاذ الأعظم (قدِّس سره) (1) عليه: من أن اقتضاء الموضوع لحمل المحمول عليه، لا يكون إلا في الفقه، بناء على مذهب العدليَّة القائلين بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، و إلا فلا يتم ذلك في سائر العلوم، إذ الكلمة مثلا من حيث الفاعلية غير مقتضية لعروض الرفع عليها، و لا اقتضاء فيها للحوقه، بل إنما هو قانون مجعول.

فغير تام إذ مراده من الحيثيات، هي الحيثيات الاستعدادية، أي استعداد الموضوع و قابليته لعروض المحمول عليه، و هذه الحيثيات عناوين انتزاعية لموضوعات المسائل، مثلا الكلمة المتحيثة بحيثية الإعراب و البناء عنوان انتزاعي من الفاعل و المفعول و غيرهما. و مرجع ذلك إلى دعوى أن موضوع علم النحو مثلا هو الكلمة من حيث الفاعلية و المفعولية و ما شاكل ذلك، و ليس في كلامه (قدِّس سره) من الاقتضاء بالمعنى الذي هو أساس الإيراد عين و لا اثر.

____________

(1) بعد التتبع يظهر أن هذا الإيراد غير موجود في محاضرات السيد الخوئي (قدِّس سره) و لا في حاشيته على أستاذه النائيني (قدِّس سره) في أجود التقريرات، بل الظاهر أنه نقله المصنف حفظه المولى من مجلس درسه كما أفادنا بعد مراجعته ..

36

الثالث: ما ذكره المحقق النائيني (ره) (1)، و توضيحه يبتنى على بيان مقدمات:

الاولى: إن موضوع العلم ليس هو الذات بما هو، بل مقيدا بحيثية خاصة، مثلا موضوع علم النحو، ليس هي الكلمة من حيث هي، بل من حيث لحوق الإعراب و البناء لها، كما إنّ موضوعات المسائل، ليست هي الذوات، بل مقيدة بحيثيات خاصة، مثلا الموضوع في" كل فاعل مرفوع"، إنما هو الفاعل من حيث قابلية عروض الرفع عليه و تكون الفاعلية علة لعروض الرفع عليه، قال: و هذه الحيثية من الأمور الاعتبارية، مراده أنها من الأمور الانتزاعية.

الثانية: إن المراد بهذه الحيثية في الموردين، هي الحيثية السابقة التي بها يستحق الإعراب الفعلي، لا الحيثية اللاحقة الإعرابية، حتى يقال: إن الكلمة المعربة يستحيل عروض الإعراب عليها.

الثالثة: إن الأمور الانتزاعية و الاعتبارية، ليست من قبيل الجواهر التي تنحل في الخارج إلى جزءين: مادة و صورة، و لذا قد تنعدم الصورة و تبقى المادة المشتركة متصورة بصورة أخرى، و لا من قبيل الأعراض المنحلَّة بتعمّل من العقل إلى جزءين، و ان كانت في الخارج بسيطة، بل هي من سنخ الوجود الذي هو بسيط من جميع الجهات، و يكون ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز.

إذا عرفت هذه الأمور، تبيَّن لك أن موضوع العلم إنما يكون منطبقا على موضوعات المسائل بنحو العينية، و يكون ما به يمتاز موضوع كل مسألة عن موضوع مسألة أخرى، هو عين ما به يشتركان، فيكون عوارض موضوعات‏

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 5، و في الطبعة الجديدة ج 1 ص 8.

37

المسائل عوارض ذاتية لموضوع العلم.

و يتوجه عليه، أن خصوصيات موضوعات المسائل المنوعة، أو المصنفة لها الموجبة لصيرورتها أنواعاً أو أصنافاً، تكون دخيلة في الموضوع، لا أنها حيثيات تعليلية، مثلا الموضوع في قولنا،" كل فاعل مرفوع"، هو الفاعل بما هو فاعل، و في قولنا،" الصلاة واجبة" هي الصلاة بما هي صلاة و هكذا ..

وعليه فان ادعى أن موضوع العلم هي نفس تلك الحيثية الانتزاعية بما أنها تشير إلى موضوعات المسائل، فمرجع ذلك إلى إنكار وجود الموضوع.

و ان ادعى أن الموضوع هي نفس تلك الحيثية بما هي، فتكون المحمولات عوارض غريبة لها، لكونها تعرضها بواسطة موضوعات المسائل التي غير ذلك الأمر الانتزاعي.

