زبدة الأصول - ج5

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
556 /
5

الحمد لله رب العالمين و صلواته و اكمل تحياته على اشرف الخلائق محمد و آله الطيبين الطاهرين سيما بقية اللّه في الأرضيين أرواح من سواه فداه.

و بعد فهذا هو الجزء الخامس من كتابنا زبدة الاصول في طبعته الثانية، وفقنا اللّه لطبعه و نشره في حلة جديدة و اللّه وليُّ التوفيق.

*****

6

الفصل الثالث‏

من‏

الأصول العملية

أصالة الاحتياط

7

الفصل الثالث‏ (1)

في الشك في المكلف به مع العلم بالتكليف إجمالا

و ملخص القول فيه: انه لو علم إجمالا بتعلق التكليف من الإيجاب و التحريم بشي‏ء: فتارة يتردد ذلك الشي‏ء بين المتباينين. و أخرى بين الأقل و الأكثر.

فلا مناص من البحث في مقامين.

المقام الأول: في دوران الأمر بين المتباينين‏

و قبل الشروع في بيان ما هو الحق لا بد و ان يعلم انه قد مر في مبحث العلم الإجمالي في القطع ان هذه المسألة معنونة في مباحث القطع و في مباحث الشك، و ان المناسب للبحث في القطع هو البحث عن كون العلم الإجمالي بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، و حرمة المخالفة القطعية، هل يكون بنحو العلية؟ أو بنحو الاقتضاء؟

ثم بعد الفراغ عن كونه مقتضيا بالنسبة إلى كلا الحكمين، أو خصوص‏

____________

(1) هذا الفصل (أصالة الاحتياط) و قاعدة (لا الضرر) راجعه و أخرج مصادره اخي الحبيب الشيخ مصطفى مصري و كنت قد أشرت الى ذلك في بداية الجزء الرابع.

8

الأولى منهما، يبحث في مبحث الاشتغال عن ثبوت المانع و عدمه.

لا ما أفاده الشيخ الأعظم من ان المناسب لمباحث العلم هو البحث عن الحكم الأول و لمباحث الشك هو البحث عن الحكم الثاني فراجع‏ (1).

و أيضا قد مر هناك مفصلا ان العلم الإجمالي بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية يكون مقتضيا و بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية يكون علة تامة.

و أيضا قد مر في ذلك المبحث انه قد يتوهم التنافي بين كلمات المحقق الخراساني في البابين حيث انه يرى في باب العلم الإجمالي ان العلم الإجمالي مقتض للتنجز و هو يصرح في المقام بكونه علة تامة له.

و بينا مراده الذي يندفع به هذا التوهم. و حاصله ان المعلوم بالإجمال ان كان فعليا من جميع الجهات يكون العلم علة تامة لتنجزه، و ان كان فعليا من جهة يكون مقتضيا له، هذا ما يفيده في المقام.

و في مبحث العلم الإجمالي أفاد انه يستكشف من أدلة الأصول كون كل حكم فعليا من جهة، إلا ما دل دليل على كونه فعليا من جميع الجهات فراجع ما بيناه.

و لكن يرد عليه مضافا ما ذكرناه في ذلك الباب، انه ان لم يؤخذ العلم دخيلا في الموضوع لا يعقل عدم فعلية الحكم إلا ان يتعلق به العلم التفصيلي، فإن ترتب الحكم على موضوعه و فعليته عند فعلية موضوعه، إنما يكون بنحو

____________

(1) فرائد الأصول ج 1 ص 70.

9

ترتب المعلول على علته التامة، و لا يعقل التخلف، مثلا: لو قال الخمر حرام بلا اخذ شي‏ء آخر في الموضوع لو وجد الخمر لا محالة يصير حكمها، و هو الحرمة فعليا، و إلا يلزم الخلف.

و بالجملة لا يعقل اخذ العلم بمرتبة من الحكم كالإنشاء دخيلا في مرتبة أخرى و هي الفعلية للتلازم بينهما.

و ان اخذ في الموضوع يلزم الدور على المشهور أو الخلف على قول آخر.

و الإجماع و الضرورة قائمان على عدمه كما حقق في محله، نعم في القطع الموضوعي يمكن اخذ العلم التفصيلي في الموضوع، لكنه خارج عن محل الكلام: إذ الكلام في المقام في القطع الطريقي.

و كيف كان فتحقيق القول يقتضي البحث في مقامين:

المقام الأول: في ان العلم الإجمالي بالنسبة إلى كل من المخالفة القطعية و الموافقة القطعية، هل يكون مقتضيا للتنجيز؟ أم علة تامة؟ أم لا يكون له اقتضاء؟ أم هناك تفصيل؟

المقام الثاني: في انه على فرض كونه مقتضيا، هل أدلة الأصول تصلح للشمول لأطرافه أم لا؟ و على فرض العدم هل يشمل بعض الأطراف بنحو التخيير أم لا؟

اما المقام الأول: فقد أشبعنا الكلام فيه في ضمن مباحث أربعة في مبحث العلم الإجمالي من مباحث القطع- و قد عرفت هناك ان المناسب في ذلك المبحث هو البحث في المقام الأول، و المناسب لمباحث الشك البحث في المقام الثاني.

10

شمول أدلة الأصول و الأمارات لأطراف العلم و عدمه‏

و اما المقام الثاني: فالكلام فيه في موردين:

أحدهما: في شمول أدلة الأمارات و الأصول لأطراف العلم الإجمالي، و عدمه.

ثانيهما: في انه على فرض عدم الشمول لجميع الأطراف، هل تشمل بعضها أم لا؟

اما المورد الأول: فحيث عرفت ان العلم الإجمالي بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، إنما يكون من قبيل العلة التامة، فعدم شمولها لجميع الأطراف مع استلزام جريانها فيها المخالفة القطعية واضحة.

و إنما يصح هذا البحث على مسلك من يرى انه بالنسبة إليها إنما يكون مقتضيا، و أيضا يصح فيما إذا لم يلزم من جريانها في جميع الأطراف المخالفة القطعية العملية، كما لو كان إناءان معلومي النجاسة، سابقا، و علم بطهارة أحدهما لاحقا و اشتبه الطاهر بالنجس، فإنه لا يلزم من إجراء استصحاب النجاسة في كل منهما مخالفة عملية لتكليف لزومي.

و المختار عدم جريان الأمارات فيها، و جريان الأصول من غير فرق بين التنزيلية و غيرها.

اما عدم جريان الأمارات، فلان الإمارة حجة في مثبتاتها و لو لم يلتفت المخبر إليها، وعليه فيلزم من جريانها في جميع الأطراف التعبد بالمتضادين.

11

مثلا: لو علم بطهارة احد الإنائين، و اخبر ثقة بنجاسة أحدهما، و اخبر آخر بنجاسة الإناء الآخر، فلو شمل دليل حجية الخبر الواحد لكلا الخبرين لزم التعبد بأن كل إناء نجس و طاهر، فإن من يخبر عن نجاسة احد الإنائين، يخبر بالملازمة عن طهارة الآخر و كذلك من يخبر بنجاسة الآخر، فيلزم من التعبد بهما، البناء على انهما نجسان و طاهران، و هو كما ترى.

اما جريان الأصول فيها، فلوجود المقتضى، و عدم المانع، بعد عدم كون الأصل حجة في مثبتاته.

و قد اختار الشيخ الأعظم‏ (1) و المحقق النائيني‏ (2)، عدم جريان الأصل التنزيلي و هو الاستصحاب في جميع الأطراف.

و استدلاله بوجهين:

الأول: ما أفاده الشيخ‏ (3)، و هو ان الشك المأخوذ في صدر دليله، و ان كان يعم المقرون بالعلم الإجمالي إلا ان اليقين المجعول في ذيله ناقضا، يشمل العلم الإجمالي أيضاً، و بديهي ان الحكم بحرمة النقض في جميع الأطراف، يناقض الحكم بالنقض في بعضها.

و فيه: ان هذا الوجه يجري في جميع الأصول حتى غير التنزيلية مثل قاعدة

____________

(1) أجود التقريرات ج 2 ص 129. ج 3 ص 226/ مصباح الأصول ج 2 ص 351.

(2) فوائد الأصول للنائيني ج 3 ص 111.

(3) نسبه إلى الشيخ الأنصاري في منتهى الدراية ج 4 ص 144 و قال: انه ذكره في رسالة الاستصحاب.

12

الحل، حيث انه جعل الغاية فيها العلم، الشامل للعلم الإجمالي.

مع انه لو سلم التناقض و التنافي و لاجله حكم بالإجمال، فيمكن الاستدلال بسائر الأدلة التي لا تكون مذيلة بهذا الذيل.

أضف إلى ذلك، ان الناقض هو اليقين المتعلق، بعين ما تعلق به اليقين السابق، فإذا علم بنجاسة احد الإنائين، ثم علم بغسله إجمالا يكون العلم الثاني ناقضا له.

و اما إذا كان اليقين السابق متعلقا بكل واحد بخصوصه، و اليقين اللاحق متعلقا بأحدهما لا بعينه فمثل هذا اليقين لا يصلح للناقضية لليقين السابق لتعدد المتعلق.

الثاني: ما أفاده المحقق النائيني (ره) (1) و هو ان هناك مانعا ثبوتيا عن جريانه.

و حاصله: ان جعل الاستصحابين يضاد مع العلم الإجمالي نفسه، إذ المجعول في باب الاستصحاب هو البناء العملي على وفق الإحراز السابق، أي بقائه عملا، و من المعلوم ان الحكم ببقاء الاحرازين تعبدا، و عملا، يناقض الإحراز الوجداني لعدم بقائهما.

و فيه: ان الاستصحاب إنما يجري في كل منهما بخصوصه و يتعبد ببقاء الإحراز السابق عملا فيه، و لا نظر له إلى الطرف الآخر، لفرض عدم حجيته في مثبتاته، وعليه فلا مانع من جريانهما و العلم بمخالفة أحدهما للواقع، لا

____________

(1) فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 15.

13

يمنع من جريانهما. و تمام الكلام في مبحث الاستصحاب فانتظر.

