تاريخ دمشق‏ - ج1

- سهيل زكار المزيد...
846 /
5

الجزء الأول‏

الإهداء

إلى ابنتي ربى التي فيها من دمشق العذوبة و الصلابة

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم الله الرحمن الرحيم‏

توطئة:

التطور سنة الكون و مثل ذلك التقدم، فصحيح أن الأركان الأساسية لخطة موسوعتي هذه لم تتغير، لكنها تطورت و تحسنت بالفهم و الأداء، فقد كنت من قبل قد نشرت مختارات من تاريخ دمشق لابن القلانسي، لكن بعد إقدامي على نشر عدد من الأصول الأوربية كاملة، لتقديم صورة «بانور امية» لما كان يجري في المشرق الشامي، و في الغرب الأوربي، لأن ذلك يساعد على فهم أعمق لمختلف العوامل التي أسهمت في أحداث الحروب الصليبية، إن سلبا أو إيجابا، وجدت توفر الحاجة لتقديم نص عربي شامي مكافى‏ء، و صحيح أنني كنت قد نشرت كتاب الروضتين لأبي شامة مع ذيله بالكامل، وجدت هناك حاجة لنشر المتوفر من الأصول التي اعتمد عليها أبو شامة، ثم نشر ما كتب بعد أبي شامة، و وجدت ضالتي في تاريخ دمشق لابن القلانسي ثم في الأجزاء الأخيرة من مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، لكن بقيت الصورة غير كاملة، فكان أن أكملتها من كتاب ذيل مرآة الزمان لليونيني، و هنا اقتديت بسنة ابن القلانسي الذي كتب «ذيلا مذيلا» [انظر المقدمة المقبلة] فصنعت تكملة لهذا الذيل المذيل، أوصلت به الرواية إلى ما بعد تحرير عكا، و طي الصفحة الأهم في تاريخ الحروب الصليبية.

و مثلما كان ابن القلانسي شاهد عيان لأحداث الحملتين الصليبيتين الأولى و الثانية، كان سبط ابن الجوزي شاهد عيان للأحداث التي وقعت من بعد وفاة صلاح الدين حتى ما بعد الحملة الصليبية السادسة، و من بعد وفاته كان اليونيني شاهد عيان للغزو المغولي، و لتأسيس سلطنة المماليك، و لإنجازات السلاطين: بيبرس، و قلاوون الألفي، و الأشرف خليل بن قلاوون.

8

و سبط ابن الجوزي و إن كان عراقي الأصل إلا أنه كان شامي العطاء و الإسهام و الوفاة، و مثله كان اليونيني، فيونين بلدة من أعمال بعلبك، لكنها و بعلبك كانت دمشقية شامية.

و تمت الإشارة من قبل إلى الدور الذي شغله علماء الدين الإسلامي في أيام الحروب الصليبية، و إلى المكانة الرفيعة التي احتلوها منذ إصلاحات الوزير السلجوقي نظام الملك، و في العصرين السلجوقي و الأيوبي، غالبا ما أقدم الحكام على تكليف بعض العلماء بأعمال إدارية، أو مهام دبلوماسية من سفارات و مفاوضات، فبهذه الطريقة كان أبو المحاسن يوسف بن شداد قد تعرف على صلاح الدين و دخل في خدمته، و هكذا فعل من بعده سبط ابن الجوزي بالتعرف على أبناء العادل الأيوبي و إسهامه في أحداث عصرهم.

و سبط ابن الجوزي هو حفيد المؤرخ الكبير، و العالم الجليل المعطاء ابن الجوزي، الذي احتل مرتبة الواعظ الأول في بغداد، لكن مكانته قد تقلقلت كثيرا بعد ما أسس عبد القادر الجيلي زوايته في بغداد، حيث أدخل التصوف في مرحلة تنظيمية جديدة، قد يجد الإنسان فيها كثيرا من الاستعارات من تجربة الدعوة الاسماعيلية، و لا سيما الجديدة منها، التي أسسها حسن الصباح.

و كادت الزاوية الجيلية أن تلغي دور الواعظ، حتى أن ابن الجوزي تعرض لمأساة انهيار مكانته و نفيه من بغداد إلى واسط، و تأخر وصول التجربة الجيلية الجديدة إلى بلاد الشام، و ظل الواعظ يتمتع في دمشق بمكانة عالية، و لعل من أسباب ذلك استمرار وضع المواجهة مع الصليبيين ثم مع المغول، و بقاء روح الجهاد متقدة بين صفوف الدمشقيين، و لهذا السبب بين أسباب أخرى، جاء سبط ابن الجوزي إلى الشام، و قام بالدور الوعظي الذي كان يقوم به جده في بغداد قبل محنته، و شغل دوره في إثارة روح الجهاد في وجه الحرب المقدسة التي حمل‏

9

رايتها الصليبيون منذ إعلان البابا أوربان الثاني عام 1095 عن الحرب المقدسة ضد الإسلام و المسلمين.

و كان ابن الجوزي قد رزق بثلاثة أولاد، و بعدد، من البنات، منهن واحدة حملت اسم رابعة، زوجها أبوها للمرة الثانية بعد وفاة زوجها من حسام الدين قزا أوغلي بن عبد الله، و كان تركيا من مماليك الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.

و كانت رابعة كأخواتها سمعت الحديث النبوي على أبيها، و على غيره من المحدثين، و أنجبت ابنها يوسف سنة 582 ه/ 1186 م، و لما ترعرع يوسف أخذه جده إليه، و تكفل بتعليمه، و توجيهه، فغدا أشبه الناس به، لا سيما في مجال الوعظ و التأثير الشعبي، و عندما غدا يوسف شابا يقارب العشرين من عمره، كان جده قد توفي، فقرر أن يفارق بغداد و يقصد بلاد الشام.

