زبدة الأصول - ج2

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
420 /
5

[تتمة المقصد الاول: الاوامر]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين، و افضل صلواته على اشرف الخلائق اجمعين محمد و آله الطيبين الطاهرين لا سيما بقية اللّه في الارضين الامام المهدي ارواح من سواه فداه، و اللعن على اعدائهم اجمعين.

و بعد فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا زبدة الاصول في طبعته الثانية، وفقنا اللّه لطبعه و نشره في حلة جديدة و اللّه وليُّ التوفيق.

6

الفصل الثالث‏

من ‏المقصد الأول‏

من‏ مقاصد علم الاصول‏

7

الإجزاء

الفصل الثالث‏ (1) في مبحث الاجزاء

ان الاتيان بالمأمور به على وجهه، هل يقتضي الاجزاء، ام لا؟ ام هناك تفصيل؟ وجوه:

و قبل الخوض في المقصود و تنقيح القول فيه لا بد من تقديم امور:

الأول: ما هو المراد من كلمة وجهه في العنوان؟

ذكر المحقق الخراساني في الكفاية (2) ان المراد به، هو النهج الذي ينبغى ان يؤتى به على ذاك النهج شرعا و عقلا، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا.

و استدل له بوجهين:

احدهما: انه لو كان المراد خصوص الوجه الشرعي، لزم خروج التعبديات عن حريم النزاع بناءً على كون قصد القربة من كيفيات الاطاعة عقلا: إذ لا ريب في انه في التعبديات لا يكون الاتيان بالمأمور به الشرعي مجزيا.

____________

(1) الفصل الثالث من المقصد الأول (في الاوامر).

(2) كفاية الأصول ص 81 (الفصل الثالث .. أحدهما).

8

الثاني: انه على ذلك يلزم كون هذا القيد توضيحيا، و هو بعيد (1).

و فيهما نظر:

اما الأول: فلان لازم ما اختاره من ان اعتبار قصد القربة في التعبديات انما هو بحكم العقل، ان المأمور به ليس هو مطلق وجوده، بل الحصة المقارنة لقيد الدعوة، فالمأمور به تلك الحصة، و إتيان تلك الحصة

يكون مجزيا على القول بالاجزاء، فلا يلزم خروجها عن حريم النزاع، لو اريد خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعا.

و اما الثاني: فلانه من جهة ان الامر بالمركب ينبسط على الاجزاء و يتعلق بكل جزء حصة من الامر، و يكون كل جزء مامورا به، و لو لم يكن قيد" على وجهه" كان لتوهم ان المراد من اجزاء الاتيان بالمأمور به، اجزاء الاتيان بكل جزء عن امره، مجال واسع، فقيد" على وجهه" انما يكون لدفع هذا التوهم، و ان المراد اجزاء الاتيان بالمأمور به على النهج الذي ينبغى ان يؤتى به، باتيان جميع الاجزاء و الشرائط.

اضف إليه ان هذا القيد مأخوذ فيما عنونه المشهور القائلون باعتبار قصد القربة في المأمور به شرعا. فلو كان القيد توضيحيا. بدون تلك الاضافة كان كذلك معها.

فالمتحصل ان المراد من وجهه في العنوان هو الوجه المعتبر شرعا و لا يلزم‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 81.

9

من ذلك محذور حتى على مسلك المحقق الخراساني من ان قصد القربة مما يعتبر في المأمور به عقلا كما مر.

بيان المراد من الاقتضاء، و الاجزاء

الثاني: ما هو المراد من الاقتضاء؟ هل هو الاقتضاء بنحو العلية و التاثير؟ أو الكشف و الدلالة؟

و الحق ان الاقتضاء ان اضيف إلى الاتيان كما في الكفاية (1) لا محالة يكون المراد منه العلية و التاثير.

و ان اضيف إلى الامر يراد منه الدلالة و الكشف إذ ليس في الامر علية و تأثير في الاجزاء.

و المحقق القمى حفظا لمناسبة هذا المبحث مع المباحث المتقدمة اضافه إلى الامر و قال ان المراد منه الدلالة و الكشف‏ (2).

و المحقق الخراساني لما رأى ان محل النزاع هو العلية و التاثير و ان اتيان المأمور

____________

(1) كفاية الأصول ص 81 (ثانيها).

(2) قوانين الأصول ج 1 ص 130 (الثانية) كون الأمر مقتضياً للاجزاء: هو إذا اتى به المكلف على ما هو مقتضي الأمر و المفهوم منه مستجمعاً لشرائطه المستفادة له من الشرع بحسب فهمه و على مقتضى تكليفه كما عرفت.

10

به يوجب سقوط الامر ام لا؟ اضافه إلى الاتيان و قال: ان المراد من الاقتضاء هاهنا الاقتضاء بنحو العلية و التاثير لا بنحو الكشف و الدلالة (1).

و للمحقق الأصفهاني (ره) (2) في المقام كلام، و هو ان الاتيان بالمأمور به لا يكون علة لسقوط الامر: إذ سقوط الامر انما يكون لحصول الغرض و عدم بقائه على غرضيته و دعوته و المعلول ينعدم بانعدام علته، و الا الفعل لا يعقل ان يؤثر في سقوط الامر: لان الامر علة لوجود الفعل في الخارج فلو كان الفعل علة لسقوط الامر لزم علية الشي‏ء لعدم نفسه بل سقوط الامر انما هو لتمامية اقتضائه و انتهاء امده.

و فيه أولًا: ان العلة و الداعى لوجود الفعل، هو الامر بوجوده العلمي، و ما هو معلول لحصول المأمور به سقوط الامر بوجوده الواقعي فليس وجود شي‏ء علة لعدمه بل العلم بالامر علة لعدم الامر.

و ثانياً: ان المستحيل كون وجود الشي‏ء علة لعدم هذا الوجود، لاستلزامه اجتماع النقيضين: إذ العلة و المعلول مجتمعان في التحقق فيلزم كون الشي‏ء موجودا و معدوما في آن واحد و هو محال.

و اما علية وجود الشي‏ء لعدم ذلك الشي‏ء في الآن الثاني.

و بعبارة أخرى عليّة الحدوث لعدم البقاء فلا محذور فيها، بل هي‏

متحققة، مثلا: إذا اتصل بدنه بالسلك الكهربائي مع وجود القوة فيه و تحرك، و لزم من‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 81 (ثانياً).

(2) نهاية الدراية ج 1 ص 259.

11

هذا التحرك الانفصال، فهل يتوهم احد ان هذا من قبيل علية الشي‏ء لعدم نفسه فإن الاتصال صار علة لعدمه، و المقام من هذا القبيل إذ وجود الامر في الآن الأول: علة وداع لوجود الفعل، و هو يوجب سقوطه في الزمان الثاني فتدبر.

و اورد المحقق الخراساني‏ (1) على ما افاده من ان النزاع في العلية و التاثير: بأن ذلك يتم بالنسبة إلى امره، و اما بالنسبة إلى امر آخر كالاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهرى بالنسبة إلى الامر الواقعي، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره بنحو يفيد الاجزاء أو بنحو آخر لا يفيده.

و أجاب عنه- بما حاصله- ان النزاع الآخر يكون منحلا إلى نزاعين‏

احدهما: وفاء المأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهرى بتمام الغرض الداعي إلى الامر و الواقعي الاختياري.

الثاني: انه بعد الوفاء، هل يكون مجزيا عن الامر الواقعي ام لا؟

و النزاع الأول يكون صغرويا بالنسبة إلى النزاع الثاني، وعليه فالخلاف فيه و ان كان في دلالة دليلهما على انه، هل يكون المأمور به الاضطراري أو الظاهرى وافيا به ام لا؟ الا ان ذلك لا يوجب كون الاقتضاء بمعنى الكشف و الدلالة في العنوان بعد كون النزاع الثاني: انما هو في العلية و التاثير (2).

____________

(1) كفاية الأصول ص 81 (ثانيها .. ان قلت).

(2) كفاية الأصول ص 82 (ثانيها ... قلت).

12

هذا و يمكن ان يقال ان النزاع الأول أيضا ليس في دلالة الدليل على كون المأمور به وافيا بتمام الغرض الداعي إلى الامر الواقعي، بل في اشتمال المأمور به عليه، غاية الامر من جملة الادلة على الاشتمال المزبور، دلالة الادلة. كما هو الشأن في جملة من المباحث الاصولية العقلية كالاستصحاب.

الثالث: في بيان المراد من الاجزاء، فالظاهر كما افاده المحقق الخراساني‏ (1) من انه ليس لهم فيه اصطلاح خاص، بل المراد منه هو الكفاية التي هي معناه اللغوى، و انما يختلف ما يكفي عنه، فاجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره هو كفايته عما امر به اعادة و قضاءً، و إجزاء الاتيان بالمأمور به الاضطراري عن الامر الاختياري انما هو سقوط القضاء خاصة.

الفرق بين هذه المسألة، و مسألة المرة و التكرار

الرابع: قد يتوهم، انه لا فرق بين هذه المسألة، و مسألة المرة و التكرار، بدعوى ان القول بالاجزاء موافق للقول بالمرة، و القول بعدم الاجزاء موافق للقول بالتكرار.

كما انه قد يتوهم عدم الفرق بينها و بين مسألة تبعية القضاء للاداء، فإن القائل بالتبعية يلتزم ببقاء الامر في خارج الوقت عند عدم الامتثال و هو متحد في النتيجة مع القول بعدم الأجزاء.

____________

(1) كفاية الأصول ص 82 (ثالثها).

13

و لكن كلا التوهمين فاسدان.

اما الأول: فلما افاده المحقق الخراساني من ان تلك المسألة انما هي في تعيين المأمور به، و هذه المسألة في ان الاتيان بالمأمور به بحدوده هل يكون مسقطا للامر ام لا؟

هذا في النزاع في اجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره، و اما النزاع الآخر الذي هو المقصود المهم في عقد هذه المسألة، و هو ان الاتيان بالمأمور به الاضطرارى أو الظاهرى، هل بكون مجزيا عن الامر الواقعي الاختياري ام لا فعدم ارتباط تلك المسألة بهذه واضح: إذ النزاع حينئذ في هذه المسألة في اغناء المأمور به بامر عن المأمور به بامر آخر، و اما في تلك المسألة، فالنزاع انما هو في الاكتفاء بفرد واحد و عدمه.

