موسوعة قرى ومدن لبنان‏ - ج8

- طوني مفرج المزيد...
256 /
7

[الجزء الثامن‏]

جبيل بيبلوس‏JUOBAIL BYBLOS جنجل. دوقاJINJUOL .DUOQA

الموقع و الخصائص‏

جبيل، مدينة و مرفأ لبنانيّ، هي بيبلوس القديمة، أقدم المدن الفينيقية على الإطلاق، تشكّل اليوم قاعدة قضاء جبيل، تمتدّ أراضيها البالغة 479 هكتارا بين شاطئ و ارتفاع أمتار قليلة عن سطح البحر، و تبعد مسافة 37 كلم عن بيروت شمالا. و تتبعها مزرعتا دوقا و جنجل اللتان أصبحتا جزءا لا يتجزّأ من كيانها العقاريّ.

عدد أهالي جبيل المسجّلين نحو 000، 12 نسمة، من أصلهم حوالى 000، 8 ناخب. و من مجمل عدد أهالي جبيل المسجّلين حوالى 000، 2 من أبناء الطائفتين السنيّة و الشيعيّة، و الباقون مسيحيّون أكثريّتهم الكبرى مارونيّة، و هناك أقليّات أرثذوكسيّة و كاثوليكيّة و أرمنية. و يقطن جبيل عدد يكاد يساوي عدد أهاليها الأصليين، جلّهم من مناطق القضاء و من الأقضية الشماليّة

8

المجاورة. أمّا سبب ارتفاع عدد الناخبين بالنسبة لعدد الأهالي، فيعود إلى عوامل عديدة أهمّها: عدم تصحيح لوائح الشطب، عدد الرهبان الذين كانوا يسجّلون في سجلات البلدة، الأرمن الذين لم يتكاثروا في المدينة و جلّ جيلهم الجديد قد تركها إلى غير مكان، هجرة الشبّان الكثيفة.

تضمّ مدينة جبيل سوقا نامية تتنوّع فيها المؤسسات التجاريّة و الحرفيّة و الماليّة و المصرفيّة و السياحيّة على أنواعها، فتشكّل مركز القضاء الاقتصاديّ و الإشتائيّ مثلما هي مركزه الإداريّ. كما تعدّ من أهمّ المراكز السياحيّة الأثريّة في لبنان، و هي مهيّأة بعدد لا بأس به من الفنادق و المطاعم و المقاهي و المسارح و المتاحف، إضافة إلى مرفئها البحريّ الذي يشكل مرفقا سياحيّا مميّزا، و إلى سوقها الأثريّة المعروفة بالسوق العتيق، و إلى آثارها المتعدّدة العهود التي تكاد تتجمّع في كيلومتر مربّع واحد، يضمّ قلعة جبيل و محيطها الذي قد يكون أغنى متحف حضاريّ في الهواء الطلق في العالم قاطبة، ذلك بفضل تواصل الحضارات عليه، منذ ما قبل التاريخ المدوّن بعشرات ألوف السنين حتّى بداية القرن الواحد و العشرين دونما انقطاع.

و يتنوّع شكل الهندسة المعماريّة في جبيل بين القديم و الحديث، بين البيوت التقليديّة و الفيلات الحديثة و الأبنية الشاهقة، و يتوزّع في مناطقها عدد كبير من المدارس المختلفة و المستشفيات و المستوصفات و المجمّعات الطبيّة و المراكز الثقافيّة و المكتبات و الصيدليّات و المعابد و الأديار و الدوائر الرسميّة على أنواعها و تعدّد خدماتها.

تتنوّع الزراعات في محيط جبيل بين الحمضيّات و الخضار و الثمار الإستوائيّة و الخيم البلاستيكية حيث لا تزال مساحات خضراء داجنة و برّية تزهو، مانحة هذه المدينة اللبنانيّة الخالدة طابعا جماليّا و صحيّا فريدا.

9

الإسم‏

الدكتور أنيس فريحة، و هو أهمّ الباحثين في أسماء الأماكن اللبنانيّة، وضع حول إسم جبيل التالي: من‏GEBEL السريانيّة، أي: مصنع خزف. و قد ورد اسمها في يشوع 13: 5 و حزقيال 27: 9. و قد يكون معناها الحدّ و التخم من‏GABAL الآراميّة. و قد ورد اسمها أيضا في النقوش المصريّة بأشكال مختلفة:KPNI ,KPN ,KBN و لفظهاKUPNI ,KUPNA ,KUBNA ، و في الأشوريّةGUBLI . أمّا الإغريق فقد سمّوها على اسم الورق الذي كان ينقله تجّار جبيل الفينيقيّون في مراكبهم من مصر إلى بلاد اليونان، و معلوم أن المصريّين كانوا يصنعون ورقا من لب، لا من قشر، نبتة اسمهاPAPYRUS أو البردي، و من هذه اللفظة اشتقّوا كلمةPAPIER وPAPER . أما هيرودوتس فإنّه كان أبدا يذكرBUBLOS عوضا عن‏PAPYRUS ، تحريفا أو خطأ، لا ندري. و عن هيرودوتس أخذ الكثيرون. و لأنّ مصدر الورق عند الإغريق كان جبيل، فإنهم سمّوهاBYBLOS ، على إسم المادّة التي كانت جبيل تصدّرها لهم. و كذلك سمّى الإغريق الكتاب‏BIBLOS تصغيره‏BIBLION ، و جمعه‏BIBLIA و هكذا سمّوا التوراةTABIBLIA أي مجموعة الكتب، و منها جاء اسم‏BIBLE .

لسنا ندري لماذا استبعد البحث إمكانيّة أن يكون أصل إسم جبيل في الساميّة القديمة من مقطعين: جب إبل‏GUBIL أي: بئر الله أو نبع الله، على أنّنا نميل إلى اعتماد هذا التفسير، خاصّة و أنّ في مركز جبيل الأولى، بحسب تصنيف الحفريّات الأثريّة، ينبوع مياه بنيت جبيل القديمة أوّل ما بنيت بمحيطه. ثمّ إنّ الميثولوجيا الجبيليّة التي دوّنها سنكونياتون، تذكر أن" إبل، إبن سماء، إبن عليّون، هو باني جبيل".

10

جنجل، و هي من مناطق مدينة جبيل، نرجّح أنّ اسمها من مقطعين آراميّين- سريانيّين:GEN GEL أي: حمى مكشوف. إلّا أنّ فريحة قد ردّ الإسم إلى‏GILGAL جلجل، بمعنى عجلة و دولاب.

دوقا، و هي من مناطق مدينة جبيل أيضا، أصلها في الآراميّةDAWQA و هي تعني: النظر و التطلّع و المراقبة، و إن كان هناك نظريّة تقول بأنّ إسمي الدوقا و الدوق هما من بقايا الصليبيين، غير أنّ موقع المحلّة المرتفع يجعلنا نميل إلى اعتماد الإسم الساميّ.

و في قلب جبيل منطقة تعرف باسم قصّوبة، و تحمل الإسم نفسه قرية شماليّة في قضاء بشرّي تابعة لقنات، فيها بقايا هيكل فينيقيّ. و قد تعدّدت الاجتهادات حول هذه التسمية بردّها إلى الساميّة القديمة، و لكنّ الراجح أنّ الإسم من جذرQASAB السامي المشترك الذي يفيد عن القطع و النحت، و لا نزال نستعمل هذه الكلمة في لغتنا العاميّة للدلالة على تهذيب الحجر.

تاريخها القديم و آثاره‏

جرت في مدينة جبيل تنقيبات و دراسات لآثارها لم يجر مثلها لأيّة محلّة أثريّة أخرى في لبنان، و قد قسمت تلك الدراسات العلميّة حقبات التاريخ التي عنتها تلك الآثار إلى 19 حقبة، و بالإمكان استخلاص ملحمة لتطوّر الحضارة على هذا الجزء من الأرض بالإستناد إلى ما مدّت به آثار جبيل العقل البشريّ من معلومات من شأنها أن تحكي عن تطور مسيرة الإنسان الطويلة منذ ثمانية آلاف سنة دونما انقطاع، أي منذ العصر الحجري الحديث الذي يبدأ في حوالى 6000 ق. م. حتّى مطلع الألفيّة الثالثة الذي نعيشه اليوم.

11

بعد أن أمضى الإنسان ملايين السنين ليتطوّر من مرحلة اللجوء إلى الأشجار العالية للمبيت كما لا زالت تفعل القردة، انتقل إلى مرحلة متقدّمة نسبيّا إذ صار يلجأ إلى الكهوف الطبيعيّة و المغاور ليحتمي فيها. بخلال هذا التطوّر المديد مرّ الإنسان في عصور حجريّة، نسبة إلى الأدوات الحجريّة التي كان يستعملها في تدبير شؤونه، و قد قسمت تلك العصور في هذه المنطقة من العالم إلى ثلاثة: العصر الحجرّي الأوّل، و قد اتّفق على أنّه يعود إلى حوالى 200 ألف سنة خلت، ثم العصر الحجريّ المتوسّط الذي يلي الأوّل ليمتدّ بين حوالى 12000 و 6000 ق. م. إذ يبدأ العصر الحجريّ الحديث الذي استمرّ حتّى حوالى 4000 ق. م. ليليه العصر الحجري- النحاسيّ حتّى 3000 ق. م. ثمّ العصر البرونزيّ حتّى 1200 ق. م. عندما أخذ الحديد يعمّ في صناعة الأدوات.

إنّ أقدم ما حفظت لنا أرض جبيل من آثار في طبقة الحفريّات الأولى، هو أدوات حجريّة تعود إلى إنسان العصر الحجريّ الحديث، و قد قدّر العلماء أنّ تاريخها يعود إلى حوالى 5000 ق. م.، يليها أدوات لمختلف الحقبات التالية دونما انقطاع.

ينتسب الإنسان الذي عاش على هذه الأرض في تلك الحقبة السحيقة من التاريخ إلى عرق حوض البحر الأبيض المتوسّط، الذي ينتمي أصلا إلى العرق الأبيض القوقازيّ الذي ستتفرّع عنه الشعوب الساميّة و الحاميّة، و قد دلّت الدراسات على أنّه أقدم شعب توطّن شرقيّ البحر الأبيض المتوسّط، دون أن تقرّر المصدر الذي انتقل منه في عصور البداوة إلى لبنان. و إنّ الآثار التي وجدت لإنسان تلك العصور في كهف مجاور لينبوع داخل المنطقة الأثريّة في جبيل، تدلّ على أنّ سكّان جبيل، في العصر الحجريّ‏

12

الحديث و في العصر الحجريّ النحاسيّ، كانوا يعتمدون في معيشتهم على الزراعة و صيد الأسماك و تربية المواشي. و تدلّ الأسلحة الحجريّة المكتشفة، من خناجر و رؤوس سهام و نصال و رماح و شفرات مسنّنة، على أنّ إنسان جبيل، في تلك الحقبة، كان محاربا إضافة إلى أنّه كان صيّادا، و لا شكّ في أنّه كان يتعرّض للغزوات من قبل جماعات بدويّة كانت تجوب المنطقة طمعا بالرزق. و ممّا يدلّ على أهميّة السلاح عند ذلك الإنسان، أنّ الأدوات النحاسيّة الأولى التي صنعها إثر اكتشاف النحاس كانت أسلحة، بينما استمرّ مئات السنين يستعمل الحجر الصوّانيّ المصقول في صناعة سائر أدواته الزراعيّة و البيتيّة. و في الوقت نفسه استمرّ إنسان جبيل في التطوّر الحضاريّ في ذلك العصر القاسي من التاريخ، فاستعمل الفخّار البدائيّ في صناعة أوانيه، وراح يخزّن محاصيله كما لم يكن بوسعه أن يفعل من قبل. في الوقت نفسه بدأ يطحن الحبّ بواسطة مطاحن حجريّة تشبه الجاروش، و يستعمل فرن الفخّار في الطهو و الخبز، لا بل راح يصنع الحلي، و ارتقى بتفكيره إلى الماورائيّات، فنحت الصنم، و أقام هيكلا للعبادة وجدت آثاره عند الطرف الجنوبيّ للقرية الأثريّة، و دفن موتاه بطريقة متقدّمة، فاستعمل النعش الذي كان كناية عن آنية خزفيّة يوضع فيها الميت بعد طيّ الرجلين حتّى تلامس الركبتين الذقن، و زوّد الميت بما خيّل له أنّه قد يستعمله في حياته الثانية، فدفن معه الأباريق و الدنان و الملاعق و الخواتم و الحلق، و إذا كان محاربا دفن معه سلاحه الذي كان كناية عن خنجر نحاسيّ و خوذة حجرية. أمّا البيت في تلك الحقبة فكان كوخا محاطا بجدران حجريّة واطئة بعضها مستطيل و بعضها الآخر مستدير، و قد فرشت أرضه بالتراب و حتات الحجارة، أمّا السقف فكان من القشّ أو الأغصان أو الجلود.

13

البيت الحجري الأوّل.

يتّسم العصر الحجريّ- النحاسيّ بأهميّة كبرى في تاريخ جبيل. ففي هذا العصر، و في الطبقة الأثريّة الثانية من مكتشفات جبيل، يظهر أثر إنسانيّ على مستوى عال من الأهميّة: البيت الحجريّ الحقيقيّ الأوّل، الذي يقوم على شكل هندسيّ، و قد وجدت بقاياه في الجهة الجنوبيّة الغربيّة من المدينة، قرب القلعة البحريّة. و قد كانت تلك البيوت مستديرة الشكل، مبنيّة بالحجر المشذّب، على أساسات حجريّة، و أرضها مرصوفة بحجارة مربّعة مملوء في ما بينها من فراغ بالحصى المرصوص، و جدرانها مطليّة من الداخل و الخارج بالطين، و داخلها مقسّم إلى غرف، و الأرجح أنّ سقوفها كانت من الأعمدة و الألواح الخشبيّة المغطّاة بالتراب، و كانوا يركّزون هذا السقف على الجدران من الأطراف و على أعمدة خشبيّة في ما بين الجدران قائمة على قواعد حجريّة، و قد دلّت الأبحاث العلميّة التي جرت على طبقات التربة التي كانت تقوم عليها تلك البيوت، على أنّ زمنها يعود إلى حوالى 3200 ق. م.

و اعتبر بعض علماء الآثار الذين قاموا بالحفريّات أنّ تلك البيوت تشكّل أقدم نموذج لبناء في الشرق، إن لم يكن في العالم. و قد وجدت بقربها مقبرة يعود تاريخها إلى حوالى منتصف القرن الأربعين ق. م.؛ و يبدو أنّ مركز جبيل آنذاك كان محصورا بين الشاطئ و نبع المياه الذي نسبت جبيل إليه. و كانت المدينة إذذاك قرية صغيرة جدران بعض بيوتها الخارجيّة منحنية أو مقوّسة، و بعضها الآخر ذات جدران مستقيمة الأضلاع، و شوارعها مرصوفة بالحجارة و مساحتها ما يقارب 8 دونومات.

