تاريخ الكوفة

- حسين البراقي المزيد...
468 /
5

كلمة الناشر

إن مدينة الكوفة التي أسست في بداية القرن الأول الهجري و قد كانت موضع إهتمام الخلفاء الراشدين و قد أصبحت عاصمة للإسلام في خلافة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، و قد حفلت بالأحداث، و مرّ عليها زمن عاصمة للعلم و الأدب و محطة للعلماء و الادباء و الشعراء.

و من هذا المنطلق فإن المؤرخين و العلماء في الشرق و الغرب يهمهم كثيرا دراسة تاريخ هذا المصر العربي العريق و ممن أحسنوا تاريخ هذه المدينة السيد حسون البراقي مؤلف هذا الكتاب الذي كان يبذل الجهد في الإطلاع و الإستطلاع و يقف بنفسه على الآثار ليؤرخ لهذه المدينة و قد حقق من قبل العلامة الحجة الثبت السيد محمد صادق بحر العلوم (قدس اللّه روحه). و قد أقبل على إقتناء الكتاب الأعلام في الشرق و الغرب لذلك فقد نفذت نسخه و قد أصبحت نسخه مفقودة و كأنها مخطوطة. لذلك بادرنا بإعادة طبعه تصويرا على النسخة المطبوعة في النجف الطبعة الثالثة عام 1968 م.

نتوخى من ذلك السير على خطى دار الأضواء لنشر التراث الإسلامي سائلين منه الاستمرار في التوفيق لما فيه خير المسلمين.

الناشر

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

ترجمة المؤلف‏

بقلم سيادة العلامة الكبير الشيخ محمد رضا الشبيي‏ (1)

1- نشأته و تحصيله:

ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه‏* * * حتى رأيناك بالتاريخ مكتوبا

من مؤرخينا الذين خدموا تأريخ هذه البلاد و خططها اجمالا بما اثبتوه من الاحداث التي ادركوها و افاقوا عليها، و بما ضموه إلى ذلك مما استخرجوه من بطون الدفاتر و الآثار او ما نقبوا عنه بين الجنادل و الاحجار المؤرخ العراقى الكبير السيد حسين بن احمد بن اسماعيل بن زيني الحسنى النجفي الشهير بالبراقى- ولد في النجف سنة 1261 او بعدها بسنة، و مال منذ نعومة اظفاره إلى البحث و العلم و ذويهما مباينا جميع افراد اسرته في ذلك، و أولع بالتاريخ خاصة كأنما جبل على استقراء الحوادث و تتبع الاحداث فجلس إلى العلماء، و اختلف إلى اندية المعمرين من اهل العلم و الخبرة و استفاد مما يدور على السنتهم غير ما كان يتقدم إلى السؤال عنه بنفسه، و قد نشأ واعيا جيد الانتباه، فكانت تسترعي التفاته كل واقعة تقع حوله فيبادر إلى تدوينها و هى على طرف التمام منه سوى ما كان ينتهي اليه من جوانب اخبار البلاد النائية، فكان يقيد اكثر ذلك و يحصيه حتى لا يفوته منه شى‏ء، و من محاسن الاتفاق انه عمر طويلا و سبق له الاشتغال بالتدوين و التقييد

____________

(1) نقلا عن مجلة (الاعتدال) النجفية ج 1 ص 113- 117 (م)

8

منذ مراهقته، فعظمت مجموعة ما احصاه من الوقائع التاريخية التي رافقت ايامه عدا ما استخرجه من بطون الدفاتر و الآثار، و قد كان عاكفا على جمع الكتب و النظر فيها لا سيما ما كان منها تاريخيا، و كان تخلف حاله و قلة ماله يمنعانه من اقتنائها فالتجأ إلى انتساخ ما يحتاجه من الاسفار حتى انتسخ بيده بعض المطبوعات لما لم يتهيأ له الاحتواء عليها فورّق لنفسه بنفسه مكتبة صغيرة فيها جملة من الآثار المهمة النادرة، و قد افادته الوراقة و انتساخ الكتب فائدة مزدوجة، و ذلك انه استنفض جميع ما ورّقه من الكتب بالمطالعة، فاتسعت مادته التاريخية من هذه الناحية اضف إلى ذلك وقوفه في دور الكتب- و ما اكثرها في عهده- على كثير من الامهات المطبوعة و المخطوطة، فعكف على مطالعتها بحذافيرها حتى استخرج حقائق تأريخية كثيرة مما لا مظنة للتاريخ فيه من كتب الفقه و الحديث و الرجال.

فدل على عظم اجتهاده و مضاء عزيمته كما تسنى له التطواف في رقعة عريضة من سواد العراق فشاهد طائفة من المعالم و الاطلال العراقية القديمة حيث قرن العلم بالعمل فيها ثم لما كان ممن يميل إلى الاتساع في تاريخ العراق- من بعد انقراض الدولة العباسية لا مناص له من التعويل على اللغة الفارسية إذ ان شطرا من تاريخ بلادنا إذ ذاك مدون بلغة الفرس لقيام الدول الأجنبية الصرفة على انقاض الدولة العباسية، فقد مال- البراقى- إلى تتبع كتب التأريخ الفارسية بغية الاستفادة مما دوّن فيها من تاريخ العراق.

و بالجملة كان جل همه مصروفا إلى التاريخ، فلذلك استقل و اختص فيه و لم يشارك في شي‏ء سواه من العلوم و الفنون ... اللهم إلا في علمي الأنساب و الرجال لاتصالهما بذلك الفن. فقد ضرب اليهما مؤرخنا بعرق عريق، و قد كان ضيق العطل في اللغة العربية زهيد البضاعة في الانشاء و الترسل فلا مطمع لعشاق البلاغة و الفصاحة في شي‏ء من آثاره لأن لغته في اكثرها نمط وسط بين لغة العامة و الفصحاء، و في آثاره ايضا كثير من الحشو الذي لا يوافقه عليه ذوو العقول النيرة في هذا العصر

9

و فيها ايضا ما فيها من الخطأ في الاجتهادات و الاستنتاجات التاريخة، دع عنك ما يغلب عليها شأن اكثر الكتب القديمة من التشويش و سوء الترتيب و التبويب إلى هذا و نحوه، على ان ذلك باجمعه لا يغض من منزلة كتبه و آثاره الخطيرة بالقياس إلى فوائدها الجليلة.

2- أخلاقه و أحواله:

كنا خلال ايام الطفولة نكثر من الاختلاف إلى دار اقامة (السيد البراقى) في النجف للاستظهار من القرآن المجيد فكانت داره لا تخلو من غروس مخضرة و من شجرة و نخيلة قائمة، و هناك شويهة مرتبطة و هاهنا وحشية مقتنصة، و ثم طويرات جميلة تتطاير في فضاء الدار او تتدافع في ساحتها الواسعة يتعهدها شيخ مشرق الوجه باسم الثغر نحيف إلى الطول و السمرة، و كل ما يبدو لك في الدار يدل على لطف الطبع، و اجتناب التكلف، و الميل إلى الحياة في مظاهرها الفطرية الصحيحة.

و كان البراقى مع ذلك رقيق القلب جم المروة منفاقا على عياله الكثيرين ممتعضا متبرما من اخلاق معاصريه، لا سيما الطبقة التى انتظم في سلكها و طالما شكا في مؤلفاته مما تسرب إلى بيئته إذ ذاك من مساوء غريبة لا تتفق مع ما طبع عليه العربى الصريح من شيم محمودة و اخلاق فاضلة، حتى حمله ذلك على الانتزاح إلى قرية من قرى السواد، هي قرية- اللهيبات- احدى قرى الحيرة و ذلك في حدود سنة 1320 هج فاقام فيها على نكد من العيش و ضيق المكسب يستغل هو و اولاده ضيعة صغيرة تفاديا من مساءلة اللئام، إلى ان توفى (رحمه اللّه) في ضيعته المذكورة و ذلك في شعبان سنة 1332.

كان ايضا على جانب لا يستهان به من قوة الحافظة وجودة الذكر و حضور البال و كثرة التتبع و الاستقراء إلى هذا و مثله من مزايا المؤرخين على الاجمال، كما

10

يظهر ذلك مما تركه من الآثار الكثيرة تأليفا و انتساخا مع قلة ذات يده و انصرافه إلى تدبير معاشه، و قد اتفقت لنا زيارته في ضيعته سنة 1331- أي قبل وفاته بسنة- و ذلك بعد غياب طويل لمشارفة بعض كتبه التى لم يسبق لنا الاطلاع عليها و لمذاكرته في بعض المسائل التاريخية التي عرف بالتنقيب عنها في بعض جهات العراق‏

3- مؤلفاته و آثاره:

تربو مؤلفات المؤرخ البراقى (رحمه اللّه) على ثمانين مجلدا، رأينا أهمها بخط يده، و لم يطبع منها شى‏ء على ما نعلم إلى الآن، و هى نتيجة ابحاثه و تتبعه مدة عمره، و فيها مادة تاريخية غزيرة على علاتها اجمالا، و قد رمى في بعض مؤلفاته المذكورة إلى اغراض اصلاحية مفيدة و من ذلك انه أزاح الستار عن حقيقة كثير من القبور و المزارات المنتشرة في قرى السواد المنسوبة إلى بنى الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) و بناتهم، و أشار إلى ان الأصل في معظمها من عمل المرتزقة الذين يستغلون جهل العامة، قال: و يوجد امثال هذه المزارات في الشام و الحجاز و اكثرها مصنوع، و قد اورد ذلك في مجموعة الحكايات و هى احدى مجاميعه و اليك قائمة باسماء مؤلفاته:

1- بهجة المؤمنين في أحوال الأولين و الآخرين: اربع مجلدات ضخمة كبيرة و هو تأريخ عام انتهى به إلى أيامه.

2- قلائد الدرر و المرجان فيما جرى في السنين من طوارق الحدثان: تاريخ ايضا في مجلد واحد عول فيه على كتب نادرة.

3- براقية السيرة في تحديد الحيرة: و فيه فصول تاريخية قيمة عن الحيرة و منه يستدل على انه كان مطبوعا على التنقيب عن تاريخ العراق و آثاره القديمة.

4- كتاب الحنانة و الثوية: رسالة لطيفة في تحقيق هذين الموضعين.

11

5- الجوهرة الزاهرة في فضل كربلا و من حل فيها من العترة الطاهرة: مجلد واحد و فيه مادة تأريخية عن كربلا.

6- السيرة البراقيه في رد صاحب التحفة العنبرية في الأنساب.

7- عقد اللؤلؤ و المرجان في تحديد ارض كوفان و من سكن فيها من القبائل و العربان‏ (1) مجلد واحد، و هو من أمتع آثاره و من اوعى ما كتب عن الكوفة و قد ألم فيه بتأريخها القديم و الحديث إلى اواخر أيامه.

8- اليتيمة الغروية في الأرض المباركة الزكية، و هو تاريخ للنجف.

9- النخبة الجلية في احوال الوهابية، و فيه تاريخ ظهورهم و وقائعهم في العراق و غيره.

10- كتاب قريش و احوالهم.

11- كتاب بني أمية و أحوالهم.

12- اكسير المقال في مشاهير الرجال.

13- منبع الشرف: رسالة في مشاهير علماء النجف، و قد استعيرت منه نسخة الأصل لهذا الكتاب و لم تعد اليه من قبل المستعير كما ذكره لنا بحينه.

14- تغيير الاحكام فيمن عبد الأصنام.

15- كشف النقاب في فضل السادة الانجاب.

16- الهاوية في تاريخ يزيد بن معاوية.

17- معدن الانوار في النبي و آله الاطهار (عليهم السلام).

18- البقعة البهية: مختصر في تاريخ الكوفة الزكية.

