المسالك والممالك للبكري - ج2

- عبد الله بن عبد العزيز البكري المزيد...
383 /
533

[المجلد الثانى‏]

ذكر ملوك مصر من لدن عمارتها قبل الطوفان و بعده إلى استفتاح المسلمين لها (و غريب أخبارهم) (1)

881 الّذي بنى الأهرام و البرابي و استوسقت له مملكة مصر و انتقادت له الملوك سوريد (2) بن سهلون، و بنى الأهرام صيانة لجثثهم و أجسامهم‏ (3)، و بنى الأفرونيات‏ (4) و بنى البرابي حفظا لعلومهم و آثارهم، و ذلك لمّا أنذروا له‏ (5) بأمر (6) الطوفان المهلك للعالم. و كان سوريد قد أوتي من الحكمة و العلم ما لم يسبق إليه و كان يتعاهد من مصالح رعيته ما لم يتعاهد سواه، و كان ينفق على الضعفاء من بيت ماله. و اتّخذ مرآة من أخلاط و أقامها على منار في وسط قصره، و كان ينظر فيها جميع الأمم و الممالك و الأقاليم و ما منها أخصب و ما منها أجدب و ينظر من قصد ناحيته و ما يجري للأمم‏ (7) من حروب أو غيرها. و تقدم إلى رأس الناظرين، و هم الكهّان، أن ينظر ما يحدث في كلّ يوم و يجعله‏ (8) في كتاب. و كان أكثر اهتمامه بعمل الأدوية و العقاقير المؤلّفة و الصنعة و النواميس‏ (9) و دفع المضارّ بالطلسمات و كلّ ما كان فيه صلاح للناس. و عمل صنما في صورة امرأة جالسة في حجرها (10) صبيّ ترضعه، فمن أصابها علّة من النّساء في عضو من بدنها مسحت ذلك المكان من الصنم فزال‏ (11) عنها ما تجدّه، و كذلك إن قلّ لبنها أو أبطأت‏ (12) حيضتها مسّت فوق ركب الصنم، و إن كثر دمها مسّت أسفل الركب فينقص، و إن أصاب ولدها شي‏ء فعلت مثل ذلك بالصبي فيزول عنه، و إن عسرت ولادتها فمسحت‏ (13) رأس الصبي سهلت ولادتها، و كذلك البكر يسهل‏

____________

(1) سقطت من ر-

(3) سقطت من ر-

(2) عن ابن وصيف شاه ص 159، م: شوندين، ر: شونير، و كذا دائما في هذه الفقرة-

(4) ر: الأقرونيات، م: الأترونيات-

(5) سقطت من م-

(6) ر: من أمر-

(7) ر:

من الأمم-

(8) ر: و يخلده-

(9) ر: و النواويس-

(10) ر: حضنها-

(11) ر: فيزول-

(12) ر:

انطفت-

(13) ر: فمسّت-

534

افتضاضها. و إذا قربت الزانية من هذه الصورة و وضعت يدها عليها ارتعدت يدها و لا تزال كذلك حتّى تقلع عن فجورها. و لم تزل الصورة كذلك حتّى أزالها الطوفان، و يقال إنّها وجدت بعد الطوفان و إنّهم عملوا بها بعد ذلك و عبدت و صورتها موجودة في جميع‏ (1) برابي مصر باسمها (2)، و كان اسمها بلهوية (3).

882 و عمل لهم الصنم الّذي يقال له بكرس‏ (4) من أخلاط يدفع الأسقام و العلل بمواضع تغسل منه و تشرب و بخورات يتبخّر بها و يستنشق، و عمل عجائب كثيرة.

883 و استخرج زمن أبي سليمان عوف بن سليمان قاضي مصر كتابا بالقبطية وجد في قبر ميّت كان فيه، كتب هذا الكتاب في أوّل سنة من ملك دقلطيانس‏ (5) من كتاب نسخ في أوّل سنة من ملك فليبس‏ (6)، (و إنّ فليبس) (7) استنسخه من صحيفة ذهب بالكتاب الأوّل (ترجمه له أخوان من القبط ورثا علم ذلك من أبيهما، و هو رجل) (8) من أهل مصر الأوائل لم ينج‏ (9) منها من الطوفان غيره، و كان سبب نجاته أنّه أتى‏ (10) نوحا (عليه السلام) فآمن به فلم يأته من بلده غيره، و هذا المترجم من الكتاب الموجود:

____________

(1) سقطت من م-

(2) م: بأسمائها-

(3) م: ملهوية.

(4) في النسخ: نكوس.

(5) م: و قلطيانس، ر: فلطيانس-

(6) م: قيلس، ر: فيليس-

(7) سقطت من ر-

(8) م:

ترجمته أقوام من القبط ورثوا علم ذلك من آبائهم و هم من ...-

(9) م: لم ينسخ-

(10) سقطت من م.

535

884 باسم الباقي بعد الأشياء. إنّ الملك سوريد بن سهلون ملك مصر و أنّه رأى رؤيا هالته، فأحضرنا و أمرنا أن ننظر ما تدلّ عليه الكواكب ممّا يحدث في العالم، فأقمناها في مراكزها في وقت مسألته، فدلّت على آفة نازلة من السماء (1) و حادثة من الأرض. فلمّا بان لنا ذلك أخبرناه به فقال: ما هو؟

فنظرنا في خفي أمورها فوجدنا ماء يحدث مفسدا للأرض و أهلها و حيوانها و جميع ما فيها. فلمّا تمّ اليقين من ذلك أمرنا ببناء الأفرونيات و أعلاما عظاما تكون‏ (2) له و لأهل بيته (قبورا تحفظ أجسامهم) (3) من الفساد و يبقى علمهم‏ (4) صحيحا، و كتب على حيطان الأفرونيات و سقوفها علم غوامض الأمور من دلائل النجوم‏ (5) و عللها و سرائر (6) الطبائع و تكوّنها و النّواميس العظام و علمها (7) و العقاقير و تأليفها و الصنعة و حكمتها، و غير ذلك ممّا ينفع و يضرّ ملخّصا مفسّرا لمن عرف كتابنا و لغتنا. و إنّ هذه الآفة محيطة بجميع أقطار العالم إلّا اليسير، و ذلك‏ (8) إذا نزل قلب الأسد أوّل دقيقة من السرطان و تكون الشمس و القمر في أوّل دقيقة من رأس الحمل و أقرونس‏ (9) من الحمل (في درجة و ثمان و عشرين دقيقة) (10)، و أورانس‏ (11) في الحوت (في تسع و عشرين درجة و ثمان و عشرين دقيقة)، و أرش‏ (12) في الحوت (في تسع و عشرين درجة و ثلاث دقائق)، و أفروديطى في الحوت (في ثمان و عشرين درجة و دقائق)، و هرمس في الحوت (في سبع و عشرين درجة و دقائق)، و الجوزهر في الميزان، فأوج القمر في الأسد خمس درجات و دقائق.

____________

(1) ر: الهواء-

(2) م: لتكون-

(3) م: حفظا لأجسامهم-

(4) ر: عالمهم-

(5) ر: أشياء النجوم-

(6) ر: و سائر-

(7) ر: و عملها-

(8) م: و كذلك-

(9) ر: أفرونش-

(10) في المخطوطات عوضت الأرقام بحروف و كذلك في بقية الفصل، فنقلنا ما بين القوسين عن الخطط للمقريزي 1/ 117-

(11) م: أورانش، ر: أوراوش-

(12) م: و أوشن.

536

885 فلمّا عرّفناه ذلك قال: انظروا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضر- [بالعالم‏]. فأصبنا الكواكب تدلّ في وقت نظرنا على [أنّ‏] آفة نازلة من السماء إلى الأرض و أنّها ضدّ الأولى، و هي نار محرقة لأقطار العالم، فعرّفناه بذلك فقال: انظروا متى يكون هذا الكون. فوجدناه قد يكون عند نزول قلب‏ (1) الأسد آخر دقيقة من الدرجة الخامس عشرة من الأسد و يكون أيليس، و هي الشمس، معه في دقيقة [واحدة] متّصلة بقرونوس‏ (2) من تثليث الرامي، و يكون (راوس في الأسد) (3) و أرش معه في دقيقة واحدة (4) و يكون سليني، و هو القمر، في الدلو مقابلا لإبليس و الذنب معه، و يكون كسوف مطبق، و تكون أفروديطى في بعدها الأبعد من وراء إبليس و هرمس في بعده الأبعد أمامها مقيمين، أفروديطى للاستقامة و هرمس للرجعة.

886 فقال الملك: هل من خبر آخر توقفوننا عليه بعد هذه الأمور العظام؟ قالوا:

ننظر في ذلك. فنظروا على عدد السنين و قالوا: وجدنا أنّه إذا قطع قلب الأسد ثلثي أدواره، و هو آخر دقيقة (5) من العقرب، لم يبق من حيوان الأرض متحرّك إلّا تلف، فإذا استتمّ أدواره تحلّلت عقد الفلك. قال لهم‏ (6): فأي يوم تحلّل فيه عقد الفلك؟ قالوا: اليوم الثاني من بدء حركة الفلك. فعجب من ذلك. قال: و زعم آخرون أنّ قلب الأسد إذا بلغ الدرجة الخامس‏ (7) عشرة من الأسد كان طوفان نار يحرق العالم بأسره، فلا يبقى على الأرض حيوان و تبقى الأرض خرابا، و يستأنف الباري تعالى ما أراد من الخلق. و هذا لم يصحّ لأنّ قلب الأسد كان يرصد سنة أربع عشرة

____________

(1) سقطت من ر-

(2) م: بفرولس-

(3) م: رأس الأسد في دقيقة-

(4) م: متصلة.

(5) ر: درجة-

(6) سقطت من م-

(7) ر: السادس.

537

و مائتين في ثلاث عشرة درجة و ثلاثين دقيقة من الأسد، فيجب أن يكون اليوم، و هو إحدى و ستّين في آخر الدرجة السادس عشرة منه.

887 و في كتاب السند هند (الّذي عمل المجسطي منه) (1) و غيره أنّ (دوران الشمس من أوّل مسيرها) (2) من الحمل إلى أن ينقضي مسيرها آخر الأسد على ما حسبوه و أحاطوا علما به‏ (3) بزعمهم أربعة آلاف ألف و أربعمائة ألف ألف و عشرون ألف ألف دورة و الدورة سنة (4). و جمهور الناس من المتقدّمين و المتأخّرين يعتقدون أنّ العالم محدث منتقض‏ (5) إلّا ما قاله أرسطاطاليس إنّ الطبيعة قديمة و انّ الزمان لا يبيد و إنّه لا أوّل له و لا آخر، و هو قول أهل الهند. و قال نفر من الفلاسفة: العالم محدث إلّا أنّه لا يبيد لأنّه حكمة و الحكيم لا يفسد صنعته.

888 و لمّا مات سوريد بعد أن ملك مائة سنة و سبع سنين دفن في الهرم الشرقي و ملك‏ (6) بعده أخوه هرجيت‏ (7) ثلاثين سنة و دفن في الهرم الغربي، و ملك بعده ابنه مناوش خمس عشرة سنة و دفن في الهرم الملوّن بلونين من الحجارة.

و لهذه القبور أبواب في آزاج مبنية بالحجارة في الأرض طول كلّ أزج منها عشرون ذراعا بذراعهم، له باب من حجر واحد يدور بلولب، فإذا أطبق عليه‏ (8) لا يعرف أنّه باب، و صار كالبنيان لا يصل‏ (9) الذر إلى الوصول منه. و في هذه الأهرام قبون من الذهب و الفضّة و الكيمياء و (الحجارة من الزبرجد الرفيع) (10) و الجواهر النفيسة ما لا يحتمله الوصف كثرة (11).

____________

(1) ر: و هو الذي عمل منه المجسطي-

(2) ر: دوران فلك الشمس أول مسيرها-

(3) سقطت من ر-

(4) ر: في سنة-

(5) سقطت من ر.

(6) م: و دفن-

(7) ر: حبيب-

(8) سقطت من ر-

(11) سقطت من ر-

(9) ر: يطمع-

(10) م: و حجارة الزبرجد.

538

889 هذا آخر الكتاب الموجود في القبر، و ترجم هذا الكتاب يوم الأحد أوّل يوم من توت عند طلوع الشمس سنة خمس و عشرين و مائتين‏ (1) من سني العرب و انتهى ما تضمنه من التواريخ من لدن أثبت بالخطّ الأوّل إلى هذا اليوم (أربعة آلاف و خمسمائة و عشرون و ثلث) (2) بسني الشمس. ثمّ نظر كم للطوفان إلى هذا اليوم، فوجد (اثنين و أربعين و تسعمائة و ثلاثة آلاف) (3)، فعلم أنّ الكتاب كتب قبل الطوفان (لما بين الجملتين) (4).

890 و كانت الرؤيا الّتي رآها الملك على ما أثبت‏ (5) في المصاحف الموجودة بمنف في خلافة عبد الملك- و كانت سبعة مصاحف مترجمة يذكر (6) قيطون بن أمنايوس الكاهن يذكر فيها مبادئ الولادات و الخلوق الأوّلية و يذكر الملوك و الناظرين و ما وضعوه من الحكم و عملوه من الطلسمات، و كانت بخطّ أركليوس‏ (7) الكاهن، فحملت إلى عبد الملك مع الحبر الّذي كان معها و انعفى‏ (8) أكثرها، ففسّرها له‏ (9) رجل يهودي من أهل الطواري، فلم تكن بالخطّ الكاهني الصوري بل كانت بالخطّ المعروف بالبرسطي، فبذلك قدر على استخراجها، فكشف لهم منها ما أراد و ستر ما أراد، و قدر منها على علم كثير و عرف الخبر المشهور و كيف الوصول إليه و أصناف العلوم المقترنة (10) به. و قد كان صدر المصحف الأوّل الجامع لهذه المصاحف.

____________

(1) سقطت من ر-

(2) من هامش م-

(3) كذا في ر، و في هامش م: ألفي و خمسمائة و اثنين و أربعين-

(4) م: بما بين الحبلين.

(5) م: ثبت-

(6) ر: فذكر-

(7) م: أوكليدس-

(8) ر: و أخفى-

(9) سقطت من ر-

(10) ر:

المقرونة.

539

891 باسم الربّ المحيط بالأشياء. أنا قيطون بن أمنايوس الكاهن. كان أبي من خدّام الهياكل النورية و المتكلّمين عندها بكلمة (1) التوحيد و الخضوع للآلهة المعطية (2) للعلوم المظهرة (3) و للأرواح الأشباحية لمن كان يتعبّد لها و يقوم بقرابينها و بخورها (4). و كان إليه مع ذلك خدمة نواويس الملوك، و كان من رسم بهاتين الحالتين يومى إليه بالتعظيم و يفضل بالتزكية. فلمّا هلك هرمينيوس الملك حفر له في ناووس المملكة أزجا و صفحه بالمرمر الأزرق‏ (5) ملوحا بالذهب اليأكلون، و حفر عند رأس الأزج موضعا تقام فيه أسطوانة التآريخ (فانتهى به الحفر) (6) إلى أوعية من رصاص مطبقة فيها مصاحف الكهنة و فيها جثّة أقوديس‏ (7) الكاهن الّذي كان في زمن أسادس. فأخذ أبي المصحف بحقّ كهانته‏ (8) و قيامه على الهياكل و النواويس، فوقف على ما فيها و لم يظهر شيئا من علومها. فلمّا هلك أبي صارت المصاحف‏ (9) إليّ فنقلتها بترجمتي لتكون ذخيرة لولدي. و كان أوّل ما ترجمته من تلك المصاحف:

892 باسم النور الّذي كانت الأنوار كلّها منه و إليه تعود، مطهّر الحكماء و مؤيّدهم بالأشباحية العالية و اسم الآلهة. هذا ما نسخناه و وقفنا عليه من أسرار العلوم و الّذي قدرنا عليه من كتب ساداتنا الناظرين الهادين‏ (10) إلى طريق الحكمة، و وقفنا عليه من أسرار الخليقة و مفاتيح العلوم و أسرار الولادات.

____________

(1) ر: بكلام-

(2) م: المعظمة-

(3) سقطت من م-

(8) سقطت من م-

(9) سقطت من م-

(4) م: إلى أن ينجوا بها-

(5) م: الابرق-

(6) ر: فانتهى الحفر فيه-

(7) ر: أبي رئيس.

(10) ر: المهدين.

540

893 ثمّ نرجع إلى ذكر الرؤيا. و كان في جملة ما ترجم من هذه المصاحف أنّ سوريد (رأى الكواكب) (1) المعروفة بالبابانية في صور (طيور بعض) (2) و كأنّها تخطف العالم و تلقيهم بين جبلين عظيمين، و كان الجبلان انطبقا عليهم و كانت الكواكب النيّرة مظلمة كاسفة كلّها. فلمّا أخبره الناظرون بما تقدّم عنهم أمر أن يختار موضعا لبنيان الأعلام، فاختير موضع بقرب النيل في الجانب الغربي و بنيت فيه مدينة (مرقة أي مطلب الحكمة) (3)، و أمر الملك بجمع الناس و الفعلة فجمع سبعة آلاف لقطع الحجارة و حملها و مثلهم لهندستها و النقش عليها و أضعافهم (للبناء و عمل) (4) قضبان الحديد و استخراج معادن الرصاص، فكانوا ينصبون البلاطة و يجعلون في وسطها عمودا من حديد (5) قائما قد ضبط بالرصاص‏ (6) المسبوك و تركب عليه بلاطة أخرى في قدّها و هندستها مثقوبة (7) الوسط بقدر دخول القضيب فيها، و يسبك الرصاص و يصبّ على‏ (8) البلاطتين معا، حتّى بنى بها (9) بنيانا طوله مائة ذراع و خمسون ذراعا بذراعهم ليكون ماء الطوفان مع حافته و هرم البنيان صاعدا، و جعل رأسه عشر أذرع في مثلها، و عرض كلّ حائط من تربيع الهرم مثل طوله مائة و خمسون ذراعا.

894 ثمّ أحضرهم فقال: انظروا هل تفسد هذه الأعلام. فنظروها فوجدوها باقية (لا تزول) (10). فقال: انظروا هل يفتح منها موضع. فنظروا فقالوا: نعم يفتح من الجانب الشمالي. فقال: حقّقوا النظر هل تعرفون الموضع بعينه،

____________

(1) ر: من ذي الكواكب-

(2) م: طير يسير-

(3) ر: و سميت موقت أي مطلبة الحكمة-

(4) ر:

لعمل-

(5) م ر: عمود حديد-

(6) م: بالأرض و الرصاص-

(7) م: متقربة-

(8) ر: حول-

(9) سقطت من م.

(10) سقطت من رد-

541

فعرّفوني إلى متى يكون ذلك. فأخرجوا الموضع و ذكروا أنّ ذلك يكون لأربعة آلاف دورة للشمس. (فقال: انظروا العلّة الّتي يفتح من أجلها.

فقالوا: يفتح طلبا لما فيه من مال. فقال: هل ينفقون على ذلك شيئا؟

قالوا: نعم. قال: هل تقفون على قدره؟ فعرّفوه) (1). فقال: اجعلوا في الموضع الّذي يصلون‏ (2) منه إلى. داخل الهرم‏ (3) ذهبا بقدر (4) ما ينفقونه.

و حثّ الأمّة على الفراغ من الأهرام و الأفرونيات، ففرغوا من ذلك في ستّين سنة. و على الأهرام مكتوب: بنينا هذه الأهرام في ستّين سنة، فليهدمها من يريد ذلك في ستّمائة سنة، فإنّ الهدم أهون من البناء.

895 و ذكروا أنّه‏ (5) كانت لهم قرافل من خوص إذا ضربوا بها الحجارة قفزت من أنفسها و طارت‏ (6)، و أنّ ذلك لم يزل متعارفا عندهم. قال الوصيفي: و قال لي رجل قبطي يعرف بإبراهيم بن أبراس‏ (7)، و قد أجرينا شيئا من هذا الذكر، أنّهم أصابوا في بعض الكنائس في موضع شبيه بالطاق سفط فيه‏ (8) سلة، ففتحت فوجدوا فيها قرفلة من خوص عجبوا منها و لم يدروا لها معنى، فطرحوها في النار ليحرقوها، فكانت تثب من النار حتّى تبلغ سقف الكنيسة، فلمّا رأوا ذلك قطعوها بالسكين، ثمّ عرفوا الحال فيها فندموا على إفسادها. قال الوصيفي: و لا أدري أهي من قرافل الحجارة أم من غيرها إلّا أنّ في توثّبها من النار عجبا.

____________

(1) ر: قال: أفتقفون على قدر ما ينفق في هدمه؟ قالوا: نعم-

(2) م: يطوون-

(3) م: العلم-

(4) ر: يزن.

(5) م: أنها-

(6) م: و تبارت-

(7) ر: أنداس-

(8) م: منها.

542

896 و لمّا فرغ المأمون من حرب أهل التيماء و أقام بمصر أراد هدم الأهرام، فعرّفه بعض شيوخ المصريّين أنّ ذلك غير ممكن‏ (1) و لا يجمل‏ (2) بمثله أن يطلب شيئا لا يبلغه. فقال: لا بدّ لي أن أعلم علم ما فيها. ثمّ أمر (أن يفتح) (3) من الجانب الشمالي لقلّة دوام الشمس على من يتولّى ذلك. فكانوا يوقدون النار عند الحجر، فإذا حمّى رشّ عليه‏ (4) خلّ و رمي بالمنجنيق‏ (5) حتّى فتحت الثلمة الّتي يدخل منها إلى الهرم اليوم، فوجد بنيانه على ما ذكرنا (6) من الحديد و الرصاص، و وجد عرض الحائط عشرين ذراعا.

897 فلمّا وصلوا إلى آخر الفتح‏ (7) وجدوا خلفه مطهرة من حجر أخضر فيها مال على حول الدنانير العراض، وزن‏ (8) كلّ مثقال منها (9) سبعة و عشرون مثقالا و ثلثا مثقال بمثقالنا (10). فقال: زنوه. فوزنوا الجملة فوجدوا فيها مالا عظيما (11) معلوما. و كان المأمون ((رحمه اللّه)) (12) فطنا فقال: ارفعوا (13) إليّ ما أنفقتم على فتحه. ففعلوا (14) فوجدوه موازنا لما وجدوا من المال فتعجّب‏ (15) من ذلك و من معرفتهم بالموضع الّذي يفتح‏ (16) منه على طول الزمان، و ازداد (17) يقينا في علم النجوم. فركب حتّى دخله‏ (18) و نظر إلى البيت فوجد (19) فيه صنما أخضر مادّا يده و هو قائم، و نظر إلى الزلاقة و البئر، فأمر بنزولهما، فنزلوا من واحدة إلى واحدة حتّى أفضوا إلى صنم أحمر و عيناه مجزعتان سوادا في بياض كأنّهما حدقتا إنسان، فهالهم أمره و قدّروا أنّ‏

____________

(1) ر: متمكن-

(2) ر: يحسن-

(3) ر: بفتح-

(4) م: عليها-

(5) ر: بالمنجنيقات-

(6) من هنا يستأنف نص س، انظر الفقرة 848.

(7) س: إلى الفتح-

(8) سقطت من م-

(9) سقطت من م ر-

(10) س: بمثاقيلنا-

(11) سقطت من س-

(12) سقطت من س-

(13) ر: ارجعوا-

(14) سقطت من م رر-

(15) م ر: فعجب-

(16) م: ينفتح-

(17) ر: و ازدادوا-

(18) م س: دخلها-

(19) ر: و وجدوا-

543

له حركة (1)، فخرجوا (2) و عرّفوه الحال و جراه ذلك على طلب مخاب كثيرة.

898 و وجد المأمون طول كلّ هرم من الهرمين الكبيرين أربعمائة ذراع بالمالكي و كذلك عرض كلّ حائط من حيطانها. و يقال إنّه ليس على وجه الأرض أرفع بناء من هذين الهرمين و هما غربي وسيم‏ (3) و لا في العالم حجر موضوع على حجر أعلى منهما. و يقال إنّ عمقهما في الأرض مثل ارتفاعهما فوق الأرض. و ذكر أنّ أبواب هذه الأهرام لا تفتح إلّا بكلام و قرابين و بخورات، و الصابئة تحجّ إليها (4) من حرّان.

899 و في مصحف هرقل‏ (5)- و كان تأريخه لستّمائة سنة من الطوفان- أنّ سوريد ملك مصر نظر في النجوم، فرأى أنّ حادثة من السماء تكون مضرّة بالعالم، فأمر ببناء أعلام تكون نواويس لحفظ (6) أجساد الملوك، و كتب‏ (7) على تلك الأعلام أسماءهم و تواريخهم و كثر فيها من فاخر الجوهر و الصنعة و طرائف الحكمة، و من التماثيل و الذهب الملوّن و التيجان الفاخرة ما يستدلّ به على عظم‏ (8) ملكهم، و جعل على ذلك طلسمات تمنع منها إلى أوقات معلومة تكون ذخيرة لهم. و وضع أساسها في وقت السعادة و جعل في‏ (9) أساس كلّ علم منها صنما و كتب‏ (10) في صدورها (11) دفع المضارّ و الآفات عنها، و في يد كلّ صنم منها كالبوق، و هو واضعه في فيه، و في وسط كلّ علم منها مسارات‏

____________

(1) ر: حركات-

(2) ر: فجزعوا.

(3) س م: و شرقي-

(4) س ر: تحجها.

(5) ر: هوتيلي-

(6) س ر: تحفظ-

(7) س ر: وزبر-

(8) س ر: عظيم-

(9) سقطت من س م-

(10) ر: و رمز، س: و زبر-

(11) ر: صدرها

544

موجّهة إلى آزاج ضيّقة المنافذ واسعة المداخل تجتذب الرياح إليها على مرّ الزمان و تخرج في وجه الداخل إليها، فإن لم يحسن دفعها أهلكته، و منها ما ينطبق عليه بحكمة متقنة و أمر مبرم. و قيل إنّه عمل تحت الأهرام أسرابا تخرج منها (1) إلى ناحية الفيوم و إلى ناحية المغرب على يوم و يومين منها، و أودعت عجائب كثيرة، و إنّ في أسفلها مشارب للماء يفيض‏ (2) فيها إلى مصابّ‏ (3) تجري إلى‏ (4) النيل.

900 و في خبر آخر (5) أنّه و كل بالأهرام روحانيّين، فجعل في الهرم الغربي روحانيا في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج، لها ذؤابتان، فإذا أرادت أن تستفزّ الإنسان ضحكت إليه و استجرّته إلى نفسها. و قد ذكر ذلك‏ (6) من رآها و قصدها. و وكل بالهرم القبلي روحانيا في صورة غلام أمرد عريان قد ري‏ء من خارجه مرّة بعد مرّة ثمّ تغيّب عنهم. و في الهرم الملوّن صورة شيخ في كفّه مجمرة (7) كنائسية (8) كأنّه يتبخّر و عليه ثياب الرهبان. و كذلك وكل لجميع‏ (9) الأفرونيات حتّى إنّ أهل‏ (10) أخميم (لا شكّ عند جماعتهم) (11) أنّ روحاني البربى الّذي بها غلام أسود أمرد معه عصا، و لا يستطيع أحد أن يدخل البربى من بعد العصر إلى الصبح. و لم يكن أهل سمنّود يشكّون في أنّ روحاني البربى الّذي فيها رجل طويل أدم صغير اللحية أشيب. و أمّا بربى قفط فجارية (12) سوداء معها صبي صغير أسود تحمله.

و أمّا بربى بوصير ففيها (13) شيخ أبيض عليه زي الرهبان و في يده مصحف.

____________

(1) سقطت من س م-

(2) ر: يغيب-

(3) ر: مصب-

(4) م: فيه.

(5) سقطت من م ر-

(10) سقطت من م ر-

(6) سقطت من م س-

(7) ر: مبخرة-

(8) س: كنيسية، سقطت من ر-

(9) ر: فيه-

(11) س ر: لا يشك جماعتهم-

(12) ر: فروحانية-

(13) س ر: ففي صورة.

545

901 و لكل واحد من هؤلاء الروحانيين قربان و كلام يطيع به و يدلّ معه على علوم البربى و كنوزه. و يقال إنّ ذا النون الأخميمي إنّما قدر على ما قدر من علوم البربى حتّى عمل الصنعة و الجوهر و حمل إلى العراق‏ (1) في ليلة (2) و غير ذلك من العلم، لأنّه خدم راهبا كان بأخميم يقال له ساس مدّة صباه، فعلّمه الخطّ و دلّه على القربان و البخور و اسم الروحاني و أوصاه بأن يكتم ذلك. فلمّا علم ذو النون ما علم طيّن (مبنى الحكماء) (3) (بطين الحكمة) (4) الّذي لا ينقلع إلّا مع الحجر و يفسد بقلعه الخطّ المرموز به.