و اما الثاني: فظاهر ما في الكفاية في بادئ النظر، ان الفرق بين المسألتين، انما هو بكون احداهما لفظية، و الاخرى عقلية.

و لكن ليس ذلك مراده قطعا: فإن مجرد ذلك لا يوجب عقد مسألتين، بل عقد مسألة واحدة يبحث فيها عن الجهتين معا، كما في مبحث البراءة، و لعل نظره الشريف إلى ان النزاع في المقام اجنبي، عن النزاع في تلك المسألة بالمرة.

و ذلك واضح في النزاع الأول في المقام، حيث ان النزاع حينئذ في ان الاتيان بالمأمور به، هل يوجب سقوط الامر به أداء و قضاءً ام لا؟

و في تلك المسألة في انه على فرض عدم الاتيان بالمأمور به هل الامر به يقتضي الاتيان به قضاء ام لا؟

14

فموضوع احدى المسألتين الاتيان، و موضوع الاخرى عدم الاتيان.

و اما النزاع الثاني: في مسألة الاجزاء. فالظاهر ان الفرق بين تلك مسألة و بين مسألة التبعية أيضا واضح، فإن الكلام في مسألة التبعية انما هو في اصل اقتضاء الامر للقضاء و عدمه و الكلام في مسألة الاجزاء، بعد الفراغ عن اقتضائه له أو ثبوت وجوبه بدليل آخر انما يكون في ان الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى أو الاضطراري هل يغنى عن قضاء المأمور به بالامر الواقعي الاختياري ام لا؟

و بعد ذلك نقول يقع الكلام في مسائل ثلاث:

الأولى: ان الاتيان بالمأمور به هل يقتضي الاجزاء عن امره سواء كان ذلك الامر امرا واقعيا أو اضطراريا أو ظاهريا.

الثانية: ان الاتيان بالمأمور به بالامر بالاضطراري هل يقتضي الاجزاء عن الامر الواقعي الاختياري ام لا؟

الثالثة: ان الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى هل يوجب الاجزاء عن الامر الواقعي ام لا؟

اجزاء الاتيان بالمأمور به عن امره‏

اما المسألة الأولى: فقد افاد المحقق الخراساني (ره) (1) ان الاتيان بالمأمور به‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 83 (الأول).

15

يجزى عن امره عقلا سواء أ كان امرا واقعيا أو اضطراريا ام ظاهريا لاستقلال العقل بذلك.

و هو كما افاده، و لذلك ليس فيه نزاع يعتد به و ان نسب الخلاف إلى ابى هاشم و عبد الجبار (1).

و الوجه فيه ان الامر انما يكون، عن داع، و عن مصلحة مترتبة على المأمور به، و على ذلك، فعدم سقوط الامر بعد الاتيان بالمأمور به، ان كان لعدم حصول الغرض و المصلحة، فهو خلف إذ المفروض وفائه به، و كون الامر ناشئا من ذلك، و ان كان مع فرض حصوله، فهو محال.

و ان كان لوجود غرض غير الغرض الحاصل من المأتي به أولًا، فلازمه الامر بفردين لا بفرد واحد.

و ان كان لحدوث غرض بعد استيفاء ذلك الغرض، فلازمه حدوث امر جديد لا بقاء الأول: فبقاء الامر بعد وجود المأمور به غير معقول، و وجود الخلاف في المسألة غير ثابت و على تقديره فهو محجوج بما عرفت.

عدم جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر

و بهذا البيان يظهر ان الامتثال عقيب الامتثال غير معقول، و لكن قد يتوهم‏

____________

(1) كما عن حواشي المشكيني ج 2 ص 226.

16

وقوعه نظرا إلى انه ورد في الشرع موردين امر فيهما بذلك.

احدهما: جواز اعادة من صل فرادى جماعة.

و قد دلت على ذلك عدة روايات:

منها صحيح هشام عن الامام الصادق (ع) انه قال في الرجل يصلي الصلاة وحده ثم يجد جماعة قال (ع) يصلي معهم و يجعلها الفريضة ان شاء (1) و نحوه خبر حفص‏ (2) غيره.

و منها: مرسل الفقيه، المتضمن قوله (ع) يحسب له افضلهما و أتمهما (3)

و منها خبر ابى بصير: المتضمن لقوله (ع) يختار اللّه احبهما إليه‏ (4)

المورد الثاني: الامر باعادة من صلى صلاة الآيات ثانيا:

و قد دلت عليه صحيحة معاوية قال أبو عبد اللّه (ع) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل ان ينجلى فاعد (5) و نحوه غيره و لذلك تصدى الفقهاء لتوجيهه.

و قد افاد المحقق الخراساني‏ (6) بانه ربما يكون اتيان المأمور به علة تامة لحصول‏

____________

(1) الوسائل باب 54 من ابواب صلاة الجماعة حديث 1.

(2) الوسائل باب 54 من ابواب صلاة الجماعة حديث 11.

(3) الوسائل باب 54 من ابواب صلاة الجماعة حديث 4.

(4) الوسائل باب 54 من ابواب صلاة الجماعة حديث 10.

(5) الوسائل باب 8 من ابواب صلاة الكسوف و الآيات حديث 1.

(6) كفاية الأصول ص 83

17

الغرض بحيث يحصل بمجرد الاتيان به كما إذا امر باهراق الماء في فمه لرفع عطشه فاهرقه، و في مثله لا يعقل تبديل الامتثال، و ربما لا يكون الامتثال علة تامة لحصول الغرض، كما لو امر المولى باتيان الماء ليشربه و أتى به المكلف و لم يشربه بعد، و في مثله يجوز تبديل الامتثال فإن الامر بحقيقته و ملاكه لم يسقط بعد، و لذا لو اهرق الماء و اطلع عليه العبد وجب عليه الاتيان ثانيا كما إذا لم يأت به أولًا ضرورة بقاء طلبه، ما لم يحصل غرضه الداعي إليه و الا لما اوجب حدوثه فحينئذ يكون له الاتيان بماء آخر موافق للامر كما كان له قبل اتيانه الأول. بدلا عنه، فتبديل الامتثال على هذا يسقط المأتي به حقيقة، و يظهر ذلك بملاحظة ما لو اهرق الماء قبل الشرب و أتى بماء آخر.

و في كلامه (قدِّس سره) مواقع للنظر.

الأول: ما افاده من ان ترتب الغرض الباعث للامر على اتيان المأمور به انما يكون على نحوين:

احدهما: ترتب المعلول على علته التامة.

ثانيهما: ترتب المعلول على علته المعدة، و الالتزام بجواز تبديل‏

الامتثال في القسم الثاني.

فانه يرد عليه ما ذكرناه في بعض المباحث السابقة من ان الغرض الباعث للامر لا بد و ان يكون هو ما يترتب على المأمور به ترتب المعلول على علته التامة، و لا يعقل ان يكون من قبيل ترتب المعلول على علته المعدة، غاية الامر الاغراض متفاوته: إذ قد يكون هو الغرض الاقصى و قد يكون هو الغرض الاعدادي.

18

و بعبارة أخرى تارة يكون الغرض المترتب على المأمور به، هو حصول شي‏ء الخارج و اخرى يكون الاعداد لحصوله.

نعم في المورد الثاني يكون هناك غرض اقصى، و لكنه كما لا يكون سببا و داعيا للامر حدوثا، لا يكون عدم حصوله و بقائه علة لبقاء الامر كي يصح تبديل الامتثال.

و بالجملة: الغرض الذي سبب للامر يحصل بمجرد الامتثال مطلقا، و ما يكون باقيا في بعض الموارد بعد الامتثال لا يصلح ان يكون سببا له حدوثا و لا بقاءً.

و بما ذكرناه ظهر ما في المثال الذي مثل به لما إذا لم يكن اتيان المأمور به علة لسقوط الغرض، و هو الامر باحضار الماء ليشربه أو يتوضأ به: إذ الغرض من اتيان الماء الموجب للامر به ليس هو الشرب أو الوضوء: فانه خارج عن تحت قدرة العبد، بل هو تمكن المولى من ذلك، وعليه فالاتيان به موجب لسقوط الغرض و الامتثال علة له.

الثاني: ما استشهد لذلك بانه لو اهرق الماء وجب عليه اتيانه ثانيا.

إذ يرد عليه: ان ذلك انما هو لأجل انتفاء الغرض الحاصل، و هو التمكن من الشرب أو الوضوء فيجب الاتيان به تحصيلا لذلك الغرض. إذا كان ذلك مطلوبا له و متعلقا لشوقه كما في المثال.

و بعبارة أخرى ان اعدام الموضوع، غير سقوط المأتي به، بل هو موجب لحدوث امر آخر، و له امتثال آخر غير الامتثال للامر الأول: فهو من باب تعدد

19

الامتثال لتعدد الامر لا من باب تبديل الامتثال.

اضف إلى ذلك انه في باب العبادات لا موضوع للمأتى به كي يعدم الموضوع فيتخيل سقوط المأتي به، و الماتى به بنفسه لا بقاء له كي ينعدم‏

و قلبه عما وقع عليه واضح الفساد، و بالجملة سقوط المأتي به مستلزم لانقلاب الشي‏ء عما وقع عليه، و هو غير معقول.

الثالث: ما ذكره من الاستشهاد بنصوص الإعادة: فانه يرد عليه انه لو كان مفاد تلك النصوص جواز تبديل الامتثال، لزم القول بجواز اعادة المنفرد صلاته فرادى، و جواز اعادة من صلى جماعة فرادى مع انه لم يلتزم به احد.

و بعبارة أخرى إذا استكشف من تلك الاخبار، ان مصلحة الصلاة و الغرض الباعث للامر بها تكون باقية بعد الاتيان بها- وعليه بنى جواز تبديل الامتثال- لزم الالتزام به في جميع تلك الفروض.