فالحق انه لا مانع من جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي تنزيلية كانت أم غير تنزيلية إلا من ناحية منجزية العلم الإجمالي و لزوم المخالفة القطعية. فإذا فرض عدم المانع من جهته تجري الأصول.

شمول أدلة الأصول لبعض الأطراف و عدمه‏

و اما المورد الثاني: فقد عرفت ان العلم الإجمالي، ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، بل يكون مقتضيا له.

وعليه: فيقع الكلام في ان أدلة الأصول و غيرها من الأدلة، هل تشمل بعض الأطراف، بنحو يكون لازمه جواز ارتكاب ما زاد عن مقدار الحرام كما عن بعض؟ أم لا تشمل؟ كما عن المشهور.

و الكلام في هذا المورد يقع في جهتين:

الأولى: في شمول العمومات.

الثانية: فيما يقتضيه النصوص الخاصة في العلم الإجمالي.

اما الأولى: فالمختار عدم شمول أدلة الأصول للبعض المعين، و لا للبعض غير المعين، و شمولها لبعضها تخييرا، بأن تشمل جميع الأطراف بنحو التخيير.

اما عدم شمولها للمعين، فلأنه يلزم منه الترجيح بلا مرجح، و لا يرتفع هذا المحذور بتعليق الشمول على ما يختاره أولا، فإنه يسأل عن المرجح لشمولها له‏

14

دون الذي لم يختره، مع كون نسبة الدليل اليهما على حد سواء.

و اما عدم شمولها لغير المعين، فلأنه اما لا مورد لها، أو لا يفيد شمولها له.

مثلا: لو علمنا بنجاسة احد الماءين، فإما ان يكون طهارة الآخر معلومة، أو تكون مشكوكا فيها، فعلى الأول لا مورد للأصل، و على الثاني لا يفيد، إذ الطهارة الظاهرية لا تزيد على الطهارة المعلومة فكما ان الطهارة الواقعية المعلومة، لا توجب عدم وجوب الموافقة القطعية كذلك الطهارة الظاهرية الثابتة بها.

و بالجملة: وجوب الاجتناب عن كل منهما ليس لأجل حكم الشارع بنجاسة كليهما حتى يرتفع بجريان أصالة الطهارة مثلا في أحدهما، و إنما يكون‏

بحكم العقل من باب احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه، و هذا الاحتمال الذي يكون موضوع حكم العقل بوجوب دفعه لا يرتفع بالتعبد بطهارة أحدهما غير المعين، فإن كل واحد منهما بعد ذلك يحتمل انطباق‏

المعلوم بالإجمال عليه، فلا بد و ان يدفع هذا الاحتمال، أو يجتنب بحكم العقل.

هذا لو أريد به غير المعين عندنا، و لو أريد به غير المعين في الواقع، فهو لا حقيقة له، و لا تحقق كي يجري فيه الأصول.

شمول أدلة الأصول لبعض الأطراف تخييرا

و اما شمولها لبعض أطراف العلم الإجمالي تخييرا، بأن تشمل جميع الأطراف بنحو التخيير، فتقريبه يتوقف على بيان مقدمة، و هي:

15

ان التخيير على ثلاثة أقسام:

الأول: التخيير الشرعي الذي يحكم به الشارع ابتداء كما في تعارض الخبرين مع عدم المرجح.

الثاني: التخيير الثابت في مورد التزاحم الذي يحكم به العقل فإنه إذا لم يتمكن المكلف من امتثال التكليفين معا لا محالة يسقط الإطلاق من كل من الدليلين، فتكون النتيجة: ثبوت التكليف في كل منهما مشروطا بعدم الإتيان بالآخر.

أو يسقط الخطابان و يستكشف خطاب تخييري من الملاكين الملزمين، على اختلاف المسلكين.

الثالث: التخيير الثابت من جهة الاقتصار على المتيقن في رفع اليد عن ظواهر خطابات المولى، كما لو ورد عام أفرادي له إطلاق أحوالي مثل ما لو قال اكرم كل عالم فإن مقتضى اطلاقه الاحوالي لزوم إكرام كل فرد، في كل حال، حتى في حال إكرام الآخر، ثم علمنا عدم وجوب إكرام فردين من العلماء كزيد و عمرو مثلا معا، و دار الأمر بين ان يكون كل منهما خارجا عن تحت العام رأسا فلا يجب إكرامهما، و بين ان يقيد اطلاقه الاحوالي فيجب إكرام كل منهما عند ترك إكرام الآخر، و من المعلوم ان المتعين هو الثاني.

و بعبارة أخرى: الضرورات تتقدر بقدرها، فالمقدار المعلوم خروجه عن تحت العام هو عدم وجوب إكرامهما معا، و اما الزائد عن ذلك‏

فمقتضى عموم العام، هو لزوم إكرام كل منهما منفردا و يترتب على هذا ثمرات مهمة في الفقه.

16

إذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم ان المدعى جريان القسم الثالث في المقام دون الاولين، بدعوى ان مقتضى إطلاق أدلة الأصول ثبوت الترخيص في كل واحد من أطراف العلم الإجمالي، سواء ارتكب الأطراف الأخر أم لم يرتكب، و قد علمنا من حكم العقل بقبح الترخيص في المعصية، انه لم يرخص الشارع في ارتكاب جميع الأطراف، و دار الأمر بين ان يرفع اليد عن الترخيص في الجميع رأسا، و بين أن يرفع اليد عن إطلاق الترخيص في كل طرف و تقييده بما إذا لم يرتكب الأطراف الأخر، و قد عرفت ان المتعين هو الثاني.

و لازم ذلك هو التخيير في ان يطبق الترخيص على أي طرف شاء المكلف.

و بهذا البيان يظهر انه لا يلزم من ذلك استعمال اللفظ في أدلة الأصول في المعنيين أي، الترخيص التعييني في الشبهات البدوية، و التخييري في المقرونة بالعلم الإجمالي.

و أورد عليه بإيرادات:

أحدهما: ما عن المحقق النائيني (ره) (1) و هو انه في المقام حيث يستحيل الإطلاق فيستحيل التقييد أيضاً، لان التقابل بين الإطلاق و التقييد إنما يكون من تقابل العدم و الملكة فإذا لم يمكن الإطلاق ثبوتا كيف يمكن التقييد في مقام الإثبات.

و فيه: انه في موارد العدم و الملكة، امتناع أحدهما لا يستلزم امتناع الآخر، بل ربما يكون الآخر ضروريا، مثلا الجهل في المبدأ إلا على محال، و العلم‏

____________

(1) أجود التقريرات ج 2 ص 245. و في الطبعة الجديدة ج 3 ص 421.

17

ضروري، و الغنى في الممكن محال، و الفقر ضروري، و هكذا.

اما في الإطلاق و التقييد، فإذا امتنع أحدهما لمحذور فيه، و كان ذلك في الآخر يكون هو أيضاً محالا، مثلا: تقييد وجوب الصلاة بخصوص العاجزين محال، و الإطلاق أيضاً محال لعين ذلك المحذور، و هو قبح التكليف بما لا يطاق.

و لو لم يكن ذلك المحذور في الآخر كما في تقييد الولاية بالفاسق، فإنه ممتنع لكونه ترجيحا للمرجوح على الراجح، يكون الإطلاق أو التقييد بمقابله ضروريا بعد امتناع الإهمال في الواقع، و في المقام بما انه يترتب محذور على الإطلاق و هو لزوم الترخيص في المعصية، و هذا المحذور ليس في التقييد لا يكون محالا.

ثانيها: ان دليل عدم الإطلاق بما انه كالمتصل لكونه من البديهيات، و هو يكون مجملا مرددا بين ان يقيد به الإطلاق الاحوالي أو الافرادي، و اجماله يسري إلى العام فلا وجه للتمسك بالإطلاق الافرادي لأدلة الأصول.

و فيه: ان المقيد في المقام ليس مجملا فإن الترخيص في المعصية ليس أمرا مجملا، بل من المفاهيم الواضحة، و هو إنما يترتب على الإطلاق الاحوالي دون الافرادي، فلا محالة يوجب تقييده خاصة.

ثالثها: ما أفاده المحقق الأصفهاني (ره) (1) و حاصله ان المأخوذ في أدلة الأصول موضوعا لها، هو عدم العلم لا الشك، اما في مثل (رفع عن أمتي ... ما

____________

(1) نهاية الدراية ج 3 ص 246.

18

لا يعلمون) (1) (إن الناس في سعة ما لم يعلموا) (2) فواضح.

و اما مثل (كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) (3) فلأنه من جعل الغاية العرفان و العلم، يستكشف، ان المغيا، هو ما لم يعلم و حيث ان العلم المجعول غاية أعم من الإجمالي و التفصيلي فكذا عدم العلم المأخوذ موضوعا هو عدم العلم الإجمالي و التفصيلي.

وعليه فلا يشمل أدلة الأصول أطراف العلم الإجمالي أصلًا.

و فيه: انه لو كان المقصود اجراء اصل واحد في جميع الأطراف كان ما ذكر متينا، و لكن الذي يجري فيه الأصل هو كل طرف بخصوصه، و هو كما يكون مشكوكا فيه يكون غير معلوم: إذ المعلوم بالإجمال هو الجامع و كل خصوصية و طرف غير معلوم، فلا فرق بين كون الموضوع هو الشك أو عدم العلم.

رابعها: ما أفاده المحقق صاحب الدرر (ره) (4)، و هو ان الأدلة الدالة على ان العالم يحتج عليه ما علم، و انه في غير سعة من معلوماته يقتضي الاحتياط بحكم العقل و ينافى الترخيص الذي استكشفناه من الإطلاق- مضافا- إلى منع إطلاق الأدلة المرخصة، بل هي متعرضة لحكم الشك من حيث انه شك.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 15 ص 369 ح 20769.

(2) عوالي اللئالي ج 1 ص 424/ مستدرك الوسائل ج 18 ص 20.

(3) وسائل الشيعة ج 17 ص 78 ح 22050 و كذلك في الجزء 24 و 25. و وردت روايات أخرى فيها كلمة حتى تعلم.

(4) درر الفوائد للحائري ج 2 ص 117.