19- السر المكنون في الغائب المصون، و هو رد على الجهلاء الذين عينوا زمان ظهور الامام المهدي (عليه السلام) زاعمين اننا في آخر زمان.

20- ارشاد الأمة في جواز نقل الاموات إلى مشاهد الأئمة (عليهم السلام).

____________

(1) و هو هذا الكتاب الذي بأيدينا. «المصحح»

12

21- كشف الاستار في اولاد خديجة من النبي المختار (صلّى اللّه عليه و آله).

22- رسالة في تاريخ الشيخ المفيد (رحمه اللّه).

23- رسالة في السهو و النسيان و هل ثبتا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كثير غير ذلك.

هذا و قد حملت مؤلفاته المذكورة في جملة ما حمل من كتبه و معظمها بخط يده و ذلك من قبل ورثته، و هم يجهلون الاحتفاظ بالآثار، و ذلك لينادي عليها في سوق الكتب في النجف، و ذلك في شوال سنة 1333، فداخلنا لذلك من الغم شى‏ء عظيم لعلمنا بما ستصير اليه حال هذه الكتب، إذا إحتوى عليها منتحلوا الآثار و ما أكثرهم في هذه الديار، و كان ذلك آخر عهدنا بها، ففى ذمة التاريخ.

13

المقدمة

بقلم العلامة الأستاذ الشيخ محمد رضا المظفر عميد كلية الفقه في النجف الأشرف‏

ما أعظم تأريخ الكوفة و ما أجل ما ابقته لنا من آثار أدبية و علمية لا تنسى مدى الدهر مصرها الاسلام في أبان نهضته الكبرى، و فى زمان كان يقفز بأجنحة من الايمان ليحلق على العالم كله بهدايته و يكتسح جبابرة الكفر و طواغيت الشرك لقد كان و هو يناطح مملكة فارس العظيمة يبحث جيشه عن مقر للقيادة العامة تتوفر فيه شروط الصحة و الراحة، فرحبت به هذه الأرض- أرض كوفان- و هى ضاحكة له بسمائها المجلوة و مائها العذب، و نسيمها الساحر الذي يتألف من نسيم السواد المبلول و هبوب الصحراء الجافة، و اصبحت (كوفة الجند) ... و هذا مبدأ تكونها التأريخي.

و لكن جامعها العظيم هو قلب الكوفة النابض، او المركز الجذاب لدائرة الجند العربى، فلف حوله هذا الجند الفاتح الفخور بقوته و ايمانه، و الذي يتمثل في هذه القبائل العربية، فراحت كل قبيلة تلتمس في هذا الجامع فخرا إلى فخر، او ميزة لعزها بالاختصاص باحد جوانب الجامع الاعظم، فأصبحت الكوفة (كوفة القبائل) ايضا، و قسمت إلى ارباعها المعروفة، كل ربع إلى جانب من الجامع تختص به عدة قبائل، و كان احظاها هاتى التي اختصت بالجانب الشرقى افضل جوانب المساجد، و هم قبائل اليمن، و قسمت بعد ذلك إلى محلاتها السبع، فمرت عليها

14

- بحكم ضرورة التقدم- أطوار العمران، من مضارب وخيم، إلى دور بنيت باللبن غير المشوي، فانشئت الشوارع و السكك، إلى دور و قصور بنيت بالآجر.

و هذا حديث شيق يغري المؤرخ على البحث و التنقيب.

و لما تمصرت الكوفة على هذا النحو أصبحت مركزا للسياسة الاسلامية و عاصمة للخلافة، فمرت عليها- بتاثير مركزها- ادوار متناقضة هى جملة ادوار الامبراطورية الاسلامية، فمنيت بحروب و حوادث محزنة و مدهشة، كل هذا ما جعل لها منزلتها التاريخية اليوم و في كل يوم التي ترتبط بتأريخ تطورات الاسلام في أهم عصوره و ادق ظروفه و التى تستهوى غواة التتبع و البحث.

ثم لم ترض بذلك حتى جعلت لها مركزا للادب و العلم (نتيجة لمركزها السياسى) هو الوحيد بين البلاد الاسلامية، ما عدا البصرة يومئذ التي تنازعها هذه المنزلة فيتصارعان و يتجاولان، و كثيرا ما جر هذا التحزب إلى الخلاف في الآراء العلمية و الأبحاث الادبية، و لا زلنا نسمع قال الكوفيون: ... و قال البصريون:

فكانت الكوفة ايضا (كوفة العلم و الأدب) او مدرسة الثقافة الاسلامية الجامعة و هذا ما زاد في قيمتها التاريخية بآثارها العلمية و الأدبية، و بما انتجب؟؟؟ من علماء و ادباء و شعراء هم مفاخر التاريخ الاسلامي في أهم ادوار نهضته الثقافية.

كلنا يعرف عن الكوفة شيئا من اهميتها التاريخية في هذه النواحي التي تقدمت، و في نواح اخرى تعرفها في غضون هذا المؤلف الذى بين ايدينا، و لكنا لم نعرفها فى مؤلف واحد جمع شتات تأريخها على ما بها من مغريات للباحثين و المؤرخين و إنما التاريخ الاسلامى في أدواره التى مرت (و الكوفة مركز حركته السياسية و العلمية و الأدبية بل التجارية) يعطينا فكرة عامة مشوشة عنها تحتاج إلى التنظيم و التنسيق، و لا يزال كثير من نواحيها يحتاج إلى تدقيق عميق و بحث طويل في المصادر التاريخية المنوعة، و في مواقع متفرقة في كتب اللغة و الحديث و الأدب و الرجال و البلدان التي لا تحصى، فما اشرف الناس إلى مؤلف يشبع نهمتهم‏

15

في تاريخ هذه البلدة القديمة، و لماذا غفل المؤرخون عن هذه النقطة الأخاذة؟

نعم سمعنا و قرأنا عن بعض المؤلفات القديمة التى طواها الدهر معه، و ضن بها على الباحثين فلم تبق لها عين و لا اثر، منها:

1- (تاريخ الكوفة) لابي الحسين محمد بن جعفر المعروف بابن النجار الكوفي المتوفى في سنة 402 ه ذكره في (كشف الظنون).

2- (تاريخ الكوفة) لابن مجاهد المعروف ذكره في (كشف الظنون) ايضا

3- (كتاب الكوفة و ما فيها من الآثار و الفضل) للنجاشى صاحب كتاب الرجال المشهور (ذكر فى ترجمته).

4- (كتاب فى المزار و فضل الكوفة و مساجدها) لجعفر بن الحسن بن شهريار المتوفى في سنة 340 ه (ذكره النجاشى المتقدم فى رجاله).

و لما القى المستشرق الافرنسى المشهور (المسيو ما سنيون) محاضرته عن الكوفة فى (الجامعة المصرية) لفت الانظار إلى هذا الموضوع التاريخي المهم و كان لها وقع جميل فى نفوس المثقفين، مما دل على شغف الناس فى تعرف تاريخ الكوفة هذه البلدة القديمة و ليس هذا مما يشفى العليل و ينقع الغلة، أين المحاضرة الواحدة مهما كان صاحبها من تأريخ هذه البلدة العظيمة الكبيرة التي امتدت عدة قرون شعلة من حروب و حركات سياسية و أدبية و علمية إلى ان انطفأت مرة واحدة على أنا لا نزال بحاجة إلى كتاب قديم يصح ان نعول عليه كسند تاريخي نحتج به، إذا بماذا نسد هذه الحاجة، و أين لنا بالكتاب الذي يطمن رغبة المولعين بالآثار القديمة؟

أظن (لأدنى تفكير) يذهب فكر القارئ لينجو من هذه الحيرة إلى اقتراح جمع المفرقات فيما يخص الكوفة المبثوثة في غضون الكتب المتنوعة، فتؤلف تأليفا منسقا في كتاب واحد على شريطة ألا يقحم رأي المؤلف بين آراء القدماء، و لا يتصرف بأكثر من نقل أقوالهم و تنظيمها، و بذلك يهيأ كتاب قديم في اقواله‏

16

و آرائه كما نروم و ان كان حديثا في جمعه، فيتمكن به الباحث ان يصل إلى الحفائق مع الوقوف على حفريات الأثريين الحديثة، و يحقق الغرض الذي من اجله يعني المحققون بالكتب القديمة.

و لكن هل يظن المقترح ان من السهل تلبية مثل هذا الاقتراح، و كم تراه يحتاج إلى مجهود عظيم و سبر طويل في بطون الكتب التي لا حد لها، و كم يحتاج إلى امانة في النقل و دقة في الملاحظة و اتقان في الوضع.

و من حسن الصدف او من توفيق الباحثين ان يلبى هذا الاقتراح قبل وقوعه فيخرج لنا العلامة الاستاذ (السيد محمد صادق آل بحر العلوم) هذا الكتاب الذي بين ايدينا من تأليف الفاضل المرحوم (السيد حسين البراقى) ذلك المؤلف الشهير المشكور على تنبهاته لكثير من المواضيع التأريخية التي لم يطرقها غيره من المؤلفين و عنايته الخاصة بها، و لا تزال مؤلفاته المخطوطة بمكتبات النجف مصدرا نافعا لتاريخ النجف و علمائها يعتمد عليها، و من مؤلفاته الثمينة المبتكرة له هذا الكتاب (تأريخ الكوفة) الذي قد سمعت حاجة الباحثين إلى مثله و فقدان المؤلفات القديمة التي سمعنا عنها و لم نرها، و قد وفى هذا المؤلف بشرط المقترح، فجمع اقوال العلماء المتقدمين، و الأحاديث و السنن كما هى ليوقفك على اضمامة من تاريخ الكوفة لا تستطيع ان تقف عليها في غير هذا الكتاب مجموعة.

و لما كان الكتاب الأصلي غير واف باستقصاء تاريخ الكوفة انبرى له صديقنا الأستاذ (السيد محمد صادق آل بحر العلوم) فزاد فيه زيادة ذات شأن يذكر فيشكر و نقحه تنقيحا زاد في جماله و قيمته التاريخية حتى اصبح كتابا مشتركا بينهما، و إذا كان قد نسبه إلى مؤلفه الأصلي فلاجل الاعتراف بفضل المتقدم و ابتكاره للموضوع الذى كان اساسا متينا بني عليه هذا الكتاب، فخرج وافيا بالغرض و تعرف تصرفاته و زياداته على الاكثر في اواسط الكتاب و أواخره، إذ تشم ان الاسلوب قد تغير بما لم يتفق له مؤلف في عصر (السيد البراقى) و يتجلى ذلك لك عندما تقرأ

17

المنقول عن المؤلفات التي طبعت او عن المقالات التي انشئت بعد (البراقى) بسنين كثيرة.

و لا يسعنى إلا ان اعظم مجهود صديقى الاستاذ و تحرياته الثمينة و تنقيباته عن كل شاردة و واردة بما لم يتفق له باحث غيره، و لئن زج بعض محاكماته التاريخية و آرائه الخاصة احيانا، فتلك ضرورة البحث تدعوه، و إلا فهو محتفظ بشرط المقترح ينقل لنا أقوال المتقدمين و آراء المتأخرين كما هى، فأعطانا أثمن مجموعة نادرة في هذا الموضوع.

و من المواضيع التي استقل بها وحده في هذا الكتاب و لم يكن لها اساس فى الاصل معجم أسماء الكوفة و قراها و محلاتها و ما يتعلق بها من النواحي و البقاع و الديارات و القصور .. الخ .. و معجم نقبائها و قضاتها و ولاتها و تأريخ حوادثها و فتنها و غير ذلك كثير. فارجو لكتابه التوفيق و أداء الغاية التى جمع لأجلها.