و عندما نقرأ الأجزاء الأخيرة من كتاب مرآة الزمان، و مثل ذلك عندما نقرأ ذيل الروضتين لأبي شامة نلتقي مرارا بأخبار سبط ابن الجوزي، و نشاطاته في بلاد الشام و الجزيرة، فهو قد حظي بمكانة رفيعة بين علماء دمشق، و أقبل الناس على مجالس وعظة، و نشأت له علاقات جيدة بأبناء العادل الأيوبي، و لم تقتصر نشاطاته على الميادين العلمية، و الدعوة إلى الجهاد، بل كان له دوره الفعال في نجدة أهل الشام للكامل الأيوبي أثناء التصدي للحملة الصليبية الخامسة، ثم إنه جند بعد ذلك جيشا من المتطوعة غزا به الأراضي التي كان يحتلها الفرنجة في فلسطين.

و مثلما قلد سبط ابن الجوزي جده في أعمال الوعظ، جذبه ميدان التاريخ، فصنف على غرار منتظم جده «كتاب مرآة الزمان في تاريخ الأعيان»، و عرض السبط- مثلما فعل جده- المواد الإخبارية وفق طريقة الحوليات، كل حولية على حدة، و أتبع ذلك بتراجم و فيات تلك‏

10

السنة، و رأيت في مكتبات العالم أكثر من نسخة مخطوطة من هذا الكتاب، و وضح لدي أن السبط أعاد النظر في كتابة بعض أجزاء مصنفة أكثر من مرة، لذلك تحتوي بعض النسخ الخطية على مواد أكثر سواها، و امتلك الآن أكثر من نسخة مصورة من هذا الكتاب من جميع القطع التي نشرت منه، و بودي تحقيق هذا الكتاب مع ذيله- إذا يسر الله- لأنهما من أهم الموسوعات التاريخية التي صنفت في بلاد الشام.

و أشرت من قبل إلى وطيد العلاقات التي قامت بين سبط ابن الجوزي و أبناء العادل الأيوبي، لا سيما الملك الأشرف، و أكثر الملك المعظم عيسى، و لم ينغمس سبط ابن الجوزي في مسايرة رجالات السلطة الأيوبية، و لم يتخل عن مبادئه، و ظل مخلصا لعقيدته و لإيمانه، و كان أبناء العادل الأيوبي قد انشغلوا إلى أبعد الحدود في صراعاتهم الداخلية، و لم يتورع بعضهم عن الاستعانة بقوى إسلامية خارجية مثل الخوارزمية، بل انضوى بعضهم تحت راية الصليب و تحالف مع الفرنجة، و ضحى بمنجزات صلاح الدين، و استدعى فردريك الثاني و تخلى له عن القدس، و أفسد هذا العلاقات فيما بين سبط ابن الجوزي و الملك الأشرف، و انتقد السبط الأشرف مع أخيه السلطان الكامل، و عدّ التخلي عن القدس خيانة، و بعد موعظة شديدة النبرة ألقاها من على منبر جامع دمشق قال فيها: «انقطعت عن البيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، و كم جرت لهم على تلك الأماكن من دمعة، تا الله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت، و لو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت، أحسن الله عزاء المؤمنين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، لمثلها تتقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات»، و أفتى بعد هذه الموعظة بشرعية قتال الكامل و الأشرف لعقدهما صفقة تسليم القدس للامبراطور الألماني فردريك الثاني بشكل شائن.

11

و اضطر سبط ابن الجوزي إثر هذا إلى مغادرة دمشق و الالتجاء إلى قلعة الكرك، حيث مكث فيها من سنة 626 حتى سنة 633 ه/ 1229- 1236 م، ثم رجع إلى دمشق حيث أقام مدة قصيرة، و أخذ يتردد ما بين دمشق، و القدس، و الكرك، ثم قصد مصر سنة 639 ه/ 1241 م، و أقام بها حتى سنة 653 ه/ 1255 م، حيث عاد إلى بلاد الشام، فزار حماة لمدة و جيزة، ثم رجع إلى دمشق حيث توفي فيها سنة 654 ه- 1259 م.

و على هذا كان سبط ابن الجوزي في أيامه الشخصية العلمية و الجماهيرية، و شارك سبط ابن الجوزي السلطان العظيم صلاح الدين في اسمه، و استعار منه لقبه «أبو المظفر» و استلهم سيرته و شجاعته، فآثر مصالح الأمة على منافعه، و فضل آخرته على عاجلته.

و كان لمدينة بعلبك مكانة مهمة في عصر الحروب الصليبية، و غالبا ما كانت تابعة لدمشق، و برزت في هذه المدة الزمنية بلدة يونين، فصارت من أهم المراكز الثقافية، و يبدو أنه أسهم في ازدهار الحركة الثقافية فيها، هو كونها كانت من المناطق التي اعتاد بعض أهالي دمشق على اللجوء إليها، عندما كانت مدينتهم تتعرض للمخاطر الخارجية، و لربما أيضا أثناء الصراعات بين حكام أجزاء بلاد الشام، و من يونين خرج عدد مهم من العلماء، و المتصوفة، الذين ظلت علاقاتهم وثيقة مع دمشق.

و يهمنا من بين شخصيات يونين المؤرخ قطب الدين موسى بن محمد ابن عبد الله الذي ولد في يونين سنة 640 ه/ 1242 م و فيها نشأ، و كان والده من كبار العلماء، ترجم له ابنه ترجمة واسعة، و كذلك ترجم لعدد كبير من أعلام يونين.

ذلك أن قطب الدين اختصر كتاب مرآة الزمان، ثم ذيل عليه حتى قبيل وفاته بسنوات قليلة، فهو قد توفي سنة 726 ه/ 1326 م، و جاءت وفاته في بعلبك «عن ست و ثمانين سنة»، و أودع اليونيني في‏

12

كتابه مواد كثيرة عنه شخصيا و عن أسرته، و يعد هذا الكتاب من أهم المصادر التاريخية، و لذلك لاقى العناية منذ بعض الوقت حيث طبع نصفه في حيدر أباد الدكن في أربعة أجزاء (1954- 1961)، و هذه الطبعة تعاني من اضطراب شديد و تصحيفات كثيرة جدا، و هناك حاجة لأن يطبع الكتاب كله مع المرآة، و أنا لدي صورة تحتوي على نسخة كاملة منه، منها استخرجت المواد التي أكملت بها تتمة تاريخ دمشق لابن القلانسي، و هنا أنا قد حرصت على إيراد أخبار كل حولية بشكل كامل، لكن احتفظت فقط بتراجم الذين كانت لهم علاقة بالحياة السياسية و الإدارية، لأن مواد اليونيني وحدها إذا ما طبعت ستكون في أكثر من ألفين و خمسمائة صفحة، و كامل الذيل الذي كتبه اليونيني لن يقل حجمه إذا ما طبع عن أربعة آلاف صفحة.