19

و فيه: اما الأدلة الدالة على ان العالم في غير سعة من معلوماته، فهي متضمنة لبيان حكم إرشادي إلى ما يحكم به العقل، و ليست في مقام بيان حكم مولوي، لما مر من ان الأمر بالاطاعة و النهي عن المعصية لا يكونان مولويين.

و اما حكم العقل فهو حكم تعليقي يرتفع بورود الترخيص و لا ينافيه.

و اما ما ذكره من منع الإطلاق، فيرد عليه انه لم يشك احد في التمسك بإطلاقها في موارد الشبهات البدوية، و يتمسك بها فيها بكلا اطلاقيها.

خامسها: ما أفاده الأستاذ المحقق وحيد عصره الخوئي‏ (1)، و هو ان المانع عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي ليس استلزامه الترخيص في الجمع، و إلا لزم الالتزام بشمول الأدلة لجميع الأطراف ابتداءً فيما إذا كانت امورا متضادة، مع ان المفروض خلافه.

بل المانع هو الجمع في الترخيص، و ذلك لا يرتفع بتقييد الترخيص في كل منها بعدم ارتكاب الآخر فإن المكلف إذا لم يرتكب شيئا من الأطراف كان الترخيص في جميعها فعليا لا محالة، و هو مستلزم للعلم بترخيص ما علم حرمته بالفعل.

و بتقريب آخر: إذا علمنا حرمة احد الماءين و إباحة الآخر، فالحرمة المعلومة غير مقيدة بترك المباح يقينا كما ان الإباحة غير مقيدة بترك الحرام قطعا، فالحكم بإباحة كل منهما المقيدة مناف للحكم بالحرمة، و الإباحة المطلقتين، و قد مر غير مرة ان الحكم الظاهري لا بد و ان يحتمل مطابقته للواقع و الإباحة المشروطة

____________

(1) دراسات في علم الأصول ج 3 ص 360.

20

لا يحتمل مطابقتها للواقع بالضرورة.

و بعبارة أوضح: ان الإباحة الظاهرية إنما لا تنافي الحرمة الواقعية إذا لم تصل الحرمة، و إلا كانت منافية معها و قد مر توضيح ذلك في محله.

و إذا فرض وصول الحكم الواقعي و لو كان متعلقة مرددا بين أمرين أو أمور، و لم يكن متميزا في الخارج عن غيره، فكيف يعقل ثبوت حكم آخر على خلافه؟ و هل هو إلا من الجمع بين المتضادين؟

و لكن يرد على ما أفاده:

أولا: ان المحذور هو الترخيص في المعصية، و هذا لازم الترخيص في الجمع، لا الجمع في الترخيص، فالمانع هو الأول دون الثاني، و ما ذكره من النقض نلتزم به و لا نرى فيه محذورا.

و يرد على ما أفاده بتقريب آخر، انه يشترط في صحة جعل الحكم الظاهري احتمال مصادفة المجعول بنفسه للواقع، و اما مصادفة قيده له فلم يدل دليل عليها، و إباحة كل من الطرفين في فرض عدم ارتكاب الآخر يحتمل مصادفتها للواقع، غاية الأمر على فرض المصادفة يكون الاباحة الواقعية ثابتة حتى في فرض ارتكاب الآخر.

و يرد على ما أفاده اخيرا

أولا: بالنقض بما إذا لم يلزم من جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفة عملية فإنه دام ظله ملتزم بالجريان، مع ان لازم ما أفاده عدم الجريان.

و ثانيا: انه دام ظله في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، أفاد ان‏

21

الحكمين من حيث انفسهما لا تضاد بينهما، بل التنافي بينهما إنما يكون بالعرض و من ناحية المبدأ أو المنتهى و شي‏ء منهما لا يكون في المقام.

اما من ناحية المبدأ فلان الأحكام الواقعية ناشئة من المصالح و المفاسد في المتعلقات، و الأحكام الظاهرية ناشئة من المصالح في الجعل، و اما من ناحية المنتهى فلان جعل الترخيص مقيدا الذي نتيجته جواز ارتكاب أحدهما لا ارتكابهما معا، ليس ترخيصا في المعصية.

و قد اعترف دام ظله بأن الترخيص في المخالفة الاحتمالية لا محذور فيه.

فتحصل مما ذكرناه ان مقتضى إطلاق أدلة الأصول جواز ارتكاب ما زاد عن مقدار الحرام.

و اما الجهة الثانية: فمقتضى النصوص الخاصة الواردة في موارد مخصوصة وجوب الموافقة القطعية.

لاحظ موثق عمار (1) الوارد في الإنائين المعلوم نجاسة أحدهما المشتبه بالآخر الدال على لزوم الاجتناب عنهما.

و حسن صفوان‏ (2) في الثوبين المعلوم نجاسة أحدهما المتضمن للأمر بالصلاة فيهما و النصوص الدالة على غسل تمام الثوب المعلوم نجاسة بعضه‏ (3)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 1 ص 155 ح 388.

(2) وسائل الشيعة ج 3 ص 505 ح 4298.

(3) وسائل الشيعة ج 3 ص 403 ح 3983 و ص 404 ح 3984. و عدة روايات أخرى.

22

و بعض النصوص الوارد في الجبن‏ (1) و يؤيده ما روى عن الإمام على انه ما اجتمع الحرام و الحلال الأغلب الحرام الحلال‏ (2).

و لا يعارضها ما ورد في قطيع غنم‏ (3) نزا الراعي على واحدة منها ثم أرسلها في الغنم حيث قال (ع) يقسم الغنم نصفين ثم يقرع بينهما فكلما وقع‏

السهم عليه قسم غيره قسمين و هكذا حتى يبقي واحدة، و ما دل على الاكتفاء بصلاة واحدة إلى بعض الجهات المشتبه‏ (4) و غير ذلك من النصوص.

فإن بعضها مطروح و بعضها مؤول، و بعضها مختص بمورده، فالأظهر وجوب الموافقة القطعية.

عدم وجوب الموافقة القطعية مع عدم إمكان المخالفة

ثم انه ينبغي التنبيه على أمور:

الأمر الأول: انه إذا لم يحرم المخالفة القطعية في مورد لأجل عدم القدرة عليها، كما لو علم بحرمة الجلوس في إحدى الدارين في أول طلوع الشمس،

____________

(1) وسائل الشيعة ج 24 ص 179 ح 30286 و ح 30287.

(2) عوالي اللئالي ج 2 ص 132 و ج 3 ص 466. و في مستدرك الوسائل ج 13 ص 68.

(3) وسائل الشيعة ج 24 ص 169 ح 30261 و ص 170 ح 30264.

(4) وسائل الشيعة ج 4 ص 311 ح 5237.

23

فهل تجب الموافقة القطعية كما عن بعض الاساطين‏ (1) أم لا تجب؟ كما عن المحقق النائيني (ره) (2) وجهان.

قد استدل للاول: بأن وجوب الموافقة القطعية إنما يكون بحكم العقل من جهة انه في كل طرف يحتمل التكليف يكون ذلك الاحتمال مورد الوجوب دفع الضرر المحتمل، و يكون الاحتمال منجزا ما لم يكن هناك مؤمن شرعي أو عقلي، و عدم المؤمن الشرعي في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي إنما يكون لأجل التعارض من غير توقف لذلك على حرمة المخالفة القطعية.

و فيه: اولا ان التعارض بين الأصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي إنما يكون لأجل انه من جريانهما معا يلزم الترخيص في المعصية فهما معا لا يجران فيقع التعارض بينهما، و إذا فرض انه من جريانهما معا لا يلزم الترخيص في المعصية كما في المقام، لفرض عدم القدرة على المعصية القطعية فلا مانع من جريانهما معا، فلا تعارض بينهما فيجريان، و نتيجة الأصلين عدم وجوب الموافقة القطيعة.

و دعوى، ان جريان الأصل فيهما، مستلزم للترخيص في المبغوض الواصل، قد عرفت ما فيها و ان هذا من حيث هو لا محذور فيه.

فالمتحصّل انه في كل مورد لم يتمكن من المخالفة القطعية لا يجب الموافقة القطعية.

____________

(1) دراسات في علم الأصول ج 3 ص 382/ مصباح الأصول ج 2 ص 361/ المحقق العراقي في نهاية الأفكار ج 2 ص 334.

(2) فوائد الأصول للنائيني ج 3 ص 80 و 256.

24

حدوث المانع بعد العلم‏

الأمر الثاني: قد عرفت ان عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي ليس لمانع ثبوتي، و إنما يكون لأجل التعارض، فلو لم يجر الأصل النافي في احد الأطراف، اما من جهة كونه موردا لأصل ثبوتي من الاستصحاب، كما لو علم بنجاسة احد الماءين، الذين يكون أحدهما مستصحب النجاسة، أو قاعدة الاشتغال، كما لو علم بعدم الإتيان بإحدى الصلاتين، مع كون إحداهما موردا لقاعدة الاشتغال، أو تنجز التكليف فيه بمنجز آخر قبله، كما لو علم بنجاسة ما في احد الماءين ثم علم بإصابة النجاسة بإحداهما أو إناء آخر، أو غير ذلك من الموانع، يجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، و هذا مضافا إلى وضوحه سيأتي الكلام فيه في مبحث الاضطرار، و الخروج عن محل الابتلاء فانتظر.

إنما الكلام: في هذا التنبيه في انه إذا حدث احد الموانع بعد تنجيز العلم الإجمالي.

و بعبارة أخرى: ما لو طرأ احد الموانع على العلم، و هو على قسمين:

أحدهما: ما لو كان متعلق هذه الأمور مقارنا للعلم، أو متقدما عليه.

كما لو علم بنجاسة احد الإنائين ثم بعد ذلك علم تفصيلا بأن احد الإنائين معينا كان حين إصابة النجاسة المعلومة أو قبلها نجسا للملاقاة مع نجاسة أخرى.

ثانيهما: ما لو كان متعلقها متأخرا عنه، كما لو علم بإصابة الدم بأحد

25

الإنائين، ثم علم تفصيلا بأنه صار أحدهما معينا نجسا، أو فقد أحدهما أو انعدم، أو علم بوجود احد الفعلين و أتى بأحدهما.

و المختار جريان الأصل النافي في القسم الأول، دون الثاني.