و لا يظهر، في ما وجد من أسلحة نحاسيّة و من أدوات فضيّة للزينة في جبيل الثانية، أيّ دليل على أنّ هذه الصناعة كانت واقعة تحت تأثير بلاد ما

14

بين النهرين، بل تدلّ على أنّها صناعة معدنيّة مستقلّة. ليس هذا و حسب، بل قد يكون أنّ صناعة المعادن في العالم الإيجي قد اكتسبت عن جبيل. و إنّ في هذه الخلاصة التي استنتجها علماء كبار ما من شأنه أن يشكّل مفخرة للبنانيّين لأهميّة عراقة حضارتهم.

بدء الملاحة و الإزدهار

ممّا يدعو للدهشة حقّا أنّ الآثار المكتشفة في مصر، كالجسور من جذوع خشب الأرز و سواها من آنيّات، دلّت على أنّ جبيل كانت على اتّصال بمصر في عهد الأسرة الفرعونيّة الأولى قبل أن تتّحد مصر العليا و السفلى، علما بأنّ عهد السلالتين الأولى و الثانية يعود إلى الحقبة الواقعة بين 3200 و 2980 ق. م.؛ و من شأن هذه الإكتشافات أن تدلّ، بما لا يدع مجالا للشكّ، على أنّ الجبيليّين كانوا قد بدأوا تجارتهم البحريّة قبل القرن الثلاثين ق. م.، لا بل في هذه الإشارة إلى الملاحة البحرية الجبيليّة المبكرة ما يدعو للتساؤل عمّا إذا كان الجبيليّون الأوائل قد اختاروا مركز جبيل، و هو الميناء الطبيعيّ، بعد أن اكتشفوا الملاحة، كما سيتمّ في ما بعد اختيار المرافئ الطبيعيّة ليبنوا مدن صيدا و صور و بيروت و أرواد. على أيّ حال، فإنّ النموّ المتسارع نسبيّا لحضارة جبيل، من شأنه أن يفيد، من دون شكّ، عن بحبوحة اقتصاديّة لا يعقل أن تكون قد حصلت من دون تجارة خارجيّة مرتكزة على أعمال التصدير، و لم تكن السلع المتوفّرة مقتصرة على خشب الأرز، بل كان هناك النحاس و الفخّار البدائيّ و الجلود و الزيوت و الطيوب، و ربّما المواشي المدجّنة حديثا، و بذار القمح و سائر المزروعات المكتشفة في ذلك العهد. و قد دلّت آثار الحقبة الثانية في جبيل (3200- 3000 ق. م.) عن علاقة المدينة التجاريّة بقبرص و القوقاز أيضا.

15

لقد شبّه بعض الباحثين نشاط الملاحة البحريّة الجبيليّة في ذلك الوقت بأكبر الشركات البحريّة نسبة إلى اليوم، و إنّ آثار الحقبة الثالثة من حقبات جبيل التي تنتهي في حوالى 3000 ق. م. تدلّ على أنّ حدثا أسطوريّا أصاب القرية فغيّر معالمها، إذ وسّعت البيوت و حّسنت هندستها و تلاصقت، و أقيم حول كلّ منها شبه سور، و أصبح الحجر المستعمل في بنائها أكثر تهذيبا، و بدأ استعمال الأعمدة الخشبيّة عموديّا و الجسور أفقيّا في عمليّة سقفها، و تمّ بناء هيكل جديد للعبادة بالقرب من النبع، و وسّع الهيكل الأوّل فأصبح من بناءين؛ كذلك تطوّرت صناعة الخزف بعد أن عرفوا دولاب الخزّاف و الأتون من خلال اتّصالهم بفلسطين و بلاد ما بين النهرين، و أصبحت صناعته حرفة تقوم بذاتها، و إنّ أقدم قطع خزفيّة لبنانيّة، قد وجدت في جبيل؛ و بدأوا يتعاطون صناعة المعادن بشكل واسع. و من دلالات التطوّر الإجتماعيّ السريع في تلك الحقبة نقل المدافن إلى خارج المناطق السكنيّة.

مع بداية العهد البرونزي في أوائل الألف الثالث ق. م.، كانت مساحة جبيل قد زادت إلى حوالى عشرة دونومات كما بيّنت حفريّات الطبقة الرابعة، و قد اكتظّت هذه المساحة بالبناء الذي أصبح متلاصقا حول أزقّة يتّصل جميعها بطريق يقود إلى المقابر، و قد ظهرت معالم أقنية لتصريف المياه زوّدت بها تلك الأزقّة. و كان الهيكل الرئيسيّ قد أضحى أكثر اتساعا و أضيف إليه، فضلا عن ذلك، باحة خارجيّة رحبة مرصوفة. و استمرّ ذلك التوسّع طوال العهد البرونزيّ، إذ سرعان ما أصبحت جبيل، قبيل حلول منتصف القرن الثلاثين ق. م.، مدينة مزدهرة التجارة الخارجيّة كما تدلّ آثار الحقبة الثالثة من حفريّاتها، و تؤكّد على ذلك الآثار الفرعونيّة في مصر، فإضافة إلى الأخشاب التي كانت تصدّرها جبيل إلى مصر الفقيرة بهذه المادة، أصبحت‏

16

المراكب الجبيليّة تحمل إلى وادي النيل الخمر و الزيت و الزيتون و صموغ الأرز و الصنوبر و الشربين و السرو التي كان يستعملها المصريّون في التحنيط، و تعود من مصر محمّلة بالذهب و المعادن و ورق البردى، و كانت القوافل التجاريّة بين جبيل و مصر تعبر، إضافة إلى البحر، الطريق البريّة التي كانت تصل جبيل بدلتا النيل مرورا بمحاذاة الشاطئ اللبنانيّ فالفلسطينيّ وصولا إلى سيناء فدلتا النيل. و بدءا من زمن الأسرة الفرعونيّة الثانية الذي يعود حكمها إلى أواخر الألف الرابع ق. م.، كانت القرابين و التقدمات الملكيّة المصريّة تقدّم إلى هيكل جبيل كما أكّدت الآثار، ما يدلّ على أنّ المصريّين كانوا قد بدأوا يزورون جبيل لحاجات تجاريّة، و يعتقد الباحثون بأنّ المصريّين كانوا في هذه الحقبة قد أنشأوا لهم جالية في جبيل، مستدلّين على ذلك بما وجد من آثار و بقايا مصريّة في حفريّات جبيل، منها مزهريّة من المرمر مرفوعة إلى الإلهة- بعلة جبيل- محفور عليها إسم الفرعون خوفو باني هرم الجيزة حوالى 2800 ق. م.، كما وجدت تقدمات و نذورات مشابهة من الذين سبقوا خوفو و عقبوه، و من أروع الإكتشافات الأثريّة على الإطلاق زورق خوفو الذي كان يستخدم في مراسيم دفن الموتى و طوله ستّون قدما، عثر عليه شابّ مصريّ سنة 1954 قرب هرم الجيزة مدفونا داخل طبقة كلسيّة تحت الأرض، و كان لا يزال بحالة سليمة، و هو مصنوع من خشب الأرز، و قيل إنّ خشب هذا الزورق لا يزال يحتفظ حتّى اليوم برائحة الأرز؛ و إنّ المراكب الشراعيّة المصريّة، بدءا بالأسرة الفرعونيّة السادسة (2625- 2475) كانت تعرف ب" مراكب جبلة"، و منذ ذلك التاريخ الغارق في القدم أصبح إسم الجبيليّ ملازما لصناعة السفن، و يعتبر عدد كبير من الباحثين أنّ المصريّين كانوا يخشون ركوب البحر و أنّ الجبيليين هم الذين علّموهم فنّ الملاحة، و أنّ الجبيليّين كانوا يصنعون السفن للمصريّين إمّا في جبيل أو في‏

17

مصر بعد نقل الأخشاب إليها، و هنالك نظريّة تقول بأنّ جزيرة أرواد كانت أساسا تابعة لجبيل، لا بل ملكا لها، و أنّها كانت ميناء مستعملا لصناعة السفن الجبيليّة كما يدلّ اسمها المركّب من ثلاثة مقاطع جبيليّة قديمة، بالإمكان كتابتها:AR -WA -DE أي: معمل- السفن التجاريّة- مكان، أي مكان صنع السفن التجارية.

يبدو أنّ العلاقات الجبيليّة- المصريّة قد عرفت تواصلا إنسانيّا وديّا و حضاريّا مميّزا و نادرا في تلك الحقبة من التاريخ، فقد دلّت حفريّات جبيل على وجود معبد للآلهة المصريّة" إيسيس" إلى جانب معبد البعلة، حتّى غدت الآلهتان على مرّ الزمن إلهة واحدة. و قد دلّت اكتشافات الحقبة الجبيليّة السادسة (2500- 2150 ق. م.) على أنّ الجبيليّين كانوا آنذاك قد بنوا هيكلا للبعلة، يفوق بحجمه و أهميّته الهيكلين اللذين سبقاه، و قد أغرق الفراعنة هذا الهيكل بنذوراتهم الممهورة بأسمائهم بالحرف الهيروغليفي. و أضاف الجبيليّون إلى صادراتهم الدببة التي كانوا يأسرونها في جبال لبنان و كان المصريّون يشترونها لأهداف ترفيهيّة، و إلى مستورداتهم الشمع و الحبال.

و سوف يتّضح لاحقا أنّ بعلة جبيل التي بنى لها الجبيليّ هيكلا في ذلك العصر الذي يسبق دخول الكنعانيّين إلى المنطقة، كما يسبق إطلاق إسم الفينيقيّين على سكّانها، هي عشتروت، و هكذا يظهر بوضوح أن الجبيليّين الأوائل من أبناء العرق المتوسّطيّ هم الذين أوجدوا عبادة أدونيس و عشتروت التي ستصبح في ما بعد ما يمكن تسميته يومذاك: ديانة عالميّة. و كانت الهياكل و القصور قد عرفت تطوّرا جديدا في بنائها، فأصبحت تبنى حول باحة في الوسط مكشوفة السقف، بينما تقوم الأبنية الداخليّة على أعمدة من الجانبين، و كان المدخل الرئيسيّ مبنيّا بشكل قنطرة يدخل منها إلى قاعة

18

كبرى تنفتح من جهاتها الثلاث على عدد كبير من الغرف، و كان يحجب المذبح داخل القاعة الكبرى في الهيكل ستارة، و أصبحت حجارة البناء أكبر حجما حتّى بلغ بعضها المترين طولا، و درج آنذاك تهذيب الحجر بشكله الذي لا يزال مستعملا حتّى اليوم و معروفا بال" مبوّز"، أي أنّ الحجر يكون منحوت الجوانب دون واجهته التي تبقى نافرة. و من جبيل انتقل هذا الطراز إلى قصور العبرانيّين و هياكلهم بما في ذلك هيكل سليمان.

وسط هذا التقدّم الحضاريّ الرائع، من الواضح تماما أن الجبيليّ كان في نهاية الألف الثالث ق. م. يتوجّس خيفة من خطر داهم، و قد دلّت الأثريّات المكتشفة العائدة إلى حوالى 2150 ق. م. على أن الجبيليين راحوا آنذاك يحصّنون المدينة بترميم الأسوار و القلاع القديمة المحيطة بها و تدعيمها، و ببناء أخرى إضافيّة، و هذا ما من شأنه أن يفيد عن ملامح هجوم محتمل لغاز ما، و سوف يصدق التوقّع، و تدفع جبيل ضريبة الإزدهار خرابا و دمارا و دخول شعب جديد عليها، ربّما ليندمج مع الأهالي الأصليّين أو ليبيدهم و يحلّ محلّهم.

العصر الكنعانيّ‏

دلّت الأبحاث التاريخيّة على أن أقدم الساميّين الذين دخلوا لبنان، كانوا العموريّين و الكنعانيّين الذين ينتمون إلى أصل واحد ساميّ بدويّ، كان موطنهم في شمالي الجزيرة العربيّة بعدما ارتحلوا إليه من خليج العجم. و في حوالى 2200 ق. م. زحفت تلك القبائل إلى بقعة الهلال الخصيب بشكل يشبه الإجتياح. قبل ذلك التاريخ كانت جماعات قليلة منهم ترد المنطقة طلبا للمرعى و للرزق دون أن تشكّل خطرا حقيقيّا، و لكن في هذه الموجة الإجتياحيّة انتشرت الجموع العموريّة في السهول الشرقيّة و في شرق الأردنّ‏

19

و تلال اليهوديّة و جبال لبنان في شبه احتلال، و عبرت القبائل الكنعانيّة إلى الساحل، متوغّلة نحو الشاطئ، فشكّلت تهديدا جديّا للجبيليّين الذين لم يكونوا قد عرفوا حتّى ذلك التاريخ غزوا بهذا الحجم، إنّما كانت الغزوات السابقة مجرّد هجمات محدودة الحجم كانت تقوم بها جماعات صغيرة من البدو، و كان الجبيليّون يصدّونها بسهولة.

تفيد معالم الحقبة السابعة من طبقات الحفريّات الدراسيّة في جبيل بوضوح على أنّ المدينة بدأت تتعرّض لغزو خطير في حوالى العام 2150 ق. م.، و يدلّ على هذه الأحداث آثار الحريق الظاهرة على جدران الهيكل الرئيسيّ، و تراجع الإزدهار بحيث لم تعد البيوت دورا متعدّدة الغرف بل أصبحت غرفة واحدة، كما غاب التخطيط عن الأزقّة التي كانت تشكّل شوارع تلك الحقبة. و يظهر جليّا أنّ تلك الغزوات قد انتهت بتمكّن الكنعانيّين من دخول جبيل و السيطرة على مقدّراتها و اندماج الغازين مع أبناء عمّهم الجبيليّين الذين سوف يشكّلون معهم جزءا ممّا سيعرف بالشعب الفينيقيّ.

