بهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة النبي المختار - ج2

- عبد الله بن عبد الملك المرجاني المزيد...
626 /
659

الجزء الثاني‏

[تتمة القسم الثانى فى تحقيق متن الكتاب‏]

الباب الثامن في ابتداء خلقه (صلى اللّه عليه و سلم)، و شرف نسبه، و طهارة مولده، و ذكر أسمائه و صفاته، و ذكر وفاته، و وفاته، صاحبيه أبي بكر و عمر رضي الله عنهما، و ذكر نبذة من فضائلهما.

و فيه إثنا عشر فصلا:

الفصل الأول‏ (1) في إبتداء خلقه (صلى اللّه عليه و سلم)

لما خمر اللّه تعالى طينة آدم (عليه السلام)/ حين أراد خلقه، أمر جبريل (عليه السلام) أن يأتيه بالقبضة البيضاء التي هي قلب الأرض بهاؤها و نورها، ليخلق منها محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، فهبط جبريل (عليه السلام) في ملائكة الفراديس، و ملائكة الصفح الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هي يومئذ بيضاء نقية، فعجنت بماء التنسيم و زعرت حتى صارت كالدرة البيضاء، ثم غمست في أنهار الجنة، فطيف بها في السموات و الأرض و البحار، فعرفت الملائكة حينئذ محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، و فضله قبل أن تعرف آدم و فضله، ثم عجنت‏ (2) بطينة آدم (عليه السلام) بعد ذلك‏ (3). قاله الثعلبي.

____________

(1) الفصل جميعه لا دليل عليه، و يحتوي على غيبيات و مخالفات للآيات الكريمة.

(2) في الأصل: «عجنا» و ما أثبتناه من (ط).

(3) ذكره ابن الجوزي في الوفا بأحوال المصطفى 1/ 34- 35 عن كعب الأحبار.

660

و عن علي رضي اللّه عنه: أن اللّه تعالى حين شاء تقدير الخليقة (1) و ذرأ البرية و إبداع المبدعات، نصب الخلق في صورة كالهباء قبل دحو الأرض و رفع السماء، و هو في ملكوته و توحد جبروته، فأساح نورا من نوره، فلمع قبس من ضيائه، فسطع ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال اللّه جل جلاله: أنت المختار المنتخب، و عندك مستودع نوري و كنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، و أمزج الماء، و أرفع السماء، و أجعل الثواب و العقاب، و الجنة و النار، ثم أخفى اللّه الخليفة في كنته‏ (2) و غيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم وسط الزمان، و مزج الماء، و سطح الأرض، و أنشأ الملائكة من أنوار ابتدعها، و قرن بتوحيده نبوة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما خلق آدم و أودعه نور محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما غشى حواء انتقل النور إليها إلى أن وصل عبد اللّه بن عبد المطلب، ثم إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و يروى أن أول ما خلق اللّه عز و جل نور محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فجزأه أربعة أجزاء:

فخلق من الجزء الأول العرش، و من الثاني القلم، و من الثالث اللوح، ثم جزأ الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول العقل، و من الثاني المعرفة، و من الثالث نور الشمس و القمر و الأبصار و النهار، و جعل الجزء الرابع تحت ساق العرش، فلما خلق آدم- (عليه السلام)- أودعه الجزء و نقله من صلب إلى صلب إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم). حكاه صاحب كتاب «الدر المنظم».

____________

(1) في (ط): «خلقته».

(2) في (ط): «في غيبه».

661

الفصل الثاني في ذكر شرف نسبه (صلى اللّه عليه و سلم)

عن علي رضي اللّه تعالى عنه، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏ (1) قال: «نسبا و صهرا و حسبا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح» (2).

قال ابن الكلبي: «كتبت للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا و لا شيئا مما كان عليه الجاهلية» (3).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: في قوله تعالى: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏ (4) قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا (5).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أيضا: أن قريشا/ كانت نورا بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك، و تسبح الملائكة بتسبيحه، ثم خلق آدم، فألقى ذلك النور في صلبه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«فأهبطني اللّه إلى الأرض في صلب آدم، و جعلني في صلب نوح و قذف بي في صلب إبراهيم [حين قذف به في النار،] (6) ثم لم يزل [اللّه تعالى‏] (7) ينقلني من الأصلاب الكريمة و الأرحام [الطاهرة] (8) حتى أخرجني من بين‏

____________

(1) سورة التوبة آية (128).

(2) ذكره القاضي عياض في الشفا 1/ 9 عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و ابن الجوزي في الوفا بأحوال المصطفى 1/ 79 عن ابن عباس، و القرطبي في الجامع 8/ 301.

(3) قول ابن الكلبي ذكره القاضي عياض في الشفا 1/ 9.

(4) سورة الشعراء آية (219).

(5) قول ابن عباس ذكره القاضي عياض في الشفا 1/ 9، و القرطبي في الجامع 13/ 144، و ابن الجوزي في الوفا بأحوال المصطفى 1/ 79.

(6) سقط من الأصل و الاضافة من (ط) و الشفا 1/ 100.

(7) سقط من الأصل و الاضافة من (ط) و الشفا 1/ 100.

(8) سقط من الأصل و الاضافة من (ط) و الشفا 1/ 100.

662

أبوي، لم يلتقيا على سفاح قط» (1).

و إلى ذلك أشار العباس بن عبد المطلب يقول:

من قبلها طبت في الظلال و في* * *مستودع حيث يخصف الورق‏

قال ابن قتيبة: يعني في ظلال الجنة، حيث يخصف الورق، أي حيث خصف على آدم و حواء من ورق الجنة، و كان شجر التين‏ (2)، ثم قال:

ثم هبطت البلاد لا بشر أنت* * *و لا مضغة و لا علق‏

يريد أن آدم هبط البلاد، فهبطت في صلبه و أنت إذ ذاك لا بشر و لا مضغة و لا دم، ثم قال:

بل نطفة تركب السفين و قد* * * ألجم نسرا و أهله الغرق‏

يريد أنك نطفة في صلب نوح حين ركب الفلك. و نسر: الصنم الذي كان يعبده قومه- كما سنبينه- ثم قال:

تنقل من صلب إلى رحم* * *إذا بدا عالم بدا طبق‏

يريد أنه ينقل في الأصلاب و الأرحام، فجعله طيبا و هابطا للبلاد و راكبا للسفن من قبل أن يخلق في أصلاب آبائه، ثم قال:

وردت نار الخليل مكتتما* * * فيها زمانا و ليست تحترق‏

يريد أنه كان في صلب إبراهيم (عليه السلام) يوم ألقي في النار، ثم قال:

حتى احتوى بيتك المهيمن من* * *خندف علياء تحتها النطق‏

____________

(1) حديث ابن عباس ذكره القاضي عياض في الشفا 1/ 48، و ابن الجوزي في الوفا 1/ 35.

(2) ورد عند ابن قتيبة في أدب الكاتب ص 29، و أشار القرطبي في الجامع 7/ 181 إلى ذلك بقوله:

«حيث يقطعان الورق و يلزقانه ليستترا به».

663

و أنت لما ولدت أشرقت الأ* * * رض و ضاءت بنورك الأفق‏

فنحن في ذلك الضياء و في النو* * * ر و سبل الرشاد تحترق‏ (1)

اعلم أن: ودا، و سواع، و يغوث، و يعوق، و نسرا كلها أصنام عبدت من زمان يارد بن مهلائيل، ثم إن الطوفان طمّها، ثم أخرجها الشيطان لمشركي العرب‏ (2).

و كان ود [على‏] (3) صورة رجل، و سواع على صورة امرأة، و يغوث على صورة أسد، و يعوق على صورة فرس، و نسر [على‏] (4) صورة نسر (5).

قاله الواقدي. وود أول صنم معبود. حكاه الماوردي.

و كان ود بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل، و سواع لهذيل بساحل البحر الأحمر- و قيل: برهاط (6)، و يغوث لعكف بن مزاحم بالجرف من سبأ و كان من رصاص، و يعوق لهمدان- و قيل: لكهلان من سبأ ثم/ توارثه بنو الأكبر حتى صار لهمدان، و نسرا كان لذي الكلاع من حمير بحضرموت‏ (7).

و قيل: ود- بفتح الواو- صنم لقوم نوح، و بضمها صنم لقريش.

____________

(1) شعر العباس أورده القاضي عياض في الشفا 1/ 100، و ابن الجوزي في الوفا 1/ 35، و ابن كثير في البداية 2/ 240.

(2) انظر: ابن الكلبي: الأصنام ص 13، ابن هشام: السيرة 1/ 78، ابن كثير: البداية 2/ 177.

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(4) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(5) راجع وصف هذه الأصنام عند ابن الكلبي في الأصنام ص 56.

(6) رهاط: بضم أوله، جبل قرية يقال لها رهاط بقرب مكة على طريق المدينة قريبا من الحديبية.

انظر: ياقوت: معجم البلدان 3/ 107.

(7) انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 78، ابن الكلبي: الأصنام ص 10، 51- 55، ابن كثير:

البداية 2/ 177.

664

و كان أصحاب الرّس يعبدون الجواري، و أهل أرمينية يعبدون الأوثان، و أهل أذربيجان يعبدون النيران، و بعث اللّه إلى أهل الرّس ثلاثين نبيا في شهر واحد فقتلوهم، و كانوا أيضا يعبدون شجرة صنوبر، و الجبهة، و السبحة، و النخة كانت آلهة تعبد في الجاهلية.

و اللات و العزى و مناة كانت أصناما من حجارة [في جوف الكعبة] (1).

قال صاحب كتاب ذخر المستفيد: أن مناة لقضاعة و أهل المدينة بالمشلل بثنية قديد (2)، و العزى لجميع العرب بنخلة الشامية (3). و ذو السراة للأزد بالسراة (4)، و اللات لثقيف بالطائف‏ (5)، و نهم لمزينة بثنية ذات خليلين، و يغوث‏

____________

(1) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

و عن اللات و العزى راجع: ابن هشام: السيرة 1/ 83، 85، ابن الكلبي: الأصنام ص 16، 17، الطبري: تاريخ الرسل 3/ 65، ابن كثير: البداية 2/ 178.

(2) و قد بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إليها أبا سفيان بن حرب فهدمها، و قيل أرسل بعلي بن أبي طالب، و قيل سعد بن زيد الأشهلي.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 85- 86، ابن الكلبي: الأصنام ص 13، الطبري: تاريخ الرسل 3/ 66.

و المشلل: جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. انظر: ياقوت: معجم البلدان 5/ 136.

(3) كانت العزى لقريش و بني كنانة ببطن نخلة، و كان سدنتها و حجابها بنو شيبان، و قد خربها خالد بن الوليد زمن فتح مكة.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 83، ابن الكلبي: الأصنام ص 17، الطبري: تاريخ الرسل 3/ 65، ابن كثير: البداية 2/ 178

و نخلة الشامية: واديان لهذيل على ليلتين من مكة يجتمعان ببطن مر. انظر: ياقوت: معجم البلدان 5/ 277.

(4) و كان لأزد السراة صنم يقال له: عائم، و السراة جبل مشرف على عرفة ينقاد إلى صنعاء، و سمي بالسراة لعلوه، و يقال سراة ثقيف ثم سراة فهم عدوان ثم سراة الأزد و هم أزد شنوءة بنو كعب ابن الحارث.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 13، ابن الكلبي: الأصنام ص 40، ياقوت: معجم البلدان 3/ 204.

(5) كانت اللات صخرة مربعة، و سدنتها بنو معتب من ثقيف و كانوا بنوا عليها بناء، و ضربها أبو سفيان و المغيرة بن شعبة بعد وفادة أهل الطائف.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 85، ابن الكلبي: الأصنام ص 16، ابن كثير: البداية 2/ 178.

665

لمذحج‏ (1)، و قيل: يعوق لمراد بالجرف، و يغوث لهمدان بخيوان‏ (2)، و سعد لكنانة بالساحل مما يلي جدة (3)، و الفلس لطي‏ء بجبلهم‏ (4)، و الحلال لبني فزارة، و أجيش لمرة، و زعبل لبني جنبعة، و عرض لبكر بن وائل، و الأقيصر لقضاعة (5)، و بيت رئام باليمن‏ (6)، و المخلصة بجشم و بجيلة بتنا و هي مروة بيضاء (7).

و هؤلاء آلهة، و الإله يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كغلبة النجم على الثريا، و السّنة على عام القحط، و البيت على الكعبة، و الكتاب على كتاب سيبويه.

و عن ابن عمر- رضي اللّه عنهما- أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن اللّه تعالى‏

____________

(1) كان عمرو بن لحى الخزاعي دفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، و كان بأكمة باليمن يقال لها مذحج، تعبده مذحج و من والاها.