و ان ادعى أن الموضوع هو الكلي الجامع بين موضوعات المسائل مقيدا بالحيثية المذكورة، فيعود المحذور، و يضاف إليه أنّ المقيّد بالأمر الانتزاعي لا يكون من البسائط.

و بما ذكرناه ظهر أنّ ما أفاده بعض الأساطين (ره) (1) في دفع العويصة-

من أنَّ خصوصيات موضوعات المسائل، جهات تعليلية لترتب المحمولات على الذات." مثل: الرفع و النصب و غيرهما من العوارض، إنما تعرض على ذات الكلمة لا على أنواع خاصة" فان الفاعلية و المفعولية و غيرهما من‏

____________

(1) و هو المحقق الأصولي ضياء الدين العراقي في كتابه مقالات الأصول ج 1 ص 45.

38

الخصوصيات المنوِّعة،" بل هي جهات تعليلية لعروض العوارض المزبورة على الذات، نظير المجاورة للنار بالنسبة إلى حرارة الماء" و على ذلك فليس موضوع العلم إلا عين موضوعات المسائل، و ليست بالنسبة إليه من قبيل الأنواع إلى جنسها-.

غير تام، إذ الخصوصيات دخيلة في الموضوع، و تكون جهات تقييدية في عروض العوارض. و ذلك في المسائل الفقهية واضح فان الصلاة بما هي صلاة، واجبة لا بما هي فعل المكلف الجامع بينها و بين شرب الخمر. و أما في غيرها، فلان المحمول في قولنا:" الفاعل مرفوع" مثلا، إنما هو جعل الرفع له، و من البديهي، أن الجاعل إنما جعل لكل نوع حركة خاصة ليمتاز كل من الأنواع عن الأخر.

فتحصل أن شيئا مما قيل في دفع هذه العويصة لا يفيد.

فالحق هو الالتزام بالإشكال، و تعين رفع اليد عن أحد المبنيين، و البناء:

إما على انه لا يلزم أن تكون المحمولات عوارض ذاتية لموضوع العلم، كما هو الصحيح- إذ لو ترتب غرض على البحث عن العوارض الغريبة لموضوعات المسائل، فضلا عن موضوع العلم، صح تدوين علم خاص، و قد التزم به الأستاذ الأعظم (قدِّس سره) (1).

____________

(1) السيد الخوئي في كتاب محاضرات في أصول الفقه ج 1 ص 26 قال: «و أما التمايز في المقام الثاني (أي غرض التدوين) فالفرض .. الخ».

39

و إما أن العارض بواسطة أمر أخص كالنوع، لا يكون عارضا غريبا للأعم كالجنس.

بما ذكرناه تندفع الشبهة الناشئة من أعميَّة موضوعات مسائل علم الأصول عن موضوع العلم.

*****

40

ما به تمايز العلوم‏

الامر الرابع: فيما به تمايز العلوم.

قال المحقق الخرساني‏ (1):" و قد انقدح بما ذكرناه، أن تمايز العلوم، إنما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين" انتهى.

و أورد عليه: بأنه لم يذكر ما يظهر منه ذلك، و لكنه ناشئ عن عدم التدبُّر في كلماته فانه ذكر.

أولًا: إن موضوع العلم، هو الجامع بين موضوعات المسائل، و أقام البرهان عليه، بان موضوع العلم، ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و حيث أنّ ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، هو موضوعات المسائل، فيكون موضوع العلم هو موضوعات المسائل، و محمولاتها لواحقه، و نتيجة ذلك، كون العلم عبارة عن جملة مسائل جمعها المدون و سماه باسم واحد.

و ثانيا: أنّ الذي أوجب جمع المسائل المتشتتة و جعلها واحدا اعتباريا،

هو اشتراكها في الدخل في الغرض، الذي لأجله دون هذا العلم، فيكون نتيجة ذلك كله، أن تمايز العلوم إنما يكون باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين.

و لكن يرد على ما اختاره في ما به التمايز في مقابل المشهور القائلين، بان‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 8.