باندماج الكنعانيّين مع أهل جبيل الأصليّين، بدأت المدينة تحاول استعادة نشاطها الإجتماعيّ و الإقتصاديّ، و لم يمض وقت طويل حتّى أخذت جبيل تستعيد ازدهارها، يشهد على ذلك ترميم الأسوار و التحوّل في شكل الهيكل الذي أصبحت أرجاؤه مزروعة بالمسلّات الحجريّة، و صارت العبادة فيه لإله الموت و الخصب: رشف بعل، الذي يعني اسمه الكنعانيّ: النار أو النور، إشارة إلى الشمس، فهو إله الموت و الخصب، و الشمس تميت و تحيي، و في دخول عبادة رشف إلى جبيل تأكيد واضح على دخول الكنعانيّين إليها لأنّ الساميّين الذين اجتاحوا المنطقة كانوا يعبدون رشف. و يقوم إلى جانب مسلّات المعبد العشرين نصب عموديّ أو شجرة مقدّسة، إذ كانت الشجرة

20

رمزا لخلود الحياة. كما كشفت التنقيبات التي جرت على أرض الهيكل في مراحل متعدّدة عن غرف يبدو أنّ الكهنة كانوا يقومون في داخلها بأعمال التنبّؤ عن الغيب للناس الذين كانوا يقصدونهم.

و في هذه الحقبة أيضا، أصبحت قبور الملوك غرفا وجد في بعضها تحف ثمينة موسومة بأسماء الملوك. و أخذت التجارة تستعيد نموّها و عاد الإتصال بالعالم الخارجيّ إلى ازدهاره. و يبدو أنّ الجبيليّين، في هذا العصر، قد حاولوا تحقيق تقدّم على صعيد كتابة الحرف، إذ نجد في هذه الطبقة من الحفريّات رموزا هيروغليفيّة مختلفة عن المصريّة لم يتمكّن العلماء من فكّ معانيها حتّى اليوم.

و قد دلّت آثار هذه الحقبة من التاريخ على أن الجبيليّين كانوا قد وسّعوا نطاق أسفارهم الخارجيّة عبر البحار، بحيث مخرت سفنهم عباب البحر الأسود و بلغوا بلاد الخوقاز التي يعتبر بعض الباحثين أن التجّار الجبيليين قد وصلوها بحرا قبل الألف الثالث ق. م.

عصر الهكسوس‏

ما أن بدأت جبيل تجني ثمار اتّحاد الكنعانيّين مع أهلها الأصليّين حتّى برز خطر احتلال جديد داهم كان مصدره هذه المرّة: الهكسوس.

إعتبر المؤرّخون أنّ شعب الهكسوس المحارب القويّ مجهول الأصل، و هو مزيج في أكثره ساميّ العرق، يشمل الأموريّين و الكنعانيّين و العرب و ربّما بعض قبائل الخبير و العبرانيّة، تداخله عناصر غير ساميّة من الحوريّين و الحثيّين و المتانيّين، و قد تكامل هذا الخليط من الشعوب في شرق البحر الأبيض المتوسّط، و اجتاح أوّلا القسم الأكبر من هذه المنطقة قبل أن‏

21

ينحدر جنوبا ليحتلّ مصر و يسودها بقوّة السلاح زمنا. و كان المصريّون أوّل من أطلق على هذا الشعب إسم الهكسوس، و معنى الإسم في لغتهم: أسياد البلدان الأجنبيّة، و أوّل مؤرخ استعمل هذا اللفظ كان مصريّا كتب باللغة اليونانيّة، و فسّر الإسم على أنّه: الملوك الرعاة.

كان الهكسوس في جميع البلاد التي أخضعوها يمارسون الإقطاع العسكريّ غير المنظّم، و كانت الطبقة الأرستقراطيّة فيه بمعظمها من الفرسان الأقوياء الذين يملكون المركبات و الجياد، علما بأنّ الهكسوس هم الذين أدخلوا الحصان إلى هذه المنطقة ليستعمل فقط في الشؤون الحربيّة، و هذا ما مكّنهم من فتوحاتهم السريعة لمدن و مملكات لم تكن شعوبها تعرف الحصان، فضلا عن حيازتهم للسيوف الحديديّة المقوّسة و للقوس المزدوج و استخدامهم البرونز في سائر أسلحتهم.

أدّى دخول الهكسوس إلى جبيل إلى كثافة سكانيّة ظاهرة في آثار الطبقة التاسعة (1750- 1580 ق. م.) فامتدّت المدينة إلى خارج الأسوار و أصبح النشاط في المركز القديم مقتصرا على الحرس و الكهّان و خدّام الهيكل، و أنشئت التحصينات الإضافيّة، و ظهرت العربة التي يجرّها الخيل و ما أدخله الهكسوس معهم من سيوف معقوفة و أقواس مزدوجة و رماح و حراب. و لا تظهر لنا حفريّات هذه الحقبة أيّ شي‏ء له علاقة بالتجارة الخارجيّة، إذ يبدو أنّ الهكسوس الذين احتلّوا جبيل و سائر مدن الشاطئ قد قطعوا علاقات تلك المدن التجاريّة و الوديّة بمصر، فكانت مصر لهم بمثابة العدوّ الذي تمكّنوا من قهره و احتلاله في حوالى العام 1600 ق. م.، و قد استمرّت سيادتهم على مصر زهاء ثلاثين سنة قبل أن يشنّ أحد أمراء الجنوب المصريّ من مدينة طيبة: أحموس الأول (1570- 1545 ق. م.) حربه التحريريّة الظافرة عليهم،

22

و لم يكتف هذا الأمير الثائر بتحرير مصر بل طاردهم بجيشه إلى فلسطين فلبنان، و قد تابع خلفاؤه هذه المطاردة الطويلة التي حوّلت مصر من مملكة مسالمة إلى إمبراطوريّة محاربة إستعماريّة كبرى، إلى أن قام طحوتموس الثالث (1490- 1436 ق. م.) بتوجيه الضربة القاضية في سورية و مدن الشاطئ اللبنانيّ إلى دولة الهكسوس و أحلّ مكانها السيادة المصريّة. و لا تفيدنا الآثار عن أنّ جبيل قد تعرّضت جرّاء هذه الحرب إلى الخراب أو الدمار، و يبدو أنّ طرد الهكسوس منها لم يكن دمويّا.

الأبجدية الجبيلية الفينيقية

في غضون هذه الحقبة من التاريخ، يبدو أنّ سكّان مدن شرقيّ البحر الأبيض المتوسّط الواقعة على البقعة الممتدّة بين مصبّ العاصي، شمالي أو غاريت، و جنوبي عكّا في فلسطين، قد بدأوا يعرفون بالفينيقيّين. و كان أهمّ تلك المدن: أو غاريت، أرواد، طرابلس، جبيل (بيبلوس)، بيروت (بيريت)، صيدا (صيدون)، صور، عكّا. و قد أصبح اليوم معروفا أنّ شعب تلك المدن قبل أن يعرف بالفينيقيّ، كان يعرف بالكنعانيّ، و أنّ أصل إسم كنعان، الذي هو أقدم إسم أطلق على هذه المنطقة، يرجع إلى لفظ حوريّ: كنجي، أي بلاد الأرجوان، (و ليس كما كان يعتقد سابقا بأنّ أصل اللفظ ساميّ و يعني الأرض المنخفضة)، و لفظة كنجي ذاتها تصبح في اللغة الأكاديّة: كنخني، و في رسائل تل العمارنة: كنخي، و يصبح لفظ" كنخ" في الفينيقية: كنع، و في العبريّة:

كنعان، كما ورد في التوراة. و استنادا إلى هذا التعليل الفيليولوجي للإسم تكون صناعة الأرجوان معروفة و مزدهرة في القرن الثامن عشر أو السابع عشر ق. م.، أي لمّا وطّد الحوريّون في شمال العراق القديم علاقاتهم مع سكّان شاطئ البحر المتوسّط. أمّا لفظ" فينيقي" فإغريقيّ أصله‏PHOINIX و معناه‏

23

أيضا: الأرجوان. و بذلك يكون إسما: كنعاني، و فينيقي لمعنى واحد:

الأرجوان. إلّا أنّ اللفظ الأغريقيّ جاء حتما لاحقا للعبرانيّ المشتقّ من الحوري، أي أنّ اسم الفينيقيّين قد جاء لاحقا للقرن السابع عشر دون أن يمكننا تحديد زمن بدء إطلاق إسم الفينيقيّين على من أطلق عليهم بالتحديد.

و لكنّنا نقدّر ذلك الزمن بالقرن الخامس عشر ق. م.، أي بعد تغلّب المصريّين على الهكسوس، إذ أصبحت السيادة المصريّة على جبيل و سواها من مدن المنطقة مباشرة، و لكن يبدو من خلال المراجعات أن جبيل قد تمتّعت بشي‏ء من الإمتيازات الخاصّة، نظرا لقدم العلاقات التي كانت تربطها بمصر. على أيّ حال، فإنّ روح السيطرة الخارجيّة لدى الفراعنة كانت قد خبت منذ عهد أمنحوتب الرابع المعروف بأخنتون (1377- 1358 ق. م.) و بقيت على حالها إلى أن قام ستي الأوّل حوالى سنة 1317 ق. م. الذي عاد فاجتاح مدن الشاطئ اللبنانيّ في خلال عهده الذي ينتهي في حوالى 1301 ق. م.؛

خلال هذه الحقبة، و بالرغم من النكسات التي تعرّضت لها جبيل نتيجة الصراعات الإقليميّة و الأطماع الخارجيّة، سطّر الجبيليّون تطوّرا حضاريّا يعدّ واحدا من أهمّ الإنجازات التي حقّقها الجنس البشريّ في تاريخه:

الأبجديّة.

كان الجبيليّ قد بدأ منذ زمن بعيد محاولات لتطوير الحرف، نجد أقدم بقايا تلك المحاولات في الطبقة الثامنة من حفريّات جبيل الأثريّة العائدة إلى ما قبل 1800 ق. م.، و هي رموز هيروغليفيّة خاصّة بالجبيليّين، تختلف عن تلك المصريّة، و لم يتمكّن العلم من كشف معانيها حتى اليوم. و معلوم أن الكتابة قبل حرف جبيل الأبجديّ، كانت قد عرفت نظامين رمزيّين غير هجائيّين: النظام المسماريّ السومريّ في العراق القديم، و الهيروغليفيّ في‏

24

وادي النيل، إلّا أنّ هذين النظامين الرمزيّين لم يختلفا من حيث عدم تعدّي الرمز المرئيّ إلى الصوت المحكيّ، بمعنى أنّ الكتابة قبل الأبجديّة الجبيليّة كانت في البدء صوريّة، و لم تكن صوتيّة، و قد تمكّن المصريّون، على مرّ القرون، من تطوير النظام الصوريّ إلى نظام صوريّ- صوتيّ، فاتخذوا أربعين صورة من صور كتابتهم الهيروغليفيّة و جعلوا كلّا منها رمزا لوحدة صوتيّة، و توقّف التقدّم المصريّ على صعيد الكتابة عند هذا الحدّ، بينما لم تتعدّ المسماريّة الرمز الصوريّ.

يعتقد الباحثون أن أوّل من حاول تطوير فنّ الحرف من الصورة إلى الرمز المختصر لها الذي يشكّل حرفا صوتيّا، كانوا أسرى كنعانيّين أو بعض عمّال التعدين الكنعانيّين في شبه جزيرة سيناء، في المناجم المعروفة بوادي المغارة، حيث ظهر إسم بعلة جبيل واضحا على بعض جدرانه.

و يعتبر بعض الباحثين أن أولئك الكنعانيّين- الجبيليّين قد وجدوا صعوبة في ذلك المزيج المزعج من صور و رموز و ما يفترض أن يكون أحرف هجاء، فعمد هؤلاء إلى اتّخاذ الرموز التي تشكّل أحرفا صحيحة كأساس في تهجئة الكلمة، و وضعوا لتلك الرموز أسماء ساميّة و أعطوها قيمة صوتيّة تلائم الأصوات اللغويّة في لسانهم. فإنّهم مثلا اتّخذوا الرمز الذي يشير إلى رأس الثور و سمّوه في لسانهم: ألف، بقطع النظر عن إسمه باللسان المصريّ، و أصبحت كلمة" ألف" تمثّل الوحدة الصوتيّة التي تبدأ بها، أي: همزة. إلّا أنّ العامل في سيناء استخدم فقط الفكرة الأبجديّة الموجودة في العلامات الساكنة المصريّة و شكّل لنفسه مجموعة بسيطة من العلامات التي يمكن أن تتهجّى بها الكلمات. أمّا الهجاء الذي ينسب إلى جبيل، و هو خطّي مستقيم، فيتألف من 22 حرفا صحيحا و يكتب من اليمين إلى اليسار. ثمّ كان للكنعانيّين أنواع‏

25

أخرى من الكتابة المعقّدة، منها الكتابة المقطعيّة التي وضعت على مثال الكتابة الهيروغليفيّة المصريّة، أي المؤلّفة من رموز أو صور يشير الرمز فيها إلى مقطع لا إلى هجاء واحد، و قد وجدت نقوش في جبيل سنة 1930 مكتوبة بهذا النظام، و هي من أقدم النماذج اللغويّة للسان الكنعانيّ، و يعود زمن وضعها إلى حوالى 1375 ق. م.، ثمّ استعيض عن هذا النظام المقطعيّ بالكتابة البابليّة المسماريّة، و هي الكتابة التي خطّت بها رسائل تل العمارنة.

كذلك ظهرت في فلسطين في أواخر الألف الثاني ق. م. عدّة محاولات للكتابة هجائيّا، و لكن في الألف الأخيرة قبل المسيح اختفت جميع هذه الأنظمة الكتابيّة و تنوسي أمرها و بقيت الحروف الهجائيّة الجبيليّة وحدها في الميدان، لا ينازعها في مكانتها منازع. و إنّ أقدم نقش فينيقيّ تامّ سهل الفهم مكتوب بالهجاء الكنعانيّ، هو نقش يتألّف من خمسة أسطر محفور على حجر كلسيّ عثر عليه‏MAURICE DUNAND المستشرق الفرنسيّ في قلعة جبيل القديمة، و في هذا النقش إشارة إلى بناء سور أقامه شافاط- بعل، بن إبلي- بعل، بن يهي- ملك، و هؤلاء جميعا كانوا من ملوك جبيل. و قد ردّ الباحثون تاريخ هذا النقش إلى القرن السابع عشر ق. م.، إلّا أنّ بعض المؤرّخين اعتبر أن هذا التقدير" عال"، و أنّ تاريخ النقش إنّما يعود إلى زمن أقرب إلينا. غير أنّهم جميعا سلّموا بأنّ الحروف الهجائيّة التي كتب بها هذا النقش القديم تبدو بأشكال تدلّ على أنّها أقدم عهدا من الحروف التي خطّ بها نقش الملك أحير ام الشهير، الذي عثر عليه المستشرق الفرنسيّ مونته‏PIERRE MONTET سنة 1923 في جبيل، و الذي يعود عهده إلى القرن الحادي عشر ق. م.، و هناك نقش يعود لملك جبيليّ آخر بالحروف الفينيقيّة وجد على نصب للفرعون أوزركون يعود زمنه إلى حوالى 900 ق. م.