اضف إليه ان لازمه ان من يعلم بانه يعيد صلاته في مورد جواز الاعادة و هو مورد النصوص، ان لا يقصد الامر الجزمى بشي‏ء من الصلاتين، أو الصلاة الفرادى. على الخلاف في ان المستفاد منها ان اللّه تعالى يختار الافضل و ان كانت هي الصلاة الفرادى أو استقرار الامتثال على الصلاة التي صلاها جماعة، و هو كما ترى.

و سيمر عليك ان مفاد تلكم الاخبار اجنبي عن تبديل الامتثال و انه تدل على استحباب الاعادة نفسها.

و المحقق النائيني بعد ما قسّم الغرض الباعث للامر إلى قسمين:

20

ما يكون ترتبه على المأمور به ترتب المعلول على علته التامة.

و ما يكون ترتبه عليه ترتب المعلول على علته المعدة و أفاد انه في مقام الثبوت يجوز تبديل الامتثال في القسم الثاني نحو ما ذكره المحقق الخراساني قال انه يحتاج إلى الدليل في مقام الاثبات كما ثبت في تبديل الصلاة الفرادى بالصلاة جماعة (1).

يرد عليه مضافا إلى ما اوردناه على ما افاده المحقق الخراساني، ان لازم ما ذكره في مبحث الصحيح و الاعم من انه يستكشف من تعلق الامر

بالمحصل دون الغرض، ان ترتبه عليه، انما يكون من قبيل ترتب المعلول على علته المعدة، لا كترتب المعلول على علته التامة، الا تعين الامر به دون السبب.

و ما ذكره في المقام. هو البناء على ان جواز التبديل في مقام الاثبات أيضا يكون على القاعدة، إذ بما ذكره في ذلك المبحث يحرز ان ترتب الاغراض على الواجبات الشرعية من قبيل ترتب المعاليل على العلل المعدة. و إذا انضم إلى ما ذكره في المقام من انه لو كان الترتب على هذه النحو جاز التبديل يستنتج جواز التبديل فتدبر فإن ذلك دقيق.

و أفاد المحقق العراقي‏ (2) في توجيه تبديل الامتثال، ان الامر بالشى‏ء اما ان‏

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 194 (الفصل الثالث في الاتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الاجزاء ام لا؟) بتصرف. و في الطبعة الجديدة ج 1 ص 282.

(2) مقالات الأصول ج 1 ص 265 (المقام الأول في اجتزاء كل أمر واقعيا أم ظاهرياً اختياريا أم اضطراريا عن نفسه.

21

يكون لاشتماله على الغرض و المصلحة، و اما ان يكون لكونه مقدمة لما فيه الغرض الاقصى، و على الثاني، فتارة يكون ما فيه الغرض أي ذي المقدمة فعل المكلف، كالصلاة بالنسبة إلى مقدماته مثل الوضوء و نحوه، و اخرى يكون هو فعل المولى، و على الثاني فقد يكون من افعاله الجوارحية كامر المولى عبده باحضار الماء ليشربه، و قد يكون من افعاله الجوانحية كامر المولى العبد باعادة الصلاة جماعة ليختار احب الصلاتين إليه، و على ذلك فبناء على القول باختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة إذا اتى العبد بفردين من افراد الواجب في الاقسام المذكورة غير الأول:- طول- فايهما الذي ترتب عليه ما فيه الغرض هو المصداق للواجب فيقع الآخر لغوا، فلو صلى فرادى ثم جماعة و اختار المولى الثانية في مقام ترتب الثواب على اطاعته، تقع الثانية مصداقا للواجب، دون الأولى بل هي تقع غير واجبة.

و فيه: ان ما التزم به (قدِّس سره) من عدم ترتب غرض على الصلاة في نفسها و انما الامر بها لأجل كونها مقدمة لاختيار المولى اياها في مقام ترتب الثواب التزام بعدم كون هذا الحكم تابعا للمصلحة و هو مناف لمسلك العدلية، مع انه قد وردت نصوص كثيرة دالة على انه في خصوص الصلاة مصالح و اغراض من الانتهاء عن الفحشاء و المنكر و غير ذلك.

اضف إلى ذلك ان كون الامتثال مراعى بعدم الاتيان بفرد اكمل لو تم فإنما هو في الأفعال التي يعود نفعها إلى المولى كما في الامر بالاتيان بالماء ليشربه، فانه اتى بفرد من الماء يقال انه مراعى بعدم الاتيان بفرد اكمل قبل ان يشربه المولى، و الا فللمولى اختيار الفرد الاكمل، و لا يتم في التكاليف الشرعية الناشئة عن‏

22

الاغراض العائدة إلى فواعلها دون المولى.

مع انه لا يتم فيها أيضا، فإن غرض المولى الذي لا يكون محصله تحت اختيار المكلف بل الفاصل بين فعل العبد و حصول الغرض اختيار المولى، لا يصلح كونه ملاك الوجوب.

و عن جماعة تصوير تبديل الامتثال بسقوط المأتي به بناءً- لا حقيقة و نظروا له بالعدول من العصر إلى الظهر مثلا و قالوا انه كما يتبدل عنوان المأتي به و ينقلب من العصرية إلى الظهرية في مواضع العدول كذلك يتصور البناء على تبديل الامتثال.

و بعبارة أخرى انه كما يتبدل امتثال الامر بالعصر إلى كونه امتثالا للامر بالظهر في موارد العدول كذلك يمكن ان يتبدل امتثال امر منطبق على فرد إلى الامتثال باتيان فرد آخر.

و يرده انه في موارد العدول لا يتبدل العنوان و إلا لزم الانقلاب، بل الدليل دل على اكتفاء الشارع الاقدس بما اتى به بقصد العصرية مثلا عن الامر بالظهر، و هذا ليس من باب التبديل و السقوط البنائي مع انه لو تم في العناوين القصدية لا يتم في الامتثال الذي هو امر واقعى و عبارة عن مطابقة المأتي به للمأمور به.

فالمتحصل مما ذكرناه عدم معقولية تبديل الامتثال، لا بسقوط المأتي به حقيقة على ما افاده المحققان الخراساني و النائيني، و لا بسقوطه بناءً على ما عن جماعة من الاساطين، و لا بوقوع المأتي به امتثالا مراعى بعدم الاتيان بفرد اكمل، و لا بغير ذلك.

23

و اما الموردان اللذان ذكرهما القوم فليس شي‏ء منهما من هذا الباب.

اما المورد الأول: و هو جواز اعادة الصلاة- جماعة- فملخص القول فيه ان مفاد نصوصها استحباب الاعادة في نفسها فيكون كل فرد امتثالا لامر غير ما يكون الآخر امتثالا له. و الذي دعى القوم إلى الالتزام بانه تدل على جواز تبديل الامتثال انما هو تضمن تلك النصوص لجمل ثلاث.

احداها: قوله (ع) يحسب له افضلهما و أتمهما. كما في مرسل الفقيه.

الثانية: قوله (ع) يختار اللّه احبهما إليه. كما في خبر ابى بصير.

الثالثة: قوله (ع) فمن صلى وحده ثم وجد جماعة، يصلى معهم و يجعلها الفريضة كما في خبرى حفص البخترى و هشام و غيرهما.

و لكن شيئا منها لا يدل على ذلك.

اما الأولى: فلان الظاهر من المرسل المتضمن لها وروده في الصلاة مع المخالفين، فيكون نظير طائفة من نصوص الاعادة الدالة على اعادة الصلاة مع المخالفين، و في بعضها انها تحسب له باربع و عشرين صلاة، و في بعضها انها تحسب له خمس و عشرون درجة، و في بعضها، انه يجعلها تسبيحا، و المراد به كما في خير آخر انه ذكر محض، و في بعضها، قوله (ع) أراهم ان اسجد و لا اسجد.

و لا ريب في ان تلك الطائفة من النصوص المصرح في بعضها بعدم الاتيان بها بعنوان الصلاتية، اجنبية عن تبديل الامتثال.

فالمراد من الجملة المتقدمة- هو المراد- بما في بعضها انها تحسب له باربع و عشرين صلاة، و الشاهد على كون المرسل من هذه النصوص ارسالها بعد ما

24

رواه عن الامام الصادق (ع) الوارد في الصلاة معهم على ما هو صريحه، و على ذلك فيتعين قراءة افضلهما و أتمهما بالنصب لا بالرفع كما لا يخفى.

و اما الجملة الثانية: فلان المراد بها على الظاهر و لا اقل من المحتمل، هو ان اللّه تعالى يعطى الثواب على الصلاة الكاملة منهما الواقعتين بداعي امتثال امرين: وجوبي و استحبابي، لا ان الصلاة التي تكون احب هي المسقطة للامر الوجوبى و انها التي تستقر عليها الامتثال و محصلة للغرض الاقصى، و الشاهد عليه قوله (ع) احبهما إليه، الظاهر في اشتراكهما في المحبوبية: إذ القائل بتبديل الامتثال لا يلتزم بذلك.

و اما الجملة الثالثة: ففيها احتمالات:

الأول: ان يكون المراد بها، الاتيان بالثانية بعنوان القضاء عما في‏

الذمة من الصلوات الفاسدة- أو التي لم يؤت بها- و يؤيده قوله (ع) في خبر هشام، يجعلها الفريضة ان شاء (1).

الثاني: ما ذكره شيخ الطائفة (2) و هو ان المراد بها، ان من يصلى و لم يفرغ من صلاته و وجد جماعة فله ان يجعلها نافلة ثم يصلى الفريضة في جماعة.

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 383 باب الجماعة و فضلها ح 1131/ الوسائل ج 8 ص 401 باب 34 استحباب اعادة المنفرد صلاته اذا وجد جماعة ح 11014.

(2) كتاب الصلاة للشيخ الأعظم الانصاري ج 2 ص 418 من الطبعة الجديدة 1420 ه و في الطبعة القديمة ص 316.

25

و ايده الوحيد (1)، بأن ذلك هو ظاهر صيغة المضارع، و ان راوي هذا الخبر، روى هذا المعنى الذي ذكره الشيخ عن سليمان بن خالد عن الإمام الصادق (ع).