اما الأول: فيتضح ببيان أمرين:

الأمر الأول: ان المنجز كان هو العلم التفصيلي، أو الإجمالي، أو الإمارة، أو الاستصحاب يعتبر في بقاء منجزيته، بقائه.

فلم علم تفصيلا أو إجمالا بنجاسة شي‏ء أو احد الشيئين أو قامت الإمارة عليها أو استصحبت، ثم شك فيها بنحو الشك الساري يزول تنجيزه، و لا يجب الاجتناب عما علم نجاسته وجدانا أو تعبدا.

نعم لو كان العلم باقيا و شك في رفعه يجب الاجتناب عنه بقاءً.

الأمر الثاني: ان زوال العلم الإجمالي كما يكون بالشك فيما علم بالشك الساري، كذلك يكون بالعلم الوجداني أو التعبدي بأن احد طرفي العلم حين حدوث العلم أو قبله كان محكوما بحكم مماثل لما علم بثبوته، لان ذلك يوجب الشك في ثبوت تكليف آخر غير ما ثبت في ذلك الطرف المعين، فالحجة المتأخرة توجب الشك الساري في العلم الإجمالي فلا محالة يزول تنجيزه.

فالمتحصّل انه لو كان المانع الطارئ متعلقه مقارنا أو متقدما على المعلوم بالإجمال، لا محالة يسقط العلم عن التنجيز لزوال العلم بقاء.

و بما ذكرناه يظهر انه لو علم بنجاسة احد الشيئين في يوم الجمعة مثلا ثم في يوم السبت علم بأن أحدهما المعين كان في يوم الخميس نجسا و احتمل‏

26

طهارته في يوم الجمعة: فإنه يجري الاستصحاب فيه فبقاء لا علم بحدوث تكليف زائد فينقلب الشك في انطباق المعلوم بالإجمال إلى الشك في حدوث نجاسة أخرى.

و اما في القسم الثاني: فلا يجري الأصل في الطرف الآخر بل هو مورد لقاعدة الاشتغال، إذ العلم الإجمالي يكون باقيا، و الشك يكون شكا في الامتثال بعد العلم بحدوث التكليف، و عدم الشك فيه، و الشك في الامتثال مورد لقاعدة الاشتغال.

و بتقريب آخر: ان المانع عن جريان الأصل و ان كان هو التعارض و هو لا يكون باقيا، إلا انه حيث يكون الشك في الزمان اللاحق بعينه الشك السابق، و لا يكون فردا آخر، و لم ينقلب إليه كما في القسم الأول، و المفروض انه لم يشمله في الزمان السابق أدلة الأصول فلا تشمله إلى الأبد.

فإنه ليس لأدلة الأصول عموم ازماني حتى يقال بأن كل زمان موضوع مستقل فلا مانع من عدم الشمول في زمان و الشمول في زمان آخر.

و إنما شمولها له في جميع الأزمان يكون بالإطلاق فكل واحد من أفراد الشك موضوع واحد في جميع الأزمنة، فحينئذ إذا خرج فرد لا معنى لشمول الأدلة له بعد ذلك، فإنه ليس فردا آخر.

و هذا الوجه مع إصرار الأستاذ (1) عليه غير خال عن المناقشة فإنه قد عرفت ان لدليل الأصل عموم أفرادي، و اطلاق أحوالي و زماني، فإذا ورد

____________

(1) مصباح الأصول ج 2 ص 76.

27

التقييد على الثاني يؤخذ بالمقدار الثابت، و في الزائد عليه يرجع إلى الإطلاق كما هو الشأن، في كل إطلاق و عام، و قد اعترف دام ظله (قدِّس سره) بذلك في دليل الأصل في مبحث شموله لأطراف العلم الإجمالي بنحو التخيير (1).

و الحق ان يقال انه في القسم الثاني، و هو ما لو علم بطرو احد تلكم الأمور بعد تحقق العلم الإجمالي، كما لو علم بنجاسة ما في احد الإنائين ثم انعدم أحدهما أو خرج عن محل الابتلاء أو اهريق ما فيه و انعدم أو علم بوجوب القصر أو التمام صلى القصر أو التمام، يجري استصحاب بقاء الحكم المعلوم بالإجمال من وجوب الاجتناب، أو لزوم الإتيان، فإنه حين ما علم اجمالا بنجاسة ما في احد الإنائين أو وجوب احد الفعلين، علم بتوجه خطاب لزومي إليه، و بعد طرو المانع يشك في بقائه إذ لو كان في ذلك الطرف، فقد ارتفع، و لو كان في الطرف الآخر فهو باق، فلا محالة يجري الاستصحاب و حيث ان المستصحب حكم شرعي لا يتوقف جريان الاستصحاب على وجود أثر شرعي آخر بل يتوقف على ترتب أثر عملي عليه، و هو يتحقق في المقام و هو الاجتناب عن الطرف الآخر، أو الإتيان به حيث ان العقل يحكم بذلك تحقيقا للامتثال القطعي.

و بهذا البيان يظهر انه لا نحتاج إلى اثبات ان هذا الفرد لازم الاجتناب، أو يجب الإتيان به، حتى يقال ان الاستصحاب المذكور لا يثبت ذلك لكونه لازما عقليا، بل المستصحب بنفسه حكم شرعي مجرى الاستصحاب و العقل في مقام‏

____________

(1) مصباح الأصول ج 2 ص 332.

28

امتثاله و القطع بفراغ الذمة، يحكم بلزوم الاجتناب في العلم بالحرمة، و لزوم الإتيان في العلم بالوجوب.

فإن قلت: ان الشك في بقاء ذلك التكليف مسبب عن الشك في تعلق التكليف بهذا الطرف، و الأصل ينفي ذلك فلا مورد للأصل المسببي.

قلت: ان الأصل على فرض جريانه إنما ينفي كون هذا الفرد موردا للتكليف من الآن، و لا يجري بالنسبة إلى ما قبل ذلك فإنه يكون معارضا.

مثلا: لو علم بوجوب الظهر أو الجمعة، فصلى الجمعة فإن الشك في وجوب الظهر، لو جرى فيه الأصل فإنما يدل على عدم وجوبه فعلا، و لا يكون مفاد الأصل عدم وجوبه من الأول، فإذا لم يدل على عدم تعلقه به من الأول، فاحتمال وجوبه قبل ذلك ليس موردا للأصل.

و من البديهي ان بقاء الوجوب المعلوم تعلقه بأحدهما ليس مسببا عن كون هذا الفرد واجبا فعلا و إنما يكون مسببا عن تعلقه به أولا و حيث لا يجري فيه الأصل للتعارض فيجري في المسبب.

فإن قلت: إذا جرى الأصل في الظهر مثلا و حكم الشارع بعدم العقاب من ناحية ترك الظهر، فما فائدة الاستصحاب؟ و جريانه لا يوجب حكم العقل بلزوم الإتيان بالظهر.

قلت: ان في صلاة الظهر جهتين، إحداهما: كونها مصداقا للجامع الذي علم تعلق التكليف به، ثانيتهما: خصوصية الظهرية، و البراءة من الجهة الثانية تجري، و تدل على عدم اقتضاء العقاب من هذه الناحية، و اما من الجهة الأولى‏

29

فهي ساكتة عنها، و الاستصحاب يدل على اقتضائه من تلك الناحية، و من البديهي ان ما لا اقتضاء له لا يزاحم ما له اقتضاء.

و يمكن ان يذكر وجه آخر لعدم جريان الأصل النافي فيه، و هو:

ان الأصل في كل طرف من أطراف العلم الإجمالي، من الأول إلى الابد يعارض مع الأصل الجاري في الطرف الآخر، و ان كان اقصر زمانا منه، كما لو علم بحرمة الجلوس من الطلوع إلى الزوال في محل، أو حرمته من الطلوع إلى الغروب في محل آخر.

و ان شئت فعبر عنه بأنه ينحل هذا العلم إلى علمين اجماليين.

أحدهما: العلم بحرمة الجلوس من الطلوع إلى الزوال في هذا المحل، أو الجلوس من الطلوع إلى الزوال في محل آخر.

ثانيهما: العلم بحرمته من الطلوع إلى الزوال، أو حرمته من الزوال إلى الغروب في محل آخر، و حيث انهما مقارنان فينجزان معا.

و في المقام نقول: انه لو فرضنا العلم بوجوب الجمعة أو الظهر مثلا- فصلى الجمعة- لا يجري الأصل في الظهر، لان العلم الإجمالي ينحل إلى العلم بوجوب الجمعة إلى حين الإتيان بها، أو الظهر إلى ذلك الزمان، و العلم بوجوب الجمعة إلى ذلك الحين، أو الظهر من ذلك الحين إلى الغروب.

فلا محالة أصالة عدم وجوب الظهر من ذلك الحين تعارض مع أصالة عدم وجوب الجمعة فتتساقطان فتدبر فإنه دقيق.

30

لو كان المعلوم الإجمالي واجبا تعبديا

الأمر الثالث: إذا تردد الواجب بين أمرين أو أمور، و أتى المكلف ببعض المحتملات فانكشف مصادفته للواقع، فإن كان الواجب توصليا لا كلام في سقوطه، و هو واضح.

و ان كان تعبديا، فهل يسقط، أم لا؟ أم يفصل بين ما إذا كان المكلف عازما على الموافقة القطعية بإتيان جميع المحتملات، فيسقط، و بين ما إذا كان قاصدا للإتيان ببعض المحتملات فلا يحكم بالصحة؟

وجوه و اقوال: و قد اختار الشيخ الأنصاري (ره) الوجه الثالث‏ (1).

و علل ذلك بأنه يعتبر في العبادة الجزم في نيتها فإن امكن تفصيلا و إلا فاجمالا، و حيث انه في الصورة الأولى يكون الجزم موجودا، دون الثانية فتصح الأولى دون الثانية.

و لكن حيث لم يدل دليل على اعتبار شي‏ء في العبادة سوى كون الداعي غير نفساني، و عرفت في محله من مبحث التعبدي و التوصلي:

انه إذا شك في اعتبار قصد القربة أو الوجه أو التمييز أو الجزم في النية أو نحوها مما لم يدل دليل على اعتباره، يكون المرجع هو إطلاق دليل ذلك المأمور به، و مع عدمه هو البراءة.