26

إنّ الدراسة المعمّقة لمسألة الحرف و الأبجديّة التي عرفت بالفينيقيّة، لا تدع مجالا للشكّ في أنّه كان للجبيليّ اهتمام مميّز عن أيّ كان في عمليّة تطوير هذه الأبجديّة التي ستصبح أمّ الأبجديّات في العالم. و إلا فما تفسير عدم اكتشاف أيّ نصّ أبجديّ في تلك الحقبة من التاريخ ليس لها علاقة إمّا بأرض جبيل، أو بملك جبيليّ؟ و هي أمّ الأبجديّات في العالم لأنّ اليونان سوف ينقلونها، بين 850 و 750 ق. م.، محافظين على الأسماء الساميّة للحروف و على شكلها العامّ و ترتيبها، و كانت تكتب الحروف في أقدم الكتابات الأثريّة اليونانيّة من اليسار إلى اليمينن، كما في الكتابة الفينيقيّة، و اعترف اليونان بما نقلوه في قصّة قدموس الذي ينسب إليه إدخال ستّة عشر حرفا. و نقل اليونان في القرن السادس إلى الرومان أبجديّة أدخلوا إليها بعض التحسينات، و منها تولّد معظم الأبجديّات الأوروبيّة. و الآراميّون الذين أخذوا أبجديّتهم عن الفينيقيّين نقلوا تلك الأبجديّة إلى العرب و الهنود و الأرمن و سائر الشعوب الشرقيّة التي تستعمل الأبجدية. و قد ظهّرت جبيل المعاصرة كون جبيل مهدا للأبجديّة بإقامة" نصب الأبجديّة الفينيقيّة" في الساحة الكبرى مقابل الواجهة الجنوبيّة للقلعة، و هو من تصميم و نحت الفنان نبيل بصبوص.

وسط التجاذب الحثّي- المصري‏

في الوقت الذي كان فيه الجبيليّ على هذا المستوى من الفكر و الإبداع، كانت مصر قد فقدت سيادتها العمليّة على المنطقة، و كانت قد ظهرت في الشمال قوّة عسكريّة جديدة عملاقة، تألفت من مجموعة شعوب مختلطة انضمّت إلى قبيلة مغمورة من قبائل الأناضول تعرف بقبيلة ختّي، فعرف مجموع هذا الشعب ب" الحثيين"، و قد أنشأ هؤلاء في أوائل القرن التلسع عشر ق. م. مملكة لهم شملت الأناضول و جزءا من شمال سورية و العراق، و في‏

27

1380 ق. م. اعتلى العرش الحثّي ملك طموح و مقدام إسمه شبّلوليوما، اكتسح المملكة المتنّية و جعل في شمالي سورية له مركز انطلاق ضدّ الفراعنة الذين كان قد بدأ عصر انحطاطهم الحربيّ، و سرعان أن ضمّ الملك الحثيّ إلى سلطانه، قبل موته سنة 1355 ق. م.، المدن الفينيقيّة الواقعة شمال جبيل، التي سارعت إلى عقد تحالف ضدّ الغازي الجديد مع بيروت و صيدا و صور برئاستها، و كانت المملكة الحثيّة قد اتسعت و أضحت عاصمتها كركميش، الواقعة على الفرات جنوب جبال طوروس، و هي التي ستعرف في ما بعد بجرابلس، و أصبحت المملكة الحثيّة الدولة الأقوى في منطقة غربي آسيا.

في هذا الوقت ظهرت حول المدن التي لم يكن الحثيون قد احتلّوها بعد، عصابات من القبائل التي عرفت بالخبيرو، و راحت تشنّ الغزوات على المدن و خراجاتها ناهبة سالبة مدمّرة عائثة فسادا. في الوقت ذاته اغتنم بعض أمراء العموريّين، أبناء أعمام الكنعانيّين- الفينيقيّين الساميّين، هذا الوضع العكر، و راحوا يحاولون اصطياد الغنائم. و كان من جملة هؤلاء" عبد أشيرتا" الذي كان يتولّى إمارة عموريّة عند أعالي العاصي، و قد لعب على حبلي الولاء للحثيّين من جهة، و للفراعنة من جهة ثانية، ليتمكّن من تحقيق مطامعه الإنتهازيّة، و قد تمكن عبد أشيرتا، بفضل دهائه، من السيطرة في البداية على الإمارات المجاورة له، ثمّ راح يتوسّع باتّجاه الشاطئ، و تمكّن العموريّون، على يده و إبنه" عزيزو"، من الإستيلاء تباعا على قطنة و حماة و دمشق ثمّ على أرواد و شكّا و أنفة و البترون، و أخيرا سقطت بيدهم سميرا الواقعة على الشاطئ الفينيقي شمالي أرواد، و التي كانت مقرّ العامل المصريّ أنذاك، فأصبحت جبيل التي كانت تعتبر أنّ سميرا تابعة لها، شبه مطوّقة.

28

عبثا حاول حاكم جبيل الموالي لمصر: ربّ عدي، أن يحصل على النجدة من الفراعنة لصون مدينته من الغزو، فقد حفظت لنا رسائل تل العمارنة حوالى خمسين رسالة متلاحقة بعث بها الحاكم الجبيليّ إلى الفرعون المصريّ يحثه فيها على التدخّل لحماية المدينة دون جدوى، و قد حقّق في هذا الحدث المؤرخ اللبنانيّ الكبير الدكتور فيليب حتّي، و استخلص ما أسماه ب" مأساة رب ادّي" (أو عدي) على الشكل التالي:

" بعث رب أدّي، صديق مصر، الرسالة تلو الرسالة، ينعي فيها على عبد أشيرتا (الكلب) و ابنه عزير و خيانتهما و يلتمس منه العون. و لكنه لم يلق من مصر جوابا. و أرسلت مدينة بيروت(BI -RU -TA) و صيدا(SI -DU -NA) رسائل تطلب فيها إلى فرعون مصر أن يسرع إلى نجدة جارتهم إلى الشمال، جبيل، التي أصبح الضغط على أميرها شديدا. و لدينا آجّرة- و لكنّها مشوّهة تصعب قراءتها- فيها ذكر لعامل مصر الذي وعد بأن يرسل مراكب و عساكر على جناح السرعة لصد الأموريّ (العموريّ) المغتصب، و لكن هذا الوعد لم يتحقّق. و قد تحسّس أمنحوتب مرّة فأرسل فرقة من جيشه- عوضا عن أن يرسل جيشا كبيرا يسير في مقدّمته كما كان يفعل سلفه طحوتموس- تمكّنت من استرداد مدينة سميرا وقمعت الثورة و لو لوقت قصير. و لكن الفرقة كانت صغيرة فلم تستطع أن تقف في وجه الخطر المداهم من الشمال: خطر الحثيّين. و إن موت عبد أشيرتا قتلا لم يغيّر في الوضع شيئا، فإنّ أبناءه، و على رأسهم عزيرو، ساروا في خطوات أبيهم و اتّبعوا الأساليب المكيافيليّة ذاتها. و لم يتغيّر الوضع السياسيّ في مصر، ففي هذه الأثناء تسنّم أخناتون عرش مصر سنة 1377 ق. م. فازدادت الحالة سوءا على سوء. و أخذ ربّ أدّي، أمير جبيل، يرسل الرسائل إلى فرعون مصر ذاكرا فيها خبر الكوارث‏

29

و المصائب، يقول:- كان ملوك كنعان في ما مضى من الزمان إذا رأوا جنديّا مصريّا ولّوا الإدبار. أمّا الآن فإنّ أبناء عبد أشيرتا يهزأون بالشعب المصريّ، و يهدّدوني بأسلحة مريعة-. و بعد فترة قصيرة وقعت" ألّازا" و" أرداتا" في قبضة عزيرو، و نصف مدينة أو غاريت التهمتها النيران، و استردّ سميرا و هدّمها تهديما كاملا مدعيا أنّه فعل ذلك كي لا تقع في أيدي الحثيّين.

في هذه الأثناء كان رب أدي قد فقد رشده و أعياه اليأس. فقد كان رسله إلى مصر يعودون بخفّي حنين. حتّى أن أخاه كان يدبّر مؤامرة مع أبناء عبد أشيرتا لقلب الحكم في جبيل. و كان يشعر، كما يقول هو ذاته،- أنّه حبيس كعصفور في قفص-، و ها هي أخته و أولاده يلجأون إلى أمير صور، أبي ملكي، الذي لم يكن قد انضمّ إلى سائر الأمراء الكنعانيّين الناقمين.

و كان أمير صور، كأمير جبيل، يبعث بالرسائل إلى مصر نادبا فيها حظّه و متوسّلا ملكها ليبعث إليه بالعون، و لكن دون جدوى. و أخيرا دبّ اليأس إلى قلب هذا الأمير الشجاع (رب عدي) الأمين، فهجر مدينته جبيل و لجأ إلى بيروت. و كان حاكم بيروت" عمونيرا" ذا قرابة له عن طريق المصاهرة. أمّا زوجته و أبناؤه فقد سلّموا جميعا إلى عزيرو ... و عندما أصبحت بيروت ذاتها مهدّدة، غادرها أمير جبيل و سار جنوبا نحو صيدا، و لكنّ أمير صيدا، زمريدا، كان قد تنكّر للحلف المعقود بينه و بين مدن الشمال برئاسة جبيل، و انضمّ إلى العموريّين، و بذلك وقع ربّ أدي بقبضة الذي كان هاربا من وجهه: عزيرو، و لقي حتفه بسبب شهامته و وفائه للمصريين".

قبل أن يستشهد رب عدي، و الذي ذكره حتّي غالبا باسم رب إدي، كانت جبيل قد سقطت بأيدي العموريّين الغزاة الذين أحرقوا المدينة بعد أن نهبوها.

30

بقيت جبيل رازحة تحت وطأة الإحتلال أكثر من ثلاثين سنة، و ليس لدينا أي أثر حسّي عن الأحوال الدقيقة للمدينة و أبنائها بخلال هذه الحقبة التي تلت سقوطها بيد العموريّين، و إن كان بوسعنا أن نستشفّ السيطرة الحثيّة عليها و مرورها بظروف ركود و جمود، و لا بدّ من أن يكون بعض الأموريّين قد اندمجوا مع جبيليّي تلك الحقبة الذين عفا عنهم الدمار، و لكنّنا لا نستطيع أن نعطي أيّ رقم عن عدد سكّان المدينة في ذلك الزمن، إذ ليس من مرجع أو مقارنة من شأنهما أن يفيدانا بشي‏ء حول هذا الموضوع.

في حوالى 1317 ق. م.، اعتلى العرش المصريّ شجاع ينتمي إلى الأسرة التاسعة، إنّه ستي الأول الذي أعاد إلى قومه روحه الوطنيّة و زهو طموحاته، و بعد أن أعاد تأليف الجيش و تعزيزه، شنّ الحرب على الحثيّين في مناطق احتلالهم في فلسطين و لبنان، فتمكّن من الإستيلاء على الشاطئ حتى تعدّى مدينة أرواد إلى سميرا، فعادت بذلك جبيل إلى الفلك المصريّ، و أصبحت أحيانا قاعدة لبناء المراكب للأسطول الفرعونيّ لقربها من موارد خشب الأرز. و انتهت الحملة المصريّة إلى صلح عقد مع الحثيّين دون أن يعيّن حقّ أيّ من القوّتين في السيطرة على مدن الشاطئ، فأصبحت بذلك جبيل، كما سائر المدن الفينيقيّة، في وضع عدم استقرار سياسيّ و اقتصاديّ، خاصّة و أنّ ذلك الصلح بدا و كأنّه هدنة موقّتة، كان كلّ من الفريقين يستغلّها لتعزيز قواه. و ما أن خلف رعمسيس الثاني أباه ستي الأوّل في حوالى 1301 ق. م. حتّى زحف بجيشه شمالا عبر الشاطئ اللبنانيّ، و منه اتّجه شرقا إلى منابع العاصي. و نحن نعتقد أنّ رعمسيس قد سلك طريق أفقا- العاقورة- اليمّونة خلافا لما يرى البعض من أنّه سلك طريق وادي الليطاني. على أيّ حال فقد تلاحم الجيشان على ضفاف العاصي في حوالى 1296 ق. م. حيث‏

31

تعرّض الفرعون لكمين حثّيّ كاد أن يودي بحياته، و يذكر بعض المؤرّخين أنّ الجبيليّين قد هبّوا إلى نجدة الفرعون إثر تعرّضه للكمين، و ساعدوا على فكّ الطوق عنه و عن جيشه، و أنّ الفرعون قد حفظ هذا الجميل لهم فأقام في جبيل زمنا أغرق خلاله ملوكها بالهدايا الثمينة التي وجدت في قبورهم.

لم يتمكّن المصريّون من اجتياز نهر العاصي نحو الحثيّين، و لم تتجاوز سيطرتهم الفعليّة منطقة الشاطئ رغم الحملات المتعاقبة التي استمرّت قرابة عشرين سنة كانت نهايتها سنة 1280 ق. م. عندما عقد المصريّون مع الحثيّين معاهدة صداقة و حسن جوار، و تعدّ هذه المعاهدة التي حفظتها رسائل تلّ العمارنة بنسختيها المسماريّة و الهيروغليفيّة، و التي بقيت سالمة حتّى اليوم، أقدم المعاهدات الدوليّة المكتوبة في العالم قاطبة، و هي تنصّ على إحلال السلام إلى الأبد بين القوّتين، و على الإعتراف بشمال سورية و بلاد العموريّين بلادا حثيّة، و بجنوب سورية و مدن الشاطئ اللبنانيّ بلادا مصريّة، و هكذا عادت جبيل إلى الإستقرار في علاقاتها مع مصر من جديد.

