زبدة الأصول - ج6

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
436 /
3

-

4

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و أفضل صلواته و اكمل تحياته على اشرف الخلائق محمد و آله الطيبين الطاهرين لا سيما بقية اللّه في الأرضيين أرواح من سواه فداه.

و بعد فهذا هو الجزء السادس من كتابنا زبدة الأصول من الطبعة الثانية وفقنا لنشره و اخراجه إلى عالم الظهور و المرجو من اللّه تعالى المزيد من التوفيق لنشر معالم الدين و ما فيه خدمة المسلمين.

5

خاتمة: حول اعتبار بقاء الموضوع‏

ثم ان خاتمة الكلام في الاستصحاب إنما هي بذكر أمور:

الامر الأول: لا خلاف و لا اشكال في انه يعتبر في جريان الاستصحاب بقاء الموضوع، و توضيح البحث فيه و تنقيح المرام ببيان أمور:

منها: في الدليل على ذلك، و قد استدل له الشيخ الأعظم‏ (1)، بان بقاء المستصحب لا في موضوع محال، و كذا في موضوع آخر اما لاستحالة انتقال العرض، و اما لان المتيقن سابقا وجوده في الموضوع السابق و الحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ليس نقضا للمتيقن السابق.

و أورد عليه المحقق الخراساني‏ (2) بان استحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته تعبدا و الالتزام بآثاره شرعا.

ورد هذا الإيراد، بأنه كما يستحيل انتقال العرض الخارجي من محل إلى محل آخر كبقائه بلا محل كذلك يستحيل انتقال الوجوب و غيره من الأحكام الشرعية، و ان شئت قلت ان الوجوب متقوم في النفس بموضوع خاص، وعليه فانشاء ذلك الربط الخاص لغير موضوعه، يستلزم انتقال العرض من محل إلى محل آخر.

و لكن يمكن توجيه ما أفاده بان المحال انتقال العرض، و اما بيان الحكم‏

____________

(1) فرائد الأصول ج 2 ص 691.

(2) كفاية الأصول ص 427.

6

بلسان انتقال العرض فلا محذور فيه، و الاستصحاب في اللب و الواقع يكون دائما جعلا للحكم، و بيان ذلك بلسان إلا بقاء لا محذور فيه.

و يمكن توجيه كلام الشيخ (ره) بنحو لا يرد عليه هذا الإيراد انه مع عدم بقاء الموضوع لا يجري الأصل للشك في استعداد العرض المتقوم بالموضوع للبقاء لامتناع بقاء العرض بلا محل، و انتقاله من محل إلى محل آخر، و مع الشك في الاستعداد لا يجري الاستصحاب، و هذا على‏

مبناه تام، و لكن قد مر ضعف المبنى.

فالصحيح ان يستدل له: بأنه مع عدم بقاء الموضوع لا محالة لا تكون القضية المتيقنة متحدة مع القضية المشكوك فيها، و مع عدم اتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوك فيها، لا يصدق الابقاء على العمل على طبق الحالة السابقة، و النقض على عدم العمل على طبقها- مثلا- من كان عالما بعدالة زيد و شك في عدالة ابنه، لا يصدق على ترتيب آثار العدالة على ابنه إبقاء اليقين، و على عدم ترتيبها النقض، و هذا من الوضوح بمكان.

و منها: بيان المراد من بقاء الموضوع، لا اشكال في انه ليس المراد بقاء الموضوع خارجا: إذ لا ريب في جريان الاستصحاب لو كان الشك في ثبوت شي‏ء و بقائه، فان الموضوع حينئذ نفس الماهية و حيث لا ثبوت لها و لا تقرر فلا يكون لها الحدوث و البقاء.

بل المراد منه كون القضيتين بنحو يكون متعلق الشك بعينه متعلق اليقين، و هذا كما يصدق في الشك في العارض و المحمول من جهة الشك في طرو المانع مع اليقين بوجود معروضه، كذلك يصدق عند الشك فيه من جهة

7

الشك في بقاء معروضه.

و يتضح ذلك بذكر وجوه الشك في البقاء، و بيان ما هو الحق فيها.

و نخبة القول في المقام: ان الشك تارة يكون في المحمولات الأولية من الوجود و العدم، و أخرى، يكون في المحمولات المترتبة، كالقيام و القعود و العدالة و نحوها من المحمولات التي لا تترتب على الشي‏ء إلا بعد وجوده.

فان كان الشك في المحمول الأولى، يجري الاستصحاب، و الموضوع في القضيتين هي الماهية المجردة عن الوجود و العدم، و هي واحدة في القضيتين، و ان شئت قلت: انه لتمامية أركان الاستصحاب من اليقين السابق و الشك اللاحق، و صدق الإبقاء على العمل على طبق اليقين السابق، و النقض على رفع اليد عنه يجري الاستصحاب: إذ لا يعتبر فيه سوى ما ذكر شي‏ء.

جريان الاستصحاب في المحمولات الثانوية

و ان كان المحمول من المحمولات الثانوية:

فقد يكون الشك في البقاء، بعد إحراز ذات الموضوع كما لو علم بحياة زيد، و شك في بقاء عدالته.

و قد يكون مع الشك في بقائه أيضاً.

لا اشكال في جريان الاستصحاب في القسم الأول.

و اما القسم الثاني: فقد يكون الشك في‏

8

بقاء المحمول مسببا عن الشك في بقاء الموضوع بحيث لو أحرز الموضوع كان المحمول المترتب محرزا أيضاً، كما إذا شك في بقاء مطهرية الماء للشك في بقاء اطلاقه.

و قد لا يكون مسببا عنه، بل كان كل منهما متعلقا للشك مستقلا كما لو شك في حياة زيد لاحتمال موته، و شك في عدالته على فرض حياته لاحتمال فسقه.

اما القسم الأول: فتارة يكون ذلك بعد العلم بحقيقة الموضوع و حدوده.

و أخرى: يكون لإجمال الموضوع و عدم تبينه:

اما في الصورة الأولى: فان كان المحمول المترتب من الأحكام الشرعية يجري الاستصحاب في الموضوع و يترتب عليه المحمول، و لا يجري في ذلك المحمول، و ان كان من غيرها، فاستصحاب بقاء الموضوع لا يكفى لعدم كون الترتب شرعيا فلا يترتب عليه ثبوت المحمول المشكوك ثبوته.

فما أفاده المحقق النائيني (ره) (1) من انه لا اشكال في ان جريان الأصل في الموضوع يغنى عن جريانه في المحمول المترتب لأنه رافع‏

لموضوعه.

غير تام: لعدم كونه رافعا له في غير الأحكام الشرعية.

و لكن يجري الاستصحاب في نفس المحمول الثانوي ويحكم ببقائه: لان هذا الموجود الخاص، كعدالة زيد، متيقن سابقا، و مشكوك فيه لاحقا، فالقضية المشكوك فيها بعينها هي القضية المتيقنة فيجرى الاستصحاب فيها: إذ لا دليل‏

____________

(1) فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 567.

9

على اعتبار إحراز بقاء الموضوع في جريانه من غير جهة الاتحاد المحرز في المقام.

نعم، بعض الآثار في نفسه يلزم في ترتبه إحراز الموضوع كالإنفاق، و هذا امر غير مربوط بالاستصحاب، بل يعتبر إحراز الموضوع من جهة احتياج ترتب ذلك الأثر على إحرازه، هذا بناءً على المختار من جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضى.

و اما على مختار الشيخ الأعظم (ره) (1) و المحقق النائيني (ره) (2) من عدم جريانه فيها، فالظاهر عدم جريان هذا الأصل للشك في استعداد العرض المتقوم بالموضوع للبقاء لامتناع بقاء العرض بلا محل و انتقاله من محل إلى آخر، و مع الشك في الاستعداد لا يجري الاستصحاب.

و لعله إلى هذا نظر الشيخ الأعظم (ره) (3) في الاستدلال بالدليل العقلي لاعتبار بقاء الموضوع المتقدم كما مر و هو على مسلكه تام.

و الغريب ان المحقق النائيني (ره) (4) مع اختياره هذا المسلك، أورد على الشيخ الأعظم (ره) بان الاستدلال بهذا الدليل تبعيد للمسافة.

هذا كله إذا كان موضوع الأثر ثبوت المحمول الثانوي.

و اما ان كان هو وجود الموضوع و ثبوت المحمول له، فلا يجري‏

الاستصحاب‏

____________

(1) فرائد الأصول ج 2 ص 690.

(2) أجود التقريرات ج 2 ص 446، و في الطبعة الجديدة ج 4 ص 180 بتصرف.

(3) فرائد الأصول ج 2 ص 691 بتصرف.

(4) أجود التقريرات ج 2 ص 446، و في الطبعة الجديدة ج 4 ص 180.

10

إذ استصحاب بقاء الموضوع، و ان كان يجري إلا انه لا يترتب عليه المحمول الثانوي لكونه من لوازمه غير الشرعية، و لا يجري في المحمول الثانوي لعدم الشك فيه على تقدير بقاء الموضوع، و لا يكون هو محرزا بالوجدان.

وعليه، فلا يجري الاستصحاب في هذا الفرض.

و اما في الصورة الثانية: و هي ما إذا كان الموضوع مجملا، كما لو شك في بقاء نجاسة الكلب الذي صار ملحا، من جهة الشك في ان الموضوع للنجاسة و معروضها، هو ذات الكلب بما له من المادة الهيولائية المحفوظة في جميع التبدلات، و الانقلابات حتى في حال انقلابه ملحا، أم يكون الموضوع الكلب بصورته النوعية الزائلة عند انقلابه ملحا.

فلا يجري الاستصحاب لا حكما و لا موضوعا.