النجف الأشرف محمد رضا المظفر

18

تقريظ و تأريخ لعام طبع الكتاب‏

للعلامة الجليل المرحوم الشيخ جعفر النقدي عضو مجلس التمييز الشرعي الجعفري المتوفي في سنة 1370 ه

تاريخ (كوفان) به‏* * * رياض فضل تزدهى‏

من كل معنى رائق‏* * * يزينه لفظ شهي‏

يا طالب التاريخ خذ* * * من روضه ما تشتهي‏

كان (البراقى) بجم* * * عه قرين الوله‏

أكمله (الصادق) من‏* * * ليس له من شبه‏

في علمه و فضله‏* * * و برده المنزه‏

هو ابن (بحر العلم) من‏* * * له الفخار ينتهي‏

مذ انتهى ارخته:* * * (يا حسن تاريخ بهي)

129، 1211، 17 1357 ه

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

(دار أمير المؤمنين علي (عليه السلام))

(مقام أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد الكوفة و هو موضع شهادته)

21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين، بارئ الخلائق اجمعين، و السماوات و الارضين، احمده و استعين به، و اصلي على نبيه و امينه محمد سيد المرسلين، و على آل بيته الطيبين الطاهرين، سادات الاولين و الآخرين، الذين بولايتهم و مودتهم يكمل الدين و نعد من المؤمنين.

أما بعد: فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغنى، حسين بن احمد الحسني، الشهير بالسيد حسون البراقى النجفى عامله اللّه بلطفه الخفى، لما فرغت من تأليف (كتاب البقعة البهية فيما ورد في مبدأ الكوفة الزكية) و ذكرت فيه فضل الكوفة و فضل مسجد سهيل، و ما ورد فيهما، و اعمالهما، و غير ذلك من تحديدها، و بنائها، و نزول القبائل فيها و خرابها، احببت ان اذكر فيها رسالة مختصرة نافعة لمن نظر فيها و ان ابين ان الكوفة قديمة لا سيما مسجدها.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

فضل مسجد الكوفة

إن مسجد الكوفة اقدم من كل المساجد عدا بيت اللّه الحرام، كما ورد في الاخبار المأثورة في كتب السير و التواريخ.

و ورد انه كان معبد الملائكة من قبل خلق آدم، و انه البقعة المباركة التي بارك اللّه فيها. و انه معبد ابينا آدم فما بعده من الانبياء و المرسلين (عليهم السلام) و معبد الاولياء و الصديقين، و ان من فضله عند اللّه ان المسافر حكمه التقصير في الصلاة إلا في اربعة مواضع احدها مسجد الكوفة فله التخيير في القصر و الاتمام و قد وردت في فضل مسجد الكوفة اخبار كثيرة و ان جميع فقهائنا ممن الف و صنف من عصر الأئمة إلى عصرنا ذكرها و ذكر فضلها و شرفها و ما لمن تعبد في مسجدها و كذلك ذكرها اهل السير و التواريخ من الخاصة و العامة و اطنبوا في ذكرها و ما في مسجدها من المزية على سائر المساجد، عدا بيت اللّه الحرام و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

قال المجلسى في الجزء الثانى و العشرين من البحار: بحذف الاسناد عن حبة العرنى و ميثم الكنانى قالا: اتى رجل عليا (عليه السلام) فقال: يا امير المؤمنين انى تزودت زادا و ابتعت راحلة و قضيت ثباتي- اي حوائجي- و اريد ان انطلق إلى بيت المقدس. قال له (عليه السلام): انطلق فبع راحلتك و كل زادك و عليك بمسجد الكوفة فانه احد المساجد الأربعة، ركعتان فيه تعدلان كثيرا فيما سواه من المساجد، و البركة منه على رأس اثنى عشر ميلا من حيث ما جئته، و قد ترك من أسه الف ذراع، و من زاويته فار التنور، و عند الاسطوانة الخامسة صلى ابراهيم الخليل، و صلى فيه الف نبي و الف وصي، و فيه عصى موسى و خاتم سليمان و شجرة اليقطين، و وسطه روضة من رياض الجنة، و فيه ثلاث اعين يزهرن، عين من ماء، و عين من دهن، و عين من لبن، انبتت من ضغث تذهب الرجس و تطهر المؤمنين‏

24

و منه مسير لجبل الاهواز، و فيه صلى نوح النبي، و فيه اهلك يغوث و يعوق و يحشر منه يوم القيامة سبعون الفا ليس عليهم حساب و لا عذاب، جانبه الايمن ذكر و جانبه الايسر مكر، و لو علم الناس ما فيه من الفضل لأتوه.

و روى المجلسى ايضا بالاسناد عن حماد بن زيد الحارثى قال: كنت عند جعفر بن محمد «ع» و البيت غاص من الكوفيين فسأله رجل منهم يابن رسول اللّه انى ناء عن المسجد و ليس لي نية الصلاة فيه، فقال: ائته فلو يعلم الناس ما فيه لاتوه و لو حبوا. قال انى اشتغل، قال: فأته و لا تدعه ما امكنك، و عليك بميامنه مما يلي ابواب كندة فانه مقام ابراهيم، و عند الخامسة مقام جبرئيل، و الذي نفسى بيده لو يعلم الناس من فضله ما اعلم لأزدحموا عليه.

و في محاسن البرقى و البحار بالاسناد عن هارون بن خارجة قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) كم بينك و بين مسجد الكوفة يكون ميلا؟ قلت: لا، قال: فتصلي فيه الصلاة كلها؟ قلت: لا، قال أما لو كنت حاضرا بحضرته لرجوت ان لا تفوتني فيه صلاة او تدري ما فضل ذلك الموضع، ما من نبي و لا عبد صالح إلا و قد صلى في مسجد الكوفة حتى ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لما اسري به إلى السماء قال له جبرئيل اتدري اين انت يا محمد الساعة انت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي اصلي فيه ركعتين، فنزل فصلى فيه و ان مقدمه لروضة من رياض الجنة، و ميمنته و ميسرته لروضة من رياض الجنة، و ان وسطه لروضة من رياض الجنة، و ان مؤخره لروضة من رياض الجنة و الصلاة فيه فريضة تعدل بالف صلاة، و النافلة فيه بخمسمائة صلاة.

و ذكر في الامالي بالاسناد عن هارون بن خارجة عن ابى عبد اللّه «ع» مثل ما مر آنفا و زاد في آخره و ان الجلوس فيه بغير صلاة و لا ذكر لعبادة، و لو علم الناس ما فيه لأتوه و لو حبوا.

و في الامالي و البحار بالاسناد عن محمد بن الحسن عن هارون بن خارجة قال:

قال لي الصادق (عليه السلام) كم بين منزلك و بين مسجد الكوفة؟ فاخبرته قال: ما

25

بقى ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد صالح دخل الكوفة إلا و صلى فيه، و إن رسول اللّه (ص) مر به ليلة اسري به فاستأذن له الملك فصلى فيه ركعتين و الصلاة فيه الفريضة بألف صلاة، و النافلة فيه بخمسمائة صلاة، و الجلوس فيه من غير تلاوة قرآن عبادة فأته و لو زحفا.

و في تفسير العياشى و البحار ايضا عن هارون بن خارجة قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) يا هارون كم بين منزلك و بين مسجد الكوفة الاعظم؟ قلت: قريب قال: يكون ميلا؟ فقلت: لكنه اقرب، قال: فما تشهد الصلاة كلها فيه، فقلت:

و اللّه جعلت فداك ربما شغلت، فقال لي: أما انى لو كنت بحضرته ما فاتني فيه الصلاة، ثم قال: هكذا بيده ما من ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد صالح إلا و قد صلى في مسجد كوفان، حتى محمد ليلة اسرى به جبرئيل، فقال: يا محمد هذا مسجد كوفان، فقال: استأذن لي حتى اصلي فيه ركعتين، فاستأذن له فهبط به و صلى فيه ركعتين، ثم قال: أما علمت ان عن يمينه روضة من رياض الجنة، و عن يساره روضة من رياض الجنة. أما علمت ان الصلاة المكتوبة فيه تعدل الف صلاة في غيره، و النافلة فيه بخمسمائة صلاة، و الجلوس فيه من غير قراءة قرآن عبادة.

ثم قال هكذا باصبعه فحركها ما بعد المسجدين افضل من مسجد كوفان.

و في الامالي و البحار بالاسناد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى امير المؤمنين «ع» و هو في مسجد الكوفة فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، فرد (عليه السلام)، فقال: جعلت فداك انى اردت المسجد الاقصى فأردت ان اسلم عليك و اودعك فقال: و اي شى‏ء اردت بذلك؟ فقال:

الفضل جعلت فداك قال: فبع راحلتك و كل زادك وصل في هذا المسجد فان الصلاة المكتوبة فيه حجة مبرورة، و النافلة عمرة مبرورة، و البركة منه على اثنى عشر ميلا يمينه يمن و يساره مكر، و في وسطه عين من دهن، و عين من لبن و عين من ماء شرابا للمؤمنين و عين من ماء طهرا للمؤمنين منه سارت سفينة نوح و كان فيه نسر و يغوث‏

26

و يعوق و صلى فيه سبعون نبيا، و سبعون وصيا، انا احدهم. و قال بيده في صدره ما دعا فيه مكروب بمسألة في حاجة من الحوائج إلا اجابه اللّه و فرج عنه كربته.

و في الامالي و البحار بالاسناد عن اسحاق بن يزدان قال اتى رجل ابا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: انى قد ضربت على كل شي‏ء لي ذهبا و فضة و بعت ضياعي فقلت انزل مكة، فقال: لا تفعل فان اهل مكة يكفرون باللّه جهرة، قال: ففى حرم رسول اللّه (ص) قال: هم شر منهم قال: فأين انزل؟ قال: عليك بالعراق الكوفة فان البركة منها على اثنى عشر ميلا، هكذا و هكذا و إلى جانبها قبر ما اتاه مكروب قط و لا ملهوف إلا فرج اللّه عنه.

و في فرحة الغري و البحار بالاسناد الطويل عن ابن البطائني عن صفوان عن ابى اسامة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول الكوفة روضة من رياض الجنة، فيها قبر نوح و ابراهيم، و قبور ثلثمائة نبى و سبعين نبيا و ستمائة وصي و قبر سيد الاوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام).

و في تفسير العياشى و البحار عن رجل عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن المساجد التي لها الفضل، فقال: المسجد الحرام، و مسجد رسول اللّه، قلت:

و المسجد الاقصى جعلت فداك، فقال: ذاك في السماء اليه اسرى رسول اللّه فقلت ان الناس يقولون بيت المقدس فقال: مسجد الكوفة افضل منه.

و في الامالي و البحار بالاسناد عن الثمالي ان علي بن الحسين (عليه السلام) اتى مسجد الكوفة عمدا من المدينة فصلى فيه ركعتين، ثم جاء حتى ركب راحلته و اخذ الطريق.

و في البحار بالاسناد إلى ابى حمزة الثمالي قال: بينا انا قاعد يوما في المسجد عند السابعة إذا برجل مما يلي ابواب كندة قد دخل فنظرت إلى احسن الناس وجها و اطيبهم ريحا و انظفهم ثوبا معمم بلا طيلسان و لا ازار و عليه قميص و دراعة و عمامة و في رجليه نعلان عربيان، فخلع نعليه ثم قام عند السابعة و رفع مسبحتيه‏

27

حتى بلغتا اذنيه، ثم ارسلهما بالتكبير، فلم تبق في بدنى شعرة إلا قامت، ثم صلى اربع ركعات احسن ركوعهن و سجودهن، و قال: إلهي ان كنت قد عصيتك فقد اطعتك- إلى ان قال:- يا كريم، ثم خر ساجدا، ثم رفع رأسه فتمثلته فاذا هو مولاي زين العابدين علي بن الحسين فانكببت على يديه اقبلهما، فنزع يده مني و أومأ إلي بالسكوت، فقلت يا مولاي: انا من عرفته في ولائكم فما الذي قد اتى بك إلى ها هنا؟ قال: هو ما رأيت.