لن تكون السيطرة المصريّة على جبيل هذه المرّة بذات شأن، فإنّ ظلّ السيادة المصريّة قد أخذ بالتقلّص من جهة، و لم تكن الصلات معها من جهة جبيل و ديّة شفّافة مثلما كانت قبل بدء الحروب المتعدّدة الجنسيّات ذات المصالح و المطامح، فقد ظهرت في جبيل روح استقلاليّة نستشفّها لأوّل مرّة من خلال نقش كتابيّ من رسائل تلّ العمارنة، هو تقرير بعث به رسول الفرعون الذي كانت مهمّته الحصول على خشب الأرز من جبيل، و قد ضمّن المبعوث تقريره الشكوى من أنّه قضى تسعة عشر يوما في ميناء أمير جبيل- زكر بعل- الذي كان يرفض مقابلته صراحة و يردّ على طلبات المقابلة الملحّة عبر حرّاس الميناء بقوله:" فلينصرف عنّي". و يبدي الرسول خوفه من أن‏

32

يأمر أمير جبيل بقتله في أيّة لحظة. و يذكر أنّه كان يقصد شاطئ البحر ليقضي الساعات هناك جالسا يندب حظّه. و يتّضح من خلال التقرير أنّ سبب جفاء الأمير الجبيليّ للرسول المصريّ كان عدم حمل هذا الأخير المال الكافي لدفع ثمن الخشب المطلوب، و في محاولة منه لاستمالة الأمير أرسل له الرسول جارية مصريّة مغنّية لترفّه عنه، ثمّ بعث له بغلام يرجوه السماح له بالمواجهة، و بعد كلّ هذه المحاولات الدبلوماسيّة الذليلة تعطّف الجبيليّ و استقبل المبعوث في عليّته القائمة على الميناء مباشرة فوق البحر، و نافذتها تطلّ على مكاسر الموج، و بادر المبعوث بتعال لافت إذ قال له:" إعلم أنّي لست بخادم لك و لا للذي أرسلك إليّ، أنا إذا ناديت لبنان تتفتّح السماء و تتدحرج جذوع الأرز من جبال لبنان إلى هذا الشاطئ"، و عبثا حاول المبعوث المصريّ تليين موقف الأمير الذي لم يوافق على تلبية طلبه إلّا بعد أن استلم كامل ثمن الخشب مالا و ورق بردي. عندها أرسل الأمير الجبيليّ ثلاثمائة رجل معهم ثلاثمائة ثور لتأمين جذوع الأرز التي كان الفرعون يبغي بناء سفينة للإله" رع" بخشبها.

إستقلال وسط التحولات الإقليمية

من شأن الشكل الذي تعامل به حاكم جبيل مع المبعوث المصريّ أن يوحي بأنّ سلطة ذلك الحاكم كانت مطلقة، و بأنّ النظام الذي كان قائما في جبيل كان ما يمكن تسميته بلغة اليوم بالتظام الرئاسيّ، و لكنّ هذا الإستنتاج ليس حقيقيّا، فإنّ طريقة الحكم في المدن الفينيقيّة، و خاصّة جبيل، كانت شوريّة على مرّ التاريخ، فكان القاضي الأوّل، هو نفسه الكاهن الأكبر، و كان له اعتبار جدّ مميز لأنّه ذو حقّ إلهيّ، بصفته متحدرا من سلالة الآلهة بحسب المعتقد، و لكنّه لم يكن متفرّدا في حكمه، فقد كان هنالك" مجلس شيوخ" ذكرته‏

33

التوراة منذ أقدم العهود بإشارتها إلى- شيوخ جبيل-. و لسنا نعرف مجلس شيوخ في التاريخ أقدم من المجلس الجبيليّ، و كان هنالك ما يشبه مجموعة السلطة الحاكمة التي كان قوامها أصحاب المال و جماعات التجّار و قباطنة الملاحة، بل نلاحظ أيضا أنّ نوعا من الديموقراطيّة كان يفرض بظلّه على السلطة، ففي نقش على ناووس الملك الجبيليّ" يهاف ملك إبن يهاف بعل" الذي كشفت عنه الحفريّات، دعاء ينتهي بأن يحوز الملك بعد الموت" على رضى إلهه و رضى شعبه"، و ذلك دعاء لا يصدر عن ملك ليس لدى شعبه أيّة سلطة.

و هنالك إشارات أخرى إلى مكانة الشعبّ في المجتمع الجبيليّ، منها أنّ بيوت العامّة و مدافنهم لم تكن ذات فارق يذكر عن بيوت أكابر المجتمع.

و بالإمكان اعتبار أنّ نظام الحكم القرطجنّي الذي اقتبسه الرومان، و من ثمّ نشروه في العالم المتمدّن، إنّما هو امتداد لنهج الحكم الصوريّ المنقول حكما عن أمّ المدن الفينيقيّة: جبيل.

كانت جبيل، كما سائر المدن الفينيقيّة، قد أخذت تنعم باستقلال تامّ بعد المعاهدة المصريّة- الحثيّة في أواخر الألف الثالث عشر قبل الميلاد، عندما كانت شعوب مختلفة تتدفّق على منطقة الهلال الخصيب من كافّة الجهات البريّة و البحريّة. فقد اجتاحت القبائل الآراميّة سورية و العراق و شمالي الجزيرة العربيّة، و نتعرّف أوّل ما نتعرّف على هذه القبائل البدويّة الرحّل، التي قصدت المنطقة طلبا للماء و المرعى، في الجزيرة العربيّة في حوالى الألف الخامس عشر ق. م.، و قد نزلت مجموعات متعدّدة من هذه القبائل شواطئ الفرات الأوسط، و من هناك اتّجهت غربا نحو فلسطين و لبنان و سورية، حيث سيطرت على تلك المناطق سيطرة تامّة بعد أن طردت منها

34

من طردت، و اندمج من تبقّى من السكّان السابقين من عموريّين و حوريّين و حثيّين بالشعب الجديد. أمّا الجبل اللبنانيّ فقد بقي سدّا منيعا في وجه التغلغل الآراميّ غربا، فبقي سكّان جبال لبنان بمنأى عن الإجتياح الذي لم يصب جبيل و سواها من ممالك الساحل بشي‏ء.

من جهة أخرى عبرت البحر الإيجي قبائل الباليستوPELSTE أوPULASTE أوPURASTI و هي القبائل التي شكّلت الشعب الذي عرف بالفلسطينيّ، و هي تنتمي إلى العرق الهندو- أوروبيّ، فوصلت الشاطئ السوريّ مجتاحة مدنه الساحليّة اجتياحا بربريّا صاعقا، فخرّبوا و أبادوا من جملة ما أبادوه أقصى المدن الكنعانيّة- الفينيقيّة شمالا: أو غاريت، و لا ندري كيف سلمت جبيل و سائر مدن الشاطئ اللبنانيّ من شرّ هؤلاء الغزاة الذين وصلوا إلى حدود مصر حيث صدّهم رعمسيس الثاني (1200- 1179 ق. م.)، و لكنّ فلولهم المتراجعة تمكّنت من إنشاء موطن لهذا الشعب على الشاطئ الجنوبيّ بين غزّة ويافا، و من هناك أخذوا بالتوسع شرقا.

و بينما كان الآراميوّن في الشرق الشماليّ، و الفلسطينيّون في الشمال الغربيّ يوطّدون أركان موطن كلّ منهما، و كانت جبيل و المدن الفينيقيّة الأخرى لا تزال ناعمة بالهدوء و الإستقلال متّقية شرّ الإجتياح، دخل العبرانيّون من مصر وراحوا يتغلغلون في بلاد كنعان. و هكذا بدأ صراعهم مع الفلسطينيّين الهندو- أوروبيّين، حيث تمكّنوا في النهاية من إنشاء مملكة داود قبل بدء الألف الأخير ق. م.

وسط هذا التدفّق الشعوبيّ الغريب في خلال القرنين الثاني عشر و الحادي عشر قبل الميلاد، وحدها المدن الفينيقيّة الواقعة على شاطئ لبنان بقيت أصيلة مستقلّة، بينما أصبح باقي المنطقة التي عرفت بالهلال الخصيب‏

35

موزعا بين العموريّين و الكنعانيّين و الحوريّين و الحثيّين و الآراميّين و الفلسطينيّين و العبرانيّين، و لم يعد للمصريّين أيّة مناطق نفوذ.

في هذه الحقبة من التاريخ، أصبح الجبيليّ، كما و سواه من أبناء مدن الشاطئ اللبنانيّ، بوضع عزلة عن محيطهم، ما يدفعنا إلى الظنّ بأن الفينيقيّ لم يجد له سوى البحر منفذا للطموح، و يعتبر الباحثون أنّ الفينيقيّين قد نشطوا، في ذلك العصر الواقع في بداية الألف الأخير قبل الميلاد، في أعمالهم البحريّة، فكانوا روّاد اكتشاف العوالم الجديدة. أمّا جبيل تخصيصا، فقد خسرت بريقها التجاريّ أمام المدن الفينيقيّة الفتيّة نسبيّا، خاصّة صيدا و صور، غير أنّها، من جهة أخرى، حقّقت مكانة منقطعة النظير على صعيد الدين. إذ إنّ البعلة التي كانت تختصّ بها مدينة جبيل منذ القدم، سوف تصبح معبودة الأمم، و سوف تصبح مدينة جبيل و محيطها محجّ المؤمنين و قبلة أنظارهم.

جبيل عاصمة دينية

قبل أن يحلّ الألف الأوّل السابق للميلاد، كان الشعب الفينيقيّ- الكنعانيّ قد بلغ مرحلة جدّ متقدّمة على الصعد الحضاريّة كافّة، فكريّا و علميّا و فنيّا و اجتماعيّا و سياسيّا و اقتصاديّا.

على الصعيد الفكريّ، حقّق الفينيقيّ تعمّقا و سموّا بعيدين بعد أن أوجد الجبيليّ الحرف الكتابيّ، فبذلك أصبح تبادل الأفكار العلميّة و الدينيّة متاحا بسهولة مع الحضارات الأخرى، خاصّة و أنّ الفينيقيّ كان متمكّنا كلّ التمكّن من الأسفار عبر البحار بل كان سيّدها، و لسوء حظّنا فإنّ الجبيليّ كان يكتب على ورق البردي القابل للتلف، ما حرمنا من آثار كتاباته في تلك الحقبة،

36

غير أنّ التفاعل الفكريّ يظهر جليّا في الدين، بحيث أنّ العنصر الأساسيّ في ذروة المعتقدات الدينيّة عند الفينيقيّ، كان تأليه الخصب، و هذا المعتقد عمّ جميع ديانات الشعوب الساميّة، و يبدو واضحا أثر المعتقد البابلي في المعتقد الساميّ، كما يبدو تأثّر هذين الدينين بالدين المصريّ، و في الدراسة المتعمّقة لهذه الأديان الثلاثة و للدين الإغريقيّ في ما بعد، يظهر بوضوح أن وسيطا ما، كان له فضل تفاعل حضارات تلك الشعوب مع بعضها البعض، و لا يمكن أن يكون ذلك الوسيط غير الفينيقيّ البحّار الجوّال التاجر المبدع الذكيّ الخلاق.

إلى جانب التجارة و الدين و الفكر، كان الفينيقيّ يحمل معه الفنون ذهابا و إيابا، و قد سما الجبيليّ برسم أشكال عدد من الأزهار المحليّة على الحلى و الأسلحة و المركبات إلى مستويات رائعة، و قد وجدت آثار و بقايا لتلك الرسوم المنقوشة في جبيل، كما في مصر و سواها من المراكز التي تعرّضت للحفر و الدراسة. حتّى أنّ الفينيقيّين عموما، و لا يمكن أن يكون الجبيليّ قد شذّ عن ذلك، ابتكروا، من جملة ما ابتكروه، صنع الأزهار الإصطناعيّة من الزجاج و المعدن، و قد وجدت في حفريّات جبيل و مصر نماذج من أجرار لها قعر حادّ صنعها الجبيليّ لنقل الصمغ و القار و العسل و الزيت، لم يتمكّن المصريّون من تقليده قبل القرن السابع ق. م.، و أقدم العاديّات الفينيقيّة عند الإغريق تعدّ تقليدا متأخّرا للفنون الفينيقيّة كما تشهد الآثار و تؤكّد الدراسات.

كذلك اقتبس العبران عن هذا الشعب كلّ ما يمكن وضعه تحت خانة الفنون و الصنائع، بما في ذلك صنع المجوهرات و الحلى و الأسلحة و الجرار و القدور، فالفينيقيّون هم الذين سوف يزخرفون قصر آخاب (875- 853 ق. م.) في السامرة بنقوش العاج ليعرف القصر بقصر العاج. و هم الذين‏

37

كانو قد زخرفوا بالعاج القصر الذي وجد في مجدو، و الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد. و تدلّ النماذج المكتشفة على أنّ الفينيقيّين قد برعوا في زخرفة العاج بشكل ينمّ عن الدقّة و الذوق الرفيع، و تعدّ العاديّات من هذه القطع من أثمن العاديّات الشرقيّة و أنفسها.

و كانت طقوس العبادة الفينيقيّة تشمل الغناء و الموسيقى، و إنّ جبيل التي سوف تتبوّأ المركز الدينيّ الأهمّ بين سائر المدن الفينيقيّة أعارت الموسيقى و الغناء اهتماما خاصّا، و يذكر الباحثون أن ألحان الفينيقيّين و أدوات موسيقاهم قد انتشرت في جميع بقاع المتوسّط. و أنّ أسماء أدوات الموسيقى في اللغة المصريّة القديمة تعود في أصلها إلى كلمات ساميّة. و كما اقتبس المصريّون الموسيقى عن الفينيقيّ- الكنعانيّ، كذلك فعل العبرانيّون و الإغريق، و عندما رقص داود أمام تابوت العهد إنّما كان يقوم برقصة كان يمارسها الفينيقيّون في عبادة أدونيس في جبيل. و قد بلغ الفينيقيون شأوا فنيّا عاليا في صنع الزجاج و زخرفته، لا بلّ إنّ العلماء المتخصّصين يعيدون أصل صناعة الزجاج إلى الفينيقيّين. و في الحقبة نفسها شاعت أعمال غزل الصوف المحلّي و حياكته في هذه النقطة المبدعة من العالم، كما حاكوا خيط الكتّان و صنعوا الكتّان من القنّب المحلّي، أمّا صباغ الأرجوان الذي تؤكّد الآثار على أنّه كان معروفا منذ منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، و إن كان الجبيليّ قد عرفه حتما، إنما البراعة و الشهرة فيه تعود إلى صور.

و إنّ الجبيليّ الذي راد البحار بمراكبه، ما كان ليتمكّن من ذلك لو لم يكن قد حقّق معرفة أساسيّة بعلم الفلك، فلم يكن التنبّؤ بأحوال الطقس هو الضرورة العلميّة الوحيدة لتمكّنه من الملاحة البعيدة المدى، بل كان من الضرورات الأساسيّة الشرطيّة أن يتقن قراءة خارطة السماء: النجوم. و لا

38

مندوحة عن اعتبار أن الجبيليّ هو الذي اكتشف نجمة القطب الشماليّ ليتمكّن من تحديد الجهات، و إن يكن الإغريق قد سمّوا في ما بعد هذه النجمة بإسمهم. كما أنّ أطرزة السفن التي صنعها الجبيليّون و تطوّر أشكالها تنمّ عن نزعة علميّة أكيدة عند ذلك الشعب المذهل. و تؤكّد الدراسات الحديثة على أن الجبيليّين هم أوّل من أعطى شعوب الأرض فنّ الملاحة، فبعد المصريّين، أقتبس الإغريق عن الفينيقيّين فنون الملاحة و صناعة المراكب، و كذلك فعل العبران الذين علّمهم الصوريّون في ما بعد كيفيّة الإبحار.