____________

(1) فرائد الأصول ج 1 ص 381.

31

فلو أتى المكلف ببعض المحتملات برجاء إصابة الواقع و صادف الواقع فقد قصد القربة بفعله و أتى بالعبادة على وجهها، فتكون صحيحة و مجزية.

و يترتب على ذلك انه لو دار امر الواجبين المترتبين كالظهر و العصر بين أفعال متعددة كما لو علم بنجاسة احد ثوبيه لا يعتبر في صحة الثانية، الفراغ اليقيني من الأولى، بل يكفي الإتيان ببعض محتملاتها.

فإذا صلى الظهر في احد ثوبيه، له ان يصلى العصر في ذلك الثوب، و لا يتوقف الإتيان بالعصر على الإتيان بالظهر في ثوبيه.

نعم ليس له ان يصلي العصر في الثوب الآخر: فإنه يحتمل ان يكون هو الطاهر فيكون قد أتى بالعصر قبل الظهر.

و ان شئت قلت انه يعمل إجمالا بعدم الأمر بالعصر في ذلك الثوب، اما لنجاسته أو لوقوع العصر قبل الظهر.

لو كان متعلق العلم عنوانا مرددا بين عنوانين‏

الأمر الرابع: لا فرق في منجزية العلم الإجمالي بين ان يكون المعلوم عنوانا معينا ذا حقيقة واحدة، كما لو كان المعلوم خصوص نجاسة احد الماءين أو غصبية أحدهما، أو ما شاكل، و بين ان يكون المتعلق عنوانا مرددا بين عنوانين مختلفي الحقيقة كما لو علم اجمالا بنجاسة احد الماءين أو غصبيته.

و ذلك لان الميزان في تنجيز العلم الإجمالي و حرمة مخالفته القطعية،

32

و وجوب موافقتها كذلك هو كونه وصولا للإلزام المولوي بعثا أو زجرا، و تردد المعلوم بين عنوانين، لا يوجب قصورا في كشفه و وصوله فإنه يعلم بخطاب مولوي موجه إليه، و العقل يلزم بامتثاله و اطاعته.

و ان شئت فاختبر ذلك بما لو علم بتوجه امر باكرام زيد إليه، و لم يعلم انه يجب اكرامه لعلمه أو لورعه، فإنه لا يشك احد في لزوم امتثال هذا الحكم.

فما أفاده صاحب الحدائق على ما نسب إليه‏ (1) من انه لو كان المعلوم بالإجمال مرددا بين العنوانين، لا يجب موافقته القطعية، و لا يحرم مخالفته القطعية، في غير محله.

إذا كان أثر احد الأطراف اكثر

الأمر الخامس: انه لا فرق فيما ذكرناه من تنجيز العلم الإجمالي و لزوم الموافقة القطعية، و لزوم ترتيب الأثر على كل طرف، بين ما لو كان أثر كل واحد شيئا واحدا كما لو علم بغصبية احد المائعين.

و بين ما لو كان أثر أحدهما اكثر.

و في الفرض الثاني لا فرق بين ان لا يكون بينهما قدر مشترك كما لو علم بوجوب قراءة يس، أو التوحيد في ليلة الجمعة بنذر و نحوه، فإن سورة يس و ان‏

____________

(1) نسب هذا القول إلى صاحب الحدائق في نهاية الأفكار ج 3 ص 332.

33

كانت اكثر من التوحيد، إلا انه لا قدر مشترك بينهما كي يكون هو المتيقن.

و بين ان يكون بينهما قدر مشترك، كما لو علم بوقوع النجاسة في الإناء الذي فيه ماء مطلق أو في الإناء الذي فيه مائع مضاف، فإن أثر النجاسة في كلا الطرفين، هو حرمة الشرب و هي الأثر المشترك، و لكن للماء المطلق أثر آخر يخصه و هو عدم جواز التوضؤ به على تقدير وقوع النجاسة فيه، فإن العلم الإجمالي يكون منجزا في جميع الصور من حيث جميع الآثار.

فإنه في جميع الصور يتعارض الأصول في أطرافه و تتساقط.

فاحتمال التكليف في كل طرف بالنسبة إلى كل أثر موجود، و لا مؤمن له، فمقتضى وجوب دفع الضرر المحتمل ترتيب جمع الآثار.

و عن المحقق النائيني (ره) (1) انه في الصورة الأخيرة يكون العلم الإجمالي منجزا بالنسبة إلى الأثر المشترك، و اما بالنسبة إلى الأثر المختص ببعض الأطراف، فيجري فيه الأصل بلا معارض، و في المثال المتقدم لا يجوز شرب الماء المطلق، و لا شرب المائع المضاف، و لكن لا مانع من التوضؤ بالماء المطلق.

و علل ذلك بأن توجه تكليف لا تشرب، معلوم، فلا مجرى للأصل بالنسبة إليه، و اما توجه لا تتوضأ فهو مشكوك فيه، فيجري فيه الأصل بلا معارض.

و لكن يرد عليه ان جواز التوضؤ متفرع على جريان قاعدة الطهارة في‏

____________

(1) نسبه إليه السيد الخوئي في مصباح الأصول ج 2 ص 367.

34

الماء، و المفروض سقوطها للمعارضة، فلا طريق إلى الحكم بطهارته كي يحكم بجواز التوضؤ به.

و بعبارة أخرى: كلا الحكمين في احد الطرفين، معارض مع الحكم الواحد في الطرف الآخر فلا يجري الأصل في شي‏ء منهما.

و ان شئت قلت: ان هذا العلم الإجمالي ينحل إلى علمين اجماليين مقارنين، أحدهما: العلم بتوجه، لا تشرب المائع المضاف. أو لا تشرب‏

الماء المطلق، ثانيهما: العلم بتوجه خطاب لا تشرب المائع المضاف، أو لا تتوضأ من الماء المطلق، و هذا العلمان متقارنان، و يوجبان سقوط الأصول في كل طرف بالنسبة إلى جميع الآثار، و لا يمكن إجراء أصالة البراءة عن خصوص عدم جواز التوضؤ، فلا فرق بين ان يكون في كل طرف حكما واحدا أو في أحدهما حكما واحدا، و في الآخر حكمين، فمن علم إجمالا بأنه اما مديون لزيد بدرهم أو لعمرو بدرهمين، لا يجري الأصل في الدرهم الزائد.

نعم يتم ما أفاده فيما لو كان الموضوع واحدا و كان الترديد في السبب الذي تعلق به العلم الإجمالي كما لو علم بأنه مديون لزيد اما بدرهم، أو بدرهمين من جهة العلم الإجمالي بأنه: اما استقرض من زيد درهما، أو اتلف ماله الذي يسوى درهمين.

إذ اشتغال الذمة بدرهم لزيد معلوم لا يجري الأصل فيه، و الزائد مشكوك الحدوث فيجري فيه الأصل بلا معارض.

35

تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات‏

الأمر السادس: لو كانت الأطراف تدريجية الوجود، بأن تعلق العلم الإجمالي بالأمور التدريجية، فهل هو كالعلم الإجمالي المتعلق بالأمور الدفعية، أم لا؟

و قبل الشروع في البحث لا بد و ان يعلم ان محل الكلام في هذا البحث، هو ما إذا لم تكن الأطراف مورد الاحتياط في انفسها مع قطع النظر عن العلم الإجمالي.

فما مثلوا به للمقام بما لو علم اجمالا بأنه يبتلى في يومه هذا بمعاملة ربوية من جهة الشبهة الحكمية، غير صحيح، إذ في مثله يجب الاحتياط، سواء كان العلم الإجمالي منجزا في التدريجيات، أم لم يكن كذلك، إذ كل معاملة يحتمل ان تكون ربوية في نفسها، مع قطع النظر عن كون العلم‏

الإجمالي مورد لأصالة الاحتياط، لكون الشبهة حكمية، و لا يجوز الرجوع فيها إلى أصالة البراءة قبل الفحص.

و من جهة الحكم الوضعي مورد لأصالة عدم النقل و الانتقال، و الفساد.

و دعوى: انه يمكن الرجوع إلى عموم ما دل على صحة كل معاملة، مندفعة: بأن العمومات قد خصصت بما دل على فساد المعاملة الربوية فالشك إنما هو في مصداق المخصص، و لا يصح التمسك بالعمومات في مثله.

و ايضا محل الكلام في المقام: فيما لم يرد فيه نص خاص.

36

فما مثل به من انه لو علمت المرأة المستمرة الدم انها تحيض، اما في أول الشهر أو آخره، غير تام، لورود روايات خاصة في المسألة و قد اشبعنا الكلام فيها في الجزء الثاني‏ (1) من كتابنا فقه الصادق.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان تدريجية أطراف العلم الإجمالي إنما تكون على أقسام.

القسم الأول: ان يكون ذلك مستندا إلى اختيار المكلف مع تمكنه من الجمع بينهما، كما إذا علم بنجاسة احد الإنائين فشرب ما فيهما تدريجا مع تمكنه من شرب الجميع دفعة، فلا إشكال و لا كلام في تنجيز العلم الإجمالي في هذا القسم، و هو واضح.

و يلحق بالقسم الاول، القسم الثاني: و هو ما إذا كانت التدريجية مستندة إلى عدم تمكن المكلف في الجمع بينهما، مع تمكنه من ارتكاب كل منهما بالفعل مع ترك الآخر، كما لو علم بحرمة احد الضدين الذين لهما ثالث، و ذلك للعلم بالتكليف الفعلي و تعارض الأصول في الأطراف و تساقطها.

القسم الثالث: ما لو كانت التدريجية في المتعلق مع العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، كما لو علم بتعلق النذر بقراءة سورة خاصة في يوم الخميس، أو في يوم الجمعة بناءً على القول بالوجوب المعلق، و ان وجوب الوفاء بالنذر إنما يكون فعليا، لان الملاك يتم بالنذر، و يكون التكليف المتعلق بالوفاء به فعليا على كل تقدير، و يكون ظرف الامتثال و الإتيان بالمتعلق متأخرا على‏

____________

(1) فقه الصادق ص 130 حسب الطبعة الثالثة.