و في الامالي و البحار بالاسناد عن الثمالي قال: دخلت مسجد الكوفة فاذا انا برجل عند الاسطوانة السابعة قائم يصلي يحسن ركوعه و سجوده، فجئت لأنظر اليه فسبقني إلى السجود فسمعته يقول- ثم ساق الدعاء إلى ان قال- ثم انفتل و خرج من باب كندة، فتبعته حتى اتى مناخ الكلبتين فمر بأسود فامره بشى‏ء لم افهمه فقلت: من هذا؟ فقال: هذا علي بن الحسين (عليه السلام)، فقلت: جعلني اللّه فداك ما اقدمك هذا الموضع؟ فقال: الذي رأيت.

و في الامالي و البحار بالاسناد عن ابن نباتة قال: بينا ذات يوم حول امير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد الكوفة إذ قال: يا اهل الكوفة لقد حباكم اللّه عز و جل بما لم يحب به احدا ففضل مصلاكم و هو بيت آدم و بيت نوح و بيت ادريس و مصلى ابراهيم الخليل و مصلى اخي الخضر و مصلاي، و ان مسجد كم هذا احد المساجد الاربعة التى اختارها اللّه عز و جل لاهلها، و كأنى به يوم القيامة في ثوبين ابيضين شبيه بالمحرم يشفع لاهله و لمن صلى فيه فلا ترد شفاعته و لا تذهب الايام حتى ينصب الحجر الاسود فيه و ليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدي من ولدي و مصلى كل مؤمن و لا يبقى على الارض مؤمن إلا كان به او حن قلبه اليه فلا تهجرن و تقربوا إلى اللّه عز و جل بالصلاة فيه و ارغبوا اليه في قضاء حوائجكم فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من اقطار الارض و لو حبوا على الثلج.

و في البحار بالاسناد عن عبد اللّه بن الوليد قال: دخلنا على ابى عبد اللّه‏

28

الحسين في زمان مروان، فقال: ممن انتم؟ فقلنا: من اهل الكوفة، قال: ما من البلدان اكثر محبا لنا من اهل الكوفة لا سيما هذه العصابة، إن اللّه هداكم لامر جهله الناس فاحببتمونا، و ابغضنا الناس و تابعتمونا، و خالفنا الناس، و صدقتمونا و كذبنا الناس، فاحياكم اللّه محيانا، و اماتكم مماتنا، فاشهد على ابي انه كان يقول ما بين احدكم و بين ان يرى ما تقر به عينه او يغتبط إلا ان تبلغ نفسه، هكذا و اهوى بيده إلى حلقه، و قد قال اللّه عز و جل في كتابه (و لقد ارسلنا رسلا من قبلك و جعلنا لهم ازواجا و ذرية) فنحن ذرية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و في ثواب الاعمال و البحار عن المفضل عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

صلاة في مسجد الكوفة تعدل الف صلاة فى غيرها من المساجد.

و في ثواب الاعمال و البحار بالاسناد عن ابى بصير قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: نعم المسجد مسجد الكوفة، صلى فيه الف نبي و الف وصي، و منه فار التنور و فيه نجرت السفينة، ميمنته رضوان اللّه، و وسطه روضة من رياض الجنة و ميسرته مكر، فقلت لابي بصير: ما يعني بقوله مكر؟ قال: يعني منازل الشيطان‏

و في ثواب الاعمال و البحار بالاسناد عن محمد بن سنان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: الصلاة في مسجد الكوفة فرادى افضل من سبعين صلاة في غيره جماعة.

و في البحار بالاسناد عن الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: الصلاة في مسجد الكوفة الفريضة تعدل حجة مقبولة، و التطوع فيه يعدل عمرة مقبولة.

و في الكامل و البحار بالاسناد عن الاصبغ بن نباتة عن علي قال: النافلة في هذا المسجد تعدل عمرة مع النبي، و الفريضة تعدل حجة مع النبي، و قد صلى فيه الف نبي و الف وصي.

و في الكامل و البحار عن القلانسى قال: سمعت ابا عبد اللّه يقول الصلاة في مسجد الكوفة بألف صلاة.

29

و في البحار بالاسناد عن المدائنى قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

مكة حرم اللّه، و المدينة حرم محمد رسول اللّه، و الكوفة حرم علي بن ابى طالب (عليه السلام)، ان عليا حرم من الكوفة، ما حرم ابراهيم من مكة، و ما حرم محمد من المدينة.

و في الكامل و البحار بالاسناد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: مكة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم علي، الصلاة فيها بمائة الف صلاة، و الدرهم فيها بمائة الف درهم، و المدينة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم علي بن ابى طالب، الصلاة فيها في مسجدها بعشرة آلاف صلاة، و الدرهم فيها بعشرة آلاف درهم، و الكوفة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم امير المؤمنين علي بن ابي طالب، الصلاة في مسجدها بألف صلاة.

و في الكامل و البحار بالاسناد قال ابو عبد اللّه (عليه السلام): نفقة درهم بالكوفة تحسب بمائة درهم فيما سواها، و ركعتان فيها تحسب بمائة ركعة.

و في رواية: الدرهم فيها بألف درهم.

هذا ما ذكرناه في فضل مسجد الكوفة و قد اختصرنا، و ان الاخبار في فضله كثيرة. و الكتب مشحونة لا حصر لعدها، و من اراد الزيادة على ما ذكرناه فليراجع كتب الفقهاء و المزارات و الاخبار و التواريخ، و منها: اصول الكافي، و كامل الزيارات، و ثواب الاعمال، و امالي الصدوق و الشيخ المفيد، و علل الشرائع إلى غير ذلك، و قد اغترفنا غرفة منها و فيها الكفاية، و ربما نذكر بعد هذا طرفا من فضله، و اما مامر من فضل الصلاة في مسجد الكوفة في رواية بحجة و في رواية بألف و في غيرها اقل او اكثر، فهذا غير خفي على اهل المعرفة، و قد اشار إلى ذلك العلامة المجلسى (رحمه اللّه) في قوله «لعل الاختلافات الواقعة في تلك الاخبار محمولة على اختلاف الصلوات و المصلين و نياتهم و حالاتهم مع ان الاقل لا ينافي الاكثر إلا بالمفهوم» و اما الاخبار التى ذكرها من ان ميمنة الكوفة يمن او روضة من رياض‏

30

الجنة او بركة، فذلك ايضا اشار اليه العلامة المجلسى (رحمه اللّه) و قال: هذا إشارة إلى ارض الغري و كربلاء. و ذكرنا ايضا فيما مر و فيه عصا موسى، قال المجلسى:

اي كانت مودعة فيه فاخذها النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و الآن مودعة فيه كلما اراد الامام (عليه السلام) اخذه.

و روي في الكافي و البحار بالاسناد عن ابى عبيدة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال مسجد كوفان روضة من رياض الجنة، صلى فيه الف نبي و سبعون نبيا و ميمنته رحمة و ميسرته مكرمة، فيه عصا موسى، و شجرة يقطين، و خاتم سليمان، و منه فار التنور و نجرت السفينة، و هى صرة بابل و مجمع الانبياء.

قال الفاضل المجلسى: صرة بابل اي اشرف اجزائها لأن الصرة مجمع النقود التي هى انفع الاموال.

و فى رواية العياشى: سرة بابل- بالسين- قال في القاموس: سرة الوادي افضل مواضعه.

و في العلل عن ابى سعيد الخدري قال: قال لي رسول اللّه الكوفة جمجمة العرب و رمح اللّه تبارك و تعالى و كنز الايمان.

قال ابن الاثير في نهاية الحديث: أئت الكوفة فان فيها جمجمة العرب- اي ساداتها- لأن الجمجمة الرأس و هو اشرف الاعضاء.

و قيل جما جم العرب التي تجمع البطون فتنسب اليها دونهم، و ان العرب تجعل الرمح كناية عن الدفع و المنع .. انتهى.

فالمعنى ان اللّه يدفع بها البلايا عن اهلها، و اما كونها كنز الايمان لكثرة نشوء المؤمنين الكاملين و انتشار شرايع الايمان فيها.

و في البحار بالاسناد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: اما انه ليس بلدة من البلدان اكثر محبا لنا من اهل الكوفة.

31

قدم مسجد الكوفة

و اما قدم مسجد الكوفة فانه ذكر ذلك جماعة كثيرة من فقهائنا منهم شيخنا الصدوق محمد بن علي بن موسى بن الحسين بن بابويه القمي (رحمه اللّه) صاحب التصانيف الكثيرة، فانه ذكر ذلك في كتابه من لا يحضره الفقيه، و آخر من ذكر قدم مسجد الكوفة العلامة الكبير السيد محمد بن السيد عبد الكريم الطباطبائى (رحمه اللّه). و هذا السيد هو جد العلامة الحجة البالغة السيد محمد مهدى الشهير ببحر العلوم (قدس سره)، و له تصانيف منها رسالة في فضل الكوفة فانه ذكر في اولها نبذة من فضائل مسجد الكوفة الاعظم، و فضل الصلاة فيه، قال: قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لما اسرى بى مررت بموضع مسجد الكوفة و انا على البراق و معي جبرئيل، فقال:

يا محمد هذه كوفان و هذا مسجدها انزل فصل في هذا المكان، قال: فنزل فصليت فقلت: يا جبرئيل اي شي‏ء هذا الموضع؟ قال: يا محمد هذه كوفان و هذا مسجدها اما انى فقد رأيتها عشرين مرة خرابا، و عشرين مرة عمرانا، ما بين كل مرتين خمسمائة عام .. انتهى.

قال البراقى: انظر ايها القارئ إلى قدم مسجد الكوفة، و يحتمل لكلام جبرئيل وجهان، احدهما: ان يكون رآه قبل ان يخلق آدم بهذه المدة و هي عشرين الف سنة فيكون على ما ذكرنا في اول كتابنا هذا انه كان معبدا للملائكة.

و الوجه الثانى و هو غير متجه انه رآه من حين ما خلق آدم إلى زمان نبينا فعلى هذا الوجه لم يتجه لأن من خلق آدم إلى نبينا ستة آلاف بالاتفاق من المؤرخين و اهل السير و الاخبار، نعم ان فيما بينهم اختلافا في الزيادة على الستة آلاف بمقدار من السنين، فبعضهم يزيد مائة سنة و بعضهم اقل و بعضهم اكثر.

32

و قال السيد المذكور في رسالته نقل انه قد خطط ذلك المسجد ابو البشر آدم لما ذكر من حديث جبرئيل. ثم قال: و لا ينافي ما ذكرنا من انه خطه آدم بناء على ما نقل، و اشتهر انه كان من ابتداء خلق آدم إلى زمان نبينا (ص) ستة آلاف سنة او قريب منها، فلو كان المسجد مبنيا من زمانه (عليه السلام) لكان رؤية جبرئيل اياها من زمانه إلى زمان نبينا اثنتي عشرة مرة، و ذلك لجواز كون الباقي ثماني و عشرين مرة اخرى في زمان خلافة الملائكة و الجن قبل آدم و عمارته في زمانهما يمكن ان تكون بالعبادة او مع البناء الظاهر .. انتهى.

فاتضح ان مسجد الكوفة كان قبل خلق ابينا آدم بالوف من السنين، و انه كان قبل آدم معبدا للملائكة و لمن شاء اللّه من خلقه.

أول من أسس مسجد الكوفة

ان اول من اسس مسجد الكوفة و بناه هو آدم كما هو المشهور و المأثور و لعل الملائكة فيما قبل نبته و ان لم يذكر احد ذلك من اهل الاخبار، لكن بمقتضى كلام جبرئيل للنبي انى رأيته خرابا، و رأيته عمرانا ان تكون عمرته الملائكة بامر اللّه تعالى، ثم عمره آدم (عليه السلام).

قال البراقى: و يؤيد ما ذكرناه من ان مسجد الكوفة خطه آدم الاخبار الكثيرة الآتية عن قريب من ان مسجد الكوفة قد نقص عن بنائه كثيرا و الاخبار فى ذلك كثيرة نذكر طرفا منها:

أما السيد الطباطبائى فقال: و كان هو اعظم مما هو الآن بكثير.

و أما الاخبار فقد ذكر الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، و المجلسى في البحار بالاسناد عن الصادق (عليه السلام) انه قال: حد مسجد الكوفة آخر

33

السراجين خطه آدم و انا اكره ان ادخله راكبا، فقيل له: فمن غيره عن خطته قال:

أما اول ذلك فالطوفان في زمن نوح، ثم غيره بعد اصحاب كسرى و النعمان بن منذر، ثم غيره زياد بن ابى سفيان، و ذكر ما مر من خبر الرجل الذي سأل امير المؤمنين (عليه السلام) فاجابه الامام بقوله: (بع راحلتك و كل زادك و عليك بمسجد الكوفة- إلى ان قال- و البركة منه إلى اثنى عشر ميلا من حيث ما جئته و قد ترك من أسه الف ذراع).

و في رواية اخرى في البحار عنه (عليه السلام) قال: ان مسجد الكوفة رابع اربعة مساجد للمسلمين ركعتان احب إلي من عشرة فيما سواه، و لقد نجرت سفينة نوح في وسطه، و فار التنور من زاويته و البركة منه على اثنى عشر ميلا من حيث ما اتيته، و لقد نقص منه اثنا عشر الف ذراع بما كان على عهدهم.

و في البحار بالاسناد عن حذيفة قال، و اللّه ان مسجدكم هذا لأحد المساجد الاربعة المعدودة، المسجد الحرام و مسجد المدينة، و المسجد الاقصى. و مسجدكم هذا- يعني مسجد الكوفة- ألا و ان زاويته اليمنى مما يلي ابواب كندة منها فار التنور، و ان السارية الخامسة مما يلي صحن المسجد عن يمينة المسجد مما يلي ابواب كندة مصلى ابراهيم الخليل، و ان وسطه لنجرت فيه سفينة نوح، و لئن اصلي فيه ركعتين احب إلي من ان اصلي في غيره عشر ركعات، و لقد نقص من ذرعه من الاس الاول إثنا عشر الف ذراع، و ان البركة منه على اثنى عشر ميلا من اي الجوانب جئته.

و فى الكافي و البحار بالاسناد عن ابي البطائنى عن ابى بصير قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول نعم المسجد مسجد الكوفة صلى فيه الف نبي و الف وصى و منه فار التنور، و فيه نجرت السفينة، ميمنته رضوان اللّه و وسطه روضة من رياض الجنة و ميسرته مكر. فقلت لابي بصير: ما يعني بقوله مكر؟ قال: يعنى منازل الشياطين. ثم قال: و كان امير المؤمنين (عليه السلام) يقوم على باب المسجد ثم‏

34

يرمي بسهمه فيقع في موضع التمارين، فيقول ذاك من المسجد. و كان يقول: قد نقص من اساس المسجد مثل ما نقص في تربيعه.

و في تفسير العياشى و البحار عن المفضل بن عمر قال: كنت مع ابى عبد اللّه (عليه السلام) بالكوفة ايام قدم على ابى العباس، فلما انتهينا إلى الكناسة نظر عن يساره ثم قال: يا مفضل هاهنا صلب عمي زيد، ثم مضى باصحابه حتى اتى الرفائين و هو آخر السراجين، فنزل و قال لي انزل فان هذا الموضع كان مسجد الكوفة الاول الذي خطه آدم، و انا اكره ان ادخله راكبا، فقلت له: فمن غيره عن خطته قال: اما اول ذلك فالطوفان في زمن نوح، ثم غيره بعد اصحاب كسرى و النعمان ابن المنذر، ثم غيره زياد بن ابى سفيان، فقلت له: جعلت فداك و كانت الكوفة و مسجدها في زمن نوح؟ فقال: نعم يا مفضل و كان منزل نوح و قومه في قرية على متن الفرات مما يلي غربي الكوفة، قال: و كان نوح رجلا نجارا فارسله اللّه و انتجبه و نوح اول من عمل سفينة فجرت على ظهر الماء و ان نوحا لبث في قومه الف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الهدى فيمرون به و يسخرون منه، فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم و قال: (رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا) إلى قوله (فلم يلدوا إلا فاجرا كفارا) فاوحى اللّه اليه يا نوح ان اصنع الفلك و اوسعها و عجل عملها بأعيننا و وحينا، فعمل نوح السفينة في مسجد الكوفة بيده، يأتى بالخشب من بعد حتى فرغ منها.

قال المفضل: ثم انقطع حديث ابى عبد اللّه (عليه السلام) عند ذلك عند زوال الشمس فقام فصلى الظهر ثم صلّى العصر ثم انصرف من المسجد فالتفت عن يساره و اشار بيده إلى موضع دار الداريين و هو موضع دار ابن حكيم و ذلك فرات اليوم و قال لي: يا مفضل هاهنا نصبت اصنام قوم نوح يغوث و يعوق و نسر، ثم مضى حتى ركب دابته فقلت له: جعلت فداك في كم عمل سفينة نوح و فرغ منها. قال:

في الدورين فقلت: كم الدوران؟ قال: ثمانون سنة قلت: ان العامة تقول‏

35

عملها في خمسمائة عام؟ فقال: كلا كيف و اللّه يقول: (و وحينا).

قال المفضل: قلت لابى عبد اللّه (عليه السلام) أرأيت قول اللّه (حتى جاء امرنا و فار التنور) ما هذا التنور؟ و أين كان موضعه، و كيف كان؟ فقال: و كان التنور حيث وصفت لك، فقلت: فكان بدء خروج الماء من ذلك التنور، فقال:

نعم ان اللّه احب ان يرى قوم نوح الآية، ثم ان اللّه بعد ان ارسل اليهم مطرا يفيض فيضا، و فاض الفرات فيضا ايضا، و العيون كلهن عليها فاغرقهم اللّه و انجى نوحا و من معه في السفينة، فقلت له: فكم لبث نوح و من معه في السفينة حتى نضب الماء و خرجوا منها، فقال: لبثوا فيها سبعة ايام بلياليها، و طافت بالبيت، ثم استوت على الجودي و هو فرات الكوفة، فقلت له: ان مسجد الكوفة لقديم! فقال: نعم و هو مصلى الانبياء، و لقد صلي فيه رسول اللّه (ص) حيث انطلق به جبرئيل على البراق، فلما انتهى به إلى دار السلام، و هو ظهر الكوفة و هو يريد بيت المقدس، قال له: يا محمد هذا مسجد آدم و مصلى الانبياء فانزل فصل فيه فنزل رسول اللّه (ص) فصلى، ثم انطلق به إلى بيت المقدس فصلى، ثم ان جبرئيل عرج إلى السماء.

قال البراقى: يتضح لك مما ذكرناه ان مسجد الكوفة قديم، و فضله عظيم و انه قد خطه آدم فما دونه من الانبياء و انه كان عظيما جدا، و انه قد نقص منه اثنا عشر الف ذراع او اقل بيسير او اكثر كما بينا فيما تقدم من الاخبار، و ان نقيصته تكون و اللّه اعلم من جهة عكس القبلة، و ذلك لما مر في حديث المفضل من قوله (لما انتهينا إلى الكناسة نظر الصادق عن يساره ثم قال يا مفضل‏ها هنا صلب عمى زيد ثم مضى حتى اتى طاق الرفائين و هو آخر السراجين فنزل و قال لي انزل فان هذا الموضع كان مسجد الكوفة الاول الذي خطه آدم) إلى آخر ما مر فالكناسة هى الآن فيها مقام زيد بن علي و هو مقام دفنه و حرقه، و هو عن قرية الكفل على بعد خمسة اميال، و كان مجيى‏ء الصادق (عليه السلام) من ذلك المكان‏

36

فنقصانه و اللّه اعلم يكون اوله من قرب مقام يونس، و يبعد كل البعد ان يكون نقصانه من الجهة القبلة، و ذلك لان قصر الامارة من جهة قبلة المسجد و محاذيه و اوضح من هذا ان دار امير المؤمنين (عليه السلام) يخرج الخارج منها و يدخل المسجد، و لو كان موضعها من المسجد لما اتخذه امير المؤمنين (عليه السلام) مسكنا و ان هذا البيت بيت امير المؤمنين (عليه السلام) لا ريب.

و يؤيد ذلك ما اخبر عنه اهل التواريخ و لعله يأتى ذلك انشاء اللّه، و لا يصح القول بأن امير المؤمنين (عليه السلام) اباح اللّه له من المساجد ما ابيح للنبي (ص) لانه انما اباح اللّه ذلك للنبي و لامير المؤمنين و لفاطمة و للحسنين (عليهم السلام) فحسب لا لسائر ازواج امير المؤمنين و لا لمطلق اولاده لأن ذلك مخصوص بالمعصوم و اوضح برهان على ذلك تسالم الناس من عصر إلى عصر و اتفاقهم على ان هذه هى دار امير المؤمنين (عليه السلام).

تحديد مقامات مسجد الكوفة

و فيما ذكر العلامة المجلسى في تحديد المقامات التي في مسجد الكوفة دلالة على ما قلناه، قال (رحمه اللّه) في البحار «ج 22» اعلم ان لهذا المسجد في زماننا هذا بابين متقابلين احدهما في جانب بيت امير المؤمنين (عليه السلام) مما يلي القبلة، و الآخر مقابله في دبر القبلة و سائر الابواب مسددة إلى آخر كلامه.

و كتب القاضى الميرزا عبد اللّه افندي تلميذ العلامة المجلسى على هامش المجلد الثانى و العشرين من البحار بخطه ما هذا نصه (نقلا عن كتاب محمد بن المثنى عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربى قال: سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن حد المسجد- إلى ان قال- و سألته عن بيت علي فقال اذا دخلت فهو من‏

37

عضادته اليمنى إلى ساحة المسجد و كان بينه و بين بيت نبي اللّه خوخة) يريد بيت نبي اللّه بيت نوح و هو المقام الملاصق للمنبر الموجود الآن الذي هو ما بين مقام نوح (عليه السلام) و مقام امير المؤمنين (عليه السلام) و هو الباب الذي ذكره المجلسى فيما مر من كلامه بقوله (بابين متقابلين احدهما في جانب بيت امير المؤمنين مما يلي القبلة) إلى آخر ما مر و هو بيت نوح و سيأتي ما يؤيد ذلك.

قال المجلسي: قال الشهيد روى حبيب بن ابى ثابت عن عبد الرحمن بن الاسود الكاهلي قال: قال لي ألا تذهب بنا إلى مسجد امير المؤمنين (عليه السلام) فنصلي فيه، قلت: و اى المساجد هذا؟ قال: مسجد بنى كاهل لم يبق منه سوى أسه و اس مأذنته، قلت: حدثنى بحديثه، قال: صلى علي بن ابى طالب بنا في مسجد بنى كاهل الفجر.