41

تمايز العلوم إنما يكون بتمايز الموضوعات، و هو أن تمايز العلوم إنما يكون بتمايز الأغراض التي دونت العلوم لأجلها، أمور:

الأول: انه يرد عليه ما أورده هو (قدِّس سره) (1) على المشهور،" من انه يلزم أن يكون كل باب بل كل مسألة من كل علم علما على حدة"، إذ يترتب على كل مسألة غرض خاص غير الغرض المترتب على مسألة أخرى، مثلا

الغرض في علم الأصول: الاقتدار على الاستنباط، و بديهي أن القدرة المترتبة على مسألة حجية خبر الواحد، غير القدرة المترتبة على مسألة حجية الاستصحاب.

الثاني: انه ربما لا يترتب على علم غرض خاص كالفلسفة العالية.

الثالث: انه على مسلكه (قدِّس سره) يستكشف من وحدة الغرض، وحدة الموضوع، الجامع بين موضوعات المسائل المؤثرة في ذلك الغرض، فلا يكون لعدوله وجه عن ما اختاره المشهور، إذ مع وجود المائز في المرتبة السابقة على الغرض لاوجه لجعله مائزا.

و أما ما أورده المحقق النائيني‏ (2) عليه: أنَّ العلوم المدوَّنة ربما لا يترتب عليها

الأغراض المذكورة، فلا يمكن أن يكون التمايز بها.

فغريب إذ ليس المراد من الأغراض الوجودات الخارجية، بل الاقتدار عليها، مثلا الغرض من علم النحو ليس صيانة المقال عن الألحان بل القدرة

____________

(1) كفاية الأصول ص 8.

(2) أجود التقريرات ج 1 ص 8، و في الطبعة الجديدة ج 1 ص 11.

42

عليها.

و حقُّ القول في المقام، انه لا ريب في أنّ كل مسألة من أي علم كانت لها واقع محفوظ و متحققة في نفس الأمر مع قطع النظر عن العلم و الجهل، كان المحمول فيها من الأمور الحقيقية، أو كان من الأمور الاعتبارية كالوجوب.

و تميز كل مسألة عن غيرها، تارة يكون بالموضوع، و أخرى بالمحمول، و ثالثة بكليهما.

كما لا ريب في أن هذه المسائل المتشتتة المتحققة في نفس الأمر، يشترك كل طائفة منها في أمر واقعي مع قطع النظر عن تدوين العلم، و ذلك الأمر ربما يكون هو الجامع بين موضوعات المسائل، و ربما يكون هو الجامع بين المحمولات، و ثالثا يكون هو الغرض المترتب على المجموع الجامع بين الأغراض الخاصة المترتبة على المسائل، و ذلك‏

الجامع أيضاً يختلف سعة و ضيقا.

مثلا يترتب على مسائل باب الفاعل، غرض واحد في قبال باب المفعول. و يترتب على مسائل باب المرفوعات، غرض وحداني أوسع من ذلك الغرض. و يترتب على مسائل النحو غرض أوسع. و هكذا ... هذا حال المسائل قبل التدوين.

و أما بعد التدوين و جعل كل طائفة من تلك المسائل علما مستقلا، فيتوجه السؤال عن ما به تمايز العلوم و انه بما ذا تمايز كل علم عن غيره.

و في هذا المقام أقول: إنّ التمايز تارة يكون المراد منه التمايز في مقام التعليم و التعلم لكي يقتدر المتعلم و يتمكن من تمييز كل مسألة ترد عليه و ان أيتها

43

داخلة في هذا العلم، و أيتها خارجة عنه.

و أخرى يراد به التمايز في مقام التدوين، و انه ما ذا يكون داعيا و باعثا لاختيار المدون عدّة من القضايا المتشتتة المتخالفة و تدوينها علما واحدا و تسميتها باسم واحد؟

أما التمايز في المقام الأول: بالنسبة إلى الجاهل المتعلم، فتارة يكون بالموضوع و لو مقيدا بحيثية خاصة، كما يقال: إن موضوع علم النحو، الكلمة و الكلام من حيث الإعراب و البناء، و المراد بالحيثية المذكورة، حيثية استعداد ذات الموضوع لورود المحمول عليه. وعليه، فدعوى:" أنّ ذلك يرجع إلى التمييز بالمحمولات" ناشئة عن عدم مراجعة كلمات أهل المعقول.

و أخرى يكون بالمحمول، كما يقال في تعريف علم الفقه: بأنه العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.

و ثالثة يكون بالغرض، كما ترى من تعريف المنطق بأنه: قانون آلي يقي رعايته عن خطأ الفكر و هذا غايته.