37

تقدير.

و في هذا القسم أيضاً لا إشكال في تنجيز العلم الإجمالي، و تساقط الأصول في أطرافه، لمعلومية التكليف و استلزام جريان الأصل في الطرفين للترخيص في المعصية.

القسم الرابع: ما لو كانت التدريجية في التكليف، و لم يكن المعلوم فعليا على كل تقدير كما لو علم بوجوب مردد بين كونه فعليا الآن، و كونه فعليا فيما بعد كما في مثال النذر- على القول بعدم معقولية الواجب المعلق-، و كما لو تردد الواجب بين كونه مطلقا أو مشروطا بشرط يحصل فيما بعد.

و فيه اقوال:

القول الاول: جريان الأصل في كل من الطرفين مطلقا. و قد ذهب إليه المحقق الخراساني في الكفاية (1).

القول الثاني: عدم جريانه في شي‏ء من الطرفين مطلقا، اختاره المحقق النائيني (ره) (2).

القول الثالث: التفصيل بين ما إذا كان الملاك تاما على كل تقدير كما في مثال النذر، فلا يجري الأصل في شي‏ء من الطرفين، و بين ما إذا لم يكن تاما على‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 360.

(2) فوائد الأصول للنائيني ج 1 ص 212.

38

كل تقدير كما في المثال الثاني، فيجري فيه الأصل اختاره الشيخ الأعظم‏ (1).

و تنقيح القول بالبحث في موردين:

المورد الاول: فيما لو كان الملاك تاما على كل تقدير، كما في مثال النذر، و إنما لا يلتزم بالوجوب لو كان النذر متعلقا بالامر المتأخر لعدم معقولية الواجب المعلق.

المورد الثاني: ما إذا كان الملاك على تقدير تاما، و على تقدير غير تام، لعدم تحقق ما له دخل في تماميته كاكثر الشرائط التي تتوقف عليها فعلية التكليف، و مثل له الشيخ‏ (2) بما لو علمت المرأة بأنها تحيض في الشهر ثلاثة ايام مرددا بين ايامه.

اما المورد الأول: فلا ينبغي التوقف في منجزية العلم الإجمالي، لان الترخيص في تفويت الملاك الملزم قبيح عقلا كالترخيص في مخالفة التكليف، فلا يجري الأصل في شي‏ء من الطرفين.

و اما في المورد الثاني: فافاد الشيخ‏ (3) انه يرجع إلى الأصل النافي للحكم إلى ان يبقي مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى أصالة الاباحة و لا يتعارضان.

اما قبل بقاء ثلاثة ايام، فلعدم المعارض للأصل النافي لعدم التكليف في ذلك الزمان بالنسبة إلى تلك الايام قطعا فلا حاجة إلى الأصل.

____________

(1) فرائد الأصول ج 2 ص 427.

(2) نقله في مصباح الأصول ج 2 ص 371.

(3) دراسات في علم الأصول ج 3 ص 378.

39

و اما الثلاثة الأخيرة فالأصل النافي للحكم، لا يعارضه الأصل الجاري فيما قبلها لعدمه فعلا، غاية الأمر بعد جريان الأصل فيه يقطع بمخالفة احد الأصلين للواقع. و لا محذور فيه.

و أورد عليه المحقق النائيني (ره) (1) مبتنيا على ما ذكره في بحث مقدمة الواجب، من حكم العقل بقبح تفويت الملاك الملزم في ظرفه بتعجيز النفس قبل مجي‏ء وقته كاستقلاله بقبح تعجيز النفس عن امتثال التكليف الفعلي، بدعوى، انه لا فرق في ذلك بين كون التفويت مستندا إلى العبد، و بين كونه مستندا إلى المولى فلا يجوز للمولى ان يرخص في تفويت الملاك الملزم.

و بما ان ترخيصه في الاقتحام في كل واحد من أطراف الشبهة في ظرف الابتلاء به يستلزم فوت الملاك الملزم في ظرفه فيكون قبيحا.

و ان شئت قلت: انه لا فرق في قبح تفويت الملاك الملزم بين العلم الإجمالي و التفصيلي، فكما ان من يعلم تفصيلا بأن الاقتحام في فعل يستلزم فوت الملاك الملزم في ظرفه لا يجوز له ذلك، و يقبح للمولى الترخيص فيه، كذلك من يعلم اجمالا بأن احد الفعلين التدريجيين مفوت للملاك الملزم، كما في المقام، لا يجوز له ذلك، و ليس للمولى ان يرخص فيه.

و ما أفاده و ان كان حقا، إلا ان الظاهر عدم جريان الأصل، حتى مع عدم البناء على استقلال العقل بقبح ذلك.

إذ من يعلم بتوجه التكليف إليه اما في أول الشهر، أو آخره، لا يمكن‏

____________

(1) فوائد الأصول للنائيني ج 1 ص 198.

40

للمولى ان يرخص في عدم امتثاله لأنه ترخيص في المعصية.

و بالجملة: الأصل الجاري في احد الطرفين في أول الشهر يعارض، مع الأصل الجاري في الطرف الآخر في آخر الشهر، إذ لا يعتبر في التعارض كونهما عرضيين و في زمان واحد.

مانعية الاضطرار عن تنجيز العلم الإجمالي‏

الأمر السابع: لو اضطر إلى ارتكاب بعض الأطراف، فهل يمنع ذلك عن تنجيز العلم الإجمالي أم لا؟

و قبل الشروع في البحث لا بد من بيان امر به يتضح محل البحث:

و هو ان محل الكلام: ما لو كان الاضطرار رافعا لجميع الآثار للمعلوم بالإجمال. كما لو علم بنجاسة احد المائعين المضافين، ثم اضطر إلى شرب أحدهما، فإن الأثر المترتب على هذا المعلوم بالإجمال ليس إلا الحرمة المرتفعة بالاضطرار، فيقع الكلام في انه هل ينحل العلم الإجمالي بذلك أم لا؟

و اما إذا كان المرتفع بالاضطرار بعض الآثار. كما لو علم بنجاسة احد الماءين المطلقين ثم اضطر إلى شرب أحدهما لا على التعيين، أو علم بنجاسة الماء أو الحليب مع الاضطرار إلى شرب الماء فإن الأثر المترتب على هذا المعلوم بالإجمال حرمة الشرب، و عدم جواز التوضؤ به، و الاضطرار إنما يرفع الحكم الأول، و يكون الأثر الآخر باقيا فلا وجه‏

لتوهم انحلال العلم الإجمالي، و هو واضح، فلا يجوز التوضؤ بشي‏ء منهما.

41

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاضطرار، قد يكون إلى أحدهما المعين، و قد يكون إلى أحدهما لا بعينه فالكلام في مقامين:

المقام الأول: ما لو كان الاضطرار إلى أحدهما المعين، كما لو علم بنجاسة الماء أو الحليب و اضطر إلى شرب الماء.

المقام الثاني: ما لو كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه كما لو علم بنجاسة احد الماءين و اضطر إلى شرب أحدهما لا بعينه.

حكم الاضطرار إلى أحدهما المعين‏

اما المقام الأول: فالصور المتصورة التي بها يختلف الحكم ثلاث.

الأولى: ان يكون الاضطرار حادثا بعد التكليف و بعد العلم به كما لو علم بنجاسة احد المائعين ثم اضطر إلى شرب الماء منهما.

الثانية: ان يكون الاضطرار حادثا قبل التكليف، و قبل العلم به كما لو اضطر إلى استعمال احد مقطوعي الطهارة و الحلية ثم حدث نجاسة أحدهما أو حرمته و العلم بها.

الثالثة: ما لو كان الاضطرار حادثا بعد التكليف و قبل العلم به، كما إذا كان احد الماءين نجسا في الواقع و لكنه لم يكن عالما به فاضطر إلى شرب أحدهما ثم علم بأنه كان نجسا قبل الاضطرار.

42

اما في الصورة الأولى: فقد اختار الشيخ الأعظم (ره) (1) و المحقق النائيني‏ (2) عدم انحلال العلم الإجمالي:

لان التكليف قد تنجز بالعلم الإجمالي قبل عروض الاضطرار، و اقصى ما يقتضيه الاضطرار هو الترخيص فيما اضطر إليه، و رفع التكليف عنه لو كان متعلقا به، و لا رافع له في الطرف غير المضطر إليه، لان الضرورات تتقدر بقدرها.

و ذهب المحقق الخراساني في الكفاية (3) إلى الانحلال و عدم بقاء التنجيز.

و استدل له بأن العلم الإجمالي علة للتنجيز حدوثا و بقاء، و بعد الاضطرار لا يكون العلم بالتكليف باقيا، إذ لو كان التكليف في الطرف المضطر إليه، فقد ارتفع لكون التكليف كان محدودا بعدم الاضطرار إلى متعلقه.

و مع عدم بقاء العلم يرتفع أثره، و هو التنجيز، كما هو الحال في العلم التفصيلي فإنه لو زال بالشك الساري لا يبقى تنجيزه.

ثم أورد على نفسه بالانتقاض بما لو فقد بعض الأطراف، فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي هنا، كذلك لا ينبغي الإشكال في لزوم رعاية الاحتياط مع الاضطرار.

و أجاب عنه بالفرق بين الاضطرار و الفقدان، فإن الاضطرار من حدود

____________

(1) فرائد الأصول ج 2 ص 245.

(2) أجود التقريرات ج 3 ص 265. و ج 3 ص 454 الطبعة الجديدة.

(3) كفاية الأصول ص 360.

43

التكليف، و لا يكون الاشتغال به من الأول، إلا مقيدا بعدم عروضه، فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به إلا إلى هذا الحد، فلا يجب رعايته فيما بعده، بخلاف فقدان المكلف به، فإنه ليس من حدود التكليف و قيوده فالتكليف المتعلق به مطلق، فإذا اشتغلت الذمة به كان قضية الاشتغال به يقينا الفراغ عنه كذلك.

و يرد عليه: اولا: انه كما يكون الاضطرار من حدود التكليف و بحدوثه يرتفع التكليف، كذلك يكون فقدان الموضوع من حدود التكليف و ينتفي التكليف بانتفاء موضوعه، لان فعلية التكليف تدور مدار وجود الموضوع، بما له من القيود و بانتفائه أو انتفاء قيد من قيوده ينتفي الحكم.