و إذا كانت اقتصاديّات المدن الفينيقيّة التي نشأت في زمن متأخّر عن زمن نشوء مدينة جبيل، قد تركّزت على الفنون و التجارة و الملاحة، بعد أن كانت جبيل قد عبّدت الطريق لكلّ هذه الأنشطة الحضاريّة، فإنّ الجبيليّ قد أعطى الزراعة منذ البدء اهتماما كبيرا لأنّ اقتصادياتّه قد اعتمدت عليها في الأساس. و يستخلص الباحثون أنّه كان للزراعة، التي كانت الأساس في صراع الجبيليّ من أجل البقاء، أبعد الأثر في العقيدة الدينيّة عند الفينيقيّ.

نجد أوّل ما نجد من آثار للعبادة الجبيليّة القديمة، هيكلا للإله" رشف بعل"، و قد وجدت آثار هذا الهيكل في الطبقة الثانية من الحفريّات التي تعود إلى ما بين 3800 و 3200 ق. م.، و إسم رشف بعل يعني: النار و النور، و هذا يدلّ على أنّه كانت لذلك الإله علاقة بالشمس، و ليس بالنّار كما يظنّ البعض.

فإنّ تطوّر الديانة الجبيليّة في ما بعد سوف يدلّ على أنّ فكرة موت إله الخضرة في الصيف و قيامه في الربيع كانت تقرن بقوّة الشمس و حرارتها و انتصارها على الشتاء.

أمّا الهيكل الأقدم في جبيل، و الذي سيستمرّ وجوده طوال الحقبة السابقة للمسيح، فهو هيكل بعلة جبيل. و قد كان لكلّ مدينة فينيقيّة في ذلك الزمان إلهة

39

بعلة، غير أنّ اسم البعلة كان يبقى سرّا و لا يذكر احتراما و إجلالا، ما جعل أسماء البعلات تندثر و تنسى مع مرور الزمن، غير أنّ بعلة جبيل احتفظت بإسمها: عشترت، و هي التي سيصبح اسمها: عشتروت؛ و زوجها أدون، الذي سيعرف في ما بعد بإسم أدونيس.

في هذه الحقبة من التاريخ الواقعة عند نهاية الألف الثاني ق. م.، و بينما كانت المدن الفينيقيّة على الشاطئ اللبنانيّ في حال استقلال وسط تقاسم شرق البحر الأبيض المتوسّط بين شعوب مختلفة، كانت أرواد و صور و صيدا تحقّق ازدهارا كبيرا على صعد الملاحة و التجارة و اكتشاف العالم الجغرافيّ و البشريّ و على صعيد الإستعمار، بينما كانت جبيل تتّجه نحو مكانة دينيّة مهمّة، إذ فيها نشأت الشعائر و الطقوس لإحياء ذكرى موت أدونيس و قيامته.

و من جبيل، انتشرت هذه العبادة، ففي مصر تصبح عشتر: إيسيس، و يصبح أدون: أوسيرس. و كان المعتقد السائد أنّ أوسيرس مصر قد قطّع إربا و دفن في أرض جبيل. و عند الإغريق أصبحت عشترت:ASTARTE ثمّ قرنوها بإسم إلهتهم أفروديت، و أصبح أدون: أدونيس، و هو الإسم الذي سيعمّ لاحقا.

و قبل أن يبدأ العدّ العكسيّ للألف الأخير قبل الميلاد، نجد جبيل قد أضحت عاصمة دينيّة للدين الفينيقيّ- الكنعانيّ من دون منازع، لمّا لم يكن الأشوريّون قد وصلوا في غزوهم إلى الشاطئ اللبنانيّ بعد.

في زمن أشور و بابل‏

أوّل ما نجد ذكرا لجبيل إبّان الفتح الأشوريّ في حوالى 1094 ق. م.، عندما زحف تغلث فلاصر الأوّل بجيشه من أعالي دجلة محاولا الوصول إلى شاطئ المتوسّط، فاحتلّ أرواد لبعض الوقت، و قد سارعت مدينتا جبيل و صيدا

40

إلى إرسال جزية إليه اتّقاء لشرّه، و حصل على كميّة من خشب الأرز ليبني هيكلا لآلهته. غير أنّ دخول الأشوريّين في هذه المرحلة لم يكن سوى غزوة خاطفة إذ لم يدم وجودهم طويلا. و دامت المنطقة في منأى عن خطرهم زهاء قرنين من الزمن حتى ظهور ناصر بال الثاني (883- 859 ق. م.) الذي اجتاح سورية سنة 879 ق. م. و دخل لبنان من الشمال عابرا الشاطئ دون أن يلاقي مقاومة تذكر، و قد دفعت جبيل هذه المرّة أيضا للفاتح الأشوريّ جزية، كما فعل سائر المدن الفينيقيّة، دون أن تخضع للسيطرة الأشورية التامّة. و في هيكل عاصمته ترك ناصر بال نقشا ذكر فيه، من بين ما ذكر، أنّ جبيل و سائر المدن الفينيقيّة قد دفعت له الجزية" ذهبا و فضّة و قصديرا و نحاسا و آنية نحاس و ثيابا كتّانيّة مزركشة زاهية الألوان و قرودا كبيرة و صغيرة و آبنوس و خشب الصندل و عاجا و أنياب بقر البحر".

و في سنة 855 ق. م. تحالف اثنا عشر ملكا من ملوك الكنعانيّين و الآراميّين و الفينيقيّين و العبرانيّين لاقتلاع الوجود الأشوريّ من المنطقة، غير أنّ معركة قرقر التي جرت بين الثائرين و شلمناصر في وادي العاصي لم تكن حاسمة، و قد انتقم الأشوريّون من المدن الفينيقيّة شرّ انتقام، و كانت جبيل أقلّ تضرّرا من سواها لأنّها لم تكن قد اشتركت في الثورة ضد أشور، و لكنّها استمرّت تدفع الجزية، إذ نجد أنّ ملكها" شتي- بعل" قد دفع الجزية للملك الأشوريّ" تغلث"، و كذلك فعل أحيرام الثاني الذي كان ملكا على جبيل و على صيدا و على المستعمرات الفينيقيّة في قبرص. و يعتبر بعض الباحثين أنّ جبيل تمتّعت في هذه الحقبة بمكانة خاصّة لدى أشور بسبب سياستها الحكيمة التي انتهجتها، و أنّ أفضل برهان على ذلك بروز سلطة ملكها أحيرام الثاني على صيدا و بعض المستعمرات. بينما اعترفت صيدا بالحكم الأشوريّ، و في زمن‏

41

لاحق، أصبحت صيدا و صور البريّة و عكّا تضع تحت تصرّف الأشوريّين أسطولا بحريّا يضمّ 800 بحّار لفرض الحصار على صور البحريّة الثائرة.

إلّا أن تلك المدن الجنوبيّة بقيت تتحيّن الفرص للثورة على الأشوريّين، و كانت في كلّ مرّة تسقط واهنة تحت ضغط القوّة العسكريّة العظمى، بينما استمرّت جبيل في سياستها المسالمة طوال مدّة السيطرة الأشوريّة على المنطقة، تلك السيطرة التي ينتهي زمنها في الربع الأخير من القرن السابع، مع ظهور الكلدانيّين الذين ورثوا أشور كما ورثوا سيادتها، و قد اتّبعت جبيل مع الكلدانيّين السياسة التي اتّبعتها مع أسلافهم الأشوريّين، بينما تابعت مدن الجنوب سياستها السابقة أيضا، و هكذا سوف تخرج جبيل من الحقبة البابليّة واهنة ضعيفة نسبيّا، و صيدا و صور شبه خربتين. و كان نشوء قوّة حربيّة جديدة عظمى في الشرق، و بدء اندفاع جحافلها نحو المتوسط، نذيرا بتطوّر دراماتيكيّ سوف يقلب كلّ شي‏ء. تلك القوّة العملاقة الجديدة كانت: فارس.

في العهد الفارسي: استقلال دون سيادة

أسّس" كورش" الأمبراطوريّة الفارسيّة في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، و وسّع حدودها إبنه" قمبيز"، و من بعده" داريوس". و بأقلّ من ثلاثين سنة غدت هذه الإمبراطوريّة الأوسع في تاريخ الشرق، إذ أصبحت تمتدّ شرقا من الهند إلى البحر الإيجي غربا، و من القوقاس شمالا إلى المحيط الهنديّ جنوبا. و قد قسّمت هذه الأمبراطورية الشاسعة إلى 20 أيالة، كانت الأيالة الخامسة منها تشمل لبنان و سورية و فلسطين و قبرص إلى الغرب، و كانت صيدا عاصمتها. و قسّمت فينيقية إلى أربعة أقسام تابعة لأربع مدن شبه مستقلّة: صيدا و صور و أرواد و جبيل. و قد حافظت هذه الأقسام التي تتمثّل بالمدن الأربع المستقلّة على نظام الملكيّة فيها. فقد كان لكلّ مدينة ملك‏

42

يسكّ النقود بإسمه. و قد احتلّ ملك صيدا المقام الأوّل في هذه المجموعة، تلاه ملك صور. و هكذا يظهر أنّ جبيل التي سالمت الأشوريّين و البابليّين قد خسرت شيئا من مكانتها أمام الفرس لصالح الذين كانوا ثائرين على الأشوريّين و الكلدان، صيدا و صور.

أعاد السلم الفارسيّ إلى المدن الفينيقيّة بدءا من أواخر القرن السادس ق. م. كثيرا من الرخاء. و كان جلّ نشاط الفينيقيّين في هذا العصر مساعدة الفرس في حروبهم البحرية ضدّ الإغريق، إلّا أن نجم جبيل و فعاليّتها كانا خابيين في هذه الحقبة التي برزت فيها صيدا و صور، و قد أصبح لقب صيدانيّين، و أحيانا صورانيّين، يطلق على جميع الفينيقيّين عموما. و عندما أسّست جاليات من المملكات المستقلّة مدينة طرابلس، لم يكن هنالك جالية من جبيل، بل اقتصر النشاط على صيدا و صور و أرواد.

غير أنّ الآثار الجبيليّة العائدة إلى تلك الحقبة تنمّ عن نشاط بارز على الصعيد الدينيّ، فقد أصبح هيكل البعلة أكبر بكثير ممّا كان عليه في العهود السابقة. كذلك ينمّ الأثر العمرانيّ عامّة عن تطوّر ملحوظ، فغدت البيوت أكثر رحابة و كثافة، و استمرّت المدينة تضرب نقدها في عهود ملوكها: أز- بعل، و أدرا- ملك، و أور- ملك، و عين- آل. و كان أوّل نقد ضربته جبيل يحمل على أحد وجهيه سفينة تمخر البحر، فوقها ثلاثة جنود بخوذهم الهلاليّة، و بأيديهم تروس مستديرة، و في الأسفل يبدو فرس البحر تحت السفينة. و على الوجه الآخر صورة نسر جاثم على كبش غنم. و في زمن لاحق استبدلت صورة النسر بصورة أسد يربض فوق فريسته التي تمثّل ثورا. ثمّ طوّر الرسم فأصبح يمثّل أسدا يصارع ثورا. ثمّ أضيف إلى النقوش صورة صفدة

43

الموريكس التي يستخرج منها صباغ الأرجوان. إلى أن بدأوا ينقشون صورة الملك الذي سكّت النقود في عهده.

مع بدء ظهور بوادر الوهن في جسم الدولة الفارسيّة الذابل قبيل منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، و إقدام العمّال الفرس على معاملة أهل البلاد بشي‏ء من الغطرسة و الإزدراء، بدا واضحا أن شهر العسل الذي امتدّ طوال قرن و ثلث قد شارف نهايته. و تدلّنا البقايا الجبيليّة على أنّ أهل المدينة كانوا في هذه الحقبة الحرجة يتعاملون مع الإغريق أعداء فارس تعاملا تجاريّا سافرا. و قد حاول بعض ملوك فينيقية الدخول في مواثيق صداقة مع الأثينيّين، و في الوقت نفسه أخذت جاليات فينيقيّة تستقرّ في بلاد الإغريق، لا سيّما في ميناء بيريه حيث كان لهم معابد و مقابر.

أخيرا، بدأت الثورة الفينيقيّة ضدّ الفرس في الحيّ الصيداوي في طرابلس سنة 360 ق. م.، و سرعان ما عمّت جميع الشاطئ اللبناني، و أعلنت جبيل و ثماني مدن فينيقيّة أخرى استقلالها عن الفرس بعد أن طردت عمّالهم و جنودهم من المدن، و انتقلت قيادة الثورة في ما بعد إلى صيدا حيث بدأ الإستعداد للمعركة الحاسمة.

في هذه الأثناء سارع القائد الفارسيّ" أرتحششتا" إلى ترك بابل على رأس جيش قوامه 200 ألف رجل، و جهّز في البحر 800 مركب، قاصدا تأديب الشاطئ اللبنانيّ، فتوجّه بادئ الأمر إلى صيدا قاصدا إخضاع قيادة الثورة، و لم ينفع استسلام ملك المدينة في إقناع الصيداويّين بعدم جدوى المقاومة، بل أغلقوا على أنفسهم المدينة و أحرقوها على رؤوسهم مفضّلين الإستشهاد على الإستسلام. هذا الحدث أرعب باقي المدن الفينيقيّة، بما فيها جبيل، التي استسلمت للغازي دونما قيد أو شرط.

44

في العهد الإغريقي‏

سنة 333 ق. م. فاجأ الفاتح الإغريقيّ الشابّ الإسكندر المقدونيّ العالم بسحق الفرس بالقرب من أيسوس في آسيا الصغرى. و من هناك أرسل كتيبة من الفرسان لاحتلال مقرّ أركان الفرس: دمشق، و اتّجه هو على رأس بعض جيشه نحو الشاطئ الفينيقيّ، حيث راحت المدن، ما عدا صور، تفتح له أبوابها، و استسلمت له جبيل دون مقاومة، و لم يمض وقت طويل حتى كانت السفن الجبيليّة، كما الصيداويّة و الأرواديّة، تشارك الإسكندر في حصاره الشهير لجزيرة صور الذي دام سبعة أشهر قبل أن يتمكّن من ردم البحر و الانقضاض على الجزيرة المدينة في أواسط شهر تموز من العام 332 ق. م.، و بذلك انتهى الدور العظيم الذي لعبته صور في التاريخ، بعد أن خلفها الإسكندر وراءه مدينة خربة محروقة شبه خالية من السكان.

إستنتج الباحثون أن النشاط التجاريّ الذي كان قائما بين الإغريقيّين و الفينيقيّين في زمن الإحتلال الفارسيّ، قد ازداد حيويّة و شموليّة بعد الفتح المقدونيّ، فقد رافق التجّار و البحّارة الفينيقيون حملات الإسكندر على بلوخستان (هي حاليّا المنطقة الجنوبيّة الغربيّة من باكستان.) و كان الجبيليّون في هذه الحقبة يساهمون من خلال تجارتهم بترويج البضائع الإغريقيّة في أسواق الشرق الأدنى، على أنّهم غدوا زعماء تجارة ورق البردى دون منازع، تلك التجارة التي ازدهرت في العصر السلوقيّ إذ استبدلت الكتابة على ألواح الآجرّ بالكتابة على ورق البردى.

كان للفتح الإغريقيّ تأثيره الملحوظ على حضارة جبيل و سائر المدن الفينيقيّة، فقد امتزجت الحضارتان الفينيقيّة و الإغريقيّة امتزاجا تفاعليّا في عمليّة أخذ و عطاء، و من جملة ما أخذه الإغريق من جبيل تبنّيهم للدين‏

45

الجبيليّ، و اقتباسهم لفنون تجاريّة دوليّة أتقنها الجبيليّ منذ القدم، و تعرّفهم إلى سلع و بضائع و حجارة كريمة جديدة لم يكونوا قد عرفوها من قبل. غير أنّ اللغة الإغريقيّة سوف تصبح اللغة الرسميّة، و إن كان الناس سيحافظون على لغة البلاد حتّى مجي‏ء العرب.

بعد موت الإسكندر بداية صيف 323 ق. م. و اقتسام إمبراطوريته بين قوّاده الذين سرعان ما اختلفوا و تحاربوا، أصبحت جبيل كما سائر مدن المنطقة عرضة للتجاذب بين القوى المتحاربة، و كانت صيدا قد احتلّت مركزا أوّل بين مدن الساحل في عهد أحد خلفاء الإسكندر: بطليموس (286- 198 ق. م.). إلّا أنّه قبل أفول العهد السلوقيّ كانت جبيل قد نالت استقلالها في حوالى 124 ق. م. و سكّت نقودا بإسمها.

حافظت جبيل على مركزها الدينيّ الطليعيّ في العهد السلوقيّ، حتى أنّ طقوس عبادتها قد طغت على طقوس عبادة الإغريق عند هؤلاء، و أصبح معبد أفقا محجّ اليونان المتعبّدين.

في هذه الأثناء كانت جبيل و مدن الشمال اللبنانيّ تعاني غزوات الأيطوريّين، و هم قبائل عربيّة ناطقة باللغة الآراميّة، أسّست لها مملكة مستقلّة لا تعترف بسلطة السلوقيّين في البقاع عاصمتها عنجر. وراح الأيطوريّون يتسلّلون إلى الشاطئ اللبنانيّ حتّى أسّسوا لهم مدينة بجوار رأس الشقعة، و خرّبوا بساتين بيروت و جبيل، و قد عرف هؤلاء باللصوص المحترفين.

كلّ هذا كان يجري وسط فوضى مهلكة دبّت بالدولة السلوقيّة بسبب حروبها الداخليّة من جهة، و حروبها مع جميع شعوب المنطقة الثائرة لنيل استقلالها.

46

في العهد الروماني‏

عند دخوله إلى لبنان سنة 64 ق. م. زاحفا من الشمال بعد أن أخضع سورية، سارع بمبيوس إلى ملاحقة العصابات الأيطوريّة حيث وجدت، فدمّر قلعتهم في" وجه الحجر" قرب البترون، و قوّض أبنية البترون بسبب لجوئهم إليها، و دخلت قوّاته جبيل و طهّرتها من هؤلاء كما طهّرت طرابلس.

و أصبحت جبيل تحت حماية الرومان. و بعد أقلّ من سنة كانت المعاهدة الرومانيّة التي فرضت السلم و حافطت على حريّة المعتقد و فرضت الجزية و الخراج بشكل منظم على المدن و الممالك.

و في جبيل، كما في سائر مدن الساحل، فرض الرومان حكما شوريّا، فأصبح مجلس المدينة، المؤلّف من أشراف البلدة، يشارك الملك أو الحاكم في الإدارة، فحدّ الرومان بذلك من السطة المطلقة. و كان من شأن هذه التنظيمات أن أدّت إلى سلام و استقرار، و عندما قدم القيصر إلى المنطقة سنة 47 ق. م.، لاقى من مدن الساحل الفينيقيّة ترحيبا كريما، ما جعله يعفيها من بعض الضرائب و يمنحها مزيدا من الإستقلال. و في عهد أوغوسطس (63 ق. م.- 14 م.) نالت جبيل و البترون امتيازات هامّة، و قد كرّمت المدينتان انتصار أو غسطس على خصمه أنطونيوس (31 ق. م.) بإصدار كلّ منهما عملة مؤرّخة بيوم الإنتصار. و قد خلّدت جبيل هذا التاريخ في كتابة أثريّة تعرف ب" كتابة البلاط".

أنشأ الرومان العديد من المشاريع التي لاتزال آثار المنطقة تحفظ بعض بقاياها، منها قناة الريّ التي جلبت المياه من نهر ابراهيم إلى جبيل، و منها سكّة الساحل الفينيقيّ التي كانت تصل المدن ببعضها، و طريق جبيل بعلبك عبر العاقورة فاليمّونة. و من أهمّ بقايا الرومان الظاهرة في جبيل الملعب‏

47

الروماني (الأمفيتياتر) داخل سور القلعة. و يعتبر باحثون أنّ القيصر أدريانوس (117- 138 م.) قد زار مدينة جبيل و معابد الزهرة في أفقا، و يستشهدون على ذلك بالكتابات المنتشرة في الوهاد الواقعة في مقاطعات العاقورة و تنّورين و قرطبا و جاج و ترتج و سواها، و هي كتابات منقوشة على صخور، خطّ فيها مرارا إسم أدريانوس بحروف يبلغ ارتفاعها حوالى 35 سم.

إلّا أنّ إقدام الرومان على جعل بيروت مستعمرة لهم وضعها في مكانة جدّ متقدمة على سائر المدن الفينيقيّة. و كان لاحتكار الرومان لأربعة أصناف من الأشجار: العرعر و الأرز و السرو و الصنوبر، و منع أيّ كان من قصّها، فعل القضاء نهائيّا على تجارة الأخشاب من قبل جبيل، تلك التجارة التي كانت على أيّ حال مهدّدة بالتوقّف بسبب انقراض الغابات التي كانت تقطع أشجارها دون أن يزرع غرس جديد.

في التقسيم الإداريّ الرومانيّ الأوّل الذي جرى في عهد سبتيموس سفريوس (193- 211 م.) أصبحت منطقة الهلال الخصيب بين 194 و 198 م. مقسّمة إلى قسمين: شرقيّ و يضمّ سورية المجوفة، و غربيّ و يضمّ فينيقية، و كانت جبيل، بطبيعة الحال، تابعة للقسم الغربيّ.

في حقبات لاحقة تعدّدت التقسيمات إلى أن قام ثيودوسيوس الثاني (401- 405 م.) بفصل فينيقية الشرقيّة عن فينيقية البحريّة، و جعل الأولى مستقلّة، أمّا الثانية، و هي التي عرفت بالبحريةMARITIMA ، فقد بقيت تابعة للحكم الرومانيّ، و كانت عاصمتها صور، و من مدنها الرئيسيّة عكّا، و صيدا، و بيروت، و البترون، و طرابلس، و عرقة، و أرواد، إضافة إلى جبيل. و بقي هذا التقسيم على حاله حتّى الفتح العربيّ. أمّا على صعيد اللغة، فقد زادت سيطرة

48

اللغة الإغريقيّة في العهد الرومانيّ على اللغات الساميّة المحليّة، و نجد أن النقوش الكتابيّة في جبيل و محيطها، كما في جميع الأنحاء الفينيقيّة قد أصبحت إغريقيّة، و إن كانت لغتها في بعض الأحيان ركيكة و كثيرة الأخطاء، كما في غير نقش، ما يدلّ على أنّ النحّات كان يرسم الحرف دون أن يتقن اللغة.

مع هذا التطور في اللغة، أصبح الفينيقيّون مهيّئين أكثر فأكثر للتجارة مع الغرب، و تذكر المدوّنات أنّ تجارتهم قد ازدهرت في هذه الحقبة كما لم تزدهر لا من قبل و لا من بعد. و كان الكتّان الجبيليّ، المصنوع من خيوط القنّب الذي كان يزرع محليّا، من البضائع التي لاقت أهميّة خاصّة عند الرومان، حتى أنّهم خفّضوا الضريبة على الكتّان الجبيليّ و الصوريّ و اللاذقانيّ. و مع الإقبال من جديد على الصناعات الخشبيّة و ظهور خطر انقراض الأشجار، جدّد الرومان أنظمة حماية الأحراج الذي وضعه أسلافهم اليونان، غير أنّ جبيل بقيت تستفيد، و إن إلى حدّ، من أخشاب الأرز و سواه من الصنوبريّات.

على الصعيد الدينيّ توسّعت العبادة الجبيليّة حتّى غزت روما، حيث شاعت عبادة أدونيس بين عامّة الناس، و انتشرت حدائق الإله الجبيليّ في كافّة أنحاء روما، حتّى وصلت إلى إشبيلية و إسبانيا، و في نابولي و مدن أغريقيّة عديدة و في جزر الأرخبيل في البحر الإيجي. و قلّما تجد بلدا أوروبيّا خاليا من أثر فينيقيّ يعود إلى العهد الرومانيّ بلبنان، ما يدلّ على الشأو الذي بلغه الفينيقيّون في هذه الحقبة و على المدى المفترض أن تكون جبيل قد بلغته في ازدهارها.

في الوقت نفسه شهدت المدن الفينيقيّة تطوّرا حضاريّا ملحوظا على الصعيد الفكريّ، و إذا كانت جبيل لم تنجب مثلما أنجبت صور و صيدا من‏

49

فلاسفة و بلغاء، فهي قد أهدت العالم مؤرّخا فذّا رائدا كان له الفضل في حفظ معلومات نادرة و دقيقة عن حضارة المنطقة في حقب مظلمة من التاريخ، إنّه" فيلو الجبيلي" الذي عرف عند الغربيّين بإسم‏PHILO OF BYBLOS و الذي عاش بين 64 و 140 م.، فقد وضع هذا المؤرّخ الجبيليّ الشهير مؤلفا قيّما بموضوع ميثولوجيّ تضمّن القصص التي كانت تدور حول خلق العالم و حول الدين الفينيقيّ و نشوء المدن الفينيقيّة، معتمدا مصدرا بالغ الأهميّة، هو سنكون ياتون‏SANCHUNIATON البيروتيّ الفينيقيّ، و بقي الباحثون يعتقدون طيلة قرون أنّ مرجع فيلو الجبيلي: سينكون ياتون، هو شخصيّة خياليّة و هميّة اخترعها الجبيليّ لتعزيز قيمة مؤلّفه، إلى أن جاءت اكتشافات أو غاريت سنة 1923 لتبيّن أنّ سنكون ياتون هذا إنّما شخصيّة حقيقيّة فينيقيّة من بيروت، عاش في القرن السادس قبل الميلاد و دوّن الكتابات التي اعتمد عليها الجبيليّ.

و قد دلّت النقوش الأوغاريتيّة على أنّ التاريخ الذي وضعه فيلو الجبيلي فيه كثير من الصحّة. و عندما أشرقت بوادر بشرى الخلاص في سماء الشرق بمولد السيّد المسيح في بيت لحم، كانت جبيل في أوج مكانتها الدينيّة الوثنيّة.

المسيحية في عرين أدونيس‏

عند بداية انتشار المسيحيّة شمالا نحو فينيقية اللبنانيّة، كانت جبيل تشكّل أحد مركزي العبادتين الشائعتين في المنطقة آنذاك: عبادة الإله السامي هدد- رمّون الذي تحوّل إلى إله إغريقيّ- رومانيّ فأصبح المشتري، و هو جوبيتير، و هو نفسه زفس، و كان المركز الأوّل الرئيس لتلك العبادة هيليوبوليس مدينة الشمس بعلبك؛ و عبادة أدون- عشترت، التي تحوّلت إلى أدونيس- عشتروت، أو فينوس، و مركز عبادتها الأوّل الرئيس جبيل. لذلك، و لأنّ صور و صيدا أقرب إلى مكان مجي‏ء المسيح من جبيل، فقد تأخّرت جبيل عن مدن الجنوب‏

50

و بيروت في دخول المسيحيّة إليها. فبينما السيّد المسيح زار صيدا و صور و جوارهما، و مريم العذراء رافقت ابنها إلى جوار صيدا، و بولس الرسول مرّ في تلك النواحي، و كانت صور أوّل مدينة فينيقيّة تنشأ فيها جالية مسيحيّة على عهد بولس الرسول، و من بعدها صيدا، و بيروت قد تحوّلت بأكثريّة أبنائها نحو المسيحيّة قبل بداية القرن الرابع للميلاد، و أصبح في هذه المدن الثلاث تنظيمات كنسيّة شملت تعيين الأساقفة و إنشاء البيع و سوى ذلك من نشاط، كانت جبيل لا تزال على عبادة بعلها القديم، و على ولائها لأدون و عشتر. و عندما عيّن بطرس الرسول تلميذه يوحنّا مرقس أسقفا على جبيل، قامت في المدينة حركة مناهضة له، على ما تذكر الميامر. و لم يصب جبيل شي‏ء من شرور الإضطهاد الإمبراطوريّ للمسيحيّين في عهد" تراجان" سنة 112 حيث أمر باعتبار كلّ من لا يخضع للآلهة و لا يسجد للأمبراطور خائنا يعاقب على خيانته، و لا في عهد" داقيانوس" الذي قضى بين 250 و 251 بمعاقبة المسيحيّين الذين يرفضون تقديم الذبائح علانية للآلهة الوثنيّة المعترف بها من قبل الأمبراطور، فقد كانت جبيل أحد أهمّ مراكز تلك الآلهة، و لا عانت اضطهاد" فاليران" للمسيحيّين بين 257 و 258 الذي أضاف إلى تدابير سلفه داقيانوس تدبيرا قضى بتحظير الإجتماع و التجمّع على المسيحيّين، و لا الإضطهاد الكبير في عهد الأمبراطورين" ديو كليشان"، و" مكسيميان" بين 303 و 313 اللذين أزالا الكنائس من الوجود و أحرقا الكتب المسيحيّة و صرفا المسيحيّين عن وظائف الدولة و خيّرا كلّ مسيحيّ بين الموت أو تقديم الذبائح للآلهة، و لم يتمكن المؤرّخون من إحصاء عدد الشهداء و المعاقين الذين سقطوا نتيجة هذه الإضطهادات الوحشيّة التي لم يشهد التاريخ لها مثيلا. إلّا أنّ دور جبيل في هذا المضمار جاء من الجهة المعاكسة، يوم بدأت الأمبراطوريّة تميل إلى المسيحيّة، بحيث أمر قسطنطين (إمبراطور

51

324- 337) بهدم هيكل أفقا و حارب ممارسة الشعائر التي تتنافى و الدين المسيحيّ. أمّا القلّة التي كانت قد تجرّأت قبلا على اتّباع الدين المسيحيّ في جبيل، فقد كان مصيرها الإستشهاد. ففي تقليد الكنيستين الغربيّة و الشرقيّة أنّ يوحنّا مرقس، الذي يرد ذكره غير مرّة في أعمال الرسل، كان من التلامذة السبعين للسيّد المسيح، و قد أقيم أسقفا على جبيل. و قد أكّد دورتاوس الصوري على هذا، كما سجّل السنكسار الرومانيّ في 27 أيلول" إستشهاد القدّيس يوحنّا الملقّب مرقس أسقف جبيل في فينيقية". و عليه يكون يوحنّا مرقس أوّل شهيد مسيحيّ في جبيل. و ممّا يزيد في تأكيد هذه الواقعة أنّ أقدم كنيسة أقيمت في جبيل، جعلت على إسم القدّيس يوحنّا مرقس، و كانت صورته فوق مذبح كنيسة جبيل الكبرى، إلّا أنّها أبدلت بصورة القدّيس يوحنّا المعمدان، الذي غلب إكرامه في هذه الكنيسة.

