بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار - ج1

- عبد الله بن عبد الملك المرجاني المزيد...
658 /
3

الجزء الأول‏

المقدمة

الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد اللّه، و على آله و صحبه أجمعين ... و بعد

تعنى الأمم بدراسة تواريخها سياسيا و حضاريا، كما تعنى بدراسة تاريخ عظمائها و ذوي الرأي فيها ممن لهم تأثير في تطوير المجتمع و رقيه.

و لعل أمة من الأمم لم تبلغ عنايتها بالتاريخ ما بلغت الأمة الإسلامية، و لقد تجلى ذلك في أمرين:

الأول: في الشروط التي لا بد منها في توثيق الرواية، و قبول الأخبار، و التي كان لعلماء الحديث القدح المعلى في ضبط أصولها و تحديد قواعدها.

الثاني: في الإتجاهات التاريخية المتخصصة، و التي يقصر فيها كل مؤرخ جهده على إتجاه بعينه إستيعابا لمادته و جمعا للأشباه و النظائر، حتى تتكامل الصور التي يفيد منها في دراسته دون تشتيت للجهد، أو تضييع للوقت، تمييزا له عن غيره من المؤرخين.

و من هنا تعددت أشكال البحث التاريخي عند مؤرخي الإسلام، كما تعددت مجالاته و عصوره، و كان التاريخ- بمعناه الكلي- الذي ينتظم كل نشاط إنساني مؤثر في حركة التاريخ مناط بحث دائم و مستمر، و بصور مختلفة في فكر مؤرخي الإسلام.

و لقد بدأ اشتغال مؤرخي الإسلام بكتابة سيرة الرسول، (صلى اللّه عليه و سلم)، و مغازيه، و حولها تفجرت أفكارهم، فتناولها من كل جوانبها منذ منتصف القرن الثاني الهجري، و كان أول كتاب جامع لسيرة الرسول- (صلى اللّه عليه و سلم)- هو كتاب «المبتدأ

4

و المبعث و المغازي» المسمى ب «سيرة محمد بن إسحاق» (1).

ثم جاء عبد الملك بن هشام، فهذب «سيرة ابن إسحاق» في كتابه السيرة النبوية، المعروفة ب «سيرة ابن هشام» (2).

ثم عكف العلماء على «سيرة ابن هشام» بالشرح، أو الإختصار، أو النظم شعرا.

و ما زال العلماء يكتبون في سيرة الرسول- (صلى اللّه عليه و سلم)- و قد أضحى هذا الإتجاه شغل كثير من مفكري الإسلام.

و من الإتجاهات في الكتابة التأريخية:

«التأريخ للمدن و خططها»:

فقد شهد النصف الثاني من القرن الثالث الهجري تطورات هامة في الحياة السياسية للدولة العباسية، و كان أبرز هذه التطورات، استقلال بعض العمال بالأقاليم التي تحت أيديهم، فصارت إمارات و دويلات مستقلة (3)،

____________

(1) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو عبد اللّه المطلبي، كان حافظا اخباريا نسابة، و أصحاب الحديث يضعفونه و يتهمونه، (ت 151 ه)، و هو صاحب السيرة النبوية.

انظر: ابن قتيبة: المعارف، ص 491- 492، الخطيب: تاريخ بغداد 1/ 214، ابن حجر:

تهذيب التهذيب 9/ 38- 46.

و قام الدكتور: سهيل زكار بجمع قطعة من سيرة ابن إسحاق و حققها باسم «السير و المغازي» طبعة دار الفكر، بيروت 1398 ه- 1978 م.

(2) عبد الملك بن هشام، أبو محمد الحميري المعافري، كان أديبا إخباريا و نسابة، جمع سيرة ابن إسحاق و هذبها، فصارت تنسب إليه، (ت 218 ه).

انظر: ابن كثير: البداية و النهاية 10/ 267، السيوطي: حسن المحاضرة 1/ 521.

و كتاب ابن هشام طبع أكثر من مرة تحت عنوان: «سيرة ابن هشام»، و قد إعتمدت على طبعة الحلبي بالقاهرة 1375 ه- 1955 م.

(3) و من هذه الدويلات و الإمارات المستقلة:

5

فتأثرت إتجاهات الكتابة التأريخية بهذا التفرق السياسي، فتعددت بذلك مراكز الثقافة الإسلامية، و تنافست فيما بينها، فكثر العلماء في الأمصار الإسلامية و ترتب على ذلك ظهور «التواريخ المحلية للأمصار و المدن الإسلامية و خططها»، و مما هو جدير بالذكر أن هذا النوع من الكتابة التأريخية- التأريخ للمدن و خططها- انفرد به المؤرخون في ديار الإسلام عن غيرهم من الأمم المعاصرة لهم.

و التأريخ المحلي هو وليد الشعور بالإنتماء و تعبير صادق عن ارتباط المؤرخ بوطنه و مدينته و اعتزازه بهما.

و قد اشتغل بعض المؤرخين المسلمين بالتأريخ للمدن الإسلامية و خططها، و أخذت كتابتهم صورا متعددة من صور المعالجة التأريخية، و إذا كان التأريخ لبعض المدن جاء عرضا في كتب السيرة، إلا أنه لم يحظ بوقفات طويلة يروي ظمأ، أو يشفي غلة، اللهم إلا ما كان يتصل بمدينة رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و سلم)- أو بمكة المكرمة، أو القدس الشريف، و هو ما يعرف ب «التأريخ للمدن المقدسة».

____________

الدولة الطاهرية: على يد طاهر بن الحسين في خراسان سنة (205- 259 ه)، و الدولة الصفارية: على يد يعقوب بن الليث بن الصفار في سجستان سنة (254- 290 ه)، و الدولة السامانية: على يد أحمد بن أسد بن سامان في بلاد ما وراء النهر سنة (266- 389 ه)، و الدولة الطولونية: على يد أحمد بن طولون في مصر سنة (254- 292 ه)، ثم الإخشيدية:

على يد محمد بن طغج الإخشيد سنة (323- 358 ه).

و عن ظهور الدويلات و الإمارات المستقلة عن الخلافة العباسية، و العوامل التي أدت إلى هذه الظاهرة. انظر: الطبري: تاريخ الرسل، حوليات قيام هذه الدول، جزء 7، 8، ابن الجوزي:

المنتظم، حوليات قيام هذه الدول، جزء 12، 13، حسين محمد سليمان: الدولة الإسلامية في العصر العباسي ص 138، حسن محمود: مصر في عهد الطولونيين ص 3- 4، محمود شاكر: التاريخ الاسلامي- الدولة العباسية ص 21- 22، فاروق عمر: الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية ص 211- 233، عصام الدين عبد الرؤف: الدولة الإسلامية المستقلة في الشرق ص 13- 30، محمد الخطيب: تاريخ الدويلات الإسلامية ص 176- 375.

6

نشأ تاريخ المدن في نهاية القرن الثاني الهجري على يد محمد بن الحسن بن زبالة في كتابه «تاريخ المدينة» (1) بيد أن هذا الكتاب مفقود، و لم نعرف عنه إلا ما رواه المؤرخون الذين جاءوا من بعده و نقلوه عنه، و قد أفرد ما نقله المؤرخون عنه المستشرق «فستنفيلد» منذ قرن من الزمان تقريبا في كتاب سماه «تاريخ المدينة لابن زبالة» (2).

ثم كان القرن الثالث الهجري حيث تبلور تأريخ المدن، و ظهر فيه أول كتاب عن تاريخ المدن وصلنا و بين أيدينا الآن، و هو كتاب «أخبار مكة» لأبي الوليد الأزرقي‏ (3).

و قد حظى فن تأريخ المدن بكثير من عناية المؤرخين منذ هذا القرن- الثالث الهجري- و ما تلاه، فظهرت مصنفات كثيرة في تواريخ المدن و خططها من أبرزها:

* «فتوح مصر» عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم، أبو القاسم المصري، مؤرخ و فقيه من أهل مصر، توفي في سنة سبع و خمسين و مائتين‏ (4)، و من مؤلفاته كتاب «فتوح مصر و أخبارها» طبع بمصر 1967 م.

____________

(1) محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي، إخباري من أصحاب مالك بن أنس، متروك الحديث، مات بعد سنة (199 ه)، و من آثاره «أخبار المدينة» لم يصل إلينا. انظر: ابن النديم: الفهرست ص 158، ابن حجر: تهذيب التهذيب 9/ 115، كحالة: معجم المؤلفين 9/ 191.

(2) انظر: مقدمة كتاب «تاريخ المدينة المنورة» لابن شبة 1/ ل.

(3) محمد بن عبد اللّه، أبو الوليد الأزرقي، مؤرخ من أهل مكة، يماني الأصل، من تصانيفه كتاب «أخبار مكة»، (ت 244 ه) و قيل في (250 ه).

انظر: ابن النديم: الفهرست ص 162، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 2/ 49- 50، و قد طبع كتاب الأزرقي في بيروت 1399 ه/ 1979 م.

(4) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة 1/ 446.

7

* «تاريخ المدينة المنورة» عمر بن شبة، أبو زيد النميري البصري، كان محدثا و مؤرخا ثقة، توفى سنة اثنتين و ستين و مائتين‏ (1). و من مؤلفاته كتاب «تاريخ المدينة المنورة» طبع في مدينة جدة 1402 ه.

* «كتاب بغداد» أحمد بن طاهر، أبو الفضل طيفور، كان أحد البلغاء و الشعراء الرواة، مات في سنة ثمانين و مائتين‏ (2). و من مؤلفاته كتاب «بغداد» طبع في مكتبة المثنى بغداد 1388 ه/ 1968 م.

* «أخبار مكة» محمد بن إسحاق الفاكهي، مؤرخ من أهل مكة، مات في سنة اثنتين و سبعين و مائتين، و قيل في سنة تسع و سبعين و مائتين تقريبا (3).

و من مؤلفاته كتاب «أخبار مكة» طبع بمكة المكرمة 1407 ه/ 1986 م.

* «فضائل المدينة» المفضل بن محمد، أبو سعيد الجندي، مؤرخ يماني الأصل، مات بمكة في سنة ثمان و ثلثمائة (4). و من مؤلفاته كتاب «فضائل المدينة» طبع بدمشق 1405 ه/ 1985 م.

* «تاريخ بغداد» أحمد بن علي، أبو بكر الخطيب البغدادي، كان مؤرخا و محدثا ثقة، مات في سنة ثلاث و ستين و أربعمائة (5). و من مؤلفاته كتاب «تاريخ بغداد» طبع دار الكتاب العربي- بيروت، عن طبعة الخانجي بالقاهرة.

____________

(1) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 11/ 208- 210، ابن الجوزي: المنتظم 12/ 184، ياقوت: معجم الأدباء 16/ 60، ابن العماد: شذرات الذهب 2/ 146.

(2) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 4/ 211- 212، ياقوت: معجم الأدباء 3/ 87- 97.

(3) انظر: مقدمة كتاب أخبار مكة للفاكهي 1/ 32، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 1/ 410- 411.

(4) انظر: ابن حجر: لسان الميزان 6/ 81، ابن العماد: شذرات الذهب 2/ 253.

(5) انظر: ابن الجوزي: المنتظم 16/ 128- 135، ياقوت: معجم الأدباء 1/ 248، 4/ 13- 45، ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 311.

8

* «تاريخ دمشق» علي بن الحسن الشافعي، أبو القاسم المعروف بابن عساكر، الدمشقي، كان مؤرخا حافظا، مات في سنة إحدى و سبعين و خمسمائة (1). و من مؤلفاته كتاب «تاريخ دمشق» مطبعة روضة الشام 1329- 1332 ه.

* «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» محمد بن محمود محب الدين ابن النجار، محدث العراق، توفي في سنة ثلاث و أربعين و ستمائة (2). و من مؤلفاته كتاب «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» طبع ملحقا بكتاب شفاء الغرام، طبعة الحلبي بالقاهرة 1956 م.

* «التعريف بما أنست دار الهجرة» محمد بن أحمد المدني، أبو عبد اللّه جمال الدين المطري، كان عالما بالحديث و الفقه و التاريخ، مات بالمدينة سنة إحدى و أربعين و سبعمائة (3). و من مؤلفاته كتاب «التعريف بما أنست دار الهجرة» و قام بنشره أسعد درابزوني الحسيني 1372 ه.