الثالث: ان يكون المراد بها ما ذكره بعض المحققين (ره)، من انه يجعلها فريضة ذاتية من ظهر أو عصر أو نحوهما مما اداها سابقا، لا نافلة ذاتية حيث لا جماعة فيها، و على أي تقدير تكون اجنبية عما استدل بها له:

و يشهد لعدم كون نصوص الاعادة في مقام بيان جواز تبديل الامتثال ما في بعضها. فإن له صلاة أخرى.

فتحصل ان الاظهر عدم جواز تبديل الامتثال:

و يشهد له مضافا إلى ما تقدم. ان الامر ان كان باقيا بعد الاتيان بفرد فبما انه ايجابي يجب الاتيان به ثانيا، و الا فلا موجب للاتيان به.

و اما المورد الثاني: و هو الامر باعادة صلاة الآيات فالصحيح انه يتعين رفع اليد عن ظهور الامر في الوجوب و حمل تلك النصوص على الاستحباب كما عليه الفتوى فحكم هذا المورد حكم المورد الأول:

____________

(1) نسبه اليه غير واحد منهم لآية اللّه العظمى السيد الخوئي في محاضرات في الأصول ج 2 ص 228.

26

اجزاء الاتيان بالمأمور بالأمر الاضطراري‏

و اما المسألة الثانية: و هي ان الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري هل يكون مجزيا عن الامر الواقعي الاولي ام لا؟. فتنقيح القول فيها بالبحث في مواضع.

الأول: ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزى عن قضاء المأمور به الواقعي الأولى، فيما إذا ارتفع العذر بعد خروج الوقت، ام لا؟

الثاني: في ان الاتيان بالمأمور به الاضطراري هل يجزي عن قضاء المأمور به الواقعي الاولي، فيما اذا ارتفع العذر بعد خروج الوقت، ام لا؟.

الثالث: في جواز البدار للمضطر باتيانه في اول الوقت و عدمه.

اما الموضع الأول: فبناء على كون وجوب القضاء تابعا لفوت الفريضة في الوقت، لا يجب القضاء في المقام: لعدم كون المأمور به الاختياري فريضة و مأمورا به بالنسبة إلى المضطر، فلا يصدق فوت الفريضة إذ التكليف الواقعي بالنسبة إلى المضطر هو الامر الاضطراري، لا الامر الاختياري كي يتحقق فوت الواقع.

و بذلك ظهر ما في كلام المحقق الخراساني في آخر المقام الأول: حيث قال نعم لو دل دليله على ان سببه فوت الواقع و لو لم يكن هو فريضة كان القضاء واجبا عليه لتحقق سببه. (1)

و اما لو كان وجوب القضاء تابعا لفوت الملاك.

____________

(1) كفاية الأصول ص 86.

27

فقد يقال كما عن المحقق- النائيني (ره) (1): بأن مقتضى القاعدة أيضا الاجزاء و ذلك لان القيد المتعذر، ان كان دخيلا في ملاك الواجب حتى في حال التعذر، فلازمه عدم وجوب الفاقد في الوقت.

و ان لم يكن دخيلا فيه حين التعذر، فلا تكون الفريضة فائتة بملاكها

فلا يجب قضائها، من غير فرق في ذلك بين ان يكون هناك مصلحة أخرى مترتبة على نفس القيد و عدمه: إذ مصلحة القيد اللزومية مترتبة على تقدير ثبوتها على القيد حال كونه قيداً للفريضة فاذا فرض سقوط الامر بالفريضة لقيام مصلحتها بالفاقد فلا يمكن استيفاء مصلحة القيد اصلا.

أقول ان دخل القيد في الملاك و المصلحة حال التعذر يتصور على وجوه:

الأول: ان يكون هناك مصلحتان: احداهما: مترتبة على الفعل، و الثانية: على القيد، و لازم ذلك عدم وجوب القضاء كما افاد (قدِّس سره)

الثاني: ان يكون المأمور به الاختياري مشتملا على مصلحتين ملزمتين، احداهما: مترتبة عليه مع ذلك القيد المتعذر خاصة، و الاخرى مترتبة على ما هو بدل عن ذلك القيد أيضا، و حينئذٍ، اما ان لا يمكن استيفاء تلك المصلحة الفائتة: لان استيفائها انما يمكن استيفاء الاخرى لا وحدها، أو يمكن و لكن ليست مصلحة ملزمة، أو يمكن و تكون لزومية، فعلى الاولين لا يجب القضاء، و على الاخير يجب.

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 195 (الفصل الثالث). و في الطبعة الجديدة ج 1 ص 283.

28

الثالث: ان يكون دخل القيد المتعذر في المصلحة المترتبة على الواجب مختصا بحال الاختيار، و لازم ذلك عدم وجوب القضاء.

الرابع: ان يكون في المأمور به الاختياري مصلحة واحدة، و يكون القيد المتعذر دخيلا فيها حتى في حال الاضطرار، و حينئذٍ، ان لم تترتب على الفاقد مصلحة اصلا، فلازمه عدم وجوب الفاقد، و ان ترتبت عليه مصلحة أخرى غير تلك المصلحة، ان لم يكن استيفائها مانعا عن استيفاء تلك المصلحة يجب القضاء، و الا فلا.

و بما ذكرناه ظهر ما في كلمات القوم في المقام.

و بعد ما عرفت من انه في مقام الثبوت يمكن ان يكون القضاء واجبا، و يمكن ان لا يكون كذلك.

يقع الكلام فيما، تقتضيه الادلة و الاصول في مقام الاثبات.

و الكلام في هذا المقام يقع أولًا في مقتضى الادلة.

و قد استدل للاجزاء: باطلاق دليل المأمور به الاضطراري.

و فيه انه إن اريد بذلك ان الإطلاق يقتضي كون المأمور به الاضطراري وافيا بالمصلحة المترتبة على المأمور به الاختياري.

فيرد عليه: ان الامر لا يصلح الا لاثبات كون الفعل الاضطراري وافيا بجميع ما دعى المولى إلى هذا الامر لا كونه وافيا بمصلحة الفعل الاختياري.

و ان اريد به ان مقتضى اطلاقه عدم وجوب الفعل الاختياري بعد الاتيان به.

29

فيرد عليه: ان التمسك بالاطلاق انما يصح فيما إذا لزم من ثبوت ما اريد نفيه بالاطلاق تقييد في ذلك الدليل، مثلا لو قال المولى اكرم العلماء، و شك في دخالة العدالة فيه فإنه ينفي اعتبارها الإطلاق.

كما انه لو شك في كون ما امر به واجبا تعيينيا ام تخيير يا بينه و بين غيره يثبت الإطلاق كونه تعيينيا.

و اما لو كان المشكوك ثبوته على تقدير الثبوت غير مربوط بهذا الدليل، و لا يلزم منه تغيير في هذا الحكم فلا مورد للتمسك بالاطلاق، مثلا لو شك في وجوب صلاة اول الشهر لا سبيل إلى التمسك باطلاق دليل الصلاة اليومية لنفيه.

و المقام من هذا القبيل، إذ على فرض ثبوت القضاء لا يلزم تقييد فيما دل على وجوب الفعل الاضطراري، و لا يلزم منه صيرورته واجبا تخييريا: إذ على أي تقدير يجب الاتيان به في الوقت و لا يكون وجوبهما ارتباطيا على فرض الثبوت، فلا يصح التمسك بالاطلاق لنفى وجوب القضاء.

نعم: التمسك باطلاق دليل بدل القيد المتعذر إذا كان بلسان التنزيل كما في قوله (ع):" التيمم احد الطهورين" (1) صحيح: إذ مقتضى اطلاق التنزيل‏

____________

(1) ففي الوسائل ج 3 باب 23 من ابواب التيمم ص 385 ح 3934 عن جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه (ع) قال: (إن اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا). و بهذا المعنى عدّة أحاديث كما في الكتب الاربعة و الوسائل، و أما لفظ: (التراب أحد الطهورين) فالظاهر انها غير موجدة في الكتب الروائية المعروفة، لكنها استعملت كثيراً في الكتب الفقهية، و الظاهر لكونها بمعنى الحديث.

30

ترتب جميع آثار الطهارة المائية، على الترابية عند فقدان الماء و هو يكون حاكما على اطلاق دليل القيد الاختياري فلا يعتنى بما قيل من معارضته مع ذلك الإطلاق.

فالصحيح في المقام ان يقال: ان انعقاد هذا البحث في المقام، و عدم تعرض احد له فيما إذا تبدل حال المكلف بأن صار مسافرا بعد كونه حاضرا، و عدم توهم احد وجوب القضاء فيه، انما هو لبنائهم على ان المكلف به في المورد الثاني ليس هي الصلاة اربع ركعات في جميع الحالات حتى لو كان مسافرا، بل المكلف به هو الجامع، بمعنى ان المسافر لا تكليف له سوى بالصلاة ركعتين، فبعد الاتيان بهما لا مجال للقضاء.

و اما في المقام فالواجب على كل مكلف أي ما فيه ملاك الوجوب الملزم انما هو الفعل الاختياري حتى في حال الاضطرار، و انما لم يؤمر به لعجز المكلف عنه و انما امر بالفعل الاضطراري لكونه وافيا بتلك المصلحة أو بعضها. فلذلك جرى هذا النزاع بينهم.

و لكن لنا ان نمنع عن ذلك و نلتزم بأن المكلف به ليس هو الفعل الاختياري حتى في حال الاضطرار، بل مقتضى ظهور الادلة كون العجز منوعا- كما ان الحالات الأخر منوعة- فالمكلف به في حال الاضطرار و الواجد

31

للمصلحة هو خصوص الفعل الاضطراري، وعليه فيكون الواجب على المكلفين هو الجامع بين صلاتي المختار و المضطر بالمعنى المتقدم، و إنّما عين الشارع المقدس لكل منهما فردا خاصا فما يؤمر به في حال الاضطرار، هو نفس المأمور به لا بدله، فيكون وافيا بما اوجب الامر بذلك الفعل.