انظر: ابن الكلبي: الأصنام ص 57.

(2) خيوان بطن من همدان اتخذوا يعوق بأرض همدان من أرض اليمن.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 79، ابن الكلبي: الأصنام ص 10، ابن كثير: البداية 2/ 177.

(3) كان لبني ملكان من كنانة صنم يقال له سعد، و هو صخرة بفلاة من أرضهم بساحل جدة.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 81، ابن الكلبي: الأصنام ص 36- 37، ابن كثير: البداية 2/ 177.

(4) كانت الفلس بجبل طيئ- يعني سلمى وأجا- بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علي بن أبي طالب فهدمها.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 87، ابن الكلبي: الأصنام ص 15، 59- 60.

(5) كان الأقيصر لقضاعة و لخم و جذام و أهل الشام.

انظر: ابن الكلبي: الأصنام ص 48.

(6) كان لحمير بيت بصنعاء يقال له رئام يعظمونه، هدمه تبع حين قدم من العراق.

انظر: ابن الكلبي: الأصنام ص 11- 12، ابن كثير: البداية 2/ 179.

(7) و كان يقال له الكعبة اليمانية، بعث إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جرير بن عبد اللّه فهدمه.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 86، ابن الكلبي: الأصنام ص 34- 35، ابن كثير: البداية 2/ 178.

666

اختار خلقه، فاختار منهم بني آدم، ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب، ثم اختار العرب، فاختار منهم قريشا، ثم اختار قريشا، فاختار منهم بني هاشم، ثم اختار بني هاشم، فاختارني، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، و من أبغض العرب فببغضي أبغضهم» (1).

و عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا، فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» (2).

الجماعة من الناس يسموا قرنا، لأنهم إقترنوا في زمان واحد، أي اجتمعوا، و قيل: القرن اسم للزمان، و هو مائة سنة، و قيل: ثمانين، و التعمير ستون سنة، و قيل: سبعون، و قيل: أربعون‏ (3). حكاه أبو عبد اللّه الكوسى.

فائدة: ذكر مالك في الموطأ في أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد إلا فيه: «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، رأى أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر» (4).

اختلف العلماء في ليلة القدر: هل هي باقية، أو رفعت؟ فقيل: هي من‏

____________

(1) حديث ابن عمر: أخرجه البيهقي في الدلائل 1/ 171، و الحاكم في المستدرك 4/ 73، و ذكره القاضي عياض في الشفا 1/ 84 و عزاه للطبري، و ابن كثير في البداية 2/ 240 و قال: هذا حديث غريب. و اللفظ لرواية الطبري.

(2) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب صفة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) برقم (3551) 4/ 201، و أحمد في المسند 2/ 373، و البيهقي في الدلائل 1/ 175، و ذكره القاضي عياض في الشفا 1/ 48.

(3) انظر: ابن منظور: اللسان مادة «قرن».

(4) أخرجه مالك في الموطأ 1/ 321 عمن يثق به من أهل العلم أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال ذلك، و ذكره القرطبي في الجامع 20/ 133.

667

خصائص النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم رفعت لموته، و قيل: إنها باقية، و أن أمة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) داخلين في ذلك التخصيص، و هو الأظهر (1).

و سميت ليلة القدر: لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يكون في السنة كلها، و معنى التقدير هنا: إبرازه للملائكة و إعلامهم بما يفعلون في جميع السنة (2).

و اختلف‏ (3)/ هل هي في جميع السنة أم في رمضان؟ على قولين، و قيل: إنها ليلة النصف من شعبان، و هو موافق لمن قال: أنها يقدر فيها ما يكون في السنة، فإن تلك الليلة هي المراد بقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ (4) و قيل: أنها تدور به في السنة (5).

قال سيدنا عبد اللّه بن أبي جمرة (6) في كتاب «بهجة النفوس»: «و هو الأظهر، لأنه يجمع بين الأقوال، و هذه الليلة خير من ألف شهر، و العمل الذي عليه العلماء المراد العمل [فيها»] (7).

و روي عنه (عليه السلام): «أن الشمس تطلع صبيحتها بيضاء نقية لا

____________

(1) كذا ورد عند ابن أبي جمرة في بهجة النفوس 1/ 65، و راجع الخلاف حول هذه المسألة عند ابن حجر في فتح الباري 4/ 263.

(2) كذا ورد عند ابن أبي جمرة في بهجة النفوس 1/ 64، و القرطبي في الجامع 20/ 130.

(3) راجع الأحاديث الصحيحة حول تحديد ليلة القدر عند البخاري في صحيحه كتاب فضائل ليلة القدر باب التماس ليلة القدر عن ابن عمر و ابن عباس و عائشة برقم (2015- 2024) 2/ 310، و مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب فضل ليلة القدر عن ابن عمر برقم (205، 222) 2/ 824، 829، و مالك في الموطأ 1/ 319 عن أبي سعيد الخدري و عن عروة مرسلا.

(4) سورة الدخان آية (4).

(5) كذا ورد عند ابن أبي جمرة في بهجة النفوس 1/ 65، و القرطبي في الجامع 16/ 126، و ابن حجر في فتح الباري 4/ 263.

(6) ورد عند ابن أبي جمرة في بهجة النفوس 1/ 65.

(7) الإضافة تقتضيها الضرورة من بهجة النفوس 1/ 65 فقد نقل عنه المؤلف.

668

شعاع لها» (1) و هكذا يجدها أهل المراقبة إلى هلم جرا، هذا منقول من سلف إلى خلف إلى زماننا هذا، فلو رفعت لما رؤي من تلك العلامات شي‏ء- هذا لفظ ابن أبي جمرة- قال: «و لم يزل أهل الخير و الصلاح من الصدر الأول إلى هلم جرّا يعاينونها عيانا، فبطل القول برفعها مرة واحدة، قيل: هي في رمضان مطلقا، و قيل: في العشر الأواسط منه، و قيل: في العشر الأواخر منه، و قيل: أول ليلة منه قاله أبو رزين العقيلي‏ (2). و قيل: ليلة سبعة عشر منه و هو اختيار الحسن و ابن إسحاق و ابن الزبير و هي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر (3)، و قيل: ليلة تسع عشر (4)، و قيل: ليلة ثمانية عشر. قاله: الحسن، و مالك بن أنس الفقيه‏ (5).- لأن مالك بن أنس اثنان:

أحدهما هذا، و الثاني كوفي‏ (6) يروى عن هاني‏ء بن حزام عن عمر بن الخطاب-

____________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب فضل ليلة القدر عن أبي بن كعب برقم (220) 2/ 828، و أبو داود في سننه عن أبي بن كعب برقم (1378) 2/ 51، و الترمذي في سننه 3/ 160 عن أبي بن كعب.

(2) كذا ورد عند ابن أبي جمرة في بهجة النفوس 1/ 65، و القرطبي في الجامع 20/ 135، و ابن حجر في فتح الباري 4/ 263.

(3) انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 626، القرطبي: الجامع 20/ 135، ابن حجر: فتح الباري 4/ 263.

(4) انظر: القرطبي: الجامع 20/ 135، ابن حجر في فتح الباري 4/ 263، ورد الواقدي على رواية من قال أنها كانت صبيحة تسع عشر من رمضان بقوله: «فذكرت ذلك لمحمد بن صالح فقال: هذا أعجب الأشياء ما ظننت أن أحدا من أهل الدنيا شكك في هذا أنها صبيحة سبع عشرة من رمضان يوم الجمعة».

انظر: الطبري: تاريخ الرسل 2/ 418- 419.

(5) انظر: ابن حجر: فتح الباري 4/ 263.

(6) هو: مالك بن أنس الكوفي، روى عن هاني‏ء بن حزام عن عمر رضي اللّه عنه.

انظر: ابن أبي حاتم: الجرح و التعديل 8/ 204، ابن الجوزي: تلقيح فهوم ص 626.

669

و قيل: ليلة إحدى و عشرين، و هو اختيار الشافعي‏ (1)، و جاء في الحديث: أنه (عليه السلام) انصرف و على جبينه أثر الماء و الطين من صبيحة إحدى و عشرين‏ (2).

الجبين: موضع السجود، و قيل: الجبهة موضع السجود، و الجبينان يكتفانها.

و قيل: ليلة ثلاث و عشرين، و هو مذهب عبد اللّه بن أنيس‏ (3)، و قيل: ليلة خمس و عشرين، و هو مذهب أبي بكرة، و أبي سعيد الخدري‏ (4)، و قيل: ليلة سبع و عشرين، قاله علي، و أبي، و ابن عباس، و معاوية، و عائشة، و ابن حنبل‏ (5).

و روي عن ابن عباس أنه استدل على ذلك بشيئين: أحدهما: أن اللّه تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف يشير إلى قوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ (6) الآية .. ثم جعل رزقه في سبعة أصناف يشير إلى‏

____________

(1) انظر: الترمذي: السنن كتاب الصوم باب ليلة القدر برقم (792) 3/ 159، القرطبي: الجامع 20/ 135، ابن حجر: فتح الباري 4/ 264.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضل ليلة القدر باب التماس ليلة القدر عن أبي سعيد برقم (1018) 2/ 311 و كتاب الاعتكاف باب الإعتكاف في العشر الأواخر برقم (2027) 2/ 314، و مالك في الموطأ 1/ 319.

(3) حديث عبد اللّه بن أنيس: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب فضل ليلة القدر برقم (218)، و الترمذي في سننه 3/ 159، و القرطبي في الجامع 20/ 136.

(4) حديث أبي بكرة و أبي سعيد الخدري: أخرجه الترمذي في سننه 3/ 159، و القرطبي في الجامع 20/ 136، و ابن حجر في فتح الباري 4/ 264.

(5) حديث أنها ليلة سبع و عشرين: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب فضل ليلة القدر برقم (207، 220، 221)، و أبو داود في سننه 2/ 53، و الترمذي في سننه 3/ 159، و القرطبي في الجامع 20/ 134، 136.

(6) سورة المؤمنون آية (12).

670

قوله تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (1) .. الايات ثم يصلي الجمعة على رأس سبعة أيام و السموات سبعا و الأرضين سبعا، و لا أرى ليلة القدر إلا السابعة و العشرون. الثاني: أنه قال: سَلامٌ هِيَ‏ (2) الكلمة السابعة و العشرون، قال علي رضي اللّه عنه: أنها كذلك‏ (3).

و قيل: ليلة القدر تسعة أحرف، و قد كررت في السورة ثلاث مرات، فهي في تكرارها سبع و عشرون حرفا، ففي هذا تنبيه على أنها ليلة سبع و عشرين.

و قيل: هي تنتقل في العشر الأواخر، و هو قول مالك، و الشافعي، و الأوزاعي، و أبو ثور، و أبو قلابة، و أحمد (4).

و قيل: ليلة تسع و عشرين، قاله علي، و عائشة، و معاوية، و أبي، و ابن عمر رضي اللّه عنهم‏ (5).

و قيل: إنها في الأشفاع‏ (6). قال الحسن: «ارتقبت الشمس ليلة أربع‏

____________

(1) سورة عبس آية (25).

(2) سورة القدر آية (5).

(3) انظر: القرطبي: الجامع 20/ 136، ابن حجر: فتح الباري 4/ 265.

(4) فقد روى الترمذي في سننه 3/ 158- 159 عن عائشة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. قال أبو عيسى: «حديث عائشة حديث حسن صحيح»، و قال القرطبي في الجامع 20/ 135 «و الصحيح المشهور أنها في العشر الأواخر من رمضان». و انظر: ابن حجر: فتح الباري 4/ 265.

(5) انظر: الترمذي: السنن 3/ 159، و ابن حجر: فتح الباري 4/ 265.

(6) الأشفاع: جمع شفع و هو العدد الذي يقبل القسمة على اثنين.

انظر: ابن منظور: اللسان مادة «شفع».

671

و عشرين [سنة فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها» (1)] (2).

قال ابن أبي جمرة (3): «و ألف شهر مبلغها من الأيام/ ثلاثون ألفا، و من الليالي مثلها مجموعها ستون ألفا من الدهر».

و أما على بحث سيدي أبو محمد المرجاني، فذلك يفضل الدهر كله، و استدل على أن الأعداد تنقسم على أربعة أقسام آحاد، و عشرات، و مئين و ألوف، فذكر الألف التي ليس بعدها عدد، فدل على أن لا نهاية لفضلها.