و كان اليونيني قد تلقى العلم على أبيه و على علماء دمشق، و حماة، و القاهرة، و حظي بمكانة سامية في بعلبك، قال عنه الذهبي: «كان عالما فاضلا، مليح المحاضرة، كريم النفس، معظما جليلا، حدثنا بدمشق و بعلبك ... و قد حسنت في آخر عمره حالته، و أكثر من العزلة و العبادة، و كان مقتصدا في لباسه وزيه، صدوقا في نفسه، مليح الشيبة، كثير الهيبة، وافر الحرمة» (1).

من الله جلت قدرته أرجو التوفيق، و له جل و علا الحمد و الشكر، و صلى الله على النبي المصطفى و على آله و أصحابه و من أخذ بهداه إلى يوم الدين.

سهيل زكار

دمشق 26 صفر 1427 ه 25/ 3/ 2006 م‏

____________

(1)- شذرات الذهب لابن العماد (ط. دمشق 1992) ج 8 ص 131- 132. الدرر الكامنة لابن حجر (ط. دار الجيل- بيروت) ج 4 ص 382. من ذيول العبر للذهبي و الحسيني (ط.

الكويت 1986) ص 145- 146.

13

بسم الله الرحمن الرحيم‏

تقديم‏

لقد كان للفتح الإسلامي للشام، أعظم الآثار على هذه البلاد، من ذلك تثبيت طابع العروبة فيها، و تبديل البنى الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و العمرانية، فعلى صعيد السياسة الداخلية و الخارجية تحول دور القبائل العربية من الهامش إلى الصميم، و على صعيد المدن، نجد قبل الفتح أن مدينة القدس كانت أهم مدن جنوبي بلاد الشام، تتلوها دمشق، و أن أنطاكية كانت أهم مدن الشمال و أبرزها دورا، تتلوها قنسرين، لكن بعد الفتح، و بسبب انتشار الإسلام، و انسلاخ البلاد عن الإمبراطورية البيزنطية، و قيام الحروب الدائمة معها، ثم قيام السلطان الأموي في الشام، كل هذا أدى إلى تقهقر القدس، حيث تقدمتها دمشق، و تخلفت في الوقت نفسه مدينة بصرى، و اضمحل دورها كثغر تجاري لبلاد الشام على بوابات شبه جزيرة العرب، و تأخرت أنطاكية في الشمال و وصلت قنسرين إلى حالة الاحتضار، و تقدمت حلب و تبعتها معرة النعمان.

و وضح هذا الحال في العصر الأموي، و توطدت أركانه، و بعد قيام الخلافة العباسية، و انشغالها المطلق بمشاكل خراسان و بلاد ما وراء النهر، و إهمالها للحدود مع بيزنطة، و قيام نظام الثغور و العواصم صارت حلب مركز شمال الشمال سياسيا و اقتصاديا و عقائديا و ثقافيا، و غدت دمشق هي المسؤولية عن جنوب الشام.

و تنافست كل من حلب و دمشق، و وضح للعيان أن أحداث الشام باتت تدور على محورين أساسيين واحد في الشمال [حلب‏] و آخر في الجنوب، [دمشق‏]، و يمكن تعقب جذور هذه القضية إلى العصر الأموي، فبعد وفاة يزيد بن معاوية حدث صراع شديد على الخلافة و السلطة، و انقسم الشام إلى معسكرين: واحد تزعمته قبائل كلب في الجنوب، و آخر

14

تزعمته قبائل كلاب في الشمال، و كانت كلب قبائل يمانية الأصل، و كلاب عدنانية، و في معركة مرج راهط انتصرت كلب على كلاب، و أعيد تأسيس الحكم الأموي، بزعامة الفرع المرواني، لكن الشام انقسمت بشكل فعلي إلى دارين: دار في الجنوب لكلب و من لف لفها و دار في الشمال لكلاب و من قاربها بالنسب، و فصل بين هاتين الدارين خط عرضاني و همي انطلق شرقا و غربا من بلدة الرستن على العاصي.

و عندما دب الضعف في قلب الخلافة العباسية كانت الأجزاء الشمالية من بلاد الشام بزعامة حلب، من أقدم البلدان التي أعلنت انفصالها، و قامت فيها دولة مستقلة هي الدولة الحمدانية بزعامة سيف الدولة الحمداني.

و من حلب حاول سيف الدولة مدّ سلطانه إلى الأجزاء الجنوبية من الشام، فدخل دمشق، لكنه لم يتمكن من الاحتفاظ بها، فقبل استقلال حلب، كانت مصر الإسلامية قد استقلت عن جسم الدولة العباسية، و قامت فيها الدولة الطولونية، و مارست الدولة الطولونية السياسة الخارجية التقليدية لمصر المستقلة بمحاولة إلحاق الشام بها و السيطرة عليها، و قد نجحت- مع الدول التي تلتها في حكم مصر- في الاحتفاظ بالجزء الجنوبي من الشام، و أخفقت في البقاء في الشمال.