و على ذلك فليس احتمال عدم الاجزاء حينئذ إلا كاحتمال العدم حينئذ لو اتى بالفعل الاختياري ثم طرأ العذر بعد مضى الوقت و ليس احدهما اولى من الآخر.

لا يقال: لازم ذلك هو ان يجب قضاء ما فات في حال الاضطرار باتيان مثله و لو بعد رفع العذر كما هو الشأن في تبدل الحالات.

فانه يقال: ان ما دل على كون الفعل الاضطراري من افراد الجامع، انما يدل على كونه كذلك في خصوص حال الاضطرار، لا مطلقا فبعد رفعه قضاء الجامع انما يكون باتيان الفعل الاختياري لا الاضطراري.

فتدبر في اطراف ما ذكرناه فإنه حقيق به.

و لو فرضنا عدم استفادة عدم وجوب القضاء من اطلاق الادلة و الشك في وجوبه، لا بد من الرجوع إلى الاصول العملية و هي تقتضي عدم الوجوب: و ذلك بناءً على كون القضاء بامر جديد، واضح: فانه لو شك في ان الفعل الاضطراري هل يكون وافيا بتمام المصلحة المترتبة على الفعل الاختياري ام لا؟ لا محالة يشك في الفوت الذي هو الموضوع لوجوب القضاء، و بتبعه يشك في الوجوب فتجري اصالة البراءة عنه.

32

و لو علم بعدم وفائه بها و شك في ان الباقي يمكن استيفائه ام لا، فحيث ان شمول ادلة القضاء له غير معلوم: إذ من المحتمل بل الظاهر اختصاصها بفوت تمام المصلحة لا بعضها ففي صورة فوت البعض لا دليل على وجوب القضاء، فلا محالة يشك في الوجوب و مقتضى الأصل عدم الوجوب.

و لا سبيل حينئذ إلى دعوى ان الشك في التكليف في الفرض بما انه مسبب عن الشك في القدرة فالمرجع فيه قاعدة الاحتياط لا البراءة كما عن بعض اكابر المحققين (ره) (1).

فإن الشك في القدرة مع تمامية الجعل من ناحية الشارع الاقدس مورد لقاعدة الاحتياط لا في مثل المقام مما اوجب الشك في الجعل. كما لا

يخفى.

و اما بناءً على كون القضاء بالامر الأول: فعدم الوجوب اظهر: إذ المفروض عدم توجه الامر الاختياري في حال الاضطرار، فالشك في وجوب القضاء لا محالة يكون شكا في اصل التكليف و لا ريب في كونه موردا للبراءة، من غير فرق بين العلم بعدم استيفاء تمام المصلحة في امكان استيفاء الباقي، و بين الشك في استيفاء التمام و عدمه.

و دعوى انه مع الشك في استيفاء تمام المصلحة يكون مرجع الشك المزبور

____________

(1) كما يظهر من المحقق العراقي في مقالات الأصول ص 271- 272 (رابعها: انّ مقتضى الأصل بالنّسبة إلى الإجزاء في الوقت عدمه، لأنه على الإجزاء بمناط التّفويت مع الجزم بعدم الوفاء بتمام مصلحة المختار فمرجعه إلى الشك في القدرة على تحصيل الزائد، و العقل في مثله مستقلّ بالاحتياط .. الخ.

33

إلى الشك في ان المطلوب الأول: هل هو الجامع بين المشتمل على المبدل، و المشتمل على البدل، أو هو خصوص المشتمل على المبدل غاية الامر امر بالمشتمل على البدل لأجل اشتماله على مقدار من المصلحة فيكون الامر دائرا بين التعيين و التخيير، و الاحتياط يقتضي البناء على الأول: و مع الشك في امكان استيفاء الباقي يقينا، يكون الشك في الوجوب مسببا عن الشك في القدرة و المرجع فيه قاعدة الاشتغال.

مندفعة بانه مع العجز لا يكون المشتمل على المبدل واجبا في الوقت، و التكليف متمحض فيما تعلق بالمشتمل على البدل، و بعد مضى الوقت و ارتفاع العذر، لا سبيل إلى دعوى ثبوت القضاء بالامر الأول.

و بعبارة أخرى ان معنى كون القضاء بالامر الأول، كفاية الامر بالصلاة في الوقت لثبوت وجوبها في خارجه مع فوتها فيه، و بما ان المفروض في المقام عدم تعلق التكليف بالفعل الاختياري في الوقت فلا مورد لدعوى ثبوت وجوب القضاء للتبعية، فلو ثبت فإنما هو بامر جديد و مقتضى اصالة البراءة عدم الوجوب.

فتحصل ان مقتضى الادلة، و الاصل عدم وجوب القضاء.

ارتفاع العذر في الوقت‏

الموضع الثاني: في انه إذ اتى بالمأمور به الاضطراري ثم ارتفع العذر في الوقت فهل تجب الاعادة، ام لا؟.

34

و ملخص القول فيه انه لا كلام بناءً على عدم جواز البدار واقعا: فإن‏

المأتي به حينئذ لا يكون مأمورا به فلا مورد لتوهم الإجزاء.

نعم، فيما لو جاز البدار ظاهرا، و أتى بالفعل الاضطراري ثم ارتفع العذر، كلام من حيث اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهري عن الواقعي، و عدمه، و سيأتي الكلام فيه.

و اما بناءً على جواز البدار واقعا.

فالكلام يقع أولًا في انه في مقام الثبوت يتعين وجوب الاعادة، أو عدم وجوبها، ام يمكن كل منهما؟.

و الظاهر هو الاخير: إذ لو كان العمل الاضطراري في حال الاضطرار وافيا بجميع المصلحة التي يفي بها الاتيان بالمأمور به الاختياري، أو ببعضها مع عدم كون الباقي مما يجب تحصيله، أو وافيا بمصلحة مباينة لما يترتب على الفعل الاختياري، و لكنه لم يمكن استيفاء المصلحة المترتبة على الفعل الاختياري، مع استيفاء تلك المصلحة بالإتيان بالمأمور به الاضطراري، لا تجب الاعادة، و ان كان وافيا ببعض تلك المصلحة، و المقدار الباقي مما يمكن استيفاؤه و كان لازم الاستيفاء، أو كان مشتملا على غير تلك المصلحة و كانت مصلحة المأمور به الاختياري ممكن الاستيفاء، تجب الاعادة.

توضيح ذلك انه بناءً على جواز البدار كيفية وفاء العمل الاضطراري بالمصلحة تتصور على انحاء.

الأول: ان يكون وافيا بتمام ما يترتب على العمل الاختياري في حال‏

35

الاختيار، أو ببعضها و لكن الباقي لا يجب تحصيله.

و دعوى ان ذلك لا يمكن الالتزام به في مقام الاثبات: لاستلزامه جواز تفويت القدرة و تعجيز المكلف نفسه، مع ان ذلك مما لم يفت به احد.

مندفعة لا بما قيل ان الملاك انما يترتب على الفعل الاضطراري إذا كان الاضطرار طارئاً بالطبع دون الآتي باختيار المكلف.

فانه يرد عليه: ان لازم ذلك عدم وجوب العمل الاضطراري في صورة الاضطرار باختيار المكلف و هو كما ترى.

بل بأن هذا الاتفاق لو ثبت لا يكون تعبديا فلا مانع من مخالفة القوم لو ساعدنا الدليل، مع انه ليس ثابتا.

مضافا إلى انه لو كان تعبديا نلتزم بعدم جواز ذلك للدليل الخاص.

الثاني: ان يكون وافيا بمصلحة غير تلك المصلحة و لكن بقدرها و لا يمكن استيفاء تلك المصلحة مع استيفائها.

و دعوى: ان هذا الوجه خلاف ظاهر ادلة الفعل الاضطراري لانها ظاهرة في ان المأتي به في حال الاضطرار من سنخ المأتي به في حال الاختيار، مع ان لازمه الالتزام بتعدد العقاب لو كان في اول الوقت مختارا و في آخره مضطرا، و لم يأت بشي‏ء من الفعلين: لتفويته مصلحتين.

مندفعة: بأن الادلة ليست في مقام بيان المصلحة كي يستظهر منها ما ذكر- كما هو واضح- و تعدد العقاب انما هو مترتب على ما إذا كان التكليفان اللذان خالفهما المكلف تعيينيين لاما إذا كانا تخييريين، كما في المقام كما لا

36

يخفى.

الثالث: ان يكون الفعل الاضطراري مشتملا على احدى المصلحتين المترتبتين على العمل الاختياري، أو على ذات تلك المصلحة المترتبة عليه التي تكون ملزمة بحسب ذاتها و باعتبار مرتبتها أيضا.

و دعوى ان لازم هذا الوجه عدم جواز البدار على تقدير عدم امكان استيفاء الباقي من المصلحتين أو مرتبتها، و لزوم الاعادة تقدير الامكان، و إلا لزم نقض الغرض و تفويت مقدار من المصلحة.

مندفعة، لا بما قيل من انه لا محذور فيه لما في البدار من مراعاة ما هو فيه من مصلحة اول الوقت، فانه يرد عليه: ان تلك المصلحة استحبابية لا تصلح لمزاحمة المصلحة اللزومية الفائتة:

بل لانه يمكن ان يكون عدم مسبوقية الفعل الاختياري بالعمل الاضطراري، من شرائط اتصاف المأمور به الاختياري بالمصلحة، لا من شرائط حصولها.

توضيح ذلك: ان القيود الدخيلة في المصلحة على قسمين:

الأول: ما يكون دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة. كالمرض بالاضافة إلى شرب المسهل في العرفيات و زوال الشمس بالنسبة إلى الصلاة في الشرعيات، و في مثل ذلك لا يجب تحصيل الشرط، و لا محذور في ايجاد المانع عن وجوده.