* «بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» عفيف الدين عبد اللّه بن عبد الملك المرجاني، المتوفى بعد سنة سبعين و سبعمائة. «و هو موضوع التحقيق».

و يستمر تيار التأريخ للمدن منطلقا عبر القرون، و من هذه الكتب في تاريخ المدينة المنورة بعد عصر المرجاني:

____________

(1) انظر: ابن الجوزي: المنتظم 18/ 224- 225، ابن العماد: شذرات الذهب 4/ 239.

(2) انظر: ياقوت: معجم الأدباء 19/ 49- 51، الذهبي: سير أعلام 23/ 131- 154، ابن العماد:

شذرات الذهب 5/ 226.

(3) انظر: ابن حجر: الدرر الكامنة 3/ 403- 404، السخاوي: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة 2/ 413- 415.

9

* «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» أبو بكر بن الحسين المراغي، مؤرخ و فقيه استوطن المدينة المنورة، و توفي بها في سنة ست عشر و ثمانمائة (1). و من مؤلفاته كتاب «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» طبع في مدينة القاهرة 1374 ه/ 1955 م.

* «المغانم المطابة في معالم طابة» محمد بن يعقوب، أبو الطاهر، مجد الدين الشيرازي الفيروز آبادي، من أئمة اللغة و الأدب، و توفي في زبيد سنة سبع عشرة و ثمانمائة (2). و من مؤلفاته كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة» طبع في مدينة الرياض 1389 ه/ 1969 م.

* «تاريخ مكة المشرفة و المسجد الحرام و المدينة الشريفة و القبر الشريف» محمد بن محمد بن أحمد المكي جمال الدين المعروف بابن الضياء، مؤرخ و فقيه و قاضي مكة، توفي بمكة سنة خمس و ثمانين و ثمانمائة (3). و من كتبه «تاريخ مكة المشرفة و المسجد الحرام و المدينة الشريفة»، طبع بمكة المكرمة 1416 ه/ 1996 م.

* «التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة» محمد بن عبد الرحمن، شمس الدين السخاوي، مؤرخ و فقيه و أديب، و توفي في سنة اثنتين و تسعمائة (4). و من كتبه: «التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة» طبع في بيروت 1414 ه/ 1993 م.

* «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» علي بن عبد اللّه بن أحمد

____________

(1) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 7/ 120.

(2) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 2/ 392- 400، ابن العماد: شذرات الذهب 7/ 126.

(3) انظر: السخاوي: الضوء اللامع 7/ 84.

(4) ابن العماد: شذرات الذهب 8/ 15.

10

نور الدين، أبو الحسن السمهودي، مؤرخ و فقيه، نزل المدينة المنورة، و مات في سنة إحدى عشر و تسعمائة (1). و من مؤلفاته كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» طبع في بيروت 1374 ه/ 1955 م.

* «تاريخ المدينة المنورة» قطب الدين محمد بن أحمد النهرواني، الهندي، ثم المكي الحنفي، مؤرخ و فقيه، مات في سنة تسعين و تسعمائة (2).

و من تصانيفه كتاب «تاريخ المدينة المنورة» (3).

و بعد:

لقد ترك لنا المؤرخون من أولئك و هؤلاء آثارا حفيلة، و تراثا حضاريا ضخما، و مادة علمية خصيبة غنيت بالمثل العليا، و الصور الحية، و الدروس المستفادة.

و هذا التراث العلمي نحن في مسيس الحاجة إلى الكشف عن نفائسه، و التنقيب عن ذخائره، لنعرف منه مدى ما لنا من أصالة و مكانة، و مدى ما يمكن أن نسهم به الآن في إبراز الفكر، و إرساء القيم، و تدعيم الحضارة الإسلامية.

و من منطلق اهتمامي بتواريخ المدن المقدسة، و لا سيما تاريخ الحرمين الشريفين، وقع الإختيار على تحقيق مخطوط في تاريخ المدينة المنورة، و من أبرز الكتب المتخصصة في تاريخ المدينة المنورة و خططها في القرن الثامن الهجري- بعد كتاب «التعريف بما أنست دار

____________

(1) انظر: السخاوي: الضوء اللامع 5/ 245، ابن العماد: شذرات الذهب 8/ 50- 51.

(2) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 8/ 240.

(3) مخطوط بمركز إحياء التراث- جامعة أم القرى- رقم 166 تاريخ.

11

الهجرة للمطري (ت 741 ه) كتاب:

«بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» لأبي محمد عفيف الدين عبد اللّه بن عبد الملك البكري القرشي المرجاني، المتوفى بعد سنة سبعين و سبعمائة.

و قد أبان المؤلف في مقدمة الكتاب عن رغبته في وضع كتاب في تاريخ المدينة المنورة، حاويا كل الدرر ... و انتخب ذلك من مصنفات كتب تنيف على المائتين.

و من خلال القراءة و التتبع، و الرصد الدقيق لهذا الكتاب الموسوعي، يلاحظ أن المادة العلمية و التاريخية و الأدبية واسعة، تفوق المادة التي أودعها عمر بن شبه النميري، صاحب أول كتاب طبع في تاريخ المدينة المنورة، بل إن المرجاني في كتابه «بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» انفرد بأبواب ضافية (1)، و هذا يكشف لنا عن أهمية الكتاب.

و كان المرجاني حريصا على استيفاء المسائل التي تناولها في كتابه، و اجتهد في أن يجمع أكبر عدد من المصادر، تنوعت بتنوع الموضوعات التي عالجها في تاريخه، و استطاع أن يطوع المادة التي جمعها لخدمة الموضوع و تجليته.

و لهذا ترجع أهمية كتاب «بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» إلى استقصائه و استيعابه و جمعه لشتى الأخبار التي تتعلق بأخبار و خطط المدينة المنورة حتى عصر المؤلف.

____________

(1) مثل ما ورد في الباب الأول، الثاني، الثالث، الخامس، السادس، التاسع.

12

و قد قسمت العمل إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول:

دراسة عن الكتاب، و المؤلف، و منهج التحقيق.

القسم الثاني:

تحقيق متن الكتاب.

القسم الثالث:

الفهارس العامة للكتاب.

13

القسم الأول دراسة عن الكتاب، و المؤلف، و منهج التحقيق‏

و بمشيئة اللّه تعالى سوف أتناول في هذا القسم الأمور الآتية:

أولا- مصادر الكتاب.

ثانيا- محتويات الكتاب.

ثالثا- دراسة موجزة عن مؤلف الكتاب.

رابعا- فكرة تاريخية عن عصر المؤلف.

خامسا- عنوان و نسبة الكتاب إلى المؤلف.

سادسا- منهج المؤلف في الكتاب.

سابعا- الأصول المخطوطة للكتاب.

ثامنا- منهج التحقيق.

أولا- مصادر الكتاب‏

تتضح لنا أهمية كتاب «بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» من خلال المصادر المتنوعة التي أشار إليها المؤلف في ثنايا تضاعيف الأخبار التي أوردها في كتابه، و لا سيما أن بعض المصادر و النصوص التي نقلها، و اعتمد عليها، منقولة عن كتب خطية ما تزال مفقودة لدى الباحثين حتى اليوم، أو مخطوطة في دور الأرشيف التاريخي تنتظر النور، و لولاه بهذه النقول لاندثرت و ضاعت مثل غيرها من الكتب التي فقدت في العالم الإسلامي إبان الغزو المغولي، فحافظت هذه النقول للأخبار على هذا

14

التراث التاريخي، و تلك فائدة كبرى يهتم بها الباحثون في الدراسات التاريخية، و تطور الكتابة في فن التاريخ في ديار الإسلام على حد سواء.

و حرص المرجاني على ذكر مصادره يدل على أمانته فيما يكتب، و هذه المصادر المتنوعة، تبرز لنا سعة إطلاع المؤلف و ثقافته الإسلامية الواسعة.

و المصادر التي اعتمد عليها المرجاني من خلال الرصد الدقيق لأبواب و فصول الكتاب، ثلاثة أنواع:

أ- مصادر صرح فيها باسم الكتاب و المؤلف.

ب- مصادر صرح فيها باسم الكتاب فقط.

ج- مصادر صرح فيها باسم المؤلف فقط.

و كان المؤلف أمينا في الإعتماد على هذه المصادر، و قد وضح هذا من خلال مطابقة أسماء الكتب و المؤلفين بما ورد في كتب الفهارس المتخصصة، و أيضا في مقارنة المادة العلمية التي نقلها المؤلف عن هذه المصادر المتعددة، لكي يتضح للقاري‏ء الكريم مدى المعاناة الشديدة في ضبط و تحقيق الآثار، و الأخبار، و الإشارات التاريخية، و النوادر، و الفوائد التي أوردها المؤلف في ثنايا السطور و تضاعيف الأخبار في كتابه.

إن ضخامة هذا الكتاب، و المنهج الموسوعي الذي سار عليه المؤلف في كتابه، جعلته يتوسع في المصادر التي اعتمدها في معارف شتى في زمانه، و لذلك يكون للمرجاني فضل كبير في الإحتفاظ بنصوص كثيرة من كتب منشورة، أو مخطوطة، أو مفقودة.

و بمشيئة الله تعالى، سأذكر أمثلة لهذه المصادر، و بقية المصادر سترد في المتن المحقق مع الإشارة إليها في حواشي التحقيق، و هذه المصادر منها ما

15

هو في تاريخ المدينة المنورة و مكة المكرمة مثل:

* «تاريخ المدينة» محمد بن الحسن بن زبالة، المتوفى بعد سنة 199 ه.

* «أخبار مكة» محمد عبد اللّه، أبو الوليد الأزرقي، المتوفى سنة 244 ه.

* «فضائل المدينة» المفضل بن محمد، أبو سعيد الجندي، المتوفى سنة 308 ه.

* «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، الواعظ و المحدث المفسر و المؤرخ، توفى في بغداد سنة 597 ه (1). و كتابه «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» مخطوط بمركز إحياء التراث الإسلامي، رقم 421 تاريخ.

* «الدرة الثمينة في تاريخ المدينة» محب الدين محمد بن محمود بن النجار، المتوفى سنة 647 ه.

* «التعريف بما أنست دار الهجرة من معالم دار الهجرة» جمال الدين محمد بن أحمد المطري، المتوفى سنة 741 ه.

و منها كتب تتعلق بالسيرة النبوية، و المناقب، و الأنساب، و التاريخ، و الطبقات مثل:

* «سيرة ابن إسحاق» محمد بن إسحاق المطلبي، المتوفي سنة 151 ه.

____________

(1) انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء 21/ 365- 384، ابن العماد: شذرات الذهب 4/ 329.

16

* «مغازي الواقدي» محمد بن عمر، أبو عبد اللّه الواقدي، كان عالما بالمغازي و السير و الفتوح و الأخبار، مات في سنة 208 (1). و كتاب «المغازي للواقدي» طبع في بيروت 1966 م.

* «سيرة ابن هشام» عبد الملك بن هشام الحميري، المتوفي سنة 218 ه.

* «الطبقات الكبرى» محمد بن سعد، أبو عبد اللّه الزهري، كاتب الواقدي و تلميذه، كان ثقة بأخبار الصحابة و التابعين، مات في سنة 231 ه (2). و كتاب «الطبقات الكبرى» طبع في دار صادر، بيروت (بدون تاريخ).

* «المعارف» عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد الكاتب، كان محدثا ثقة، مات في سنة 276 ه (3). و كتاب «المعارف» طبع بدار المعارف بالقاهرة 1969 م.

* «تاريخ الرسل و الملوك» محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري، كان حافظا و فقيها، خبيرا بأيام الناس، مات سنة 310 ه (4). و كتاب «تاريخ الرسل و الملوك» المشهور بتاريخ الطبري، طبع بدار المعارف بالقاهرة 1387 ه/ 1967 م.

____________

(1) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 3/ 3- 12، ابن الجوزي: المنتظم 10/ 170- 176، ياقوت: معجم الأدباء 18/ 277- 278.

(2) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 5/ 221- 222، ابن الجوزي: المنتظم 11/ 161، ابن حجر: تهذيب التهذيب 9/ 182.