و في حلب أقام سيف الدولة بلاطا حاكى فيه بلاط بغداد، و حوى هذا البلاط عددا كبيرا من العلماء في كل فن مع الشعراء و الأدباء، و شهدت الشام بشكل عام نشاطا ثقافيا كبيرا و متميزا، حيث عبر عن دور الشخصية الشامية العربية، و عبرت كل من حلب و دمشق عن شخصيتها بالاتجاه نحو إنتاج تواريخ محلية، و بالفعل جاء إلى الوجود عدد من المؤرخين منهم من عاش في المعرة أو مدينة حلب فأرخ لمدينة حلب و الجزء الشمالي من البلاد مع مناطق الجزيرة، و منهم من عاش في دمشق أو اهتم بها، فكتب في تاريخها إنما مع التعلق بالديار المصرية

15

و الاهتمام بها، و إذا كنا لسنا في موضع عرض لمراحل حركة التدوين التاريخي في الشام يكفي أن نذكر أن هذه الحركة وصلت الذروة على يدي ابن عساكر حين كتب تاريخ دمشق، ثم ابن العديم حين كتب «بغية الطلب في تاريخ حلب» إنما يلاحظ هنا بأن هذين الكتابين العملاقين قد صنفا حسب نمط كتب التراجم، و ما جاء في بدايتي كل منهما من عرض تاريخي حسب الوقائع و الحوليات، شمل أخبار فتوح الشام ليس إلا، و تميز ابن العديم عن ابن عساكر بأنه صنف كتابا مفردا أوقفه على العرض التاريخي الإخباري لمدينة حلب، و هو كتاب «زبدة الحلب من تاريخ حلب» و لم يفعل ابن عساكر هذا، لطبيعة منهجه و ثقافته، فهو إمام بالحديث في الدرجة الأولى، و لذلك جاء كتابه الذي صنفه لدمشق مهتما بطبقات المحدثين و العلماء، و موليا قليل الاهتمام لمن سواهم، و خاصة رجال السلطة.

إن هذه الثغرة بالنسبة لدمشق قد جرى تداركها من قبل ثلاثة أجيال من المؤرخين: اثنان من العراق، و ثالثهما و هو المهم من دمشق الشام، و أول هؤلاء المؤرخين هو ثابت بن سنان، الذي كان واحدا من أفراد آل الصابى‏ء، الأسرة التي اشتهرت بالطب فنبغ منها عدد من الأطباء خدموا الخلفاء العباسيين و رجال دولتهم، و يذكر بعض من ترجم لثابت بأنه كان مختصا بخدمة الخليفة الراضي [322- 329 ه/ 934- 940 م‏] و أنه كان بارعا بالطب، تولى تدبير المارستان في بغداد، و خدم عددا من الخلفاء بعد الراضي، و ذكر بعضهم أيضا أن ثابتا قد توفي في سنة 363 ه/ 973- 974 م، و هذا و هم أصح منه أن وفاته كانت سنة 365 ه/ 975- 976 م، و هذا ما تثبته قطعة مخطوطة فيها اختصار لما ورد في تاريخه عن أخبار القرامطة، سوف أعود إليها بعد قليل، و يضاف إلى هذه المخطوطة ما نقله ياقوت عن حفيد ثابت بن هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابى‏ء، و كان ثابت بن سنان مثله مثل‏

16

معظم آله متميزا إلى جانب كونه طبيبا، بالاهتمام بالتاريخ و بتدوينه، و قد صنف عددا من التواريخ أشهرها تاريخه الكبير الذي انتزعت منه أخبار القرامطة، و كان ثابت قد بدأ تاريخه بأيام حكم الخليفة المقتدر [295- 320 ه/ 908- 932 م‏]، و توقف عن متابعة الكتابة فيه قبيل وفاته بأيام، و لثابت تاريخ «مفرد بأخبار الشام و مصر في مجلد واحد»، و له كتاب آخر دون فيه «وفاءات من توفي في كل سنة، من سنة ثلاثمائة إلى السنة التي مات فيها»، أي سنة 365 ه.

و تاريخ ثابت الكبير، تاريخ حولي شكل بداية سلسلة من التواريخ كتبت من قبل أفراد أسرة آل الصابى‏ء، و كلها يعد ذيولا متوالية لتاريخ الطبري، و هي- على هذا- بحد ذاتها على درجة عالية من الأهمية، تغطي مددا زمانية، انفردت إلى أبعد الحدود برواية أخبار أحداثها، ثم إن خدمة آل الصابى‏ء للخلفاء العباسيين و رجالات الدولة و شخصياتها قد أعطى معلوماتهم و رواياتهم التاريخية مزية خاصة، و درجة عالية من الموثوقية، و مفيد أن ننقل هنا ما كتبه القفطي (جمال الدين أبو الحسن علي ابن يوسف) في كتابه «تاريخ الحكماء» في هذا الباب: «و إذا أردت التاريخ متصلا فعليك بكتاب أبي جعفر الطبري رضي الله عنه، فإنه من أول العالم و إلى سنة تسع و ثلاثمائة، و متى شئت أن تقرن به كتاب أحمد بن أبي طاهر و ولده عبيد الله، فنعم ما تفعل، لأنهما قد بالغا في ذكر الدولة العباسية، و أتيا من شرح بما لم يأت به الطبري بمفرده، و هما في الانتهاء قريبا المدة، و الطبري أزيد منهما قليلا، ثم يتلو ذلك كتاب ثابت، فإنه يداخل الطبري في بعض السنين، و يبلغ إلى بعض سنة ثلاث (الأصح خمس) و ستين و ثلاثمائة، فإن قرنت به كتاب الفرغاني الذي ذيل به كتاب الطبري فنعم الفعل تفعله، فإن في كتاب الفرغاني بسطا أكثر من كتاب ثابت في بعض الأماكن، ثم كتاب هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابى‏ء، فإنه داخل كتاب خاله (جده) ثابت و تمم عليه إلى سنة سبع و أربعين‏

17

و أربعمائة، و لم يتعرض أحد في مدته إلى ما تعرض له من أحكام الأمور و الإطلاع على أسرار الدول، و ذلك أنه أخذ ذلك عن جده لأنه كان كاتب الإنشاء و يعلم الوقائع، و تولى هو الإنشاء أيضا، فاستعان بعلم الأخبار الواردة على ما جمعه، ثم يتلوه كتاب ولده غرس النعمة محمد بن هلال، و هو كتاب حسن إلى بعد سنة سبعين و أربعمائة» (1).