اما الحكمي فلعدم إحراز اتحاد القضية المتيقنة، مع المشكوك فيها، الذي يدور مدار صدق نقض اليقين بالشك، و مع عدم الإحراز، يكون التمسك بعموم ما دل على حرمة النقض من باب التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

اما الاستصحاب الموضوعي فلعدم معلوميته و تردده بين ما هو مقطوع البقاء و مقطوع الارتفاع، و اما استصحاب بقاء موضوعية الموضوع، فهو عبارة أخرى عن استصحاب الحكم.

و اما استصحاب بقاء موضوع الحكم الذي هو عنوان عرضي، فلا يجري لعدم ترتب الأثر عليه.

11

و اما القسم الثاني: و هو ما لو كان الشك في كل منهما مسببا عن غير سبب الآخر، كما لو شك في عدالة زيد لاحتمال فسقه مع الشك في حياته أيضاً.

فقد ذهب الشيخ الأعظم (ره) (1) و تبعه المحقق النائيني (ره) (2) إلى جريان‏

استصحابين، أحدهما في الموضوع، و الآخر في المحمول، و بضم أحدهما إلى الآخر، يحرز الموضوع و يترتب عليه حكمه، إذا كان الأثر مترتبا على مجموعهما، و قد التزم في الاستصحاب الجاري في المحمول كالعدالة في المثال بإجرائه فيها على تقدير الحياة، نظرا إلى انه لو كان المستصحب العدالة نفسها كان ذلك من الاستصحاب في الشك في المقتضى إذ بعد ما لم يكن الموضوع لها هو الشخص اعم من كونه حيا، أو ميتا، بل الحي خاصة، لو شك في الحياة يشك في الموضوع، و مع الشك فيه، بمقتضى البرهان المتقدم يكون من الشك في المقتضى، فلا يجري الاستصحاب، و هذا بخلاف ما لو أجرينا الأصل في العدالة على تقدير الحياة، فانه على هذا التقدير يكون استعداد المستصحب للبقاء محرزا، و يكون الشك في الرافع، فإذا اجرينا الأصل في ذلك، و ضممنا إلى ذلك الأصل الجاري في الحياة، المثبت لذلك التقدير، فقد احرزنا الموضوع للأثر، و يترتب الأثر.

و لكن يرد عليهما ان استعداد المستصحب للبقاء إنما يكون محرزا، فيما إذا

____________

(1) فرائد الأصول ج 2 ص 691.

(2) أجود التقريرات ج 2 ص 447، و في الطبعة الجديدة ج 4 ص 182/ فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 570.

12

كان المستصحب العدالة على تقدير الحياة واقعا، لا على تقديرها و لو ظاهرا، إذ الأصل الجاري في ذلك التقدير لا يصلح لاثبات كون المحمول مما له استعداد البقاء إلا على القول بالأصل المثبت و لا نقول به، وعليه فذلك التقدير لا يحرز بالاستصحاب الجاري في الموضوع.

نعم بناءً على المختار من جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى يجري الاصلان المشار اليهما، بل لا يحتاج في ترتب الأثر إلى إجراء الأصل في العدالة على تقدير الحياة، بل في العدالة التي هي موجودة خاصة في نفسها و بضم احد الاصلين بالآخر يتم الموضوع و يترتب عليه الأثر.

ملاك اتحاد القضية المتيقنة و القضية المشكوك فيها

و منها: بيان ملاك اتحاد القضية المتيقنة و القضية المشكوك فيها.

و بعبارة أخرى: ملاك بقاء الموضوع: هل هو نظر العقل فلا يجري مع تغير أي خصوصية فرضت.

أم يكون الملاك نظر العرف، فيكفي الاتحاد العرفي في جريانه، و ان لم يكن متحدا في نظر العقل الفلسفي.

أم يكون الملاك الاتحاد بحسب الدليل المثبت للحكم؟

و الكلام في هذا الأمر في موارد:

1- في صحة هذا الترديد.

2- في انه يختلف الحكم باختلاف الانظار، و بيان النسبة بينها.

13

3- في تعيين ما هو الملاك.

اما المورد الأول: فقد ذكر هذا الترديد الشيخ الأعظم‏ (1).

و أورد عليه بإيرادات‏ (2):

أحدها: ان الرجوع إلى العقل إنما يصح في المستقلات العقلية، و لا معنى للرجوع إليه في الموضوعات الشرعية، لأنه لا سبيل له إليها، لعدم كون مناطات الأحكام الشرعية بيده فما معنى الرجوع إلى العقل.

ثانيها: ان الشيخ قال ان اخذ الموضوع من العقل لزم البناء على عدم حجية الاستصحاب في الأحكام الشرعية إلا فيما إذا كان الشك في بقاء الحكم ناشئا من احتمال وجود الرافع، أو الغاية، و هذا بخلاف ما إذا كان الملاك نظر العرف، أو الدليل المثبت للحكم فانه لا ينحصر جريانه حينئذ بما ذكر، مع ان بناء الشيخ على عدم جريان الاستصحاب عند الشك في المقتضى مطلقا، فكيف جعل ذلك من ثمرات هذا الترديد.

ثالثها: انه ما معنى المقابلة بين ما اخذ في الدليل موضوعا، و بين ما يراه العرف موضوعا، فانه ان أريد من الثاني ما يراه العرف موضوعا بحسب نظره:

____________

(1) راجع فرائد الأصول ج 2 ص 693 حيث جعل الترديد بين خذ الموضوع من العقل أو الادلة أو العرف، فقال: «لا بدّ من ميزان يُميّز به القيود المأخوذة في الموضوع عن غيرها ... الخ».

(2) هذه الايرادات للمحقق النائيني على الشيخ الأعظم راجع فوائد الأصول ج 4 ص 575- 576 .. الخ.

14

فيرد عليه انه ليس مشرعا، و ان أريد به ما يتسامح فيه العرف و يراه من مصاديق موضوع الدليل، مع عدم كونه منها حقيقة، فيرد عليه، ان المسامحات العرفية في تشخيص المصاديق تضرب على الجدار، بل لا بدَّ من إحراز صدق المفهوم على المصداق، و ان أريد به الرجوع إلى العرف في تعيين مفهوم اللفظ و تشخيصه فهو و ان كان صحيحا، إلا ان المراد من موضوع الدليل أيضاً ذلك إذ لا عبرة بالظهور التصوري، و لا بالظهور التصديقي البدوي الزائل، بعد ملاحظة القرائن قطعا.

و في الجميع نظر:

اما الأول فلأنه يمكن دفعه بان المراد من الاتحاد بنظر العقل ليس تعيين الموضوع بنظر العقل، بل المراد اتحاد الموضوع في القضيتين بالدقة العقلية، كما لو علم بوجود زيد و شك في بقائه فان معروض الوجود بعينه موضوع القضية المشكوك فيها.

و اما الثاني: فلإمكان ان ينتصر للشيخ (ره) بان المتيقن قد يكون بحيث لا يبقى في عمود الزمان بنفسه مع قطع النظر عن حدوث شي‏ء أو ارتفاعه، فلو شك في ذلك يكون ذلك من الشك في المقتضى، و قد يكون بنفسه باقيا ما لم يرفعه رافع، كالنجاسة، و لو شك في الرافع يكون ذلك من الشك في الرافع الذي بنى الشيخ (ره) على جريان الاستصحاب فيه، و هو على قسمين إذ ربما يكون الرافع حدوث امر معدوم و قد يكون انعدام امر موجود، فلو قلنا بان المتبع في الاتحاد نظر العرف كان الاستصحاب جاريا في القسمين، و لو قلنا بان المتبع هو العقل لزم جريانه في خصوص القسم الأول.

15

و بذلك يرتفع التنافي بين كلمات الشيخ (ره).

كما ان به يظهر ان مراده من الرافع هو خصوص القسم الأول فتدبر.

كما انه بذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده المحقق الخراساني‏ (1) من انه لو كان المناط نظر العقل لما كان سبيل إلى جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية، و كان جاريا في الموضوعات:

فانه في الأحكام إذا كان منشأ الشك حدوث امر معدوم كالشك في بقاء الطهارة من جهة خروج المذي، كان الاستصحاب جاريا حتى على هذا المسلك، كما انه في الموضوعات إذا شك فيها لأجل نقصها مما كانت عليه كالكر المأخوذ منه مقدار من الماء، لا يجري الاستصحاب على ذلك.

و اما الثالث: فلامكان الجواب عنه بان للعرف نظرين:

أحدهما بما هو من أهل فهم الكلام.

ثانيهما بما ارتكز في ذهنه من المناسبات بين الأحكام و الموضوعات، على خلاف ما هو متفاهم الكلام، ما لم يكن بحد يعد من القرائن الحافة بالكلام الموجبة لصرف الظهور.

مثلا: إذا ورد ان الماء المتغير نجس فاهل العرف بالنظر البدوي يرون ان الموضوع هو الماء بوصف التغير فلو زال تغيره و شك في بقاء النجاسة للماء، تكون القضية المشكوك فيها غير القضية المتيقنة موضوعا، و لكنه بالنظر الثانوي‏

____________

(1) كفاية الأصول ص 427.

16

بعد ملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع يرون ان الموضوع هو ذات الماء لما ارتكز في أذهانهم، من ان النجاسة من عوارض الماء لا هو مع التغير.

و على هذا فمنشأ الشك في نجاسة الماء بعد زوال التغير هو احتمال ان يكون التغير واسطة في ثبوت النجاسة للماء حدوثا و بقاءً.

فالمتحصّل ان المراد من اعتبار الاتحاد بحسب الدليل المثبت للحكم، ليس هو الظهور التصوري و لا الظهور التصديقي البدوي الزائل بعد

ملاحظة المناسبة المذكورة كما اختاره المحقق النائيني (ره) (1).

كما ظهر ان المراد من اعتبار الاتحاد بلحاظ الموضوع العرفي، ليس هو التسامح في صدق الاتحاد، و النقض و البقاء مع الموضوع الدليلي، حتى يقال ان المسامحات العرفية تضرب على الجدار.