902 و في بعض أخبار المصريّين أنّ قوما قصدوا الأهرام (في وقت المتوكّل) (5) و كان على مصر حينئذ ابن المدبّر، فنزلوا من الزلاقات و الآبار و طلبوا أن يدخلوا من تلك المضايق الّتي تخرج الرياح منها و حملوا (6) سرجهم في أواني زجاج، فأتتهم رياح أخرجتهم و كسّرت‏ (7) أوانيهم و أطفأت سرجهم.

فأخذوا أحدهم فربطوا وسطه‏ (8) بالحبال و قالوا له: ادخل، فإن رأيت‏ (9) شيئا تكرهه جررناك. ففعل ذلك. فلمّا دخل و أمعن و زاحم الرياح انطبق عليه ذلك المصبّ‏ (10) و جذبوه، فانقطعت حبالهم و بقي الرجل‏ (11) في ذلك الشقّ لا يقفون له على خبر، فاغتمّوا لذلك و صعدوا هاربين حتّى خرجوا من الهرم و جلسوا عند باب الثلمة المفتوحة ينظرون‏ (12) في أمر ذلك الرجل و أمرهم و ما (أقدمهم على ما) (13) أقدموا عليه، فإنّهم لكذلك إذ انفرجت لهم فرجة من الأرض كالوهدة، فأثارت لهم ذلك الرجل عريانا مشوّه‏

____________

(1) م: أيلة-

(2) سقطت من م ر-

(3) ر: بيت الحكمة-

(4) سقطت من م.

(5) م: في وقت من الأوقات، ر: في خلافة المتوكل-

(6) م: و جعلوا-

(7) ر: و أكسرت-

(8) م: في وسطه-

(9) ر: فإن كان-

(10) س: اللصب، ر: الصلب-

(11) س: الداخل-

(12) س ر: يفكّرون-

(13) سقطت من س ر-

546

الخلق‏ (1) ميّت الدم جامد العينين، و هو (2) يتكلّم بكلام عجيب لا يفقه. فلمّا فرغ من كلامه سقط ميّتا، فازداد ولههم و تضاعف جزعهم و احتملوه إلى منزله، فأخذهم الحرس‏ (3) و انطلقوا بهم مع الرجل الميّت إلى ابن المدبّر، فسألهم عن أمرهم فأخبروه، فعجب من ذلك و أمر أن يكتب ذلك الكلام على حسب ما لقنوه، فأقام يطلب من يفسّره (إلى أن لقي) (4) رجلا من أهل العلم‏ (5) الأقصى يعرف شيئا من ذلك اللسان، فإذا معناه: هذا جزاء من طلب‏ (6) ما ليس له و كشف عمّا (7) يخباه فليعتبر من رآه. فمنع ابن المدبّر من تعرض للأهرام‏ (8) 903 و في خبر آخر أنّ جماعة وجدوا في بعض البيوت الوسطى زلاقة إلى بئر، فنزلوها فوجدوا سربا (9)، فساروا فيه نصف يوم حتّى انتهوا إلى حفير عميق، و في عدوته باب لطيف يتبيّنون منه شعاع الذهب و الجوهر (10)، و من رأس الحفير ممّا يليهم إلى الباب المحاذي لهم عمود حديد قد ألبس محورا (11) من حديد يدور عليه‏ (12) و لا يستمسك. فاحتالوا في وقوفه و ذهاب حركته فلم يصلوا إلى ذلك، فربطوا أحدهم في حبل و تعلّق به ليصل إلى الجانب الآخر، فدار به المحور (13) فتحيّر و سقط، فخرجوا هاربين لا يلوون. و دخل نفر بعض الأسراب الّتي في الهرم فانتهوا إلى صنم أخضر في صورة شيخ بين يديه أصنام صغار (كأنّه يعلمهم، و ساروا فوجدوا فوّارة تحت قبّة يقع فيها ماء من أعلى تلك القبّة، فيكون له نشيش شديد) (14) كأنّه طفي‏ (15) نار و يغوص‏ (16) فيها فلا يتبيّن. فداروا (17) فوجدوا بيتا مسدودا بحجر فيه دويّ‏

____________

(1) م: العين-

(2) سقطت من س-

(3) ر: العسس-

(4) س: فوجد، ر: إلى أن وجد-

(5) سقطت من م س-

(6) م: يطلب‏

(7) س ر: على ما-

(8) س ر: الأهرام.

(9) س: سرابا-

(10) س ر: الجواهر-

(11) م: صخورا-

(12) م: عليهم-

(13) م: المحرك-

(14) سقطت من ر-

(15) م: طعى-

(16) س ر: و يغيض-

(17) م: فجاؤوا-

547

شديد (1) لا يدرى ما هو، و وجدوا عنده شبيها بالمطهرة الكبيرة فيها دنانير (2) عليها صورة أسد من وجه و صورة طير من وجه‏ (3). فأخذ بعضهم منها شيئا (4)، فلم يقدر على حركة و لا كلام حتّى طرحها من يده.

904 و كلّما فسد من هذه الأفرونيات و تهدّم و تغيّر مثل بربى بوصير و بربى سمنّود و غيرهما من الهياكل يتركهم الاستقصاء في أخذ الطالع و صحّته قبل وضع الأساس. و كذلك ما بقي منها فلقرب الطالع من الصحّة لأنّ الّذين بنوا هذه البرابي كانوا على بعد من الملك‏ (5) و لم يكونوا بحضرته‏ (6)، فيتقنون النظر كما اتّفق في‏ (7) عمل الأهرام. و هم لا يشكّون أنّهم لمّا هدموا بربى سمنّود فحملوا حجارته إلى أشتوم دمياط و وهبوا بقيته لبني الهندس أنّ اليوم الّذي فرغ من هدم الحائط الغربي دخل حباسه الإسكندرية و خربها و كثرت الرمال حتّى انقطع البحر في شهور الصيف و قلّ زكاء الزرع و كثر الفأر و الجراد و أشياء من الفساد (كثيرة.

905 و يتحدّث أهل سمنّود عن هذا البربى بعجائب كثيرة) (8) يطول شرحها، منها أنّ بعض من دخلها كتب على كتفه‏ (9) صورة من تلك الصور أعجبته، فانطبقت عينه حتّى أتاه من كتب على كتفه‏ (10) الصورة المحاذية لها فانفتحت عينه. قال الوصيفي: و أخبرني من أثق به أنّه رأى فيها صورة شيطانين تحوط بهما سلسلة بكتابة، و هما يمسكان طرفيها و بينهما كتابة. (فأخذ

____________

(1) س: عظيم-

(2) هنا ينقطع نص س-

(3) ر: من وجه آخر-

(4) ر: شيئا من ذلك الدنانير (كذا).

(5) ر: الملوك-

(6) ر: بموضعه-

(7) سقطت من م.

(8) سقطت من ر-

(9) ر: كفّه-

(10) ر: كفّه-

548

صورته) (1)، فكانت عنده إلى أن عرّفه بعض من رآها عنده أنّها حرز عظيم، و ذكر أنّه لو جعل عليها لحما و جوّع كلبا أو شيئا من السباع و خلاه عليه لم يقرب منه. قال: فعجبت‏ (2) منه و امتحنت ذلك‏ (3) فوجدته كما ذكر.

906 قال الوصيفي: و قد رأيت أنا في بربى أخميم صورة عقرب، فألصقت عليها شمعا و كانت عندي، فلم أتركها في موضع إلّا انحاشت إليها (4) العقارب، و إن كانت في تابوت اجتمعت تحته و حوله حتّى‏ (5) كنت أتجافى عن حملها.

فطلبها بعض إخواني و دفعتها إليه و رجعت إلى أخميم، فوجدت الصورة قد نقرت و أفسدت.

907 و من المتعارف عند أهل أخميم أنّه كان في البربى صورة شيطان قائم على رجل واحدة و له يد واحدة و قد رفعها الهواء (6)، و في جبهته و حواليه كتابة و له إحليل ظاهر ملصّق بحائط البربى، فكان من احتال على ذلك‏ (7) الإحليل حتّى (نقب عليه و نزعه) (8) من غير أن ينكسر، و علّقه في وسطه لم يزل منعّظا إلى أن ينزعه و يجامع ما أحبّ و لا ينكسر ما دام عليه، و أنّ ابن أبي‏ (9) الغمر لمّا ولّي البلد أخبر بذلك فطلبه‏ (10)، فلم يوجد له غير صورة واحدة كانت قرب السقف، فاحتيل عليها حتّى أخذ له الإحليل، فكان يستعمله و يخبر بصحّته. و كانت فيها (11) صورة بومة إذا ألصق عليها الشمع و جعل في‏

____________

(1) سقطت من م-

(2) م: فتعجب-

(3) ر: و امتحنته.

(4) م: إليه-

(5) ر: و.

(6) م: إلى الهواء-

(7) م: لذلك-

(8) ر: ينقب عليه و ينزعه-

(9) سقطت من ر-

(10) ر:

فطالبه-

(11) م: فيه-

549

موضع لم تقربه بومة. و كانت فيها صورة شيطان يسوق كبشا بحبل في عنقه، فمن صوّره في صفيحة (1) رصاص و ما حوله من الكتابة و حمله معه و مرّ على قطيع من الكباش اتّبعته.

908 و في بربى أخميم في الباب الّذي يدخل منه إلى المصعد في عقب الباب على يسار الداخل منه صورة رأس‏ (2) عظيم بلحية كبيرة و شعر كثير كأنّه رأس رومي بغير جسد، فذكروا أنّ الأوائل كانوا يبخرون ذلك الرأس ببخور لهم معروف، فكلّ من بخره وجد عنده دينارا، فكان ذلك‏ (3) معونة لأهل المسكنة. قال الوصيفي: فتصفّحت موضع الرأس فوجدت آثار البخور و الطيب بيّنة (فيه و) (4) في القبّة الداخلة الّتي (ينزل منها إلى) (5) سطح البربى المعروفة بقبّة مسمطاسيين‏ (6)، و لها بخور و كلام، من تكلّم به و سأل عن كلّ أمر أخبر به من البئر (7) بكلام يسمعه و يفهمه‏ (8).

909 و في بربى قفط صورة رجل جالس في دائرة و حوله كتابة (9) و على جميع دور الدائرة شياطين‏ (10) قيام بأيديهم حراب، يرمون بها ذلك الرجل، و الرجل رافع يده كأنّه يرميهم. فيقال‏ (11) إنّه من صوّر تلك الصورة في صفيحة ذهب و حملها معه و دخل الحرب لم يضرّه و لا عمل فيه حديد و لا غيره. يعمل ذلك في أوّل الهلال و يكون المشتري مسعودا. و حذاء هذه الدائرة من الجانب الآخر دائرة أخرى فيها رجل مكتوب على وجهه و حوله شياطين بأيديهم‏

____________

(1) ر: صحيفة.

(2) م: و راس-

(3) ر: في ذلك-

(4) سقطت من م-

(5) م: إليها من-

(6) م: مسطاس-

(7) م: البربي-

(8) ر: و يعقله.

(9) م: دابّة-

(10) ر: شيطانين-

(11) ر: فقيل-

550

حراب يضربونه بها، و قد شكّوها (1) في جسمه. فيقال إنّ من صوّر مثلها في صفيحة رصاص باسم عدوّ له و بخرها بشعر جمل في آخر الشهر و دفنها في ناووس تحت رأس ميّت لحقه كلّ مكروه و لم يزل عدوّه‏ (2) فزعا ميّت القلب، فإن تركت أكثر من ثلاث خيف عليه الهلاك، فإذا أخرجت‏ (3) و غسلت بماء بئر لا تراها الشمس و جعل ذلك الماء في إناء (مزجج أو في قدر حديد) (4) و شربها الرجل و جرد نقش تلك الصفيحة زال عنه ما يجده.

910 و على باب‏ (5) بربى أخميم طلسم: قطعة من حجر في صورة القلنسوة الطويلة معقّفة الرأس كأنّها منقار، يقال‏ (6) إنّ تحتها مالا عظيما، فجهد جماعة من الولاة أنفسهم في قلعها أو كسرها فلم يصلوا إلى ذلك، و تكسّرت المعاول عليها و لم يتثلّم منها شي‏ء.

911 و أخبرني رجل بأخميم أنّه رأى هناك صورة استحسنها، و هي صورة إنسان على رأسه طائر و إلى جانبه كلب رابض و تحت رجليه كتابة، و أنّه صوّرها في قرطاس كما رآها و حملها في جيبه، فأقام ثلاثة أيّام لم يجع و لم يأكل و لا اشتهى شيئا من الطعام، و لم يدر السبب في ذلك. ثمّ إنّه فكّر في تلك الصورة فنحاها عنه فاشتهى الطعام و أكل، فحدّث بذلك بعض الولاة فأخذها منه و رجع إلى البربى يطلبها (7)، فأشكل عليه موضعها و لم يصل إليها إلى أن أخبرني بذلك.

____________

(1) ر: حكوها-

(2) سقطت من م-

(3) م: أخرقت-

(4) م: بحم في قدر حديد.

(5) سقطت من م-

(6) ر: فقيل.

(7) ر: يطالبها.

551

912 و حدّث رجل منهم أنّ رجلا من أهل المشرق نزل عليهم و كان بصيرا، فتذاكروا أمر البربى فقال بعضهم‏ (1): إنّي رأيت صورة إنسان عريان مؤتزر (2) بمئزر و في يده اليمنى فأس له‏ (3) رأسان و فيه قفّة معلّقة. (فقال الشرقي) (4): إنّ لهذه الصورة عملا ينتفع به، فانسخه لي و ما حوله من الكتابة، و ليس يعمل بها إلّا أن تفسد من البربى. قال: فصوّرتها له فقال لي: أفسدها أخبرك بنفعها، فأطمعني في علم ذلك و أفسدتها و خدّشتها بمنقار كان معي حتّى انطمست و سألته عن العلم، فخلط عليّ و جرى ذكرها، (ثمّ إنّي بعد مدّة تذاكرت خبرها) (5) مع قوم نزلوا عندنا، فتلهّف أحدهم عليها (6) فسألته عن أمرها فقال إنّها إذا وضعت في موضع فيه كنز تحرّك ذلك الموضع و ارتفع منه كالغبار، فعلم‏ (7) أنّ فيه خبئا، و هذه دلالة الكنوز فأغمّني‏ (8) إذ كنت أفسدتها.

913 قال الوصيفي: و حدّثني من أثق به أنّهم أصابوا ببعض البرابي أشنانة زجاج أحمر مربّعة العمل موضوعة في طاق و فيها ماء أصفر، فلم يدروا لم يصلح، فأهرقوه منها و أخذها أحدهم، فأقامت عنده‏ (9) مدّة يستعملها، إلى أن رآها عنده رجل غريب (نزل عليهم، فاستطرفه فسأله عنها) (10)، فأخبره بأمرها و الماء الّذي كان فيها، فتلهّف ذلك الرجل على الماء و قال: لقد أضعتم علما كبيرا و خيرا كثيرا. و قال: إنّكم لو حميتم الفضّة و غمستموها في ذلك الماء لصارت ذهبا أحمر يحتاج إلى أزواج كثيرة (و أضعافا كثيرة حتّى يصير

____________

(1) م: لبعضهم-

(2) م: متزر-

(3) ر: لها-

(4) سقطت من م-

(5) ر: بعد مدّة. (و توجد هذه الفقرة في م في ترتيب آخر)-

(6) سقطت من م-

(7) ر: فيعلم-

(8) ر: فغمني.

(9) م: عندهم-

(10) سقطت من م-

552

ذهبا حسنا جيّدا) (1). قال: فندمت على تفريطنا (2) في ذلك الماء. فلمّا رأى ندمي ضحك و قال: أ تحبّ أن أريك منها عجبا؟ قلت: نعم. قال:

زنها و اعرف وزنها. ففعلت فوجدت فيها أربعة أرطال، فقال: املأها ماء أو ما أحببت. فملأتها (3) فقال لي: زنها الآن، فوزنتها فوجدت وزنها و هي ملئة (4) مثل وزنها و هي فارغة أربعة أرطال، لا تزيد و لا تنقص. فعجبت من ذلك و شاع خبرها فاتّصل ببعض الولاة فوجّه إليّ و أخذها.

(ذكر أوّل من ولّي مصر من الملوك) (5)

914 أوّل من ولي مصر عند قسمة الأرض بين ولد آدم زمن أنوش بوصيّة آدم (عليه السلام) نقراوش‏ (6) الجبّار بن مصريم‏ (7)، و يقال مصرام بن براكيل (بن راذيل بن غرناب) (8) بن آدم (عليه السلام)، خرج إليها (9) في خمسة و ثمانين‏ (10) من ولد أبيه غرناب، و له حمل من طشهرة (11) ابنة هرم، فولدت له ولدا سمّاه مصرم باسم أبيه. و معنى نقراوش الملك على ولد أبيه، و هو لقب و اسمه قرناش. و هو أوّل من اتّخذ المصانع و عمل الطلسمات و أقام الأساطين و رمز عليها التواريخ و بنى المدائن‏ (12)، و هو الّذي حفر النيل و كان قبل ينقطع و يستنقع و عمل للتماسيح‏ (13) في آخر بلاد النوبة صنمين على شرقيّ النيل و غربيّه و رمز فيها رموزا امتنعت التماسيح أن تنحدر فيه‏ (14).

و كانت كتابتهم بقلم الخلقطير، و هو قلم آدم ((عليه السلام)) (15)، و كان كاهنا عالما لربي من الجنّ من ولد الأسمور يقال له نكور، و كان قد وقع إليه بعض العلوم الّتي كان درابيل‏ (16) الملك علّمها لآدم، و عمل عجائب كثيرة

____________

(1) سقطت من م-

(2) ر: تفريطها-

(3) ففعلت-

(4) ر: ملا، م: على.

(5) ر: ذكر من ولي مصر أوّل من الملوك-

(6) م: نقداش-

(7) م ر: مصرم-

(8) ر: بن عرناب-

(9) ر: إليه-

(10) ر: و ثلاثين-

(11) م: صسهرة-

(12) ر: المدن-

(13) م: التماسيح-

(14) م:

فيها-

(15) سقطت من م-

(16) ر: زرايل-

553

منها صورة طير على أسطوانة عالية يصفّر كلّ يوم مرّتين عند طلوع الشمس و عند غروبها تصفيرا مختلفا يستدلّون به على ما يكون من الحوادث فيتأهّبون لها، و عمل صنمين من حجر أسود في وسط المدينة، إذا نظر إليها السارق لم يقدر على الانحياز عنهما حتّى يسلك بينهما فينطبقان عليه. و عمل في مدينة برسان‏ (1)، و هي الّتي بناها لابنه مصرم، قبّة ذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تمنعها من الشمس، فهلكت في الطوفان. و عمل على حدود برسان أصناما موجّهة إلى نواح مختلفة، إذا قصد (عليهم قاصد لسوء) (2) أرسلن عليه نارا أحرقته. و ملكهم مائتي سنة و ثلاثين سنة، فلمّا مات أقاموا يبكون عليه و يطوفون به على أعناقهم‏ (3) ثلاثين سنة.

915 ثمّ ملكهم بعده ابنه نقراوش، و كان عابدا لزحل، و حارب أمّة من الجنّ حتّى أدخلها في طاعته بالعزائم الشداد (4)، فبنى في صحراء الغرب مدائن معلّقات على أساطين تحيط بها مشبّكات من الذهب، و جعل فيها خزائن الحكمة، و لها أبواب تحت الأرض لا يوصل إليها إلّا منها، و جعل لها أقفالا و مفاتيح مدبّرات‏ (5). و كانت ثلاث مدائن في كلّ مدينة ثلاث خزائن فيها عجائب العلم و طرائف الحكمة و رموز الصنعة و أجرام من الماء المعقود لا يتحلّل‏ (6) و من الهواء المتجمّد لا يضمحلّ، و فيها مطهرة من ماء الحياة الصنعي الإلهي. و فيها صور الكواكب على أصنافها في بيوت شرفها و على رؤوسها أكاليل الغلبة و بإزائها صور الحكماء القيّمين‏ (7) بأمورها بأيديهم مصاحف الصنعة و جميع الطلسمات و العلوم. و ذلك كلّه من ضروب الأحجار الرفيعة و الجواهر النفيسة و الأجرام العجيبة ممّا يطول الكتاب بشرحه و يخرج من حدّ ما ألفناه له باستقصائه.

____________

(1) م: بركسان-

(2) ر: أرضهم أحد بسوء-

(3) ر: و رؤسائهم.

(4) ر: الشواذ-

(5) ر: مديرات-

(6) ر: لا ينحل-

(7) ر: المقيمين.

554

916 و جعل تحت الأساطين الّتي هذه المدن عليها خبايا عظيمة من الجوهر النفيس و الدرّ الخطير و سبائك الذهب و الفضّة (و الحجارة الرفيعة) (1) و البورقات الأصلية و العقاقير و المكتومة و الأدوية المؤلّفة، و صور هذه الخزائن في كلّ بربى من برابي مصر قد رمزوا عليها بخطوطهم المؤلّفة (2)، و خبرها مشهور في جميع مصاحفهم القديمة و هياكلهم المرسومة. و بنى نقراوش مدينة عمل فيها الجنّة بزعمه و جعل لها أسرابا (3) تحت الأرض يوصل منها إلى هذه الثلاث مدائن و يوصل من بعضها إلى بعض. و ملكهم مائة سنة و سبع سنين.

917 ثمّ ملك بعده أخوه سورث، و كان فيما يقال مؤمنا موحّدا فأغلق هياكل الكواكب، و قلّ ماء (4) النيل فرفضه بنو أبيه و خلعوه و ملّكوا أمرهم أخاه الأصغر مصرام المتقدّم الذكر. و كان جبّارا يطلب الحكمة، فزاد (5) في هياكل الكواكب و دخنها و قرابينها و احتفل في كساها و سندنتها، و ذلّل الأسد فركبها. و كان له ربّي فأمره أن يحتجب عن الناس و سحره، فألقى على وجهه نورا لا يتمكّن أحد من النظر إليه، فادّعى الإلهية و دعا الناس إلى عبادته، و زعم أنّ الأوطمس‏ (6) ألقى فيه روحه و أمره بذلك. و غاب عن الناس ثلاثين سنة و استخلف عليهم رجلا من قومه يقال له اللهون، و عمل في غيبته عرشا عظيما (7) من عظام دوابّ (البحر و دوابّ) (8) ولدها من الوحوش و السباع و عمّره بالأبالسة و ركبه، و مضى به الربي‏ (9) حتّى أشرف على البحر الأسود، فجعل في وسطه صنما من حجر أبيض (وزبر عليه) (10) اسمه و جعله قربانا للشمس.

____________

(1) سقطت من م-

(2) سقطت من ر-

(3) م: سرابا.

(4) سقطت من م-

(5) م: فزادها-

(6) ر: الأرمطس-

(7) سقطت من ر-

(8) سقطت من ر-

(9) م: الريح-

(10) م: و رمز عليها.

555

918 و عمل قلعة (1) الفضّة الّتي في البحر الأسود، و ذكر ذلك أليوس الكاهن في سفر ملوكهم. و رمز على كلّ‏ (2) صنم هناك: أنا مصرام الجبّار و مدوّخ‏ (3) الأشرار و جامع الأخيار و كاشف الأسرار و العالم القهّار، عرفت حقائق الأشياء و قدرت على تشتيت‏ (4) العقاقير و وضعت الطلسمات الصادقة و الصور الناطقة و أظهرت الحكمة العجيبة و كشفت الأمور الغريبة و نصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة و أقمت أصنام القرابين من عظام التّنانين ليعلم من بعدي أنّه لا ملك مثلي. و عمل في برسان شجرة يؤكل منها كلّ فاكهة و قبّة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، و وكل بأقرانها (5) شياطين إذا اختلط الظلام نادى كلّ شيطان منها في الناحية الّتي تليه: لا يخرج أحد من منزله حتّى يصبح، و إلّا هلك. و هو أوّل من عمل له الحمّام و ركب الوحوش الصعبة و أحبّ الناس أن ينظروا إليه بعد هذه المدّة (6)، فاجتمعوا إلى اللهون و رغبوا إليه أن يسأله ذلك، ففعل فأمر مناديا أن ينادي في الناس و أن يوجّه‏ (7) إلى جميع النواحي في حشرهم‏ (8) و جمعهم. فلمّا حضروا جلس لهم في مجلس عال قد زيّنه بأصناف الزينة و ظهر لهم في صورة هالتهم، و ملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا له‏ (9) على وجوههم و دعوا و شكروا إيّاه‏ (10). و مات و لم يعقب.

919 و بمصرام هذا سمّيت مصر لمّا دعا الناس إلى عبادته بعد الآلهة الّتي كان يتعبّد لها، و على ذلك سمّي مصريم‏ (11) بن بيصر (12) بن حام، و كان اسم مصر قبل ذلك أمسوس‏ (13)، و قيل إنّ اسمها كان مقدونية، و قيل إنّ اسمها كان في‏

____________

(1) م: القلعة-

(2) سقطت من ر-

(9) سقطت من ر-

(3) ر: و مؤرّخ-

(4) ر: منبت-

(5) ر: مع أبوابها-

(6) ر:

الأمور-

(7) م: يوجه به-

(8) م: حسدهم-

(10) م: أيامه.

(11) م ر: مصرم-

(12) سقطت من م، ر: قيصر-

(13) م: أفسيوس.

556

القديم أباريا، و قد قيل إنّ مصرام أوّل من بناها، و هذا لا يصحّ. و بلغ مصرام بسحره و كهانته ما لم يبلغه أحد قبله و لا بعده.

920 و ملك بعده عنقام الكاهن، فأقام فيهم‏ (1). عادلا بينهم رفيقا بهم، (و كانت همّته) (2) الإصلاح و العمارة و الإحسان إلى الناس. و في أيّامه رفع إدريس (عليه السلام)، و حدثت في وقته نار في الهواء أقامت ثلاثة أيّام.

و ملكهم عنقام إحدى و تسعين سنة و هلك‏ (3)، فأمرهم أن يدفنوه في الهيكل الّذي عمله للشمس في جرن‏ (4) من حجر أحمر (5) و يلطّخوا جسده بالموميا و تكون أكفانه من ثياب عملها من شعور ذبائح القرابين (و يجعل معه شي‏ء من عظامها و يدفن معه سيره. و ذكر أيّامه في مصحف اتّخذه من جلود حيوان القرابين) (6) و أمرهم (أن لا يقرب) (7) بشي‏ء من الذهب و لا الطيب.

921 و ملك بعده ابنه عرباق‏ (8)، و في وقته نزل هاروت و ماروت و علّماه أصنافا من السحر و عملا بمصر عجائب كثيرة، و كانا في بئر هنالك يقال له ربعوة. و قال أكثر المصريين إنّ هبوطهما كان من بعد الطوفان، ثمّ انتقلا من أرض‏ (9) مصر إلى أرض‏ (10) بابل. فرفض عرباق الهياكل و استخفّ بالسدنة، و كان منهمكا (11) في الشرب و الفسوق يشرب كلّ يوم مائتي رطل و يغتصب النساء على أنفسهنّ، و لا يسمع بامرأة حسناء إلّا نقلها إليه، و قتل من رادّه (في ذلك) (12)، و أقام يسوم قومه كلّ خسف‏ (13) ثمانين سنة، و كان يسكن‏

____________

(1) ر: فيها-

(2) ر: و كان همّه-

(3) ر: ثم هلك-

(4) ر: خزق-

(5) ر: أخضر، و على الهامش: و قيل أحمر-

(6) سقطت من ر-

(7) ر: أن يقرب جسده.

(8) م: عرفان، ر: عرناق، و التصحيح عن ابن وصيف شاه 143-

(9) سقطت من ر-

(10) سقطت من ر-

(11) ر:

منهتكا-

(12) ر: عنها-

(13) م: سوم-

557

الجنّة الّتي عملها نقراوش الملك. فسمّته امرأة من المغتصبات‏ (1) يقال لها شارد، هكذا في كتاب الوراثة لهود، و في كتاب المصريّين هرشة (2).

922 و ملك بعده لوحيم من ولد نقراوش الملك، فأحسن السيرة و أجهد نفسه في مصالح الرعية و بدأ بإصلاح الهياكل و تجديد المصاحف، و أمر بإحضار الكهنة و العلماء من أصحاب الطبائع و الطبّ و الصنائع و النجامة و الهندسة، فكانوا سبعة آلاف رجل و مائة (و أربعين رجلا) (3)، منهم الكهنة ألفان و ثلاثمائة، فيهم من الناظرين- و هم رؤساء الكهّان- سبعمائة، و بقية العدد حكماء في جميع الأعمال و العلم. فأمر بإثبات أسمائهم و إجراء ما يكفي كل واحد منهم، (و أمر أن يعمل له كلّ واحد) (4) أغرب ما يقدر عليه من الأعمال، و أمر أن يبنى له بناحية وفودة- و هي الإسكندرية- مدينة (5) ميلا في ميل من رخام‏ (6) ملوّن مشقوقة بجميع الأنهار (7)، و يقال إنّ هذه المدينة مدفونة تحت الإسكندرية، و فيها حكم عجيبة. و في وقته عملت أصنام درج الفلك ثلاثمائة و ستّين صنما، و سمّاها أرباب الصناعات‏ (8) لأنّ في يد (كلّ واحد منهم) (9) صناعة يعالجها. و في وقته عمل بيت الموجة (10)، و صوّرت فيه صورة كلّ كوكب في كلّ درجة من درج الفلك. و في وقته عملت المدينة اللطيفة الّتي تدور عن القاصد إليها فلا يقدر على دخولها إلّا بحكمة قد عملت لها و جعلت إلى الوصول إليها. و عمل في وقته القبّة الّتي عليها الأصنام الموجّهة إلى جميع الجهات، و في أعناقها أجراس، فإذا قصد بلدهم قاصد تحرّكت الأجراس الّتي تلي تلك الناحية و على قدر الزيادة و النقصان في أصواتها يكون ما يتخوّفونه من ضرر ذلك الوجه، فيتأهّبون لإزالته عنهم،

____________

(1) ر: المعتصبيات-

(2) ر: شرهة.

(3) م ر: و أربعة و ستين رجلا-

(4) سقطت من م-

(5) سقطت من م-

(6) ر: زجاج-

(7) ر: ما فيها-

(8) م:

الصناعة-

(9) ر: كل صنم منها-

(10) م: الموجد-

558

و ما عملوه بتلك الصور لحق من قصدهم من المكروه‏ (1) مثله. (و عمل مارستانات) (2) جعل فيها جميع الأدوية و العقاقير للمرضى، و لم يترك حالة (3) من وجوه البرّ إلّا عمله.

923 و خرج إلى ناحية المغرب حتّى بلغ وادي الرمل و عمل هناك‏ (4) منارا، و يقال إنّه قطع الوادي بالحيلة و السحر حتّى أشرف على الفوه‏ (5) الّتي يعتصر ماء البحر فيها و سمع دويا عظيما أجزعه‏ (6) و هاله‏ (7)، فرجع إلى أمسوس و سكن الجنّة الّتي عملها أبوه. و قد كان زوج هرشة الّتي سمّت عرباق، فولدت له كسفون، فقلّده الملك و طاف به على الهياكل و صوّر صورته فيها.

ثمّ استتر يرصد الفلك حتّى رأى مسير الكواكب، و مات في استتاره، و كان ملكه إلى أن قلّد ابنه مائة سنة.

924 فلمّا ملك كسفون لم تكن له همّة إلّا الأكل و الشرب و النساء، و استوزر سبعة من الكهنة يقيمون أمره، فكان أجلّهم عنده رجل يسمّى مزنة (8) و كان له روحاني يتبعه، فأمره بوقود النار و التقرّب إليها، فأعلم بذلك كسفون و قال له: إنّ في ذلك قوام ملكك. فأطلق له فعله فبنيت بيوت النيران و عظمت و أقيمت لها (9) الأعياد، فكانت تلك النار لا تضرّ البري‏ء إذا دخل فيها و تحرق المذنب، فكان الناس يتناصفون قبل الوصول إليها.

____________

(1) م: الكور-

(2) ر: و عمل بنو مرستانات بأرض فارس بانات-

(3) ر: حيلة.

(4) ر: عليه-

(5) ر: القرية-

(6) ر: أفزعه-

(7) م: و أهاله.

(8) ر: موقة-

(9) م: له.

559

925 و في وقته كانت سمندارة الكاهنة و كانت تناله بصنم لها يقال له أبرنج‏ (1)، و لها عرش تجلس فيه، فكانت الشمس لا تصل إليه، و كانت تخبرهم بما يعملون في بيوتهم و ما يجري بينهم و بين نسائهم (و تجترّ الأشياء إليها بسحرها) (2)، و لها مع كسفون خبر طويل. و هي الّتي نفخت في إحليل فتى كانت تحبّه فهيّمته، و أخرجها قومها من بينهم إلى ناحية الشام. و هلك كسفون بعد أن ملكهم سبعا و سبعين سنة من سقطة سقطها من بناء عال فاندقّت عنقه و مات‏ (3).

926 و ملك ابنه خصليم، و كان أبوه قد شرك في الملك بينه و بين (ابنته أخت خصليم من أمّه) (4)، و كانت من أعقل أهل زمانها. و هي التي عملت على حافة النيل بيتا من رخام و في وسطه بركة صغيرة و فيها ماء موزون على مقدار معلوم، و على حافة البركة طائران‏ (5) من نحاس على صورة عقابين ذكر و أنثى، فإذا كان في أوّل الشهر الّذي تسمّيه القبط بونة (6)- و هو الشهر الّذي يزيد فيه الماء- فتح الباب و أحضر أمناء الكهّان و تكلّموا بكلام لهم، فيصفّر أحد الطائرين‏ (7)، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا و إن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا، ثمّ يفتقدون الماء (8)، فكلّ إصبع يزيد على الماء الموزون فهو ذراع من زيادة النيل، و كلّ إصبع ينقص من ذلك الماء فهو ذراع ينقص من ماء النيل، فإن رأوه زيادة مسرفة (9) تفقّدوا الجسور و إن رأوا نقصانا زادوا في حفر التراع.

____________

(1) عن هامش ر-

(2) سقطت من م-

(3) سقطت من ر.

(4) ر: أخته خزدامة-

(5) ر: طيران-

(6) ر: يوريه-

(7) ر: الطيران-

(8) ر: و يعبرونه-

(9) م: مشرفة.

560

927 و ولد خصليم من الحمر و البقر دوابّا مركوبة لها قوة شديدة (1) و عمل عجائب. و تعشّق جارية لأخته يقال لها خولا (2) و وقع بينه و بين أخته نفار من أجلها، فتحوّلت إلى شرقيّ النيل و بنت‏ (3) هناك مدينة لطيفة و هيكلا (تنفرد فيه) (4) حتّى رأت و هي نائمة (5) في هيكلها الّذي بنته للزهرة كأنّها بين يدي الزهرة و هي تخاطبها و تقول لها: لأيّ شي‏ء (6) وجدت على أخيك في جاريتك فلانة؟ قالت: لأنّي أنفت له منها و لم آمن أن تلد له فتضع من قدره. قالت: و أيّ ضعة في ذلك و أنتم معشر البشر من أب واحد و أمّ واحدة؟ و إنّما تعاليتم فاستعبد بعضكم بعضا، و اعلمي أنّه لابدّ لأخيك منها و أنّه لا يولد له من غيرها، و سيولد له منها ولد و يكون مرضيّا عدلا معظّما للآلهة تنزل روحانياتها عليه و يملك الناس دهرا طويلا و تكون أيّامه سعيدة، و لا يزال الناس بعده في دون أيّامه إلى أن تكون الآية (7) الحادثة من السّماء، و إلى كذا و كذا يكون‏ (8) اجتماعهما و تحمل منه بعد كذا و كذا و هو وقت مسعود، و سيراها أخوك في منامه و تشكو إليه وجدها به، فيزداد شغفه بها و سيذكر لك أمرها فلا تخالفي فيها عليه.

928 فلمّا كان بعد حين خاطبها أخوها فيها فعرّفته أنّها لم تكن منعته إلّا ضنّا بمثله عنها، إلى أن عرفت أنّه لا يكون له‏ (9) ولد إلّا منها، و لعلّ في اجتماعهما خيرا كثيرا. و زيّنت الجارية بأحسن زينة و أجلّ المتاع و بعثتها إليه، و خلا بها الملك‏ (10) و سرّ بها سرورا مفرطا. و عزم الملك على أخته خردادمة (11) أن تعود

____________

(1) ر: قوة و شدة-

(2) م ر: دخولا-

(3) م: و بنيت لها-

(4) سقطت من م-

(5) ر: قائمة-

(6) م: حال-

(7) م: الولاية-

(8) م: يوما.

(9) سقطت من ر-

(10) سقطت من ر-

(11) سقطت من م-

561

إلى موضعها و تنظر فيما يخصّ و يعمّ من أمر المملكة. و سار إليها جماعة من الكهنة فأعلموها أنّ قيامها بشأن الرعية و انقيادها لأمر أخيها (1) أعود عليها بما تبتغيه من الأجر، فرجعت إلى دار الملك و كانت تزور موضعها ذلك و هيكلها. و وضعت خولا للملك ولدا سمّاه هرصال أي‏ (2) خادم الزهرة، و شبّ أحسن شباب و طلب الحكمة من كلّ فنّ فصار من أهلها. و مات أبوه من سيل‏ (3) أصابه بعد أن ملكهم ثمانيا و سبعين سنة.

929 و ملك (بعده ابنه) (4) هرصال، فعمل عجائب منها صنم يدور بدوران الشمس فيمسي مغربا و يصبح مشرقا و تنكر (5) حتّى تشقّ الأمم و تبيّن‏ (6) اختلاف الأهوية و أخلاق الناس و عجائب البلدان. ثمّ انصرف بعد مدّة، و في أوّل أيّامه ولد نوح (عليه السلام). و بعد مائة سنة من ملكه لزم بعض الهياكل متعبّدا و تجلّت عليه روحانية الكواكب فيما زعموا، فحجبته عن أعين الناس فلم يعرف له خبر و لا عمل له ناووس (و تجلّت عليه تلك القوى) (7) بعد لزومه الهيكل عشرين سنة، و بقي الناس بعد ذلك لا يشكّون في حياته سبع سنين إلى أن تشاجر بنوه فاستبان الناس أنّه مفقود.

و كانت مدّة ملكه مائة و سبعا و عشرين سنة.

930 ثمّ ملك الناس بعده ابنه فدرشان‏ (8) بعد اختلافهم‏ (9) في أيّ بنيه يملّكونه، فغلبت عليه امرأة (من نسائه) (10) من بنات الكهنة فسحرته‏

____________

(1) ر: أبيها-

(2) ر: بن-

(3) ر: شي‏ء، و في الهامش: و قيل سيل.

(4) سقطت من ر-

(5) م: و يمسي-

(6) م: و يتبيّن-

(7) م ر: و تجلبت عليه تلك القرى.

(8) م ر: نرسان-

(9) ر: اختلاف منهم-

(10) سقطت من م-

562

فانفردت به، و كان أكثر مقامها معه في جبل المقطّم في مصانع بناها أجداده على نهر هناك، فتصيّد يوما بين تلك الجبال فسقط في وهدة فهلك. و قد كان أولد الساحرة ولدا مشوّه الخلق، و كانت أمّه قد جعلته وقفا على الشمس و سادنا لصنم الشمس. و قد كان وقت هلاك أبيه صغيرا، فسترت الساحرة موته و كانت تراسل الناس عنه‏ (1) و توهمهم أنّه حيّ، فأقامت على ذلك تسع سنين إلى أن تداعى إخوته بعصيانه، و قد كان غرّبهم و نفاهم، فرجعوا إليه فيمن قدروا من الناس و القائم بأمرهم شمرود بن هرصال، فكانت بينه و بين السّاحرة حروب، ثمّ غلب على أمسوس‏ (2) دار الملك، فكانت مدّة ملك فدرشان‏ (3) إلى أن ملك شمرود أربعا و ثمانين سنة.

931 فملكهم شمرود (و أيّد و قهرهم) (4) و غيّر معالم أخيه فدرشان و جعل‏ (5) لمن ورد عليه‏ (6) من ولده ما فعل هو بهم، و احتجبت عنه الساحرة و ابنها بسحرها فلم يقدر عليها، و احتملت‏ (7) هي و ابنها إلى مدينة كان السحرة يجتمعون بها في ذلك الزمان بناحية أنصنا، فأقامت بينهم و عرّفتهم أنّ ابنها هو الملك و أنّ أباه قلّده و لا بدّ له من الغلبة و القهر. فصدّقتها جماعتهم و بنوا للغلام بنيانا عظيما تحصّن به هو و أمّه، و حصّنت الساحرة تلك المدينة و بنت عليها الطلسمات و أظهرت الأموال و دعت الناس إلى ابنها، فاستفحل أمرها و جيّشت الجيوش إلى شمرود، فكانت بينهم حروب و ضروب من السّحر من التصادم في الهواء و إظهار النيران في الجو و غير ذلك، و كانت الغلبة لها، فتعلّق شمرود ببعض البلاد (8) هو و إخوته و ظفرت هي بدار المملكة و الجنّة الّتي كانت لهم، و أجلست ابنها على سرير الملك.

____________

(1) سقطت من م-

(2) م: أفسوس-

(3) ر: نرسان، م: ندهشان.

(4) م: بأيد و قهرهم، ر: و ايد و قهر-

(5) ر: و فعل-

(6) سقطت من م-

(7) ر: و تحملت-

(8) ر: الجبال.

563

932 و كان اسمه تسيدون‏ (1) باسم الشمس، و لم تزل في طلب شمرود إلى أن ظفرت به، فأمرت بشدّ رأسه باسطوانة و رجليه بأخرى. و كان طوله فيما تقول القبط عشرين ذراعا، فتزعم القبط أنّ السّاحرة جعلته حجرا، و قيل أيضا (2) إنّها كانت تجفّف منه عضوا عضوا حتّى جفّ كلّه. و وطأت‏ (3) الملك لابنها و خرج كاهنا عرّافا (4) منجّما، و جلبت إبليس و كان يسعى في حوائجه و أكثر العجائب (عملت في وقته) (5) منها قبّة الزجاج الكرّية (6) الدائرة بدوران الفلك و فيها صور الكواكب الثابتة و النيّرة و درجها، فكانوا يأخذون الطالع منها، و هذا من عمل الشياطين و غير ذلك ممّا لا نستجيز ذكره لخروجه عن المعقول.

933 و بعد ستّين سنة من ملكه ماتت الساحرة، و قيل إنّها أمرت أن يحمل جسدها تحت صنم القمر فتخبرهم بكلّ ما يسألونه عنه، ففعلوا ذلك و كان كما قالت، و علّمت ابنها كثيرا من علمها. و نكح ابنها أخته فولدت له ولدا سمّاه سرباق‏ (7) باسم أحد الأبالسة الّذين تجلّبتهم إليه‏ (8). و لمّا علم بحضور وفاته أمر أن يعمل له صورة صنم من زجاج على شقّتين‏ (9) (و يوضع في إحداهما و يطبق عليه الأخرى و يلحم بزجاج و لا يوضع على جسده غير لطوخ (؟) الموميا و العقاقير الممسكة) (10)، و أن يوضع ذلك الصنم في الهيكل مع الأصنام القائمة الناطقة.

____________

(1) ر: تشديدون-

(2) سقطت من ر-

(4) سقطت من ر-

(5) سقطت من ر-

(3) ر: فبقا-

(6) ر: الكورية.

(7) عن ابن وصيف شاه 149، و في م ر: شرناق-

(8) سقطت من ر-

(10) سقطت من ر-

(9) ر: شقين.

564

934 و ملك ابنه سرباق و عمل عجائب، منها أنّه عمل على كلّ مدينة من مدنه صورة بطّة من نحاس، فإذا جاء الغريب ليدخل إليها صرخت تلك البطّة و سفقت بجناحيها، فيعلم أنّ غريبا دخل فيطلب. و إنّما (1) فعل ذلك لأنّ بعض الملوك أراد غدره، فظفر به سرباق و ملكهم مائة و ثلاث سنين.

935 ثمّ ملك أخوه شهلوق، و هو الّذي رتّب‏ (2) مراتب الناس و قسم ماء النيل أقساما، (و رتّب على أهل كلّ صناعة رئيسا) (3)، (و أقام سحرة لقسم) (4) الطرقات على الوحش فلا يسلك بعضها طريق بعض، و أقام لجميع أسباب الضرر طلسمات بدفعها و لم يترك شيئا فيه خير و فضل إلّا عمله.

فلمّا تفرّغ من ذلك انفرد لجمع‏ (5) العلوم و تخليدها في الكتب و كنز الكنوز، و كنز خمسة و أربعين كنزا. و ملكهم مائة و تسع سنين.

936 ثمّ ملك ابنه سوريد (6) صاحب الأهرام، و قد تقدّم ذكره.

و ملك بعده أخوه هرجيت‏ (7)، و هو أوّل من كسا الهرمين‏ (8) بألف ألف ثوب في عرض كثير و طول كبير إعظاما لأبيه و أخيه، و في زمنه ابتدأ عقم‏ (9) النساء لما تقارب من وقت‏ (10) هلاك الأمّة.

____________

(1) م: و ربّما.

(2) م: بنى و رتب-

(3) م: و رتب أهل كلّ صناعة و عليهم رئيس-

(4) ر: و بلغ بسحره أنه يقسم-

(5) م: بجميع.

(6) م ر: شونرين-

(7) عن ابن وصيف شاه 171، م: هرجيب، ر: حيلب-

(8) م:

الصنمين-

(9) ر: علم-

(10) سقطت من ر.

565

937 و ملك بعده ابنه مناوش، فظلم و سفك الدماء و اغتصب مائة و سبعين امرأة و استخرج كثيرا من كنوز أبيه‏ (1)، فبنى منها قصورا و رصّعها (2) بالجوهر و الياقوت‏ (3) و عمل فيها بركا صبّ فيها الجواهر و أرسل عليها المياه، و استجهل من مضى من آبائه، (و استعبد الناس) (4) و استخفّ بالهياكل.

و في زمنه كان فرناس الّذي كان يعدّ بألف رجل وحده‏ (5) و كان يقاتل أمّة وحده‏ (6)، و كان من رجاله، (و قد وفد عليه) (7) من بقية ولد آدم، و كان يختطف الرجل بيده فيضرب به الجماعة فيقتلهم معا. و أقام مناوش ملكا ثلاثا و ثلاثين سنة.

938 و ملك بعده أخوه أفروس‏ (8) فترك الظلم و تحبّب إلى الناس و عمل عجائب، منها قبّة في الجنّة الّتي كانت لنقراوش‏ (9) لطخها بلطوخات، فإذا كان الليل اشتعلت نارا ترى على البعد و اتّقدت إلى الصبح، فإذا طلعت الشمس ارتفع ذلك الوقيد. و طلب النسل من ثلاثمائة امرأة فلم يقدر عليه لأنّ أرحام النساء عقمت. و في وقته شاع خبر نوح (عليه السلام) و إنكاره للأصنام.

و ملك أربعا و تسعين‏ (10) سنة و لم يكن له ولد و لا أخ.

939 فارتضى الناس من أهل بيت المملكة أرمالينوس‏ (11) فشرك في أمره فرعان بن مسور (12) من بني عمّه، و كان أحد الجبابرة (فرعان هذا) (13) و من رؤساء

____________

(1) م: آبائه-

(2) ر: و رصفها-

(3) سقطت من م-

(4) سقطت من ر-

(5) سقطت من ر-

(6) من هنا يستأنف س-

(7) س: و قد غلبه.

(8) كذا في س، ر: أفروش، م: فروس-

(9) في المخطوطات: لمقدام-

(10) س ر: و خمسين.

(11) م: ارماليوس-

(12) م: فسور-

(13) سقطت من س.

566

السحرة، فقهر له أعداءه و فتح البلاد، فبعثت فيه امرأة من نساء الملك و وافقته على أن تقتل الملك بالسمّ و يلي فرعان الملك ففعلت.

940 و ملك فرعان و تجبّر و علا و قهر، و أصل الفراعنة مشتقّ من اسمه. و كتب إلى فرعان درمشيل‏ (1) بن عويل الأكبر (2) يذكر له خبر نوح (أنّه قد ظهر) (3)، فكتب إليه فرعان يشير عليه بقتله، فهلك هو و درمشيل في الطوفان، (و اللّه بغيبه أعلم) (4).

ذكر أوّل من نزل مصر بعد الطوفان‏

941 و أوّل من نزلها (5) بعد الطوفان (مصريم بن بيصر) (6) بن حام بن نوح بدعوة سبقت له من جدّه. و روي عن ابن عبّاس أنّه قال: دعا نوح (عليه السلام) لمصريم بن بيصر بن حام بن نوح، و هو أبو القبط، فقال: اللّهمّ بارك فيه و في ذرّيته و أسكنه الأرض المباركة (7) الّتي هي أمّ البلاد و غوث العباد و الّتي نهرها أفضل (أنهار الدّنيا) (8)، و اجعل فيها أفضل البركات و سخّر له و لولده الأرض و ذلّلها لهم و قوّهم عليها.

____________

(1) م: دومنسيل-

(2) م: بن مشيل الأكبر-

(3) عن م.

(4) عن م.

(5) س ر: نزل مصر-

(6) م: مصر بن قيصر، ر: مصرم بن نيصر، س: مصريم بن ينصر-

(7) ر: المقدسة المباركة-

(8) م: الأنهار في الدنيا.

567

942 و كان السبب في نزوله إيّاها أنّ فيلمون‏ (1) الكاهن سأل نوحا (عليه السلام) أن يخلّصه‏ (2) بأهله‏ (3) و ولده بعد أن صدّقه و آمن بالله. فلمّا انجلى الطوفان قال له: يا نبيّ اللّه اجعل لي رفعة و قدرا أذكر به بعدي. فزوّج نوح بيصر (4) بن حام من بنت فيلمون، فولدت له ولدا سمّاه فيلمون مصريم باسم جدّه.

فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فيلمون: يا نبيّ اللّه إنّ بلدي أولى الناس به ابني، فابعثه‏ (5) معي و أمضي به إليه و أظهره على كنوزه و أوقفه على علومه و رموزه. فأنفذه معه و مع جماعة من أهل بيته ذوي أيد و قوّة، فقطعوا الصخور و بنوا المعالم و المصانع. و قيل إنّ عددهم كان ثلاثين رجلا و بنوا مدينة سمّوها ماقة، و معنى ماقة بلغتهم ثلاثون، و هي منف.

و كشف فيلمون عن كنوز مصر و علّمهم خطّ البرابي و (أبان لهم المعادن من الذهب) (6) و الزبرجد و الفيروزج و غير ذلك و أطلعهم على عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام‏ (7)، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي، فسمّي به المقطّم. و تزوّج مصريم امرأة من بنات الكهنة، فولدت له أربعة نفر منهم قفطيم‏ (8).

943 و إليه عهد بعد موته، و أمره أن يحفر له تحت الأرض سربا و يفرشه بالمرمر الأبيض و يجعل جسده فيه و يدفن معه جميع ما في خزائنه. فحفروا (9) له سربا طوله مائة و خمسون‏ (10) ذراعا و جعلوا في وسطه مجلسا مصفّحا (11)

____________

(1) م: قلمون، س: فلميون-

(2) ر: يخصه-

(3) سقطت من س ر-

(4) في النسخ: قيصر-

(5) م: فابعثهم-

(6) ر: و أطلعهم على كنوز الذهب-

(7) عن ابن وصيف شاه 181، م ر:

ميقطام، س: مقطام-

(8) في النسخ: قيطيم.

(9) ر: فحفر-

(10) م: مائة و سبعون-

(11) م: ملبسا مصفحا-

568

بصفائح الذهب، له أربعة أبواب على كلّ باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصّع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، و نقشوا في صدر كلّ تمثال آيات عظام و اسما من أسماء اللّه تعالى مانعة من أخذه.

و جعلوا جسده في جرن‏ (1) من زبرجد مصفّح بالذهب و رمزوا على مجلسه:

مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت من أيّام الطوفان و مات و لم يعبد الأصنام إذ لا هرم و لا أسقام (و لا حزن و لا اهتمام) (2) و حصن مجلسه هذا بأسماء اللّه العظام لا يصل إليه إلّا ملك ولد له سبعة ملوك يدين بدين الملك الديّان و يؤمن بالمبعوث بالقرآن الداعي إلى الإيمان الطاهر في آخر الزمان. و جعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من (الزبرجد المخروط) (3) و ألف تمثال من الجوهر النفيس و ألف برنية مملوءة درّا من الدر الفاخر، و وضعوا هناك الصنعة الإلهية و العقاقير السرّية (4) و الطلسمات العجيبة و أكوام سبائك الذهب بعضها على بعض، و سقفوا (5) ذلك بالصخور العظام و جعلوا فوقها الرمال بين جبلين متقابلين بينهما (6) علامات.

944 و ولي ابنه‏ (7) قفطيم الملك بعده و أقباط (8) مصر بنوه، و هو أوّل من عمل العجائب و شقّ الأنهار و لحق البلبلة و خرج منها بهذه اللغة القبطية، و ملكهم ثمانين سنة، و دفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل و صفح بالمرمر و جعلت فيه (منافذ للريح، فهي تتخرّق فيه بدوىّ عظيم هائل و جعلت) (9) أكراس نحاس‏ (10) مطلية بأدوية مشعّلة لا تطفأ أبدا، و لطخوا جسده بالمرّ و الكافور و الموميا، و جعلوه في جرن من ذهب في ثياب منسوجة بالدرّ و المرجان، و كشفوا عن وجهه، و الجرن تحت قبّة عظيمة على عمد مرمر

____________

(1) ر: خرق-

(2) سقطت من س-

(3) م: زبرجد مخروطة-

(4) س: السّنية-

(5) م: و رصعوا ر: و رصفوا-

(6) ر: فيها.

(7) سقطت من س ر-

(8) في النسخ: و أنباط-

(9) سقطت من س-

(10) م س: أكوا من نحاس-

569

ملوّنة، (و في وسط القبّة جوهرة معلّقة كالسراج المضي‏ء، و بين كلّ عمودين تمثال في يده أعجوبة، و جعلوا حول الجرن توابيت مملوءة) (1) جوهرا و درّا نفيسا و مصاحف الحكمة (2)، و سدّوا (3) على جميع ذلك الصخور و الرصاص و رمزوا عليه كما رمزوا على ناووس أبيه.

945 و تولّى‏ (4) بعده ابنه قفطويم، و كان جبّارا عظيم الخلق، و في أيّامه هلكت عاد بالريح. و بقي ملكا أربعمائة سنة، و كان قد عمل لنفسه قبل موته سربا تحت الأرض معقودا على آزاج في الجبل الغربي قرب مدينة العمد، و نقر تحت الجبل كهيئة الدار العظيمة، و جعل تحت دورها خزائن واسعة منقورة، و جعل في أعلاها مسارب الرّياح، و بلطت جميع الدار بالمرمر. و جعل في وسط الدار مجلسا مثمنا ملوّنا (5) مصفّحا بالزجاج الملوّن و الذهب، و جعل في سقفه جوهرا و حجارة تسرج، و في كلّ ركن من أركان المجلس تمثال ذهب بيده كالبوق الّذي يبوّق به، و جعل تحت القبّة دكّة مصفّحة بالذهب (مطوّقة بالزبرجد، و فرش فوق الدكّة فرش خزّ منسوج بالذهب) (6)، و جعل جسده عليها بعد أن طلي بالأطلية المجفّفة و جعل حواليه آلات كافور مخروطة، و سدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، و وجهه مكشوف و على رأسه تاج مكلّل و على صدره من فوق الثياب سيف صاعقي قائمه‏ (7) زبرجد، و على جوانب الدكّة أربعة تماثيل مجوّفة (8) من زجاج مسبوك في صور النساء و ألوانهنّ و بأيديهنّ كالمراوح من ذهب. و جعل في تلك الخزائن من الزبرجد و الياقوت‏ (9) و الذهب المسبوك و فاخر الجوهر و الدرّ و برابي (؟) الحكمة (10) و أصناف العقاقير و الطلسمات و المصاحف الحاوية لجميع العلوم ما لا يحصى قدره كثرة. و جعل على مدخل‏ (11) كلّ أزج صورتين من نحاس‏

____________

(1) سقطت من ر-

(2) م: الكهنة و الحكمة-

(3) ر: و شيّدوا، م: و شدّوا.

(4) م: و ولي-

(5) عن ر-

(6) سقطت من ر-

(9) سقطت من ر-

(7) م: قوائمه-

(8) م س: مجوفات-

(10) ر: الحكم-

(11) ر: باب-

570

مشوّهتين بأيديهما سيفان كالبرق، و قدّامهما بلاطة تحتها لوالب، فمن وطئها ضرباه بسيفيهما فقتلاه‏ (1). و سدّت أبواب الآزاج بالأساطين المرصّعة و رصّوا (2) على سقف البلاط بالصخور (3) العظام و ردموا فوقها الرمال و رمزوا على باب الأزج: هذا المدخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم السيّد قفطويم ذي الأيد و الفخر و الغلبة و القهر، فلا يصل أحد إليه و لا يقدر عليه أفل شخصه و جسمه‏ (4)، و بقي ذكره و علمه.

946 ثمّ ملك بعده ابنه البودشير، و هو الذي بعث هرمس المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته‏ (5) حتّى عمل له هناك هيكل التماثيل من النحاس و عدل البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النيل، و عدل جنبي النيل و قد كان يغيض و ربّما انقطع في مواضع. و البودشير هو الّذي أمر بعمارة بلاد الواحات في المغرب و حوّل إليها جماعة من أهل بيته، فعمروها. و كانت أرضا واسعة متخرقة بالمياه و العيون كثيرة الكلأ و العشب، و أقاموا كذلك مدّة و خالطهم البربر و نكح بعضهم في بعض، ثمّ وقع بينهم تحاسد و بغي (و جرت لهم حروب) (6)، فخرب البلد و باد أهله إلّا بقية يسيرة.

و للبودشير في السحر عجائب سيأتي ذكر شي‏ء منها بعد هذا إن شاء اللّه.

947 ثمّ ملك بعده ابنه عديم‏ (7)، و هو أوّل من صلب، و ذلك أنّ امرأة و رجلا زنيا فأمر بصلبهما على منارين بنيا لهما، و جعل ظهر كلّ واحد منهما إلى ظهر (8) صاحبه، و زبر (9) على المنارين اسميهما و ما فعلا و تأريخ الوقت الذي عملا

____________

(1) سقطت من ر-

(2) ر: ورصفوا-

(3) بالصخور: عن ر-

(4) م: و جسده.

(5) م: منه-

(6) م: و حدثت لذلك حروب.

(7) م: رعديم-

(8) سقطت من م-

(9) ر: و رمز-

571

ذلك فيه، فانتهى الناس عن الزنى. و ناووس عديم هذا من أعاجيب الدنيا، و هو في صحراء قفط على وجه الأرض، قبّة عظيمة من زجاج أخضر قطرها مائة ذراع براق معقود على ثمانية آزاج، و ارتفاع القبّة في الهواء أربعون ذراعا يخضرّ بخضرتها ما حولها من الأرض، و على رأس القبّة طائر من ذهب منشور الجناحين موشّح بجوهر يمنع من الوصول إليها (1) و جسده في وسط القبّة على سرير من ذهب مشبّك، و هو مكشوف الوجه عليه ثياب منسوجة بالذهب منظومة بالجوهر، و في جنبات القبّة مائة و سبعون مصحفا من مصاحف الحكمة و سبع موائد عليها آوانيها، منها مائدة من أدرك روماني أحمر و أوانيها منها، و منها مائدة ذهب فليموني تخطف الأبصار، و هو الذهب الذي يعمل منه تيجان الملوك و آنيتها منها، و منها مائدة من حجر الشمس المضي‏ء بآنيتها، و مائدة من الزبرجد الذي يخالط لونه شعاع أصفر بآنيتها. و هذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعي سالت عيونها. و مائدة كبريب أحمر مدبّر (2) على ما ذكروه من تدبيره في مصاحف حكمتهم‏ (3) بآنيتها، و مائدة من‏ (4) ملح أبيض برّاق يكاد نوره يخطف (الأبصار بآنيتها) (5) و مائدة من زئبق أحمر معقود) (6)، و حافتاها و قوائمها من زئبق أصفر معقود و آنيتها (من زئبق أحمر معقود) (7) 948 و جعل في القبّة معه جواهر عظيمة و برابي صنعة مدبّرة، و جعل حوله سبعة أسياف صاعقية و كاهنية، و جعل معه تماثيل أفراس من ذهب عليها سروج من ذهب و عدّة (8) توابيت مملوءة من الدنانير (9) التي ضربها و صوّر عليها صورته. و قد ذكر من رأى القبّة و أقاموا عليها أيّاما، فما قدروا على الوصول‏

____________

(1) م: إليه-

(2) م: مدبرة-

(3) م: الحكمة-

(4) سقطت من م ر-

(5) سقطت من م س‏

(6) م: منها.

(7) سقطت من م-

(8) م: و عنده-

(9) م: مالا دنانير و دراهم.

572

إليها و أنهم إذا قصدوها و كانوا على مقدار ثمانية أذرع منها دارت القبّة عن أيمانهم و شمائلهم و قد عاينوا ما فيها. و من أعجب ما فيها أنّهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون من أزج من الآزاج إلا مثل الذي يرون من الآخر على معنى واحد لا يختلف. و ذكروا أنهم رأوا وجهه في قدر ذراع و نصف بالذراع الكبير و لحيته كبيرة و قدّروا طول بدنه عشر أذرع و زيادة و رأوا بها عجائب عظيمة.

949 ثمّ ملك بعده‏ (1) ابنه شدات‏ (2)، و هو أوّل من اتّخذ الجوارح للصيد و ولد الكلاب السلوقية من الذئاب و الكلاب و عمل البيطرة و علاجات الدوابّ، و اتّخذ من الطلسمات و المصانع‏ (3) ما لا يحصى كثرة، و جمع التماسيح بطلسم عمله لها في بركة بناحية أسيوط و كانت تنصبّ إليها من النيل انصبابا، فيقتلها و يستعمل جلودها في السفن و غيرها. و عمل صورة صنم قائم له إحليل ظاهر، إذا أتاه المعقود و المسحور و المعترض و من لا ينتشر فمسحه بكلتا يديه أنعظ و ذهب ما به. و عمل صورة بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحت عليها المرأة التي لا يدرّ لبنها (درّ لبنها لحينه) (4). فأقام شدات تسعين سنة ملكا.

و خرج يطرد صيدا فأكبّه فرسه من وهدة فقتله. و كان قبل ذلك قد خالفه‏ (5) بعض خدمه في أمر، فألقاه من أعلى جبل إلى أسفله فتقطّع جسده‏ (6) و ندم على فعله ذلك، فرأى‏ (7) أنّه سيصيبه مثله. فكان يتوقّى أن يعلو (8) جبلا أو شرفا، و أمر أن يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه فيه ما يلحقه و يزبر (9) عليه: ليس ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب و لا يفعل ما لا يجوز له فعله. هذا ناووس شدات الملك، عمل ما لا يحلّ له فكوفى‏ء عليه بمثله.

____________

(1) سقطت من م-

(2) م: شداب، ر: شذاث-

(3) عن ر-

(4) م: عاد اللبن و درّ-

(5) م:

خالف عليه-

(6) ر: جسمه-

(7) م: فرأى في المنام-

(8) ر: يصعد-

(9) م: و يرسم، ر: و يرمز.

573

950 ثمّ ملك بعده منقاوش‏ (1) ابنه، و هو الذي نشر الحكمة في الناس و بثّ‏ (2) منها ما كان مكتوما، و أمر بنسخ مصاحفها بخطوط العامّة ليتعلّموها. و هو أوّل من عمل الحمّام من ملوك مصر، و يقال إنّه‏ (3) هو الذي بنى مدينة منف لبناته و كنّ ثلاثين بنتا، و رحلن إليها. و كان له عدّة من النساء من بنات عمّه و بنات الكهنة. و عمل تمثالا روحانيّا من صفر مذهب، فكان لا يمرّ به زان و لا زانية إلا كشف عورته بيده. فكان الناس يمتحنون بذلك‏ (4)، فامتنعوا من الزنى. و بنى هيكلا للسحرة على جبل القصير و قدّم عليهم رجلا منهم، و كانوا لا يطلقون الرياح للمراكب إلا بضريبة يأخذونها من أهلها.

و كان إذا ركب عملوا بين يديه التخاييل الهائلة فتعجّب الناس من أعمالهم.

و قسم خراج البلد أرباعا، و كان منتهاه حينئذ مائة الف‏ (5) ألف و ثلاثة آلاف ألف، فربع للملك خاصّة يصرفه فيما يشاء (6)، و ربع لأرزاق جنده، و ربع ينفقه في مصالح الأرضين و المدن و ما يحتاج إليه من عمل جسور و حفر خليج و بناء آبار (7) و تقوية أهلها على العمارة، و ربع يكنز (8) و يدفن عدّة للملك.

و هلك منقاوش بعد احدى و سبعين سنة من ملكه من طاعون أصابه، و قيل سمّ في طعامه، و عمل ناووسه في صحراء المغرب.

951 ثمّ ملك بعده ابنه مناوش؛ و هو أوّل من عبد البقر، و ذكروا أنّ السبب في ذلك أنه كان اعتلّ علّة يئس فيها من نفسه‏ (9)، و أنه رأى في منامه صورة روحانيّ عظيم يخاطبه و يقول له: لا يخرجك من علّتك إلّا عبادتك للبقر لأنّ الطالع كان عند حلولها به‏ (10) في صورة ثور بقرنين. فأمر بأخذ (ثور

____________

(1) س ر: مقناوش-

(2) ر: و بعث-

(3) سقطت من م-

(4) عن ر-

(5) ر: مائتي ألف-

(6) م: شاء-

(7) ر: آثار-

(8) ر: يكثر.

(9) م: منه-

(10) م: بك-

574

أبلق) (1) حسن الصورة، و عمل له مجلسا في قصره عليه قبّة مذهّبة (2) و وكّل به سادنا، و كان يبخّره و يطيّبه و يتعبّد له سرّا من أهل مملكته. فبرى‏ء من علّته و عاد الى أحسن أحواله.

952 و قال آخرون إن السبب في ذلك أنه كان أوّل من عملت له العجل و رصعت بالذهب و عملت له عليها قباب من خشب و فرشت بفاخر الفرش، و كانت البقر تجرّه، فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه، و إن‏ (3) مرّ بالمكان الخرب أمر بعمارته، و قيل إنه نظر إلى ثور من البقر التي كانت تجره أبلق حسن الشبه، فأمر بترفيهه و سوقه بين يديه، و جعل عليه حللا (4) من فاخر الديباج، فتفرّد به يوما ينظر إليه، فبينما هو قائم بين يديه إذ خاطبه الثور فقال: لو رفهني الملك كفيته جميع ما يريد و عاونته على أموره‏ (5) و قوّيته على ملكه و أزلت عنه جميع علله. فارتاع الملك‏ (6) لذلك و أمر به حينئذ (7) أن يغسل و يطيّب و يدخل الهيكل، و أمر بعبادته، فأقام ذلك الثور يعبد مدّة و كانت فيه آية:

لا يروث و لا يبول و لا يأكل إلا أطراف ورق الشجر في كل شهر مرّة. فافتتن الناس به و صار ذلك أصلا لعبادة البقر.

953 ثم إن ذلك الثور بعد مدة (8) من عبادته أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف و تؤخذ من رأسه شعرات و من ذنبه و من لحا قرونه شي‏ء و من أظلافه و تجعل في ذلك التمثال، و عرّفهم أنه يلحق بعالمه، و أمرهم أن يجعلوا جسده‏

____________

(1) م: الثور و كان ثور أبلق-

(2) ر: ذهب.

(3) س ر: و إذا-

(4) ر: جلالا-

(5) ر: أمره-

(6) سقطت من س ر-

(7) سقطت من م.

(8) م: بعد ذلك و بعد مدّة-

575

في جرن من حجارة و ينصب في الهيكل و ينصب تمثاله عليه، و يكون ذلك و زحل في شرفه و الشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث و القمر زائد، و تنقش على التمثال علامات الكواكب السبعة، ففعلوا ذلك‏ (1). و عملت صورة الثور من ذهب و كلّلت بأصناف الجواهر و صنعوا سائر (2) ما أمرهم به في الوقت الذي حدّه لهم. فكانت تلك الصورة تخبرهم بالعجائب و ما يحدث وقتا وقتا و تجيبهم عن جميع ما يسألونه، و عظم أمر ذلك التمثال و نذرت له النذور و قربت له القرابين و قصده الناس من الآفاق، و كان يخبرهم بما يريدون.

954 و بنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، و قد جاز بها قوم ضلّوا الطريق، فسمعوا بها عزيف الجنّ. و رأوا ضوء نيرانهم. و أقام مناوش ملكا تسعا و ثلاثين سنة و عهد إلى ابنه مرنيش، و كان مضعفا لم يعمل في وقته أعجوبة، و بقي ملكا احدى عشرة سنة.

955 و انتقل الملك إلى أشمون بن قفطيم أخي قفطويم، و كان ينزل الأشمونين‏ (3) سمّاها باسمه، و كان طولها اثني عشر ميلا في مثلها، و نقل إليها أهله و ولده.

و هو اتّخذ الملاعب بأنصنا، و بنى البهنسا و غيرها من المدن و أكثر فيها (4) من العجائب. و القبط تقول إنه أكثر ملوكهم أعجوبة و سحرا و أطول ملوكهم مدّة، ملك ثمانمائة سنة (و ثلاثين سنة) (5)، و انتزع قوم عاد الملك منه بعد ستمائة سنة (6) (من ملكه) (7)، فاستوبؤوا (8) بلده و انتقلوا الى الدثنية من‏

____________

(2) سقطت من م.

(1) سقطت من م.

(3) م س: إلى الأشمونين-

(4) م: ما فيها-

(5) من م-

(6) س: مائة سنة-

(7) سقطت من م ر-

(8) م: فاسحوبي؟-

576

طريق الحجاز الى وادي القرى، فعمّروها و اتخذوا بها المنازل، فسلّط اللّه‏ (1) عليهم الذرّ فأهلكتهم. فعاد ملك مصر الى أشمون و بنى مدينة في المشرق في سفح الجبل سماها أوطيراطيس و جعل لها أربعة أبواب على كلّ باب منها (2) طلسم، و أسكنها الروحانيين بسحره، فكانت تنطق إذا قصدها القاصد و تخبره بما يريد و لا يقدر على الدخول إليها إلّا بإذن الموكّلين بها. و جعل فيها شجرة يطلع فيها كلّ لون من الفاكهة، و منارا في وسطها طوله ثمانون ذراعا على رأسه‏ (3) قبّة تتلون كل يوم لونا حتّى تمضي سبعة أيام، ثم تعود الى اللون الأول، فتكسو المدينة تلك الألوان. و أسكنها السحرة و كانت تعرف بمدينة السحرة- (و هي معنى أوطيراطس) (4)- و منها كانت تخرج أصناف السحر. و هو أول من عمل النيروز إكراما للكواكب، و دفن في احد الأهرام الصغار القبلية.

956 و ملك بعده ابنه أشاد، و كان جبّارا معجبا، أكثر همه اللهو و اللعب و النساء، فجمع كل مله و قصده من الأقطار كل من هذه سبيله، و رفض العلوم و الهياكل و الكهنة، و ملك خمسا و سبعين سنة.

957 و ملك بعده ابنه صاه. و بعض القبط يزعم أن صاه ابن مرقونيس‏ (5) أخي أشاد، فنفى الملهين و ردّ الكهنة إلى مراتبهم، و هو بنى أكثر مدينة (6) منف، و بنى في أقصى الواحات مدينة جعل طول سورها (7) في الارتفاع خمسين ذراعا و أودعها أموالا و حكما كثيرة، و هي التي وقع عليها (8) موسى بن نصير

____________

(1) سقطت من س ر-

(2) ر: فيه-

(3) م: و على رأسها-

(4) سقطت من ر.

(5) س: مرقونش-

(6) سقطت من س ر-

(7) م: طولها-

(8) ر: إليها-

577

في زمن بني أمية و غلب عليها الرمال، (و كانت تحت الأرض) (1). و كانت مدة حياته و سنّه ست مائة سنة (2) و سبعين سنة، و ناووسه في وسط منف تحت الارض و المدخل إليه من خارج المدينة (في غربيّها) (3)، و كان فيه أربعة آلاف تمثال من ذهب مختلفة الصور برّية و بحرية و أموال عظيمة و جوهر كثير.

958 و عهد الى ابنه ندراس‏ (4)، و كان محكما مجربا ذا أيد و قوة، و بنى غربي منف بيتا عظيما للزهرة (رمز (5) فيه العلوم و كساه الحرير و عمل له عيدا عظيما، و كان صنم الزهرة) (6) من لازورد مذهب متوّج بذهب يلوح، و سوّره بسواري زبرجد أخضر، و كان في صورة امرأة لها ضفيرتان‏ (7) من ذهب أسود مدبّر، و في رجليها خلخلان من حجر أحمر شفاف‏ (8) و نعلان من ذهب، و في يدها قضيب مرجان، و هي تشير بيدها كالمسلّمة على من في الهيكل. و حذاءها مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود من مرمر مجزّع، و في المطهرة ماء مدبر للزهرة (9) يستشفى به من كلّ داء، و جعل فيه كراسي الكهنة مصفّحة بالذهب و الفضّة، و كان يقرّب له ألف رأس من الضأن‏ (10) و الوحش و الطير.

و كان في قبّة منه صورة زحل‏ (11) راكب على فرس له جناحان و معه حربة في سنانها رأس إنسان معلّق. و بقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر و هو الذي هدمه. و على رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع الزنج و النوبة في أرضه، فخرجوا إليها (12) و عاثوا فيها، فجمع الجيوش و غزاهم في البرّ ثلاثمائة ألف و في البحر ثلاثمائة سفينة، (في كلّ سفينة) (13) كاهن و ساحر يعمل أعجوبة (من عجائب السحر) (14)، فلقوا جيوش السودان في زهاء ألف ألف، فهزموهم و قتلوهم (أقبح قتل) (15) و أسرّوا منهم خلقا كثيرا عظيما.

____________

(1) من ر-

(2) م: مائة سنة-

(3) سقطت من م.

(4) ر: مدراس، م: أناراس-

(5) ر: زبر-

(13) ر: زبر-

(6) سقطت من س-

(7) ر: ظفيرتان-

(8) سقطت من م-

(9) ر: فالزهرة-

(10) س ر: الضأن و البقر-

(11) سقطت من ر-

(12) ر: إليه-

(14) سقطت من ر، س: من العجائب-

(15) س: أبرح قتل، ر: أبرح.

578

959 ثم ملك بعده ماليق‏ (1) بن ندراس و كان موحّدا على دين قفطيم و مصريم، و كانت القبط تذمه‏ (2) لذلك، و كانت عبادتهم للكواكب و البقر. و كان يستعمل‏ (3) الغزو و الجولان في البلاد ليغيب عن أهل مصر، و زعم بعض أهل مصر أن اللّه أيّده بملك من الملائكة يعضده و يرشده، و ربما أتاه في نومه فأخبره و نهاه و أمره، و هو جمع الجيوش و اتّخذ في بحر المغرب أربعمائة سفينة، و غزا جموع‏ (4) البربر برّا و بحرا فهزمهم و استأصل أكثرهم، و بلغ إلى إفريقية و قتل أكثر أهلها و سار منها (5). و كان لا يمرّ بأمّة إلّا أبادها الى أن غزا من ناحية الأندلس يريد إفرنجة، و كان بها ملك عظيم يقال له أرقيوش‏ (6)، فحشد عليه أمما نواحيه و أقام يحاربه شهرا، ثم طلب سلمه و أهدى إليه هدايا كثيرة فسار عنه. و دوّخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر و أطاعه أكثرها، و عمل أعلاما على البحر زبر عليها اسمه و خرب مدن البربر حيث كانت و ألجأهم الى ذرى الجبال و رجع‏ (7)، فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو و الطيب و الرياحين‏ (8) و فرشت له الطرقات، و دخل قصره موفورا. و أمر أن يعمل له ناووس، فكان‏ (9) يحضره و يتعبد فيه، و أمر أن لا يدفن معه ذهب و لا جوهر، فلم يدفن معه سوى الطيب و صفيحة مكتوبة بخطّه فيها: هذا ناووس الملك ماليق، مات مؤمنا بالله لا يعبد معه‏ (10) غيره بريئا من الأصنام و عبادتها، مؤمنا بالبعث و الحساب و المجازاة على الأعمال، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به.

960 و استخلف بعده ابنه حريبا، و قد شرح له التوحيد و أمره أن يدين به و نهاه عن عبادة الأصنام، و كان معه على ذلك في حياته، ثمّ رجع عنه بعد وفاته الى‏

____________

(1) م: مالق-

(2) س: ندب-

(3) ر: يعمل-

(4) ر: جميع-

(5) سقطت من س-

(6) ر: أبرقوش-

(7) سقطت من ر-

(8) سقطت من ر-

(9) ر: في مكان-

(10) سقطت من م.

579

دينهم. و كان سبب رجوعه الى عبادة الأصنام أن أمه كانت من بنات كبير من الكهان نقلته بعد موت أبيه الى دينها، و كان ليّنا سهل الخلق مجيبا. و كان ملك من ملوك الهند يقال له مسور (1) خرج على عهد حريبا، فعمل حريبا مائة سفينة (على سفن الهند) (2) و تجهّز (3). و حمل امرأته معه، و كانت من بنات عمّه قد غلبت عليه و هام بها يسجر قهرمانة كانت له‏ (4)، و كانت تسمى أسيوط، ساحرة لا تطاق، (و كانت أوحشت ما بين الملك و أمه لتستبدّ امرأته به، فآلى في غزوته أن ينصرف في البلاد و لا يرجع إلى مصر أو تموت أمه) (5). ففعل ذلك، و غزا بلاد الهند، و استخلف على مصر ابنه كلكلن‏ (6) و جعل معه وزيرا من الكهان يقال له و يسموس‏ (7)، فخرج و مرّ على ساحل اليمن‏ (8) و عاث في سواحله و بلغ سرنديب، فأوقع بأهلها و غنم منها أموالا عظيمة، و حمل معه حكيما لهم، و كان لا يأخذ مدينة إلا أقام بها صنما و زبر عليه اسمه و مسيره و وقت أخذه لذلك الموضع.

961 و جعل ينتقل في تلك الجزائر عدّة سنين، و يقال إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة و رجع الى مصر غانما (9) موفورا بعد ان هلكت أمه. و هابته الملوك، و بنى عدة هياكل و أقام بها اصناما (للكواكب لأنها هي التي أيدته في سفره بزعمه. و أظهر الحكيم الذي حمل من الهند بمصر) (10) عجائب مشهورة، و حمل معه صنمين (من أصنام الهند) (11) من الذهب مرصعين بالجوهر و نصبهما في بعض الهياكل، و كان حكيم الهند يقوم بهما و يخدمهما و يقرب لهما على رسمه‏ (12)، و كان يخبرهم بما يريدونه منهما. و غزا حريبا الشام، فأدّى اليه أهلها الطاعة، و أخاف النوبة و السودان فصالحوه على خراج يحملونه اليه. و أقام في ملكه خمسا و سبعين سنة و عمل لنفسه في صحراء الغرب‏ (13) ناووسا على نحو ما تقدم ذكره من نواويس آبائه.

____________

(1) س ر: أمسور-

(2) سقطت من ر-

(5) سقطت من ر-

(3) ر: و غزا بها بلاد الهند-

(4) م: لها-

(6) م س: كلكن-

(7) م: و قموش-

(8) م: البحر.

(9) م: عالما-

(10) سقطت من ر-

(11) سقطت من م-

(12) م: رأسه-

(13) م: المغرب.

580

962 و ملك بعده ابنه كلكلن‏ (1) فعقد تاج الملك على رأسه بالأسكندرية بعد موت أبيه و أقام بها شهرا و رجع الى منف. و كان يحب الحكمة و إظهار العجائب و تقرّب أهلها، و لم يزل يعمل الكيمياء طول ملكه، فخزن أموالا عظيمة و استغنى أهل ذلك الزمان عن معادن الذهب، (فلم يثيروها) (2) و لم يكن الذهب قطّ أكثر منه في وقته. و كان يطرح المثقال الواحد على القناطير الكثيرة فيصبغها. و تحكي القبط عنه أنه اخترع أشياء تخرج عن العقل حتى كانوا يسمونه حكيم الملوك، و غلب على جميع الكهنة في علومهم حتى كان يخبرهم بما يغيب عنهم، فخافوه و احتاجوا الى علمه.

963 و في وقته كان نمرود إبراهيم (عليه السلام). و كان جبارا مشوّه الخلق يسكن سراة العراق، و كان قد أوتي قوة و بطشا فغلب على أكثر الأرض، فاستزار النمرود كلكلن فوجه اليه كلكلن أن يلقاه منفردا عن أهله و حشمه بموضع كذا، فسار النمرود الى الموضع‏ (3) الذي ذكره، فأقبل كلكلن تحمله أربعة أفراس ذوات أجنحة، و قد أحاط به (نور كالنار) (4) و صور مهيبة قد خيل بها، و هو متوشح تنّينا عظيما و التنّين فاغرفاه، و معه قضيب آس، فكلما رفع التنّين رأسه ضربه بالقضيب. فلما رآه النمرود هاله أمره و اعترف له بجليل حكمته و سأله أن يكون له ظهيرا.

____________

(1) س م: كلكن-

(2) سقطت من م.

(3) س: ذلك الموضع-

(4) م: النور كأنّه النار.

581

964 فزعم القبط أن كلكلن كان يجلس على الهرم الغربي في قبّة تلوح على رأسه و يجتمع أهله و حشمه و رعيته حول الهرم، و يزعمون أنه أقام على رأس الهرم أياما لا يأكل و لا يشرب، و استتر عنهم مدة حتى توهموا أنه هلك، و هابته الكهنة هيبة لم تهبها أحدا (1) قبله حتى صوّرته‏ (2) في هياكلهم. و بنى في آخر زمانه هيكلا لزحل من صوان أسود و جعل له عيدا (3)، و جعل في وسطه ناووسه و حمل اليه ما أراد من الذهب و الجوهر و الحكم. و عرّفهم بموته‏ (4)، و جعل على الناووس‏ (5) طلسمات مانعة و غاب عنهم فلم يقفوا على شي‏ء من أمره (و لا عرفوا موته) (6).

965 و عهد الى اخيه ماليا، و كان همه في الأكل و الشرب و الرفاهية غير ناظر في شي‏ء من الحكمة، و إنما استقام له الأمر مدة كونه فيهم لهيبة أخيه كلكلن و تقديرهم أنه لم يمت. و كان أكبر بنيه يقال له طوطيس‏ (7)، و كان يستجهل أباه، فأعمل الحيلة في قتله و حملته على ذلك أمه و بعض وزراء أبيه‏ (8)، فهجم على أبيه‏ (9) في رواقه و هو سكران، فقتله و قتل معه امرأة كانت له‏ (10) من بنات ملوك منف كانت قد غلبت عليه، و حمته‏ (11) النساء فقتلها و صلبها، ثم جلس على سرير الملك، و كان جبارا جريئا شديد البأس مهيبا، و القبط تزعم أنه أول الفراعنة بمصر و أنه فرعون ابراهيم (عليه السلام) و أن الفراعنة سبعة هو أولهم. و استخف بأمر الهياكل و الكهنة. و كان ابراهيم (عليه السلام) من كوثى من سواد العراق، فلما هرب من النمرود حذر إن أقام‏

____________

(1) م: لأحد-

(2) س ر: صوروه-

(3) م: عبيدا-

(4) م: موته-

(5) م: الناس-

(6) سقطت من ر، س: و حال موته.

(7) م س: طرطيس، ر: طرسيس-

(8) م: أخيه-

(9) م: أخيه-

(10) سقطت من م-

(11) م: و حمه-

582

بالشام أن يلحقه قومه فيردوه الى النمرود، فاستمر الى مصر فجرى له ما هو مذكور عند ذكر إبراهيم، (و أخدم سارة بهاجر) (1).

966 و إنما سمي فرعون لأنه أكثر القتل حتى قتل قرابته‏ (2) و أهل بيته و خدمه و نساءه و كثيرا من (الكهنة و الحكماء) (3)، و كان حريصا على الولد، فلم يرزق غير ابنته حوريا، و كانت تسدده كثيرا و تمنعه من أمور (4) سوء يريدها، فلما رأت أمره يزداد فسادا خافت على زوال ملكهم فسمته بعد أن ملكهم سبعين سنة (5).

967 و تنازعوا تمليكها. ثم اجتمعوا عليها الا أهل مدينة أبريت‏ (6)، فانهم ملّكوا عليهم رجلا من ولد أبريت بن مصريم بن بيصر بن حام الذي سميت به المدينة يقال له أنداحس‏ (7)، و جرت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على أنداحس، ففرّ (8)، الى الشام و بها الكنعانيون من ولد عمليق، فاستغاث بملكهم و أخبره بأمره و قرّب عليه أمر مصر و سهّل تصييرها اليه، فجهز معه جيشا عظيما الى مصر و استقود عليه رجلا يقال له جيرون‏ (9). (فلما (10) قرب من مصر بعثت حوريا ظئرا لها الى جيرون) (11) (تستجلبه و تظهر الميل اليه و المحبة فيه و أنها داخلة في طاعته) (12)، (تعرفه وصيتها بتزويجها لانها لا تختار أحدا من أهل بيتها و أنها إن قتل أنداحس تزوجت و صيرت اليه ملك مصر و منعت منه صاحبه) (13). (فلما بلغ ذلك جيرون سرّ سرورا عظيما و رغب فيه و سمّ أنداحس بسمّ أنفذته اليه فقتله) (14).

____________

(1) ر: من أخذ سارة لهاجر و غيره، فأجرى عليه.

(2) ر: قربانه-

(3) س: السّحرة و الكهان-

(4) ر: أمر-

(5) س ر: عاما.

(6) م: اتريب-

(7) ر: ايراخس-

(8) م: فمرّ-

(9) م: حرون-

(10) من هنا النص غامض في جميع المخطوطات، فاستخرجنا منها نصّا مقبولا-

(11) سقطت من ر-

(12) عن ر-

(13) عن س-

(14) عن س ر.