الثاني: ما يكون دخيلا في حصول المصلحة كما في برودة الهواء مثلا بالنسبة إلى شرب الدواء للمريض، و الوضوء بالاضافة إلى الصلاة، و في مثل‏

37

ذلك يجب تحصيل الشرط، و لا يجوز تركه و ايجاد المانع عن تحققه، و على ذلك فإن كان عدم استيفاء اصل المصلحة أو احدى المصلحتين من شرائط اتصاف العمل الاختياري بكونه ذا مصلحتين أو واجدا لاصل المصلحة و مرتبتها. بحيث لو استوفى تلك المصلحة باتيان العمل الاضطراري لما كان يتصف العمل الاختياري بالمصلحة، لم يكن محذور في البدار اذ منه يلزم وجود المانع عن تحقق شرط الوجوب، و ان كان من شرائط حصول المصلحة لما جاز البدار لاستلزامه تفويت الغرض فتدبر فانه دقيق.

الرابع: ان يكون وافيا بإحدى المصلحتين المترتبتين على الفعل الاختياري أو باصل المصلحة المترتبة عليه. مع كون الباقي من المصلحتين أو مرتبتها يمكن استيفاؤها.

الخامس: ان يكون وافيا بمصلحة غير تلك المصلحة، مع امكان استيفائها بعد رفع العذر.

و في الانحاء الثلاثة الأول: لا تجب الاعادة، و في الاخيرين تجب، و اما سائر الانحاء المتصورة، فلا يلائم، مع جواز البدار كما لا يخفى.

هذا كله بحسب مقام الثبوت، و اما في مقام الاثبات.

بيان ما تقتضيه الادلة في مقام الاثبات‏

فقد استدل لعدم وجوب الاعادة: باطلاق ما تضمن الامر بالعمل الاضطراري، بدعوى انه لو كانت المصلحة المترتبة عليه باحد الانحاء الثلاثة

38

الأول: لكان العمل الاضطراري هو المأمور به تعيينا، و لو كانت باحد النحوين الاخيرين، فلا بد من الامر بالاتيان به و ضم المأمور به الاختياري بعد ارتفاع العذر إليه، أو الانتظار و الاتيان بالمأمور به الاختياري بعد ارتفاع العذر خاصة مخيرا بينهما، و حيث ان الامر يدور بين التعيين و التخيير، فلا بد من حمل الامر على الأول: لان ذلك مقتضى الإطلاق.

و لكن يرد عليه: انه ان اريد التمسك بالاطلاق لاثبات كونه مامورا به تعيينا فهو معلوم عدم كونه كذلك: إذ لا ريب في جواز التاخير إلى ما بعد ارتفاع العذر، و الاتيان بالمأمور به الاختياري كما لا يخفى، و لا شي‏ء من الواجب التعييني مما يجوز تركه.

و ان اريد التمسك به لاثبات انه وحده عدل التخيير لا هو بضميمة الاتيان بالمأمور به الاختياري بعد رفع العذر، فهو لا يصح: من جهة أن وجوب ذلك و تعينه لو ثبت لما اوجب تقييدا في دليل المأمور به الاضطراري، بل هو حكم استقلالي ناش عن مصلحة أخرى، فالاطلاق لا يصلح لرفع ذلك التكليف.

و ان اريد التمسك به لاثبات كونه مشتملا على تمام مصلحة المأمور به الاختياري أو مصلحة أخرى بقدرها فالاطلاق اجنبي عن ذلك، وعليه، فلا وجه للتمسك بالاطلاق.

نعم، هذا كله بناءً على مسلك القوم من عدم كون العجز منوعا للمكلف كغيره من الحالات و الا فالاجزاء واضح كما عرفت في الاجزاء عن القضاء فراجع.

و قد يتمسك باطلاق دليل القيد المتعذر لوجوب الاعادة، بعد ارتفاع‏

39

العذر: فإن اطلاق ذلك الدليل شامل لصورتي الاتيان بالعمل الاضطراري و عدمه.

و قد يقرب هذا التقريب من التمسك بالاطلاق كما في تقريرات المحقق العراقي‏ (1)، بأن اطلاق ادلة العمل الاختياري شامل لحالة طرو الاختيار بعد الاضطرار، و ذلك لانه لمتعلق الخطاب المطلق افراد عرضية و طولية.

فكما ان سقوط الإطلاق بالنسبة إلى بعض الأفراد العرضية و سقوط الخطاب من جهة لا يمنع من التمسك بالاطلاق بالنسبة إلى الأفراد الممكنة.

كذلك بالنسبة إلى الأفراد الطولية.

فنتيجة ذلك انه بعد رفع العذر يكون مقتضى ذلك الدليل لزوم المبدل أي المأمور به الاختياري.

و الجواب عن هذا الوجه: ان دليل البدل الاضطراري قسمان:

احدهما: ما تضمن تنزيل البدل منزلة المأمور به الاختياري كما في قوله:" التيمم احد الطهورين".

ثانيهما: ما تضمن الامر به في حال الاضطرار خاصة.

و ما افيد لا يتم في شي‏ء منهما:

اما الأول: فواضح لان مقتضى اطلاق دليل التنزيل ترتب جميع آثار المبدل عليه.

____________

(1) راجع نهاية الافكار ج 1 ص 239 (و اما عمومات الاضطرار) بتصرف.

40

و اما الثاني: فلان دليل القيد لا يلزم باتيانه الا على تقدير لزوم الاتيان باصل العمل و هو غير ثابت بل ثابت العدم فلا يقتضي ذلك الدليل وجوبه.

و لو فرضنا عدم امكان التمسك بالاطلاق أو ظهور الادلة. لعدم وجوب الاعادة، أو فرضنا الشك في ذلك، مقتضى اصالة البراءة هو البناء على العدم.

و قد نسب إلى المحقق العراقي (ره) (1) ان الأصل هو اصالة الاشتغال.

و ذلك لان الشك في وجوب الاعادة. اما ان يكون من ناحية الشك في وفاء المأمور به الاضطراري بتمام مصلحة المأمور به الاختياري، فالامر يدور بين التعيين و التخيير و المرجع فيه قاعدة الاشتغال: لان الشك في وجوب الاعادة و عدمه إذا كان منشأه الشك في كون العمل الاضطراري وافيا بتمام مصلحة المأمور به الاختياري أو بعضها، مع كون الباقي لازم الاستيفاء لا محالة يعلم بترتب مقدار من المصلحة على الجامع بين العملين، و يشك في ان الباقي الذي يكون لازم الاستيفاء هل يكون مترتبا عليه أيضا فلا يجب الاعادة، أو على خصوص العمل الاختياري، فيجب، فالامر مردد بين التعيين و التخيير فيتعين الرجوع إلى قاعدة الاشتغال.

و اما ان يكون من ناحية الشك في امكان استيفاء الباقي و عدمه، فالمرجع فيه أيضا قاعدة الاشتغال لكونه من قبيل الشك في القدرة.

و لكن: الاظهر كون المرجع هو اصالة البراءة في كلا الفرضين:

____________

(1) نهاية الافكار ج 1 ص 230 (و قبل الخوض في هذه الجهة ينبغي بيان ما يقتضيه الأصل في المسألة ..)

41

اما على الأول: فلانه و ان سلم كون المرجع في دوران الامر بين التعيين و التخيير في سائر الموارد، هي قاعدة الاشتغال، لا نسلم كونها المرجع في خصوص المقام، إذ في سائر الموارد، تعلق التكليف بالمعين، اما تعيينا، أو تخييرا، معلوم، و تعلقه بالعدل الآخر مشكوك فيه، و اما في المقام فتعلق التكليف، و لو تخييرا، و منضما إلى شي‏ء آخر، بالمأمور به الاضطراري، معلوم، و تعلقه بالمأمور به الاختياري، في صورة عدم الاتيان بالبدل أيضا معلوم، و انما الشك يكون في تعلقه بالفعل الاختياري، في ظرف الاتيان بالمأمور به الاضطراري، و لا ريب في انه مورد لاصالة البراءة.

و اما على الثاني: فلما مر من ان الشك في القدرة ان كان سببا للشك في سعة الجعل، و ضيقه، يكون مورد القاعدة، البراءة، لا الاشتغال.

فتحصل مما ذكرناه ان الاصول العملية أيضا تقتضي عدم وجوب الاعادة.

جواز البدار و عدمه‏

الموضع الثالث: في جواز البدار.

و ملخص القول فيه انه في مقام الثبوت ان كانت المصلحة المترتبة على العمل الاضطراري، باحد الانحاء الخمسة المتقدمة في أي جزء من الوقت اتى به يجوز البدار حتى مع العلم بارتفاع العذر في اثناء الوقت.

و ان كان ترتبها مقيدا بما إذا اتى به في آخر الوقت، لما جاز البدار، و ان‏

42

علم ببقاء العذر آخر إلى الوقت، و ان كان المترتب عليه احدى المصلحتين المترتبتين على العمل الاختياري، أو اصل المصلحة التي تكون هي بنفسها و بمرتبتها اللزومية مترتبة على العمل الاختياري مع‏

كون الباقي مما لا يمكن استيفاؤه، و كان عدم مسبوقيته بالعمل الاضطراري من قبيل شرائط حصول المصلحة، لما جاز البدار الا مع العلم ببقاء العذر إلى آخر الوقت و عدم اعتبار الاتيان به في آخر الوقت في حصول تلك المصلحة.

و ان كان الباقي مما يمكن استيفاؤه جاز البدار مطلقا ان كان الملاك المترتب عليه مترتبا عليه، و ان اتى به في اول الوقت، غاية الامر يجب الاعادة حينئذ بعد ارتفاع العذر هذا كله في مقام الثبوت و الواقع.

و اما في مقام الاثبات و الدليل، فمقتضى اطلاق الدليل جواز البدار مع العلم بعدم التمكن في جميع الوقت، و اما مع العلم بزوال العذر فلا بد من ملاحظة الدليل في كل مورد ليرى انه هل يشمل عدم التمكن في بعض الوقت فيجوز البدار، أو لا يشمل فلا يجوز.

و لو كان الدليل مطلقا غير مقيد بشي‏ء من ذلك فالظاهر ان مقتضى الإطلاق اعتبار الاستيعاب: و ذلك لان المأمور به كالصلاة، هي الطبيعة الواقعة ما بين المبدأ و المنتهى، و ظاهر ما تضمن ان العجز عن الاتيان بالمأمور به الاختياري شرط للامر الاضطراري، هو العجز عن الطبيعة بلا دخل للخصوصيات الخارجة عن حريم المأمور به في ذلك، و معلوم ان العجز عن الطبيعة انما هو بالعجز عن جميع افرادها بخلاف القدرة عليها الصادقة على القدرة على فرد منها، وعليه فمع التمكن من بعض الأفراد المأمور

43

بها الاختياري و لو الطولى منها لا يصدق عدم القدرة و العجز فلا يكون الشرط محققا فالظاهر من الدليل المطلق اعتبار العذر المستوعب.