بل المراد هو اتحاد موضوع القضية المشكوك فيها، مع موضوع القضية المتيقنة، الذي يراه العرف موضوعا بحسب المناسبات المذكورة، فالاتحاد حقيقي على كل حال.

و اما المورد الثاني: فالنسبة بين نظر العقل و غيره واضح.

و اما النسبة بين نظر العرف و لسان الدليل فعموم من وجه: لأنه قد يكون الموضوع باقيا بنظرهما، كما إذا ورد الماء إذا تغير ينجس، فتغير ماء ثم زال تغيره من قبل نفسه، فانه يشك في بقاء النجاسة، و الموضوع باق بالنظرين.

____________

(1) فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 585- 586 (و الاقوى اتباع نظر العرف في بقاء الموضوع ... الخ).

17

و قد يكون الموضوع باقيا بحسب لسان الدليل دون نظر العرف كما إذا ورد، ان الرجل إذا صار مجتهدا يجوز تقليده، فصار زيد مجتهدا ثم زال اجتهاده لمرض، فشك في بقاء جواز تقليده، فان الموضوع بنظر العرف هو المجتهد و بزوال اجتهاده، يكون الموضوع متبدلا، بخلافه بحسب لسان الدليل.

و قد يكون الأمر بالعكس، كما إذا ورد الماء المتغير ينجس، فتغير ماء ثم زال تغيره من قبل نفسه.

و اما المورد الثالث: فالظاهر ان المتبع هو نظر العرف.

و تنقيح القول فيه: ان المعاني: ربما تكون حقيقية لا تتفاوت بالقياس إلى موجود آخر، كجملة من الجواهر و الاعراض.

و قد تكون اضافية تختلف بالقياس إلى شي‏ء دون آخر، و من هذا القبيل، الوحدة و الاتحاد و النقض و البقاء، فان الشي‏ء الواحد في فرض‏

الشك ان لوحظ بالقياس إلى الموضوع العقلي ربما يكون غير متحد معه، و لكن يكون متحدا مع الموضوع العرفي، أو الدليلي، كما انه ربما لا يكون متحدا مع الموضوع الدليلي و يكون متحدا مع الموضوع العرفي.

و الظاهر من الخطابات الشرعية منها خطاب لا تنقض كون المناط هو الموضوع العرفي لا العقلي و لا الدليلي، حتى و ان أمكن إطلاق الدليل بالإضافة إلى جميع مراتب الموضوع من العقلي و الدليلي و العرفي، و امكن الجمع بين الانظار و كان هناك جامع مفهومي.

لا من جهة ان الموضوع هو النقض، فيرجع إلى العرف في تحديد هذا

18

المفهوم، لان هذا المفهوم، مبين من جميع الجهات لا اجمال فيه.

و لا من جهة الرجوع إلى العرف في تطبيقه على مصداقه، فانه لا عبرة بالمسامحة العرفية في تطبيق المفهوم على المصداق.

بل من جهة: انه إذا كان للمفهوم مصاديق حقيقية باعتبار أخذ الموضوع الثابت له الحكم في دليل المتيقن من العرف، أو الدليل، أو العقل، يكون الظاهر من خطاب الشارع مع العرف الذي بنائه على مخاطبته معهم كأحد منهم، و المفاهمة معهم بالطريقة المألوفة بين أهل المحاورة و العرف، إرادة ما هو مصداق عرفي فان إرادة غيره منهم تحتاج إلى نصب ما يدل على تعينه دون ما هو متعين عندهم.

و بالجملة كما ان حجية الظاهر تستفاد من كون الشارع في مقام افهام مراداته يخاطب العرف كأنه أحدهم، كذلك إذا كان للظاهر مصاديق متباينة، كلها من أفراد الظاهر حقيقة، و كان بعض مصاديقه و افراده مصداقا له بنظر العرف، دون الآخر، يستفاد كون الملاك نظر العرف.

و بما ذكرناه يظهر ضعف ما قيل‏ (1)، من ان صدور خطاب لا تنقض من الشارع، يقتضي ارادة تحريم نقض اليقين بما هو امر شرعي.

كما انه يظهر اندفاع، دعوى الإطلاق، من حيث العقلية، و العرفية، و الدليلية، إذ ذلك يصح مع عدم القرينة المعينة لأحد الاعتبارات، و قد عرفت وجودها.

____________

(1) الظاهر ان القائل المحقق الاصفهاني في نهاية الدراية ج 3 ص 283.

19

و يظهر أيضاً مما ذكرناه، ان مراد صاحب الكفاية (1) من الإطلاق، في قوله: ان قضية إطلاق خطاب لا تنقض، هو ان يكون بلحاظ الموضوع، هو الإطلاق المقامي، دون اللفظي.

وجه تقدم الأمارات على الاستصحاب‏

الأمر الثاني: يعتبر في الاستصحاب ان يكون المستصحب مشكوك البقاء، فلو أحرز بقائه أو ارتفاعه لا يجري الاستصحاب، و لا فرق في ذلك بين الإحراز الوجداني أو التعبدي.

وعليه فلا يجري الاستصحاب مع قيام الطريق على بقاء المستصحب أو ارتفاعه، و هذا في الجملة مما لا كلام فيه، إلا ما يظهر من بعض الفقهاء من البناء على اعمال التعارض بين الأمارات و الأصول، و هو ظاهر البطلان مما ذكرناه.

إنما الكلام في وجه تقدم الأمارات على الأصول، و انه الورود، أو الحكومة، و قبل التعرض له لا بدَّ من تقديم مقدمة.

و هي، الإشارة الاجمالية إلى بيان معنى، الورود، و الحكومة و بيان الفرق بينهما و بين التخصيص، و التخصص، و التوفيق العرفي، فهنا خمسة أمور:

____________

(1) كفاية الأصول ص 428.

20

أحدها: الورود و هو عبارة عن كون احد الدليلين بعد ورود التعبد به رافعا لموضوع دليل الآخر وجدانا و حقيقة، كما في الأمارات بالاضافة إلى البراءة العقلية، فان موضوعها عدم البيان، و هذا يرتفع حقيقة بالتعبد بامارة جارية في موردها.

ثانيها: الحكومة و هي عبارة عن كون احد الدليلين ناظرا إلى الآخر أو صالحا لذلك:

اما بالتصرف في موضوعه سعة، كقوله (ع) الفقاع خمرة استصغرها الناس‏ (1)، أو ضيقا، كما في قوله (ع)" لا شك لكثير الشك" (2).

أو بالتصرف في محموله بان بلونه بلون و يدل على ثبوت الحكم في بعض الحالات و الموارد.

____________

(1) الكافي ج 6 ص 423 باب الفقاع ح 9 و فيه قوله (ع): «خُميرة استصغرها الناس»/ التهذيب ج 9 ص 152 ح 275/ الوسائل ج 25 ص 365 ح 32136.

(2) هذا اللفظ لا يوجد له عين في لسان الروايات، و الظاهر أنه مصطلح فقهي كثر استعماله مأخوذ من ظاهر الروايات كرواية الكافي ج 3 ص 359 باب من شك في صلاته كلها .. ح 8 حيث قال (ع): «إذا كثر عليك السهو فامضِ في صلاتك فإنه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان»/ و ما رواه الفقيه ج 1 ص 339 باب أحكام السهو في الصلاة ح 988 قوله (ع): إذا كثر عليك السهو في الصلاة فامضِ على صلاتك و لا تعد» و قريب منه ما في التهذيب «.. فامضِ في صلاتك» ج 2 ص 343 ح 11 باب أحكام السهو ../ راجع الوسائل ج 8 ص 287 و 289 باب عدم وجوب الاحتياط على من كثر سهوه .. ح 10495 و 10497 و 10500.

21

أو بالتصرف في متعلقة سعة كقولنا الضيافة من الإكرام، أو ضيقا.

ثالثها: التخصيص، و هو عبارة عن إخراج بعض أفراد العام عن تحت الحكم من دون ان يتصرف في عقد الوضع أو عقد الحمل.

رابعها: التخصص و هو ما إذا كان خروج المورد عن تحت دليل الآخر ذاتيا كخروج الجاهل عن عموم اكرم العلماء.

خامسها: التوفيق العرفي، و سيأتي بيانه كبيان وجه تقدم دليل الحاكم و الوارد في أول مبحث التعادل و الترجيح إنشاء اللّه تعالى.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم انه قد استدل على ان تقدم الأمارة على الاستصحاب يكون بالورود بوجوه:

الأول: ما أفاده المحقق الخراساني في الكفاية (1)، و التعليقة (2): و حاصله على ما في التعليقة، ان الشك و ان كان باقيا بعد قيام الأمارة، لكنه ليس أفراد العام هاهنا أي الاستصحاب هو أفراد الشك و اليقين، بل أفراد نقض اليقين بالشك، و هو المتعلق للنهي، و الدليل المعتبر، و ان لم يكن مزيلا للشك، إلا انه يكون موجبا لئلا يكون النقض بالشك، بل بالدليل.

ثم أورد على نفسه بان مقتضى قوله (ع) لكن تنقضه بيقين آخر، هو النهي عن النقض بغير اليقين، و الدليل المعتبر غير موجب لليقين مطلقا.

____________

(1) كفاية الأصول ص 429.

(2) درر الفوائد للآخوند (الجديدة) ص 391.

22

و أجاب عنه بان الدليل موجب لليقين، لا محالة، غاية الأمر لا بالعناوين الأولية للأشياء بل بعناوينها الطارئة الثانوية مثل كونه قام على وجوبه خبر العدل أو قامت البينة على ملكيته إلى غير ذلك من العناوين الانتزاعية.

و في الكفاية أشار في صدر عبارته إلى الوجه الثاني، و في ذيل عبارته في الجواب عن وجه ورود الأمارة الموافقة أشار إلى الوجه الأول.

و لكن يرد على الوجه الأول مضافا إلى ما أورده هو على نفسه، ان المنهي عنه ليس هو نقض اليقين بداعي الشك، و إلا لزم جواز نقضه باستدعاء المؤمن مثلا، بل هو النقض به و في حال الشك.

و بعبارة أخرى: ان المراد بنقض اليقين بالشك ليس إلا رفع اليد عن الحالة السابقة في حال الشك، و بعد قيام الأمارة لا يخرج المورد عن تحت هذا العنوان غايته كونه نقضا لليقين بالشك بواسطة الدليل.

و يرد على الوجه الثاني: أولا ان المجعول في باب الأمارات عنده ليس هو جعل الحكم المماثل بل المنجزية و المعذرية، فلا يقين بالحكم بعنوان قيام الأمارة.

و ثانيا انه لا ينفع في الأمارة القائمة على الموضوع الخارجي كموت زيد، فالعمل بها نقض لحياته سابقا بغير اليقين، بالخلاف.

و ثالثا ان الظاهر من الأخبار كون اليقين الناقض هو ما تعلق بما تعلق به السابق و هو الحكم الواقعي الأولى، دون الظاهري الثابت له بالعنوان الثانوي.

23

الثالث: ما أفاده المحقق اليزدي في درره‏ (1)، و حاصله، ان العلم المأخوذ في الموضوع، قد يؤخذ على وجه الطريقية، و المراد به ان المعتبر هو الجامع بينه و بين سائر الطرق المعتبرة، و قد يؤخذ على نحو الصفتية، أي يلاحظ خصوصيته المختصة به دون سائر الطرق، و هو الكشف التام المانع عن النقيض، و كذلك الشك هنا قد يلاحظ بمعنى انه عدم الطريق، و قد يلاحظ بمعنى صفة التردد القائمة بالنفس، إذ الشك بمعنى عدم العلم، فان لوحظ العلم طريقا، فمعنى الشك الذي في قباله، هو عدم الطريق، و ان لوحظ صفة فكذلك، و حيث ان ظاهر أدلة الاستصحاب و سائر الأصول كون العلم مأخوذا فيها طريقا فمفاد قوله (ع) لا تنقض اليقين بالشك، انه في صورة عدم الطريق إلى الواقع يجب إبقاء ما كان ثابتا بطريق، و إذا دلَّ دليل على حجية أمارة، يرتفع موضوع الحكم الذي كان معلقا على عدم الطريق.

و فيه: ان الظاهر من اخذ العلم في الموضوع كونه طريقا تاما لا يحتمل الخلاف، و حمله على ارادة الجامع بين الطرق المختلفة بحسب المراتب، خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بقرينة مفقودة في المقام، بل ظاهر قوله بل ينقضه بيقين آخر، حصر الناقض في خصوص ذلك الطريق الذي هو أقوى الطرق لا كل طريق.

و بذلك يظهر اندفاع الوجه الرابع: و هو ان الظاهر من اليقين و ان كان هو الإحراز التام إلا انه اخذ في الموضوع، بما انه احد أفراد الكلي، و يكون من‏

____________

(1) درر الفوائد للحائري اليزدي ج 2 ص 249.

24

قبيل إعطاء الحكم الكلي بالمثال فتمام الموضوع هو الطريق فتقدم الأمارة، يكون بالورود لأنه طريق.

كما انه مما ذكرناه في سابقه يظهر ضعف ما قيل ان نقض اليقين بالأمارة ليس نقضا له بالشك، بل نقض له بيقين مثله، و ذلك لان حجية الأمارة إنما تثبت بدليل قطعي و إلا لم تكن حجة ضرورة ان حجية كل ظن‏

لا بد و ان تثبت بدليل قطعي، و إلا لا يكون حجة:

فانه قد عرفت ان الظاهر من الأخبار حصر الناقض في اليقين المتعلق بما تعلق به اليقين الأول.

فالمتحصّل مما ذكرناه ان الورود لا مورد له في المقام.

و الحق ان تقدمها عليه إنما يكون بالحكومة فانه على ما مر في مبحث الظن يكون المجعول في باب الأمارات هو الطريقية التامة، فهي بمئونة دليل اعتبارها تكون علما تعبديا، فيوسع دليل الأمارة دائرة موضوع و لكن تنقضه بيقين آخر، و يضيق دائرة الشك الذي نهى عن نقض اليقين به، و ليست الحكومة إلا ذلك.

فان قيل انه بناءً على كون الموضوع في الأمارات هو الشاك إذ العالم لا تكون الأمارة حجة عليه، و بناء على كون الاستصحاب أيضاً من الأمارات، كما تكون الأمارة حاكمة على الاستصحاب، كذلك الاستصحاب يكون حاكما عليها، إذ كل منهما يصلح رافعا لموضوع الآخر، فلا وجه لتقدم أحدهما على الآخر.

25

قلنا انه مضافا إلى انه لا يتم مبنى أمارية الاستصحاب: ان الموضوع في الأمارة هو المكلف من حيث هو، غاية الأمر: ان العالم وجدانا بالواقع يكون خارجا عن تحت دليل الاعتبار بحكم العقل، لا بمقيد شرعي، فان العقل يرى قبح حجية الأمارة لمن هو عالم بالواقع، و من الواضح ان القبيح هو التعبد في فرض العلم الوجداني، دون التعبدي، و اما الموضوع في الاستصحاب فهو مقيد بالشك، و عدم العلم إنما يستفاد من الدليل الشرعي، وعليه فالتعبد بكون الأمارة علما رافع لموضوع الاستصحاب، و اما التعبد بعلمية الاستصحاب، فلا يصلح رافعا لموضوع الأمارة، فانه مقيد بعدم العلم وجدانا الثابت حتى مع الاستصحاب.

فان قلت ان ذلك بناءً على كون المجعول في باب الأمارات هو العلمية، و يكون دليل حجيتها متعرضا لحكم الشك، و اما على القول بعدم دلالة دليل الحجية إلا على جعل مدلول الخبر واقعا و إيجاب معاملة الواقع معه، فلا وجه للحكومة كما أفاده المحقق صاحب الدرر (ره) (1).

قلنا انه لو سلم ذلك يمكن تقرير الحكومة بأنه بما ان لسان دليلها ان المؤدى هو الواقع، فوصوله بالذات، وصول للواقع بالعرض، فيكون دليل الأمارة دالا على وصول الواقع بالخبر.

و ان شئت قلت انه بالالتزام يدل على وساطة الخبر لاثبات الواقع عنوانا.

و بعبارة ثالثة ان الموضوع في دليل الاستصحاب هو الشك في الواقع، و هذا

____________

(1) درر الفوائد للحائري اليزدي ج 2 ص 249- 250.

26

المركب كما يرتفع بجعل العلم كذلك يرتفع بجعل المؤدى واقعا فانه معه لا شك في الواقع فتدبر فانه دقيق.

نعم، بناءً على مسلك المحقق الخراساني (ره) في جعل الحجية من ان المجعول هو المنجزية و المعذرية، لاوجه لحكومة الأمارات على الاستصحاب، بدون التصرف في ظاهر اليقين و الشك المأخوذين موضوعا في الاستصحاب، و لتمام الكلام محل آخر.

ثم ان المحقق الخراساني أورد على الحكومة بإيرادين‏ (1):

أحدهما: انه لا نظر لدليل الأمارة إلى مدلول دليل الاستصحاب إثباتا، و ان كان لازم التعبد بالأمارة ثبوتا إلغاءه لمنافاة لزوم العمل بها مع العلم به لو كان على خلافها، كما ان قضية دليله إلغاؤها كذلك، فان كلا من الدليلين بصدد بيان ما هو الوظيفة للجاهل فيطرد كل منهما الآخر مع المخالفة.

و فيه: ان المراد بلزوم كون دليل الحاكم ناظرا إلى دليل المحكوم.

ان كان لزوم كونه مفسرا له، أو انه بدون دليل المحكوم، يكون دليل الحاكم لغوا.

فيرده انه لا اختصاص للحكومة بهذين الموردين، بل هي شاملة لما إذا كان دليل الحاكم متعرضا لبيان الحكم بلسان بيان الموضوع المأخوذ في دليل المحكوم توسعة أو تضييقا كما في المقام على ما عرفت.

____________

(1) كفاية الأصول ص 429 بتصرف.

27

و ان كان المراد انه لا تعرض لدليل الأمارة إلى موضوع دليل الاستصحاب.

فيرد عليه انه يتم على مسلكه في جعل الأمارات دون مسلك الشيخ الأعظم و ما هو الحق كما مر تفصيله آنفا.

ثانيهما: ان مرجع الحكومة إلى إلغاء احتمال الخلاف و لا احتمال للخلاف في صورة موافقة الأمارة للأصل، و لا يحتمل التزام القائل بالحكومة باختصاصها بصورة المخالفة.

و فيه: ان مرجع الحكومة إلى إلغاء الاحتمال مطلقا دون خصوص احتمال الخلاف.

فالمتحصّل ان تقدم الأمارات على الاستصحاب و سائر الأصول الشرعية إنما هو من باب الحكومة.

ثم انه على فرض التنزل و تسليم عدم الحكومة يمكن تقرير تقدمها عليه و على سائر الأصول: بأنه قل مورد يوجد من موارد الأمارات يكون خاليا عن اصل من الأصول، و لا اقل من أصالة البراءة سيما على مسلك الحق من صحة جريان استصحاب عدم الجعل، فيدور الأمر بين رفع اليد عن أدلة الأمارات و طرحها رأسا، و بين رفع اليد عن أدلة الأصول في خصوص مادة الاجتماع، و من الضروري ان الثاني أولى فتقدم الأمارة و تخصص بدليلها أدلة الأصول.

فالمتحصّل انه لا اشكال في تقديم الأمارات على الأصول منها الاستصحاب.

28

وجه تقدم الاستصحاب على سائر الأصول‏

الأمر الثالث: المشهور بين الأصحاب، ان الاستصحاب و ان كان مدرك حجيته الأخبار و كان من الأصول العملية، يكون مقدما على سائر الأصول العملية، من البراءة، و التخيير، و الاحتياط، عقليها، و نقليها، و علل ذلك بأنه من الأصول المحرزة، و الأصل المحرز مقدم على غير المحرز

و لكن يبقى السؤال عن وجه تقدم المحرز على غير المحرز، و ان تقديمه عليها، للورود، أو الحكومة، أو التخصيص حيث ان فيه وجوها و أقوالا:

و تنقيح القول، بالبحث أولا: في وجه تقديمه على الأصول العقلية، ثم: في وجه تقديمه على الأصول العملية الشرعية.

اما تقديمه على الأصول العقلية فوجهه الورود، لان موضوعاتها عدم البيان و التحير، و عدم وجود المؤمن عن احتمال العقاب، و الاستصحاب بعد ورود الدليل على حجيته بيان شرعي، و مؤمن، و رافع للتحير.

و اما تقدمه على الأصل الشرعي كالبراءة الشرعية الثابتة بمثل قوله كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي‏ (1)- فقد استدل له بوجوه.

الأول: ما أفاده الشيخ الأعظم (ره) (2)، و حاصله، ان دليل الاستصحاب‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 317 باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها ح 937/ الوسائل ج 6 ص 289 ح 7997، و ج 27 ص 137 ح 33530.

(2) فرائد الأصول ج 2 ص 734.

29

يوجب تعميم النهي السابق المعلوم بالاضافة إلى زمان الشك، و حيث ان الرخصة تكون مغيّاة بورود النهي، و دليل الاستصحاب، موجب لتعميمه و دوامه، فيكون حاكما عليه.

و بعبارة أخرى: مجموع الدليلين يدلان على ان كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي، و كل نهي وارد في زمان، فهو باق في زمان احتمال بقائه، فتكون الرخصة في الشي‏ء و اطلاقه مغياة بورود النهي المحكوم عليه بالدوام، فيكون مفاد الاستصحاب نفي ما يقتضيه الأصل الآخر، في مورد الشك، لو لا النهي و هذا معنى الحكومة.

و فيه: ان دلالة مثل قوله (ع) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي‏ (1) تتوقف على ارادة الوصول من الورود كما مر في محله.

وعليه فمعنى الحديث ان ما لم يعلم حرمته فهو مرخص فيه و بواسطة الاستصحاب لا يعلم بالحرمة، لعدم كونه حاكيا عن عموم التحريم بحسب الواقع، بل مفاده كون حكم الشك من سنخ ما كان موجودا في السابق، و هو التحريم مثلا، فيعارض مع دليل البراءة الدال على ان ما لم يعلم حرمته الواقعية حكمه الترخيص.

فان قيل ان مورد البراءة، ما لم يعلم حكمه الواقعي و الظاهري، فلو علم‏

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 317 باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها .. ح 937/ الوسائل ج 6 ص 289 باب 19 من ابواب القنوت ح 7997، و ج 27 ص 173 باب 12 من ابواب صفات القاضي ح 33530.

30

حكمه الظاهري بالاستصحاب لا يبقى له مورد.

قلت مضافا إلى انه حينئذ يكون واردا عليها لا حاكما، انه يجري هذا البيان في الاستصحاب إذ موضوعه الشك من جميع الجهات حتى من ناحية الحكم الظاهري، فلو علم ذلك بدليل البراءة لا يبقى له مورد.

الثاني: ما أشار إليه المحقق الخراساني في الكفاية (1) و اوضحه في الحاشية، و هو ان موضوع الأصول غير التنزيلية المشكوك فيه من جميع الجهات، و غايتها العلم و لو بوجه و عنوان، وعليه فإذا علم حكم المشكوك فيه بعنوان نقض اليقين بالشك المنطبق عليه، فيما كان له حالة سابقة كان معلوم الحكم بوجه فلا مورد لها.

و فيه: ان المأخوذ في دليل الاستصحاب أيضاً هو الشك، فأي فارق بينه، و بين ما اخذ في موضوع سائر الأصول.

وعليه فيقال ان موضوع الاستصحاب المشكوك فيه من جميع الجهات، و غايته اليقين و لو بوجه، فما شك في حليته و حرمته مع كون حالته السابقة هي الحرمة، مقتضى أصالة البراءة و قاعدة الحل العلم بحليته‏

بوجه، فلا شك من جميع الجهات، فلا يجري الاستصحاب فكل منهما على هذا يصلح لرفع موضوع الآخر، فيقع التنافي بينهما.

الثالث: ما ذكره المحقق النائيني (ره) (2) و هو ان المجعول في الاستصحاب هو

____________

(1) كفاية الأصول ص 431 مع حاشية رقم (1) بتصرف.

(2) فوائد الأصول للنائيني ج 4 596.

31

البناء على احد طرفي الشك، على انه هو الواقع و إلغاء الطرف الآخر في عالم التشريع فيرتفع الشك الذي هو الموضوع لسائر الأصول.

و فيه: انه لا نظر للاستصحاب إلى إلغاء احتمال الخلاف، و إلا لكان من الأمارات فمع فرض اخذ الشك في موضوعه لا يعقل كونه معدما للشك و إلا لزم من وجوده عدمه.

الرابع: ان المأخوذ غاية في أدلة الأصول و ان كان هو العلم، إلا ان المراد به مطلق الحجة، و الاستصحاب من أفراد الحجة فيكون واردا على أدلة الأصول.

و فيه: ان حمل العلم على ارادة الحجة خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا مع القرينة المفقودة في المقام.

الخامس: ما نسب إلى المحقق العراقي (ره) (1) و هو الالتزام بالتخصيص على تقدير كون دليل الاستصحاب ناظرا إلى المتيقن بإثبات كونه هو الواقع و لو بتوسط اليقين بجعله في القضية مرآة إليه.

و فيه: ان النسبة بينه و بينها عموم من وجه لجريانه في موارد كما لو علم بملكية شي‏ء أو زوجية امرأة، أو شبه ذلك، و شك في بقائها، و لا مورد للأصول فيها، فلا وجه للالتزام بالتخصيص.

فالصحيح ان يقال انه بناءً على كون المجعول في باب الاستصحاب بقاء

____________

(1) مقالات الأصول ج 2 ص 452 عند قوله: «و على أي حال ظاهر مثل تلك الروايات كون القاعدتين ... الخ».

32

اليقين السابق بالتقريب المتقدم يكون دليل الاستصحاب حاكما على أدلة الأصول غير التنزيلية: فان لسان الاستصحاب بما انه إبقاء اليقين و عدم الاعتناء بالشك.

و بعبارة أخرى: لزوم معاملة اليقين، مع هذا الشك، فيكون موضوع سائر الأصول مرتفعا بجريانه تعبدا و ليس معنى الحكومة إلا ذلك، و أما بناءً على كون المجعول هو الحكم المماثل أو التنجيز و التعذير أو غيرهما فلا وجه للتقديم أصلًا.

تعارض الاستصحابين‏

الأمر الرابع: في تعارض الاستصحابين، و تمييز موارد تقديم أحدهما على الآخر عن غيرها، و تنقيح القول فيه بالبحث في مقامين:

الأول: في بيان أقسام التنافي بين الاستصحابين.

الثاني: في بيان حكم كل قسم منها.

اما الأول: فالتنافي بينهما، قد يكون لأجل عدم إمكان العمل بهما معا من دون ان يعلم بانتقاض الحالة السابقة، كما في استصحاب وجوب أمرين، لا يتمكن المكلف في زمان الشك من العمل بهما.

و قد يكون من جهة العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما.

و الثاني على قسمين: إذ ربما يكون الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الآخر، و يكون المشكوك فيه في أحدهما من آثار المشكوك فيه في الآخر.

33

و ربما يكون الشك في كل منهما مسببا عن امر ثالث و هو العلم الإجمالي الموجود في البين، و لا ثالث لهما.

و ما توهم من انه يمكن ان يكون الشك في كل منهما مسببا عن الشك في الآخر كما في العامين من وجه، فان الشك في ارادة العموم من كل منهما مسبب عن الشك في ارادة الآخر.

فاسد فان علة الشي‏ء لا يعقل ان تكون معلولة له، و بعبارة أخرى: الشك في ارادة العموم من كل منهما مسبب عن العلم بعدم ارادة العموم في أحدهما.

و على الأول: قد يكون ترتب المشكوك فيه في أحدهما على المشكوك فيه في الآخر عقليا، و بعبارة أخرى: تكون السببية عقلية كترتب بقاء الكلي على بقاء الفرد.

و قد يكون شرعيا كترتب طهارة الثوب، على طهارة الماء المغسول به.

و الثاني: له أقسام: إذ تارة يلزم من العمل بهما مخالفة عملية للتكليف الإلزامي المعلوم، و أخرى لا يلزم.

و على الثاني: ربما يقوم دليل من الخارج على عدم إمكان الجمع بين المستصحبين كتتميم الماء النجس كرا بطاهر حيث قام الإجماع على اتحاد حكم الماءين المجتمعين، و ربما لا يقوم دليل على ذلك.

و على الثاني: قد يكون لبقاء كل من المستصحبين اثر شرعي كما في الوضوء بالمائع المردد بين النجس و الطاهر.

34

و قد يكون لاحدهما الأثر دون الآخر، كما في دعوى الموكل التوكيل في شراء العبد، و دعوى الوكيل، التوكيل في شراء الجارية.

اما القسم الأول: و هو ما إذا كان التنافي لعدم إمكان العمل بهما، فحيث انه لا تعارض بينهما، و لا تكاذب، و إنما لا يجريان معا لعدم قدرة المكلف على امتثالهما، فلا مناص عن الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم، فان علم أهمية أحدهما أو احتمل ذلك، يقدم، و إلا فيتخير بينهما.

فان قيل ان الدليل الواحد كيف يكون احد مصاديقه اهم من الآخر، و الأهمية إنما تكون في المتيقن لا في المستصحب.

و بعبارة أخرى: عنوان نقض اليقين بالشك عنوان واحد له ملاك واحد فلا يحتمل الاهمية.

قلنا: ان الاستصحاب تابع للمتيقن، فكل ما كان المتيقن عليه يستصحب، و يكون باقيا بعينه، و لذا لو كان مستحبا يستصحب استحبابه، و لا يحكم بالوجوب، و كذا العكس.

و ان شئت قلت: ان حكم الاستصحاب حكم طريقي، لا نفسي منبعث عن مصلحة في نفس هذا العنوان.

و اما القسم الثاني: فان كان أحدهما مسببا عن الآخر مع كون السببية

غير شرعية، فلا يقدم أحدهما على الآخر، و يلحقه ما سنذكره في القسم الثالث.

35

حول الأصل السببي و المسببي‏

و ان كانت السببية شرعية، فلا كلام بينهم في تقديم الأصل السببي على الأصل المسببي.

و قد ذكر المحقق النائيني (ره) (1) للتقديم شرطا، و هو ان يكون الأصل الجاري في السبب رافعا لموضوع الأصل المسببي، فلو لم يكن رافعا له- كما إذا شك في جواز الصلاة في وبر حيوان شك في كونه محلل الأكل: فان أصالة الإباحة في ذلك الحيوان لا ترفع الشك في جواز الصلاة فانه رتب في الأدلة على العناوين الخاصة كالغنم، و البقر، و ما شاكل في قبال العناوين المحرمة كالأرنب و ما شابه، و أصالة الإباحة لا تثبت العنوان المحلل- يكون خارجا عن محل الكلام.

و فيه: ان جواز الصلاة لو كان مترتبا على ما يحل أكله فعلا فيترتب على أصالة الإباحة، و لا اشكال فيه، و لو كان مترتبا على العناوين الخاصة المحللة، لا الحلال الفعلي لا يكون هناك ترتب شرعي بين جواز الصلاة و الحلية وعليه فهذا ليس قيدا زائدا على اعتبار كون الترتب شرعيا، و كيف كان فقد استدل لتقديم الأصل السببي بوجوه:

الأول: الإجماع على ذلك في موارد لا تحصى فانه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحابات في الملزومات الشرعية، كالطهارة من الحدث و الخبث،

____________

(1) أجود التقريرات ج 2 ص 495 (التنبيه الخامس)، و في الطبعة الجديدة ج 4 ص 262 (الامر السادس).

36

و كرية الماء، و اطلاقه، و حياة المفقود، و ما شابه ذلك، على‏

استصحاب عدم لوازمها الشرعية.

و فيه: ان مدرك المجمعين معلوم، فلا يكون إجماعا تعبديا، فلا يستند إليه، أضف إليه مخالفة جماعة (1) في ذلك كالشيخ‏ (2)، و المحقق‏ (3)، و العلامة في بعض كتبه‏ (4).

الثاني: انه لو لم يلتزم بتقديم الأصل السببي على الأصل المسببي كان الاستصحاب قليل الفائدة، إذ المقصود منه غالبا ترتيب الآثار الثابتة للمستصحب و تلك الآثار ان كانت موجودة سابقا أغنى استصحابها عن استصحاب ملزومها، فتنحصر الفائدة في الآثار التي كانت معدومة فإذا فرض معارضة الاستصحاب في الملزوم، باستصحاب عدم تلك اللوازم و المعاملة معهما معاملة المتعارضين لغى الاستصحاب في الملزوم.

و فيه: أولا ان الاستصحاب لو فرضنا جريانه في تلك الآثار الموجودة سابقا

____________

(1) كما حكاه عنهم الشيخ الأعظم في فرائد الأصول ج 2 ص 740، و في طبعة مجمع الفكر الاسلامي ج 3 ص 400- 401.

(2) المبسوط ج 1 ص 239 كتاب الفطرة حيث قال في مسألة العبد: «و ان لم يعلم حياته فلا يلزمه خراج فطرته».

(3) استحسن المحقق كلام الشيخ في عدم وجوب اخراج زكاة الفطرة عن العبد الذي لا يعلم حياته، راجع المعتبر ج 2 ص 598 (الخامس) نشر مؤسسة سيد الشهداء (ع) قم.

(4) تحرير الاحكام ج 1 ص 6، و في الطبعة الجديدة ص 55 حيث حكم بطهارة الماء القليل الذي وقع فيه صيد محلل مع اشتباه الموت و حرمة الحيوان.

37

كفى ذلك في فائدة الاستصحاب.

و ثانيا: ان إجراء الاستصحاب فيها لا يغنى عن استصحاب ملزومها لتوقفه على إحراز الموضوع لها، و هو مشكوك فيه، فلا بدَّ من استصحاب الموضوع لذلك فتأمل.

الثالث: ما ذكره الشيخ الأعظم (ره) (1) و هو ان المستفاد من الأخبار ذلك حيث انه (ع) في صحيح زرارة، علل وجوب البناء على الوضوء السابق المستلزم لجواز الدخول في الصلاة بمجرد الاستصحاب، و من المعلوم ان مقتضى استصحاب الاشتغال بالصلاة عدم براءة الذمة بهذه الصلاة و لو لا تقدم الاستصحاب الأول و انحصار الاستصحاب في المقام باستصحاب الطهارة لما صح تعليل المضي على الطهارة بنفس الاستصحاب.

و فيه: ان هذا المثال غير مربوط بالشك السببي و المسببي، إذ الاشتغال بالصلاة، و الامر بها ليس وراء الأمر بالاجزاء و الشرائط شي‏ء، فإذا ثبت احد الاجزاء و الشرائط بالاستصحاب، و البقية بالوجدان فبضم الوجدان إلى الأصل يحرز وجود المأمور به في الخارج، فلا مورد للاستصحاب، نعم: لو كانت الصلاة المأمور بها لها وجود حاصل من هذه الاجزاء و الشرائط كان ما ذكره متينا.

بل الصحيح ينافى ما بنوا عليه من تقديم الأصل السببي على المسببي مطلقا، حتى فيما إذا توافقا لان الشك في بقاء الطهارة في الفرض مسبب عن‏

____________

(1) فرائد الأصول ج 2 ص 740.

38

الشك في تحقق النوم، فلو كان الأصل السببي مقدما و حاكما على الأصل المسببي، كان المتعين التعليل باستصحاب عدم النوم.

الرابع: ما أفاده المحقق النائيني‏ (1) تبعا للشيخ الأعظم‏ (2) و هو ان ارتفاع نجاسة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة، من آثار طهارة الماء شرعا فالتعبد بطهارة الماء بنفسه يقتضي التعبد بطهارة الثوب إذ لا معنى لطهارة الماء إلا كونه مزيلا للحدث و الخبث فيرتفع الشك في المسبب و هو نجاسة الثوب و مع ارتفاع الشك في المسبب لا مجال لإجراء الأصل فيه إذ الحكم لا يعقل ان يكون متكفلا لوجود موضوعه، و اما الأصل الجاري في المسبب كنجاسة الثوب فحيث انه لا يترتب عليه السبب‏

و هو نجاسة الماء لعدم كونها من آثارها فهو لا يصلح لرفع موضوع الأصل السببي.

و فيه: ان مجرد ترتب أحدهما على الآخر و عدمه، لا يوجب حكومته عليه التي مناطها ارتفاع موضوع المحكوم تعبدا.

نعم، لازم ذلك تعارض المدلول المطابقي للأصل المسببي، و هو استصحاب نجاسة الثوب مع المدلول الالتزامي للأصل السببي، و هو استصحاب طهارة الماء الذي لازمه طهارة الثوب، و لا يكون الأصل السببي من هذه الجهة نافيا لموضوع الأصل المسببي حتى يكون حاكما عليه‏

____________

(1) فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 683- 684 بتصرف.

(2) كما في فرائد الأصول ج 2 ص 738 (القسم الاول: ما اذا كان الشك في مستصحب أحدهما مسبب عن الشك في الآخر).

39

و ان شئت قلت ان الاستصحاب لا يكون أمارة كي يكون رافعا لموضوع الأصل المسببي، و هو الشك، بل المجعول فيه تطبيق العمل على احد طرفي الشك فلا وجه لدعوى حكومته عليه برفع موضوعه.

الخامس: ما ذكره المحقق صاحب الدرر (ره) (1) و هو ان الشك المسببي، معلول للشك السببي ففي رتبة وجود الثاني، لا يكون الأول موجودا، و إنما هو في رتبة الحكم المترتب على الأول، فالأول في مرتبة وجوده، ليس له معارض أصلًا، فيحرز الحكم من دون معارض، و إذا ثبت الحكم للأول لا يبقى للثاني موضوع.

و فيه: ان فعلية الأحكام تتوقف على وجود موضوعاتها خارجا و لا تكون مترتبة على الرتبة، بل هي أحكام للزمان كما هو واضح، مع: انه قد تقدم تعارض الاصلين في التدريجيات أيضاً فراجع.

و الصحيح ان يقال في وجه تقدم الأصل السببي أمران:

أحدهما: حكومة الأصل السببي على الأصل المسببي بالحكومة الحكمية لا بالحكومة الموضوعية و كونه رافعا لموضوعه.

توضيح ذلك انه سيأتي في أول مبحث التعادل و الترجيح انه لا تختص الحكومة بما إذا كان احد الدليلين ناظرا إلى موضوع دليل الآخر، بل لو كان ناظرا إلى حكمه و موجبا لتلونه بلون خاص كما في دليل لا

ضرر بالنسبة إلى أدلة الأحكام الأولية، حيث يكون مبينا للمراد من تلك الأدلة و يكون قرينة

____________

(1) درر الفوائد للحائري اليزدي ج 2 ص 258 (السابعة في تعارض الاستصحابين).

40

عليها، يكون حاكما عليه.