(3) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 10/ 170- 171، ابن الجوزي: المنتظم 12/ 276- 277.

(4) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 2/ 162- 169، ابن الجوزي: المنتظم 13/ 215، ابن العماد:

شذرات الذهب 2/ 260.

17

* «مروج الذهب و معادن الجوهر» علي بن الحسين، أبو الحسن المسعودي، كان اخباريا صاحب ملح و نوادر، مات في سنة 346 ه (1)، و كتاب «مروج الذهب» طبع في بيروت 1402 ه/ 1982 م.

* «حلية الأولياء و طبقات الأصفياء» أحمد بن عبد اللّه، أبو نعيم الأصبهاني، كان محدثا حافظا، مات في سنة 430 ه (2). و كتاب «حلية الأولياء» طبع في مطبعة الخانجي بالقاهرة 1387 ه/ 1967 م.

* «تاريخ بغداد» أحمد بن علي، أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفي سنة 463 ه.

* «الإستيعاب في معرفة الأصحاب» يوسف بن عبد اللّه، أبو عمر بن عبد البر القرطبي، كان محدثا ثقة، مات في سنة 463 ه (3). و كتاب «الاستيعاب ...» طبع في مكتبة نهضة مصر بالقاهرة (بدون تاريخ).

* «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي، أبو الفضل، عالم المغرب، مات في سنة 544 ه (4)، و كتاب «الشفا ...» طبع في مطبعة الحلبي بالقاهرة 1369 ه/ 1950 م.

* «دلائل النبوة» أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي، شيخ خراسان، كان محدثا ثقة، مات في سنة 458 ه (5). و كتاب «دلائل النبوة» طبع في‏

____________

(1) انظر: ياقوت: معجم الأدباء 13/ 90- 94، الذهبي: سير أعلام 5/ 569، ابن تغري: النجوم الزاهرة 3/ 315.

(2) انظر: ابن الجوزي: المنتظم 15/ 268، ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 245.

(3) انظر: الذهبي: سير أعلام 18/ 153- 162، ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 214.

(4) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 99.

(5) انظر: ابن الجوزي: المنتظم 16/ 97، ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 304- 305.

18

بيروت 1405 ه/ 1985 م.

* «تاريخ دمشق» علي بن الحسن، أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي، المتوفي سنة 571 ه.

* «الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية» عبد الرحمن بن عبد اللّه السهيلي الأندلسي النحوي الحافظ، مات في سنة 581 ه (1). و كتاب «الروض الأنف ...» طبع بالقاهرة 1387 ه/ 1967 م.

* «المدهش».

* «المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم» عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج ابن الجوزي، المتوفي سنة 597 ه. و كتاب «المدهش» طبع في بيروت 1973 م، و كتاب «المنتظم» طبع في بيروت 1412 ه/ 1992 م.

* «وفيات الأعيان و أنباء الزمان» شمس الدين أحمد بن محمد المعروف بابن خلكان الإربلي، كان مؤرخا ثقة، مات في سنة 681 ه (2)، و كتاب «وفيات الأعيان» طبع في بيروت 1398 ه/ 1978 م.

* «لطائف المنن في مناقب المرسى أبي الحسن» كان من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية، مات في سنة 709 ه (3). و كتاب «لطائف المنن ...» طبع بالقاهرة 1974 م.

* «المختصر في أخبار البشر» إسماعيل بن علي، أبو الفداء عماد الدين، اشتغل بالعلوم و تفنن فيها، مات في سنة 732 ه (4). و كتاب «المختصر

____________

(1) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 4/ 271.

(2) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 271.

(3) انظر: ابن حجر: الدرر الكامنة 1/ 291- 293.

(4) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 98- 99.

19

في أخبار البشر» طبع بالقاهرة 1325 ه.

* «خلاصة سير سيد البشر» أحمد بن عبد اللّه، أبو جعفر محب الدين الطبري، حافظ و فقيه، من شيوخ الحرم المكي، مات في سنة 694 ه (1)، و كتاب «خلاصة سير» طبع بمكة المكرمة 1412 ه/ 1992 م.

و منها كتب تتعلق بالحديث النبوي، و التفسير، و الآثار مثل:

* «الموطأ» مالك بن أنس الأصبحي، أبو عبد اللّه المدني، إمام دار الهجرة، مات في سنة 179 ه (2)، و كتاب «الموطأ» طبع بمطبعة الحلبي بالقاهرة 1951 م.

* «غريب الحديث» القاسم بن سلام، أبو عبيد الهروي، كان إماما حافظا، مات سنة 224 ه (3)، و كتاب «غريب الحديث» طبع في مطبعة دائرة المعارف العثمانية بالهند، حيدرآباد- الدكن 1396 ه/ 1976 م.

* «المسند» أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد اللّه الشيباني، عالم بغداد و ناصر السنة، مات في سنة 241 ه (4)، و كتاب «المسند» طبع دار صادر، بيروت (بدون تاريخ).

____________

(1) تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 3/ 61- 66، ابن تغري: النجوم الزاهرة 8/ 74، ابن العماد:

شذرات الذهب 5/ 425.

(2) انظر ترجمته: البخاري: التاريخ الكبير 7/ 210، ابن قتيبة: المعارف ص 498- 499، ابن الجوزي: المنتظم 9/ 42- 45، الذهبي: سير أعلام 8/ 48- 130.

(3) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 12/ 403- 416، ابن الجوزي: المنتظم 11/ 95- 97، ياقوت:

معجم الأدباء 16/ 254.

(4) انظر ترجمته: الخطيب: تاريخ بغداد 4/ 416- 423، ابن الجوزي: المنتظم 11/ 286، صفة الصفوة 2/ 336- 359.

20

* «سنن الدارمي» عبد اللّه بن عبد الرحمن، أبو محمد الدارمي السمرقندي، كان محدثا ثقة، مات في سنة 255 ه (1)، و كتاب «السنن» طبع و نشر دار إحياء السنة النبوية بالقاهرة (بدون تاريخ).

* «الجامع الصحيح» محمد بن إسماعيل، أبو عبد اللّه البخاري، صاحب الجامع الصحيح، مات في سنة 256 ه (2)، و كتاب «الجامع الصحيح» مع الفتح، طبعة السلفية بالقاهرة- 138 ه.

* «صحيح مسلم» مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري، مات في سنة 271 ه (3)، و كتاب «صحيح مسلم» طبعة الحلبي بالقاهرة 1374 ه/ 1955 م.

* «سنن ابن ماجة» محمد بن يزيد القزويني، المعروف بابن ماجة، كان محدثا ثقة، مات في سنة 273 ه (4). و كتاب «السنن» طبعة الحلبي بالقاهرة 1372 ه/ 1952 م.

* «سنن أبي داود» سليمان بن الأشعث، أبو داود السجستاني، كان محدثا ثقة، مات في سنة 275 ه (5)، و كتاب «السنن» طبع بدار إحياء السنة النبوية بالقاهرة (بدون تاريخ).

* «تأويل مختلف الحديث» عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري،

____________

(1) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 10/ 29- 32، ابن الجوزي: المنتظم 12/ 92.

(2) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 2/ 6، ابن الجوزي: المنتظم 12/ 113- 119.

(3) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 13/ 100، ابن الجوزي: المنتظم 21/ 171- 172، ابن حجر:

تهذيب التهذيب 10/ 126.

(4) انظر: ابن الجوزي: المنتظم 12/ 258، ابن حجر: تهذيب التهذيب 9/ 530- 531.

(5) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 9/ 55- 59، ابن الجوزي: المنتظم 12/ 268، ابن حجر: تهذيب التهذيب 4/ 169- 173.

21

المتوفي سنة 276 ه، و كتاب «تأويل مختلف الحديث» طبع بالقاهرة 1386 ه/ 1966 م.

* «جامع البيان في تأويل القرآن»- تفسير الطبري- محمد بن جرير، أبو جعفر الطبري، المتوفي سنة 310 ه، و تفسير الطبري طبعة الحلبي بالقاهرة 1388 ه/ 1968 م.

* «الغيلانيات» محمد بن عبد اللّه، أبو بكر الشافعي، كان محدثا ثقة، مات في سنة 354 ه (1). و هو صاحب كتاب «الفوائد المنتخبة العوالي عن الشيوخ» المشهور بالغيلانيات، مخطوط بالمتحف البريطاني، و دار الكتب المصرية بالقاهرة.

* «عمل اليوم و الليلة» أحمد بن محمد، أبو بكر الدينوري المعروف بابن السني، كان محدثا مشتغلا بالسنة، مات في سنة 364 ه (2). و كتاب «عمل اليوم و الليلة» طبع بالقاهرة 1389 ه/ 1969 م:

* «المستدرك على الصحيحين».

* «معرفة علوم الحديث» محمد بن عبد اللّه، أبو عبد اللّه الحاكم النيسابوري، كان محدثا فاضلا، مات في سنة 405 ه (3). و كتاب «المستدرك» نشر بالرياض 1968 م، و كتاب «معرفة علوم الحديث» نشر المكتب التجاري، بيروت (بدون تاريخ).

* «السنن الكبرى» أحمد بن الحسين، أبو بكر البيهقي، المتوفي سنة

____________

(1) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 16، الزركلي: الأعلام 6/ 224.

(2) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 4/ 47- 48.

(3) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 5/ 472، ابن الجوزي: المنتظم 15/ 109- 110.

22

458 ه. و كتاب «السنن الكبرى» طبع بدائرة المعارف العثمانية بالهند، حيدرآباد، الدكن 1344 ه.

* «فردوس الأخبار بمأثور الخطاب» شيرويه بن شهر، أبو شجاع الهمداني، مؤرخ من علماء الحديث، مات في سنة 509 ه، و كتاب «فردوس الأخبار» مخطوط جزء منه في شستربتي رقم 3037 (1).

* «شعب الإيمان» عبد الجليل بن موسى الأنصاري، أبو محمد القصري، كان مفسرا، مات في سنة 608 ه (2). و كتاب «شعب الإيمان» مخطوط في خزانة الرباط رقم 208 أوقاف.

* «الجامع لأحكام القرآن»- تفسير القرطبي- محمد بن أحمد، أبو عبد اللّه القرطبي، من كبار المفسرين، مات بمصر في سنة 671 ه (3). و كتاب «الجامع» طبع بالرياض 1372 ه/ 1952 م.

* «بهجة النفوس و تحليها بمعرفة ما لها و ما عليها» عبد اللّه بن سعد بن أبي حمزة الأندلسي، أبو محمد، كان محدثا، مات في سنة 699 ه (4).

و كتاب «بهجة النفوس» شرح مختصر صحيح البخاري، طبع بالقاهرة 1348 ه.

* «الفتوحات الربانية» عبد اللّه بن محمد بن عبد الملك، أبو محمد المرجاني، له علم بالتفسير، أملى فيه دروسا جمعها ابن السكري سماها

____________

(1) انظر: الذهبي: سير أعلام 19/ 294، الزركلي: الأعلام 3/ 183.

(2) انظر: الزركلي: الأعلام 3/ 276.

(3) انظر: الزركلي: الأعلام 6/ 217- 218.

(4) انظر: كحالة: معجم المؤلفين 6/ 40.

23

«الفتوحات الربانية» مخطوط في التيمورية، و مات في سنة 699 ه (1).

و منها كتب تتعلق بعلوم الفلك مثل:

* «السر المكتوم في مخاطبة النجوم» محمد بن عمر، أبو عبد اللّه فخر الدين الرازي، كان مفسرا، عالما في علوم الأوائل، مات في سنة 606 ه (2)، و كتاب «السر المكتوم» مخطوط.

و منها كتب تتعلق بالمواعظ و الرقائق مثل:

* «سبل الخيرات» يحيى بن نجاح الأموي، أبو الحسين القرطبي، كان فقيها، مات بمصر سنة 422 ه، و له كتاب «سبل الخيرات» في المواعظ و الوصايا، مخطوط (3).

* «إحياء علوم الدين» محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي، صاحب كتاب «إحياء علوم الدين»، مات في سنة 505 ه (4)، و كتاب «الإحياء» طبع بمطبعة عالم الكتب دمشق (بدون تاريخ).