و رابعة يكون بذكر فهرست المسائل إجمالًا (1).

و أما في المقام الثاني: بالنسبة إلى المدوِّن، فمناط اعتبار الوحدة لعدة مسائل‏

____________

(1) و قريب من هذا ما ذهب إليه السيد الخوئي (قدِّس سره) في المحاضرات نعم تفرد السيد المصنف (دام ظله) بأن الجامع للمدوّن ليس الغرض مطلقاً بل غرض المصنف الشخصي كما سيأتي.

44

متشتتة و جعلها علما واحدا، ليس هو وحدة الموضوع، أو المحمول، أو الغرض، لأنه، و ان كان لها جامع حقيقي، و هو تارة يكون بالموضوع، و أخرى بالمحمول، و ثالثة بالغرض المترتب عليها، إلا أنّ ذلك الجامع يختلف سعة و ضيقا كما مر تفصيله.

بل المناط: هو غرض المصنف الشخصي، مثلا تارة يتعلق غرضه بتدوين علم يترتب عليه غرض خاص كعلم المنطق، و أخرى يتعلق بتدوين ما يعرف فيه أحوال الإنسان من تمام جهاته، و ثالثة يتعلق بتدوين ما يعرف به ما يعرضه الحركة و السكون، و هكذا ... و هذا هو المصحح لهذا الاعتبار، كما هو واضح بعد التدبر في ما ذكرناه.

*****

45

موضوع علم الأصول‏

الامر الخامس: في موضوع علم الأصول.

مما ذكرناه ظهر انه لا موضوع لهذا العلم، و لكن لو تنزلنا عن ذلك، و سلمنا أنَّ له موضوعا، فيقع الكلام في بيان ما هو الموضوع؟

ربما يقال: أن موضوعه الأدلة الأربعة بوصف دليليتها. و اختار هذا القول، المحقق القمي‏ (1)، و نسب إلى كثير من الأصحاب، بل قيل: انه المشهور بينهم.

أورد عليه‏ (2): بان لازم ذلك، خروج أكثر المسائل الأصولية عن علم الأصول، و كونها من مباديه، كمباحث الحجج و الأمارات، و مباحث الاستلزامات العقلية، و الأصول العملية، و غير ذلك من المباحث لان البحث‏

____________

(1) كما ذكر ذلك السيد الخوئي (قدِّس سره) في المحاضرات ج 1 ص 28.

و قال المحقق القمِّي في كتابه قوانين الأصول ج 1 ص 9 في المقدمة: «و أما موضوعه (أي موضوع علم الأصول) فهو أدلة الفقه و هي:" الكتاب و السنة و الإجماع و العقل"، و أما الاستصحاب فإن أخذ من الأخبار فيدخل في السنة و إلا فيدخل في العقل، و أما القياس فليس من مذهبنا.

(2) السيد الخوئي في المحاضرات ج 1 ص 4. و لكن هذا الإيراد على تعريف المحقق القمي و الذي نسب أيضاً للمشهور أورده غير واحد بل يمكن القول أن أكثر المتأخرين تعرضوا لهذا الإيراد و لكن بعبارات مختلفة و مع فوارق بسيطة.

46

في مباحث الحجج و الأمارات بأسرها بحث عن الدليلية فهو بحث عن ثبوت الموضوع لا عن عوارضه الذاتية، فتدخل في مباديه.

و البحث في الاستلزامات العقلية بحث عن أحوال الأحكام بما هي‏

أحكام، لا عن عوارض الأدلة بما هي أدلة، و لا بما هي هي- فتدخل في المبادئ الأحكامية، و بذلك يظهر خروج الأصول العملية.

و لذلك عدل صاحب الفصول‏ (1) عن هذا المسلك، و اختار أن الموضوع" ذوات الأدلة بما هي"، وعليه فالبحث عن دليليتها، بحث عن عوارض الموضوع لا عن ثبوته.

و لكن يرد عليه: أن البحث في حجية خبر الواحد، و سائر الإمارات على هذا خارج عن علم الأصول.

فان المراد من السنة: إن كان نفس قول المعصوم، أو فعله، أو تقريره، كما هو كذلك، فالبحث عن حجية الخبر بحث عن عوارض الحاكي للدليل لا عن عوارضه، و أيضاً، يلزم خروج مبحث التعادل و الترجيح، و ما شاكله من المباحث و الاستلزامات العقلية عنه.