قال المجلسى: و الآن توجد آثار تلك المأذنة و هى بجنب قبور بباب بيت امير المؤمنين، و صلّى الصادق ايضا الفجر في مسجد بني كاهل.

قال البراقى: يريد المجلسي بقوله (و الآن توجد آثار تلك المأذنة) اي في عصره في حدود الثمانين بعد الالف من الهجرة.

و كذا ذكر القاضى الميرزا عبد اللّه افندي فى الهامش بخطه فقال: اقول الآن ايضا توجد آثار تلك المأذنة و هي بجنب قبور بباب بيت امير المؤمنين (عليه السلام)

و ذكر العلامة المتتبع السيد عبد اللّه شبر في مزاره فقال: و اما بيت امير المؤمنين (عليه السلام) فهو و ان لم ترد في زيارته و الصلاة فيه رواية إلا انه لما كان مشرفا بسكناه فيه فالدعاء و الصلاة فيه لا يخلوان من فضل عظيم، و قد وردت اخبار مطلقة في تعظيم مساكنهم و مشاهدهم. ثم قال و مزار بعض بنات امير المؤمنين (عليه السلام) حوالى مسجد الكوفة معروف.

قال البراقى: كما وردت اخبار مطلقة في تعظيم مساكنهم و مشاهدهم فقد نطق القرآن الكريم بذلك فقال عز و جل (في بيوت اذن اللّه ان ترفع و يذكر فيها اسمه)

38

الآية. و ذلك اقوى حجة و برهان.

و ذكر ابن بطوطة الرحالة في رحلته التي هى في حدود السبع مائة من الهجرة و هو من اعاظم العلماء الخبيرين، و قد ساح في البلدان إلى ان وصل إلى مدينة الكوفة، فقال في ذكر المحراب ما نصه: (و محراب محلق باعواد الساج مرتفع و هو محراب امير المؤمنين و هنا لك ضربه الشقى ابن ملجم، و الناس يقصدونه للصلاة به، و في الزاوية من آخر هذا البلاط مسجد صغير محلق عليه ايضا باعواد الساج يذكر انه الموضع الذي فار منه التنور حين طوفان نوح، و في ظهره خارج المسجد بيت يزعمون انه بيت نوح، و بأزائه بيت يزعمون انه متعبد ادريس، و يتصل بذلك فضاء متصل بالجدار القبلي من المسجد يقال انه موضع انشاء سفينة نوح، و في آخر هذا الفضاء دار علي بن ابي طالب و البيت الذي غسل فيه، و يتصل به بيت يقال ايضا انه بيت نوح).

قال البراقى: ان ابن بطوطة شاهد آثارا كثيرة و في زماننا هذا ليس لها عين و لا اثر، و يظهر من كلامه في محراب امير المؤمنين انه المحراب الموجود الآن الذي بجنبه المنبر المبني بالجص و الحجارة. و بقوله: في الزاوية من آخر هذا البلاط يشير إلى الزاوية الغربية و هى الآن حجرة كبيرة فعلى كلامه يكون منها فار التنور.

و يظهر من قوله في ظهره خارج المسجد بيت يزعمون انه بيت نوح، ان بيت نوح ملاصق للزاوية الغربية و يتصل بالباب الذى ذكرنا انه مقام نوح الذي بجنب المنبر و هو الباب الذى يدخل منه الامام امير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد

و أما متعبد ادريس فليس له اليوم عين و لا اثر، و أما الفضاء الذى ذكره المتصل بالجدار القبلي من المسجد الذي نجرت فيه السفينة فهو هذا الفضاء الموجود ما بين بيت امير المؤمنين و بيت نوح الذي هو ملاصق للحائط القبلي و ستطلع على زيادة بيان لذلك فيما يأتى ان شاء اللّه.

39

التياسر في قبلة مسجد الكوفة

أما قبلة مسجد الكوفة فان فيها التياسر للمصلين. قال المجلسي رضى اللّه عنه ما نصه:- فائدة- قال شيخنا الفاضل الكامل السيد السند البارع التقى امير شرف الدين علي الشولستاني الساكن في مشهد الغرى حيا و ميتا (قدس اللّه روحه) في بعض فوائده لا يخفى انه انما تعلم الكعبة و جهتها بمحراب المعصوم و امره (عليه السلام) في زمانه او في زمان غيره، لكنه (عليه السلام) صلّى اليه من غير تيامن و تياسر و على هذا أمر مسجد الكوفة مشكل إذ بناؤه كان قبل زمان امير المؤمنين (عليه السلام) و الحائط القبلي و المحراب المشهور بمحراب امير المؤمنين (عليه السلام) ليسا موافقين لجعل الجدي خلف المنكب الايمن بل فيهما تيامن بحيث يصير الجدي قدام المنكب الايمن، و كنت في هذا متأملا و متحيرا، و ايد تحيري بانهما كانا عكس ضريحه المقدس فانه كان فيه تياسر كثير و وقت عمارته بأمر السلطان الأعظم شاه صفى (قدس اللّه روحه)، قلت للمعمار: غيّره إلى التيامن فغيره و مع هذا فيه تياسر في الجملة و مخالف لمحراب مسجد الكوفة و حملته على انه كان بناه غير المعصوم من القائلين بالتياسر، و كنت في الروضة المقدسة متيامنا و في الكوفة متياسرا لأنه نقل انه صلى في مسجدها و لم ينقل انه (عليه السلام) صلى باستقامة من غير تيامن و تياسر، و كان في وسط الحائط المذكور محراب كبير متروك العبادة عنده غير مشهور بمحراب امير المؤمنين (عليه السلام)، و لا بمحراب احد من الانبياء و الأئمة (عليهم السلام)، و لما صار المسجد خرابا و تهدمت الاسطوانات الكائنة فيه، و اختفى فرشه الأصلي بالاحجار و التراب اراد الوزير الكبير ميرزا تقى الدين محمد (رحمه اللّه) تنظيف المسجد من الكثافات الواقعة فيه، و عمارة الجانب القبلي من المسجد و رفع‏

40

التراب و الاحجار المرمية في صحنه إلى الفرش الاصلي، و نظف و سوى دكتين في الجهتين الشرقية و الغربية، فظهر ان المحراب و الباب المشهورين بمحرابه و بابه (عليه السلام) كانا متصلين بالفرش الأصلي، بل كانا مرتفعين عنه قريبا من ذراعين و المحراب المتروك الذي كان في وسط الحائط القبلي كان متصلا و واصلا اليه.

و ظهر ايضا باب كبير قريب منه واصل اليه، و كانت عند الحائط القبلي من اوله إلى آخره اسطوانات و صفات، و بنى الوزير الامجد عمارته عليها و عند ذلك المحراب كانت صفة كبيرة قدر صفتين من اطرافها لم يكن بينها اثر اسطوانات، و لما صار هذا المحراب الكبير عتيقا كثيفا. امر الوزير بقلع وجهه ليبيضوه فقلعوا فاذا تحت الكثافة المقلوعة انه بيضوه ثلاث مرات و حمروه كذلك. و في كل مرتبة بياض و حمرة امالوه إلى اليسار، فتحير الامير في ذلك فاحضرنى و ارانيه، و كان معه جمع كثير من العلماء و العقلاء الاخيار، و كانوا متحيرين في الوجه، فخطر ببالي ان ذلك المحراب كان محراب امير المؤمنين (عليه السلام)، و كان يصلي اليه لوصوله إلى الفرش الاصلي و لوقوعه في صفة كبيرة يجتمع فيها العلماء، و الاخيار خلف الامام (عليه السلام)، و لذلك كان ذلك الباب بابه (عليه السلام) الذي يجيي‏ء من البيت إلى المسجد منه لاتصاله بالفرش، و لما كان الجدار قديما، و كان ذلك المحراب فيه و لم يكن موافقا للجهة شرعا تياسر (عليه السلام) و بعده المسلمون حرفوا، و أمالوا البياض و الحمرة إلى التياسر ليعلم الناس انه (عليه السلام) تياسر فيه، و حمروه ليعلموا انه (عليه السلام) قتل عنده، و كان تكرار البياض و الحمرة لتكرار الاندراس و الكثافة و لما خرب المسجد و اندرست الاسطوانات و الصفات و اختفى الفرش الاصلي و حدث فرش آخر احدث بعض الناس ذلك المحراب الصغير و فتح بابا صغيرا قريبا منه على السطح الجديد، و اشتهر بمحرابه و بابه (عليه السلام) و عرضت على الوزير و الحضار فكلهم صدقونى و قبلونى و صلوا الصلاة المقررة و المعهودة عند محرابه و قرؤا الدعاء المشهور قراءته بعد الصلاة عنده، و تياسروا في الصلاة على ما رأوا إلى المحراب، و امر

41

الوزير بزينته زائدا على زينة سائر المحاريب و تساهل المعمار فيها، فحدث ما حدث في العراق و بقي على ما كان عليه كسائر المحاريب، و السلام على من اتبع الهدى.

إلى هنا كلام العلامة شرف الدين الشولستانى (رحمه اللّه).

قال المجلسي: وجدت محاريب العراق و ابنيتها مختلفة غاية الاختلاف و اقربها إلى الرياضية قبلة حائر الحسين (عليه السلام) و لكنها ايضا منحرفة عن نصف النهار اقل مما تقتضيه القواعد بقليل. و أما ضريح امير المؤمنين (عليه السلام) و ضريح الكاظمين فهما على نصف النهار من غير انحراف بين و ضريح العسكريين (عليهما السلام) منحرف عن يسار نصف النهار قريبا من عشرين درجة، و محراب مسجد الكوفة منحرف عن يمين نصف النهار نحوا من اربعين درجة، و هو قريب من قبلة اصفهان و ليس على ما ذكره السيد (رحمه اللّه) من كون الجدي قدام المنكب، و إلا لكان قريبا من المغرب. و انحراف الكوفة بحسب القواعد الرياضية اثنتا عشرة درجة عن يمين نصف النهار، و انحراف بغداد قريب منه، و انحراف سر من رأى قريب من ثمانى درجات من جهة اليمين، و قبلة مسجد السهلة قريب من القواعد.

فظهر مما ذكرنا ان روضة امير المؤمنين (عليه السلام) اقرب إلى القواعد من محراب مسجد الكوفة و لعل هذه الاختلافات مبنية على التوسعة في امر القبلة، و لا يبعد ان يكون الامر بالتياسر لأهل العراق، لكون المحاريب المشهورة المبنية فيها في زمان خلفاء الجور لا سيما المسجد الاعظم على هذا الوجه، و لم يمكنهم اظهار خطأ هؤلاء، فامروا شيعتهم بالتياسر عن تلك المحاريب و عللوها بما عللوا به تقية لئلا يشتهر منهم الحكم بخطأ من مضى من خلفاء الجور. إلى هنا كلام المجلسى اخذنا منه موضع الحاجة.

42

تخيير المسافر بين القصر و التمام في مسجد الكوفة

من فضل مسجد الكوفة ان المسافر حكمه التقصير، و إذا دخله المسافر يصلي تماما و ذلك لما ورد عن جميع الفقهاء عن الأئمة (عليهم السلام) و إنا نقتصر على بعض ما ذكره الحر العاملي في الوسائل، فانه افرد لذلك بابا تحت عنوان (باب تخيير المسافر في مكة و المدينة و الكوفة و الحائر مع عدم نية الاقامة بين القصر و التمام، و استحباب اختيار التمام).

عن محمد بن الحسن باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن الحسن بن علي بن النعمان عن ابى عبد اللّه البرقى عن علي بن مهزيار و ابي علي بن راشدا جميعا عن حماد ابن عيسى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: من مخزون علم اللّه الاتمام في اربعة مواطن (حرم اللّه و حرم رسوله و حرم امير المؤمنين و حرم الحسين بن علي (عليهما السلام).

و رواه الصدوق في الخصال عن محمد بن الحسن عن الصفار عن الحسن بن علي ابن النعمان.

و رواه ابن قولويه في المزار عن العياشى عن علي بن محمد بن احمد عن الحسن ابن علي بن النعمان مثله.

و عنه عن محمد بن همام عن جعفر بن محمد- يعني محمد بن حمدان- عن زياد القندى قال: قال ابو الحسن يا زياد احب لك ما احب لنفسى، و اكره لك ما اكره لنفسى، اتم الصلاة في الحرمين و في الكوفة و عند قبر الحسين (عليه السلام).

و رواه ابن قولويه في المزار باسناده عن محمد بن احمد بن داود القندى عن‏

43

لحسين بن علي بن سفيان عن جعفر بن محمد بن مالك عن محمد بن حمدان المداينى عن زياد القندى.

و باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن سنان عن عبد الملك القمي عن اسماعيل بن جابر عن عبد الحميد خادم اسماعيل بن جعفر عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: تتم الصلاة في اربعة مواطن في المسجد الحرام و مسجد الرسول و مسجد الكوفة و حرم الحسين (عليه السلام).

و رواه الكليني عن عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد.

و رواه ابن قولويه في المزار عن ابيه و اخيه و علي بن الحسين رحمهم اللّه عن سعد عن اسماعيل عن احمد بن محمد إلا انه ترك ذكر محمد بن سنان.

و رواه الشيخ في المصباح عن اسماعيل بن جابر و الذي قبله عن زياد القندي مثله‏

و عن علي بن محمد عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن حذيفة بن منصور و عمن سمع ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: تتمّ الصلاة في المسجد الحرام و مسجد الرسول و مسجد الكوفة و حرم الحسين (عليه السلام).

و رواه الشيخ عن حذيفة عن منصور مثله. ثم قال: و في خبر آخر في حرم اللّه و حرم رسوله و حرم امير المؤمنين و حرم الحسين (عليه السلام).

و عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان عن اسحاق بن حريز عن ابى بصير عن ابي عبد اللّه قال: سمعته يقول تتم الصلاة في اربعة مواطن في المسجد الحرام و مسجد الرسول (ص) و مسجد الكوفة و حرم الحسين «ع».

و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب- و كذا قبله-.

و روى محمد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام) من الامر المذخور اتمام الصلاة في اربعة مواطن مكة و المدينة و مسجد الكوفة و حائر الحسين (عليه السلام).

و روى جعفر بن محمد بن قولويه في المزار عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر

44

الحميري عن ابيه عن احمد بن ابي عبد اللّه البرقى عن ابيه عن حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: من الامر المذخور اتمام الصلاة في اربعة مواطن بمكة و المدينة و مسجد الكوفة و الحائر، و القول بالتخيير و ترجيح الاتمام مذهب جميع الامامية او اكثرهم، و خلافه شاذ نادر. انتهى ما ذكره في الوسائل. و من اراد الزيادة على ما ذكرناه فان جميع فقهائنا ذكروا ذلك في تصانيفهم اجمع من عصر الأئمة إلى حين التأريخ و عليه عملهم و فتاواهم.

إستحباب الاعتكاف في مسجد الكوفة

قد وردت اخبار كثيرة عن الأئمة (عليهم السلام) في الاعتكاف بمسجد الكوفة و جميع فقهائنا من عصر الأئمة ايضا إلى حين التاريخ ذكروا ذلك و افتوا فيه و عليه عملهم و نشير إلى طرف من الاخبار الواردة في ذلك، و نقتصر على بعض ما اشار اليه الحر العاملي في الوسائل، و قد أفرد له بابا تحت عنوان: (اشتراط كون الاعتكاف في مسجد الحرام و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و مسجد الكوفة و مسجد البصرة او في مسجد جماعة.

عن محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن حماد عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الاعتكاف، قال: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام او مسجد الرسول او مسجد الكوفة او مسجد جماعة و تصوم ما دمت معتكفا.

و عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه امام عدل بصلاة

45

جماعة، و لا بأس ان يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة و مسجد المدينة و مسجد مكة.

و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب إلا انه ترك قوله (و البصرة).

و رواه ايضا باسناده عن علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن علي عن الحسن بن محبوب مثله، و زاد فيه و مسجد البصرة.

و عن محمد بن محمد المفيد في المقنعة قال: روى انه لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جمع فيه نبي او وصى نبي و هى اربعة مساجد: المسجد الحرام جمع فيه رسول اللّه، و مسجد المدينة جمع فيه رسول اللّه و امير المؤمنين، و مسجد الكوفة و مسجد البصرة جمع فيهما امير المؤمنين (عليه السلام).

و رواه الصدوق في المقنع ايضا مرسلا نحوه. و نقل العلامة في المختلف عن ابن ابى عقيل انه قال الاعتكاف عند آل رسول اللّه (ص) لا يكون إلا في المساجد و افضل الاعتكاف في المسجد الحرام و مسجد الرسول و مسجد الكوفة و سائر الامصار مساجد الجماعات.

و نقل عن ابن الجنيد انه قال: روى ابن سعيد- يعنى الحسين- عن ابى عبد اللّه «ع» جواز الاعتكاف في كل مسجد صلى فيه إمام عدل صلاة الجمعة جماعة و في المسجد الذى يصلى فيه الجمعة بامام و خطبة. إلى هنا ما ذكره الحر العاملي في الوسائل. و فيما ذكرناه الكفاية، و ليس في وسعنا ذكر جميع ما ورد في ذلك إذ التطويل يوجب الملل.

46

فضل الصلاة في مسجد الكوفة

نقتصر في ذلك على ما ذكره الحر العاملي في الوسائل، قال: عن محمد بن علي ابن الحسين في الخصال عن ابيه و محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى عن محمد ابن احمد بن يحيى عن بعض اصحابنا عن الحسن بن علي و ابي الصخر جميعا يرفعانه إلى امير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام و مسجد الرسول و مسجد الكوفة.

و رواه مرسلا عن محمد بن الحسن باسناده عن احمد بن محمد عن احمد بن الحسن عن محمد بن الحسين و علي بن حديد و محمد بن سنان عن عمر بن خالد عن ابي حمزة الثمالي ان علي بن الحسين (عليه السلام) اتى مسجد الكوفة عمدا من المدينة فصلى فيه ركعتان ثم دعا حتى ركب راحلته و اخذ الطريق.

و باسناده عن جعفر بن محمد بن قولويه عن محمد بن الحسين الجوهري عن محمد ابن الحسين عن علي بن حديد عن محمد بن سليمان عن عمر بن خالد مثله، إلا انه قال: فصلى فيه ركعتين بما جاء.

و عن علي بن محمد بن صالح بن ابى حماد عن علي بن الحكم عن مالك بن عطية عن ابى حمزة قال: ان اول ما عرفت عن علي بن الحسين انى رأيت رجلا دخل من باب الفيل فصلى اربع ركعات فتبعته حتى اتى بئر الركوة، و إذا بناقتين معقولتين و معهما غلام اسود فقلت له: من هذا؟ فقال: علي بن الحسين، فدنوت فسلمت عليه فقلت له: ما اقدمك بلاد قتل فيها ابوك وجدك؟ فقال: زرت ابى و صليت في هذا المسجد، ثم قال: ها هو وجهي.

و عن محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار عن ابيه عن جده عن الحسن بن محبوب عن حنان بن سدير عن ابى جعفر (عليه السلام) انه قال لرجل من اهل الكوفة

47

اتصلي في مسجد الكوفة كل صلواتك؟ قال: لا، قال: اتغتسل من فراتكم كل يوم مرة؟ قال: لا، قال: ففي كل جمعة؟ قال: لا، قال: ففي كل شهر؟ قال: لا، قال ففى كل سنة؟ قال: لا، قال ابو جعفر (عليه السلام): انك المحروم من الخير، ثم قال اتزور قبر الحسين (عليه السلام) في كل جمعة؟ قال: لا، قال: في كل شهر؟ قال: لا قال: في كل سنة؟ قال: لا، قال ابو جعفر (عليه السلام): انك لمحروم من الخير.

و بالاسناد عن الحسن بن محبوب عن علي بن زياد عن ابى عبيدة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: لا تدع يا ابا عبيدة الصلاة في مسجد الكوفة، و لو اتيته حبوا، فان الصلاة فيه تعدل سبعين صلاة في غيره من المساجد.

و عن محمد بن الحسن عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان عن محمد بن عبد اللّه الخزاز عن هارون بن خارجة عن ابى عبد اللّه قال: قال لي يا هارون بن خارجة كم بينك و بين مسجد الكوفة يكون ميلا؟ قلت: قليلا قال:

فتصلي فيه الصلوات كلها؟ قلت: لا، قال: أما لو كنت بحضرته لرجوت ان لا تفوتني صلاة او تدرى ما فضل ذلك الموضع ما من عبد صالح و لا نبي إلا و قد صلى في مسجدكم حتى ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لما اسرى اللّه به قال له جبرئيل: اتدري اين انت الساعة يا رسول اللّه انت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي ربى حتى آتيه فاصلي ركعتين، فاستأذن اللّه عز و جل فاذن له، و ان ميمنته لروضة من رياض الجنة، و ان وسطه لروضة من رياض الجنة، و ان مؤخره لروضة من رياض الجنة، و ان الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة، و ان النافلة فيه لتعدل بخمسمائة صلاة، و ان الجلوس فيه بغير تلاوة و لا ذكر لعبادة، و لو علم الناس ما فيه لاتوه و لو حبوا.

قال و روى لي عن عمر ان الصلاة فيه لتعدل بحجة و ان النافلة لتعدل بعمرة.

و رواه الشيخ مرسلا من قوله: ما من عبد صالح، إلى قوله: لاتوه حبوا و ترك قوله: و ان وسطه لروضة من رياض الجنة.

48

و رواه ايضا باسناده عن سهل بن زياد مثله إلى قوله و لو حبوا.

و رواه الصدوق في المجالس عن محمد بن علي بن الفضل عن محمد بن جعفر المعروف بابن نباتة عن محمد بن القاسم التميمي عن محمد بن عبد الوهاب عن ابراهيم ابن محمد الثقفي عن توبة بن الخليل عن محمد بن الحسن عن ابن خارجة، نحوه كما في رواية الشيخ.

و رواه الطوسى في الامالي عن ابيه عن الحسين بن عبد اللّه عن ابن بابويه بالاسناد. و رواه البرقى في المحاسن عن عمرو بن عثمان عن محمد بن زياد عن هارون ابن خارجة مثله إلى قوله خمسمائة صلاة.

محمد بن علي بن الحسين قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام) لا يشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، و مسجد الرسول، و مسجد الكوفة، قال:

و قال رسول اللّه (ص) لما اسري بي مررت بموضع مسجد الكوفة، و أنا على البراق و معي جبرئيل فقال يا محمد انزل فصل في هذا المكان، قال: فنزلت فصليت الحديث.

و عن ابيه و محمد بن عبد اللّه جميعا عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن ابراهيم ابن مهزيار عن اخيه علي عن الحسن بن سعيد عن علي بن الحكم عن فضيل الاعور عن ليث بن ابى سليم عن عائشة عن النبي (ص) قال عرج بى إلى السماء فاهبطت إلى مسجد الكوفة فصليت فيه ركعتين. ثم قال: و ان الصلاة المفروضة فيه تعدل حجة مبرورة، و النافلة تعدل عمرة مبرورة.

علي بن موسى بن طاووس فى مصباح الزائر قال: روي ان الفريضة في مسجد الكوفة تعدل بألف فريضة، و النافلة بخمسمائة. تال: و روي ان الفريضة بحجة، و النافلة بعمرة.

و عنه عن محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار عن ابيه عن جده عن علي بن مهزيار عن الحسين بن سعيد عن طريف بن نافع عن خالد بن القلانسى قال: سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: صلاة في مسجد الكوفة بألف صلاة.

49

و بالاسناد عن خالد القلانسى عن الصادق «ع» قال: مكة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم علي بن ابى طالب، ثم ساق الحديث (و قد مر) إلى قوله و الكوفة حرم اللّه و حرم رسوله و حرم علي بن ابى طالب، الصلاة فيها بألف صلاة. و سكت عن الدرهم.

و رواه الصدوق باسناده عن خالد بن مار القلانسى. و رواه الكليني عن علي ابن ابراهيم و غيره عن ابيه خالد بن مار القلانسى و زادوا الدرهم فيها بألف درهم.

و عن ابن قولويه عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الصفار عن احمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن ابراهيم بن محمد عن المفضل بن زكريا عن نجم بن حطيم عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لو يعلم الناس ما في مسجد الكوفة لأعدوا له الزاد و الراحلة من مكان بعيد، و قال: صلاة الفريضة فيه تعدل حجة.

و صلاة النافلة تعدل عمرة.

و عنه عن ابى القاسم عن الحسن بن عبد اللّه بن محمد عن ابيه عن الحسن بن محبوب عن عبد اللّه بن جبلة عن سلام بن ابى عميرة عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: النافلة في المسجد تعدل عمرة مع النبي، و الفريضة تعدل حجة مع الوصى و قد صلي فيه الف نبي و الف وصى.

و باسناده عن الاصبغ بن نباتة ان امير المؤمنين (عليه السلام) قال: يا اهل الكوفة لقد حباكم اللّه عز و جل بما لم يحب به احدا ففضل مصلاكم، و هو بيت آدم، و بيت نوح، و بيت ادريس، و مصلى ابراهيم الخليل، و مصلى اخي الخضر و مصلاي، و ان مسجدكم هذا لأحد المساجد الأربعة التى اختارها اللّه عز و جل لأهلها، و كأنى به قد اتى به يوم القيامة فى ثوبين ابيضين شبيه بالمحرم، يشفع لأهله و لمن يصلي فيه فلا ترد شفاعته و لا تذهب الأيام و الليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه و ليأتين عليه زمان يكون مصلى المهدي و مصلى كل مؤمن، و لا يبقى على وجه الأرض مؤمن إلا وصلى به او حن قلبه اليه، فلا تهجروه و تقربوا إلى اللّه عز و جل‏

50

بالصلاة فيه و ارغبوا اليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من اقطار الأرض و لو حبوا على الثلج.

و في المجالس عن محمد بن علي بن الفضل الكوفي عن محمد بن جعفر المعروف بابن التبان عن ابراهيم عن خالد المقري الكسائى عن عبد اللّه بن داهر عن ابيه عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة مثله.

و في ثواب الاعمال عن محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن ابى القاسم عن محمد بن ابى عبد اللّه البرقى عن ابيه عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: الصلاة في مسجد الكوفة تعدل الف صلاة في غيره من المساجد.

عن جعفر بن محمد بن قولويه في المزار عن ابيه عن سعد بن عبد اللّه عن محمد ابن الحسين عن محمد بن اسماعيل بن بزيغ عن منصور بن يونس عن سليمان مولى طربال و غيره قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) نفقة درهم بالكوفة تحسب بمائة درهم فيما سواها، و ركعتان فيها تحسب بمائة ركعة.

و عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن ابيه عن رجل عن محمد بن عبد الرحمن بن ابى هشام عن داود بن فرقد عن ابى حمزة عن ابى جعفر «ع» قال:

الصلاة في مسجد الكوفة الفريضة تعدل بحجة مقبولة و التطوع فيه يعدل عمرة مقبولة

قال البراقى: انما كررنا ذكر بعض الاحاديث لاختلاف سندها، او لزيادات بعضها دون بعض او لاختلاف المتن فيها و لكن كلها واردة في كتب الاخبار.

و من فضل مسجد الكوفة ان الذى ينفق فيه الدرهم، أما في مطعمه او في غير ذلك يضاعف له فى الاجر، و قد مر عليك قول الصادق (عليه السلام) نفقة درهم بالكوفة تحسب بمائة درهم فيما سواها، و ما رواه الكليني عن القلانسى عن الصادق (عليه السلام) ان مكة حرم اللّه .. إلى قوله: و الصلاة فيها بألف صلاة و الدرهم فيها بألف درهم إلى غير ذلك كما مر ايضا، ان مسجد الكوفة يشفع لمن صلى فيه، و مر

51

ايضا رواية الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: يا اهل الكوفة لقد حباكم اللّه .. إلى قوله: و كأني به قد اتي به يوم القيامة بثوبين ابيضين شبيه بالمحرم يشفع لاهله و لمن يصلي فيه فلا ترد شفاعته، إلى آخر الحديث.

و روى العلامة المجلسي عن النبي (ص) قال: كأنى بمسجد كوفان يأتي يوم القيامة محرما في ملاءتين يشهد لمن صلى فيه ركعتين.

قال المجلسى ايضا: قال مؤلف المزار الكبير اخبرنى السيد الاجل عبد الحميد ابن التقى عن عبد اللّه بن اسامة الحسيني في ذي القعدة سنة ثمانين و خمسمائة قراءة عليه بحلة الجامعين، اخبرنا الشيخ ابو الفرج احمد القرشي عن ابى الغنائم محمد بن علي عن الشريف محمد بن علي بن الحسن العلوي عن ابى تمام عبد اللّه بن احمد الانصاري عن عبد اللّه بن كثير العامرى عن محمد بن اسماعيل الاحمسي عن محمد ابن فضيل الضبي عن محمد بن سوقة عن ابراهيم النخعي عن علقمة بن الاسود عن عبد اللّه بن الاسود عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (ص) يا بن مسعود لما اسري بى إلى السماء الدنيا اراني مسجد الكوفة، فقلت: يا جبرئيل ما هذا؟ قال: مسجد مبارك كثير الخير عظيم البركة اختاره اللّه لأهله، و هو يشفع لهم يوم القيامة. و ذكر الحديث بطوله و في ذلك اخبار كثيرة.

و من فضل مسجد الكوفة انه من كانت له حاجة و قصده و صلى فيه فانها تقضى كما ذكر المجلسى و الحر العاملي و غيرهما عن المفيد عن محمد بن الحسين المقري عن ابن عقدة عن علي بن الحسن بن فضال عن ابيه عن عبد الرحمن بن ابراهيم شيخ من اصحابنا عن صباح الحذاء قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) من كانت له إلى اللّه حاجة فليقصد إلى مسجد الكوفة، و ليسبغ وضوءه و ليصل في المسجد ركعتين يقرأ في كل واحدة منهما فاتحة الكتاب و سبع سور معها و هى المعوذتان، و قل هو اللّه احد، و قل يا ايها الكافرون، و إذا جاء نصر اللّه و الفتح، و سبح اسم ربك الاعلى. و إنا انزلناه في ليلة القدر، فاذا فرغ من الركعتين و تشهد و سلم‏

52

و سأل اللّه حاجته فانها تقضى بعون اللّه، ان شاء اللّه.

قال علي بن الحسن بن فضال و قال لي هذا الشيخ اني فعلت ذلك و دعوت اللّه ان يوسع في رزقى فانا من اللّه تعالى بكل نعمة، ثم دعوته ان يرزقنى الحج فرزقته و علمته رجلا كان من اصحابنا مقترا عليه في رزقه فرزقه اللّه تعالى و وسع عليه.

و في المصباح عنه (عليه السلام) مرسلا مثله.

باب مسجد الكوفة المسمى «بباب الفيل»

53

مسجد الكوفة من دخله كتبت له مفغرة

ذكر المجلسى في البحار، و الحر العاملي في الوسائل، و ابن طاووس في فرحة الغري عن نصير الدين عن والده عن السيد فضل اللّه عن ذي الفقار عن الشيخ المفيد عن محمد بن بكران النقاش عن الحسين بن محمد المالكي عن احمد بن هلال عن ابى سعد الخراسانى قال: قلت لابى الحسن الرضا (عليه السلام) ايما افضل زيارة قبر امير المؤمنين (عليه السلام) او زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، إلى ان قال: قال لي اين تسكن؟ قلت: الكوفة، قال: فان مسجد الكوفة بيت نوح لو دخله الرجل مائة مرة لكتب اللّه له مائة مغفرة لان فيه دعوة نوح حيث قال (ربى اغفر لي و لوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا) قال: قلت من عنى بوالديه؟ قال: آدم و حواء.

أبواب مسجد الكوفة

أما ابواب مسجد الكوفة، فأحدها: باب السدة و هي التي كان يدخل منها امير المؤمنين (عليه السلام).

و الثانية باب كندة: و هى من طرف يمين المسجد من جهة الغرب، و اقرب ما يكون من الزاوية الغربية بايوانين. ثم باب الانماط: و هى تحاذى باب الفيل.

ثم باب الفيل و هى في الاصل تسمى باب الثعبان لما روي في البحار و مدينة المعاجز و غرر المناقب بالاسناد قالا: بينما امير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ ظهر ثعبان من جانب المنبر و جعل يجر و يرقى حتى دنا من امير المؤمنين‏

54

قار تاع الناس من ذلك و هموا ان يدفعوه عن الامام (عليه السلام)، فاومى بالكف عنه، فلما صار الثعبان على المنبر رقى إلي المرقاة التي عليها الامام، ثم قام الثعبان ثم انحنى الامام على الثعبان فتطاول الثعبان اليه حتى التقم اذنه، فتحير الناس من ذلك و هو يحدثه فسمع من كان قريبا كلام الثعبان، ثم زال عن مكانه و امير المؤمنين (عليه السلام) جعل يحرك شفتيه و الثعبان كالمصغي اليه، ثم سار الثعبان و عاد امير المؤمنين (عليه السلام) إلى خطبته و تممها، فلما فرغ نزل من المنبر، فاجتمع اليه الناس يسألونه عن حال الثعبان و الاعجوبة فيه، فقال (عليه السلام): ليس ذلك كما ظننتم و انما كان هذا حاكما على الجن فالتبست عليه قضية و صعبت عليه فجاء ليستفهمهما فافهمته إياها، فدعا لي بالخير و انصرف.

و كان قد دخل الثعبان من الباب الكبير الذي يدخل منه الناس اليوم، و هو بجهة عكس القبلة فسمي باب الثعبان (و اشتهر بذلك فكره بنو امية ظهور هذه الفضيلة لامير المؤمنين (عليه السلام) فربطوا في ذلك الباب فيلا و راموا ان تنسى تلك الفضيلة فعرفت بباب الفيل حتى اليوم.

و الابواب للمسجد كثيرة لان قبائل الكوفة كان لكل قبيلة منهم باب باسمه لكن بتداول الايام و الحوادث الكارثة سدت الابواب، و لم يبق منها إلا باب الثعبان.

آثار السيد بحر العلوم (في مسجدي الكوفة و السهلة)

ان للعلامة الكبير الحجة السيد محمد مهدي النجفي الشهير ببحر العلوم (رحمه اللّه) تعالى آثارا خالدة. منها ان المقامات الكريمة في مسجد الكوفة لم تزل من سالف الايام مجهولة عند الناس مستنكرة الاعلام لا يعرفها إلا اولوا البصيرة في الدين و قليل ما هم فتصدى السيد (رحمه اللّه) لتعيين تلك المقامات الشريفة و بنى فيها العلامات‏