* «سلوة الأحزان» عبد الرحمن بن علي، أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي، المتوفي سنة 597 ه، و كتاب «سلوة الأحزان» طبع بالأسكندرية 1970 م.

* «مصباح الظلام» محمد بن موسى، أبو عبد اللّه شمس الدين بن‏

____________

(1) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 451، حاجي خليفة: كشف الظنون 2/ 1237، الزركلي:

الأعلام 4/ 125.

(2) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 21، الزركلي: الأعلام 6/ 313.

(3) انظر: الزركلي: الأعلام 8/ 174.

(4) انظر: ابن الجوزي: المنتظم 17/ 124- 127، الذهبي: سير أعلام 19/ 322- 346.

24

النعمان التلمساني، من علماء المالكية، مات سنة 683 ه، و كتاب «مصباح الظلام» مخطوط (1) في شستربتي رقم 3677.

و منها ما يتعلق بالطب مثل:

* «المغني في تدبير الأمراض» سعيد بن هبة اللّه، أبو الحسن، طبيب واسع الإطلاع، من أهل بغداد، مات في سنة 495 ه، و كتاب «المغني» مخطوط في استانبول، و شستربتي رقم 3978 (2).

و منها ما يتعلق بالفقه مثل:

* «مدونة ابن القاسم» عبد الرحمن بن القاسم، أبو عبد اللّه العتقي المصري، فقيه تفقه على الإمام مالك، مات في سنة 191 ه (3)، و مدونة ابن القاسم طبع بالقاهرة.

* «المختار في فروع الحنفية» مجد الدين عبد اللّه بن محمود الموصلي، أبو الفضل، فقيه حنفي، مات في سنة 683 ه، و كتاب «المختار» مخطوط في شستربتي رقم 4360 (4).

و منها ما يتعلق بالمفردات اللغوية و معاجم اللغة و البلدان، مثل:

* أدب الكاتب» عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفي سنة 276 ه، و طبع كتاب «أدب الكاتب» في مؤسسة الرسالة، بيروت 1405 ه/ 1985 م.

____________

(1) ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 384، حاجي خليفة: كشف الظنون 2/ 1706، الزركلي: الأعلام 7/ 118.

(2) انظر: ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 402، الزركلي: الأعلام 3/ 156.

(3) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة 1/ 303، ابن العماد: شذرات الذهب 1/ 329.

(4) انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون 2/ 1622، الزركلي: الأعلام 4/ 135.

25

* «الصحاح تاج اللغة و صحاح العربية» إسماعيل بن حماد أبو نصر الجوهري، أحد أئمة اللغة، مات في سنة 393 ه (1)، و طبع كتاب «الصحاح» بدار العلم، بيروت 1404 ه/ 1984 م.

* «مقاييس اللغة» أحمد بن فارس، أبو الحسين اللغوي، أحد أئمة اللغة، مات في سنة 395 ه (2)، و طبع كتاب «مقاييس اللغة» بمطبعة الخانجي بالقاهرة 1402 ه/ 1981 م.

* «معجم ما استعجم» عبد اللّه بن عبد العزيز، أبو عبيد البكري الأندلسي، كان إماما لغويا إخباريا، مات في سنة 487 ه (3)، و الكتاب طبع في مطبعة عالم الكتب، بيروت (بدون تاريخ).

هذه المصادر المتنوعة، التي اعتمد عليها المرجاني في كتابه، توضح لنا القيمة العلمية للكتاب ... و تبرز لنا سعة إطلاع المؤلف، و مدى ثقافته الإسلامية الواسعة، و تظهر لنا مدى ما انطوى عليه الكتاب أخبار تاريخية منذ عهد النبوة، حتى عصر المؤلف.

ثانيا- محتويات الكتاب‏

رتب المؤلف كتابه ترتيبا موضوعيا من مقدمة و عشرة أبواب كبرى، معنونة بعناوين واضحة و مناسبة لموضوع الكتاب، و يندرج تحت كل باب فصول متعددة، تتصل اتصالا مباشرا بعنوان الباب، مما يدل على حسن‏

____________

(1) انظر: السيوطي: بغية الوعاة 1/ 446- 448، ابن العماد: شذرات الذهب 3/ 142.

(2) انظر: السيوطي: بغية الوعاة 1/ 352.

(3) انظر: السيوطي: بغية الوعاة 2/ 49.

26

العرض و التبويب، و مدى فهم المؤلف لموضوع الكتاب، و سلامة المنهج، و حسن إخراج الكتاب.

و الباب الأول بعنوان:

في ذكر حد قطر المدينة، و ذكر أسمائها، و أول ساكنيها.

و الباب الثاني بعنوان:

في ذكر فتح المدينة الشريفة، و ذكر فضائلها، و تحريمها، و تحديد حدود حرمها، و حكم الصيد فيها.

و الباب الرابع بعنوان:

في ذكر أودية المدينة الشريفة، و آبارها المنسوبة إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و فضل جبل أحد، و فضل الشهداء عنده.

و الباب الخامس بعنوان:

في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة، و حفر الخندق، و قتل بني قريظة بالمدينة.

الباب السادس بعنوان:

في ذكر مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و فضله، و ما زيد فيه، أو نقص منه إلى هذا التاريخ.

الباب السابع بعنوان:

في ذكر المساجد التي صلى فيها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) المعروفة بالمدينة الشريفة

27

و غيرها.

الباب الثامن بعنوان:

في ابتداء خلقه (صلى اللّه عليه و سلم) و شرف نسبه، و طهارة مولده، و ذكر أسمائه، و ذكر وفاته، و وفاة صاحبيه، أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، و ذكر نبذ من فضائلهما.

الباب التاسع بعنوان:

في حكم زيارة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و فضلها، و كيفيتها، و حكم الصلاة و السلام على النبي، و فرض ذلك، و كيفيته، و فضيلته، و التوسل به إلى اللّه عز و جل، و إثبات حياته (صلى اللّه عليه و سلم)، و حرمته، و ذكر ما شوهد في حرمه و حجرته من العجائب، أو رأى بها من الغرائب.

الباب العاشر بعنوان:

في ذكر بقيع الغرقد، و فضله، و كيفية زيارته، و الحض على زيارة القبور مطلقا، و ذكر من يعرف به من أهل البيت و الصحابة و غيرهم.

ثالثا: دراسة موجزة عن مؤلف الكتاب.

مما يدعو إلى الاستغراب أننا لا نجد في كتب التراجم شيئا عن المؤلف، عدا ما جاء في «العقد الثمين» (1) لتقي الدين الفاسي، و في «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» (2) لشمس الدين السخاوي، و في «قلادة النحر

____________

(1) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 203.

(2) انظر: شمس الدين السخاوي: التحفة اللطيفة 2/ 56.

28

في وفيات أعيان الدهر» (1) لمحمد الطيب باخرمة، و في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة مخطوط الحرم المكي لكتاب «بهجة النفوس و الأسرار في تأريخ دار هجرة النبي المختار» (2) للمؤلف.

و يلاحظ أن ترجمة المؤلف التي وردت في «العقد الثمين» لتقي الدين الفاسي، جاءت مطابقة لما ورد في المصادر الأخرى، بمعنى أنها منقولة عن «العقد الثمين»، كما يلاحظ أيضا أن ترجمة المؤلف التي وردت في هذه المصادر- بصفة عامة- جاءت مقتضبة لا تشفي غليل البحث، و هي لا تتعدى اسمه، و كنيته، و عمله، و تسمية بعض الكتب التي صنفها، و من بينها الكتاب موضوع التحقيق.

و لا نعرف لماذا أغفلت المصادر- التي بين أيدينا- ذكره، فلم تترجم له بطريقة ضافية، فهل كان ذلك مقصودا لعوامل نجهلها؟ أم أن المؤلف لم يكن بتلك الدرجة من الشهرة و المنزلة في ميدان العلم و التأليف بحيث لا يستحق أن تنوه به الكتب و أن تترجم له بطريقة ضافية؟

و قد يكون سبب عدم شهرة المؤلف أنه كان يؤثر العزلة في حياته، و لعله كان مرهقا في مهنته الخاصة في تعليم القرآن الكريم و إقرائه للأولاد الأيتام‏ (3)، و قد آثرها على الكسب من تقربه إلى ذوي السلطان، فلم يطرق أبوابهم، أو يتردد على مجالسهم، فابتعد بذلك عن مجالس الإشتهار.

و بمشيئة اللّه تعالى سوف أتناول المسائل الآتية في حياة المؤلف:

____________

(1) انظر: باخرمة: قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث، تاريخ رقم 1150 ق 163.

(2) انظر: المرجاني: بهجة النفوس، مخطوط بمركز إحياء التراث، تاريخ رقم 79، أوراق ملحقة (ق 1).

(3) انظر: المرجاني: بهجة النفوس، مخطوط بمركز إحياء التراث، تاريخ رقم 79، أوراق ملحقة (ق 5).

29

اسمه و نسبه:

هو الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن محمد البكري‏ (1) القرشي التونسي الأصل، الأسكندري المولد، المكي الدار، المعروف بالمرجاني‏ (2)، الملقب ب «عفيف الدين» (3).

مولده:

لم تصرح المصادر التي بين أيدينا بتاريخ مولده، و إنما أشارت فقط، أنه ولد بالأسكندرية (4).

نشأته:

ينتمي عفيف الدين المرجاني إلى أسرة معروفة، و مشهورة بالعلم و التقوى و الصلاح، فوالده عبد الملك بن عبد اللّه بن محمد بن محمد البكري، أبو مروان، المعروف بالمرجاني، التونسي الأصل نزيل مكة، و صحب الشيخ‏

____________

(1) كما ورد في نهاية مصورة مخطوط الحرم المكي، تاريخ رقم 79 (ق 2)- ترجمة والد المؤلف ما نصه: «رأيت بخط العلامة جار اللّه بن فهد المكي ما نصه: عبد الملك بن عبد اللّه بن محمد بن محمد ابن محمد بن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي البكري.

(2) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 203، السخاوي: التحفة اللطيفة 2/ 56، بامخرمة:

قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم 1150 تاريخ (ق 163)، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي رقم 79 تاريخ (ق 1).

(3) يلاحظ أن لقبه «عفيف الملة و الدين» ورد مثبتا على غلاف مصورة «لالى بتركيا» رقم 1125 تاريخ- مركز إحياء التراث، و أن لقبه «عفيف الدين» ورد في «تاريخ المدينة» لقطب الدين النهرواني، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم 166 تاريخ (ق 27، 30، 31، 46، 54).

(4) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 203، السخاوي: التحفة اللطيفة 2/ 56، بامخرمة:

قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم 1150 تاريخ (ق 163)، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم 1150 تاريخ (ق 1).

30

نجم الدين الأصبهاني‏ (1)، و روى عنه، و مولده بتونس سنة أربع و ثمانين و ستمائة، و توفي يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى سنة أربع و خمسين و سبعمائة بمكة، و دفن بالمعلاة (2).

أما جده فهو: أبو محمد عبد الله بن محمد القرشي البكري المرجاني، التونسي، الإمام، القدوة، الواعظ المفسر، ذو الفنون، أحد الأعلام، كان عالما بمذهب الإمام مالك، و رأسا في التفسير، و عالما بالحديث، قدم مصر، و ذكر بها و اشتهر، و مات بتونس في ربيع الثاني سنة تسع و تسعين و ستمائة (3).

في بيئة عرفت بالعلم، نشأ بمكة «عفيف الدين المرجاني»، و كان ينتمي إلى دين و صلاح، و يشتغل بتعليم القرآن الكريم للأولاد و الأيتام، ينام بحرم اللّه الشريف بمكة المكرمة، و هو مع ذلك في العلم، و الفضل، و الأدب، و لطافة الثياب و الشأن، مع الحشمة و الرياسة و السعادة و الغنى عن الحاجة لما في أيدي الناس من الدنيا و المتاع‏ (4).

____________

(1) عبد اللّه بن محمد نجم الدين الأصبهاني، نزيل مكة، كان شيخا جليلا، فاضلا، تفقه على مذهب الشافعي و برع في علم الأصول، مات بمكة في جمادى الآخرة سنة (721 ه).

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 271- 277، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 55.

(2) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 503- 506، ابن فهد: إتحاف الورى 3/ 262، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2).