هذا و تمتاز مواد آل الصابى‏ء بشكل عام على مواد الطبري، أنهم كانوا المصدر بحكم المعاصرة و المشاهدة، و بالتالي لم يكونوا نقله مما كتبه غيرهم، فالطبري أجاد النقل و لم يجد التأريخ لأيامه.

و قد يتساءل الإنسان عن حجم مصنفي ثابت و هلال، فلا يجد لسؤاله جوابا موثقا، لأن تاريخ ثابت لم يصلنا، و كان تاريخ هلال بحكم المفقود إلى جرى العثور في اليمن، في مكتبة خاصة، على آخر جزء منه و رقمه «الرابع و الثلاثون»، و حقق هذا الجزء رضوان أحمد الليث و نال عليه شهادة الماجستير من جامعة صنعاء عام 1998.

و كان سبط ابن الجوزي، صاحب مرآة الزمان، قد استحوذ على مجمل ذيول آل الصابى‏ء فاستفاد منها و نقل، و قام في إحدى المراحل بإقحام محتويات تاريخ غرس النعمة كله في كتابه، و كان غرس النعمة قد أطلق على مصنفه اسم «عيون التاريخ»، و قد أرخ به للحقبة الممتدة ما بين 448 إلى 479 ه، و جعله بمثابة ذيل لتاريخ أبيه، و ذكر الأسباب التي حدت به إلى تأليفه بقوله: «و بعد، فكان أبي وصىّ إليّ لما أحس بقدوم الوفاة، و يئس من أيام الحياة، و لمعت له لوامع المنية، و قرعت سمعه قوارع البلية، رغبة في زيادة الذكر و نمائه و انتشاره و بقائه، بصلة كتاب التاريخ الذي ألفه إلى آخر سنة سبع و أربعين و أربعمائة تأليفا يعجز عنه من يروم مثله،

____________

(1)- تاريخ الحكماء لعلي بن يوسف القفطي (ط. ليبسك 1320 ه) من 109- 111. وفيات الأعيان لأحمد بن خلكان- ط. باريس 1838. إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (معجم الأدباء) لياقوت الحموي (ط. القاهرة 1909) ج 2 ص 397.

18

و يفتضح فيه من يتعاطى فضله، إذ هو السحر الحلال، و العذب الزلال، و الصادر عن أوحد دهره، و فريد عصره، و شرع فيه و قد أتت عليه سنة [ولد هلال سنة 359 ه]، جرب فيها الأمور و مارسها و خبرها و لابسها، و أنا عار من جميع صفاته، و خال من سائر سماته.

و ابن اللبون إذا ما لز في قرن‏* * * لم يستطع صولة البزل القناعيس‏

لكن قوله مستمع، و مرسومه متبع، و أمره مطاع، و رأيه غير مضاع ......

و في سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، و في يوم الأربعاء سادس عشر رمضان توفي والدي، الرئيس أبو الحسن، هلال بن المحسن بن إبراهيم ابن هلال، و مولده الأحد، النصف من شوال سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة، فانتقض السؤدد بمصابه، و انثلم الفضل بذهابه».

و الجزء الأخير الذي وصلنا من تاريخ هلال غير كامل، ينتهي مع حوادث «أربعين و أربعمائة» لذلك لا يمكننا الحديث عن نوع و مدى التداخل بين تاريخ غرس النعمة و تاريخ أبيه، ثم هل كان تاريخ هلال لوحده قد جاء في أربعة و ثلاثين مجلدا، أم تاريخه مع تاريخ ثابت بن سنان؟ و المهم أن تاريخ غرس النعمة يبدأ مع أحداث سنة/ 448 ه/.

و وصلنا كتاب مخطوط صغير جاء- كما عنونه صاحبه- بمثابة مختصر لتاريخ ثابت بن سنان، وضع فيه مختصر أخبار القرامطة، و يتألف هذا المخطوط من إحدى و ثلاثين ورقة من قطع 19* 5 و 13 سم في كل صفحة (وجه) ما بين 20- 23 سطرا، في كل سطر ما بين 7- 8 كلمات، و هذه النسخة هي بحوزة المستشرق البريطاني برنارد لويس، و كان قد حصل عليها من القاهرة أثناء إعداده لإطروحة الدكتوراه، و قد تفضل فأعارني نسخة عنها، قمت- بعد استئذانه- بنشرها ضمن محتويات كتابي الجامع في أخبار القرامطة، و نسخة الأستاذ لويس هذه قد

19

كتبت من قبل ثلاثة نساخ على الأقل، و قد تم الفراغ من كتابتها «في سلخ شوال سنة ألف و سبع و خمسين» [27 تشرين الثاني سنة 1647 م‏] و قد نسخت كما يبدو عن نسخة من تاريخ ثابت تم نسخها في «سلخ جمادى الأولى سنة سبع و سبعين و خمسمائة» [11- تشرين الأول سنة 1181] و نسخت هذه النسخة- كما صرح- عن مسودة المؤلف.

إن خط هذه المخطوطة هو نسخي مقروء، و حالة المخطوطة حسنة، إنما يبدو أن المستوى الثقافي لنساخها و معرفتهم بقواعد اللغة العربية كان ضعيفا، لهذا تبعثرت الأخطاء النحوية و الإملائية في كل مكان.

و يمكن تقسيم المعلومات التي تتضمنها إلى قسمين: قسم وردت معظم رواياته في تاريخ الطبري، و قسم وقعت أحداث رواياته بعد وفاة الطبري، فقام ثابت بتدوين أخبار هذه الأحداث، و جلّ الأخبار في هذا القسم من عصر ثابت، و عند ما نقرأ هذا القسم نلاحظ أمرا مدهشا، حيث أن الكتاب يروي أخبار القرامطة ابتداء من «سنة مائتين و ثمان و سبعين من الهجرة» حتى «سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة» بشكل كامل التسلسل سنة تلو أخرى، ثم يقفز فيبدأ بأخبار «سنة ستين و ثلاثمائة».