و استظهر المحقق العراقي (ره) (1) في خصوص دليل التيمم من الآية الكريمة، ان الشرط هو العذر، و لو في جزء من الوقت بتقريب ان المشروط في الآية هو التيمم عند إرادة الصلاة لان المراد من قوله تعالى" إذا قمتم إلى الصلاة" إذا اردتم الصلاة فلو اراد الصلاة في اول الوقت و لم يتمكن من الماء يجوز له التيمم بنص الآية الشريفة.

و يرد عليه ما افاده السيد المرتضى (ره) (2) من، ان ذلك يتوقف على ان يكون له إرادة الصلاة في اول الوقت. و نحن نخالفه، و نقول بانه ليس له ذلك، و من المعلوم ان المراد بارادة الصلاة إرادة الصلاة الجائزة لا مطلقها.

و مع عدم الدليل على جواز البدار مقتضى الأصل العملي هو الجواز في صورة العلم ببقاء العذر إلى آخر الوقت، و في غير ذلك لو علم بالارتفاع، لا يجوز البدار: إذا الامر في الواجب الموسع يتعلق بالطبيعة الجامعة بين الأفراد الواقعة بين المبدأ و المنتهى، و في مثل ذلك انما يحكم العقل بالتخيير بين الأفراد الطولية كما يحكم بالتخيير بين الأفراد العرضية، و لا ريب في انه انما يحكم به‏

____________

(1) نهاية الافكار ج 1 ص 228- 229/ و في مقالات الأصول ج 1 ص 270 (المقام الثاني).

(2) راجع الذريعة ج 1 ص 111 فقد يظهر ذلك بعد ذكر الآية حيث قال: يعني إذا عزمتم عليها .. الخ و لكن محل استدلاله هناك عدم تكرار الوضوء لكل صلاة. أو ما يظهر من كلامه ص 154 و لعله هو المقصود.

44

إذا احرز ان الأفراد متساوية في الوفاء بالغرض المترتب على تلك الطبيعة، و اما إذا كان بعضها وافيا به دون بعض، أو احتمل ذلك، فلا يحكم العقل بالتخيير، وعليه ففي المقام لا يحكم العقل بالتخيير بل يرى وجوب الصبر و الانتظار إلى آخر الوقت.

و لو شك في بقاء العذر و ارتفاعه، يجري استصحاب بقاء العذر إلى آخر الوقت بناءً على جريان الاستصحاب في الأمور الاستقبالية، ويحكم بجواز البدار ظاهرا.

و اورد على هذا الأصل في المقام بأن المستصحب ان كان هو حالة المكلف من الاضطرار و العجز فهو بالنسبة إلى ما هو موضوع الحكم و هو عدم مقدورية الأفراد الاختيارية من المثبت غير الحجة، و ان كان هو عدم مقدورية الأفراد، فالمتيقن غير المشكوك فيه، فإن المتيقن هي الحصص الخاصة، و المشكوك فيها غيرها فلا يجري.

و فيه أولًا: ان ظاهر الادلة كون الشرط عجز المكلف فالشرط هو حالة المكلف.

و ثانياً: انه لو سلم كون الشرط هو عدم مقدورية المأمور به‏

الاختياري، فمن الواضح ان الخصوصيات خارجة عن تحت التكليف فالشرط عدم القدرة على صرف وجود الطبيعة، و من المعلوم ان المتيقن على هذا عين المشكوك فيه.

و ثالثا: انه يمكن ان يقال ان جميع الأفراد الطولية، غير مقدورة في اول الوقت، و لو من جهة عدم مجي‏ء وقت جملة منها، و يشك في انه بعد مجي‏ء الوقت هل يتبدل ذلك إلى القدرة ام لا؟ فيجري الاستصحاب.

45

و لا يرد على ذلك ان لازمه جواز البدار واقعا و ان علم بارتفاع العذر لانه يصدق في اول الوقت عدم القدرة على جميع الأفراد.

فانه يندفع بأن الظاهر من الدليل ان المسوغ هو العذر المستوعب المستمر من اول الوقت إلى آخرة.

اجزاء الاتيان بالمأمور به الظاهري‏

و اما المسألة الثالثة: و هي اجزاء الاتيان بالمأمور به بالامر الظاهرى عن التعبد بالامر الواقعي إعادة أو قضاءً و عدمه فيما إذا انكشف الخلاف بعلم أو علمي.

فقد اختلفت كلمات الاصحاب فيها على اقوال‏ (1):

منها: الاجزاء مطلقا.

و منها: عدمه مطلقا.

و منها: التفصيل بين ما إذا انكشف الخلاف بعلم وجدانى، و ما إذا انكشف بعلم تعبّدي فيجزي على الثاني دون الأول.

و منها التفصيل في الإمارات بين القول بالسببية، و القول بالطريقية بالاجزاء على الأول مطلقا أو بعض اقسام السببية، و عدم الاجزاء على‏

الثاني.

____________

(1) سيأتي تخريج الاقوال عند التعرض لها فانتظر.

46

و منها: التفصيل بين الامارات و الاصول، فيجزى في المورد الأول: و لا يجزى في الثاني.

و منها: ما اختاره المحقق الخراساني الذي سيمر عليك.

و منها: غير ذلك من التفاصيل- و ستمر عليك-.

و قبل الشروع في البحث لا بأس بنقل ما افاده المحقق الخراساني و به يظهر موارد البحث.

محصل ما افاده، ان مؤدى الامارة، أو الأصل.

قد يكون حكما شرعيا جعل موضوعا لحكم آخر أو قيدا لموضوع حكم آخر، كالطهارة المجعولة قيدا للماء و التراب، و شرطا لجواز الدخول في الصلاة، و كحلية لحم حيوان خاص، كالارنب، المجعولة قيداً لجواز الصلاة في الوبر المتخذ منه، و ما شاكل.

و قد يكون حكما شرعيا غير مجعول موضوعا لحكم آخر، أو قيداً لموضوع حكم، كوجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة.

فالكلام في موردين:

اما المورد الأول: فاما ان يكون الحكم الظاهرى ثابتا باصل عملي، كاصالة الطهارة و الحلية، و الاستصحاب (بناءً على ما يشير إليه في التنبيه الخامس من الاستصحاب، من اختيار كون المجعول فيه الحكم المماثل).

و اما ان يكون ثابتا بامارة شرعية، كخبر الواحد، و البينة، و ما شاكل.

47

فإن كان ثابتا بالاصل، فحيث ان المأخوذ في موضوعه الشك، و يجعل الحكم على الشك بلا نظر إلى الواقع اصلا، و لذا لا يتصف بالصدق و الكذب، بل يتبدل الشك إلى العلم، بتبدل الموضوع و الحكم، و لا يتصور فيه انكشاف الخلاف، فلا محالة يكون دليله حاكما على ما دلَّ على الاشتراط و مبينا لدائرة الشرط، و انه اعم من الطهارة الواقعية مثلا: فانكشاف الواقع لا يكون موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل فلا مناص عن البناء على الاجزاء.

و اما ان كان ثابتا بالامارة التي تكون ناظرة إلى الواقع و كاشفة عنه من دون جعل شي‏ء آخر و حكم في موردها. فلا بد من البناء على عدم الاجزاء على الطريقية.

إذ المجعول في مورد الامارة ليس حكما ظاهريا، بل اما ان يكون هو الطريقية، أو التنجيز و التعذير، فبانكشاف الخلاف ينكشف عدم واجدية العمل لما هو شرطه، لا واقعا، و لا ظاهرا، فلا محالة يبني على عدم الاجزاء.

نعم على القول بالسببية مقتضى اطلاق دليل الحجية هو الاجزاء، و مع الشك في الطريقية و السببية، فبالنسبة إلى الاعادة في الوقت يبني على عدم الاجزاء لقاعدة الاشتغال، و بالنسبة إلى القضاء حيث انه يكون بأمر جديد، و يشك فيه، فاصالة البراءة تقتضي عدم الوجوب و الاجزاء.

و اما المورد الثاني: كما إذا قام الدليل، أو الأصل، على وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة، فانكشف بعد ادائها، وجوب صلاة الظهر، فالوجه عدم الاجزاء مطلقا: إذ غاية ما هناك وجوب صلاة الجمعة لمصلحة فيها، و هذا لا

48

ينافي وجوب صلاة الظهر أيضا، لما فيها من المصلحة الواقعية، الا ان يقوم دليل خاص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد.

و سيمر عليك ما يرد على ما افاده المحقق الخراساني (ره) في المقام.

و تنقيح القول بالبحث في مقامين:

الأول: في الامارات.

الثاني: في الاصول.

و الكلام في المقام الأول: في موردين:

الأول: بناءً على الطريقية.

الثاني: بناءً على السببية.

اما المورد الأول: فمقتضى القاعدة هو عدم الاجزاء إذ بانكشاف الخلاف ينكشف عدم امتثال الامر الواقعي فالاجزاء يحتاج إلى دليل.

و قد استدل للاجزاء بوجوه يختص بعضها بما إذا كان الانكشاف بحجة شرعية، و يعم بعضها ما لو كان الانكشاف بالقطع و اليقين.

احدها: ان الاجتهاد الأول كالاجتهاد الثاني فلا وجه لرفع اليد عن الأول بالثاني و إعادة الاعمال الواقعة على طبق الاجتهاد الأول‏ (1).

____________

(1) حكاه في اجود التقريرات عن بعض القائلين ج 1 ص 221. (من الفصل الثالث .. و منه ظهر) و في الطبعة الجديدة ج 1 ص 291.

49

و يرد عليه، انه بعد انكشاف فساد الاجتهاد الأول و عدم حجية مدرك الحكم الأول، بالاجتهاد الثاني، لا سبيل إلى دعوى ان الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأول.