و يقول بعض الباحثين بأنّ فتاة في الثانية عشرة من عمرها إسمها" أكوالينا" استشهدت في جبيل سنة 308، و ذهبوا إلى اعتبار أنّها هي نفسها القديسة" مرتينا" التي لها كنيسة في جبيل، كما يقول الأب لامنس. على أنّنا نعتقد بوجود إشكال في هذا الإستنتاج، و نظنّ أنّ كنيسة جبيل المذكورة إنّما أنشاها الصليبيّون على إسم سيّدة البحارSAINTE MARITIME ، و قد حوّر اللفظ في لغتنا المحكيّة إلى: سانت مارتين. و من الجائز أيضا أن يكون لفظ أكوالينا إبطاليّ الأصل:AQUALINA و هو الترجمة الإيطالية للفظ الفرنسي‏SAINTE MARITIME . غير أنّ خبر هذه القدّيسة قد جاء في" أعمال البولنديّين" على أنّها استشهدت في نحو سنة 308، عندما فشل الحاكم" فولوسيان" في محاولة حملها إلى الجحود بدينها فأمر بقطع رأسها. و يقول هذا السجلّ أنّ أصل" أكوالينا" من جبيل، نصّرها أسقف جبيل" أوثاليوس" و هي حديثة السنّ،

52

فاضطرم قلبها حبّا لربّها و أخذت تدعو مواطنيها إلى إيمانها، ممّا أغضب الحاكم و أدّى إلى استشادها. و لكن يبدو أنّ جبيل، رغم ذلك، بقيت متمسّكة بعبادتها المتأصّلة فيها، إذ لا نجد أيّ ذكر لأيّ نشاط مسيحيّ فيها في خلال هذه الحقبة التي كان حوّل فيها قسطنطين معبد جوبيتير في بعلبك إلى كنيسة كانت آية في الضخامة، و أصبح لتلك الكنيسة مطران و شمامسة، و عند بداية القرن الخامس كان أصبح لأساقفة بعلبك دور مهمّ في شأن الكنيسة.

في هذه الأثناء، كان قد أعيد بناء هيكل أفقا الوثنيّ في عهد خليفة قسطنطين، الأمبراطور يوليانوس الجاحد (361- 364) الذي لم يكن قد اعتنق الدين المسيحيّ، و لمّا جلس أركادويس (395- 408) على العرش أمر عام 399 بتقويض الهياكل الوثنيّة فأعيد هيكل الزهرة في أفقا إلى معبد مسيحيّ، و ازداد عدد المسيحيّين في الجبل اللبنانيّ بمساعي ذلك القيصر.

و منذ ذلك التاريخ بدأ التحوّل الواسع في جبيل من الوثنيّة إلى المسيحيّة.

و عندما تعرّضت المدينة للدّمار في زلازل القرن السادس، كان أكثر أهاليها قد أصبح مسيحيّا، و قد ساد اعتبار يومها يقول بأنّ سبب كارثة المدينة كان غضبا من الله بسبب استمرار بعض سكّان جبيل على عبادتهم القديمة. و قد عدّ المؤرّخون الكنسيّون جبيل خامس الأسقفيّات في مطرانيّة صور. و ذهب غير واحد منهم إلى أنّ يوحنّا مرقس (أعمال 12: و 15) أحد المبشّرين السبعين هو أوّل من أسّس كنيسة في جبيل و تولّى أسقفيّتها. تشهد على ذلك السنكسارات السريانيّة و المارونيّة فضلا عن الكلندار الرومانيّ. و قد عرف من أساقفة جبيل الأقدمين" أوثل" في القرن الثالث، و" باسيليد" أو روفين" في المجمع القسطنطينيّ الأوّل. ثمّ أصبحت جبيل بعد القرن السادس خاضعة توّا للكرسيّ الإنطاكيّ.

53

من البيزنط إلى الصليبيّين‏

عندما جاء الفتح العربيّ، كانت جبيل قد أصبحت مسيحيّة بشكل كامل، و إنّ أخبار الفتح بقيت مشوّشة بالنسبة لمدينة جبيل، فمؤرّخو المردة يذكرون أنّه عند ابتداء دولة العرب سنة 628 كان من الأمراء المردة الأمير يوسف واليا على جبيل، و أنّ يوحنّا، بن حفيد يوسف، قد تولّى أيّام قسطنطين الرابع (668- 658) من القدس حتّى حدود أنطاكية، و أنجد الملك قسطنطين سنة 677 في مواقع عديدة، بينما يذكر مؤرّخون آخرون أنّه قد تمّ فتح جبيل على يد معاوية و يزيد في حوالى العام 636، و قولون إنّ الفاتحين قد أجلوا عن المدينة الروم و الذين كانوا يمالئونهم، و أبقوا على أهل البلاد منهم، و خيّروهم بين اعتناق الاسلام أو البقاء في ربوعهم ضمن شروط أهل الذمّة.

و ما نعلمه من مجمل المدوّنات أنّ مسيحيّي جبيل من أهل البلاد قد توزّعوا يومها على ثلاث فئات، الأولى فضّلت الرحيل و البقاء على دينها و قد انتقلت إلى الجبال العالية النائيّة عن الفتح، و الثانية اختارت البقاء في المدينة ضمن الشروط المفروضة، و الثالثة اتّبعت الإسلام. و يذكر المؤرّخون أنّ معاوية قد استقدم قوما من الفرس و أسكنهم مدن الساحل مكان الذين أجلوا عنها و الذين اختاروا الرحيل. و لا تعود المدوّنات التاريخيّة تذكر سوى الأخبار النادرة عن جبيل حتّى قدوم الصليبيّين.

سنة 1099، و كان العهد فاطميّا، و كان الصليبيّون قد سيطروا على الشاطئ الممتدّ من اسكندرونا إلى طرطوس، و بقي بنو عمّار صامدين في عرقة و طرابلس، توجّه الصليبيّون نحو جبيل من دون أن يلقوا مقاومة.

و يقول الشدياق إنّ الصليبيّين لاقوا ترحيبا على امتداد الساحل بين طرابلس و جبيل من قبل المردة و سواهم من اتباع الطوائف الشرقيّة الذين كانوا

54

يقطنون تلك المنطقة، غير أنّه سيتبيّن خطأ هذا الرأي عندما سيهاجم الصليبيّون جبيل و يدخلونها عنوة كما سيجي‏ء.

فبعد مرورهم بالبترون و جبيل، توجّه الصليبيّون نحو بيروت التي كان الفاطميّون يسيطرون عليها، فلم يحصل أيّ احتكاك بموجب معاهدة التفاهم التي كانت جرت بين الصليبيّين و الفاطميّين عند أبواب أنطاكيا. أمّا صيدا فأبدت رفضا للتفاهم، و في 23 أيّار 1099 مرّ الصليبيّون في صور متجهين نحو عكّا فالقدس. و بعد احتلالهم القدس و تلقّيهم التعزيز و التموين من البحر، بدأوا يحتلّون السواحل، و في هذه المرحلة و الى بنو عمّار الصليبيّين فأصبحت طرابلس منطقة نفوذ لهم، و كذلك فعل الصوريّون. و في هذه الحقبة بالذات بنى" ريموند دو سان جيل" حصن طرابلس سنة 1103؛ و في العام التالي شنّ هجوما على جبيل فحاصرها و قاتل عليها قتالا شديدا،" فلّما رأى أهلها عجزهم عن الفرنج أخذوا أمانا، و سلّموا البلد إليهم فلم تف لهم الإفرنج بالأمان فأخذوا أموالهم و استنفدوهم بالعقوبات و أنواع العذاب" كما يقول ابن الأثير. و كان سقوط جبيل في 28 نيسان 1104، و هي أوّل مدينة لبنانيّة سقطت عنوة بيد الصليبيّين. و بقيت بيدهم إلى أن استسلمت لصلاح الدين في العام 1187، ثمّ تمكّن الصليبيّون من استعادتها عنوة سنة 1198. و يذكر إبن واصل أنّ جبيل قد سقطت بيد المسلمين في العام 1187 على يد صلاح الدين الأيّوبي الذي هدم أسوارها لكنّه تراجع عنها بسبب الأخبار التي أفادت عن وصول الحملة الصليبيّة الثالثة فعاد إليها آل أمبرياتشي. و قد بقي الصليبيّون في جبيل حتّى بعد سقوط كامل مدن الساحل و الجبل بيد المماليك، رغم أنّه في صيف 1292 قد شنّ المماليك هجومات على مدن الساحل اللبنانيّ التي والت الصليبيين، و بعد سلسلة هجمات سقطت جبيل بيدهم‏

55

فأحرقوها و هدموها و كادوا أن يزيلوا أهمّ معالمها، و في وصف لمستشرق زار المدينة بعد حوالى قرن على سقوطها بيد المماليك، و هو المستشرق الإيطالي سوريانو، ذكر أنّها" خربة مهجورة، و فيها كنائس عظيمة متهدّمة تماما" إلّا أنّ المنطقة الواقعة بين نهر ابراهيم و نهر المدفون صعودا حتّى مشارف البقاع، قد بقيت صامدة بوجه المماليك رغم هجمات الأخيرين العنيفة، و قد تمكّن مقدّمو الموارنة من إخراج المماليك من جبيل عام 1305، و أبقوهم خارج نطاق تلك المنطقة الصغيرة: بلاد جبيل، التي أضحت ملجأ للأقليّات و بقيت كذلك حتّى الفتح العثماني سنة 1516، غير أنّ الصليبيّين الذين كانوا لا يزالون في مدينة جبيل في خلال معركة 1292، قد فرّوا بمعظمهم عبر البحار، و انخرطت جماعات منهم مع السكّان الموارنة و اندمجت فيهم تماما، و لا تزال من سلالاتهم أسر عديدة منتشرة اليوم في مختلف أنحاء البلاد، أبناؤها على مذاهب مسيحيّة و إسلاميّة شتّى، و إن كانت أكثريّتهم مارونيّة.

بقايا صليبيّة

يذكر بعض المؤرّخين، و منهم ديشان‏PAUL DESCHAMPS أنّ الصليبيّين قد أطلقوا على جبيل إسم جبلةGIBLET أو جبالة. أمّا محمّد علي مكّي فيسمّيها في هذه الحقبة جبيل، و كذلك كمال الصليبي، بينما جواد بولس يسمّيها جبلة. و قد اتّفق المؤرّخون على أنّ الكونت" ريموند دو سان جيل" قد أقطع جبيل إلى الجنويّ‏GUILLELMO DEGLI EMBRIACI . و استطاعت عائلة أمبرياتشي، الأسرة الأكثر أهميّة في كونتيّة طرابلس أن تستمرّ حاكمة لهذه المدينة التاريخيّة طوال حقبة الوجود الفرنجيّ في الشرق. و تمتدّ جبيل التي بناها الصليبيّون في القرون الوسطى، إلى الناحية الشماليّة من المدينة القديمة،

56

و شكل سورها الذي كان يطوّق المدينة كلّها، مضلّع رباعيّ الأضلاع، تقوم ناحيته الغربيّة على حدود البحر حيث أنشئ الميناء بين رصيفين صخريّين طبيعيّين في الأساس، كما بني على أطراف السور برجان لحماية المرور.

و كانت جدران السور محصّنة بزوايا بارزة و محرودة، أي مستطيلة من جانب أكثر من الآخر، و قد بقيت من السور آثار من الجهة الشماليّة بإمكان السائح مشاهدتها اليوم بوضوح.

أمّا كاتدرائيّة القديس يوحنّا الصليبيّة، فتقع في وسط المدينة، فيما القصر يقع على تلّة في الجنوب الشرقيّ تشرف على المدينة، يصله بها جسر بني في الواجهة الشماليّة للقصر، حيث ينفتح باب سرّيّ و خفيّ مخصّص للنجاة وقت الخطر، يقع قرب البرج الشماليّ الغربيّ. و هو قصر عال، ضخم، صلب، ذو أبراج مستطيلة، يقع وسط ساحة تحيط بها جدران أقلّ انخفاضا من السابقة، متّصلة بزوايا أبراج مربّعة، حيث يضاف إليها، في وسط الواجهة الأكثر انكشافا، نتوء بارز محرود. و يبدو التصميم غير مستقيم، إذ إنّ الجدران الواقعة بين الإستحكامين ليست متوازية، حيث نجد جدارا بأربعة أبراج و زاوية محرودة ليست في محور التصميم. كما أنّ النتوء في جهة الشمال ليس في محاذاة المبنى الملاصق. و تمتدّ أرض الساحة بين مستويين مختلفين. و قد أخذ هذا الغياب للتناسق الباحثين إلى الإعتقاد بأنّ القصر قد بني على أساسات قديمة. و في حفريّات جرت حول القصر، عثر على عدّة خنادق و قبور تعزّز هذا الإفتراض. فإنّ المنحدر الخارجيّ للقبر، أو الخندق الفرنجيّ، مؤلّف من سور يشكّل متراسا يعود إلى الألف الثالث ق. م.، و الواجهة الشماليّة هي أقرب إلى الطريقة الرومانيّة التي كانت معتمدة في القرن الثاني للميلاد، و حجارتها مأخوذة من صفّ الأعمدة التي تجاورها.