و في المقام كذلك، حيث ان الأصل الجاري في السبب كقاعدة الطهارة الجارية في الماء المتعبد بطهارته، بضميمة ما دل على ان اثر طهارة الماء إزالة الخبث، و النجاسة عن المغسول به، يكون ناظرا إلى الحكم في الأصل المسببي و يدل على زوال نجاسته بغسله بهذا الماء، فيكون مقدما عليه بالحكومة الحكمية.

الثاني: انه مع الإغماض عما ذكرناه و تسليم عدم الحكومة، انه بعد تعارضهما و عدم إمكان جريانهما معا، شمول دليل الاستصحاب للشك المسببي دوري لتوقفه، على عدم جريان الأصل في السبب، المتوقف على جريانه في المسبب إذ لا مانع عنه سوى ذلك، و هذا بخلاف شموله للشك السببي، فان موضوعه غير متوقف على شي‏ء بل يشمله على كل تقدير، وعليه، فلا يجري في المسبب، لان ما يلزم منه المحال محال.

نعم، إذا توافقا يجريان مع عدم التنافي بين شمول الدليل للسببي و المسببي معا كما لا يخفى.

و بذلك يندفع الإشكال عن الصحيح الذي أوردناه في ذيل الجواب عن الوجه الثالث، من ان الحديث ينافى مع ما بنوا عليه من تقديم الأصل السببي على المسببي.

جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي‏

و اما القسم الثالث: فان لزم من جريانهما معا مخالفة قطعية عملية لا يجري‏

41

شي‏ء منهما لما مر في مبحث الاشتغال مفصلا من عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي ان لزم منه مخالفة قطعية.

و إلا فان دل دليل من الخارج على عدم جريانهما، لا يجريان معا.

و هل يجري الاستصحاب في أحدهما، أم لا؟ وجهان:

المشهور انه لا يجري لان جريانه في أحدهما المعين دون الآخر ترجيح بلا مرجح، واحدهما لا بعينه ليس فردا ثالثا، فلا يجري‏

الاستصحاب في شي‏ء منهما.

و لكن الأظهر هو جريانه في أحدهما تخييرا، و يظهر ذلك مما ذكرناه مفصلا في أول مبحث الاشتغال.

و اجماله: ان مقتضى القاعدة في تعارض الأصول هو القول بالتخيير من جهة ان لكل دليل من الأدلة، عموم افرادي، و اطلاق أحوالي، فإذا دل الدليل على تخصيص العموم الأفرادي و انهما لا يجريان معا، و دار الأمر بين تقييد الإطلاق الاحوالي لكل منهما بان لا يجري مع جريان الآخر، و بين عدم العمل بالاطلاقين رأسا، يكون الأول مقدما لان الضرورات تتقدر بقدرها.

و قد مر تفصيل القول في ذلك، و سيجي‏ء في مبحث التعادل و الترجيح من ان مقتضى القاعدة في تعارض الأمارات أيضاً هو القول بالتخيير، وعليه فالمتعين هو البناء على التخيير.

و ان لم يلزم من جريانهما معا مخالفة عملية، و لم يدل دليل على عدم جريانهما معا، فان ترتب الأثر على أحدهما، دون الآخر جرى ذلك خاصة،

42

و إذا ترتب الأثر عليهما، كما في الماءين المعلوم نجاستهما سابقا إذا علم طهارة أحدهما، و اشتبه أحدهما بالآخر، فان مقتضى الاستصحاب البناء على نجاسة كل منهما، و لا يلزم من جريانهما مخالفة عملية قطعية يجريان معا لما مر في مبحث الاشتغال من ان المانع من جريان الأصول في اطراف العلم الإجمالي لزوم المخالفة القطعية العملية، و مع عدمه لا مانع من جريان الأصول فيها.

و قد استدل لعدم جريان الاستصحاب بالخصوص و ان لم يلزم المخالفة العملية بوجهين:

أحدهما: ما أفاده الشيخ الأعظم (ره) (1) و هو ان جملة من أخبار الاستصحاب مذيلة بقوله (ع) و لكن انقضه بيقين آخر، وعليه، فبما ان مورد العلم الإجمالي، مشمول للصدر و الذيل، و مقتضى الصدر جريانه في كل من الطرفين للشك في بقاء الحالة السابقة فيه، و مقتضى الذيل وجوب نقض‏

اليقين باحدهما، فلا يمكن إبقاء كل منهما تحت عمومه لمحذور المناقضة، و لا إبقاء أحدهما المعين للزوم الترجيح بلا مرجح، و لا أحدهما المخير لعدم كونه فردا ثالثا فلا مناص عن البناء على عدم جريانه فيهما.

و فيه: أولا: ان أدلة الاستصحاب لا تنحصر بما هو مذيل بما ذكر، بل هناك مطلقات غير مذيلة، فعلى فرض اجمال ما هو مذيل بما ذكر، يرجع إلى إطلاق غيره.

و ثانيا: ان الظاهر من الأخبار هو عدم نقض اليقين بالشك المتعلق به،

____________

(1) راجع فرائد الأصول ج 2 ص 744 و ص 746 (الدعوى الثانية).

43

و نقضه بيقين آخر متعلق بما تعلق به اليقين السابق، و في المفروض في المقام يكون اليقين السابق متعلقا بكل واحد بالخصوص و اليقين الإجمالي متعلقا باحدهما غير المعين فلا يكون ذلك ناقضا.

ثانيهما: ما أفاده المحقق النائيني (ره) (1) و هو ان المجعول في باب الاستصحاب هو الجري العملي على طبق الحالة السابقة و الأخذ بأحد طرفي الشك على انه هو الواقع، فيمتنع جعل ذلك في مجموع الطرفين، لعدم معقولية التنزيل على خلاف العلم الوجداني.

و فيه: انه لا يجري استصحاب واحد في مجموع الطرفين، كما انه لا يثبت بالاستصحاب الجاري في كل طرف لازمه، و هو كون المعلوم بالإجمال في الطرف الآخر، بل يجري في كل طرف اصل واحد، و لا يثبت به لازمه، وعليه فجريانه في كل طرف لا محذور فيه، فغاية ما يلزم من جريانهما مخالفة التزامية، و قد مر في مبحث الاشتغال انه لا يكون مانعا عن جريان الأصول في اطراف العلم.

ثم ان الأصحاب مع تسالمهم على تقدم جملة من القواعد على الاستصحاب اختلفوا في وجه التقديم:

منها: قاعدة الفراغ و التجاوز.

و منها: أصالة الصحة.

____________

(1) راجع فوائد الأصول للنائيني ج 4 ص 10، و قد ذكر أنه تعرض لذلك مفصلا في مبحث الظن عند الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي/ و حكاه عنه آية اللّه الخوئي في مصباح الأصول ج 2 ص 347.

44

و منها قاعدة اليد.

و حيث أني كتبت سابقا رسالة مستقلة في تلك القواعد الثلاث و طبعت، و قد استقصيت فيها جهات البحث في تلك القواعد فلذلك أدرجها في المقام تعميما للنفع و تتميما للبحث.

و أيضا من القواعد التي قدَّموها على الاستصحاب القرعة، و قد كتبت رسالة فيها سابقا، و اذكرها بعد القواعد الثلاث.

*****

45

الكلام حول قاعدة الفراغ و التجاوز

من القواعد التي لا بدَّ لنا من البحث فيها، قاعدة الفراغ و التجاوز، و تنقيح القول فيها يقتضي البحث في أمور.

الامر الأول: ان هذه القاعدة ليست من المسائل الأصولية، و إنما هي من القواعد الفقهية، لان المسألة الأصولية هي ما تقع نتيجة البحث فيها في طريق إثبات و استنباط الأحكام الكلية الشرعية.

و بعبارة أخرى: هي ما لو جعلت نتيجة البحث كبرى للقياس، تكون النتيجة الحكم الكلي المجعول الشرعي.

و هذه القاعدة ليست منها لوجوه:

1- ان المستنتج من القياس الذي جعلت القاعدة نفيا أو إثباتا كبرى له ليس حكما كليا، بل إنما هي صحة عمل خاص مثلا، و لذا تكون النتيجة بنفسها قابلة للإلقاء إلى المقلدين.

2- أنها متكفلة لحكم الشك في الامتثال بعد الفراغ عن ثبوت الأحكام لموضوعاتها في مرحلة الجعل و التشريع من دون تعرض لثبوت حكم أو نفيه.

3- ان استفادة الحكم منها من باب انطباق مضمونها على مصداقه، لا من باب إثبات شي‏ء بها.

و قد يقال انه لا تكون القاعدة من القواعد الفقهية المصطلحة، و هي ما تكون نتيجة البحث حكما كليا تكليفيا أو وضعيا: فانه لا يثبت بها حكم،

46

و إنما هي تعبد بتحقق الامتثال.

فان قيل ان المجعول فيها هي الصحة، و هي من الأحكام الوضعية.

توجه عليه ان الصحة ليست حكما مجعولا بل هي تنتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به فالمتعبد به فيها هي المطابقة و هي ليست من الأحكام الشرعية.

و لكن يمكن ان يقال ان القاعدة الفقهية هي ما يعين وظيفة المكلف اثباتا أو نفيا فتشمل مثل هذه القاعدة.

ما يثبت به هذه القاعدة

الامر الثاني: في بيان الدليل على هذه القاعدة و ما تثبت به، و يشهد بها مضافا إلى انها قاعدة عقلائية و عليها بناء العقلاء، فانهم يرون المشكوك فيه في موارد جريان القاعدة واقعا في ظرفه، و لا يعتنون باحتمال عدم الإتيان به، و الشارع الأقدس أمضى هذا البناء:

جملة من النصوص و هي كثيرة، إلا ان ما يستفاد منها العموم و عدم الاختصاص بباب روايات.

منها: صحيح زرارة قلت لأبي عبد اللّه (ع) رجل شك في الأذان و قد دخل في الإقامة قال (ع) يمضى قلت رجل شك في الأذان و الإقامة و قد كبر قال (ع) يمضى إلى ان قال في آخره بعنوان الضابط، يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء

47

ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء (1).

و منها: صحيح إسماعيل بن جابر عن مولانا الصادق (ع) في حديث ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه‏ (2).

و منها: موثق محمد بن مسلم عن سيدنا الباقر (ع) كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو (3).

و منها: موثق ابن أبي يعفور عن إمامنا الصادق (ع) إنما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه‏ (4) فانه بمفهوم الحصر يدل على المطلوب.

و منها: موثق بكير بن أعين، قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال (ع) هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك‏ (5)، فانه بعموم العلة يدل على ثبوت القاعدة بنحو الإطلاق.

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 352 باب احكام السهو ح 47/ الوسائل ج 8 ص 237 ح 10524.

(2) التهذيب ج 2 ص 153 ح 60/ الوسائل ج 6 ص 317 باب عدم بطلان الصلاة بالشك في الركوع بعد السجود و عدم وجوب الرجوع للركوع ح 8071 و أيضا ص 369 ح 8205.

(3) التهذيب ج 2 ص 344 باب احكام السهو ح 14/ الوسائل ج 8 ص 237 باب 23 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة ح 10526.

(4) التهذيب ج 1 ص 101 باب صفة الوضوء و الفرض منه ... ح 111/ الوسائل ج 1 ص 469 باب 42 من ابواب الوضوء ح 1244.

(5) التهذيب ج 1 ص 101 باب صفة الوضوء و الفرض منه ... ح 114/ الوسائل ج 1 ص 471 باب 42 من ابواب الوضوء ح 1249.

48

و منها: صحيح محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (ع) ان شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر أ ثلاثا صلى أم اربعا و كان يقينه حين انصرف انه كان قد أتم، لم يعد الصلاة و كان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك‏ (1).

و تقريب الاستدلال به ما في سابقه.

هذه هي النصوص التي يستفاد منها الكبرى الكلية غير المختصة بباب.

و يؤيد المطلوب النصوص المستفيضة الواردة في موارد خاصة، فاصل ثبوت القاعدة مما لا ريب فيه.

قاعدة الفراغ و التجاوز من الأمارات‏

الامر الثالث: في بيان ان هذه القاعدة هل تكون من الأمارات المثبتة لوقوع المشكوك فيه، أم من الأصول العملية، و قبل بيان ما هو الحق لا بد من بيان ما به يمتاز الأمارة عن الأصل العملي.

و ملخص القول فيه ان الأمارة تتقوم بأمرين:

أحدهما: كون الشي‏ء كاشفا عن الواقع كشفا ناقصا- و بعبارة أخرى- ثبوت ملاك الطريقية في مقام الثبوت.

____________

(1) الفقيه ج 1 ص 352 باب احكام السهو في الصلاة ح 1027/ الوسائل ج 8 ص 246 باب 27 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة ح 10552.

49

ثانيهما: إمضاء الشارع إياه بما هو كذلك بتتميم جهة كشفه، و ان شئت قلت مساعدة الدليل على ذلك في مقام الإثبات، و الأصل عبارة عن الحجة الشرعية الفاقدة لأحد هذين القيدين، أو هما معا.

و لو شك في كون شي‏ء أمارة أو أصلًا تكون النتيجة مع كونه أصلًا، فان الأصل و الأمارة يشتركان في الحجية بالنسبة إلى المدلول المطابقي.

و يمتاز الأصل بعدم حجيته في اللوازم و الملزومات و الملازمات، و الأمارة بحجيتها فيها، فما علم كونه أمارة أو أصلًا يعلم بحجيته في المدلول المطابقي و يشك في حجيته بالنسبة إلى غيره، و حيث ان الأصل فيما شك في حجيته البناء على عدم الحجية فيبنى عليه فيختص حجيته بالمدلول المطابقي.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الظاهر كون القاعدة من الأمارات لثبوت كلا الامرين فيها.

اما الأول: فلان المريد لامتثال الأمر بالمركب لا يترك الجزء أو الشرط عمدا فلو تركه لا محالة يكون عن غفلة و نسيان، و حيث ان الإرادة المتعلقة بمركب ارادة كلية ينبعث منها ارادات جزئية تدريجية متعلقة بكل جزء و شرط متدرجا، و لا يتصور الغفلة بعد تلك الارادات الجزئية التي هي الاسباب لتحقق الفعل الخارجي: لانها متقومة بالالتفات و الجزء الاخير للعلة التامة غير المتصور انفكاكها عن الفعل، و إنما المتصور عروض الغفلة بعد تلك الارادة الكلية و قبل الارادة الجزئية، و هو إنما يكون على خلاف العادة فان تلك الارادة الكلية تلازم عادة الارادات الجزئية، فلذا يظن عادة بفعل الجزء المشكوك فيه بارادته المنبعثة عن تلك الارادة، فيكون لها الطريقية.

50

و على الجملة المريد لعمل مركب إذا كان بصدد الإتيان به، طبعه الأولي، و ارادته المتعلقة به أولا يقتضي إتيان كل جزء في محله، و احتمال الترك العمدي، مخالف لتعلق ارادته المتعلقة به أولا يقتضي إتيان كل جزء في محله، و احتمال الترك العمدي، مخالف لتعلق ارادته بالامتثال، و احتمال الغفلة مناف لظهور الحال و الغلبة فملاك الطريقية موجود.

و ان شئت قلت ان الغالب ان من اشتغل بمركب يكون التفاته إلى الخصوصيات و الاتيان بكل شي‏ء في محله و لو بالالتفات و القصد الإجمالي الارتكازي أقوى من بعد ذلك و الفراغ من عمله، فمن لم يتعمد الترك و اراد الامتثال حيث انه على الفرض ملتفت إلى جميع الاجزاء و الشرائط و مقتضى الطبع و العادة بقائه على ذكره و التفاته إلى آخر العمل فعروض الغفلة على خلاف الطبع و العادة.

و إلى ما ذكرناه أشار (ع) بقوله: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك) (1) و بقوله (هو حين ينصرف اقرب إلى الحق من بعد ذلك) (2)

و قد ظهر مما ذكرناه اندفاع ما قيل من عدم الطريقية لان الشك ليس له الطريقية و المرآتية.

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 101 باب صفة الوضوء و الفرض منه ... ح 114/ الوسائل ج 1 ص 471 باب 42 من ابواب الوضوء ح 1249.

(2) الفقيه ج 1 ص 352 باب احكام السهو في الصلاة ح 1027/ الوسائل ج 8 ص 246 باب 27 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة ح 10552.

51

وجه الاندفاع ان المدعى انه لحال المكلف حين العمل الطريقية و الامارية، فلو كانت القاعدة مجعولة بلحاظ حال العمل يكون لها الامارية و الطريقية.

و اما الأمر الثاني: و هو مساعدة الدليل على الطريقية فالظاهر هو ذلك: إذ الظاهر ان بناء العقلاء على تحقق المشكوك فيه إنما هو من جهة الطريقية و الكاشفية، لا ادعى انه لا يعقل البناء من العقلاء إلا من جهة الكاشفية: فان ذلك فاسد كما سيأتي تحقيقه في قاعدة اليد: بل ادعى ان الظاهر ان هذا البناء إنما هو للطريقية و الكاشفية نظير البناء على العمل بخبر الثقة: إذ ليس شي‏ء آخر يصلح ان يكون ملاكا لهذا البناء.

مضافا إلى دلالة بعض النصوص عليه مثل قوله (ع) في صحيح محمد بن مسلم، و كان حين انصرف اقرب إلى الحق منه بعد ذلك‏ (1).

و قوله (ع) في موثق بكير هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك‏ (2).

و قوله (ع) في صحيح الفضيل فيمن شك في الركوع بعد الانتصاب بلى قد ركعت فامض في صلاتك‏ (3). و قوله (ع) في مصحح عبد الرحمن في رجل‏

____________

(1) المصدر السابق في الفقيه و الوسائل.

(2) المصدر السابق في التهذيب و الوسائل‏

(3) التهذيب ج 2 ص 151 باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة ... ح 50/ الوسائل ج 6 ص 317 باب 13 من ابواب الركوع ح 8070.

52

اهوى إلى السجود و لم يدر ركع أم لم يركع، قد ركع‏ (1).

فان الأخبار عن تحقق الركوع ظاهر في الامارية.

و قد يقال كما عن المحقق العراقي‏ (2) ان المستفاد من الأخبار المأخوذ في موضوعها الشك كقوله (ع) إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، خلاف ذلك، بل هي تدل على إلغاء جهة الكشف المزبور لظهورها في عدم جعل الشك الموجود مانعا عن المضي في العمل، لا في إلغاء الشك و تتميم كشفها، ثم قال فما ورد من التعليل بالاذكرية في بعض‏

النصوص حينئذ محمول على بيان حكمة التشريع و الجعل لمكان اظهرية تلك النصوص.

و فيه: أولا: فرق بين ترتيب الأثر و الحكم على الشك كما في الأصل و بين الحكم بعدم الاعتناء بالشك بقوله فشكك ليس بشي‏ء، و ما يدل على إلغاء جهة الكشف هو الأول و الموجود في الأخبار هو الثاني، بل يمكن ان يقال ان قوله فشكك ليس بشي‏ء، إنما ينفى الشيئية و الشكية عن الشك و هذا عين جعل الأمارة.

و ثانيا: ان ظهور ما في بعض النصوص المتضمن للتعليل بالاذكرية أقوى من ظهور ما أشار إليه: لأنه من قبيل القرينة و ظهور القرينة مقدم على ظهور

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 151 باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة ... ح 54/ الوسائل ج 6 ص 318 باب 13 من ابواب الركوع ح 8073.

(2) نهاية الافكار ج 5 ص 36.