ثانيها: ان الحكم الشرعي يتبدل بتبدل الرأى، كالملكية المتبدلة بالبيع و الشراء، فالمكلف في زمان الاجتهاد الأول كان حكمه على طبقه، و في زمان الاجتهاد الثاني يتبدل حكمه، و لا يكون مكلفا الا بما تعلق به الاجتهاد الثاني‏ (1).

و فيه: ان ذلك لو تم فإنما هو على القول بالسببية، و اما على القول بالطريقية التي حقيقتها جعل صفة المحرزية، و الطريقية، و المرآتية، للامارة بلا تصرف في الواقع، و لاجعل حكم في الظاهر، فلا يتم: إذ بالاجتهاد الثاني ينكشف عدم موافقة اجتهاد الأول للواقع.

ثالثها: ان تبدل الاجتهاد، و قيام حجة على خلاف الحجة السابقة انما هو نظير النسخ فانه بوصول الثانية ينقضي زمان حجية الأولى، فهي إلى زمان حجية الثانية، حجة واقعية.

و الايراد عليه، بأن الحجية انما تكون نظير سائر الاحكام الشرعية، لها مرتبتان، واقعية، و ظاهرية، وعليه فبوصول الثانية ينكشف انها كانت حجة من الأول و لم تكن الأولى كذلك، لا انها كانت حجة واقعية إلى زمان وصول الثانية.

____________

(1) لم يعلم متبن لهذا الرأي من الاصحاب، نعم ذكره الاعلام في كتبهم و ناقشوه بوجوه متعددة، و ما أفاده المصنف (مد ظله) هو أجود رد.

50

غير صحيح، فإن الحجية انما هي من قبيل الاحراز الوجداني و متقومة بالوصول.

لا معنى لوجودها واقعا مع عدم وصولها: فإن حقيقة الحجية جعل صفة المحرزية للشي‏ء، و لا يتحقق ذلك في الخارج الا بوصول هذا الجعل و موضوعه إلى المكلف، وعليه فليس لها مرتبتان.

و لكن يرد عليه ان وجوب الاعادة أو القضاء، و بعبارة أخرى عدم الاجزاء، من آثار الحكم الواقعي على خلاف ما وصل إليه، لا من آثار حجية الحجة الثانية.

و على الجملة التبدل في الحجية لو سلم، لا ينفع في المقام، بل النافع هو التبدل في الحكم الواقعي، و هو باطل لكونه مستلزما للتصويب الذي لا نقول به.

و اما التبدل في الحجية- أي في الاحراز- فهو غير مفيد.

رابعها: ما عن الفصول من ان الواقعة الواحدة لا تتحمل اجتهادين‏ (1).

و اورد عليه المحقق النائيني (قدِّس سره): بانه لم يظهر معنى معقول لهذا الاستدلال فإن مؤدى الاجتهاد بعد فرض كونه حكما كليا غير مختص بزمان خاص ان اراد انه لا يتحمل اجتهادين من شخص واحد في زمان واحد، فهو مسلم لكنه اجنبي عن المقام.

____________

(1) الفصول الغروية ص 409 (فصل اذا رجع المجتهد عن الفتوى).

51

و ان اراد انه لا يتحمل اجتهادين في زمانين فهو بديهي البطلان‏ (1).

أقول ان هذا الوجه ذكره في الفصول في مبحث تبدل الرأى من مباحث الاجتهاد و التقليد، بعد اختياره القول بعدم الاجزاء مطلقا في هذه المسألة.

و محصل ما افاده‏ (2): ان الواقعة التي اوقعها على طبق الاجتهاد الأول:

تارة تنقضي بانقضاء الزمان و لا يمر عليها الزمان مرتين كالصلاة

بلا سورة، أو الواقعة في شعر الارنب، أو الواقعة فيما بنى على طهارته، أو العقد بالفارسي و ما شاكل.

و اخرى لا تنقضي بانقضاء الزمان و يمر الزمان عليها مرتين كالحيوان الذي بنى على حليَّته فذكاه و فرض بقاؤه إلى زمان الاجتهاد الثاني، و في القسم الأول: حيث لا بقاء لها بل لها ثبوت واحد، و هي على الفرض وقعت صحيحة فلا تنقلب فاسدة بتجدد الرأي، و هذا هو مراده من العبارة المزبورة، فلا يرد عليه ما افاده (ره) من انه لم يظهر معنى معقول لهذا الاستدلال.

و لكن يرد عليه انه في القسم الأول: أيضا كان يتخيل انها وقعت صحيحة، و بحسب الاجتهاد الثاني ظهر انها كانت فاسدة.

هذا كله على القول بالطريقية.

____________

(1) أجود التقريرات ج 1 ص 205 (الثالث ما عن صاحب الفصول). و في الطبعة الجديدة ج 1 ص 297- 298.

(2) صاحب الفصول المصدر السابق (ص 409)، بتصرف‏

52

و اما على القول بالسببية: فقد يقال كما عن المحقق الخراساني في الامارات الجارية في متعلقات الاحكام، أي الاحكام التي جعلت موضوعا لاحكام اخر أو قيدا للموضوع، كطهارة الماء المجعولة موضوعا لجواز الصلاة أو الوضوء، أو التيمم، و عن غيره في الامارات الجارية في الاحكام مطلقا.

بانه و ان كان يحتمل ثبوتا كون العمل الفاقد معه في هذه الحالة كالواجد في كونه وافيا بتمام الغرض فيجزى، و ان لا يكون وافيا بتمامه فلا يجزى مع امكان استيفاء الباقي و وجوبه، الا ان قضية اطلاق دليل الحجية على هذا هو الاجزاء بموافقته أيضا.

و فيه ان السببية تتصور على اقسام:

الأول: السببية على مسلك الاشعريين و هي ان قيام الامارة سبب لحدوث المصلحة و الحكم و انه مع قطع النظر عن ذلك لا يكون حكم و لا ملاك.

الثاني: السببية على مسلك المعتزلة و هي: ان قيام الأمارة و الحجة من قبيل طرو العناوين الثانوية. يكون موجبا لحدوث مصلحة في المؤدى اقوى من مصلحة الواقع.

الثالث: السببية على مسلك بعض العدلية و هي ان قيام الامارة موجب‏

لتدارك المقدار الفائت من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الامارة.

و على الاولين لا تتصور الصور الاربعة المذكورة، و لا عدم الاجزاء.

اما على الأول: فلفرض انه لا حكم في الواقع و لا ملاك فلا يلزم فوته، من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

53

و اما على الثاني: فلانه لا تتم السببية حينئذ الا بناءً على كون المصلحة في المؤدى غالبة على مصلحة الواقع. و موجبة لتبدل الحكم.

ثم انه لو سلم تصوير الصور الاربعة على هذين المسلكين، فما ذكر من التمسك باطلاق دليل الحجية للاجزاء لا يتم، لما ذكرناه في المأمور به بالامر الاضطراري وجها، لان اطلاق الدليل لا يصلح لرفع وجوب الاعادة أو القضاء، فراجع.

و اما على الثالث: فلا وجه للاجزاء إذ المفروض ان المتدارك هو المقدار الفائت من مصلحة الواقع بسبب العمل بتلك الامارة. مثلا لو ادّت الامارة إلى وجوب صلاة الجمعة و كان الواجب في الواقع هي صلاة الظهر، فإن انكشف الخلاف بعد مضي وقت الفضيلة يكون الفائت بسبب سلوك الامارة فضل الوقت، و هو المتدارك، و اما مصلحة الصلاة، فهي يمكن استيفاؤها و غير متداركة فيجب ذلك إذ تفويتها ليس مستندا إلى سلوك الامارة، و ان انكشف الخلاف بعد مضى الوقت يكون الفائت بسبب سلوك الامارة مصلحة الوقت، فهي تتدارك، و ان لم ينكشف الخلاف اصلا، كان المتدارك بالمصلحة السلوكية مصلحة اصل الصلاة.

و المحقق الخراساني بعد اختياره القول بالاجزاء بناءً على السببية في الامارات الجارية في متعلقات الاحكام مستندا إلى الوجه المتقدم.

ذهب إلى عدم الاجزاء في الامارات الجارية في نفس الاحكام حتى على السببية بدعوى: ان الامارة إذا قامت على وجوب شي‏ء كصلاة الجمعة و كان الواجب في الواقع شيئا آخر و هي صلاة الظهر، فغاية الامر ان تصير صلاة

54

الجمعة أيضا، ذات مصلحة لذلك، و لا ينافي هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة، الا ان يقوم دليل بالخصوص‏

على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد (1).

و فيه: ان محل الكلام هو ما إذا كان لسان الامارة و مؤداها تعين ما هو الوظيفة الواقعية و في المثال ما دل على وجوب صلاة الجمعة انما يدل على ان الواجب من الصلاتين الظهر و الجمعة، في يوم الجمعة هي صلاة الجمعة لا الظهر، فيكون لسان الامارة الجارية في الاحكام كلسانها في المتعلقات فعلى القول بالاجزاء على السببية لاوجه للتفصيل بينهما.

و بعبارة أخرى إذا كان لسان الامارة تعيين الواجب فلا محالة تدل بالدلالة الالتزامية على انه لا يجب صلاة الظهر في يوم الجمعة و يستلزم ذلك كون مصلحة صلاة الجمعة في يومها مصلحة بدلية مسانخة لمصلحة صلاة الظهر، لا مصلحة مستقلة أخرى غير تلك المصلحة كي لا ينافي استيفاؤها لاستيفاء تلك المصلحة.

نعم: ما ذكره (ره) يتم فيما لو قامت الامارة على وجوب شي‏ء خاص بلا نظر لها إلى بيان الواجب الواقعي، و تعينه في مؤديها، لكنه خارج عن مفروض البحث.

و يضاف إلى ذلك، المناقشة في المثال، فإن صلاتي الجمعة، و الظهر، عمل واحد، و انما الاختلاف بينهما في الكيفية، نظير القصر و الاتمام، لا سنخان‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 87 (المقام الثاني في اجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري)