بقيع الغرقد في دراسة شاملة

- محمد أمين الأميني المزيد...
431 /
5

المقدّمة

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للَّه‏ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمّد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين.

إنّ من الطبيعي أن تعتز كلّ أمة بميراثها الحضاري وتبجّله، وأن تحتفظ ببقايا الآثار والمدن المقدسة؛ لكي تصان من الاندراس، خاصة إذا تعلق ذلك بالجانب العقائدي والديني.

وان بقيع الغرقد هو من تلك الأماكن التي تربط التاريخ بالعقيدة، والتراث بالهوية، وقد اهتمّ المسلمون على مدى الأعصار به، فزاروه، وبنوا على قبور كبارهم القباب، واحتفظوا بها بوصفها رمزاً للعلم والجهاد والتضحية، كيف لا ونحن نجد فيه قبور الأئمة من أهل بيت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وغيرهم من الصحابة الكرام، والأولياء و الشهداء العظام.

ان البناء على القبور أصبح معتاداً، وقد تلقى المسلمون بكلّ حفاوة هذه الظاهرة الشرعية في كلّ بلادهم، ولم يردع عنها أيّ رادع من الكتاب والسنة.

قال اللَّه تبارك وتعالى في قصة أصحاب الكهف: «قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ‏

6

لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً» (1)، قالها الموحدون، بدليل أنهم أرادوا اتخاذ ذلك المكان موضعاً للعبادة، حكاه اللَّه عنهم ولم يردع عنه، ولم يرم فاعله بالشرك والبدعة!.

إنّ هذه الآثار والقباب تكريم لرموز العلم والتُّقى والتضحية في سبيل الدين، وحفظها هو حفظ النبي (صلى الله عليه و آله)، واحترامها احترامه، وتعدّ من مصاديق تعظيم شعائراللَّه، «ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» (2).

هذا اضافة إلى الآثار الوضعية الروحية لتلك الأماكن، فالمكان الذي تشرف بقدم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يختلف عن غيره، كيف لا وقد قال سبحانه وتعالى: «فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ» (3)، وقال في قضية يوسف:

«اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً» (4)، وقال:

«فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى‏ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً» (5).

ومن المأساة حسبان البعض رأيهم المخالف لهذه الحقيقة القرآنية عين الصواب، وفرض ما يحسبونه هو الصحيح على عامة المسلمين، ورمي غيرهم بارتكاب البدعة والشرك، وعدم اللجوء إلى الحوار العلمي البنّاء، وعدم الإلتفات إلى الرأي الآخر جملة وتفصيلًا، ومنها ما ارتكبوه- بتفردهم واستبدادهم في الرأي- من هدم قباب الأئمة و الأولياء، بحجج واهية، قاصرة الدلالة والسند.

فتارة تراهم يتهمون المسلمين بأنهم يعبدون الأحجار! للَّه‏أبوهم! هذا كلام راجع إلى عدو رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وطريده مروان بن الحكم، ثمّ تابعه سائر الطغاة

____________

(1) سورة الكهف: 21.

(2) سورة الحج: 32.

(3) سورة طه: 96.

(4) سورة طه: 96.

(5) سورة طه: 96.

7

والمنحرفون عن الصراط، كالحجاج بن يوسف وغيره، مما يدلّ على الأحقاد الدفينة.

فقد روي أنه: «أقبل مروان يوماً فوجد رجلًا واضعاً وجهه على القبر- أي قبر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)- فقال: أتدري ما تصنع؟! فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال:

نعم، جئت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ولم آت الحجر، سمعت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله».

رواه أحمد (1)، وصححه الحاكم والذهبي‏ (2).

وهذا هو الحجاج بن يوسف الثقفي سفاك دماء المسلمين، قال لجمع من أهل الكوفة يريدون زيارة قبر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): تبّاً لهم! إنّما يطوفون بأعواد ورمة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك؟! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟! (3).

فالويل لمن يحسب أبا أيوب الأنصاري- ذلك الصحابي الجليل- مشركاً، ومروان بن الحكم- الذي طرده رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، ولعنه- والحجاج موحداً!.

فظهر أنّ هذا هو منطق الأمويين وكلام أتباعهم، لا مذهب السلف الصالح، وظهر أن قائل هذه المقالة السخيفة: «عصاي هذه خير من محمد؛ لأنه ينتفع بها في قتل الحية والعقرب ونحوها، ومحمد قد مات، ولم يبق فيه نفع، وإنّما هو طارش» (4)، يتبع مقالة مروان والحجاج وسائر الأمويين الذين بسطوا العنف والتكفير في‏

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل 5: 422.

(2) المستدرك على الصحيحين 4/ 560، ح 8571.

(3) الكامل في اللغة والأدب 1/ 180؛ النصائح الكافية لمن يتولى معاوية، محمد بن عقيل العلوي/ 106؛ شرح نهج البلاغة 15/ 242؛ الغدير 10/ 51.

(4) انظر: كشف الارتياب/ 127 عن خلاصة الكلام/ 230؛ الدرر السنية 1/ 42؛ الصحيح من سيرة النبي‏الأعظم (صلى الله عليه و آله)، السيد جعفر مرتضى العاملي 1/ 32.

8

أوساط المسلمين، وأخذوا في اعتقالهم وحبسهم وتعذيبهم وقتلهم على التهمة والمظنة، فالأحرى أن يُتَّبع مذهب السلف الصالح مثل أبي أيوب الأنصاري، لا مذهب السلف الطالح مثل مروان والحجاج!.

إن من مذهب السلف الصالح التوجه إلى اللَّه والتضرع إليه عند قبور أوليائه، وهذا لايخرجهم عن دائرة التوحيد إطلاقاً، لأنهم لايحسبونهم في عرض اللَّه، لا «بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (1)، لكنهم أرشد اللَّه الناس إليهم، وبالتوسل بهم، حيثما قال: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ‏ لوجدوا اللَّه تواباً رحيماً» (2)، ولا يوجد هناك فرق بين حياة النبي (صلى الله عليه و آله) ومماته، إذ موته لا يعني مفارقته هذا المنصب، وهذا هو ما فهمه السلف الصالح.

روى المسعودي في تاريخه: في سنة ثلاث وخمسين هلك زياد بن أبيه .. وقد كان كتب إلى معاوية أنه قد ضبط العراق بيمينه، وشماله فارغة، فجمع له الحجاز مع العراقين، واتصلت ولايته بأهل المدينة، فاجتمع الصغير والكبير بمسجد رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) وضجوا إلى اللَّه، ولاذوا بقبر النبي (صلى الله عليه و آله) ثلاثة أيام‏ (3).

فهل يمكن رمي هؤلاء الذين لاذوا بقبر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وضجوا إلى اللَّه عند مضجع رسوله بالشرك وارتكاب البدعة؟ أليسوا هم- وفيهم كثير من الصحابة- من السلف الصالح؟

كما أن التبرك بقبورهم له جذور أصيلة من فعل العترة الهادية وسيرة المسلمين وعلى رأسهم الصحابة، ومن أدلة ذلك:

____________

(1) سورة الأنبياء: 26- 27.

(2) سورة النساء: 64.

(3) مروج الذهب 3/ 26.

9

ما روي حول تبرك فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وبضعته، حيث إنّهاتبركت بتراب قبر أبيها، كما جاء في الخبر عن علي (عليه السلام): «لما رمس رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) جاءت فاطمة، فوقفت على قبره، وأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعته على عينيها، وبكت وأنشأت تقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمد* * * أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنّها* * * صبّت على الأيام عدن لياليا (1)

ما ذكرناه حول تبرك أبي أيوب الأنصاري بقبر النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله)، الذي صححه الحاكم والذهبي، وقال السبكي فيه: فإن صحّ هذا الإسناد لم يكره مسّ جدار القبر (2).

ما روي حول تبرك بلال بقبر الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله)، حيثما جاء إلى قبره الشريف فجعل يبكي عنده، ويمرّغ عليه‏ (3).

ما روي أن عبد اللَّه بن عمر كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف، وأنّ بلالًا وضع خده عليه‏ (4).

ما ذكر عن التابعي ابن المنكدر من أنه كان يجلس مع أصحابه، وكان يصيبه الصمات‏ (5)، فكان يقوم كما هو يضع خدّه على قبر النبي (صلى الله عليه و آله) ثمّ يرجع، فعوتب في ذلك فقال: انه ليصيبني خطره، فاذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي (صلى الله عليه و آله)، وعن الذهبي:

____________

(1) سبل الهدى والرشاد 12/ 337؛ التحفة لابن عساكر على ما في الغدير 5/ 147؛ نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي/ 180؛ وفاء الوفا 2/ 444؛ المغني، ابن قدامة 2/ 411؛ الشرح الكبير، عبد الرحمن بن قدامة 2/ 430.

(2) انظر: وفاء الوفا 4/ 1404.

(3) سير أعلام النبلاء، الذهبي 10/ 358.

(4) كشف الارتياب: 436.

(5) هو اعتقال اللسان أو السكوت الطويل.

10

استعنت بقبر النبي‏ (1).

وقد أفتى الامام أحمد بن حنبل بجواز التبرك والتمسح بآثار رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) من قبره ومنبره رجاء ثواب اللَّه‏ (2).

كما أن المسلمين كانوا يتبركون بآثار رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بمنبره، وأخذ تراب قبره، والاحتفاظ بشَعره.

كما أنهم كانوا يتبركون في حياته بأخذ شعره، والتبرك بما بقي من ماء وضوئه.

كلّ هذا يدل على أن التبرك بآثار رسول اللَّه كان أمراً ارتكازياً لدى عامة المسلمين، من دون فرق بين حياة رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ومماته.

كما أن زيارة قبور الأولياء، والصلاة والدعاء والتضرع إلى اللَّه والبكاء عندها مما لا أشكال فيه، وعليه سيرة المسلمين، وهو من دأب الصالحين.

روى الحاكم النيسابوري: ان فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه و آله) كانت تزور قبر عمها حمزة كلّ جمعة، فتصلي وتبكي عنده‏ (3)، ثم قال: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب، وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة (4)، وقال في موضع آخر حول الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه‏ (5).

فهذا هو ابن حجر يقول في شأن ابن خزيمة في زيارته لقبر الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، راوياً عن أبي بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى قوله:

____________

(1) سير أعلام النبلاء 3/ 213.

(2) انظر: وفاء الوفا 4/ 414.

(3) المستدرك على‏الصحيحين 1/ 377؛ انظر: مصنف عبدالرزاق 3/ 572؛ السنن الكبرى، البيهقي 4/ 78.

(4) المستدرك على الصحيحين 1/ 377.

(5) المستدرك على الصحيحين 3/ 28.

11

خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة وعديله أبي علي الثقفي مع جماعة من مشايخنا وهم إذ ذاك متوافدون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس، قال: فرأيت من تعظيمه- يعني ابن خزيمة- لتلك البقعة، وتواضعه لها، وتضرعه عندها ما تحيّرنا (1).

وهذا هو ابن حبان يقول في شأنه (عليه السلام): وقبره بسناباذ خارج النوقان، مشهور يزار، بجنب قبر الرشيد، قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا صلوات اللَّه على جده وعليه ودعوت اللَّه إزالتها إلا استجيب لي، وزالت عني تلك الشدة، وهذا شي‏ء جرّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا اللَّه على محبة المصطفى وأهل بيته، صلى اللَّه عليه وعليهم أجمعين‏ (2).

وروي عن أبي علي الخلال- شيخ الحنابلة- أنه قال: ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسلت به إلا سهّل اللَّه تعالى ما أحبّ‏ (3).

كما أن الإمام الشافعي حينما كان ببغداد كان يجي‏ء إلى قبر أبي حنيفة، يزوره فيسلم عليه، ثمّ يتوسل إلى اللَّه تعالى به في قضاء حاجاته، روى الخطيب عن علي ابن ميمون عن الشافعي قوله: إني لأتبرك بأبي حنيفة، وأجى‏ء إلى قبره في كلّ يوم يعني زائراً، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت اللَّه تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى‏ (4).

كما أن المسلمين بمصر لازالوا يهتمون بزيارة مشهد الإمام الحسين (عليه السلام).

____________

(1) تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني 7/ 339.

(2) كتاب الثقات، ابن حبان 8/ 456.

(3) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي 1/ 120.

(4) تاريخ بغداد 1/ 135.

12

فهل يمكن رمي كلّ هؤلاء- وفيهم كبار المسلمين وفقهاؤهم وعلمائهم- بالشرك وارتكاب البدعة؟

وكذلك‏الأمرفي‏شأن الإعتناءبقبور الأولياء، و لزوم المحافظة عليها، واصلاحها، وترميمها، كما جاء في الخبر: «كانت فاطمة تأتي قبر حمزة ترمه وتصلحه» (1).

وأما بناء القباب على قبور الأولياء فليس من مظاهر الشرك كما يزعمه البعض، وإلا فلا بدّ من رمي معظم المسلمين بالشرك!.

هذا هو الذهبي يذكر في ترجة العباس عم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يقول: وعلى قبره اليوم قبة عظيمة من بناء خلفاء آل العباس‏ (2).

وقال أيضاً: وله قبة عظيمة شاهقة على قبره بالبقيع‏ (3).

وكذا الأمر في حق غيره مثل مالك ونافع وحليمة السعدية وغيرهم.

وعن السمهودي في المشهد المعروف بالنفس الزكية، قال: وهذا المشهد شرقي جبل سلع، وعليه بناء كبير بالحجارة السود (4).

فظهر أنه على مرّ القرون كان البقيع معظماً لدى كافة المسلمين، الذين أشادوا القبب على قبور الأئمة والصحابة والأولياء، احتراماً وتكريماً للذين صنعوا التاريخ ومجد الاسلام.

إن هدم قبور أولياء اللَّه بالبقيع وتدميرها ناشى‏ء عن عدم الفهم واعوجاجه، كما صرح به الإمام الخميني‏ (5) رضوان اللَّه تعالى عليه.

____________

(1) الطبقات الكبرى 3/ 19؛ تاريخ المدينة المنورة، ابن شبة النميري 1/ 132.

(2) سير أعلام النبلاء 2/ 97.

(3) سير أعلام النبلاء 2/ 100.

(4) التاريخ الأمين لمدينة سيد المرسلين، الشيخ عبد العزيز المدني/ 408، عن وفاء الوفا 2/ 92.

(5) انظر: صحيفة إمام 18/ 175.

13

فبناء عليه لابدّ أن يصحّح البعض فهمه الخاطى‏ء، وإن أصرّ على خطأه فليس له فرض رأيه على سائر المسلمين، فإنّ كلّ مذهب من مذاهب المسلمين له رأيه وفهمه واجتهاده واستنباطه، ويمكن فتح الحوار العلمي بشكل بنّاء وهادئ‏في المجالات العلمية، بلا تكفير ولا سباب، وأما فرض الرأي على الآخرين فقد مضى دوره، وانتهى أجله، وهو مما يأباه العقل السليم.

وكيفما كان، فالبقيع هو هوية المسلمين، ومن أهم مواضع تراثنا الإسلامي، فلابدّ لجميع المسلمين الغيارى أن يعرفوا حقه، ويهتموا بإعادة بنائه، حيث إنه منار لهدى البشرية، وملاذ للتربية الانسانية.

ولقد حاولنا في هذا البحث الوجيز الكشف عن بعض زوايا الموضوع، حشرنا اللَّه والقارى‏ء الكريم مع أئمة البقيع (عليهم السلام)، ووفقنا لاتّباعهم، ومواصلة مسيرتهم الحافلة بالعز والكرامة، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه‏رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

28/ صفر المظفر/ 1428 من الهجرة النبوية

يوم وفاة الرسول الأعظم محمد المصطفى (صلى الله عليه و آله)

وسبطه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

قم المقدسة- محمد أمين الأميني‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

البقيع والإطلاقات المختلفة

بحث لغوي‏

قال الجوهري: إن البقيع موضع فيه أُرُوم الشجر من ضروب شتّى، وبه سمّي بقيع الغرقد، وهي مقبرة بالمدينة (1).

وقال الفيروز آبادي نحوه في القاموس‏ (2).

وقال ابن فارس بن زكريا (المتوفى سنة 395): بقع البقعة من الأرض، والجميع بقاع، والبقيع المكان المتسع، قال قوم: لايكون بقيعاً إلا وفيه شجر، وبقيع الغرقد، وكان ذاشجر، ثم ذهب الشجر فبقي الإسم‏ (3).

وقال نحوه في لسان العرب‏ (4) وتاج العروس‏ (5).

وفي النهاية لابن الأثير- بعد ذكر ما مرّ- قال: ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه شجر

____________

(1) صحاح اللغة، الجوهري، مادة (بقع).

(2) القاموس المحيط، الفيروزآبادي، مادة (بقع).

(3) مجمل اللغة، ابن فارس، مادة (بقع).

(4) لسان العرب، ابن منظور، مادة (بقع).

(5) تاج العروس، الزبيدي، مادة (بقع).

16

أو أصولها (1).

وأمّا الغرقد، فهو على ما قاله الخليل: شجر كان ينبت هناك، فبقي الاسم ملازماً للموضع، وذهب الشجر (2).

وذكر نحوه الفيومي في المصباح‏ (3).

وفي القاموس: الغرقد شجر عظام، أو هي العوسج إذا عظم، وبها سمّوا بقيع الغرقد مقبرة المدينة، لأنه كان منبتها (4).

وفي لسان العرب وتاج العروس: أنه شجر له شوك، فذهب وبقي الاسم لازماً للموضع‏ (5).

وعن الأصمعي: قطعت غرقدات، فدفن فيها عثمان بن مظعون، فسمي المكان بقيع الغرقد لهذا السبب‏ (6).

وفي مواهب الجليل: بقيع الغرقد: الذي فيه مقبرة المدينة، بباء بغير خلاف، وسمي بذلك لشجرات غرقد هو العوسج كانت فيه‏ (7).

وجاء في دائرة المعارف الاسلامية: بقيع الغرقد: وهذا الإسم يدلّ على أرض كانت مغطاة بنوع من شجر التوت مرتفع‏ (8).

وقالوا: وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة، (والكفت في اللغة: الضمّ)، لأنه‏

____________

(1) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، مادة (بقع).

(2) العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، مادة (غرقد).

(3) المصباح المنير، الفيومي، مادة (غرقد).

(4) القاموس المحيط، الفيروزآبادي، مادة (غرقد)؛ بحار الانوار، محمد باقر المجلسي 46/ 216.

(5) لسان العرب، ابن منظور؛ تاج العروس (مادة غرقد).

(6) عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس 1/ 398.

(7) مواهب الجليل، الحطاب الرعيني 7/ 607.

(8) دائرة المعارف الاسلامية 4/ 35، مادة (بقع).

17

مقبرة تضمّ الموتى‏ (1)، قال الحموي: الكفتة: اسم لبقيع الغرقد، وهي مقبرة أهل المدينة، سميت بذلك؛ لأنها تكفت الموتى، أي تحفظهم وتحرزهم‏ (2).

اطلاقات البقيع‏

ثمّ إن كلمة البقيع استعملت بلحاظ معناها اللغوي في موارد شتى، نشير إلى بعضها:

الف) بقيع الخيل (سوق المدينة)

ذكر الحموي عن النصر: بقيع الخيل موضع بالمدينة عند دار زيد بن ثابت، دفن به عامة قتلى أحد، قال نصر: وأظنه بقيع الغرقد (3).

وروى ابن شبة باسناده عن عائشة في حديث: كان يقال لسوق المدينة بقيع الخيل‏ (4).

وعن القمي- في قضية حكم سعد بن معاذ على بني قريظة بقتل رجالهم-:

أمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بأخدود، فحفرت بالبقيع، وقال آخرون: إنه (صلى الله عليه و آله) حفر لهم خنادق في سوق المدينة، فضرب أعناقهم فيها (5).

____________

(1) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/ 161؛ غريب الحديث، الحربي 2/ 121؛ مجمع البحرين، الطريحي، مادة (غرقد).

(2) معجم البلدان، ياقوت الحموي 4/ 468.

(3) معجم البلدان 2/ 413؛ انظر: القاموس المحيط 3/ 6، مجمع الزوائد، نورالدين الهيثمي 4/ 158 و 9/ 268، مراصدالاطلاع 1/ 123؛ معجم معالم الحجاز 1/ 243؛ الدرالثمين في معالم دار الرسول الأمين/ 229.

(4) تاريخ المدينة المنورة 1/ 306.

(5) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله) 11/ 174، عن تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي 2/ 191؛ بحار الأنوار 20/ 236.

18

وعن سعد بن أبي وقاص: كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يجهّز أو كان يعرض جيشاً ببقيع الخيل، فاطلع العباس بن عبد المطلب، فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «هذا العباس، عمّ نبيكم، أجود قريش كفّاً، وأحناه عليها» (1).

وعن الصعب بن جثامة: إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) حمى البقيع، وقال: «لا حمى إلا للَّه و لرسوله» (2).

وروي عن ابن عمر ان النبي (صلى الله عليه و آله) حمى البقيع للخيل‏ (3)، فقلت له: لخيله؟ قال:

لا، لخيل المسلمين‏ (4).

و في طبقات المحدثين عن ابن عمر، قال: إنّ النبي (صلى الله عليه و آله) حمى البقيع لخيل المسلمين‏ (5).

وروى الخطيب عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه و آله) حمى البقيع، وليس بالبقيع نخيلة (6).

وقال فهيم محمود شلتوت في هامش كتاب تاريخ المدينة المنورة: البقيع .. هو الذي حمى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وهو على عشرين فرسخاً من المدينة، وبقيع الغرقد مقبرة المدينة (7).

____________

(1) المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري 3/ 328؛ انظر: مسند أبي يعلى 2/ 139؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر 26/ 326، 327؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير 3/ 111.

(2) المستدرك على الصحيحين 2/ 61؛ انظر: شرح معاني الآثار، الطحاوي 3/ 269.

(3) السنن الكبرى، البيهقي 5/ 201.

(4) مجمع الزوائد 1/ 158، قال: رواه احمد؛ السنن الكبرى 5/ 201؛ انظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد 3/ 39؛ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، علي بن أبي بكر الهيثمي/ 395؛ فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي 6/ 551؛ الجامع العباسي، الشيخ بهاء الدين العاملي 257.

(5) طبقات المحدثين باصبهان والواردين عليها، أبو الشيخ الأنصاري 4/ 280؛ انظر: موارد الظمآن/ 395.

(6) تاريخ بغداد أو مدينة السلام، الخطيب البغدادي 3/ 231.

(7) تاريخ المدينة المنورة 1/ 86.

19

وعن عمر: من زافت عليه دراهمه فليخرج بها إلى البقيع، فليشتر بها سحق الثياب‏ (1).

وروى البيهقي: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) خرج إلى البقيع، فرأى رجلًا، فساوم به، ثمّ تركه فاشتراه رجل فأعتقه، ثمّ أتى به النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: إني اشتريت هذا فأعتقته، فماترى فيه، قال: «أخوك ومولاك ..» .. (2).

وروي: أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) خرج إلى البقيع، فرأى رجلًا يباع .. (3).

وروى ابن حجر عن عبد بن عبيد بن مراوح عن أبيه، قال: نزل رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) البقيع والناس يخافون الغارة بعضهم على بعض، فنادى مناديه: اللَّه أكبر، فقال:

لقد كبّرت كبيرا، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فارتعدت وقلت: لهؤلاء نبأ، فقال:

أشهد أنّ محمداً رسول اللَّه، فقلت: بعث نبيّ، فقال: حيّ على الصلاة، فقلت: نزلت فريضة، واعتمدت رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فسألته عن الإسلام فأسلمت، وعلمني الوضوء والصلاة، وصلى فصليت معه، وحمى البقيع، واستعملني عليه‏ (4).

وروى الهيثمي: كنا عند النبي (صلى الله عليه و آله) ببقيع الخيل فأقبل العباس .. (5).

وعن ابن سعد: ترك عبد الرحمن بن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومأة فرس ترعى بالبقيع‏ (6).

____________

(1) المغني، عبد اللَّه بن قدامة 4/ 177؛ الشرح الكبير، عبدالرحمن بن قدامة 4/ 177.

(2) السنن الكبرى 6/ 240.

(3) سنن الدارمي 2/ 373.

(4) الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني 4/ 347.

(5) مجمع الزوائد 9/ 268.

(6) الطبقات الكبرى، ابن سعد 3/ 136؛ الغدير، الشيخ عبد الحسين الأميني 8/ 284؛ انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 7/ 184.

20

وذكر الشيخ الطوسي بإسناده عن حذيفة بن اليمان قال: لما خرج جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، قدم جعفر والنبي (عليه السلام) بأرض خيبر، فأتاه بالفرع من الغالية والقطيفة، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «لأدفعنّ هذه القطيفة إلى رجل يحبّ‏اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله» فمدّ أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) أعناقهم إليها، فقال النبي (صلى الله عليه و آله):

أين علي؟ فوثب عمار بن ياسر رضي اللَّه عنه، فدعا عليا (عليه السلام)، فلمّا جاء قال له النبي (صلى الله عليه و آله): يا علي، خذ القطيفة اليك، فأخذها علي (عليه السلام)، وأمهل حتّى قدم المدينة، فانطلق إلى البقيع وهو سوق المدينة، فأمر صائغاً ففصل القطيفة سلكا سلكا، فباع الذهب وكان ألف مثقال، ففرقه علي (عليه السلام) في فقراء المهاجرين والأنصار .. (1).

وروى النسائي باسناده عن قيس بن أبي عرزة قال: كنا نبيع بالبقيع، فأتى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) وكنا نسمى السماسرة (2) .. (3).

وروى باسناده عن ابن عمر: كنت أبيع الأبل بالبقيع، فأبيع الدنانير وآخذ الدراهم‏ (4).

____________

(1) أمالي الشيخ الطوسي/ 614، مجلس 29، ح 7، عنه بحار الأنوار 21/ 19، ح 14؛ انظر: دلائل الإمامة، الطبري 144؛ حلية الأبرار، البحراني 2/ 268؛ بحار الأنوار 37/ 105.

(2) جمع سمسار، والسمسرة: البيع والشراء. كذا في الفائق في غريب الحديث 2/ 158.

(3) النسائي 7/ 15؛ انظر: مسند الحميدي 1/ 208؛ مسند أحمد 4/ 6؛ الآحاد والمثاني، أحمد بن عمرو بن الضحاك 2/ 260؛ المستدرك على الصحيحين 2/ 5؛ السنن الكبرى 3/ 131؛ تاريخ بغداد 5/ 280؛ المنتقى من السنن المسندة 144؛ الفائق في غريب الحديث 2/ 158؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي 9/ 9.

(4) النسائي 2/ 281- 282، ونحوه فيه 7/ 283؛ انظر: سنن أبي داود 2/ 114؛ سنن الترمذي 2/ 356؛ سنن الدارمي 2/ 259؛ سنن الدارقطني 3/ 20؛ مسند أبي داود الطيالسي/ 255؛ مسند ابن جعد/ 481؛ صحيح ابن حبان 11/ 287؛ مسند احمد 2/ 83، 84، 139، 154، 155؛ المستدرك على الصحيحين 2/ 44؛ التلخيص الحبير في تخريج الرافعي الكبير، ابن حجر 8/ 434؛ الكامل (لعبد اللَّه بن عدي) 2/ 254؛ السنن الكبرى 4/ 34، 5/ 201، 284، 315؛ المجموع 9/ 272 و 10/ 109؛ المنتقى من السنن المسندة/ 165؛ المبسوط (للسرخسي) 14/ 2 و 16 و 30/ 239؛ موارد الظمآن/ 275؛ سبل الهدى والرشاد 9/ 282؛ فتح العزيز 8/ 434؛ فوائد العراقيين/ 96؛ نصب الراية 4/ 501؛ نيل الأوطار، الشوكاني 5/ 254؛ الخلاف، الطوسي 3/ 99؛ جامع الخلاف والوفاق، علي بن محمد القمي السبزواري/ 245؛ تذكرة الفقهاء 10/ 123.

21

قال الشوكاني: قوله: بالبقيع، قال الحافظ: بالباء الموحدة، كما وقعت عند البيهقي في بقيع الغرقد، قال النووي: ولم يكن إذ ذاك قد كثرت فيه القبور (1).

وعن ابن عمر أيضاً: كنا نبيع الأبعرة بالبقيع بالدنانير، ونأخذ عوضها الدراهم، وبالدراهم، ونأخذ عوضها الدنانير، فسألنا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، فقال: «لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شي‏ء» (2).

وفي مسند أحمد: أنّ امرأة قالت: يا رسول اللَّه، ان كان في نفسي ان اجمعك ومن معك على طعام، فأرسلت إلى البقيع فلم أجد شاة تباع، وكان عامر بن أبي وقاص ابتاع شاة امس من البقيع، فأرسلت إليه ان ابتغي لي شاة في البقيع فلم توجد .. (3).

وروى الدارقطني عن رجل من الأنصار قال: خرجت مع أبي وأنا غلام مع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، .. قالت: فبعثت إلى أخي عامر بن أبي وقاص وقد اشترى شاة من البقيع .. (4).

وروى الحاكم النيسابوري عن عمر بن سعيد عن عمر قال: خرج‏

____________

(1) نيل الأوطار 5/ 254.

(2) الشرح الكبير 4/ 342.

(3) مسند احمد 5/ 294؛ الإصابة 3/ 485؛ انظر: سنن أبي داود 2/ 109؛ سنن الدارقطني 4/ 190؛ شرح معاني الآثار 4/ 208؛ البداية والنهاية 6/ 211؛ نصب الراية 5/ 404؛ نيل الأوطار 6/ 69.

(4) سنن الدارقطني 4/ 190.

22

رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى البقيع، فرأى طعاما يباع في غرائر (1)، فادخل يده فأخرج شيئاً كرهه، فقال: «من غشّنا فليس منا» (2).

وروى نحوه أحمد في مسنده عن أبي بردة بن دينار (3)، والهيثمي عن أبي موسى‏ (4)، بتفاوت يسير.

وروى الدارمي: خرج رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلى البقيع فقال: «يا معشر التجار، حتى إذا اشرأبوا، قال: التجار يحشرون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى اللَّه وبرّ وصد» (5).

وروى الطبري عن أبي قلابة، قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): يا أهل البقيع! فسمعوا صوته، ثمّ قال: يا أهل البقيع! فاشرأبوا ينظرون حتى عرفوا أنه صوته، ثمّ قال: يا أهل البقيع، لا يفترقنّ بيّعان إلا عن رضا» (6).

وعن أبي هريرة: أنّ رجلًا يقال له أبو حميد أتى النبي (صلى الله عليه و آله) بإناء فيه لبن من البقيع نهاراً، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله): «ألا خمرته ولو أن تعرض عليه بعود» (7).

وفي الخبر عن بلال أنه قال: .. حتى إذا صلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذني، فناديت وقلت: من كان يطلب رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ديناً

____________

(1) غرارة/ كذا في مجمع الزوائد.

(2) المستدرك على الصحيحين 2/ 9؛ سبل الهدى والرشاد 9/ 12؛ ونحوه في: المعجم الأوسط 4/ 293 (عن أبي موسى)؛ أسد الغابة 5/ 345؛ مجمع الزوائد 4/ 79؛ ارواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الالباني 5/ 163؛ المجموع 12/ 114.

(3) مسند احمد 3/ 466؛ عنه مجمع الزوائد 4/ 78 وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسطوالبزار باختصار.

(4) مجمع الزوائد 4/ 79 قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط.

(5) سنن الدارمي 2/ 247؛ المعجم الكبير 5/ 44؛ صحيح ابن حبان 11/ 277؛ موارد الظمآن/ 269.

(6) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري 5/ 48؛ انظر: مصنف عبد الرزاق 8/ 51؛ السنن الكبرى 5/ 271؛ الدر المنثور 2/ 144؛ كنز العمال، المتقي الهندي 4/ 90.

(7) مجمع الزوائد 8/ 111.

23

فليحضر، فما زلت أبيع واقضي واعرض واقضي، حتى لم يبق على رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) دين في الأرض .. (1).

وروى عبد الرزاق عن ابن سيرين، قال: نهى عمر بن الخطاب عن الوَرِق بالوَرِق إلا مثلًا بمثل، فقال له عبد الرحمن بن عوف أو الزبير: إنها تزيف علينا الأوراق، فنعطي الخبيث ونأخذ الطيب، فقال: لا تفعلوا، ولكن انطلق إلى البقيع، فبع ثوبك بورِق أو عَرَض، فإذا قبضته وكان لك بيعه فاهضم ما شئت، وخذ ورقاً إن شئت. (2)

وفي الخبر: الحق المرأة، فإنها على دكان العلاف بالبقيع تنتظرك، فأخذت الدراهم، وكنت إذا قال لي شيئاً لا أراجعه، فأتيت البقيع، فإذا المرأة على دكان .. (3).

وفي رواية: ان عمر سمع رجلًا يقرأ «الأنصار» بالواو في آية «وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ» الآية (4)، فقال: من أقرأك؟ قال:

أُبيّ‏ (5)، فدعاه فقال: اقرأنيه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وانك تبيع القرظ بالبقيع .. (6)، وكان هو دهراً يبيع الخيط والقرظة بالبقيع‏ (7).

____________

(1) السنن الكبرى 6/ 81؛ المعجم الأوسط 1/ 148؛ المعجم الكبير 1/ 364؛ الأحاديث الطوال، الطبراني/ 128؛ مسند الشاميين، الطبراني 4/ 111؛ تاريخ مدينة دمشق 4/ 317؛ البداية والنهاية 6/ 63؛ تركة النبي/ 74؛ موارد الظمآن/ 630؛ سبل الهدى والرشاد 7/ 90؛ كنز العمال 7/ 191.

(2) المصنف 8/ 123، ونحوه فيه 8/ 225؛ كنز العمال 4/ 189.

(3) الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي 1/ 319.

(4) التوبة: 100.

(5) أي: أبي بن كعب.

(6) الغدير 6/ 303.

(7) الغدير 8/ 61.

24

وعن أبي يعلى وابن مردويه أنه قرأ: «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا» (1) من تاب فإنّ اللَّه كان غفورا رحيما، فذكر لعمر، فأتاه فسأله عنها، فقال:

أخذتها من في رسول اللَّه، وليس لك عمل إلا الصفق بالبقيع‏ (2).

ثمّ هل المراد من البقيع في هذه الأخبار هو بقيع الخيل، أو بقيع‏الغرقد؟ هناك احتمالان:

أما الأول، فلمناسبة الحكم والموضوع، ومال إليه فهيم محمود شلتوت‏ (3)، فيظهر ما وقع من الخبط في حاشية النسائي في ذيل الخبر.

وأما الثاني، فلأجل أنّ المستفاد من بعض الأخبار حصول البيع والشراء ببقيع الغرقد أيضاً، وذلك ليس بمرفوض، إذ لا مانع من ذلك، خصوصاً قبل أن يصبح مقبرة عامة للناس، وحتى بعد ذلك، ومما يدل على ذلك: ما رواه الفضل بن شاذان في الخبر: .. قلت: أين أنت عن الزبير؟، فقال: اللعقة واللَّه إذا لظل يضارب على الصاع والمدّ ببقيع الغرقد .. (4).

وروى ابن أبي الحديد قول عمر في شأن الزبير: إنه شكس لقس، ويلاطم في البقيع في صاع من برّ (5).

وفي رواية قال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب: وإنك يومئذ تبيع القرص ببقيع‏

____________

(1) سورة النساء: 22.

(2) فتح القدير 3/ 225؛ كنز العمال 2/ 568، وانظر 13/ 261.

(3) تاريخ المدينة المنورة، الهامش، 1/ 306.

(4) الإيضاح، فضل بن شاذان/ 165؛ مواقف الشيعة 3/ 139؛ ونحوه في تاريخ مدينة دمشق 44/ 439، وفيه: «قال: وعقة لقس يقاتل على الصاع بالبقيع».

(5) شرح نهج البلاغة 6/ 326؛ كنز العمال 5/ 737، و 5/ 740 (وفيه: وعقة لقس يقاتل على الصاع بالبقيع)؛ ونحوه في الإحتجاج، الطبرسي 1/ 286؛ مواقف الشيعة 1/ 149.

25

الفرقد، فقال: صدقت، حفظتم ونسينا، وتفرغتم وشغلنا، وشهدتم وغبنا (1).

وفي الآحاد والمثاني: .. قال: فأنشدك باللَّه تعالى هل تعلم أن الميرة انقطعت عن أهل المدينة حتى جاع الناس، فخرجت إلى بقيع الغرقد، فوجدت خمس عشرة راحلة عليها طعام، فاشتريتها .. (2).

وقال المباركفوري: قوله (بالبقيع) بالموحدة، والمراد به بقيع الغرقد، فإنهم كانوا يقيمون السوق فيه قبل أن يتخذ مقبرة (3).

ثمّ لا يخفى أنه كان بالمدينة في الجاهلية وبعدها عدة أسواق، منها سوق بزبالة بالناحية التي تدعى يثرب، وسوق بالجسر في بني قينقاع، وسوق بالصفاصف والعصبة غربي مسجد قباء، وسوق في زقاق ابن حبين يقال له: المزاحم، وسوق يقال لها: البطحاء (4).

وروى الهيثمي رواية وفيه بقيع الجبل‏ (5)، والظاهر أنه تصحيف، والصحيح بقيع الخيل.

ب) بقيع الزبير

قال الحموي: هو بالمدينة، فيه دور ومنازل‏ (6).

____________

(1) عين العبرة، السيد أحمد آل طاووس/ 17.

(2) الآحاد والمثاني، ابن أبي عاصم 1/ 476؛ تاريخ المدينة المنورة، ابن شبة 4/ 1297؛ كتاب السنة 578؛ كنز العمال 13/ 100.

(3) تحفة الأحوذي، المباركفوري 4/ 370 و 9/ 146.

(4) موسوعة التاريخ الإسلامي، محمد هادي اليوسفي الغروي 2/ 35.

(5) مجمع الزوائد 9/ 268.

(6) معجم البلدان 1/ 474؛ انظر القاموس المحيط 3/ 6، تاج العروس 20/ 349؛ معجم معالم الحجاز 1/ 243.

26

وعن أبي سعيد الخدري: انّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) صلى الأضحى ببقيع الزبير .. (1).

قال ابن شبة: استقطع الزبير النبي (صلى الله عليه و آله) البقيع فقطعه، فهو بقيع الزبير، ففيه من الدور دار عروة بن الزبير .. (2).

وروى الكليني: ثمّ تسأل عن بني عمرو بن مبذول، وهو ببقيع الزبير (3).

وعن أبي مالك قال: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير، فيشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة يوم الجمعة، ولا يقومون، فنزلت: «إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (4)» (5).

وعن السمهودي: أقطع له أرضاً يجاور منازل بني غنم، وشرقي منازل بني رزيق، يقال لها: بقيع الزبير، قال ابن شبة: ففيه من الدور للزبير: دار عروة بن الزبير، وهي التي فيها المجزرة، ثمّ خلفها في شرقيها دار المنذر بن الزبير، إلى زقاق عروة .. وفيه دار مصعب بن الزبير .. وفيه دار آل عكاشة بن مصعب بن الزبير، وفيه دار آل عبد اللَّه بن الزبير، فالبقيع كان واسعاً جداً، حتى بنيت فيه هذه المنازل كلها (6).

وقال ابن سعد: أقطع رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لعبيدة بن الحارث والطفيل وأخويه موضع خطبتهم اليوم بالمدينة، في ما بين بقيع الزبير وبين بني مازن‏ (7).

____________

(1) ناسخ الحديث ومنسوخه/ 195.

(2) تاريخ المدينة المنورة 1/ 229.

(3) الكافي، الكليني 1/ 478؛ شرح أصول الكافي، المولى محمد صالح المازندراني 7/ 256؛ مدينة المعاجز، البحراني 6/ 299؛ بحار الأنوار 48/ 86.

(4) سورة الجمعة: 9.

(5) جامع البيان 28/ 130.

(6) مكاتيب الرسول 1/ 352.

(7) الطبقات الكبرى 3/ 51؛ مكاتيب الرسول 1/ 354.

27

وعن عبداللَّه بن عمر قال: كان عمر يأتى مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع، ولم يكن بالمدينة مجزرة غيرها، فيأتي معه الدرة، فاذا رأى رجلًا اشترى لحماً يومين متتابعين ضربه بالدرة وقال: ألا طويت بطنك يومين‏ (1).

والظاهر كونه بقيع الزبير الذي استقطعه من النبي (صلى الله عليه و آله) كما مر، ويحتمل كونه في بقيع الخيل، لتناسب الحكم والموضوع!.

وقال الخطيب: و دار طلحة بن عبد الرحمن بالمدينة، إلى جنب بقيع الزبير (2).

وذكر ابن عساكر جلوس محمد بن المنذر ببقيع الزبير (3).

وأورد المزي كون دار عمر بن مصعب بن الزبير فيه‏ (4).

ج) بقيع الخبخبة

ذكره أبو داود في سننه، والخبخبة شجر عرف به هذا الموضع‏ (5)، وقال البكري: ويقع الخبخبة .. بالمدينة أيضاً بناحية بئر أبي أيوب، والخبخبة شجرة كانت تنبت هناك‏ (6).

وفي القاموس: جبجب بالضم: ماء قرب المدينة، .. وجبجب: المستوي من‏

____________

(1) الغدير 6/ 267.

(2) تاريخ بغداد 9/ 352؛ معجم البلدان 1/ 470.

(3) تاريخ مدينة دمشق 56/ 28.

(4) تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي 8/ 225.

(5) معجم البلدان 1/ 474 و 2/ 343.

(6) تاج العروس 20/ 349؛ معجم ما استعجم، البكري الأندلسي 1/ 266؛ معجم معالم الحجاز 1/ 243.

28

الأرض، وبقيع الجبجب: بالمدينة، أو هو بالخاء أوله‏ (1) .. الخبخبة: شجر، عن السهيلي، ومنه: بقيع الخبخبة بالمدينة، لأنه كان منبتها، أو هو بجيمين‏ (2).

ورووا قضية للمقداد بن الأسود في بقيع الخبخبة، ورجوعه في ذلك إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(3).

نعم يظهر من الطبقات‏ (4) و المستدرك‏ (5) ان بقيع الخبخبة هو نفس بقيع الغرقد، إذ رويا عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن أبيه قال: كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يرتاد لأصحابه مقبرة يدفنون فيها، فكان قد جاء نواحي المدينة وأطرافها، قال: ثم قال:

«أمرت بهذا الموضع»، وكان يقال بقيع الخبخبة، وكان أكثر نباته الغرقد .. (6).

وروى الصالحي أنه بنى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مسجده سبعين في ستين ذراعاً أو ما يزيد، ولبن لبنة من بقيع الخبخبة، وجعله جداراً، وجعل سواريه خشباً شقة شقة، وجعل وسطه رحبة .. (7).

د) بقيع الغراب‏

ذكره الفيومي في المصباح‏ (8).

____________

(1) القاموس المحيط 1/ 44؛ انظر: تاج العروس 1/ 174، 228.

(2) القاموس المحيط 1/ 59.

(3) انظر: سنن أبي داود 2/ 53؛ سنن ابن ماجة 2/ 838؛ المعجم الكبير 20/ 260؛ تاريخ مدينة دمشق 60/ 174 و 175؛ السنن الكبرى 4/ 155؛ المحلى 7/ 326؛ عون المعبود 8/ 239؛ معجم ما استعجم 1/ 266.

(4) الطبقات الكبرى 3/ 397.

(5) المستدرك‏على الصحيحين 3/ 189.

(6) الطبقات الكبرى 3/ 397؛ المستدرك على الصحيحين 3/ 190.

(7) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي 3/ 338.

(8) المصباح المنير 1/ 73.

29

ه) بقيع المصلى‏

قال الحموي: ومصلى النبي (صلى الله عليه و آله) الذي كان يصلي فيه الأعياد، في غربي المدينة، داخل الباب، وبقيع الغرقد خارج المدينة من شرقيها (1).

في الصحيح عن معاوية بن عمار قال: سألته عن صلاة العيدين، إلى أن قال:

«وقد كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يخرج إلى البقيع، فيصلي بالناس‏ (2).

وروى ابن عساكر عن عتبة بن عبد اللَّه بن عمرو، عن أبيه، عن جده: كنت عند رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في يوم عيد، فقال: «ادعوا لي سيد الأنصار، فدعوا أبي بن كعب، فقال: يا أبي بن كعب، إئت بقيع المصلى فأمر بكنسه، ثمّ أمر الناس فليخرجوا .. (3).

وروى البيهقي عن البراء بن عازب، قال: خرج إلينا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يوم أضحى إلى البقيع، فقام فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «إنّ أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثمّ نرجع فننحر ..» (4).

وروى عبد الرزاق عنه: لما كان يوم الأضحى أتى النبي (صلى الله عليه و آله) البقيع، فنُوِّل قوساً فخطب عليها (5).

____________

(1) معجم البلدان 5/ 82.

(2) الكافي 3/ 460؛ تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي 3/ 130؛ الخلاف 1/ 655؛ الذكرى، الشهيد الأول/ 239؛ مدارك الأحكام 4/ 111؛ تفصيل وسائل الشيعة، الحر العاملي 7/ 451؛ انظر: المعتبر 2/ 316؛ مختلف الشيعة 2/ 272؛ تذكرة الفقهاء 4/ 142؛ مجمع الفائدة، المولى أحمد الأردبيلي 2/ 399.

(3) تاريخ مدينة دمشق 7/ 335؛ انظر: تهذيب الكمال 2/ 269؛ سير أعلام النبلاء 1/ 396.

(4) السنن الكبرى 3/ 311؛ انظر: مسند ابن الجعد/ 398؛ شرح معاني الآثار 4/ 172؛ أحكام القرآن، الجصاص 3/ 644؛ نصب الراية 2/ 265.

(5) مصنف عبد الرزاق 3/ 287.

30

وروى عبد الرزاق أنّ النبي (صلى الله عليه و آله) صلّى على أم كلثوم أخت سودة بنت زمعة، وتوفيت بمكة، فصلى عليها بالبقيع بقيع المصلى .. (1).

وروى الكليني بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: أتى العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي، إنّ الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في بقيع المصلّى، وأن يؤمّهم رجل منهم، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الناس فقال: «يا ايها الناس، إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إمام حيّاً وميتاً، وقال: إنّي أدفن في البقعة التى أُقبض فيها ..» (2).

و) بقيع بُطحان‏

قال الحطاب الرعيني: بقيع بُطحان: هو بضمّ الموحدة، وسكون الطاء المهملة، بعدها حاء مهملة، قال في المشارق: هكذا يرويه المحققون، وكذا سمعناه من المشايخ، وهو الذي يحكي أهل اللغة فيه فتح الموحدة وكسر الطاء، وكذا قيده اللقاني في البارع وأبو حاتم والبكري في المعجم، وقال البكري: لا يجوز غيره، وهو واد في المدينة (3).

وروى البخاري عن أبي موسى قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولًا في بقيع بطحان، والنبي (صلى الله عليه و آله) بالمدينة (4).

وروى ابن سعد: .. إذ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالمدينة، وهم نازلون في بقيع بطحان .. (5)

____________

(1) مصنف عبد الرزاق 3/ 483.

(2) الكافي 1/ 451، كتاب الحجة، أبواب التاريخ، ح 37.

(3) مواهب الجليل 7/ 608.

(4) صحيح البخاري 1/ 142؛ صحيح مسلم 2/ 117؛ مسند أبي يعلى 13/ 285؛ معجم ما استعجم 1/ 258.

(5) الطبقات الكبرى 4/ 106.

31

وقال ابن حجر في رواية مالك بلفظ: فخرج بهم إلى المصلى، والمراد بالبقيع بقيع بطحان، أو يكون المراد بالمصلى موضعاً معدّداً للجنائز ببقيع الغرقد، غير مصلى العيدين، والأول أظهر، وقد تقدّم في العيدين أنّ المصلى كان ببطحان‏ (1).

ز) بقيع الخضمات‏

قالوا: كان أبو أمامة أسعد بن زرارة، أول من جمع بالناس الجمعة بالمدينة، (قبل مقدم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(2))، في هزم من حرة بني بياضة، في بقيع الخضمات، وهم أربعون رجلًا (3).

قال ابن حريم: قلت لوطاً: أكان ذلك بأمر النبي (صلى الله عليه و آله)؟ قال: نعم‏ (4).

قال العلامة الحلي: في (حرة) بني بياضة في بقيع يقال له: بقيع الخصمات .. ثمّ قال: قال الخطائي: (حرة) بني بياضة قرية على ميل من المدينة (5).

وروي عن الجمهور أنّ مصعب بن عمير جمع في بقيع الخصمات، والبقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا انصب الماء (نبت) الكلاء (6).

أقول: ما ذكره من المعنى، يناسب أن يكون النقيع لا البقيع، ولذلك ذكر عدة

____________

(1) فتح الباري 3/ 150.

(2) مصنف ابن أبي شيبة 8/ 327؛ تهذيب الكمال 24/ 502.

(3) انظر: مصنف ابن أبي شيبة 8/ 327؛ تهذيب الكمال 24/ 502؛ المستدرك على الصحيحين 3/ 187؛ تاريخ مدينة دمشق 50/ 186؛ منتهى المطلب، العلامة الحلي 1/ 319؛ المنتقى من السنن المسندة/ 82؛ معجم البلدان 5/ 302؛ البداية والنهاية 3/ 185؛ عيون الأثر 1/ 209؛ السيرة النبوية 2/ 181؛ سبل الهدى والرشاد 12/ 52.

(4) منتهى المطلب 1/ 319.

(5) منتهى المطلب 1/ 319.

(6) منتهى المطلب 1/ 320؛ انظر: الشرح الكبير 2/ 174.

32

من أرباب السير أنه نقيع الخضمات‏ (1)، لا بقيع الخضمات.

قال العظيم آبادي: وروي عن ابن الأثير في النهاية أنّ النقيع موضع قريب من المدينة، كان يستنقع فيه الماء، أي يجتمع، وقال الخطابي في المعالم: النقيع بطن الوادي من الأرض، يستنقع فيه الماء مدة، وإذا نضب الماء، أي غار في الأرض أنبت الكلأ، ومنه حديث عمر: أنه حمى النقيع لخيل المسلمين، وقد يصحف أصحاب الحديث، فيروونه البقيع بالباء، موضع القبور بالمدينة .. انتهى، يقال للنقيع: نقيع الخضمات، موضع بنواحي المدينة، كذا في النهاية .. وهي كانت في حرة بني بياضة، في المكان الذي يجتمع فيه الماء، واسم ذلك المكان نقيع الخضمات، وتلك القرية هي على ميل من المدينة، كذا في غاية المقصود (2).

وقالوا: النقيع موضع يباع فيه الغنم .. بشرق المدينة، وقال في التهذيب: هو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلًا من المدينة، قال الخطابي: أخطأ من قال بالموحدة (3).

وجاء في اصلاح غلط المحدثين: حديث عمر أنه حمى غرز النقيع بالنون، وليس البقيع الذي هو مدفن الموتى بالمدينة (4).

ح) بقيع الغرقد

وهو موضوع بحثنا في هذا الكتاب.

____________

(1) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام؛ معجم البلدان 5/ 405؛ كتاب الآثار لأحمد بن الحسين البيهقي على ما ذكره الحموي؛ عون المعبود 3/ 281؛ وقيده البكري بالنون على ما ذكره في عيون الأثر 1/ 209؛ اصلاح غلط المحدثين، الخطابي البستي/ 155.

(2) عون المعبود 3/ 281.

(3) عون المعبود 9/ 129.

(4) اصلاح غلط المحدثين/ 155.

33

فالحاصل من هذه الروايات والآثار: أنّ اطلاق كلمة البقيع لاينحصر في بقيع الغرقد، والإستعمالات المختلفة ناظرة إلى معناه اللغوي، وكانت شائعة، نعم بعد صيروة البقيع مقبرة المدينة، وبعد دفن الصحابة والتابعين والشهداء والصالحين وعلى رأسهم الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، أصبح عَلَماً، بحيث ينصرف إليه الذهن، دون الإحتياج إلى نصب قرينة، وهي ناشئة عن كثرة الإستعمال.

34

جنة البقيع أو بقيع الغرقد

الموقع والمساحة

كتب الأستاذ عبد القدوس الأنصاري: البقيع هو مقبرة المدينة الوحيدة منذ عصر الرسالة إلى اليوم، دفن فيه ما يقرب من عشرة آلاف صحابي وصحابية ..

والبقيع عبارة عن بقعه مستطيلة بشرقي المدينة خارج سورها قريبة من باب الجمعة، وطولها 150 متراً في عرض 100 متراً (1)، وهو مسور من جميع النواحي ..، وأخيراً فقد زادت مساحة البقيع كثيراً عما كانت عليه في العهود السابقة (2).

وجاء في التاريخ الأمين: تقع روضة مقبرة البقيع في قلب ووسط المدينة المنورة، وهي مجاورة لحرم النبي (صلى الله عليه و آله)، وتقع في الجهة الشرقية لمسجد النبي (صلى الله عليه و آله)، حيث إن الخارج من باب جبرائيل من حرم النبي (صلى الله عليه و آله) من أبوابه الشرقية، تكون‏

____________

(1) كذا التحديد في مرآة الحرمين 1/ 425 ايضاً.

(2) آثار المدينة المنورة، عبد القدوس الأنصاري/ 171- 172.

35

مقبرة البقيع مقابلًا له. ولقد جعل للبقيع ثلاثة أبواب: فالباب الأول يقع في شرقه، والثاني في الجهة الشمالية، والثالث في غربه، وهي البوابة الرئيسية فيه، وهي التي تكون دائماً مفتوحة، ويتمّ من خلالها إدخال جنائز الموتى ودخول الوافدين لزيارة قبور أهل بيت النبي (صلى الله عليه و آله) وأصحابه المنتجبين‏ (1).

وجاء في بقيع الغرقد: كان بقيع الغرقد خارج المدينة المنورة ومساكنها، في الجهة الشرقية للمسجد النبوي الشريف، تحيط به مزارع من الشمال والجنوب والشرق، أما من الغرب فكان يفصلها عن المسجد النبوي الشريف مساكن ودور ومدارس حارة الأغوات، وحالياً بعد تنفيذ المشروع لتوسعة وعمارة المسجد النبوي الشريف، أصبح البقيع من الجهة الغربية ملاصقاً لساحات المسجد لا يفصلها أيّ مبانٍ أو منشآت .. إنّ بقيع الغرقد كان عبارة عن فضاء لا يتجاوز ثمانين متراً طولًا وثمانين متراً عرضاً، وفي شماله الغربي يقع بقيع العمات .. وكانت مساحته حوالي 3500 متر مربع، وقد ضمّ هذا البقيع إلى البقيع الكبير عام 1373 ه، وكذلك ضمّ الزقاق الفاصل بينهما، والذي كان يسمى زقاق العمات، ومساحته حوالي 824 متراً مربعاً (2)، ويقع شرق بقيع الغرقد حشّ كوكب، وهو بستان بظاهر المدينة خارج البقيع‏ (3)، وقد كان البقيع الكبير وبقيع العمات وحش كوكب وما بينهم من طرق وأزقة لا تتجاوز مساحتها مجتمعة مائة وخمسين طولًا ومائة متر عرضاً، أي ما يعادل 15000 م 2 (4).

____________

(1) التاريخ الأمين/ 356.

(2) بقيع الغرقد، المهندس حاتم عمر طه والدكتور محمد أنور البكري/ 21 عن فصول من تاريخ المدينةالمنورة/ 173.

(3) النهاية في غريب الأثر 1/ 376.

(4) بقيع الغرقد/ 21- 22.

36

أقول: الظاهر أنّ بقيع العمات كان ضمن البقيع من الأساس، ولكن الموانع والزقاق أوجدت بعد ذلك، وهو أمر طبيعي، فما حصل في عام 1373 هو ازالة الموانع، لا ضم مكان إلى مكان آخر، وهذا بخلاف حشّ كوكب الذي صرّح ابن الأثير (1) وغيره بكونه خارج البقيع.

وكتب العلامة السيد جعفر بحرالعلوم عن علماء السير والتواريخ: أن أكثر أصحاب النبي دفنوا في البقيع، وذكر القاضي عياض في المدارك: أن المدفونين من أصحاب النبي هناك عشرة آلاف، ولكن الغالب منهم مخفي الآثار عيناً وجهة (2).

وكتب الأستاذ فهيم محمود شلتوت: قال المطري: إن أكثر الصحابة (رض) ممن توفّى في حياة النبي وبعد وفاته مدفونون بالبقيع، وكذلك سادات أهل بيت النبي وسادات التابعين .. وقال المجد: لاشك أن مقبرة البقيع محشوة بالجماء الغفير من سادات الأمة (3). ونقل ما روي عن عياض في المدارك عن مالك.

بداية حياة البقيع‏

روى ابن سعد والحاكم النيسابوري باسناده عن عبيد اللَّه بن أبي رافع عن أبيه قال: كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) يرتاد لأصحابه مقبرة يدفنون فيها (4)، فكان قد جاء نواحي المدينة وأطرافها، قال: ثم قال: «أمرت بهذا الموضع»، وكان يقال: بقيع الخبخبة، وكان أكثر نباته الغرقد، .. فكان أول من قبر هناك عثمان بن مظعون،

____________

(1) النهاية 1/ 389.

(2) تحفة العالم في شرح خطبة المعالم، السيد جعفر آل بحر العلوم- المطبوع مقتبسها في آخر بحار الأنوار 48/ 297؛ وانظر: فصول من تاريخ المدينة/ 167؛ بقيع الغرقد/ 51.

(3) هامش تاريخ المدينة المنورة 1/ 86.

(4) انظر: الشرح الكبير 2/ 389؛ المستدرك على الصحيحين 3/ 189.

37

فوضع رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله) حجراً عند رأسه وقال: «هذا قبر فرطنا»، وكان إذا مات المهاجر بعده قيل: يا رسول اللَّه، أين ندفنه؟ فيقول: «عند فرطنا عثمان بن مظعون» (1).

وروى ابن شبة باسناده عن قدامة بن موسى قال: كان البقيع غرقداً، فلما هلك عثمان بن مظعون دفن بالبقيع، وقطع الغرقد عنه، وقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم) للموضع الذي دفن فيه عثمان: «هذه الرّوحاء»،- وذلك كلّ ما حاذت الطريق من دار محمد بن زيد إلى زاوية دار عقيل اليمانية الشرقية- ثم قال النبي (صلّى اللَّه عليه وسلّم): «هذه الرّوحاء للناحية الأخرى»، فذلك كلّ ما حازت الطريق من دار محمد بن زيد إلى اقصى البقيع‏ (2).

أول من دفن بالبقيع‏

وقع الخلاف في تعيين أول من دفن بالبقيع، والمستفاد من بعض الأخبار: أنه عثمان بن مظعون‏ (3)، كما مرّ آنفاً.

وروي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون، ثمّ اتبعه إبراهيم ابن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)» (4).

وعن عبد اللَّه بن عامر: أول من دفن بالبقيع من المسلمين عثمان بن مظعون، فأمر به رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فدفن عند موضع الكبا اليوم عند دار محمد ابن الحنفية، قال:

____________

(1) الطبقات الكبرى 3/ 397؛ المستدرك على الصحيحين 3/ 190؛ سير أعلام النبلاء 1/ 155؛ انظر: الطبقات الكبرى 3/ 399؛ تاريخ الأمم والملوك، الطبري 2/ 177؛ ارواء الغليل 3/ 213.

(2) تاريخ المدينة المنورة 1/ 100.

(3) مصنف بن أبي شيبة 8/ 346؛ فتح الباري 9/ 96؛ معجم البلدان 4/ 471؛ كنز العمال 14/ 140.

(4) مصنف ابن أبي شيبة 8/ 357؛ الطبقات الكبرى 1/ 141؛ تاريخ مدينة دمشق 54/ 417؛ كنزالعمال 14/ 140.

38

قال محمد بن عمر: والكبا الكناسة (1).

وقال ابن قتيبة: أول من مات من المسلمين بالمدينة عثمان بن مظعون، بعد بدر، وقبل أُحُد، فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «هذا سلفكم، فادفنوا إليه موتاكم»، فدفن في البقيع‏ (2).

وروى ابن أبي شيبة عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب قال: لما مات عثمان بن مظعون دفنه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) بالبقيع أول من دفن فيه، ثمّ قال لرجل عنده: «إذهب إلى تلك الصخرة فائتني بها، حتى أضعها عند قبره حتى أعرفه بها، فمن مات من أهلنا دفنّاه عنده» (3).

أقول: المستفاد منه هو لزوم حفظ الآثار، والاهتمام بزيارة قبور الصلحاء، ولا داعي للجمود بوضع حجرة فحسب، اذ الحجرة للعلامة فقط، والمهم هو المعرفة بأي نحو كانت، وعلى هذا كانت سيرة المتشرعة ولا زالت، ومما يؤيد ذلك:

ما رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حازم قال: رأيت قبر عثمان بن مظعون وعنده شي‏ء مرتفع، يعني كأنّه علم‏ (4).

قال البخاري في تاريخه: أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون رحمة اللَّه عليه، وأول من أتبعه إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه و آله)(5).

وقال ابن الأثير في شأنه: وهو أول رجل مات بالمدينة من المهاجرين، مات سنة اثنتين من الهجرة، قيل: توفي بعد اثنين وعشرين شهراً بعد شهوده بدراً، وهو

____________

(1) الطبقات الكبرى 3/ 397.

(2) المعارف/ 422.

(3) المصنف 8/ 346.

(4) الطبقات الكبرى 3/ 397.

(5) التاريخ الكبير 1/ 177.

39

أول من دفن بالبقيع‏ (1).

وعن تحفة العالم: وجهة قبر إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه و آله) في بقعة قريبة من البقيع، وفيها قبر عثمان بن مظعون من أكابر الصحابة، وهو أول من دفن في البقيع‏ (2).

هذا، ولكن المستفاد من بعض النصوص أن أول من دفن فيه هو أسعد بن زرارة.

روى ابن حبان: مات أسعد بن زرارة والمسجد يبنى، أخذته الشهقة، ودفن بالبقيع، وهو أول من دفن بالبقيع من المسلمين، فكان رسول النبي (صلى الله عليه و آله) نازلًا على أبي أيوب حتى فرغ من المسجد، وبني له مسكن، فانتقل رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)(3).

وروى ابن سعد عن عبد الجبار بن عمارة، قال: أول من دفن بالبقيع أسعد بن زرارة، قال محمد بن عمر: هذا قول الأنصار، والمهاجرون يقولون: أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون‏ (4).

وروى الحاكم باسناده عن عبداللَّه بن أبي بكر قال: أول من دفن بالبقيع أسعد ابن زرارة (5).

وروي عن البغوي في شأن أسعد بن زرارة: بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأنه أول ميت صلى عليه النبي (صلى الله عليه و آله)(6).

وقال ابن إدريس: أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي العقبي، رأس‏

____________

(1) أسد الغابة 3/ 386.

(2) تحفة العالم، مقتبسها في بحار الأنوار 48/ 297.

(3) كتاب الثقات 1/ 135.

(4) الطبقات الكبرى 3/ 612؛ وانظر: المستدرك على الصحيحين 3/ 186؛ الإصابة 1/ 209.

(5) المستدرك على الصحيحين 3/ 186.

(6) الاصابة 1/ 209.

40

النقباء، أول مدفون بالبقيع، مات في حياة الرسول (صلى الله عليه و آله)(1).

وروى ابن شبة عن الواقدي باسناده عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: أول ميت بالمدينة من الأنصار أسعد بن زرارة أبوأمامة، ودفنه بالبقيع .. (2).

ويمكن دفع التعارض بأن يقال: أول من دفن بالبقيع من المهاجرين عثمان بن مظعون، ومن الأنصار أسعد بن زرارة، ويدل على ذلك مضافاً إلى خبر محمد بن عبد الرحمن- الذي يكون شاهداً للجمع- ما روي من أن أسعد بن زرارة مات قبل ان يفرغ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) من بناء المسجد، ودفن بالبقيع‏ (3)، بينما المروي في زمان موت عثمان بن مظعون كونه في ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة (4).

أو أن يقال: إن أسعد بن زرارة دفن في البقيع قبل أن يجعل مقبرة عامة للصحابة، وأما عثمان بن مظعون فقد دفن فيه حينما جعل مقبرة لهم، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) كان يرتاد لأصحابه مقبرة يدفنون فيها (5)، كما مرّ، وبدفن عثمان بن مظعون بدأت حياة البقيع رسمياً، ويؤيده ما روي أن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) قال: «هذا سلفكم، فادفنوا إليه موتاكم» (6).

وكيف ما كان، فقبرهما في الرّوحاء التي في وسط البقيع، فقد روى ابن شبة عن أبي عنسان: لم ازل اسمع انّ قبر عثمان بن مظعون وأسعد بن زرارة بالروحاء من‏

____________

(1) السرائر 1/ 472.

(2) تاريخ المدينة المنورة 1/ 96.

(3) انظر: سير أعلام النبلاء 3/ 188؛ بحار الأنوار 19/ 132 عن المنتفى في مولود المصطفى.

(4) المصدر 20/ 8 عن الكامل لابن أثير 2/ 97.

(5) الطبقات الكبرى 3/ 397؛ المستدرك على الصحيحين 3/ 190.

(6) المعارف/ 422.

41

البقيع، والروحاء المقبرة التي وسط البقيع يحيط بها طرق مطرقة وسط البقيع‏ (1).

وأما ما قيل من أنّ أبا امامة الباهلي هو أول من دفن بالبقيع‏ (2)، فالظاهر وقع الغلط والتحريف بزيادة كلمة الباهلي، وكون أبي امامة هو نفس أسعد بن زرارة، اذ أبو امامة الباهلي هو صدى بن عجلان‏ (3)، وقال يحيى: اسم أبي‏امامة 8 نصار، 2 الأنصاري أسعد بن زرارة (4)، ومع الاصرار على ما ذكره الحموي نقول: وقع الخلاف في موضع دفنه فيه أو في قرية من قرى حمص‏ (5)، فهو قول شاذ، وكذا الأمر في كلثوم بن الهدم‏ (6) الذي قيل في حقه: إنه أول من دفن بالبقيع، وأما أبو السائب الذي قالوا في حقه ذلك‏ (7)، فهو نفس عثمان بن مظعون.

هذا، ولكن الموجود في بعض المصادر: أن بعض الأنبياء قد دفنوا بالبقيع، وهذا يدل على أن دفن بعض الموتى بالبقيع كان حاصلًا قبل زمان النبي (صلى الله عليه و آله)، حيث إن المجلسي روى عن نسخة قديمة من مؤلفات أصحابنا هذه الفقرة من الدعاء:

«السلام على البقيع وما ضمّ البقيع من الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين» (8)، ولكننا لا يمكننا المساعدة عليه، لعدم معرفتنا بالمصدر، وإن كان ذلك أمراً ممكناً في حد ذاته، حيث إنّ دفن عدة من الناس في مكان قبل صيرورته مقبرة لعامة الناس غير بعيد عقلًا، ولكنه لاعلم لنا بذلك.

____________

(1) تاريخ المدينة المنورة 1/ 101.

(2) معجم البلدان 4/ 471.

(3) تاريخ ابن معين 1/ 109، رقم 106.

(4) تاريخ ابن معين 1/ 109 رقم 623.

(5) معجم البلدان 4/ 471.

(6) معجم البلدان 4/ 471.

(7) سير أعلام النبلاء 1/ 154.

(8) بحار الأنوار 100/ 189.

42

ثمّ أنه قد رغب الناس في دفن موتاهم بالبقيع بعد دفن إبراهيم ابن رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وهو ما صرّح به خبر أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: انّه لمّا توفّي إبراهيم ابن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، واختارت كلّ قبيلة ناحية، فمن هناك عرفت كلّ قبيلة مقابرها (1)، وأصبح البقيع الغرقد مدفن أهل المدينة (2).

ومن هنا يعلم عدم صحة القول بوقفية أرض البقيع، اذ الوقف فرع الملكية، وهي منتفية، فبناء على ذلك فهي باقية على الإباحة الأصلية، فدعوى تسبيل البقيع مرفوضة بالشواهد المتقنة التاريخية والروائية عند كافة المسلمين، أضف إلى ذلك أن أهل البيت (عليهم السلام) دفنوا في بيت عقيل، فما بادرت به شرذمة من الناس من هدم القبة فهو تصرف عدواني في ملك الغير.

ثم أنهم وصفوا أرض البقيع بكونها رخوة (3) سبخة (4)، ولازال الأمر كذلك.

فضل البقيع‏

لا ريب أنّ للمكان أثراً خاصاً، وله ميزات وخصوصيات تميزه عن ما سواه.

إن بقيع الغرقد اكتسب فضيلة خاصة، وذلك ببركة قدوم النبي الأعظم وسائر المعصومين إليه، ودفن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وسائر الأولياء والصلحاء والشهداء والمؤمنين، اذ شرف المكان بالمكين، ونذكر بعض الأخبار في ذلك:

روى الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه باسناده عن أبي حجر الأسلمي عن‏

____________

(1) تاريخ المدينة المنورة 1/ 121.

(2) المجموع 5/ 134.

(3) مستند الشيعة، النراقي 3/ 270.

(4) بدائع الصنائع، أبو بكر بن مسعود الكاشاني 1/ 319.

43

رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): «.. ومن مات في أحد الحرمين مكة أو المدينة لم يعرض إلى الحساب، ومات مهاجراً إلى اللَّه، وحشر يوم القيامة مع أصحاب بدر» (1).

روي عن تفسير أبي الفتوح الرازي عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «إنّ اللَّه عزوجلّ يأمر يوم القيامة أن يأخذوا بأطراف الحجون‏ (2) والبقيع، فيطرحان في الجنة» (3).

وروي‏عن رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله): «إذا حشرالناس يوم‏القيامة، بعث في‏أهل البقيع» (4).

وروي عنه (صلى الله عليه و آله): «أسمع الصيحة، فأخرج إلى البقيع، فأحشر معهم» (5).

وعن أم قيس أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) خرج بها في سكك المدينة حتى انتهى إلى البقيع الغرقد، فقال: «يا أم قيس! قلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه، قال: أترين هذه المقبرة؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: يبعث منها سبعون ألفاً يوم القيامة بصورة القمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب» (6).

اهتمام المسلمين بزيارة البقيع (عليهم السلام)

قد اهتم المسلمون على طول الأزمنة بزيارة البقيع، وحث علماؤهم على الترغيب بزيارته.

واهم دليل على ذلك هو فعل الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله)، وبه تثبت السنة، فانه كان‏

____________

(1) كامل الزيارات، أبوالقاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي/ 44، ح 14 (ط نشر الفقاهة).

(2) مقبرة مكة المكرمة، المعروف بمقبرة المعلاة، وفيها قبر عبد مناف، عبد المطلب، أبي طالب، خديجة، بعض أبناء رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) والصحابة والتابعين، والعلماء والصالحين، وسائر المؤمنين.

(3) الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي 1/ 371.

(4) مصنف عبد الرزاق 3/ 580.

(5) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، الهيثمي/ 335.

(6) المستدرك على الصحيحين 4/ 68؛ انظر: المعجم الكبير 8/ 216؛ مسند أبي داود الطيالسي/ 227؛ الإصابة 4/ 440؛ فتح الباري 11/ 359؛ كنز العمال 12/ 262؛ الفائق في غريب الحديث 1/ 225.

44

يخرج إلى البقيع ويقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون» (1)، وبعد دفن المعصومين (عليهم السلام) به ازداد الاستحباب.

وقد أفتى الكبار من الفقهاء باستحباب زيارة أئمة البقيع (عليهم السلام) استحباباً مؤكداً (2).

وكذلك استحباب زيارة إبراهيم ابن رسول اللَّه وعبد اللَّه بن جعفر وفاطمة بنت أسد وجميع من بالبقيع من الصحابة والتابعين، والشهداء والصالحين.

وممن أفتى بذلك: القاضى ابن براج‏ (3)، والفاضل الآبي‏ (4)، والمحقق الحلي‏ (5)، ويحيى بن سعيد (6)، والعلامة الحلي‏ (7)، وابن فهد الحلي‏ (8)، وابن طي الفقعاني‏ (9)، والشهيدالأول‏ (10)، والسبزواري‏ (11)، والمحقق‏الكركي‏ (12)، والحرالعاملي‏ (13)،

____________

(1) الغدير 5/ 178.

(2) تبصرة المتعلمين، العلامة الحلي/ 107؛ المهذب البارع، ابن فهد الحلي 2/ 221؛ الدر المنضود، ابن طي الفقعاني/ 91.

(3) المهذب 1/ 283.

(4) كشف الرموز 1/ 387.

(5) شرائع الاسلام، المحقق الحلي 1/ 210؛ المختصر النافع/ 98.

(6) الجامع للشرائع/ 232.

(7) قواعد الأحكام 1/ 449؛ تذكرة الفقهاء 8/ 454؛ ارشاد الأذهان إلى أحكام الايمان، العلامة الحلي 1/ 339؛ تحرير الأحكام 2/ 122؛ تبصرة المتعلمين/ 107.

(8) الرسائل العشر، ابن‏فهد الحلي/ 272، وفيه: ونيتها: أزور الأئمة (عليهم السلام) بالبقيع لوجوبها أو ندبها قربة إلى‏اللَّه.

(9) الدر المنضود/ 91.

(10) الدروس الشرعية في فقه الإمامية، الشهيد الأول 2/ 20.

(11) ذخيرة المعاد في شرح الارشاد، السبزواري 3/ 707.

(12) رسائل المحقق الكركي 2/ 162.

(13) تفصيل وسائل الشيعة 14/ 543.

45

والنراقي‏ (1)، وصاحب‏الجواهر (2)، والسيد الحكيم‏ (3)، والسيد الكلبايكاني‏ (4)، والشيخ الطبسي‏ (5)، والشيخ محمد أمين زين الدين‏ (6)، مع العلم بأن استحباب ذلك أمر بديهي وضروري من المذهب، ولذلك يقول صاحب الجواهر: وكذلك تستحب زيارة الأئمة (عليهم السلام) بالبقيع إجماعاً، أو ضرورة من المذهب أو الدين، مضافاً إلى النصوص المتواترة (7)، كما أن السيد الخوانساري يقول: استحباب زيارة الأئمة (عليهم السلام) بالبقيع، فهو من ضروريات المذهب، مضافاً إلى النصوص المتواترة (8).

وقال أبو محمد عبد الكريم بن عطاء اللَّه المالكي المتوفى 612 في مناسكه: إذا كمل لك حجك وعمرتك على الوجه المشروع، لم يبق بعد ذلك إلا إتيان مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم)، للسلام على النبي (صلّى اللَّه عليه وسلّم)، والدعاء عنده، والسلام على صاحبيه، والوصول إلى البقيع، وزيارة ما فيه من قبور الصحابة والتابعين .. (9).

____________

(1) مستند الشيعة 13/ 337.

(2) جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام، الشيخ محمد حسن النجفي 20/ 110.

(3) دليل الناسك، السيد محسن الحكيم/ 496.

(4) مناسك الحج/ 221.

(5) ذخيرة الصالحين في شرح تبصرة المتعلمين، محمد رضا الطبسي النجفي 4/ 213، (مخطوط)، وجاء فيه: ومما يستحب له (أي للزائر) زيارة سيدنا إبراهيم ابن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، وعبد اللَّه بن جعفر، وفاطمة بنت أسد، وجميع من بالبقيع من الصحابة والتابعين، رضوان اللَّه تعالى عليهم.

(6) كلمة التقوى 3/ 510.

(7) جواهر الكلام 20/ 87.

(8) جامع المدارك 2/ 554.

(9) الغدير 5/ 110.

46

وقال محمد بن الشربيني: ويسنّ زيارة البقيع‏ (1)، وبه قال البهوتي‏ (2)، وغيره‏ (3).

وقال البكري الدمياطي: ويسن زيارة البقيع في كلّ يوم‏ (4).

وعن الفاكهي: يستحب بعد زيارته (عليه السلام) أن يخرج (الزائر) إلى البقيع كلّ يوم ويوم الجمعة آكد (5).

وقال النووي: يستحب أن يخرج كلّ يوم إلى البقيع، خصوصاً يوم الجمعة، ..

ويزور القبور الطاهرة في البقيع، كقبر إبراهيم ابن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم)، وعثمان، و العباس، والحسن بن علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وغيرهم رضى اللَّه عنهم، ويختم بقبر صفية عمة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم) ورضي عنها (6).

وعن احياء العلوم: يستحب أن يخرج كلّ يوم إلى البقيع، وكذا قال النووي والفاخوري، وزاد الأخير: ويخص يوم الجمعة .. (7).

وقال الصالحي الشامي: يستحب الخروج كلّ يوم إلى البقيع، بعد السلام على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وسلّم)، خصوصاً يوم الجمعة (8).

____________

(1) مغني المحتاج 1/ 513.

(2) كشف القناع 2/ 601.

(3) انظر: الحواشي على تحفة المحتاج، الشرواني والعبادي 4/ 145؛ المدخل، ابن‏الحاج 1/ 265؛ الغدير 5/ 159.

(4) حاشية إعانة الطالبين، الدمياطي 2/ 357.

(5) الغدير 5/ 159.

(6) المجموع 8/ 275.

(7) الغدير 5/ 159.

(8) سبل الهدى والرشاد 12/ 400.

47

وعن ابن الحاج: ينوي (الزائر) امتثال السنّة في كونه عليه الصلاة والسلام كان يزور أهل البقيع الغرقد، وهذا نص في الزيارة، فدل على أنها قربة بنفسها مستحبة، معمول بها في الدين، ظاهرة بركتها عند السلف والخلف‏ (1).

وقال الصالحي الشامي حول زيارة قبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه و آله): وليست زيارته إلا لتعظيمه والتبرك به، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند قبره بحضرة الملائكة الحافين به، وذلك من الدعاء المشروع له، والزيارة قد تكون لمجرد تذكر الآخرة، وهو مستحب لحديث: «زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة (2)»، وقد تكون للدعاء لأهل القبور، كما ثبت في زيارة أهل البقيع، وقد تكون للتبرك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح‏ (3).

ملخص القول: استحباب زيارة البقيع ثابت بالأدلة الثابتة والعناوين التالية:

1. فعل الرسول الأعظم وسائر المعصومين (عليهم السلام).

2. استحباب زيارة قبور الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والتبرك بها.

3. استحباب زيارة قبور سائر المؤمنين.

وصف البقيع في القرن السادس‏

عبر ابن جبير الرحالة في القرن السادس الهجري بالبقيع، فيصف المقبرة وصفاً خلاصته: إن بقيع الغرقد واقع شرقي المدينة، تخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع، وأول ما تلقى عن يسارك عند خروجك من باب المذكور مشهد صفية

____________

(1) المدخل 1/ 265؛ عنه الغدير 5/ 159.

(2) سنن ابن ماجة 1/ 500 ح 1569؛ الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، جلال الدين السيوطي 2/ 31 ح 457؛ فيض القدير 4/ 88؛ كشف الخفاء 1/ 441 ح 1433.

(3) سبل الهدى والرشاد 12/ 381- 382.

48

عمة النبي (صلى الله عليه و آله)، وهي أم الزبير بن العوام، وأمام هذه التربة قبر مالك بن أنس الإمام المدني وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء، وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي وعليه قبة بيضاء، وعلى اليمين تربة ابن لعمر بن الخطاب اسمه عبد الرحمن الأوسط، وهو المعروف بأبي شحمة، وهو الذي جلده أبوه الحد فمرض ومات، وبأزائه قبر عقيل بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن جعفر الطيار، وبأزائهم روضة فيها أزواج النبي (صلى الله عليه و آله)، وبأزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولادالنبي (صلى الله عليه و آله)، وتليها روضة العباس بن عبد المطلب، والحسن بن علي، وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن إلى رجلي العباس، وقبراهما مرتفعان عن الأرض، متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه و آله)، ويلي هذه البقعة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت رسول‏اللَّه (صلى الله عليه و آله)، ويعرف ب «بيت الحزن» .. (1).

ويمرّ ابن بطوطة بعد ابن جبير بما يقرب من 150 سنة، فيصف البقيع وصفاً مطابقاً لوصف ابن جبير في تحديد هذه المشاهد والقبب والأضرحة (2).