(3) انظر: مخطوط «بهجة النفوس» للمؤلف، مصورة الحرم المكي، بمركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 30) الباب الثامن، الفصل التاسع، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي، مركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 3)، ابن الملقن: طبقات الأولياء ص 441، ابن العماد:

شذرات الذهب 5/ 451.

(4) انظر: أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2).

31

شيوخه:

لم تصرح المصادر التي بين أيدينا- التي ترجمت للمؤلف- بأسماء الشيوخ الذين تلقى عليهم العلم، فإذا رجعنا إلى الترجمة التي أوردها «تقي الدين الفاسي» عن المؤلف، و بعد أن ذكر اسمه قال: «و سمع من ...» (1) هكذا بياض في أصل كتاب «العقد الثمين لتقي الدين الفاسي»، و قد نقل «بامخرمة في قلادة النحر» ما أورده تقي الدين الفاسي بتمامه، فقد ذكر اسمه، ثم أورد عبارة تقي الدين الفاسي «سمع من ...» (2).

فالمصادر التي بين أيدينا- التي ترجمت للمؤلف- لم تصرح بأسماء شيوخه و تلاميذه، و كل ما وقفت عليه من خلال قراءة كتاب «بهجة النفوس» للمؤلف، ذكر في (ق 238) الفصل التاسع من الباب الثامن، و هو يتحدث عن نقش خاتم أبي بكر الصديق- رضي اللّه عنه- قال المؤلف: «سمعت من الأستاذ الكبير ابن سيد الناس ...».

و معنى ذلك أن المؤلف سمع من ابن سيد الناس، و لذا اعتبرته ممن سمع عنه.

و ابن سيد الناس هو: محمد بن محمد بن محمد بن يحيى اليعمري، فتح الدين، أبو الفتح، المعروف ب «ابن سيد الناس» الأندلسي الأصل، المصري، الإمام الحافظ، و الأديب البارع، ولي درس الحديث بالظاهرية و غيرها، و ألف السيرة النبوية، و سماها «عيون الأثر في فنون المغازي و السير»، توفي في شعبان سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة (3).

____________

(1) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 203.

(2) انظر: بامخرمة: قلادة النحر، بمركز إحياء التراث رقم 1125 تاريخ (ق 163).

(3) انظر: ابن حجر: الدرر الكامنة 4/ 330- 335، تقي الدين الفاسي: ذيل التقييد 1/ 414- 440.

السيوطي: حسن المحاضرة 1/ 358، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 108.

32

وفاته:

لم نعثر حتى الآن على نص صريح يحدد لنا وفاة المؤلف، و قد أشارت المصادر التي بين أيدينا- و التي ترجمت للمؤلف- أنه توجه إلى بلاد المغرب بعد سنة سبعين و سبعمائة، و رحل إلى تونس ثم دخل بلاد المغرب، و انقطع عنا خبره‏ (1).

و لهذا يمكن القول بأن المؤلف: مات بعد سنة سبعين و سبعمائة (770 ه).

و ما ذكره أحد الباحثين في جريدة المدينة المنورة «أن مولده كان في سنة أربع و عشرين و سبعمائة، و أن وفاته كانت في سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة» (2) بعيد عن الصواب، لأنه لم يعتمد على نص صريح في تحديد سنتي ميلاده و وفاته، و لذك اضطرب الأمر بين يديه، فنسب تاريخا شقيق المؤلف إلى المؤلف كما أجمعت المصادر التي ترجمت لشقيق المؤلف، و هو:

محمد بن عبد الملك بن عبد اللّه المرجاني، يقول تقي الدين الفاسي‏ (3): «و وجد بخط شيخنا ابن سكر (4) أنه ولد في سنة أربع و عشرين و سبعمائة، و توفي في شوال سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة، و دفن بالجبل الذي يقال أن فيه عبد اللّه بن‏

____________

(1) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 2/ 204، السخاوي: التحفة اللطيفة 2/ 56، بامخرمة:

قلادة النحر، مخطوط بمركز إحياء التراث رقم 1150 تاريخ (ق 163)، أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي بمركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2).

(2) بحث نشر في جريدة المدينة المنورة، ملحق التراث، الخميس 23 شوال 1413 ه/ 15 أبريل 1993 م، العدد (9466).

(3) راجع كتابه: العقد الثمين 2/ 127، و ذيل التقييد 1/ 284، و انظر أيضا: ابن حجر: أنباء الغمر 1/ 324، ابن فهد: إتحاف الورى 3/ 353، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 272.

(4) محمد بن علي البكري المصري، شمس الدين، أبو عبد اللّه، المعروف ب «ابن سكر»، نزيل مكة الحنفي، كان محدثا و فقيها، مات بمكة سنة (801 ه).

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 2/ 201- 205.

33

عمر» (1).

و هذا ما أورده كل من ابن حجر (2)، و ابن فهد (3)، و ابن العماد (4)، و بذلك يتبين لنا أن الذي توفي في سنة إحدى و ثمانين و سبعمائة، هو: محمد بن عبد الملك المرجاني، شقيق المؤلف و ليس المؤلف، و أن الباحث المذكور قد التبست عليه هذه الحقيقة.

آثاره:

اشتغل عفيف الدين المرجاني في فنون من العلم و برع في معرفة الأوفاق و الحروف‏ (5)، و كان له من المؤلفات:

____________

(1) عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن، كان من أهل الورع و العلم، شديد التحري و الإحتياط في فتواه، مات بمكة سنة ثلاث و سبعين. و يقول تقي الدين الفاسي بشأن تحديد موضع دفنه: «و لم يختلفوا أنه توفي بمكة، و لكن اختلفوا في موضع قبره، فقيل:

بذي طوى في مقبرة المهاجرين، و قيل: بالمحصب، و قال بعض الناس: بفخ، و الصحيح أنه دفن بالمقبرة العليا عند ثنية أذاخر، و لا يصح بوجه ما يقوله الناس من أنه مدفون بالجبل الذي بالمعلاة». انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 3/ 950- 953، ابن الجوزي: المنتظم 6/ 333- 337، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 5/ 215- 217.

(2) في كتابه: إنباء الغمر 1/ 324.

(3) في كتابه: إتحاف الورى 3/ 353.

(4) في كتابه: شذرات الذهب 6/ 272.

(5) انظر: أوراق ملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، بمركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 1).

و عن علم الحروف و الأسماء يقول صاحب كشف الظنون: «قال الشيخ داود الأنطاكي: و هو علم باحث عن خواص الحروف إفرادا و تركيبا، و موضوعه الحروف الهجائية، و مادته الأوفاق و التراكيب، و صورته تقسيمها كما و كيفيا، و تأليف الأقسام و ما ينتج منها، و قال ابن خلدون:

علم أسرار الحروف و هو المسمى لهذا العهد بالسيمياء» ثم أورد صاحب كشف الظنون أهم الكتب المصنفة في هذا العلم، و لم يذكر أي كتب للمرجاني في علم الحروف و الأسماء.

انظر: حاجي خليفة: كشف الظنون 1/ 650- 651.

34

* شرح أسماء اللّه الحسنى‏ (1).

* التصريف‏ (2).

* أسماء أئمة العلم و الأعيان‏ (3).

* مختصر التاريخ من آدم إلى زمنه‏ (4).

* سمط اللآلي الدرية و أسلوب الجواهر البحرية (5).

هذا بالإضافة إلى كتابه المشهور، موضوع التحقيق:

* بهجة النفوس و الأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار».

رابعا: فكرة تاريخية عن عصر المؤلف.

1- إحياء الخلافة العباسية في القاهرة:

شهد القرن السابع و الثامن الهجري تحولات جذرية في الحياة السياسية للدولة الإسلامية، ففي صفر سنة ست و خمسين و ستمائة سقطت بغداد في أيدي‏

____________

(1) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2) و لم يرد ذكر له في مصادر أخرى.

(2) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2) و لم يرد ذكر له في مصادر أخرى.

(3) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2) و لم يرد ذكر له في مصادر أخرى.

(4) ورد ذكر اسم الكتاب في الأوراق الملحقة في نهاية مصورة الحرم المكي لكتاب بهجة النفوس، مركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 2) و لم يرد له ذكر في مصادر أخرى.

(5) ورد ذكر اسم الكتاب في متن كتاب بهجة النفوس، عن مصورة الحرم المكي، مركز إحياء التراث رقم 79 تاريخ (ق 174).

35

التتار، و قتل الخليفة المستعصم باللّه‏ (1)، فشغر كرسي الخلافة، و لم يجرؤ واحد من حكام المسلمين على إعادة الخلافة إلى سابق عهدها، حيث تقوقع كل منهم في دويلته، و شغل بمقاومة الأخطار الخارجية، خاصة تلك التي يبيتها التتار و الصليبيون، و ظل الأمر كذلك حتى اعتلى الظاهر بيبرس‏ (2) السلطنة في مصر سنة 658 ه، فبعد توطيد سلطانه بقمع الفتن الداخلية، بادر سلطان مصر إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة، لإيجاد سند شرعي لسلطنته ضد أعدائها في الداخل و الخارج، يكسبها مركزا مرموقا حتى تبدو حامية حمى الإسلام و المسلمين، و إذا لم يكن الظاهر بيبرس أول من فكر في نقل الخلافة العباسية إلى القاهرة (3)، فإنه أول من نجح في‏

____________

(1) المستعصم باللّه، أبو أحمد عبد اللّه، آخر خلفاء بني العباس بالعراق، تولى الخلافة في سنة 640 ه، و كان حليما كريما، قتله التتار في المحرم سنة 656 ه.

انظر: ابن كثير: البداية 13/ 211- 216، الذهبي: العبر 3/ 280- 281، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 464- 472.

(2) السلطان ركن الدين، أبو الفتوح بيبرس التركي البندقداري، ثم الصالحي، صاحب مصر و الشام، ولي السلطنة في سنة 658 ه، و كان غازيا مجاهدا، مات في سنة 676 ه.

انظر: ابن كثير: البداية 13/ 274- 277، الذهبي: العبر 3/ 331، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 350.

(3) فقد فكر الملك الناصر يوسف، صاحب الشام في إحياء الخلافة العباسية أوائل سنة 658 ه، لما علم أن أميرا عباسيا يدعى أبا العباس أحمد، هرب من بغداد عند عيسى بن مهنا أمير آل فضل، و يريد القدوم إلى دمشق، لكن إجتياح التتار للشام، صرف الناصر يوسف عن مشروعه، كما عمد قطز إلى تحقيق الفكرة نفسها، لما علم بخبر أبي العباس أحمد- المذكور- غداة إنتصاره على التتار في عين جالوت- رمضان 658 ه- و طلب من عيسى بن مهنا إنفاذ المذكور إلى مصر لتنصيبه خليفة و إعادته إلى بغداد، غير أن الأجل لم يمهد قطز حتى يحقق هدفه. انظر:

ابن أبي الفضائل: النهج السديد ص 93، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 478- 479، فمهما يقال أن بعض الحكام المسلمين في بلاد الشام و مصر قد فكروا في إحياء الخلافة قبل بيبرس، فإن هذه المشروعات لم تتحقق، فضلا عن أن أحدها لم يتجه نحو التفكير في إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بالذات، مما ضمن للظاهر بيبرس في التاريخ فخر تنفيذ الفكرة عمليا من ناحية، و فخر ربط الخلافة العباسية في ذلك الدور الجديد من أدوار تاريخها بمصر و القاهرة من ناحية أخرى.

انظر: سعيد عاشور: العصر المملوكي ص 355.

36

تحقيق تلك الفكرة (1)، فما أن جلس على كرسي السلطنة، حتى ورد إليه كتاب من نائبه في الشام، بأن رجلا قدم دمشق يدعى أنه أبو القاسم أحمد ابن الظاهر باللّه محمد بن الناصر لدين اللّه أحمد العباسي، و أنه فر من سجنه في بغداد إثر سقوطها سنة 656 ه، نزل عند عرب بني خفاجة (2)، و يود الحضور إلى السلطان، فكتب السلطان إلى نائب الشام بخدمته حتى يصل إلى مصر (3).

و لما وصل أبو القاسم أحمد إلى القاهرة، خرج السلطان لإستقباله في موكب حافل يوم الخميس تاسع رجب سنة 659 ه، و أنزله في قلعة الجبل، و بالغ في إكرامه و إقامة نظامه‏ (4).

و في يوم الإثنين الثالث عشر من رجب عقد السلطان مجلسا عاما بالقلعة حضره قاضي القضاة، و العلماء، و الأمراء، و وجوه الناس، و فيهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام‏ (5)، فمثل الجميع بحضرة الإمام العباسي، و بعد أن شهد جماعة من العربان و البغاددة- الذين قدموا معه- بصحة نسبه، و أثبت قاضي‏

____________

(1) انظر: سعيد عاشور: العصر المماليكي ص 355.

(2) و هم بنو خفاجة بن عمرو بن عقيل، انتقلوا إلى العراق و الجزيرة، و هم أمراء العراق. انظر:

القلقشندي: نهاية الأرب ص 246- 247.

(3) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص 99، اليونيني: ذيل مرآة الزمان 2/ 94- 98، النويري:

نهاية الأرب 28/ 18.

(4) انظر ابن كثير: البداية و النهاية 13/ 231، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 477.

(5) عبد العزيز بن عبد السلام، أبو محمد السلمي الدمشقي الشافعي، المعروف بعز الدين ابن عبد السلام، و الملقب بسلطان العلماء، برع في الفقه و الأصول و العربية، و درس و أفتى و صنف، و بلغ رتبة الاجتهاد، و انتهت إليه رياسة المذهب مع الورع و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الصلابة في الدين، مات بالقاهرة سنة 660 ه.

انظر: الذهبي: العبر 3/ 299، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 301.

37

القضاة تلك الشهادات، بايع الإمام أحمد بالخلافة، فتبعه السلطان بيبرس مبايعا له على العمل بكتاب اللّه و سنة رسوله، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الجهاد في سبيل اللّه، و أخذ أموال المسلمين بحقها، و صرفها في مستحقها، ثم تلاه جميع الحضور مبايعين، و لقب بلقب أخيه «المستنصر باللّه» و لما تمت البيعة، قلد الخليفة السلطان بيبرس «البلاد الأسلامية و ما يضاف إليها، و ما سيفتحه اللّه على يديه من بلاد الكفار»، فكتب السلطان بذلك إلى نوابه بجميع المماليك، و طلب منهم مبايعة الخليفة، و الخطبة باسمه على المنابر، كما نقش اسمه على العملة معه، و تلقب «بقسيم أمير المؤمنين» (1).

و هكذا تحقق للسلطان بيبرس ما أراد من تثبيت دعائم ملكه، و إحاطة سلطنته بهالة من العظمة و الهيبة داخل مصر و خارجها بوصفه سلطانا شرعيا من ناحية، و تحويل مصر من مجرد سلطنة تابعة للخلافة إلى مركز لها يوجه العالم الإسلامي من ناحية أخرى.

و يبدو أن سلطان مصر قد تخوف من إقامة الخليفة بجانبه في مصر بوصفه صاحب السلطة الدينية التي تتعلق بها قلوب الكافة، فعمل على التخلص من ممثل تلك السلطة- بعد أن حقق لنفسه ما أراد- فأغرى الخليفة بالخروج إلى بغداد بزعم استرجاعها من التتار، و لم يصحبه سوى ثلثمائة فارس في مسيره لمحاربة التتار في معركة غير متكافئة بعد

____________

(1) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص 100، الذهبي: العبر 5/ 258، 259، السيوطي: حسن المحاضرة 2/ 53، تاريخ الخلفاء ص 477، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 297، غير أن أبا الفدا، و ابن أبي الفضائل قد شككا في صحة نسب الخليفة المستنصر. انظر: المختصر 4/ 8، و النهج السديد ص 105.

38

ما أبدى من ضروب الشجاعة و الإستبسال، و لم ينجح ممن معه سوى الأمير أبي العباس أحمد في خمسين نفرا، و ذلك في ثالث المحرم سنة 660 ه (1).

و مهما قيل من حزن السلطان بيبرس على فقد الخليفة، و تأسفه على مصرعه بسبب ضياع ما بذله من الأموال، فضلا عن فقد السند الشرعي لسلطنته‏ (2)، فإن سلطان مصر سرعان ما سنحت له فرصة أخرى لتجديد الخلافة في شخص أبي العباس أحمد بن الحسن، حتى لا يتهم بأنه عمل على التخلص من الخليفة السابق، كما أضحى من غير المقبول أن يظل منصب الخلافة شاغرا مرة أخرى أمام الرأي العام الإسلامي.

هذه الظروف و الحوادث هيأت الأمر للأمير أبي العباس أحمد، إذ أرسل السلطان بيبرس يستدعيه إلى القاهرة، فوصلها في سابع عشر ربيع الثاني سنة 660 ه، فاحتفل بيبرس بقدومه، ثم بايعه بالخلافة في ثامن المحرم سنة 661 ه، بعد إثبات صحة نسبه و لقبه «بالحاكم بأمر اللّه» (3)، فقلد الخليفة السلطان أمور البلاد و العباد (4).

____________

(1) انظر: اليونيني: ذيل مرآة الزمان 2/ 108- 113، ابن تغري: النجوم الزاهرة 7/ 115- 117، السيوطي: حسن المحاضرة 2/ 58، تاريخ الخلفاء ص 478، الذهبي: العبر 3/ 298، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 297.

(2) انظر: أبو الفدا: المختصر 3/ 213، المقريزي: السلوك 1/ 67.

(3) و كانت خلافة، الحاكم بأمر اللّه أحمد بن الحسن نيفا و أربعين سنة (661- 701 ه) حتى توفاه اللّه في جمادى الأولى سنة إحدى و سبعمائة. انظر: ابن كثير: البداية و النهاية 13/ 250، الذهبي: العبر 3/ 301، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 478- 483.

(4) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص 141، ابن تغري: النجوم الزاهرة 7/ 119، ابن العماد:

شذرات الذهب 5/ 304.

39

و اتجهت أنظار السلطان بيبرس، إلى استبقاء الخليفة العباسي الحاكم بأمر اللّه في القاهرة، و لم يعد يفكر بإرساله إلى بغداد لقتال التتار و استرجاع بغداد كحاضرة للعباسيين، و إنما أراد تقوية مركز الخلافة بالقاهرة بوجود الخليفة فيها، و ليس هو رمز إلا رمز تقوى به السلطة، و يدعمه السلطان، و يقوى به أهل السنة أيضا، و تعود إلى المسلمين خلافتهم، و يقوى سلطانهم بالتفافهم حول الخليفة الذي هو رمز السلطة الإسلامية، و تكتسب الدولة المملوكية الصفة الشرعية، و يعظم نفوذها، و تزداد أهميتها لدى الدول الإسلامية الأخرى، و بالفعل فقد أصبح المماليك محط أنظار المسلمين، و أقوى دولة في تلك الحقبة من التاريخ‏ (1).

و يبدو أن رغبة السلطان بيبرس في استبقاء الخلافة العباسية في مصر لتكون تحت بصره و مراقبته، كانت رغبة سياسية أكثر منها دينية، و بمعنى أوضح أن بيبرس كان يعي أن العالم الإسلامي ما يزال متعلقا بأهداب الخلافة، ناظرا إليها و إلى من يحتضنها نظرة إكبار، فقام بهذا العمل حتى يستطيع توسيع ملكه بمساعدة الخليفة على اعتبار أنه حامي حمى الدين، و لما تحقق للظاهر بيبرس ما أراد، و أصبح في غناء عن الخليفة، عمل على إضعاف شأنه، فأسكنه في مناظر قلعة الكبش حتى لا يتصل بالشعب، أو يتدخل في شؤون الدولة، بعد أن رتب له ما يكفيه و عائلته من القوت كل يوم، و قصر وظيفته على الصعود إلى القلعة لتقديم فروض الولاء و التهنئة إلى السلطان المملوكي في المناسبات العامة، كما استقدم السلطان عددا من أبناء البيت العباسي إلى مصر ليلوح بهم في وجه الخليفة الحاكم بأمر اللّه إذا ما حدثته نفسه بالخروج‏

____________

(1) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 46.

40

من الدائرة التي وضعه السلطان فيها (1).

و هكذا سعى السلطان بيبرس لإستخدام الخلافة في توطيد ملكه، و إحكام سيطرته على الحجاز و البحر الأحمر، كما فرض بيبرس لنفسه و خلفائه مقاما ساميا على ملوك العالم الإسلامي، إذ أنكر عليهم حق التلقب بلقب «سلطان»، لأن المماليك وحدهم أصحاب هذا الحق باعتبارهم حماة الخلافة المتمتعين ببيعتها (2).

و كما استفاد السلطان بيبرس من الخلافة، تمتعت القاهرة- بسببها أيضا- بشهرة دينية و علمية واسعة، فضلا عن شهرتها التجارية، كما عظم أمرها حين أضحت مركز الخلافة، و مسكن العلماء و الفضلاء، إذ علا فيها قدر السنة و عفت منها البدعة (3).

و بعد وفاة الخليفة الحاكم بأمر اللّه في جمادى الأولى سنة إحدى و سبعمائة، تولى الخلافة من بعده ابنه سليمان بن أحمد المستكفي باللّه، أبو الربيع (701- 736 ه) و ظل في الخلافة، حتى اعتقله السلطان الناصر محمد ابن قلاوون في ذي الحجة سنة ست و ثلاثين و سبعمائة، و منعه من الاجتماع بالناس، و بقي معتقلا في قوص- إحدى مدن صعيد مصر- إلى أن مات في شعبان سنة أربعين و سبعمائة (4).

و قبل وفاة المستكفي باللّه في قوص، عهد إلى ابنه أحمد بن المستكفي،

____________

(1) انظر: النويري: نهاية الأرب 28/ 129، المقريزي: السلوك 1/ 554، السيوطي: حسن المحاضرة 2/ 48.

(2) انظر: ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك ص 98.

(3) انظر: السيوطي: حسن المحاضرة 2/ 66، ابن إياس: بدائع الزهور جزء 1 ق 1 ص 321.

(4) انظر: ابن كثير: البداية و النهاية 13/ 250، الذهبي: العبر 3/ 301، 4/ 4، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 478- 483، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 126.

41

فلم يلتفت السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ذلك، و بايع إبراهيم بن محمد ابن أحمد، و لقب بالواثق باللّه (736- 742 ه) و خطب له بالقاهرة إلى أن حضرت السلطان الناصر محمد بن قلاوون الوفاة، فندم على ما صدر منه- لأن الواثق لم يكن أهلا للخلافة- و عزل إبراهيم هذا، و بايع ولي العهد أحمد بن المستكفي، و لقب «الحاكم بأمر اللّه» (742- 753 ه) و ذلك في أول المحرم سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و ظل الحاكم بأمر اللّه في منصب الخلافة إلى أن مات في الطاعون سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة (1).

و حدث في عهد الحاكم بأمر اللّه حدث، أن توالى على أمر السلطنة ثمانية من أبناء السلطان الناصر محمد بن قلاوون بعضهم بعد بعض، في مدة لا تزيد على عشر سنوات، و كانت الأحداث الداخلية هذه هي شاغل الناس، مما جعل الأمراء ينصرفون إلى قضاياهم، فيشتغل بعضهم ببعض، و لهذا كثر خلع السلاطين و قتلهم، و الإنتقام من بعض الأمراء (2).

و بعد وفاة الحاكم بأمر اللّه أحمد بن المستكفي، بويع بالخلافة لأخيه المعتضد باللّه، أبو الفتح (753- 763 ه)، و استمر في الخلافة إلى أن مات في سنة ثلاث و ستين و سبعمائة (3).

و بقيت البلاد خلال خلافته في شغل تام، و شبه عزلة، كل الإهتمام منصب على الأوضاع الداخلية، من خلع سلاطين المماليك و عزلهم، و هذا يدل على ضعف السلاطين و اضطراب الأمور الداخلية خلال هذه الفترة (4).

____________

(1) انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 488- 499، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 135، 137.

(2) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 64.

(3) انظر: السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 500، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 197.

(4) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 65.

42

و لم يكن وضع الخلفاء بأفضل من السلاطين، فقد تركوا الأمر على غاربه و نفضوا من تفكيرهم أي نفوذ أو تدخل في شؤون الدولة، و ذلك مذ قدموا إلى القاهرة، إذ أخذ الحكم من آبائهم في بغداد، و قتلوا، أو أبعدوا على يد هولاكو طاغية التتار، ففرّ منهم من فرّ خوفا من السيف، و اختفى من اختفى، و شرد من شرد، و أتى بهم السلاطين المماليك، و رفعوا عنهم ما أصابهم، و أعادوا إليهم بعض ما فقدوا، و أعزوهم بعد ذل، و حضنوهم بعد تشريد، و جمعوا أمرهم بعد إختفاء، فكيف يتدخل هؤلاء الخلفاء في شؤون من آواهم، و أوضاع من نصرهم و رفعهم؟ أو كيف ينافسونهم و ينازعونهم؟ و أصبح ذلك أمرا متبعا و طريقة سائرة، فبقوا صورة في الحكم، بل إسما ليس له دلالة على شي‏ء، و زاد أمر ما صاروا عليه عما كان عليه أسلافهم في بغداد في أسوأ أوضاعهم عند ما كان يسيطر عليهم العسكريون من عرب أو ترك أو فرس، و هذا ما جعل الخلفاء لا يعرفون، و يختفون خلف السلاطين من المماليك الذين بيدهم الحل و العقد كله.

2- و من ناحية وضع سلاطين المماليك:

حكم المماليك البحرية (1) مصر مدة أربع و أربعين و مائة سنة (648- 792 ه) و لقد كان أمر أكثر السلاطين الذين تولوا أمر البلاد ضعيفا، و القليل منهم كان قويا، و غالبا ما يحاول السلطان أن يؤسس أسرة تتولى الحكم من بعده، و ما أن يموت حتى يثب الجند على ولده فيخلعوه و يتولى‏

____________

(1) و هم مماليك الصالح نجم الدين أيوب (637- 647 ه) الذين كثر عددهم، و زادت تعدياتهم، فضج منهم السكان، فبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة عام 638 ه، فعرفوا ب «المماليك البحرية» كما عرفوا أيضا باسم «الصالحيين» نسبة إلى لقب سيدهم، و يقال لهم «النجميين» نسبة إلى اسم سيدهم.

انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 36.

43

كبيرهم السلطة (1).

و لقد تمثل حكم المماليك البحرية في أسرتين فقط، و هما: أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، و قد دام حكمها مدة عشرين سنة (658- 678 ه) و قد حكم هو و ولداه، و دام حكمه ثماني عشرة سنة (658- 676 ه) و حكم ابنه الأول السعيد بركة (2) ما يقرب من سنتين (676- 678 ه) ثم خلع، و حكم ابنه الثاني العادل بدر الدين سلامش‏ (3) عدة أشهر و خلع بعدها سنة 678 ه (4).

فلم يستطع الظاهر بيبرس أن يؤسس أسرة حاكمة لمدة طويلة، لأن الجند و ثبوا على أبنائه من بعده، فانتهى أمر ولديه و لم يمض على وفاته أكثر من ثلاث سنوات، و قد خلع ابنه الأول، و خلع الثاني و لم تنته هذه المدة القصيرة.

فقد دعا المنصور قلاوون‏ (5) أمراء المماليك، و بسط لهم الوضع القائم،

____________

(1) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 12.

(2) السعيد ناصر الدين، أبو المعالي محمد بن بيبرس، تولى السلطنة بعد أبيه، خلع من السلطنة، فأقام بالكرك أشهرا، و مات فجأة في ذي القعدة سنة ثمان و سبعين و ستمائة.

انظر: ابن كثير: البداية و النهاية 13/ 290، الذهبي: العبر 3/ 339، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 362.

(3) السلطان العادل بدر الدين سلامش بن بيبرس، رتبه الجند في السلطنة و له سبع سنين، و جعلوا أتابكه سيف الدين قلاوون في سنة 678 ه، ثم خلع في رجب من نفس السنة، و تولى السلطنة المنصور قلاوون.

انظر: الذهبي: العبر 3/ 337.

(4) انظر: الذهبي: العبر 3/ 288، 330- 331، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 291، 350.

(5) السلطان المنصور سيف الدين، أبو المعالي قلاوون التركي الصالحي، تولى السلطنة سنة 678 ه، و توفي بالقاهرة سنة 689 ه.

انظر: الذهبي: العبر 3/ 370، ابن تغري بردى: النجوم الزاهرة 7/ 386، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 409.

44

و أن الأمر يتطلب رجلا حكيما يدير شؤون الدولة، و أن الصغير «بدر الدين سلامش» يعيق الأمر و لا يصلح للسلطنة، فاتفق الجميع على خلع العادل بدر الدين سلامش و سلطنة المنصور قلاوون سنة 678 ه (1).

أما الأسرة الثانية: فهي أسرة المنصور قلاوون نفسه، و قد استمر أمرها أربع عشرة و مائة سنة (678- 792 ه) و حكم هو و أولاده و أحفاده، و لم يتخللها سوى خمس سنوات خرج أمر مصر من أيديهم‏ (2).

و يلاحظ أن أسرة المنصور قلاوون قد حكم منها خمسة عشر سلطانا، و كان أكثرهم يتولى الأمر و هو صغير، لذا يكون ألعوبة بيد كبار الأمراء فيخلعونه أو يقتلونه، و ما بقاء هذه الأسرة في الحكم هذه المدة الطويلة إلا بسبب ما تمتع به المنصور قلاوون و ابنه الناصر محمد بن قلاوون من حب، فقد تولى الناصر محمد أكثر من مرة (3) آخرها من سنة 907- 741 ه، ففي هذه المدة الأخيرة من حكم الناصر محمد اشتد عوده، و زادت خبرته، فقبض على زمام الأمور بشكل محكم، و استمر أكثر من إثنتين و ثلاثين سنة، و لكن أبناء الناصر محمد الذين جاءوا من بعده كانوا سلاطين بلا سلطان، و منفذين بلا قوة، حيث كان الواحد منهم يخلع أو يقضى عليه و يؤتى بابنه كأنه للبقاء على‏

____________

(1) انظر: الذهبي: العبر 3/ 337.

(2) إذ تسلم العادل كتبغا الحكم من سنة 694- 696 ه، و المنصور لاجين من سنة 696- 698 ه، و المظفر بيبرس الجاشنكير سنة واحدة 708- 709 ه، و قد قتل ثلاثتهم.

انظر: الذهبي: العبر 3/ 381، 386، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 434.

(3) السلطان الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، ولي السلطنة لأول مرة لمدة سنة و عمره تسع سنين من سنة 693- 694 ه، ثم تسلطن في المرة الثانية عشر سنوات من سنة 698- 708 ه و الثالثة اثنتين و ثلاثين سنة من سنة 709- 741 ه حيث مات في هذه السنة.

انظر: الذهبي: العبر 3/ 379، 381، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 422، 440، 6/ 18، 134.

45

أسرة فقط، أو محافظة على تراث‏ (1).

و هذا كله يدل على مدى ضعف هؤلاء السلاطين باستثناء اثنين منهم، و تلاعب أمراء المماليك بالسلاطين لصغر سنهم و الحسد الذي كان بينهم، فالمماليك كانوا يشعرون أنهم مماليك الأصل و أعتقوا لما امتازوا به من فروسية و قدرة فهم أكفاء، و ليس لأحدهم سوى ذلك من سابقة أو فضل أو جاه سابق أو ملك ماض، لذا كان الحسد بينهم كثيرا، و ما أن يتسلم أحدهم السلطنة حتى يحسده الآخرون، فإذا كان السلطان القائم ضعيفا أزاحه غيره خلعا أو قتلا و تسلم مكانه، و إن كان محنكا مقتدرا كظم ما في نفسه، حتى إذا وافته فرصته بوفاة صاحب السلطة وثب على ابن من مات و الذي كان أبوه قد عهد إليه من قبل، و خلعه أو قتله و استلم مكانه‏ (2).

هذه الحياة تقتضي أن يحرص كل أمير منهم على شراء عدد من المماليك خاصين به ليتقوى بهم، و يكونوا مطية لتنفيذ أغراضه، أو درعا يتقي بهم خصومه، و هذا ما يقضي في الوقت نفسه على توفير مبالغ كبيرة من المال لدى السلطان ليتمكن من شراء المماليك، و هذا يستدعي فرض ضرائب جديدة كثيرا ما أن الشعب من وطأتها، و انكسر ظهره من ثقلها (3).

و رغم هذه الصفحة القاتمة في تاريخ المماليك، فقد كان لهم دور بارز في الغزو و الجهاد، و أثر واضح فيه، و هو الذي أعطى تلك السمعة و أظهر لهم الهيبة لدى المسلمين في كل أرض، و لو أنصفناهم في هذا الميدان لرفعنا من سمعتهم.

____________

(1) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 12- 13.

(2) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 13- 14.

(3) انظر: محمود شاكر: التاريخ الاسلامي، العهد المملوكي ص 13- 14.

46

لقد وقف المماليك أمام التتار الذين لم يستطع أن يقف أمامهم أحد، و انتصروا عليهم في معركة «عين جالوت» رمضان سنة 658 ه، و تابعوا فلولهم حتى أخرجوهم من بلاد الشام مهزومين بعد أن دخلوها ظافرين‏ (1).

و كان لعين جالوت صدى واسعا، قد جعل دعاية واسعة للمماليك، و خاصة أن الناس كانوا لا يتصورون هزيمة كهذه تلحق بالتتار بسبب الرعب الذي أصابهم و الهلع الذي ملأ قلوبهم بأن التتار العدو الذي لا يقهر، و سرعان ما بدد فرسان المماليك و جنود الإسلام هذه النظرية.

إن الهجوم التتاري الوحشي من الشرق على ديار الإسلام، و الحقد الواضح الذي بدا منهم، جعل المسلمين يعودون قليلا إلى دينهم، كما كانت دعوة حكامهم بالدرجة الأولى إلى وحدة صفوف المسلمين للوقوف في وجه الأعداء، و خاصة أولئك التي تعرضت بلادهم للتخريب و التدمير التتاري.

و كما وقف المماليك في وجه التتار، وقفوا كذلك في وجه الصليبيين، و تمكنوا من إخراج بقاياهم من بلاد الشام سنة 690 ه، و من جزيرة أرواد سنة 702 ه (2).

3- الحجاز تحت حكم المماليك:

حرصت مصر في عصر المماليك على بسط نفوذها السياسي على الحجاز، و كان شرفا عظيما، و سندا قويا لكل حاكم مسلم، أن يظهر أمام الرأي العام الإسلامي في صورة حامي حمى الحرمين الشريفين، و المدافع عن الحجاز و بقاعه المقدسة.

____________

(1). انظر: الذهبي: العبر 3/ 288، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 291.

(2). انظر: الذهبي: العبر 3/ 371، ابن العماد: شذرات الذهب 5/ 411.

47

و منذ قيام دولة المماليك و سلاطينها يظهرون إهتماما خاصا بالحجاز، لم يقتصر على العناية بعمارة الحرم النبوي و إرسال الكسوة إلى الكعبة المشرفة فحسب، و إنما امتدت عناية المماليك إلى بسط نفوذهم السياسي على الحجاز لأهميته الدينية و السياسية و التجارية (1)، فهو- الحجاز- مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، حيث هناك بيت اللّه الحرام، و مهبط الوحي، و منطلق الدعوة، و مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم، و هذا ما جعل لدولة المماليك مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين، إضافة إلى لفها خلفاء بني العباس و أبنائهم، و إعادة الخلافة بعد سقوطها.

هذا بالنسبة إلى تبعية الحجاز العامة، أو دعاء الخطباء في الجمع و الأعياد، أما بالنسبة إلى السلطة الفعلية فقد كانت بيد أسر، تنتسب إلى الحسن أو الحسين أبناء علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، و تعد نفسها عمالا لأصحاب السلطة في القاهرة (2).

و الواقع أن الخلافات بين أشراف الحجاز أنفسهم هي التي أتاحت للسلطان بيبرس تحقيق هدفه في الحجاز، ذلك أنه قدم إلى مصر الشريف بدر الدين مالك بن منيف ليشكو عمه جماز بن شيحة (3) أمير المدينة، الذي حرمه نصيبه في نصف إمرتها إلى السلطان بيبرس سنة 665 ه، فقلده السلطان نصف إمرة المدينة، و أرسل إلى عمه يعلمه بذلك، فامتثل لأمر

____________

(1) انظر: المقريزي: السلوك 1/ 445، 504، 512، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص 238.

(2) انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي ص 97.

(3) جماز بن شيحة بن هاشم، عز الدين، أبو سند الحسيني، أمير المدينة المنورة، وليها بعد موت أخيه منيف سنة ست و خمسين و ستمائة، ثم انتزعها منه ابن أخيه مالك بن منيف في سنة 665 ه، ثم رجعت إليه في سنة سبعمائة، فوليها إلى أن مات في سنة 704 ه.

انظر: السخاوي: التحفة اللطيفة 1/ 244.

48

سلطان مصر بيبرس‏ (1).

و لم يمض عامان حتى وقع خلاف في مكة بين الشريف نجم الدين محمد أبي نمي‏ (2)، و بين عمه و شريكه في إمرتها الشريف بهاء الدين إدريس‏ (3)، فاغتنم السلطان بيبرس الفرصة لتسوية النزاع بينهما لتأكيد سلطانه على مكة، و رتب لهما عشرين ألف درهم كل سنة، شريطة ألا يجمعا من أحد مكوسا، و لا يمنعا أحدا من زيارة البيت الحرام، أو يتعرضا للتجار بسوء في الحرم و المشاعر المقدسة، فضلا عن نقش إسمه على نقود الحجاز، فوافق الأميران على ذلك، ثم كتب لهما السلطان بيبرس تقليدا بالإمرة، و سلم لنوابهما أوقاف الحرم في مصر و الشام، و بذلك ضمن بيبرس سيادته الفعلية على الحجاز (4).

و لم يبق بعد ذلك أمام بيبرس سلطان مصر، سوى أن يذهب بنفسه إلى الحجاز لإشاعة جو الإستقرار فيه من ناحية، و تأدية مناسك الحج من ناحية أخرى، فسار إليه في سنة 667 ه، فزار المدينة المنورة، ثم توجه إلى مكة المكرمة، فغسل الكعبة المشرفة بيديه، و انتهز فرصة وجوده هناك، فعين أحد

____________

(1) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص 284- 285، السخاوي: التحفة اللطيفة 1/ 244.

(2) محمد بن حسن الحسني، مجد الدين أبو نمي، صاحب مكة، ولي إمرة مكة نحو خمسين و شاركه عمه إدريس في بعضها، بدأت إمرته في سنة 653 ه، مات في صفر سنة 701 ه.

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 1/ 456- 471.

(3) إدريس بن قتادة الحسني، بهاء الدين، أمير مكة، ولي إمرتها نحو سبع عشرة سنة شريكا لابن أخيه، قتله أبو نمي في سنة 669 ه.

انظر: الفاسي: العقد الثمين 3/ 279.

(4) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص 351، 352، المقريزي: السلوك 1/ 560، 579، الفاسي:

العقد الثمين 1/ 459، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص 238.

49

أمرائه «شمس الدين مروان» (1) نائبا عنه في مكة ليكون الحل و العقد في يديه، و مرجع صاحبي مكة إليه‏ (2).

و قد وضح من تلك الزيارة أن العلاقة بين الظاهر بيبرس، و بين أشراف المدينة لم تكن على ما يرام بدليل رفضهم مقابلة السلطان، و فرارهم منها خوفا منه، مما يدل على إحساسهم بثقل وطأة الحكم المصري عليهم‏ (3).

و لم تستقر الأوضاع لدولة المماليك في الحجاز بعد عهد بيبرس، إذا استمرت الخلافات بين الأشراف في مكة و المدينة تثير مشاكل عديدة في وجه دولة المماليك.

و ظل الأمر كذلك حتى تولى السلطان الناصر محمد بن قلاوون سلطنة مصر- و لا سيما في الفترة الثالثة 709/ 741 ه- فاهتم بشؤون مكة و المدينة، و أعانه على بسط قبضته على الحجاز، ذلك الخلاف الذي تجلى بين أمراء مكة و المدينة، و التجاء المنهزم منهم إليه، ليستمد العون و النصرة- بعد اللّه- منه، فقد استغل استنجاد الشريف منصور بن جماز (4) له على ابن‏

____________

(1) مروان الظاهري شمس الدين، أمير مكة، حج مع الظاهر بيبرس في سنة 667 ه، فسأل أمير مكة إدريس، و ابن أخيه أبي نمي السلطان بيبرس أن يولي من جهته نائبا تقوى به نفسهما، فرتب السلطان مروان هذا، أخرجه أشراف مكة من مكة في سنة 668 ه.

انظر: الفاسي: العقد الثمين 7/ 172.

(2) انظر: ابن عبد الظاهر: الروض ص 355، 356، المقريزي: الذهب في ذكر من حج من الخلفاء ص 91- 92، الفاسي: العقد الثمين 7/ 172.

(3) انظر: المقريزي: السلوك 1/ 580- 582، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص 239.

(4) منصور بن جماز بن شيحة الحسيني، أمير المدينة المنورة، قتل في رابع عشرين شهر رمضان سنة خمس و عشرين و سبعمائة، فكانت مدة ولايته على المدينة ثلاثا و عشرين سنة و أياما.

انظر: ابن تغري: النجوم الزاهرة 9/ 264.

50

أخيه ماجد بن مقبل‏ (1)، الذي انتزع من منصور إمرة المدينة سنة 717 ه، و أمده الناصر محمد بجيش استعاد به إمرته، التي بقي محتفظا بها حتى توفي سنة 725 ه (2).

كذلك لم تكن الحال مستقرة في مكة المكرمة، بسبب تنافس أمرائها على الإمرة فيها، فقد تولى مجد الدين محمد أبو نمي شرافة مكة سنة 653- 701 ه، و شغل و أولاده من بعده بالرسوليين‏ (3) و المماليك قرنا من الزمن، حيث لم يثبت أحد من الأشراف على الولاء أكثر من عام على الغالب لبعد الشقة بين مكة و مصر من جهة أو بين مكة و اليمن من جهة ثانية، فما أن يبعث المماليك جيشا يخضع مكة حتى يسارع الرسوليين إلى إرسال جيش في العام التالي، و لم يكن لكلا الجانبين قوة كبيرة تسمح له بترك حامية معززة في مكة تحول دون تمرد الشرفاء، أو تمنع قدوم قوة الآخرين إلى مكة (4).

كما كان الخلاف يقع بين الأخوة، فيستعين هذا بجانب و ذاك بجانب آخر، فيتعاقب الأخوة على شرافة مكة، و في الوقت نفسه يتعاقب النفوذ الذي يدعم الشريف على أخيه أو خصمه، و لعل أشد هذه الخلافات ما وقع بين‏

____________

(1) ماجد بن مقبل بن جماز الحسيني، قتل بالمدينة في جمادى الأولى سنة 717 ه.

انظر: السخاوي: التحفة اللطيفة 2/ 399.

(2) انظر: ابن تغري: النجوم الزاهرة 9/ 264، سعيد عاشور: العصر المماليكي ص 239.

(3) حكمت اليمن أسرة آل رسول من سنة 626- 858 ه، و بلغت قوة اليمن في أثناء ذلك درجة كبيرة بحيث كانت تسيطر أحيانا على الحجاز، و يمتد نفوذها إلى نهاية حضرموت شرقا، و كان أول الأمراء من آل رسول بدر الدين الحسن بن علي بن رسول، ثم نور الدين عمر بن علي بن رسول منذ سنة 626 ه.

انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي ص 103- 105.

(4) انظر: محمود شاكر: التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي ص 98.

51

أولاد مجد الدين محمد أبو نمي وهم: حميضة (1)، و رميثة (2)، و عطيفة (3)، و أبو الغوث‏ (4) و تدخل سلاطين مصر و اليمن في هذا النزاع.

فلم تكن الحالة مستقرة في مكة بسبب تنافس أمرائها على الإمرة فيها، فبعد وفاة محمد أبو نمي سنة 701 ه، زاد الصراع، و تفرقت الكلمة، و وقع القتال بين الأخوة، و قتل بعضهم بعضا، مما سهل على الناصر محمد بن قلاوون بسط سلطانه عليها، و تعيين أمرائها من قبله، و قد و اتته الفرصة حينما جأر الأهالي بالشكوى من الأخوين حميضة و رميثة ولدي أبي نمي، فأرسل السلطان الناصر محمد في سنة 714 ه حملة إلى مكة صحبة أخيهما أبي الغيث لخلعهما و إقرار أخيهما أبو الغوث على إمارة مكة (5)، و حين وصل أبو الغوث إلى مكة هرب منه حميضة و رميثة إلى عسير، و استولى أبو الغوث على‏

____________

(1) حميضة بن أبي نمي محمد الحسني المكي، الملقب عز الدين أمير مكة، ولي إمرة مكة إحدى عشر سنة و نصف، في أربع مرات، منها مرتان شريكا لأخيه رميثة. قتل في سنة 720 ه.

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 4/ 232- 243.

(2) رميثة بن أبي نمي محمد الحسني المكي، الملقب بأسد الدين، أمير مكة، ولي إمرة مكة ثلاثين سنة في سبع مرات، منها مرتان شريكا لأخيه حميضة، مات في سنة 746 ه.

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 4/ 403.

(3) عطيفة بن أبي نمي محمد الحسني المكي، يلقب بأسد الدين، أمير مكة نحو خمس عشرة سنة، مات محبوسا بالقاهرة سنة 743 ه.

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 6/ 95- 101.

(4) أبو الغوث بن أبي نمي محمد الحسني المكي، عماد الدين، أمير مكة، ولي إمرتها سنة 701 ه شريكا لأخيه، ثم عزل في الموسم سنة 704 ه بأخويه رميثة و حميضة، ثم ولي سنة 713 ه، فلما علم به أخواه هربا، فسار إليهما في سنة 714 ه، فانهزم أبو الغوث و قتل في سنة 715 ه.

انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 8/ 79- 80.

(5) انظر: أبو الفدا: المختصر 4/ 73، النويري: نهاية الأرب 30/ 89، تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 4/ 232- 243.

52

مكة، و لكن رجع حميضة في سنة 715 ه، فقتل أخاه أبا الغوث و استولى على مكة، فغضب سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون، فجهز جيشا تحت إمرة عطيفة، فاستولى على مكة، و غادرها حميضة هاربا نحو الشرق‏ (1).

و هكذا ظلت مكة مسرحا لمنازعات عديدة بين ذرية أبي نمي، الأمر الذي جعل السلطان الناصر محمد بن قلاوون يرسل بين الحين و الآخر تجريدات عسكرية إلى هناك لإقرار الأمور في مكة، أو مناصرة أمير على آخر حسب ولائه لمصر، فضلا عن ذهاب السلطان الناصر محمد المتكررة إلى الحجاز للحج، و عندئذ يغتنم فرصة وجوده هناك لبحث مشاكل أهل الحرمين و إقرار الأمن و النظام في الأراضي المقدسة (2).

و رغم ذلك فقد ظل الحجاز يعيش حالة من عدم الإستقرار إبان هذه الفترة، فقد كان الصراع شديدا على الشرافة منذ مطلع القرن الثامن و حتى منتصف القرن التاسع الهجري.

4- و أهم ما يميز العصر من الناحية الثقافية:

أصبحت مصر في عهد سلاطين المماليك محورا لنشاط علمي واسع بسبب ما أصاب المسلمين من كوارث على أيدي التتار في العراق و الشام، إذ تحول كثير من علماء تلك الأقطار إلى مصر، و اختاروها محلا لإقامتهم عقب سقوط بغداد في أيدي التتار سنة 656 ه، و حرقهم للمكتبات، و إغراقهم للكتب في نهر دجلة، و تنكيلهم بالعلماء، ثم أن إحياء الخلافة العباسية في مصر على أيدي سلاطين المماليك سنة 659 ه هيأ القاهرة لأن ترث بغداد،

____________

(1) انظر: تقي الدين الفاسي: العقد الثمين 4/ 232- 243، 8/ 79- 80، ابن العماد: شذرات الذهب 6/ 33.

(2) انظر: المقريزي: السلوك 2/ 197.