____________

(1) كما في المحاضرات ج 1 ص 4 و قد تعرض غير واحد لتعريف صاحب الفصول ممن قارب عصره كالميرزا الآشتياني في بحر الفوائد و غيره ممن تأخر عنه.

و قال صاحب الفصول الغروية ص 12 «و أما بحثهم عن حجية الكتاب و خبر الواحد فهو بحث عن الأدلة لان المراد بها ذات الأدلة لاهي مع وصف كونها أدلة ...

47

و لذلك التجأ الشيخ الأعظم‏ (1) إلى إرجاع البحث عن حجية الخبر الواحد إلى البحث عن أحوال السنة، و قال: فمرجع هذه المسألة إلى أنّ السنة، اعني قول الحجة، أو فعله، أو تقريره، هل تثبت بخبر الواحد أم لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر و القرينة، و من هنا يتضح دخولها في مسائل أصول الفقه الباحثة عن أحوال الأدلة. انتهى.

أورد عليه المحقق الخرساني‏ (2) بقوله: فان البحث عن ثبوت الموضوع، و ما هو مفاد كان التامة، ليس بحثا عن عوارضه، فإنها مفاد

كان الناقصة.

لا يقال: هذا في الثبوت الواقعي، و أما الثبوت التعبدي كما هو المهم في هذه المباحث، فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.

فانه يقال نعم، لكنه مما لا يعرض السنة، بل الخبر الحاكي لها، فان الثبوت التعبدي، يرجع إلى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، و هذا من عوارضه، لا عوارضها. انتهى.

و قد ذُكر- لإرجاع البحث عن ثبوت السنة بالخبر بالثبوت التعبدي، إلى البحث عن عوارض السنة انتصاراً للشيخ الأعظم- وجهان:

أحدهما: ما في تعليقة المحقق الأصفهاني على الكفاية (3)، و حاصله: أن‏

____________

(1) فرائد الأصول ج 1 ص 108. عند الحديث عن الظنون الخارجة بالنصوص عن أصالة حرمة العمل بغير العلم.

(2) كفاية الأصول ص 8. م.

(3) نهاية الدراية ج 1 ص 15.

48

حجية الخبر، عبارة عن تنزيله منزلة السنة، فهو وجود تنزيلي لها، و هذا المعنى كما له مساس بالخبر كذلك له مساس بالسنة، فان حاصل البحث، إثبات وجود تنزيلي للسنة، و بهذا الاعتبار يقال بثبوت السنة تعبدا.

و فيه أولًا: انه قد حققنا في محله، و سيأتي في الجزء الثالث من هذا الكتاب‏ (1)، أنه لا تنزيل في باب الحجج، بل جعل الحجية، عبارة عن جعل الحكم المماثل، أو تتميم الكشف، فلا يكون مؤدى الخبر، منزلًا منزلة الواقع.

فان قلت: إن جعل الكاشفية للخبر، يلازم جعل المنكشفية للسنة، و صيرورتها محكية، يرجع البحث فيها إلى البحث عن عوارض السنة.

قلت: إن غرض الأصولي متعلق بالجهة الأولى، و أما الجهة الثانية فلا يبحث عنه الأصولي، و إنما هي لازمة لما يبحث عن ثبوته، و هو كاشفية الخبر.

ثانيهما: إنَّ حجية الخبر، عبارة عن تنجز السنة بالخبر، فالبحث عن‏

حجية الخبر، بحث عن عوارض السنة.

و فيه: مضافا إلى ما حقق في محله، من عدم معقولية جعل المنجزية و سيأتي مفصلا في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي.

أن المجعول هو المنجزية للخبر لا المتنجزية للسنة، و ان كانت هي لازمة لما هو المجعول، فهو أشكال و جواب، كالثبوت التعبدي.

فإيراد المحقق الخراساني على الشيخ الأعظم، متين لا يمكن الجواب عنه،

____________

(1) زبدة الأصول ج 3 ص 41- 42 من الطبعة الاولى (قيام الامارات و الاصول مقام القطع).

49

فهذا الوجه أيضاً لا يتم.

و لذلك عدل صاحب الكفاية (1) عن مسلك المشهور، و التزم بان موضوع علم الأصول، عبارة عن جامع مقولي واحد لموضوعات مسائله. و قد مر ما في ذلك مفصلا.

فعلى فرض لزوم البناء على وجود الموضوع.

فالحق أن يقال: انه الجامع الانتزاعي من مجموع مسائله، كعنوان ما يقع نتيجة البحث عنه في طريق الاستنباط، و تعيين الوظيفة في مقام العمل.

*****

____________

(1) الكفاية ص 8 بقوله (إن موضوع علم الأصول الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة).

50

تعريف علم الأصول‏

الامر السادس: في تعريف علم الأصول.

المعروف بين الأصحاب في تعريف علم الأصول،" أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي" (1).

قال في الكفاية (2): الأولى تعريفه:" بأنه صناعة، يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليه في مقام العمل" انتهى.

و وجه الأولوية أمور، عمدتها اثنان:

أحدهما: خلوه من ذكر العلم.

و هو متين، إذ الأصول ليس هو العلم بالقواعد الخاصة، بل هو الفن و الصناعة، و هي نفس المسائل التي يتعلق بها العلم تارة، و الجهل أخرى، و أما العلم بتلك القواعد، فهو العلم بالأصول، لا علم الأصول.

ثانيهما: إضافة قيد:" أو التي ينتهي إليها في مقام العمل" لتدخل مسألة

____________

(1) تناقل هذا التعريف أغلب من كتب في الأصول و يمكن القول أنه لا يخلو كتاب من المتأخرين لم يتعرض له و من ذلك صاحب القوانين ج 1 ص 5/ بدائع الأفكار ص 26 و غيرهما.

(2) كفاية الأصول ص 9.

51

حجية الظن على الحكومة، و مسائل الأصول العملية في علم الأصول.

توضيح ذلك: انه (ره) في أول مسألة البراءة، صرح‏ (1): بان الأصول العملية لا تقع في طريق استنباط الأحكام، لأنها وظائف مجعولة للجاهل بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل على الحكم الشرعي.

و أما حجية الظن على الحكومة (2) في حال الانسداد، فالمراد بها، التبعيض في الاحتياط، و الاكتفاء في مقام الامتثال بالامتثال الظني كما حققناه في محله، فلو اقتصر في التعريف، على ما اشتهر، لزم خروج هذه المسائل عن الأصول، و هو بلا وجه. و هذا هو الوجه لإضافة هذا القيد، و عدم الاقتصار على تعريف المشهور.

لا ما أفاده المحقق الأصفهاني (ره) (3): من أنّ الأصول العملية على قسمين: الأول: الأصول الشرعية، و الثاني: الأصول العقلية، و الأصول الشرعية بأنفسها أحكام شرعية، لا أنها واسطة في استنباطها، و الأصول العقلية، لا تنتهي إلى حكم شرعي أبداً، و الظن الانسدادي لا ينتهي إلى حكم شرعي، بل ظن به‏

____________

(1) الكفاية ص 337 في أول المقصد السابع. و المنقول عنه هنا بتصرف.

(2) هذا التعبير اختصار لما استدلوا به في نهاية أدلة حجية الخبر من أنه إذا انسد باب العلم و العلمي فيدور الأمر بين ترك التكليف و فيه مخالفة قطعية لما هو معلوم قطعا من وجود تكاليف في الشريعة، و بين العمل بالظن أو الشك والوهم و لا شك من حكم العقل بلزوم العمل بالظن لان الثاني ترجيحٌ للمرجوح.

(3) نهاية الدراية ج 1 ص 17- 18.

52

أبدا.

ثم انه (ره) سرّى هذا الإشكال إلى جل المسائل الأصولية، بدعوى أن المجهول في الإمارات غير العلمية سندا كخبر الواحد، إما أحكام مماثلة لما اخبر به العادل، أو منجزيتها للواقع، و على الأول، تكون نتيجة البحث عن حجيتها، حكما شرعيا، و على الثاني، لا ينتهي إلى حكم شرعي، و كذلك في الإمارات غير العلمية دلالة، كالظواهر، بل يتعين فيها الثاني، لان دليل حجيتها بناء العقلاء، و لا معنى للالتزام بان هناك حكما من العقلاء مماثلا لما دل عليه ظاهر اللفظ حتى يكون إمضاء الشارع أيضاً كذلك.

ثم ادخل مباحث الألفاظ في ذلك من جهة أن نتائجها لا تقع في طريق الاستنباط إلا بتوسط حجية الظواهر التي عرفت حالها.

ثم بعد ذلك تصحيحاً لتعريف المشهور بنحو لا يرد عليه هذا الإيراد

قال‏ (1):" إذ ليس حقيقة الاستنباط و الاجتهاد إلا تحصيل الحجة على الحكم الشرعي".

و هذا المعنى كما ينطبق على حجية الإمارات، لأنها بأي معنى كانت دخيلة في إقامة الحجة على حكم العمل في الفقه، كذلك ينطبق على حجية الأصول العملية، وعليه فعلم الأصول، ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي من دون لزوم التعميم.

____________

(1) نهاية الدراية ج 1 ص 19.

53

أما ما ذكره في تعريف الاستنباط (1)، فهو مما لا تساعد عليه اللغة، و لا الاصطلاح.

و أما الجواب- عن اصل الإشكال بحيث يتم ما ذكره المشهور، و يندفع ما أورد عليه- فيتوقف على بيان مقدمات:

الأولى: إن المراد من الأحكام الشرعية، إنما هي الأحكام الكلية القابلة للإلقاء إلى المقلدين، و يكون تطبيقها على مصاديقها بيد المقلدين لا المجتهدين، فلا تشمل الأحكام الجزئية، كحرمة الخمر المعيَّنة الخارجية، و لا الأحكام الكليَّة التي يكون أمر تطبيقها بيد المجتهد، و لا يقدر المقلِّد على ذلك، و ليست هي وظيفته.

الثانية: إن المراد بها، اعم من الأحكام الظاهرية و الواقعية.

الثالثة: إن المراد من القواعد التي تقع في طريق الاستنباط، ما يمكن أن يقع‏

____________

(1) المحقق الاصفهاني في نهاية الدراية ج 1 ص 19 قوله: «إذ ليس حقيقة الاستنباط و الاجتهاد إلّا تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي، و من الواضح دخل حجية الأمارات بأي معنى كان في إقامة الحجّة على حكم العلم في علم الفقه، و عليه فعلم الأصول ما يبحث فيه عن القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي من دون لزوم التعميم إلّا بالإضافة إلى ما لا بأس بخروجه كالبراءة الشّرعية الّتي معناها حلّية مشكوك الحرمة و الحلية لا ملزومها و لا المعذر عن الحرمة الواقعيّة.، و أمّا الالتزام بالتعميم على ما في المتن ففيه محذوران. الخ». و في ج 2 ص 188 قال: «بل الاستنباط و الاجتهاد تحصيل الحجّة على الحكم.»

54

في طريق الاستنباط، لا الواقعة في ذلك الطريق على كل تقدير.

و بعبارة أخرى، المراد بها، المسائل التي تقع نتيجتها في طريق الاستنباط في الجملة و على بعض التقادير، و لا يعتبر وقوع النتيجة على جميع التقادير في طريق الاستنباط، مثلا: مسألة حجية الخبر الواحد، مسألة تقع نتيجتها في طريق الاستنباط على تقدير القول بالحجية، و لا تقع في ذلك الطريق على فرض القول بعدم الحجية.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الإمارات غير العلمية تقع في طريق الاستنباط بمعنى انه لو انضم إلى نتيجة البحث فيها صغرياتها، تكون النتيجة حكما كليا فرعيا، سواء قلنا: بان المجعول فيها، الطريقية، أو الحكم المماثل.

أما على الأول فواضح.

و أما على الثاني فلان نتيجة البحث فيها و ان كان حكما شرعيا إلا أنه حكم غير قابل للإلقاء إلى المقلدين، بل أمر تطبيقها على صغرياتها بيد المجتهد، و هذا بخلاف الحكم المستخرج منها، بعد ضم الصغرى إليها، فانه يكون حكما كليا قابلا للإلقاء إلى المقلدين.

و بهذا ظهر حال الأصول العمليَّة الشرعية كالاستصحاب، فإنها و ان كانت بأنفسها أحكاما إلا أنها لا يصح إلقائها إلى المقلدين، نعم بينهما فرق، و هو أنّ المستخرج من الإمارات حكم واقعي، و الحكم المستخرج من الأصول العملية حكم ظاهري، و هذا لا يوجب الفرق فيما هو ضابط كون المسألة أصولية.

و أما الأصول العقلية، فهي بأنفسها ليست من المسائل، و لم تُعنون في‏