و لا ندري بشكل مؤكد سبب هذا، لكن لدى قراءة المواد الأخيرة و مقارنتها بالمواد الأولى، نجد أن المواد الأولى تولي قرامطة البحرين و العراق الاهتمام الأكبر، في حين أن المواد الأخيرة موقوفة على نشاط القرامطة في الشام و صراعاتهم مع الخلافة الفاطمية في الشام و مصر.

إن هذا يدفعنا إلى الإفتراض بأن الذي جمع مواد مخطوطة الأستاذ لويس، جمعها من كتابين لعلهما: تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيل به على تاريخ الطبري، و كتابه الآخر الذي أوقفه على تاريخ الشام و مصر، و يبدو أن الكتاب الأول كان مبتورا، فهو بالأصل «مسودة المؤلف» و أن الذي تولى عملية الاختصار لم ينتبه إلى الخرم الكبير و لا إلى طبيعة المواد المروية و الاختلاف الذي لحقها، أو أنه تنبه لكنه لم يخبرنا.

20

و مهما يكن الحال فإن المواد المتأخرة من مخطوطة الأستاذ لويس تتوافق، لابل تتطابق تماما مع محتويات تاريخ ابن القلانسي عن دمشق، و هو بيت القصيد في مقدمتنا هذه، و يتألف كتاب ابن القلانسي من قسمين رئيسيين هما «الأساس» و «المذيل» و يبدأ الأساس بحوادث سنة 360 ه و يقف مع بداية حوادث سنة 448 ه.

و من المرجح أن مواد قسم الأساس قد وجدت في مصنف هلال بن المحسن، فقد ذكر ابن خلكان في ترجمته لصلاح الدين الأيوبي أن ابن القلانسي جعل كتابه ذيلا على تاريخ هلال بن المحسن الصابى‏ء: «و كان هلال بن المحسن قد ذيل على ذيل ثابت على الطبري بدأه بأخبار سنة 360 ه»، و هكذا تداخلت فيه حوادث السنوات 360- 365 مع ما دونه ثابت، و تطابقت المواد في القسم المتداخل، و جاء الاختلاف في بعض التفاصيل فقط، و هذا ما نخلص إليه لدى عقد مقارنة بين مواد مخطوطة الأستاذ لويس و مطلع كتاب ابن القلانسي، و مثل هذا الاختلاف بشي‏ء من التفاصيل كان أمرا طبيعيا، نلاحظ ما يشبهه لدى مقارنة السنوات المتداخلة بين تاريخ ثابت بن سنان و تاريخ الطبري، و لنحاول الآن أولا التعرف إلى شخصية ابن القلانسي و من ثم نعود مجددا للربط بينه و بين تواريخ آل الصابى‏ء.

ترجم لابن القلانسي عدد من المؤرخين يتصدرهم ابن عساكر ثم ياقوت و بعده الذهبي، و لما ذكره ابن عساكر مكانة خاصة للزمان و المكان، و مما قاله عنه ابن عساكر: «حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى التميمي، المعروف بابن القلانسي، العميد كانت له عناية بالحديث، و كان أديبا له خط حسن و نثر و نظم ... و صنف تاريخا للحوادث بعد سنة أربعين و أربعمائة إلى حين وفاته، و تولى رئاسة ديوان دمشق مرتين».

و قال عنه ياقوت: «حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى، المعروف‏

21

بابن القلانسي التميمي الأديب الشاعر، المؤرخ، كان من أعيان دمشق و من أفاضلها المبرزين، ولي رئاسة ديوانها مرتين، و بها توفي سنة خمس و خمسين، و له تاريخ للحوادث، ابتدأ به من سنة إحدى و أربعين و أربعمائة إلى حين وفاته، و كانت له عناية بالحديث، و له كتب عليها سماعه».

و قد أورد كل من ابن عساكر و ياقوت نماذج من شعر من ابن القلانسي، لكنهما و إن ذكرا تاريخ وفاته، لم يحددا تاريخ مولده أو سنّه حين الوفاة، و قد تولى الذهبي ذلك فبين أنه جاوز الثمانين أثناء وفاته و كان دون التسعين، و عن الذهبي نقل كل من أبي المحاسن في النجوم الزاهرة و اليافعي في مرآة الجنان.

و جرت العادة لدى كثير من الأوائل الإشارة إلى أنفسهم في مصنفاتهم، حيث يمكن في أيامنا استخراج المعلومات من هذه الإشارات، و فيما يختص بابن القلانسي لم يشر إلى نفسه قط في مصنفه أو تحدث عن دور من أدواره سيما و أنه كان من كبار رجالات الدولة في دمشق، نعم هناك إشارات غير مباشرة إلى بعض مواقفه السياسية و تذوقه للأدب، فهو قد ضمن كتابه عدة قصائد من نظمه، كما أثبت بعض نصوص الوثائق الديوانية الواردة إلى دمشق لإعجابه بصياغتها.

و لئن انعدمت إشاراته لنفسه فهناك بعض الإشارات لأفراد من أسرته، من ذلك أنه ذكر في حوادث سنة 539: «و في يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة، توفي الأخ الأمين أبو عبد الله محمد بن أسد ابن علي بن محمد التميمي عن أربع و ثمانين سنة، بعلة الذرب، و دفن بتربة اقتراحها خارج باب الصغير من دمشق، و كان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة و التصون و الديانة، و لزوم داره، و التنزه عن كل ما يوتغ الدين، و يكره بين خيار المسلمين، غير مكاثر للناس، و لا معاشر لهم، و لا مختلط بهم».

22

و على أهمية هذه الإشارة كم كنا نتمنى لو أنه ذكر الفارق بالسن بينه و بين أخيه.

و من ثنايا مواد ابن القلانسي نرى بأن أسرته كانت من أكبر و أعرق أسر دمشق، و أعظمها مكانة، فهو قد تحدث في وقائع سنة 548 ه عن الاضطرابات في دمشق، و بين أن هذه الاضطرابات انتهت حينما «رد- سلطان دمشق- أمر الرئاسة [رئاسة دمشق‏] و النظر في البلد .. إلى الرئيس رضي الدين أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي، و طاف في البلد مع أقاربه، و سكن أهله، و سكنت الدهماء، و لم يغلق في البلد حانوت و لا اضطرب احد، و استبشر الناس قاطبة من الخاص و العام و العسكرية و عامة الرعية».