و أخفيت للإجتهاد، كما أخفيت ساعة الجمعة و ساعة الليل و الصلاة الوسطى و الإسم الأعظم‏ (4)، و قد قيل: إن ساعة الجمعة بعد صلاة العصر، و ساعة الليل في الثلث الأخير، و الصلاة الوسطى صلاة الصبح، و قيل العصر و الإسم الأعظم قوله تعالى‏ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‏ (5) و إلى ذلك أشار البوني.

و سورة القدر أول سورة أنزلت بالمدينة (6).

و عن ابن مسعود: أن ليلة القدر إذا كانت في يوم من هذه السنة، كانت في العام المقبل في يوم آخر (7).

____________

(1) قول الحسن أورده القرضبي في الجامع 20/ 137 و أضاف القرطبي: «و هذا من علامات ليلة القدر لما أرسله الحسن البصري عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في ليلة القدر: «إن من أماراتها أنها ليلة سمحة بلجة لا حارة و لا باردة تطلع الشمس في صبيحتها ليس لها شعاع».

(2) اضافة تقتضيها الضرورة من الجامع للقرطبي 20/ 137.

(3) ورد عند ابن أبي جمرة في بهجة النفوس 1/ 62- 63.

(4) انظر: القرطبي: الجامع 20/ 137، ابن أبي جمرة، بهجة النفوس 1/ 66.

(5) سورة يس آية (58).

(6) انظر: القرطبي: الجامع 20/ 129.

(7) قول ابن مسعود ورد عند القرطبي في الجامع 20/ 135.

672

و قد ذكرت قوانين ذكرها العلماء في معرفتها في غير هذا الكتاب من مصنفاتي: «سمط اللآلي‏ء الدرية و أسلوب الجواهر البحرية».

و الصحيح أن جميع ما قننوه باطل، لقول بعضهم عن بعض المشائخ أنه رآها سبع سنين متوالية ليلة سبع و عشرين، و قول بعضهم: رصدتها أربعا و عشرين سنة، فلم أرها إلا ليلة إثنين و عشرين.

الفصل الثالث في ذكر طهارة مولده الشريف (صلى اللّه عليه و سلم)

حكى الشهرستاني: «أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية (1)، قرأت الكتب، فمر بها عبد المطلب و معه ابنه عبد اللّه، يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجه عبد اللّه، فقالت: هل لك أن تغشاني و تأخذ مائة من الإبل؟ فعصمه اللّه من إجابتها، فلما حملت منه آمنة برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أتى فاطمة فقال لها: هل لك فيما قلت؟ فلم تر ذلك النور في وجهه، فقالت له: قد كان ذلك مرة فاليوم لا» (2).

____________

(1) فاطمة بنت مر الخثعمية، كاهنة من أهل تبالة، متهودة، قرأت الكتب. و يذكر ابن إسحاق أن المرأة التي تعرضت لنكاح عبد اللّه أنها من بني أسد بن عبد العزى أخت ورقة بن نوفل.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 155، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 244، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 201، ابن كثير: البداية 2/ 232.

(2) انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 155- 156، ابن سعد: الطبقات 1/ 95- 96، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 244- 245، البيهقي: الدلائل 1/ 104- 105 و يعلق محقق كتاب الدلائل على الخبر بقوله: «خبر غريب موضوع لا سند له و لا منطق يؤيده، و يناقض الأحاديث الصحيحة، تناقلته كتب السيرة بدون سند، و أن المرأة التي عرضت نفسها على عبد اللّه و هو حديث عهد بالزواج تناقض الأحاديث الصحيحة من طهارة مولده و شرف الأنبياء، فالنبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم)-

673

و حملت به (صلى اللّه عليه و سلم)، آمنة في أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى‏ (1). و قيل: حملت به في رجب، و كانت ليلة الجمعة، و قيل: حملت به في دار وهب بن عبد مناف، و رأت حين حملت به أنه خرج منها نور، رأت منه قصور بصرى من أرض الشام‏ (2)- بصرى بضم الباء الموحدة و سكون الصاد مدينة من حوران بالشام، و قيل: مدينة بنسا و البصرة (3).

و آمنة هي: بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب‏ (4).

____________

- خيار من خيار، و رجل مثل عبد اللّه والد الرسول كان خيارا من خيار و هذا شأنه، فهل نطمئن إلى هذه الروايات المزعومة و أنه بعد أن دخل بزوجته آمنة بنت وهب عاد فأتى المرأة المتعرضة فقال لها: هل لك فيما قلت؟ كما أن الروايات تخبطت في اسم المرأة المتعرضة، فهي مرة أخت ورقة بن نوفل، و مرة كاهنة من أهل تبالة، هذا التخبط دال على الكذب».

قلت: و لهذا أشك كثيرا في صحة هذه الرواية التي لا تشرف بيت النبوة ... و لم يكن من آباء النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من يتوق إلى الزنا، فالخبر بيّن الضعف لأمرين الأول: معارضة معناه لصحيح قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «خرجت في نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي و أمي لم يصبني من سفاح الجاهلية شي‏ء» الثاني: لإضطراب سند الخبر لتردد الرواة في تعيين التي عرضت نفسها.

و على فرض صحة هذا الخبر يجب تأويله بما يطابق مقتضى نصوص الشريعة، فقد قال تعالى‏ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏- سورة الشعراء آية 219- أي أن جميع آبائك الذين لهم عليك ولادة كانوا طاهرين ساجدين بالقوة أي كانوا معتصمين بالقيم الروحية و المثل العلية و المبادي‏ء السنية لا أصحاب أهواء، فكانوا بحيث لو أدركوا رسالة السماء لآمنوا غير مكرهين و دخلوا في دين اللّه طائعين. و على هذا يحمل سؤال عبد اللّه للمرأة المتعرضة بعدما دخل بآمنة على أنه لمجرد الإستعلام عن سبب عدم عرضها اليوم ما عرضته عليه بالأمس لمجرد العلم لا لإجابة عرضها.

(1) انظر: محب الدين الطبري: خلاصة سير ص 7، ابن كثير: البداية 2/ 243 و القول المذكور لا يتفق مع ما رجحه جمهور العلماء في أن مولده (صلى اللّه عليه و سلم) في شهر ربيع الأول، و مع الثابت أن مدة حمله (صلى اللّه عليه و سلم) تسعة أشهر على التمام.

(2) انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 158، ابن سعد: الطبقات 1/ 102، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 156، عياض: الشفا 1/ 103، محب الدين الطبري: خلاصة سير ص 12.

(3) انظر: ياقوت: معجم البلدان 1/ 441.

(4) راجع نسبها عند ابن هشام في السيرة 1/ 110، و ابن سعد في الطبقات 1/ 59، و ابن الجوزي في المنتظم 2/ 237، و محب الطبري في خلاصة سير ص 5.

674

و اختلف في مولده (صلى اللّه عليه و سلم): فقيل: ولد بمكة عام الفيل. حكاه محب الدين الطبري. و قيل: بعده بثلاث و عشرين سنة. قاله عبيد بن عمير الكلبي. و قيل:

بعده بثلاثين عاما، و قيل: بأربعين عاما. و الأول أصح‏ (1)، و قيل: بعد خمسين يوما من الفيل، و قيل: بعد قدوم أصحاب الفيل بشهرين، و كان لعشرين [من‏] (2) نيسان، و قيل: بعد قدومهم بخمس و خمسين ليلة (3)، و قيل: ولد بعد موت أبيه في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، و لم يذكر ابن إسحاق غيره‏ (4)، و وافق من شهور الروم العشرين من شباط في السنة الثانية عشرة من ملك أنو شروان‏ (5).

و حكى الطبري: أن مولده (صلى اللّه عليه و سلم)/ كان لإثنين و أربعين سنة من ملك أنو شروان‏ (6). و حكاه الشهرستاني. و قيل: يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، و قيل: لثمان و صححه كثير من العلماء، و قيل: لعشر خلون منه حكاه ابن الجوزي‏ (7)، و قيل: لثمان عشرة منه، و قيل: أول إثنين منه من غير تعيين، و قيل: لإثنى عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول. حكاه الطبري‏ (8).

____________

(1) وردت هذه الأقوال عند محب الدين الطبري في خلاصة سير سيد البشر ص 6.

(2) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(3) انظر: ابن سعد: الطبقات 1/ 101، الماوردي: أعلام النبوة ص 192، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 246، ابن كثير: البداية 2/ 244.

(4) راجع ما ذكره ابن اسحاق عند ابن هشام في سيرته 1/ 158.

(5) انظر: الماوردي: أعلام النبوة ص 192.

(6) ورد عند الطبري في تاريخه 2/ 154.

(7) وردت هذه الأقوال عند ابن الجوزي في المنتظم 2/ 245- 246.

(8) ورد عند الطبري في تاريخه 2/ 156، و ابن الجوزي في المنتظم 2/ 247، و محب الدين الطبري في خلاصة سير ص 7، و ابن كثير في البداية 2/ 243 و أضاف: «و القول أنه ولد في رمضان غريب جدا و مستنده أنه عليه الصلاة و السلام أوحى إليه في رمضان و ذلك على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده في رمضان و هذا فيه نظر».

675

و ولد (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة المشرفة ليلا.

قال الزبير بن بكار (1): ولد (صلى اللّه عليه و سلم)، في الدار التي صارت لمحمد بن يوسف- أخي الحجاج بن يوسف- و قيل: إنه (صلى اللّه عليه و سلم)، ولد في شعب بني هاشم‏ (2).

و روي أنه (صلى اللّه عليه و سلم)، ولد في الدار التي كانت في الزقاق المعروف بزقاق المولد، و كانت الدار في مهاجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في يد عقيل بن أبي طالب، ثم في أيدي ولده، لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، لم يعرض للدار بعد أن فتح مكة، ثم أن محمد بن يوسف الثقفي- أخا الحجاج- اشترى تلك الدار من ولد عقيل، فأدخل البيت في دار بناها و سماها البيضاء، و هي تعرف بدار ابن يوسف، فكان البيت في الدار إلى أن حجت الخيزران، فأخرجت البيت و جعلته مسجدا يصلي الناس فيه رجاء بركته (صلى اللّه عليه و سلم)، و موضع مسقطه (صلى اللّه عليه و سلم)، في هذا المسجد معروف إلى الآن‏ (3).

قالت أم عثمان بن أبي العاص‏ (4): «شهدت ولادة آمنة برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان ليلا فما شي‏ء أنظر إليه من البيت إلا نور، و إنني لأنظر إلى النجوم تدنو و إني أقول لتقعن عليّ، و لما وضعته تركت عليه في ليلة ولادته جفنة فانقلبت عنه، فكانت من آياته» (5).

____________

(1) الزبير بن بكار، أبو عبد اللّه الأسدي المدني، قاضي المدينة، كان ثقة ت 256 ه.

انظر: ابن حجر: التقريب ص 214.

(2) انظر: الطبري: تاريخ الرسل 2/ 156، ابن الجوزي: الوفا 1/ 91، ابن كثير: البداية 2/ 243.

(3) انظر: الأزرقي: أخبار مكة 2/ 198، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 156، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 247، ابن كثير: البداية 2/ 243، ابن الضياء: تاريخ مكة ص 78.

(4) أم عثمان بن أبي العاص الثقفي، روى عنها ابنها عثمان أنها شهدت ولادة آمنة.

انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 1947.

(5) كذا ورد عند الطبري في تاريخه 2/ 156، و الماوردي في أعلام النبوة ص 195، و ابن الجوزي في المنتظم 2/ 247.

676

و يروى: أنه ولد (صلى اللّه عليه و سلم) مرجلا، فخرجت رجلاه أولا، و في بعض الروايات:

أنه (صلى اللّه عليه و سلم)، ولد مختونا مقطوع السرة نظيفا ما به قذر (1).

يروى أن ثلاثة عشر نبيا ولدوا مختونين: آدم، و شيث، و نوح، و إدريس، و سام، و لوط، و يوسف، و موسى، و شعيب، و سليمان، و يحيى، و عيسى، و محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و عليهم أجمعين‏ (2).

و قال محمد بن حبيب الهاشمي‏ (3): «هم أربعة عشر، فذكر المذكورين، إلا إدريس، و سام، و يحيى، و ذكر هود، و صالح، و زكريا، و حنظلة بن صفوان نبي أصحاب الرّس».

و قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن عبد المطلب ختن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، يوم سابعه، و جعل له مأدبة، و سماه محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)(4).

و روي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع، و أنكره مالك، و قال: ذلك من عمل اليهود، و قال الليث: يختن الصبي ما بين تسع إلى عشر.

و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يدفن سبعة أشياء من الإنسان: الشعر، و الظفر، و الدم، و الحيض، و السن، و القلفة، و البشمة (5).