مأساة هدم البقيع‏

مقبرة البقيع كانت متألقة بقبابها ومشاهدها المقدسة، والتي لا يمتلك من يراها سوى الحديث عنها، يمرّ عليها ابن جبير فيصف قبري الامام الحسن والعباس بن عبد المطلب فيها فيقول:

«وقبراهما مرتفعان عن الأرض، متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع‏

____________

(1) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8/ 265.

(2) المصدر نفسه.

49

الصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر» (1).

ويصف ابن بطوطة قبة الامام الحسن (عليه السلام) فيقول: «هي قبة ذاهبة في الهواء، بديعة الاحكام‏ (2).

وعن السمهودي: «وعليهم قبة شامخة في الهواء»، قال ابن النجار: «وهي كبيرة عالية قديمة البناء، وعليها بابان يفتح أحدهما في كلّ يوم» (3).

ويقول الرحالة ريتشارد بورتون: «وقبل أن نترك البقيع وقفنا وقفتنا الحادية عشرة عند القبة العباسية (4) أو قبة العباس عمّ النبي، وهي أكبر وأجمل جميع القبب الأخرى .. وتوجد في القسم الشرقي قبور الحسن بن علي سبط النبي، والإمام زين العابدين بن الحسين، وابنه محمد الباقر، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق، وهؤلاء جميعاً من نسل النبي، وقد دفنوا في نفس المرقد الذي دفن فيه العباس» (5).

إلى أن دمر التيار السلفي الوهابي المتحجر قبور آل البيت وكبار الشخصيات الاسلامية بالبقيع، وذلك في الثامن من شهر شوال المكرم عام 1344 ه، وهؤلاء قد تجاهلوا أو لم يعتنوا بمشاعر ملايين المسلمين في أنحاء العالم، وفرضوا رأيهم ونفّذوه قهراً وقسراً، وبقوة الحديد والنار، مع العلم أنهم يحرصون على المحافظة على لباس بعض الملوك وأثاث منزله وسيارته وسيوفه واسلحته، وحتى سريره الخاص وأدواته الخاصة، وأنفقوا 12 مليون ريال سعودي لصيانة قلعة في‏

____________

(1) البقيع/ 23؛ دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8/ 265 عن رحلة ابن جبير/ 153.

(2) رحلة ابن بطوطة/ 138.

(3) التاريخ الأمين/ 358.

(4) هي قبة آل البيت (عليهم السلام)، إذ العباس عم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله مدفون هناك.

(5) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8/ 273.

50

الدرعية (1)، مع أنهم قاموا بتخريب كثير من الآثار والمعالم التاريخية الاسلامية التى تعتبر هوية المسلمين، بحجة الدفاع عن التوحيد ومحاربة مظاهر الشرك والبدع!.

لقد بادروا بإزالة وهدم كثير من المعالم والآثار الاسلامية التي نعتبرها تاريخاً وهوية لجميع المسلمين على مدى العصور، مثل:

- بيت الإمام زين العابدين (عليه السلام).

- بيت‏ (2) الامام الصادق (عليه السلام).

- بيت الأحزان.

- مشربة أم إبراهيم.

- قبر اسماعيل بن جعفر الصادق.

- قبر النفس الزكية (3).

- قبر عبد اللَّه والد الرسول الأعظم (صلى الله عليه و آله).

- مسجد فاطمة (4).

- مولد النبي.

- بيت خديجة ومولد فاطمة.

- قبة ابن عباس بالطائف.

- قبة حواء بجدة.

- قباب عبد المطلب وأبي طالب، وأم المؤمنين خديجة.

____________

(1) انظر: البقيع (للهاجري).

(2) يقع دار الإمام الصادق (عليه السلام) في قبلة مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله من جهة الجنوب الشرقي. التاريخ الأمين/ 421.

(3) التاريخ الأمين/ 343.

(4) كان في غرب الحرم النبوي في سوق المدينة القديم. التاريخ الأمين/ 343.

51

- قباب عبد اللَّه وآمنة أبوي النبي، وأزواجه، وعثمان بن عفان، ومالك امام دار الهجرة.

- قبة حمزة وشهداء أحد (1).

- أثر مبرك ناقة النبي (صلى الله عليه و آله).

كما أنهم هدموا:

- قبور الشهداء في وادي بدر.

- مكان العريش التاريخي الذي نصب للنبي (صلى الله عليه و آله)(2).

- مسجد السيدة فاطمة بنت الحسين‏ (3).

- بيت الأرقم بن الأرقم‏ (4).

- ودار أبي أيوب الأنصاري‏ (5).

- وأخيراً قاموا بهدم: مسجد الفضيخ‏ (6).

- وقبر علي بن جعفر الصادق العريضي بالعُريض.

ومما نخاف عليه غداً إزالة جبل الرماة بأحد، وهدم مسجد البيعة في منى.

وجاء في دائرة المعارف الاسلامية: بمرور الزمن أصبح مما يشرف المرء أن يرقد رقدته الأخيرة في هذه البقعة بين آل محمد والأئمة والأولياء، وأقام أحفاد

____________

(1) انظر: كشف الارتياب/ 59.

(2) التاريخ الأمين/ 366 عن كتاب مكة/ 291، الدكتور الأمين.

(3) كان يقع هذا المسجد في وسط سوق المدينة المسمى بالسوق المصري، وكان منزلها، انتقلت إليه من بيت جدتها فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وقد أزيل هذا المسجد لإدخاله في المسجد النبوي الشريف، انظر: التاريخ الأمين/ 412.

(4) التاريخ الأمين/ 366.

(5) التاريخ الأمين/ 420.

(6) لقد زرنا هذا المسجد الشريف قبل هدمه وصلينا فيه.

52

أكابر من دفن في هذه المقبرة شواهد وقباباً على قبور ذويهم، مثل قبة الحسن بن علي التي يقول ابن ... (1): انهابلغت من الارتفاع مبلغاً كبيراً، وزار بورخارت‏Burckhardt هذا المكان بعد غزوة الوهابيين، فوجد أنه أصبح أتعس المقابر حالًا في المشرق‏ (2).

وقال السيد حسن الأمين: «لم يتعرض البقيع للأذى، ولرفات هؤلاء (المدفونين به) بالإنتقاص والإمتهان إلا في عهد الوهابيين، وبقي البقيع على حاله هذه تقريباً مع ملاحظة تعميره بين مدة وأخرى .. إلى أن جاءت نكبة الوهابيين في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، فدمروا المشاهد، وأهانوا الموتى والشهداء والصالحين، وتعرضوا لبقية المسلمين بالتكفير والحرب والقتال بما لم يفعله مسلم ولا كافر في التاريخ من قبل» (3).

ولقد انتج هذا التيار فكرة التكفير والإرهاب العالمي، وشوهوا سمعة الاسلام وصيت المسلمين، حتى ابتلوا بهم أنفسهم أيضاً، ولازالوا يسيئون معاملة المسلمين في مواسم الحج والعمرة.

ثمّ ان المسلمين استنكروا عملهم الفجيع في تخريب قباب أئمة البقيع‏ (4)، وكتبوا في ذلك، ومنهم ما جاء في كتب ورسائل أرسلت من قبل المسلمين في قفقاز، وآذربيجان، وأزبكستان، وتركمنستان، وقزاقستان، وتاتارستان، وياشقيرستان، وقزاقان، وأتباع دول ايران، والعراق وتركيا، وأفغانستان،

____________

(1) كذا في المصدر.

(2) دائرة المعارف الاسلامية 4/ 35.

(3) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8/ 271.

(4) انظر أعيان الشيعة 11/ 44.

53

والصين، ومغولستان، والهند (1).

وكتب عبد اللَّه بن حسن باشا: القارعة، وما أدراك ما القارعة؟ يوم انخلعت بفاجعة البقيع قلوب المؤمنين، واقشعرّت لها جلود العالمين، وارتعشت بها فرائض الإسلام، وطاشت لها عقول الأنام، قارعة يا لها من قارعة عصفت في بيوت أذن اللَّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فنسفت ضراح الإمامة، وطمست ضرائح القدس والكرامة، ونقضت محكمة التنزيل، ومطاف جبرائيل وميكائيل‏ (2).

وأنشد المرجع الديني آية اللَّه السيد صدر الدين الصدر (قدس سره):

لعمري إنّ فاجعة البقيع‏* * * يشيب لهولها فود الرضيع‏

وسوف تكون فاتحة الرزايا* * * إذا لم نصحُ من هذا الهجوع‏

فهل من مسلم للَّه‏يرعى‏* * * حقوق نبيّه الهادي الشفيع‏ (3)

وعلى الصعيد السياسي اتخذت الحكومة الايرانية والمجلس الوطني آنذاك موقفاً من تخريب البقيع‏ (4).

كما أن كبار العلماء والفقهاء- كالسيد أبي الحسن الإصفهاني، والشيخ محمد الخالصي، وخاصة الشهيد السيد حسن المدرس، وسائر علماء النجف الأشرف اتخذوا مواقفاً حاسماً (5)، وكان للسيد المدرس باعتباره عالماً فقيهاً شجاعاً بصيراً ووكيلًا في المجلس الوطني الايراني الدور الهام، حيث إنّه اتخذ المواقف الصريحة على الصعيد السياسي والشعبي‏ (6).

____________

(1) تخريب وبازسازي بقيع/ 55- 56 عن وثائق الوزارة الخارجية سنة 1302 ه ش، و 1304 هش.

(2) التاريخ الأمين/ 362 عن صدق الخبر، عبد اللَّه بن حسن باشا/ 152.

(3). موسوعة طبقات الفقهاء 14/ ق 2/ 757.

(4) انظر: تخريب وبازسازى بقيع به روايت اسناد، السيد علي قاضي عسكر/ 49- 69.

(5) تخريب وبازسازي بقيع/ 54، 65.

(6) تخريب وبازسازي بقيع/ 65.

54

ونقل جدنا الفقيه الشيخ محمد رضا الطبسي النجفي: أنه حينما كان شيخنا الأستاذ الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي يلقي درسه أُخبر بمأساة هدم قبور أئمة البقيع، فبكى، ثم أغلق سوق مدينة قم المقدسة، وشارك الناس في مسيرة استنكارية، إلا أن البعض استغلوا ذلك، وفسروه بما تشتهيه أنفسهم.

وشارك في مؤتمر العالم الاسلامي- الذى انعقد في كراتشي- الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، ومفتي فلسطين السيد أمين الحسيني، والسيد محمد تقي الطالقاني مندوب الإمام البروجردي، وتكلموا مع السعود بن عبد العزيز بلزوم إعادة اعمار قبور أئمة البقيع، ويقال ان الوثائق موجودة (1).

ونقل لي العلامة الحجة السيد جواد الطالقاني أن السيد البروجردي أرسل مندوبه السيد محمد تقي الطالقاني (آل أحمد) إلى المدينة المنورة، وكان الهدف هو متابعة الأمر لإعادة مراقد البقيع.

ومن الفقهاء والعلماء الذين تابعوا الموضوع واهتموا في ذلك: المرجع الديني السيد حسين الطباطبائي القمي‏ (2)، والمرجع الديني السيد محسن الطباطبائي الحكيم‏ (3)، والإمام السيد روح اللَّه الموسوي الخميني‏ (4)، والسيد هبة الدين الشهرستاني‏ (5)، والشيخ حسن السعيد (6)، والسيد حسن الشيرازي‏ (7).

وأرسل الإمام الخميني- حينما كان منفيّاً بالعراق- كتاباً إلى حكام السعودية

____________

(1) دائرة معارف تشيع 3/ 384.

(2) تخريب وبازسازي بقيع/ 151.

(3) تخريب وبازسازي بقيع/ 151.

(4) انظر: صحيفة إمام 2/ 156.

(5) تخريب وبازسازي بقيع/ 123.

(6) تخريب وبازسازي بقيع/ 114.

(7) انظر: صحيفة إمام 2/ 156.