و ثانيا: ان العلم الإجمالي بالتكليف لا يكون منتفيا بحدوث الاضطرار نظير انتفاء العلم التفصيلي بالشك الساري بل هو باق بحاله.

غاية الأمر يكون متعلقه مرددا بين ان يكون من الطرف غير المضطر إليه، فهو باق إلى آخر الازمان، أو يكون في الطرف المضطر إليه، فهو محدود بحدوث الاضطرار، فيكون المعلوم بالإجمالي مرددا بين المحدود و المطلق.

و يصير نظير ما لو علم بحرمة الجلوس في مكان خاص إلى الزوال، أو في محل آخر إلى الغروب، فكما لا سبيل إلى القول بارتفاع التنجيز بالزوال كذلك في المقام.

و إلى ذلك نظره الشريف في هامش الكفاية (1) حيث التزم ببقاء التنجيز في‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 360 الهامش الأول.

44

الطرف غير المضطر إليه، بتقريب ان العلم الإجمالي تعلق بالتكليف المردد بين المحدود و المطلق و يكون من قبيل تعلق العلم الإجمالي بالتكليف المردد بين القصير و الطويل، فكما ان العلم الإجمالي، يكون منجزا هناك، كذلك في المقام.

و اما في الصورة الثانية: و هي ما إذا كان الاضطرار إلى المعين قبل حدوث التكليف، كما لو اضطر إلى شرب ما في احد الإنائين معينا، ثم علم بنجاسته أو نجاسة، ما في الاناء الآخر فلا كلام و لا إشكال في عدم منجزية هذا العلم الإجمالي، إذ النجاسة لو كانت واقعة فيما اضطر إلى شربه، لم يحدث تكليف، و هو مقطوع الحلية على كل تقدير، فلا يجري فيه الأصل، و يجرى في الطرف الآخر بلا معارض.

و بما ذكرناه يظهر حكم ما لو كان الاضطرار، و حدوث التكليف مقارنين، فإنه يجري الأصل في غير المضطر إليه بلا معارض.

و اما في الصورة الثالثة: و هي ما لو كان الاضطرار إلى المعين بعد حدوث التكليف و قبل العلم، كما لو اضطر إلى شرب احد المائعين ثم علم بأن أحدهما كان نجسا قبل عروض الاضطرار، فقد اتفقت كلمات المحققين في هذه الصورة على عدم تنجيز العلم الإجمالي.

و ما أفادوه في المقام يكون مبتنيا على ما بنوا عليه، و نحن تبعناهم من ان عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي إنما هو لأجل التعارض لا لمانعية نفس العلم، و انه لو كان الأصل النافي للتكليف جاريا في بعض الأطراف، دون بعض آخر، فلا مانع من جريانه، و لا يكون العلم الإجمالي حينئذ منجزا من غير فرق بين سبق التكليف و عدمه، وعليه.

45

فلو كان عروض الاضطرار قبل العلم و بعد توجه الخطاب، فاما ان يكون حين الاضطرار غافلا عن نجاسة الماءين أو معتقدا طهارتهما، أو يكون شاكا في النجاسة، فعلى الاولين: لا يجري الأصل في شي‏ء منهما لعدم الموضوع، و على الثالث: يجري الأصل في الطرفين، إذ الترخيص في مخالفة التكليف غير الواصل، لا يكون ترخيصا في المعصية و لا محذور فيه، هذا حال الطرفين قبل الاضطرار.

و اما بعده فحين ما يعلم بالنجاسة، فالطرف المضطر إليه لا يجري الأصل فيه للعلم بجواز ارتكابه و حليته حتى لو كانت النجاسة واقعة فيه.

و مع العلم بالجواز لا موضوع للأصل، فيجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، و على الجملة في زمان المنكشف و المعلوم كلا الأصلين يجريان على فرض الشك، و في زمان العلم و الكاشف يجري أحدهما دون الآخر فليس زمان يتعارض الأصلان فيه، فمثل هذا العلم الإجمالي لا يكون منجزا.

و دعوى: ان العلم بعد حدوثه يوجب ترتيب آثار المعلوم من حين حدوثه لا من حين العلم. مثلا: لو علمنا بنجاسة الماء الذي توضأنا به قبل التوضؤ، يجب ترتيب آثار النجاسة حين الوضوء، و ان لم يكن عالما بها حينه ففي المقام لا بد من ترتيب آثار العلم الإجمالي من حين حدوث المعلوم، لعدم الفرق بين العلم الإجمالي و التفصيلي.

مندفعة: بأن ذلك يتم بالنسبة إلى آثار المعلوم، لا آثار العلم، و تساقط الأصول من آثار العلم كما لا يخفى.

و يلحق بهذه الصورة ما لو كان الاضطرار مقارنا للعلم و بعد حدوث‏

46

التكليف.

و غاية ما يمكن ان يورد عليهم: انه إنما لا يجري الأصل في الطرف الآخر من جهة أخرى، و هي ان مقتضى استصحاب بقاء التكليف المقطوع‏

حدوثه قبل الاضطرار المشكوك بقائه، لاحتمال كونه في الطرف المضطر إليه المرتفع بالاضطرار، و كونه في الطرف الآخر الباقي، بقاء التكليف و هو من قبيل القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي، و حيث ان المستصحب بنفسه من الأحكام، فلا يتوقف جريانه على ترتب أثر شرعي عليه، و ليس المقصود اثبات كون متعلق الحكم الطرف الآخر، حتى يقال انه مثبت بل العقل يحكم بأنه يجب اجتناب الطرف الآخر في المحرمات، و الإتيان به في الواجبات تحصيلا لليقين بالفراغ.

و فيه: ان هذا الأصل محكوم لأصل آخر، فإن الشك في بقاء الكلي الذي لا وجود له إلا بوجود أفراده، يرتفع باجراء أصالة عدم الحدوث في فرد مع العلم بعدم الفرد الآخر في صورة دوران امر الموجود بينهما كما في المقام فإن المضطر إليه لو كان موردا للتكليف، فقد ارتفع التكليف قطعا فلو اجرينا أصالة عدم حدوث التكليف في الطرف الآخر لا يبقى شك في عدم بقاء الكلي.

لا يقال: ان لازم ذلك عدم بقاء تنجيز العلم في صورة كون الاضطرار بعد التكليف و العلم به فإنه يجري الأصل في الطرف الآخر، و المضطر إليه حلال قطعا.

فإنه يقال: انه في تلك الصورة لا يجري أصالة عدم حدوث التكليف‏

47

لفرض تنجيز العلم قبل ذلك و سقوط الأصل في كلا الطرفين، و هذا بخلاف المقام فإنه قبل الاضطرار لا علم بالتكليف، فيجري الأصل في الطرفين بلا معارضة بينهما، و بعده لا علم بالتكليف و لا يجري الأصل في المضطر إليه كي يعارض مع الجاري في الطرف الآخر.

و لو ضم أصالة عدم حدوث التكليف في طرف بالعلم الوجداني بعدم وجوده في الطرف الآخر، و المفروض ان لا وجود للكلى إلا في ضمن أحدهما، لا شك في عدم بقاء الكلي، و ان شئت عبر: بأنه شك له مؤمن شرعي.

و هذا نظير دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، فإنه و ان كان بعد الإتيان بالاقل يشك في بقاء التكليف المعلوم تعلقه بالاقل أو الأكثر، و المشكوك بقائه لعدم الإتيان بالاكثر، و لكن لأجل جريان الأصل في الأكثر و عدم معارضته بالأصل في الأقل لا يبقى شك في عدم بقاء الكلي.

فالحق: ما أفاده الاساطين من عدم تنجيز العلم الإجمالي في هاتين الصورتين أيضاً.

حكم الاضطرار إلى غير المعين‏

و اما المقام الثاني: و هو ما لو كان الاضطرار إلى احد الأطراف لا بعينه ففيه مسالك:

48

المسلك الأول: ما اختاره المحقق الخراساني في الكفاية (1) و هو ان الاضطرار إلى غير المعين مانع عن العلم بفعلية التكليف، فإنه موجب لجواز ارتكاب احد الأطراف أو تركه تخييرا. و هو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلا.

أقول: ان مراده من ذلك، ان كان ان الترخيص الواقعي ينافي العلم بحرمة المعلوم، فيرد عليه ما ستعرفه عند بيان المختار.

و ان كان مراده ان الترخيص الظاهري ينافي معه من جهة ان العلم الإجمالي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، و لا يجوز الترخيص في تركها، فقد مر ما فيه مفصلا فراجع.

المسلك الثاني: ما ذهب إليه المحقق النائيني (ره) (2) و هو البناء على التوسط في التكليف و الحكم بوجوب الاجتناب عن غير ما يرفع به الاضطرار في المحرمات و الإتيان بغيره في الواجبات، حتى في صورة تقدم الاضطرار على حدوث التكليف.

بدعوى ان الاضطرار إنما تعلق بالجامع بين الحلال و الحرام، و لم يتعلق بخصوص الحرام، فنفس الاضطرار لا يكون موجبا لرفع الحرمة، و لاوجه لرفع اليد عن حرمة الحرام المعلوم بالإجمال.

أ لا ترى انه لو اضطر إلى شرب احد الماءين مع العلم التفصيلي بنجاسة أحدهما لا يتوهم احد رفع الحرمة عن الحرام المعلوم بالتفصيل لأجل الاضطرار

____________

(1) كفاية الأصول ص 360.

(2) فوائد الأصول للكاظمي الخراساني ج 3 ص 258.

49

إلى الجامع، فكذلك في المقام، غاية الأمر ان الذي يختاره المكلف في مقام رفع الاضطرار حيث انه مصداق للمضطر إليه فبالاختيار يرتفع حرمته ان كان هو الحرام و ان كان الحرام غيره فهو باق.