و احتفظت أسرة آل القلانسي بمكانتها العالية في دمشق لعدة قرون فقد ترجم سبط ابن الجوزي و ابن كثير و البدر العيني، و ابن طولون، و بدران لعدد من آل القلانسي كان منهم «الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن مؤيد الدين أبو المعالي أسعد بن عز الدين بن غالب بن المظفر ابن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن أبي يعلى حمزة بن أسد بن علي بن حمزة التميمي الدمشقي، ابن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار، ولد سنة تسع و أربعين و ستمائة، و سمع الحديث من جماعة و رواه .. و له رئاسة باذخة، و أصالة كثيرة، و أملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا، و لم يزل مع صناعة الوظائف إلى أن ألزم بوكالة بيت السلطان، ثم بالوزارة».

و ابن القلانسي هذا هو حفيد لمؤرخنا، و هو الذي بنى دار الحديث القلانسية في صالحية دمشق، و لعله بناها على تربة جده المؤرخ، ذلك أنه دفن في سفح جبل قاسيون.

و على العموم نجد أن ما جاء في كتب التراجم و في ثنايا تاريخ ابن القلانسي عنه عبارة عن مواد مقتضبة، فهي و إن تحدثت عن ثقافته‏

23

العالية و اهتمامه بالحديث، فإنها لم تذكر اسم واحد من أساتذته و لا من تأثر بهم ثقافيا، و لا عن سلوكه و نشاطاته و صفاته الخلقية، و غير ذلك من الأمور التي بودنا لو عرفناها.

و مهما يكن الحال فإن كتابه في التاريخ و عمله في ديوان «الإنشاء» بمثابة رئيس له تدل على علو ثقافته و تمكنه من ناصية اللغة، و من المفيد هنا أن نشير إلى أنه و إن شابه أهل عصر في اهتمامه بالصنعة و المترادفات، إلا أنه لم يسرف في ذلك كما أسرف العماد الأصفهاني و سواه، و لا شك أن رئاسته للديوان جعلته وسط أخبار الوقائع و الأحداث مع شي‏ء من المشاركة، و مكنته من الإطلاع على الوثائق الرسمية على مختلف أنواعها سيما و أنه تسلم ديوان الحساب [الخراج‏] لمدة من الزمن، جامعا بينه و بين ديوان الإنشاء [الرسائل‏].

و مرّ بنا قول ابن عساكر ثم ياقوت أنه بدأ مصنفه في التاريخ بحوادث ما بعد سنة أربعين، أو إحدى و أربعين حسب تحديد ياقوت، و هذا التحديد فيه شي‏ء من الوهم، لعل مرده إلى النساخ، فابن القلانسي بدأ كتابه بحوادث سنة/ 448/ و صرح بأنه صنع «مذيلا»، و في العادة قد «يبنى المذيل» على ذيل، و الذيل يأتي بمثابة ملحق بكتاب أساسي.

و نعود الآن إلى ما سلف ذكره عن ثابت بن سنان و هلال بن المحسن، فثابت كتب كتابا للتاريخ كان كبيرا ذيل به تاريخ الطبري، و كتب كتابا آخر أصغر أوقفه على مصر و الشام و وقف به مع أحداث سنة/ 365 ه/ و هي سنة وفاته، و جاء من بعده هلال بن المحسن فكتب ذيلا على تاريخ ثابت تداخلت بعض سنيه، حيث بدأه بحوادث سنة/ 360/ و وقف به حتى نهاية سنة/ 447/، و هذا يعني أنه ذيل على التاريخ الكبير، فهل يا ترى ذيل أيضا على تاريخ مصر و الشام، و تداخلت المواد هنا و تكررت، و من ثم ذيل عليها ابن القلانسي؟

24

و لا يصرح ابن القلانسي باعتماده على كتابي ثابت بن سنان و هلال بن المحسن أو على واحد منهما على الأقل، كل ما هنالك أنه في سياق حديثه عن ولاية «حيدرة بن مفلح» لدمشق، و هو أحد الولاة الفاطميين قال: «و استمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ثمان و أربعين و أربعمائة، التي بني هذا المذيل عليها، و عادت سياقة الحوادث منها، و إيراد ما فيها، و تجدد بعدها».

و البحث التاريخي هو الذي قاد إلى الافتراض بأن ابن القلانسي بنى «مذيله» على كتابي ثابت بن سنان و هلال بن المحسن، أو على واحد منهما، فمن شبه المؤكد أن مصنف ابن القلانسي بشطريه «الأساس» و «المذيل» يبدأ بحوادث سنة/ 360/ و بهذه السنة بدأ هلال كتابه، و من المسلم به أن ما كتبه هلال عن أخبار السنوات/ 360- 365 ه/ و هي السنوات التي تداخل بها كتابه مع كتاب ثابت هناك تطابق بالمواد، مع اختلاف بالتفاصيل، و هذا ما نلاحظه حينما نقارن مواد السنوات المتداخلة بين تاريخ ثابت بن سنان و تاريخ الطبري، لهذا ليس من المستبعد أبدا أن يكون ابن القلانسي اعتمد على تاريخ هلال بن المحسن دون سواه، أو بالأصح على الذيل الذي صنعه على تاريخ مصر و الشام، إن كان فعل ذلك؟

و تبقى الأمور في حدود الفرضية، فأول تاريخ هلال بن المحسن و كله تقريبا هو بحكم المفقود، و مصنف ابن القلانسي وصلتنا منه نسخة خطية واحدة محفوظة في مكتبة البودليان في أكسفورد برقم‏]Hun 521[ و هذه النسخة قد بتر من أولها مقدار أربع عشرة ورقة، و لا شك أن هذه الأوراق قد حوت خطبة الكتاب مع بعض المواد الإخبارية، و لئن تمكنت من تدارك المواد الإخبارية المفقودة من مختصر كتاب ثابت بن سنان، تبقى المسألة الأساسية معلقة.