____________

(1) راجع هذه الروايات عند ابن سعد في طبقاته 1/ 103 عن ابن عباس، و عياض في الشفا 1/ 42.

(2) أوردها ابن الجوزي في تلقيح فهوم ص 6.

(3) ورد عند ابن حبيب في المحبر ص 131، و نقله عنه: ابن الجوزي في المنتظم 2/ 146 و في تلقيح فهوم ص 6.

و محمد بن حبيب الهاشمي، صاحب كتاب المحبر، كان عالما بالنسب و أخبار العرب ثقة ت 245 ه. انظر: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 2/ 277، ابن الجوزي: المنتظم 11/ 335.

(4) قول ابن عباس ذكره البيهقي في الدلائل 1/ 114، و ابن كثير في البداية 2/ 246 و قال: في صحته نظر.

(5) جزء من حديث أخرجه ابن عدي في الكامل 4/ 1518 عن ابن عمر.

677

و أصبحت أصنام الدنيا كلها يوم مولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، منكوسة و أصبح عرش ابليس قد سقط.

عن يحيى بن عروة (1)، عن أبيه أن نفرا من قريش، منهم ورقة بن نوفل‏ (2)، و زيد بن عمرو بن نفيل‏ (3)، و عبيد اللّه بن جحش‏ (4)، و عثمان بن الحويرث كانوا عند صنم لهم قد اجتمعوا إليه يوما، اتخذوا ذلك اليوم عيدا في كل سنة يعظمونه/ و ينحرون عنده الجزور، فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك و ردوه إلى حاله، فانقلب انقلابا عنيفا، فردوه، فانقلب ثالثا، فقال عثمان بن الحويرث:

أيا صنم العيد الذي صف حوله* * *صناديد وفد من بعيد و من قرب‏

____________

(1) يحيى بن عروة بن الزبير، أبو عبد اللّه الأسدي المدني، كان محدثا ثقة من السادسة.

انظر: ابن حجر: التقريب ص 594.

(2) ورقة بن نوفل الأسدي، ابن عم خديجة رضي اللّه عنها، ترك عبادة الأصنام و تنصر، اختلفوا في إسلامه، و صرح ابن القيم بإسلامه، و أرخ ابن فهد وفاته في السنة الرابعة من البعثة النبوية.

انظر: ابن القيم: زاد المعاد 2/ 48، ابن حجر: الاصابة 3/ 633، ابن فهد: اتحاف الورى 1/ 210.

(3) زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي، كان يطلب الدين و كره النصرانية و اليهودية و عبادة الأصنام، اعتزل قومه و ما كانوات يعبدون، خرج من مكة و أتى الموصل، ثم أقبل نحو الشام يسأل عن الحنيفية، و في طريقه إلى مكة قتل بأرض لخم.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 224، 231، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 330، ابن كثير: البداية 2/ 221.

(4) عبيد اللّه بن جحش الأسدي، أسلم و هاجر إلى الحبشة مع زوجته أم حبيبة، تنصر بأرض الحبشة، و مات بها نصرانيا لإسرافه في شرب الخمر.

انظر: ابن سعد: الطبقات 8/ 96، ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 1844.

678

تنكست مقلوبا فما ذاك قلنا* * * بغاك سفيه أو نكوست بالعتب‏

فإن كان من ذنب أتينا فإننا* * * نبوء بإقرار و نلوي عن الذنب‏

و إن كنت مغلوبا نكوست صاغرا* * * فما أنت في الأوثان بالسيد الرب‏

ثم ردوا الصنم على حاله، فهتف بهم هاتف بصوت جهير و هو يقول:

ترد المولود أنارت لنوره* * *جميع فجاج الأرض بالشرق و الغرب‏

و خرت له الأوثان طرا فأرعدت* * *قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب‏

و نار جميع الفرس باخت و اظلمت* * *و قد بات شاه الفرس في أعظم الكرب‏

و صارت عن الكهان بالغيب جنها* * * فلا مخبر منهم بصدق و لا كذب‏

فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم* * *و هبوا إلى الإسلام و المنزل الرحب‏

فلما سمعو ذلك خلصوا نجيا، و خرجوا يضربون في الأرض يبتغون دين‏

679

الحنيفية- دين إبراهيم (عليه السلام)- فأما ورقة: فتنصر و قرأ الكتب، و أما عثمان بن الحويرث: فصار إلى قيصر و تنصر، و أما زيد بن عمرو: فخرج حتى بلغ الرقة من أرض الحيرة، فلقي بها راهبا، فأخبره أنه أظل زمان نبي يخرج من مكة يبعث بدين الحنيفية، فرجع يريد مكة، فعدت عليه لخم فقتلوه‏ (1).

و لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان بمكة يهودي، فحضر مجلس قريش و قال: ولد في هذه الليلة نبي بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنها عرف وثن، فوجدوا قد ولد لعبد المطلب غلاما سموه محمدا، فأخبروا اليهودي، فأتى و نظره و قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل يا معشر قريش، و اللّه ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب، و كان في القوم هشام بن المغيرة، و الوليد بن المغيرة، و عبيدة بن الحارث، و عتبة بن ربيعة فعصمه اللّه تعالى منهم‏ (2).

و سمع هاتف من الجن يهتف على جبل الحجون [و هو يقول شعرا:] (3)

فأقسم ما أثنى من الناس أنتجت* * *و لا ولدت أنثى من الناس واجده‏

كما ولدت زهرية ذات مفخر* * * مجنه لوم للقبائل ماجده‏

____________

(1) الخبر أورده ابن هشام في السيرة 1/ 222- 225، 235، و ابن عبد البر في الاستيعاب 2/ 616- 617 و لم يذكر الشعر، و ابن كثير في البداية 2/ 221- 222 و لم يذكر الشعر.

(2) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 153 عن هشام بن عروة، و ابن الجوزي في المنتظم 2/ 342.

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

680

و ارتجس إيوان كسرى، فسقطت منه أربعة عشر شرافة، و كتب له صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة (1) غاضت تلك الليلة، و كتب إليه صاحب الشام أن وادي السماوة (2) انقطع تلك الليلة/ و كتب إليه صاحب طبرية أن الماء لم يجر في بحيرة طبرية تلك الليلة، و كتب إليه صاحب فارس ان النيران خمدت تلك الليلة، و لم تخمد قبل ذلك بألف سنة، فقال الموبذان لكسرى: و أنا قد رأيت في مثل هذه ليلا إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة و انتشرت في بلادنا، فقال: أي شي‏ء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حادثة تكون من ناحية العرب، فكتب إلى النعمان بن المنذر (3): أن ابعث إليّ رجلا عالما أسأله، فوجه [إليه‏] (4) عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني، فلما قدم أخبروه، فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سطيح، فجهزوه إليه، فلما قدم عليه وجده قد احتضر، فسلم عليه، فلم يرد جوابا، فقال عبد المسيح [شعرا:] (5)

أصم أم يسمع غطريف اليمن* * *يا فاضل الخطة أعيت من و من‏

أم فاز فازلمّ به شأو العنن* * *أتاك شيخ الحي من آل سنن‏

____________

(1) ساوة: بعد الألف واو مفتوحة بعدها هاء ساكنة، مدينة حسنة بين الري و همذان.

انظر: ياقوت: معجم البلدان 3/ 179.

(2) السماوة: بفتح أوله، ماء بالبادية، و بادية السماوة هي التي بين الكوفة و الشام.

انظر: ياقوت: معجم البلدان 3/ 245.

(3) النعمان بن المنذر اللخمي، أبو قابوس، من أشهر ملوك الحيرة، نقم عليه كسرى فعزله إلى أن مات، و ذلك قبل المبعث بتسعة أشهر.

انظر: ابن حبيب: المحبر ص 360، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 332.

(4) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(5) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

681

و أمه من آل ذئب بن جحش* * *أزرق ممهى الناس صرار الأذن‏

أبيض فضفاض الرداء و البدن* * *رسول قيل العجم يسرى للوسن‏

فرفع سطيح رأسه، و أخبر عبد المسيح بما اتفق و برؤيا الموبذان، ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، و بعث من تهامة صاحب الهراوة (1)، و فاض وادي السماوة، و فاضت بحيرة ساوة، و خمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملك و ملكات بعدد الشرفات، و كل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح، و رجع عبد المسيح إلى كسرى، و أخبره بقول سطيح، فقال:

إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت أمور، فملك منهم عشرة ملوك في أربع سنين، و زال ملكهم عند يزدجرد الرابع عشر بعد إثنتى عشرة سنة (2).

و ذكر المسعودي: «أن سطيح نبيا أضاعه قومه فانظروه» و قال في تاريخه «مروج الذهب» (3): «سطيح هو: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن ابن غسان، يدرج سائر جسده كما يدرج الثوب، لا عظم فيه إلا جمجمة رأسه، و كانت إذا لمست باليد أثرت للين عظمها».

____________

(1) في الأصل «المراوة» و ما أثبتناه من (ط).

(2) خبر سقوط إيوان كسرى و ما يتعلق به أورده الطبري في تاريخه 2/ 166- 168، و الماوردي في أعلام النبوة ص 164- 166، و ابن الجوزي في المنتظم 2/ 250- 252، و البيهقي في الدلائل 1/ 126- 130، و السيوطي في الخصائص 1/ 127.

(3) ورد عند المسعودي في مروج الذهب 2/ 484، و ابن كثير في البداية 2/ 150.

682

إشارة على قصة أصحاب الفيل المتقدم ذكرها: (1)

و ذلك أن أبرهة بن الصباح، بنى بصنعاء كنيسة (2) للنصارى، ليعدل بالعرب عن حج الكعبة إليها، فدخل إلى هيكلها بعض بني كنانة من قريش‏ (3)، فأحدث فيها ليلا، فبعث إلى النجاشي يمده بالفيل و الجيش ليغزو قريشا و يهدم الكعبة، و قيل: أن تجارا من قريش نزلوا بفناء بيعة للنصارى و أوقدوا نارا، فاحترقت البيعة، فأنفذ النجاشي جيشه، و الفيل مع أبرهة بن الصباح، و أبي مكسوم، و حجر بن شراحيل، و الأسود بن مقصود (4)، و كان النجاشي هو الملك، و أبرهة صاحب جيشه على اليمن، و أبرهة هو الأشرم‏ (5)، فبرك منهم الفيل بالمغمس‏ (6)/ و مات أبو رغال بالمغمس، و هو قائد الفيل‏ (7).

____________

(1) تقدم ذلك في الفصل الخامس من الباب الرابع.

(2) بنى أبرهة كنيسة في صنعاء لم ير مثلها، و سماها القليس لارتفاع بنائها، و لم تزل قائمة إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس، فبعث جماعة من أهل العزم و العلم فنقضوها.

انظر: الأزرقي: أخبار مكة 1/ 137، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 130، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 121، ابن كثير: البداية 2/ 158.

(3) أحد بني فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 43، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 130، ابن الجوزي: المنتظم 2/ 122.

(4) كان أبو مكسوم وزيرا للنجاشي، أما حجر بن شراحيل و الأسود بن مقصود فكانا من قواد النجاشي.

انظر: الماوردي: أعلام النبوة ص 190.

(5) سمي أبرهة الأشرم، ذلك أن أرياط ضرب أبرهة بالحربة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه و عينه و أنفه و شفتيه، فبذلك سمي أبرهة الأشرم.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 42، الأزرقي: أخبار مكة 1/ 137، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 129.

(6) المغمس: بالضم ثم الفتح و تشديد الميم و فتحها، موضع قرب مكة في طريق الطائف.

انظر: ياقوت: معجم البلدان 5/ 161.

(7) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 190.

683

قيل: كانت الفيلة إثنى عشر، و قيل: ثمانية، و أقبل عليهم الطير من ناحية البحر (1) يوم الإثنين، فألقت على القوم حجارة فأهلكتهم، و رجع أبرهة إلى اليمن إلى أن دخل صنعاء، و سقط عليه حجر فمات‏ (2).

ثم أخذ بنوا عبد المطلب أموالهم، فكانت أول أموال عبد المطلب‏ (3).

قال اللّه تعالى: تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ‏ (4) قال ابن قتيبة:

معناه بالفارسية: حجارة من طين‏ (5). و قال ابن عباس: سجيل آجر، و سجين جبس، و كان على كل حجر اسم صاحبه، و كانت على قدر العدس، و قيل:

على قدر رأس الرجل‏ (6).

ثم إن النجاشي آمن بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و اسمه أصحمه بن أبحر و معناه عطية (7).

____________

(1) أرسل اللّه تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره و حجران في رجليه مثل الحمص و العدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، و ما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، و لا يقع على شي‏ء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 53، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 136، الماوردي: أعلام النبوة ص 192، ابن كثير: البداية 2/ 160.

(2) أصيب أبرهة في جسده، و خرجوا به معهم تسقط أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مدة تمث قيحا و دما، حتى قدموا به صنعاء، و هو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه.

انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 54، الطبري: تاريخ الرسل 2/ 136، الماوردي: أعلام النبوة ص 192.

(3) كذا عند الماوردي في أعلام النبوة ص 192.

(4) سورة الفيل آية (4).

(5) قول ابن قتيبة ورد عند الجواليقي في المعرب ص 229.

(6) انظر: القرطبي: الجامع 20/ 196، 198، ابن كثير: البداية 2/ 162، السيوطي: الدر المنثور 8/ 631.

(7) أصحمة: بفتح الهمزة و سكون الصاد المهملة و فتح الحاء و الميم بوزن أربعة. و معناه بالعربية العطية. كان عبدا صالحا لبيبا، هاجر المسلمون إليه، و أسلم حين أرسل له الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)-

684

و النجاشي لقب كمثل تبع لملك اليمن‏ (1)، و الحنشو لملك الهياطلة، و الأفشين لملك أشروسنة، و الأخشيد لملك مصر، و خاقان للترك، و كسرى لفارس‏ (2)، و قيصر للروم معناه: الكبير و اسمه هرقل‏ (3)، و فرعون للقبط (4)، و الفنس للنصارى، و الفرنسيس للإفرنج، و قيل: النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، و كسرى اسم لكل من ملك فارس، و بطليموس اسم لكل من ملك اليونان، و قيطوراء اسم لكل من ملك اليهود، و الجالوت اسم لكل من ملك البربر.

و النجاشي: بفتح النون، و قال الأخفش: بكسرها (5)، مات بالحبشة 6، و خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إلى البقيع و صلى عليه صلاة الغائب في الساعة

____________

- كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، و له الأفعال الحميدة و الإعانة للمسلمين.

انظر: ابن سعد: الطبقات 1/ 258، الطبري: تاريخ الرسل 3/ 122، ابن الجوزي: المنتظم 3/ 375، ابن حديدة: المصباح المضي 2/ 18، 34- 35، السيوطي: رفع شأن ص 219، 228، 234.

(1) النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، و التتابعة بأرض اليمن واحدهم تبع، و كانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر و حضرموت تبعا.

انظر: ابن حديدة: المصباح المضي 2/ 230، القلقشندي: صبح الأعشى 5/ 480، السيوطي:

رفع شأن ص 222.

(2) كانت العرب تسمي من ملك الفرس كسرى، و كان يدعى بشاشاه.

انظر: الجواليقي: المعرب ص 271، ابن كثير: البداية 2/ 147، ابن حديدة: المصباح المضي 2/ 17.

(3) كانت العرب تسمى من ملك الشام مع الجزيرة قيصرا، و اسم قيصر مشتق في لغتهم من القطع لأن أحشاء أمه قطعت.

انظر: الجواليقي: المعرب ص 271، القلقشندي: صبح الأعشى 5/ 482.

(4) كانت العرب تسمي من ملك مصر فرعونا. انظر: الجواليقي: المعرب ص 294.

(5) انظر: ابن حديدة: المصباح المضي 2/ 18، ابن منظور: اللسان مادة «نجش».

685

التي توفي فيها (1).

سؤال: إن قيل: كيف منع أصحاب الفيل من الكعبة قبل مصيرها قبلة و منسكا، و لم يمنع الحجاج من هدمها (2)، و قد صارت قبلة و منسكا حتى أحرقها و نصب المنجنيق عليها؟

فالجواب: إن فعل الحجاج كان بعد إستقرار الدين، فاستغنى عن آيات تأسيسه، و أصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع آية لتأسيس النبوة و مجي‏ء الرسالة، على أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قد أنذر بهدمها (3)، فصار الهدم آية بعدما كان المنع آية (4)

____________

(1) توفى النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة.

انظر: خليفة: تاريخ خليفة 1/ 57، الطبري: تاريخ الرسل 3/ 122، ابن الجوزي: المنتظم 3/ 375، السيوطي: رفع شأن ص 234.

أخرجه مالك في الموطأ 1/ 226 عن أبي هريرة، و البخاري في صحيحه كتاب الجنائز بال الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه عن أبي هريرة برقم (1245) 2/ 90، و مسلم في صحيحه كتاب الجنائز باب التكبيرة على الجنازة برقم (62) 2/ 656، و الترمذي في سننه عن عمران برقم (1039) 3/ 357.

(2) كان أهل الحجاز بايعوا عبد اللّه بن الزبير بالخلافة سنة 64 ه، و لما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة أرسل قائده الحجاج إلى الحجاز لضرب ابن الزبير في ذي القعدة سنة 72 ه، و ما زال الحجاج يحصره حتى هدموا الكعبة.

انظر: الطبري: تاريخ الرسل 6/ 187- 192، ابن الجوزي: المنتظم 6/ 23، 124- 127.

(3) فقد أنذر الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) بهدمها في آخر الزمان، و روى الحديث بطرق متعددة، فأخرجه أحمد في المسند 2/ 220 عن ابن عمرو، و البخاري في صحيحه كتاب الحج باب قول اللّه تعالى‏ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ عن أبي هريرة برقم (1591) 2/ 193، و مسلم في صحيحه كتاب الفتن عن أبي هريرة برقم (57) 2/ 2232، و الحاكم في المستدرك 4/ 453 عن أبي هريرة.

(4) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 193.

قلت: قول المؤلف: «إن فعل الحجاج كان بعد استقرار الدين، فاستغنى عن آيات تأسيسه، و أصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع آية لتأسيس النبوة» هو الجواب الذي اكتفى به المحققون في تعليل منع اللّه بيته و حمايته من كيد أعدائه قبيل نبوة رسول اللّه ليكون ذلك إرهاصا يؤذن ببعثته و يمهد للتصديق برسالته (صلى اللّه عليه و سلم).-

686

المنجنيق‏ (1): أول من استخرجه إبليس كما استخرج المنشار حين قتل زكريا (عليه السلام).

و قد عاصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، في زمان نبوته و بعد هجرته جماعة شاهدوا الفيل منهم: حكيم بن حزام‏ (2)، و حويطب بن عبد العزى‏ (3)، و نوفل بن معاوية (4)، لأن كل واحد من هؤلاء عاش مائة و عشرين سنة، منها ستين في الجاهلية، و ستين في الإسلام‏ (5)، فأما حكيم بن حزام فإنه ولد في جوف الكعبة 6.

____________

- أما قول المؤلف «فصار الهدم آية بعد ما كان المنع آية»: فهو غير مطرد، باعتبار أن إعلام النبي بهدم الكعبة في قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «كأني أنظر إلى ذي السويقتين من الحبشة يهدم الكعبة و ينقضها حجرا حجرا ...» فهذا صريح في كون إعلام النبي بهدم الكعبة إعلام ببعض فتن آخر الزمان.

و على هذا فالنبي لم يخبر بهدم الحجاج للكعبة، و الحجاج تابعي معظم للكعبة و لم يقم بهدم الكعبة و لم يقصد ذلك، و إنما رمى ابن الزبير بالمنجنيق، فنتج عن ذلك تصدع الكعبة، فلما ظفر بابن الزبير نقض الكعبة في إجلال و تعظيم و أعاد بنائها كما كانت في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

(1) المنجنيق: بفتح الميم و كسرها، آلة ترمى بها الحجارة.

انظر: الجواليقي: المعرب ص 354.

(2) حكيم بن حزام بن خويلد، أبو خالد القرشي الأسدي، هو ابن أخي خديجة رضي اللّه عنها، و هو من مسلمة الفتح، توفي بالمدينة سنة 54 ه و هو ابن مائة و عشرين سنة.

انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 362.

(3) حويطب بن عبد العزي القرشي العامري، كان من مسلمة الفتح، مات في خلافة معاوية و هو ابن مائة و عشرين سنة.

انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 399.

(4) نوفل بن معاوية الديلي، أول مشاهده مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فتح مكة، توفى بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية.

انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 1513.

(5) ذلك أن أمه دخلت الكعبة مع نسوة من قريش و هي حامل فضربها المخاض، فأتيت بنطع فولدت حكيم بن حزام عليه.

انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 1/ 362.

687

الفصل الرابع في ذكر أسماء النبي الأسنى (صلى اللّه عليه و سلم)، و ما خصه الله به من أسمائه الحسنى‏

اعلم أن أسماءه- عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام و أكمله و أتمه- حازت أوائلها حروف المعجم ما خلا اللام، و منها معرب و معجم.

عن محمد بن جبير بن مطعم‏ (1)/ عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«لي خمسة أسماء: أنا محمد، و أنا أحمد، و أنا الماحي الذي يمحو اللّه بي الكفر، و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب» (2).

و قد سمى اللّه تعالى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين فحق له أن يسمى محمدا و أحمدا (3).

و خص لفظة أحمد فيما بشره عيسى (عليه السلام)، تنبيها على أنه أحمد منه و من الذين كانوا [من‏] (4) قبله قال اللّه تعالى: وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (5).

____________

(1) محمد بن جبير بن مطعم بن عدي القرشي إمام و فقيه، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.

انظر: ابن سعد: الطبقات 5/ 205، ابن حجر: التهذيب 9/ 91.

(2) حديث محمد بن جبير: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب ما جاء في أسماء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) برقم (3532) 4/ 196، و مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب في أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) برقم (125) 2/ 1828، و مالك في الموطأ 2/ 1004، و الترمذي في سننه 5/ 124 كتاب الأدب باب أسماء النبي.

(3) كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 145.

(4) سقط من الأصل و الاضافة من. ط).

(5) سورة الصف آية (6). و ما قبل الآية كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 145.

688

و حمي سبحانه أن يتسمى أحد قبل زمانه بأحمد أو محمد، فأما أحمد قطعا، و أما محمد فلم يسم به أحد من العرب و لا غيرهم إلا بعد أن شاع قبيل وجوده (صلى اللّه عليه و سلم)، أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمي قوم قليل من العرب أبنائهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم و هم: محمد بن أجيحة بن الجلاح الأوسي، و محمد بن مسلمة الأنصاري، و محمد بن براء البكري، و محمد بن سفيان بن مجاشع- و هو أول من تسمى محمدا- و محمد بن حمران الجعفي، و محمد بن خزاعي السلمي، و محمد بن سعادة، و قيل: أول من تسمى محمدا: محمد بن اليحمد من الأزد (1).

و قد سماه اللّه تعالى أحمد في كتاب شعيا بن أموص، من أنبياء بني إسرائيل، فقال في الفصل السادس عشر منه: «لتفرح لك البادية العطشى و لتبتهج البراري و الفلوات و لتسر و تزهو مثل الوعل فإنها ستعطي بأحمد على كتفه محاسن لبنان، و يكمل أحسن الدساكر و الرياض و سترون جلال اللّه تعالى بها الأنبياء». قال شعيا: «و سلطانه على كتفه» يريد علامة نبوته، و هذه صفة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و يأويه الحجاز (2).

و كذلك أتى اسمه في التوراة فقال: «أسدده لكل جميل و أهب له كل خلق كريم، و أجعل السكينة لباسه، و البر شعاره، و التقوى ضميره، و الحكمة مقولة، و الصدق و الوفاء طبيعته، و العفو و المعروف خلقه، و العدل سيرته، و الحق شريعته، و الهدى أمامه، و الإسلام ملته، و أحمد اسمه أهدى به بعد الضلالة، و أعلم به بعد الجهالة، و أرفع به بعد الخمالة، و أسمى به بعد النكرة،

____________

(1) كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 145، و ابن كثير في البداية 2/ 241 نقلا عن القاضي عياض.

(2) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 129 ما جاء في كتاب شعيا من البشارة بنبوة محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

689

و أكثر به بعد القلة، و أغنى به بعد العيلة، و أجمع به بعد الفرقة، و أولف به بين قلوب مختلفة و أهواء مشتتة و أمم متفرقة، و أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. و اسمه في الإنجيل أحمد و في التوراة حامد» (1).

قال أهل التاريخ: و أول من تسمى بعد النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أحمد: أحمد أبي الخليل‏ (2)، و أول من تسمى بعده محمدا: محمد بن حاطب الجمحي تسمى بذلك في حياته (صلى اللّه عليه و سلم)، و توفى بمكة سنة أربع و سبعين‏ (3).

قوله عليه الصلاة و السلام: «و أنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر»:

يعني محو الكفر مما/ زوى له من الأرض و وعد أنه يبلغه ملك أمته، و قيل:

يمحو عاما بمعنى الظهور و الغلبة و اسمه (صلى اللّه عليه و سلم) في التوراة الماحي‏ (4).

قوله: «و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي و على عقبي»: أي على زماني ليس بعدي نبي‏ (5).

و سمي عاقبا: لأنه عقب غيره من الأنبياء و معناه: آخر الأنبياء (6).

و قوله (عليه السلام): «لي خمسة أسماء»: قيل إنها موجودة في الكتب المتقدمة (7).

____________

(1) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 128- 129 بشارة موسى (عليه السلام) في التوراة بالنبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

(2) انظر: القفطي: انباه الرواة 1/ 344، ابن الجوزي: المنتظم 6/ 39.

(3) انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب 3/ 368، ابن الجوزي: المنتظم 6/ 146.

(4) انظر: الطبري: تاريخ الرسل 3/ 178، عياض: الشفا 1/ 146.

(5) انظر: عياض: الشفا 1/ 146.

(6) انظر: الطبري: تاريخ الرسل 3/ 178، عياض: الشفا 1/ 146.

(7) كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 146.

690

و روي عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «لي عشرة أسماء، ذكر منها: طه، و يس». حكاه السلمي، عن الواسطي و جعفر بن محمد (1). و ذكر غيره: «لي عشرة أسماء- فذكر الخمسة المتقدمة- قال: و أنا رسول الرحمة، و رسول الراحة، و رسول الملاحم، و أنا المقفي قفوت النبيين، و أنا قيم» (2). و القيم: الجامع الكامل.

قال القاضي عياض‏ (3): «كذا وجدته و لم أروه، و أرى أن صوابه:

قثم بالمثلثة كما ذكرناه عن الحربي و هو أشبه بالتفسير، و قد وقع في كتب الأنبياء، قال داود (عليه السلام): اللهم ابعث لنا محمدا مقيم السنة بعد الفترة، فقد يكون القيم بمعناه، و روى النقاش عنه (صلى اللّه عليه و سلم): لي في القرآن سبعة أسماء: محمد، و أحمد، و يس، و طه، و المدثر، و المزمل، و عبد اللّه».

و في حديث [عن‏] (4) جبير بن مطعم: هي ستة: «محمد، و أحمد، و خاتم، و حاشر، و عاقب، و ماح» (5).

و عن أبي موسى الأشعري: أنه كان (عليه السلام) يسمي لنا نفسه أسماء فيقول: «أنا محمد، و أحمد، و المقفّي، و الحاشر، و نبي التوبة، و نبي الملحمة، و في رواية: «و نبي الملاحم»، و يروى [ «المرحمة] (6) و الراحة»

____________

(1) حديث جعفر بن محمد: أخرجه عياض في الشفا 1/ 146.

(2) رواية «لي عشرة أسماء» ذكرها ابن سعد في الطبقات 1/ 104، و أحمد في المسند 4/ 81، 84، 395، 5/ 405، و البيهقي في الدلائل 1/ 125، 157 4/ 338، و عياض في الشفا 1/ 146.

(3) ورد عند القاضي عياض في الشفا 1/ 146.

(4) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(5) حديث جبير بن مطعم: أخرجه ابن سعد في الطبقات 1/ 105، و عياض في الشفا 1/ 147.

(6) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

691

[و كل صحيح‏ (1).

قال القاضي عياض‏ (2): «معنى المقفي، معناه: العاقب، و أما نبي الرحمة، و التوبة، و المرحمة، و الراحة] (3) فقال تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏ (4) و قال: وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (5) و أما رواية: نبي الملحمة فإشارة إلى ما بعث به (عليه السلام) من القتال و السيف، و الملاحم من الحرب أيضا، و في رواية الحربي أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: أتاني الملك فقال:

أنت قثم و القثوم الجامع للخير، و قيل: اسمه هو في بيت آله (صلى اللّه عليه و سلم) معلوم، و قيل: القثم كثير العطاء».

و قد سماه اللّه تعالى في اية واحدة سبعة أسماء، فقال تعالى:

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً (6) يعني: شاهدا على أمتك و على جميع الأمم، و مبشرا لمن آمن بك، و نذيرا لمن كفر بك، و داعيا إلى طاعة اللّه و سراجا منيرا نورا و ضياء لمن آمن بك‏ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (7) و هي الجنة (8).

____________

(1) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب في أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) برقم (126) 4/ 1828، و ابن سعد في طبقاته 1/ 104، و الطبري في تاريخه 3/ 178، و عياض في الشفا 1/ 147، و ابن الجوزي في الوفا 1/ 103.

(2) ورد عند القاضي عياض في الشفا 1/ 147، و ابن الجوزي في تلقيح فهوم ص 9.

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(4) سورة الأنبياء آية (107).

(5) سورة البلد آية (17).

(6) سورة الأحزاب آية (45- 46).

(7) سورة الأحزاب آية (47).

(8) انظر: البيهقي: الدلائل 1/ 160، و القرطبي: الجامع 14/ 199- 200، السيوطي: الدر المنثور 6/ 625.

692

قيل: إن اللّه تعالى ذكر نبيه (صلى اللّه عليه و سلم)، في القرآن في ألف موضع- رواه ابن جملة- منها: المزمل، و المدثر، و أحمد، و أبطحى، و امام، و أول، و آخر، و أمين، و أمي، و المذكر، و أذن، و بار، و بيان، و برهان، و باطن، و بشير، و الرسول، و نبي، و شاهد، و مبشر، و نذير، و سراج، و منير، و رؤف، و رحيم، و محمد، و حامد، و محمود، و قاسم، و عاقب، و حاشر، و هادي، و مهتدي، و طس، و حم، و صفي، و مصطفى، و مرتضى، و مجتبى، و ناصر، و قائم، و حافظ،/ و شهيد، و عادل، و حكيم، و حجة، و مؤمن، و عليم، و مطيع، و واعظ، و صادق، و قرشي، و هاشمي، و مكي، و مدني، و عزيز، و حريص، و يتيم، و عائل، و غني، و جواد، و عالم، و فتاح، و طاهر، و مطهر، و خطيب، و فصيح، و متقي، و سابق، و مقتضى، و مهلل، و شفيع، و مشفع، و طيب، و مطيب، و طاهر، و حليم، و شكور، و رقيب، و مبين، و ولي، و حرمي، و زكي، و مهدي، و كليم، و تام، و حافظ، و مذكور، و ناطق، و مصدوق، و رشيد، و مرشد، و مصدق، و سلام، و منذر، و عبد، و كريم، و محلل، و محرم، و واضع، و رافع، و مجيد، و ثاني اثنين، و منصور، و خير، و نقيب، و علي، و مهاجر، و عامل، و مبارك، و رحمة، و ناهي، و متوسط، و شفاء، و فصيح، و شافع، و تقي، و قريب، و منيب، و فاتح، و عظيم‏ (1).

____________

(1) راجع ما ورد منها عند القاضي عياض في الشفا 1/ 148.

قلت: الذي ثبت من أسماء الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) ما ورد في صحيح البخاري و مسلم و موطأ مالك قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «لي خمسة أسماء: أنا محمد و أنا أحمد و أنا الماحي ... و أنا الحاشر ... و أنا العاقب».

انظر: صحيح البخاري كتاب المناقب باب ما جاء في أسماء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) برقم (3532) 4/ 196، و صحيح مسلم كتاب الفضائل باب في أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) برقم (125) 2/ 1828، و موطأ مالك 2/ 1004.

693

و من ألقابه (صلى اللّه عليه و سلم)، و سماته في القرآن عدة كثيرة حسبما ذكرنا.

و قال أبو بكر ابن العربي: و من أسمائه عليه الصلاة و السلام: قائد الغر المحجلين، و حبيب اللّه، و خليل الرحمن، و صاحب الحوض المورود، و الشفاعة، و المقام المحمود، و صاحب الوسيلة، و الفضيلة، و الدرجة الرفيعة، و الرأفة، و الرحمة، و صاحب التاج، و المعراج، و اللواء، و القضيب، و راكب البراق، و الناقة، و النجيب، و صاحب الحجة، و السلطان، و الخاتم، و البرهان، و صاحب الهراوة، و النعلين، و روح الحق، و قدم الصدق، و رحمة للعالمين، و نعمة اللّه، و العروة الوثقى، و الصراط المستقيم، و النجم الثاقب، و داعي اللّه، و أبي القاسم، و رسول رب العالمين، و المصلح، و المهيمن، و سيد ولد آدم، و سيد المرسلين، و إمام المتقين، و الحق المبين، و خاتم النبيين، و الرؤف الرحيم، و النبي الأمي‏ (1).

و معنى صاحب القضيب: أي صاحب السيف، وقع مفسرا في الإنجيل قال: معه قضيب من حديد يقاتل به و أمته كذلك، و يحتمل أنه القضيب الممشوق، و قيل: العصا المذكورة في حديث الحوض‏ (2): «أزود الناس عنه بعصاي».

قاله: القاضي عياض‏ (3).

و الهراوة: هي في اللغة العصا، و التاج: العمامة و لم تكن حينئذ إلا للعرب‏ (4)، و نهى (صلى اللّه عليه و سلم) عن الإقتعاط و أمر بالتلحي. و الإقتعاط: أن يدير العمامة

____________

(1) كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 148.

(2) حديث الحوض: أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب اثبات حوض نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) عن ثوبان برقم (37) 1799، و راجع أحاديث الحوض عند ابن الجوزي في الوفا 2/ 816، و ابن كثير في النهاية 2/ 30- 67، و الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 363- 370.

(3) ورد عند القاضي عياض في الشفا 1/ 149.

(4) كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 149 و أضاف «و العمائم تيجان العرب».

694

و يترك التحنك‏ (1)، و صاحب الحجة و السلطان، و خاتم النبوة و سلطانه على كتفه‏ (2).

و من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) في الكتب الإلهية: المتوكل، و المختار، و مقيم السنة، و المقدّس، و روح الحق و معناه: البارقليط في الإنجيل. حكاه عياض‏ (3).

و قال ثعلب‏ (4): البارقليط الذي يفرق بين الحق و الباطل، و المتوكل هو اسمه (صلى اللّه عليه و سلم) في التوراة (5).

عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد اللّه بن عمرو بن العاص‏ (6)، قلت:

أخبرني عن صفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «أجل، إنه و اللّه الموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (7) و حرزا للأميين، أنت عبدي و رسولي سميتك: المتوكل لست بفظ، و لا سخاب في الأسواق، و لا يدفع السيئة بالسيئة، و لكن يعفو

____________

(1) الإقتعاط هو أن يعتم بالعمامة و لا يجعل منها شيئا تحت ذقنه، و يقال للعمامة: المقعطة و هي ما تعصب به رأسك.

انظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث 4/ 88.

(2) انظر: عياض: الشفا 1/ 149، و معني سلطانه على كتفه كما ذكر الماوردي في أعلام النبوة ص 130: «يريد علامة نبوته على كتفه».

(3) ورد عند القاضي عياض في الشفا 1/ 148.

(4) أحمد بن يحيى، أبو العباس ثعلب، امام الكوفيين في النحو و اللغة ت 291 ه.

انظر: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 5/ 204، القفطي: انباه الرواة 1/ 138، ابن الجوزي:

المنتظم 13/ 24، ياقوت: معجم الأدباء 5/ 102.

(5) قول ثعلب ورد عند عياض في الشفا 1/ 148.

(6) عبد اللّه بن عمرو بن العاص، أبو محمد السهمي، كان محدثا ثقة، ت 65 ه.

انظر: ابن سعد: الطبقات 4/ 261، ابن عبد البر: الاستيعاب 3/ 956.

(7) سورة الأحزاب آية (45- 46).

695

و يغفر، و لن يقبضه اللّه حتى يقيم به الملة العوجاء/ بأن يقول:

لا إله إلا اللّه، و يفتح بها أعينا عميا، و آذانا صما، و قلوبا غلفا. رواه البخاري» (1).

و روى الدارمي مثله في مسنده عن ابن سلام، و روي عن كعب أيضا مثله‏ (2).

و في الزبور: اسمه فلاح، و تفسيره يمحو اللّه به الباطل، و هو عبادة الأوثان.

و في التوراة: طاب طاب، و معناه: طيب طيب، و قيل: معناه إنه ما ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين قوم إلا طاب ذكره بينهم.

و من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) في الإنجيل: حبيطا، و تفسيره: يفرق اللّه به الحق من الباطل، و من أسمائه (عليه السلام) في الكتب السالفة: ماذ ماذ، و معناه:

طيب طيب، و قيل: هي في صحف إبراهيم (عليه السلام): موذ موذ. حكاه عياض‏ (3).

و في كتب الروم: التلقيط، و المنحمنا، و البرقليطس، و روح القسط (4).

قال القاضي عياض‏ (5): «و يسمى بالسريانية مشفح و المنحمنا،

____________

(1) حديث عبد اللّه بن عمرو: أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا برقم (4838) 6/ 52، و ابن سعد في الطبقات 1/ 362، و البيهقي في الدلائل 1/ 274، و عياض في الشفا 1/ 15.

(2) أخرجه الدارمي في سننه 1/ 5 عن عبد اللّه بن سلام باب صفة النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و ابن سعد في الطبقات 1/ 360، و عياض في الشفا 1/ 15، و البيهقي في الدلائل 1/ 377.

(3) ورد عند عياض في الشفا 1/ 148.

(4) انظر: ابن هشام: السيرة 1/ 233 و أضاف: «و المنحمنا بالسريانية محمد، و هو بالرومية البرقليطس (صلى اللّه عليه و سلم)» و يذكر الماوردي في أعلام النبوة ص 132 أن محمدا بالسريانية موشيحا.

(5) ورد عند عياض في الشفا 1/ 148.

696

و أسمه (صلى اللّه عليه و سلم) في التوراة أحيد، روى ذلك عن ابن سيرين، و قيل: أخيذ- بالذال المعجمة، و معناه: أنه سيأخذ أمته عن النار، و روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في التوراة: أخير، و معناه آخر الأنبياء، و من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) في الكتب السالفة:

حمطايا، و قيل: حمطانا- بالنون- و الخاتم و الحاتم- حكاه كعب الأحبار- قال ثعلب: فالخاتم الذي ختم الأنبياء، و الحاتم- بالحاء المهملة- أحسن الأنبياء خلقا و خلقا».

و في مزمور: أن اللّه أظهر من صيفون نبيا من مكة، اكليلا محمودا، فسماه: الإكليل المحمود (1).

و في بعض الصحف المنزلة: أسمه أجير، يعني أنه يجير أمته من النار.

و اسمه (صلى اللّه عليه و سلم) بالسريانية: سرحنطليس، و هو البرقليطس. و في صحف إبراهيم (عليه السلام): طاب طاب، يعني طيبا طيبا، و اسمه (صلى اللّه عليه و سلم) في التوراة:

موصل، أي مرحوما، و في الزبور: فارق، يعني فرق بين الحق و الباطل، و في الإنجيل: محمود، و في صحف شيث (عليه السلام): أخو ماخ ماخ، يعني صحيح الإسلام، و قال المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام): سيأتيكم روحا بارقليطا، يعني محمد (صلى اللّه عليه و سلم)(2).

و ذكر النيسابوري و غيره أسماء له (صلى اللّه عليه و سلم) منها: الغيث.

____________

(1) مزمور: أي مزامير داود (عليه السلام)، فقد أورد الماوردي في أعلام النبوة ص 136 من بشائر داود في الزبور للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و أن اللّه أظهر من صيفون اكليلا محمودا و صيفون: العرب، و الاكليل:

النبوة، و محمود هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم).

و انظر: ابن الجوزي: الوفا 1/ 66.

(2) انظر: الماوردي: أعلام النبوة ص 132، 137- 138.

697

و عن علي رضي اللّه عنه، ذكر له أسماء منها: مأمون، و سمي (صلى اللّه عليه و سلم) في الكتب السالفة أيضا: ماذ، و حمياط و برقليط (1). حكاه صاحب الدر المنظم.

و من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم): جاعل السنة، قال داود في الزبور: اللهم ابعث جاعل السنة، حتى يعلم أنه بشر. أي: ابعث نبيا يعلم الناس أن المسيح بشر. يعلم داود (عليه السلام) أن قوما سيدعون في المسيح ما ادعوه، [و هذا هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم)(2).

و في الإنجيل: قال المسيح (عليه السلام) للحواريين: إني ذاهب و سيأتيكم البارقليط] (3) روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إلا كما يقال له و هو يشهد عليّ و أنتم تشهدون/ لأنكم معي من قبل الناس فكل شي‏ء أعده اللّه يخبركم به‏ (4).

و في نقل آخر: أن البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب: فإذا جاء و بخ العالم على الخطيئة، و لا يقول من تلقاء نفسه شيئا، و لكنه مما يستمع به يكلمكم و يسوسكم بالحق و يخبركم بالحوادث و الغيوب‏ (5).

[و في نقل آخر عنه: إن البارقليط روح الحق الذي يرسله ربي باسمي و يعلمكم كل شي‏ء و إني سائل أن يبعث إليكم بارقليطا آخر يكون معكم إلى‏

____________

(1) يذكر الجواليقي في المعرب ص 170: أن حمياط اسم للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و معناه: حامي الحرم. و أورد الماوردي في أعلام النبوة ص 137 من بشائر المسيح (عليه السلام) في الانجيل للنبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أن البارقليط روح الحق، و هو في لغتهم لفظ من الحمد أي محمود.

(2) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 137، ابن الجوزي: الوفا 1/ 66.

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(4) كذا عند الماوردي في أعلام النبوة ص 137، ابن الجوزي: الوفا 1/ 67.

(5) كذا عند الماوردي في أعلام النبوة ص 137، ابن الجوزي: الوفا 1/ 67.

698

الأبد و هو يعلمكم كل شي‏ء و هو يشهد لي‏ (1)] (2).

و في نقل آخر عنه: إن البشير ذاهب و البارقليط بعده يجي‏ء لكم بالأسرار و يقيم لكم كل شي‏ء و هو يشهد لي كما شهدت له فإني لأجيئكم بالأمثال و هو يأتيكم بالتأويل. و البارقليط: بلغتهم لفظ من الحمد [و قد قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم):] (3) أنا أحمد و أنا محمود و أنا محمد (4).

و سماه اللّه تعالى: «صدقا، فقال: وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ‏ (5)، و سماه: رسولا كريما، فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ (6)، و سماه:

نورا، فقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ‏ (7)، و سماه تعالى:

نعمة، فقال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (8)، و سماه تعالى:

عبد اللّه، فقال: وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ‏ (9)، و هو الصراط المستقيم»- حكاه أبو الحسن الماوردي‏ (10).

عن أبي العالية و الحسن البصري، و حكى مكي عنهما نحوه و قال: «هو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و صاحباه أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما»، و حكى السمرقندي مثله عن أبي العالية في قوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‏ (11).

____________

(1) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 137، ابن الجوزي: الوفا 1/ 67.

(2) سقط من الأصل و الاضافة من (ط) و أعلام النبوة.

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط) و أعلام النبوة.

(4) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 137، و ابن الجوزي في الوفا 1/ 167.

(5) سورة الزمر آية (32).

(6) سورة الحاقة آية (40).

(7) سورة المائدة آية (15).

(8) سورة النحل آية (83).

(9) سورة الجن آية (19).

(10) ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 137- 138، و عياض في الشفا 1/ 14.

(11) سورة الفاتحة آية (7).

و رواية أبي العالية و الحسن البصري ذكرها القاضي عياض في الشفا 1/ 13.

699

و حكى أبو عبد الرحمن السلمي في قوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ (1)، أنه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و قيل: الإسلام، و قيل: التوحيد (2).

و قال سهل في قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (3) قال: نعمة اللّه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو قدم صدق، قاله: قتادة، و الحسن، و زيد بن أسلم في قوله تعالى: وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ‏ (4).

و اختلف في معنى‏ يس‏ (5)، فقيل: اسم للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و حكى أبو عبد الرحمن السلمي، عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه: أنه أراد يا سيد مخاطبة لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم)(6).

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، معناه: «يا إنسان أراد محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: و هو قسم، و هو من أسماء اللّه عز و جل» (7).

و قال الزجاج: «قيل: معناه يا محمد، و قيل: يا رجل» (8).

____________

(1) سورة البقرة آية (256). سورة لقمان آية (22).

(2) رواية أبي عبد الرحمن السلمي ذكرها عياض في الشفا 1/ 14، و القرطبي في الجامع 3/ 282.

(3) سورة النحل آية (18).

(4) سورة يونس آية (2).

و رواية سهل و قتادة و الحسن و زيد بن أسلم ذكرها عياض في الشفا 1/ 14، 16، و القرطبي في الجامع 8/ 306.

(5) سورة يس آية (1).

(6) كذا ورد عند عياض في الشفا 1/ 20، 146 الإختلاف في معنى يس، و القرطبي في الجامع 15/ 5.

(7) رواية ابن عباس ذكرها عياض في الشفا 1/ 20، و القرطبي في الجامع 15/ 5.

(8) قول الزجاج ذكره عياض في الشفا 1/ 20، و القرطبي في الجامع 15/ 5.

700

و عن ابن الحنفية قال: يس: يا محمد (1)، و قال بن عباس رضي اللّه عنهما يس: يا إنسان بلغة طي‏ء، و قال ابن عطاء: بالسريانية (2).

و من قرأ سورة يس حين يصبح لم يزل في فرح إلى أن يمسي. حكاه يحيى بن أبي كثير (3).

و قال سهل بن عبد اللّه في قوله تعالى: الم‏ (4) أن الألف اللّه تعالى، و اللام جبريل، و الميم محمد (صلوات اللّه عليه)، و حكاه السمرقندي و لم ينسبه إلى سهل‏ (5).

و قال ابن عطاء في قوله‏ ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (6) قال: «أقسم بقوة قلب حبيبه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، حيث حمل الخطاب [و لم تؤثر فيه المشاهدة لعلو حاله، فهو (عليه السلام) صاحب تمكين، و موسى (عليه السلام) صاحب تكوين إذ أثر فيه»] (7)، و قيل: إنه اسم اللّه تعالى، و قيل: جبل‏ (8).

و قال جعفر/ الصادق رضي اللّه عنه في قوله تعالى: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ (9) إنه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)(10).

____________

(1) رواية ابن الحنفية ذكرها عياض في الشفا 1/ 20، و القرطبي في الجامع 15/ 5.

(2) انظر: القرطبي: الجامع 15/ 4.

(3) ذكره القرطبي في الجامع 15/ 2 و عزاه ليحيى بن أبي كثير.

(4) سورة البقرة آية (1).

(5) رواية سهل بن عبد اللّه: ذكرها عياض في الشفا 1/ 21، و القرطبي في الجامع 1/ 155 عن ابن عباس.

(6) سورة ق آية (1).

(7) سقط من الأصل و الاضافة من (ط) و الشفا 1/ 21.

(8) رواية ابن عطاء ذكرها عياض في الشفا 1/ 21، و القرطبي في الجامع 17/ 2- 3.

(9) سورة النجم آية (1).

(10) رواية جعفر الصادق: ذكرها عياض في الشفا 1/ 21، و اقرطبي في الجامع 17/ 83.

701

و قال ابن عطاء في قوله تعالى: وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ (1) الفجر:

محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، لأن منه تفجر الإيمان، و قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ (2) قيل الرسول الكريم هنا: محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و قيل: جبريل‏ (3)، و قوله تعالى: طه‏ (4) قيل: هو اسم من أسمائه عليه الصلاة و السلام، و قيل: اسم اللّه تعالى، و قيل: معناه يا رجل. قاله: مجاهد و الحسن، و قيل: يا إنسان، و قال الواسطي أراد يا طاهر يا هادي‏ (5).

و سماه اللّه تعالى رجلا، و الرجل في القرآن على أربعة عشر وجها (6):

الأول: محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أَنْ أَوْحَيْنا إِلى‏ رَجُلٍ مِنْهُمْ‏ (7).

الثاني و الثالث: يوشع بن نون، و كالب بن يوقنا قالَ رَجُلانِ‏ (8).

الرابع: نوح (عليه السلام) في الأعراف‏ عَلى‏ رَجُلٍ مِنْكُمْ‏ (9).

الخامس: هود (عليه السلام) في الأعراف‏ عَلى‏ رَجُلٍ مِنْكُمْ‏ (10).

السادس: الوثن‏ وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ‏ (11).

____________

(1) سورة الفجر آية (1- 2).

(2) سورة الحاقة آية (40).

(3) انظر: عياض: الشفا 1/ 26، القرطبي: الجامع 18/ 274.

(4) سورة طه آية (1).

(5) انظر: عياض: الشفا 1/ 26، القرطبي: الجامع 11/ 166.

(6) ذكرها ابن الجوزي في نزهة الأعين النواظر ص 328- 331 بالتفصيل.

(7) سورة يونس آية (2).

(8) سورة المائدة آية (23).

(9) سورة الأعراف آية (63).

(10) سورة الأعراف آية (69).

(11) سورة النحل آية (76).

702

السابع و الثامن: يمليخا، و قمطس‏ وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ‏ (1).

التاسع: جزقيل (عليه السلام) وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ (2)، وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ‏ (3).

العاشر: جميل بن معمر ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‏ (4).

الحادي عشر: حبيب النجار وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ (5).

الثاني عشر: المؤمن‏ وَ رَجُلًا سَلَماً (6).

الثالث عشر: موسى (عليه السلام) أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا (7).

الرابع عشر: الوليد بن المغيرة، و أبو مسعود الثقفي‏ لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى‏ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏ (8).

و سماه اللّه تعالى نبيا و رجلا في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس عن موسى (عليه السلام): «إن الرب الهكم قال: إني أقيم لهم نبيا مثلك من بين إخوتهم أجعل كلامي على فمه و أيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي فأنا أنتقم منه» و معلوم أن بني إسرائيل هم بنو إسماعيل و ليس منهم من ظهر كلام اللّه تعالى على فمه‏

____________

(1) سورة الكهف آية (32).

(2) سورة القصص آية (20).

(3) سورة غافر آية (28).

(4) سورة الأحزاب آية (4).

(5) سورة يس آية (20).

(6) سورة الزمر آية (29).

(7) سورة غافر آية (28).

(8) سورة الزخرف آية (31) و انظر ما ذكره ابن هشام عن هذين الرجلين في سيرته 1/ 361.

703

غير محمد (صلى اللّه عليه و سلم)(1).

و من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم): الفاتح، و الضحوك و هو صفته في التوراة، قال ابن فارس: إنما سمي الضحوك: لأنه كان طيب النفس فكها (2).

و من أسمائه (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا: القتال‏ (3).

و سماه اللّه تعالى: الملك وزربايال، في كتاب زكريا بن يوحنا، من أنبياء بني إسرائيل، فقال: «رجع الملك الذي ينطق على لساني و أيقظني كالرجل الذي يستيقظ من نومه و قال لي: ما الذي رأيت، فقلت: رأيت منارة من ذهب و كفة على رأسها، و رأيت على الكفة سبع سرج، لكل سراج منها سبعة أفواه، و فوق الكفة شجرتا زيتون، إحداهما عن يمين الكفة و الأخرى عن يسارها، فقلت للملك الذي ينطق على لساني: ما هذه يا سيدي، فرد الملك عليّ و قال لي: أما تعلم ما هذه؟ فقلت: ما أعلم، فقال لي:/ هذا قول الرب في زربايال- يعني محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، و هو يدعو باسمي و أنا أستجيب له بالنصح و التطهير، و أصرف عن الأرض أنبياء الزور و الأرواح النجسة لا بقوة و لا بعز، و لكن بروحي، بقول الرب القوي، و يعني بشجرتي الزيتون:

الدين و الملك، و زربايال هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم)» (4). و لا يبعد أن يكون شجرتا الزيتون هما أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما.

____________

(1) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 128.

(2) بالرجوع إلى كتاب «معجم مقاييس اللغة» لأحمد بن فارس 3/ 393 باب الضاد و الحاء و ما يثلثهما «ضحك» لم أجد ما أشار إليه المؤلف، و ذكر ابن الجوزي في الوفا 1/ 104 عن ابن فارس أن لنبينا (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة و عشرين اسما منها الضحوك: اسمه في التوراة، و ذلك أنه كان طيب النفس فكها.

(3) ذكره ابن الجوزي في الوفا 1/ 104 و إذا صح هذا الاسم فلا بد أن يفهم على أن الإسلام لم يشهر السيف إلا دفاعا و رحمة.

(4) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 133، 134.

704

و قد سماه اللّه تعالى ملكا في كتاب دانيال، من أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام) فقال: «رأيت على أصحاب السماء كهيئة إنسان جاءنا، فانتهى إلى عتيق الأيام، و قدموه بين يديه، فحوله الملك و السلطان و الكرامة أن تعبد له جميع الشعوب و الأمم و اللغات، سلطانه دائم إلى الأبد، له يتعبد كل سلطان و يمضي ألفان و ثلثمائة ينقضي عقاب الذنوب، يقوم ملك منيع الوجه في سلطانه عزيز القوة لا تكون عزته تلك بقوة نفسه و ينجح فيما يريد، و يجوز في شعب الأطهار، و يهلك الأعداء، و يؤتي بالحق الذي لم يزل قبل العالمين» (1).

قال الإمام ناصر الدين الشهرستاني: «و في هذا دليل على أمرين:

أحدهما: صدق الخبر لوجوده على حقه، و الثاني: صحة نبوته لظهور الخبر في صفته (صلى اللّه عليه و سلم)» (2).

و اسمه (صلى اللّه عليه و سلم): «صيلون» في زبور داود (عليه السلام) فقال فيه:

«فسبحان الذي هيكله الصالحون يفرح إسرائيل بخالقه و نبوة صيلون من أجل أن اللّه اصطفى له أمته و أعطاه النصر و سدد الصالحين منه بالكرامة يسبحونه على مضاجعهم فيكبرون اللّه بأصوات مرتفعة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين لينتقموا من الأمم الذين لا يعبدونه يوثقون ملوكهم بالقيود و أشرافهم بالأغلال»، و معلوم أن سيوف العرب هي ذوات الشفرتين و محمد (صلى اللّه عليه و سلم) هو المنتقم [بها] (3) من الأمم‏ (4).

و أسمه (صلى اللّه عليه و سلم): رسول في كتاب عويديا من أنبياء بني إسرائيل قال فيه:

____________

(1) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 133، 134.

(2) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 133، 134.

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(4) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 136.

705

«قد سمعنا خبرا من قبل الرب و أرسل رسولا إلى الشعوب ثم يتقدم إليه بالحزب أيها الساكن في بحر الكهف و محله في الموضع الأعلى لأن يوم الرب قريب من جميع الشعوب كما صنعت كذلك يصنع بك»، و هذا أمر مرموز في نبوته (عليه السلام)(1).

و قد وردت عجائب في إثبات اسمه محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، آثار عجيبة تدل على ثبات وضع الهيئة في [الأزل‏] (2)، قال أبو عبد اللّه بن مالك: دخلت بلاد الهند، فسرت إلى مدينة يقال لها: نميلة- أو [قميلة-] (3) فرأيت شجرة كبيرة تحمل ثمرا كمثل اللوز له قشر، فإذا كسرت خرج منها ورقة خضراء مطوية مكتوب عليها بالحمرة: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه. و أهل الهند يتبركون بها و يستسقون بها إذا منعوا الغيث.

قال القاضي عياض‏ (4): «و ذكر السمنطاري‏ (5) أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد، على أحد جنبيه مكتوب: لا إله إلا اللّه، و على الآخر: محمد رسول اللّه، و ذكر الإخباريون: أن ببلاد الهند وردا أحمر مكتوبا عليه/ بالأبيض: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه».

و ذكر الخطيب في تاريخه‏ (6): «أن الفتح بن شخرف‏ (7)، لما غسل بعد

____________

(1) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 131.

(2) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(3) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(4) ورد عند عياض في الشفا 1/ 105.

(5) عتيق بن علي، أبو بكر التميمي السمنطاري الصقلي المالكي، محدث و فقيه و اخباري، ت 464 ه. انظر: كحالة: معجم المؤلفين 6/ 248.

(6) ورد الخبر عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 12/ 387، و نقله عنه: ابن الجوزي في المنتظم 12/ 257.

(7) الفتح بن شخرف، أبو نصر الكشي، كان من الزهاد، ت 273 ه.

انظر: الخطيب: تاريخ بغداد 12/ 384، ابن الجوزي: المنتظم 12/ 256.

706

موته، وجد على فخذه: لا إله إلا اللّه، فتوهموا أنها كتبت، فإذا هي عرق تحت الجلد، قال: فقلب، فإذا على جنبه الأيمن مكتوب: خلقه اللّه».

و كذلك وجد على فخذ الإمام مالك [- (رحمه اللّه)- مكتوب:] (1) حجة اللّه على خلقه. حكاه صاحب كتاب حلل المقالة على شرح الرسالة.

و أما ما خصه الله من أسمائه الحسنى:

فمن أسمائه تعالى لمحمد [الحميد] (2) و معناه: المحمود، و قيل: معناه الحامد، و سمي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) محمدا و أحمدا، فمحمد بمعنى محمود، و كذلك وقع في زبر داود أن اللّه أظهر من صيفون أكليلا محمودا، و صيفون: العرب، و الأكليل: النبوة، و محمود هو: محمد (صلى اللّه عليه و سلم)(3).

و قد سمي محمدا و محمودا [في‏] (4) كتاب حبقوق (عليه السلام) من أنبياء بني إسرائيل فقال: «جاء اللّه من طور سيناء و استعلن القدس من جبال فاران و انكشف لبهاء محمد و انخسفت من شعاع المحمود و امتلأت الأرض من محامده لأن شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعده و تسير المنايا أمامه و تصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض و تأمل الأمم و بحث عنهم فتضعضعت الجبال القديمة و أبصعت الروابي الدهرية و تزعزع سور أرض مدين و لقد جاز المساعي القديمة قطع الرأس من حب الأثيم و دمغت رؤوس سلاطينه بغضبه» و معلوم أن محمدا و أحمدا صريح في إسمه (صلى اللّه عليه و سلم)، و هما يتوجهان‏

____________

(1) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(2) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

(3) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 136، و عياض في الشفا 1/ 150، و ابن الجوزي في الوفا 1/ 66.

(4) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

707

إلى من انطلق عليه اسم المحمد، و هو بالسريانية: موشيحا، أي محمد و محمود، و لهذا إذا أراد السرياني أن يحمد اللّه تعالى قال: شريحا لإلهنا (1).

و أحمد بمعنى أكبر من حمد و أجل من حمد، و قد أشار إلى نحو هذا حسان بن ثابت في البيت الثالث من قوله‏ (2):

أغرّ عليه للنبوة خاتم* * *من اللّه مشهود يلوح و يشهد

و ضم الإله اسم النبي مع اسمه* * *إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

و شق له من اسمه ليجله* * *فذو العرش محمود و هذا محمد

و هذا معنى قوله: وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ‏ (3) حكاه البغوي و الواحدي عن مجاهد.

[و من أسمائه تعالى: الرءوف الرحيم، و هما بمعنى متقارب، و سماه في كتابه بذلك فقال‏ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ (4)] (5).

____________

(1) كذا ورد عند الماوردي في أعلام النبوة ص 132، و ابن الجوزي في الوفا 1/ 62.

(2) الاسم و معناه و ما أشار إليه حسان من الشعر ورد عند عياض في الشفا 1/ 150، و القرطبي في الجامع 20/ 106، و السيوطي في الخصائص 1/ 194، و انظر ديوان حسان 1/ 306.

(3) سورة ألم نشرح آية (4).

(4) سورة التوبة آية (128) و راجع معنى الاسم عند عياض في الشفا 1/ 72، 150، و القرطبي في الجامع 8/ 302.

(5) سقط من الأصل و الاضافة من (ط).

708

و من أسمائه تعالى: الحق المبين، و معنى الحق: المتحقق الموجود و المتحقق أمره، و كذلك المبين أي البين، و سمي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك فقال:

حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِينٌ‏ (1).

و من أسمائه تعالى: النور، و معناه: ذو النور أي خالقه، و سماه نورا فقال: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ (2).

و من أسمائه تعالى: الشهيد، و معناه: العالم، و قيل: الشاهد على عباده يوم القيامة، و سماه شهيدا و شاهدا فقال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً (3) و قال: وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (4).

و من أسمائه تعالى الكريم، و معناه: الكثير الخير، و سماه كريما بقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ (5) قيل: محمدا، و قيل: جبريل (عليهما السلام)(6).

و من أسمائه تعالى العظيم، و معناه: الجليل الشأن، و قال في النبي (صلى اللّه عليه و سلم)/ وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ (7).

____________

(1) سورة الزخرف آية (29) و راجع معنى الاسم عند عياض في الشفا 1/ 150، و القرطبي في الجامع 16/ 82.

(2) سورة المائدة آية (15) و راجع معنى الاسم عند عياض في الشفا 1/ 11، 150، و القرطبي في الجامع 6/ 118.

(3) سورة الأحزاب آية (45)، و الفتح آية (8).

(4) سورة البقرة آية (143) و راجع معني الاسم عند عياض في الشفا 1/ 151، و القرطبي في الجامع 16/ 266.

(5) سورة الحاقة آية (40).

(6) انظر: عياض: الشفا 1/ 151، و القرطبي: الجامع 18/ 274.

(7) سورة القلم آية (4) و راجع معنى الاسم عند عياض في الشفا 1/ 151.