و أورد على نفسه‏ (1): بأنه على هذا لا يبقى فرق بين الاضطرار إلى المعين و الاضطرار إلى غير المعين في ان كلا منهما يوجب التوسط في التكليف، أي عدم التكليف على فرض مصادفته للمضطر إليه و وجوده إذا كان غيره، فما الفارق بينهما حيث حكم في الأول بعدم لزوم الاجتناب عن الطرف الآخر إذا كان الاضطرار قبل العلم، و التزم في الثاني بلزومه.

و أجاب عنه‏ (2): بأنه في الاضطرار إلى المعين: إذا كان قبل التكليف و قبل العلم به، فبعد حدوث سبب التكليف و العلم به، يقطع بحلية المضطر إليه، و عدم حدوث التكليف ان صادف المضطر إليه، فيبقي الشك في الطرف الآخر موردا للأصل بالتقريب المتقدم.

و اما في الاضطرار إلى غير المعين فحيث ان نفس الاضطرار لم يتعلق بما هو متعلق التكليف فقبل ان يختار أحدهما، و يحدث سبب التكليف كاصابة النجاسة إلى أحدهما يكون التكليف فعليا على كل حال و منجزا، و بعد ذلك إذا اختار أحدهما، فحيث انه يصير مضطرا إليه فيرتفع التكليف ان كان ثابتا في مورد الاختيار، و ان كان في غيره فهو باق.

____________

(1) فوائد الأصول للكاظمي الخراساني ج 3 ص 258.

(2) فوائد الأصول للكاظمي الخراساني ج 3 ص 258.

50

فيكون حاله حال الاضطرار إلى المعين بعد العلم بحدوث التكليف.

و فيه: اولا: ان ما يختاره ليس مصداقا للمضطر إليه حتى يكون الترخيص الثابت بدليل الاضطرار ترخيصا واقعيا، فينافي الحرمة، فالحرمة ثابتة على كل حال، و إنما يكون الترخيص ظاهريا موجبا للتوسط في التنجيز.

و ثانيا: انه لو سلمنا ذلك، فلازمه عدم وجوب الاجتناب عن الآخر، إذ ما يختاره اولا لو كان هو الذي اصابه النجاسة لم يحدث فيه التكليف من الأول لا انه حدث و ارتفع بالاختيار. و ذلك لعدم معقولية مثل هذا التكليف و كونه لغوا، إذ التحريم إنما يكون لأجل ان يكون زاجرا عن الاختيار، فجعل الحرمة و تعلقها بفعل، ترتفع عند اختيار الفعل و صيرورته مباحا لغو.

و بعبارة أخرى: الحرمة إنما تكون لأجل ان تصير زاجرة عن الاختيار، فصيرورته الفعل مباحا حينه يوجب لغوية جعل تلك الحرمة.

فلو كان في الطرف المختار لم يحدث التكليف من الأول فيكون التكليف في الطرف الآخر، مشكوك الحدوث، فيجري فيه الأصل فيكون كلام المستشكل متينا.

الثالث: ما هو الحق، و هو التوسط في التنجيز، فالمدعى ثبوت التكليف على كل تقدير، و تنجيزه على تقدير دون آخر، و هو يبتنى على بيان مقدمات.

المقدمة الأولى: ان الترخيص أعم من الظاهرى و الواقعي، كالحكم الالزامي، قد يتعلق بصرف وجود الطبيعة، المنطبق على أول الوجودات، و قد يتعلق بجميع الوجودات، و الاباحة الواقعية المتعلقة بجميع الوجودات ظاهرة،

51

و اما الاباحة المتعلقة بصرف الوجود، فهي إنما تكون، فيما لو اباح المالك الدخول في داره مرة مثلا و يتصور ذلك في الاباحة الظاهرية أيضاً.

المقدمة الثانية: ان المضطر إلى استعمال احد الماءين المعلوم نجاسة أحدهما إنما يكون مضطرا إلى استعمال الجامع لا خصوص الحرام، و حيث ان احد فردي الجامع حرام و الآخر مباح فلا بد و ان يرفع اضطراره بما لا يكون حراما.

و بعبارة أخرى: الحكم المترتب على الفعل المضطر إليه إنما يترتب على ما لا مانع فيه، و هو المباح، و لذا ترى انه لو كان الحرام متميزا عن الحرام في الخارج لما كان يجوز دفع الاضطرار بالحرام. و السر فيه ما ذكرناه.

وعليه فالحرام يتمكن المكلف من مخالفته و لم يطرأ عليه الاضطرار حتى يرفع حكمه.

المقدمة الثالثة: انه لا يمكن للشارع الترخيص في كليهما لكونه‏

ترخيصا في المخالفة القطعية.

إذا عرفت هذه الأمور فاعلم: ان مقتضى ما ذكرناه في المقدمة الثانية: عدم جواز ارتكاب أحدهما أيضاً في الفرض، إلا ان العقل يحكم بأن الاضطرار الموجب لصيرورة الحرام مباحا إذا تعلق به، لو تعلق باحد الامرين المعلوم حرمة أحدهما، و لم يكن الحرام متميزا عما عداه يوجب عدم العقاب على ارتكاب أحدهما.

و لازم ذلك ترخيص الشارع في ارتكاب أحدهما، و بمقتضى المقدمة الأولى: يكون المرخص فيه صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات، و الجمع بين‏

52

هذا الحكم و بقاء الحرمة الواقعية، يقتضي الالتزام بالترخيص الظاهرى، و بعبارة أخرى: الضرورات تتقدر بقدرها.

فلا وجه لرفع اليد عن الحرام الواقعي، لان المضطر إليه هو ترك الموافقة القطعية فالمرتفع هو وجوبها.

و بمقتضى المقدمة الثالثة يحرم المخالفة القطعية، و ليس للشارع الترخيص فيها، فنتيجة ذلك هو التوسط في التنجيز.

و مما ذكرناه يظهر ما في كلمات المحققين و إليك طائفة منها:

الاول: ما أفاده المحقق الاصفهاني‏ (1)، من ان المعذورية في ارتكاب احد الأطراف و رفع عقاب الواقع عند المصادفة، ينافي بقاء عقاب الواقع على حاله حتى يحرم المخالفة القطعية.

فإنه يرد عليه: انه بعد تسليم وجود التكليف الواقعي على حاله، غاية ما يمكن للشارع الترخيص في المخالفة الاحتمالية.

و اما الترخيص في المخالفة القطعية و عدم العقاب على ارتكابهما فليس له ذلك ثبوتا، من غير فرق بين ان يكون الترخيصان بدليل واحد، أو بدليلين.

الثاني: ما ذكره المحقق النائيني‏ (2) من ان ارتكاب المكلف للحرام في هذا الحال يكون مصداقا للاضطرار و يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي.

____________

(1) نهاية الدراية ج 2 ص 596.

(2) فوائد الأصول الكاظمي الخراساني ج 4 ص 107.

53

فإنه يرد عليه ان متعلق الاضطرار و ما يترتب عليه الضرر هو الموافقة القطعية و الجمع في الترك، و حيث ان وجوب الموافقة القطعية إنما يكون بحكم العقل، و من باب وجوب دفع الضرر المحتمل، و لا يرتفع حكم العقل إلا بارتفاع منشإ انتزاعه، فلا بد من كون العقاب مرفوعا عن احد الفعلين في المحرمات و ترك أحدهما في الواجبات، و لا يكون ذلك إلا بجعل الترخيص.

و حيث ان الترخيص الظاهرى يكفي في ذلك، و الضرورات تتقدر بقدرها، فلا محالة يكون هو المجعول لا الترخيص الواقعي كي ينافي مع إطلاق دليل الحرمة.

أضف إلى ذلك ان الترخيص إنما جي‏ء من ناحية الجهل بمتعلق التكليف.

و مثل هذا الحكم لا محالة يكون ظاهريا، و متعلقه إنما هو أحدهما بنحو صرف الوجود المنطبق على أول الوجودات، إذ به يرفع الاضطرار فيكون هو المرخص فيه دون الثاني، و لا يلزم الترجيح بلا مرجح.

الثالث: ما أفاده المحقق الخراساني المتقدم ذكره.

فإنه يرد عليه ان الترخيص ليس واقعيا فلا ينافي مع الالزام المعلوم.

ثم لا يخفى انه فرق بين الواجبات و المحرمات من جهة انه في الثانية يكون أول الوجودات مرخصا فيه لما مر، و في الأولى يكون المرخص فيه ترك آخر الوجودات، إذ الضرر في الواجبات إنما يترتب على الجمع في الفعل، و في باب المحرمات على الجمع في الترك، و إلا فهما مشتركان في جميع ما تقدم كما لا يخفى.

ثم ان ما ذكرناه إنما هو في الاضطرار الموجب لاباحة الحرام.

54

و اما الاضطرار الموجب لوجوب ارتكاب الحرام، فلو حدث فبما ان احد الفعلين حرام و الآخر مباح، فالوجوب يتعلق بالمباح لأنه في الآخر مانع عن تعلقه و هو الحرمة فيصير احد الفعلين حراما و الآخر واجبا و قد اشتبه أحدهما بالآخر، فكل فعل من أطراف العلم يدور امره بين الوجوب و الحرمة، فيدخل في المسألة المتقدمة، و هي دوران الأمر بين الوجوب‏

و الحرمة، و قد مر ان مقتضى القاعدة، هو فعل أحدهما و ترك الآخر كي لا يخالف احد التكليفين قطعا.

خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء

الأمر الثامن: قد طفحت كلمات المحققين‏ (1) تبعا للشيخ الأعظم بأنه يعتبر في تأثير العلم الإجمالي كون جميع الأطراف داخلة في محل الابتلاء فلا أثر للعلم الإجمالي إذا كان بعض أطرافه خارجا عن محل الابتلاء و ان كان مقدورا للمكلف.

و لكن صريح كلام الشيخ‏ (2) الاختصاص بالشبهة التحريمية و تبعه جمع، و ذهب آخرون‏ (3) إلى انه لا فرق في ذلك بين الشبهات التحريمية و الوجوبية.

و كيف كان فتنقيح القول في المقام يقتضي ان يقال، انه حيث لا ريب و لا كلام في انه يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي ان يكون جميع أطرافه مقدورة

____________

(1) فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 50.

(2) فرائد الأصول ج 2 ص 425.

(3) فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 119. منتهى الدراية ج 6 ص 130.