من هذا نخلص إلى القول أن مخطوطة البودليان تحوي قسمين من‏

25

المعلومات الإخبارية، القسم الأول منها حتى سنة 448 من تصنيف هلال بن المحسن لوحده أو مع ثابت بن سنان، و القسم الثاني حتى نهاية الكتاب من تصنيف ابن القلانسي، و القضية التي تواجهنا الآن هي: هل نقل ابن القلانسي مواد آل الصابى‏ء نقلا حرفيا، أم عدل فيها اختصارا و زيادة و نقصانا؟

إن من يقرأ مخطوطة البودليان يلحظ بعض الفوارق باللغة و العرض بين شطري الكتاب، إنما مع ذلك يخيل لي أن ابن القلانسي تدخل بمواد الشطر الأول و أعاد صياغتها، و هنا لربما حذف بعض المواد و أضاف موادا من عنده، مما تجمع لديه من مصادر و وثائق محلية.

لقد دعا ابن القلانسي ما صنفه باسم «المذيل» و لما كانت محتويات مخطوطة البودليان تحوي الأصل و المذيل، فقد بات من المفترض أن نطلق على الكتاب اسم «تاريخ دمشق» ثم لذهابنا إلى الافتراض بأن جميع محتويات الكتاب من صياغة ابن القلانسي و روايته [بالوجادة أو غير ذلك من الطرق‏] فقد بات من المسوغ نسبة الكتاب بأجمعه إلى ابن القلانسي، و مع ذلك لابد من الالتزام بالعنوان الذي أطلقه ابن القلانسي، و الذي ورد عند الذين نقلوا عنه، لا سيما عند أبي شامة صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين، و هو «الذيل المذيل على تاريخ دمشق».

يؤرخ مصنف ابن القلانسي لقرنين من الزمن هما من أهم القرون، و بالنسبة لكثير من الأحداث هو المصدر المتفرد، ففي هذين القرنين جرت أحداث الصراع القرمطي الفاطمي على الشام، و أعقب ذلك الحكم الفاطمي للشام، و كان حكما لم يعرف الاستقرار لأسباب داخلية فاطمية، و لمقاومة أهل الشام لهذا الحكم، و ابن القلانسي يروي لنا سيرة المقاومة الشامية، و هي سيرة لشعب دمشق و شعب الشام أجمع، سيرة لمنظمات هذا الشعب و فئاته الاجتماعية و قبائله، سيرة لعمران دمشق‏

26

و خططها، و هنا يقتضي أن ننوه أن هذه مزية تفرد بها ابن القانسي إلى أبعد الحدود.

صحيح أن الكتاب أوقفه صاحبه بالأصل على دمشق لكنه يولي مع دمشق اهتماماته ببقية أجزاء الشام، ثم بقية أجزاء الوطن العربي كله و العالم الإسلامي، فمواده عن كل من الخلافتين الفاطمية و العباسية لها مكانة خالصة، بل أكثر من هذا نجده يتقصى أخبار المغرب الأقصى و يقدم لنا رواية ذات مكانة خاصة حول المهدي ابن تومرت و تأسيس دولة الموحدين.

و على مكانة مواد ابن القلانسي حول العصر الفاطمي، فإن الذي يفوقها أهمية هو ما رواه حول دخول الشام تحت السلطان السلجوقي، ثم أحداث الحروب الصليبية زمن الحملتين الأولى و الثانية، و هي أحداث عاصرها و كان شاهد عيان لها، و لأهمية هذه الروايات تمت ترجمتها إلى كل من الإنكليزية و الفرنسية.

و ابن القلانسي مؤرخ ثقة يمكن الاعتماد على رواياته، و قد أوضح منهجه في كتابه بقوله: «قد انتهيت من شرح ما شرحته من هذا التاريخ، و رتبته و تحفظت من الخطأ و الخطل و الزلل فيما علقته من أفواه الثقات، و نقلته و أكدت الحال فيه بالاستقصاء و البحث، إلى أن صححته إلى هذه السنة المباركة، و هي سنة أربعين و خمسمائة، و كنت قد منيت منذ سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة و إلى هذه الغاية بما شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب إثباته في هذا الكتاب، من الحوادث المتجدده في الأعمال، و البحث عن الصحيح منها في جميع الأحوال، فتركت بين كل سنتين من السنين بياضا في الأوراق، ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار، و تعلم حقيقته من الحوادث و الآثار، و أهملت فيما ذكرته من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم، و في هذا الأوان، باستيفاء ذكر نعوتهم المقررة، و ألقابهم المحررة، تجنبا لتكريرها بأسرها، و الإطالة بذكرها، و لم تجر

27

بذلك عادة قديمة، و لا سنة سالفة في تاريخ يصنف، و لا كتاب يؤلف، و إنما كان الرسم جاريا في القديم باطراح الألقاب و الإنكار لها، بين يدي ذوي العلوم و الآداب، فلما ظهرت الدولة البويهية الديملية، و لقب أول مسعود نبغ فيها بعماد الدولة ابن بويه، ثم أخوه و تاليه في الولادة و السعادة بركن الدولة أبي علي، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين، و كل منهم قد بلغ علو المرتبة و المملكة، و نفاذ الأمر في العراق و خراسان و الشام إلى أوائل المغرب ما هو مشهور، و ذكره في الآفاق منشور، و لما علا قدر الملك عضد الدولة فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم، و ظهر سلطانه، و علا شأنه و ملك العراق بأسره و ما والاه من البلاد و المعاقل، و خطب له على المنابر، زيد في نعوته في أيام المطيع لله أمير المؤمنين (رحمه الله): تاج الملة، و لم يزد أحد من إخوته:

مؤيد الدولة صاحب أصفهان، و فخر الدولة صاحب الري و ما ولاهما، و انضاف إليهما على اللقب.

و لم يزل الأمر على ذلك مستمرا إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا و الدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق، و قويت شوكة الترك، و انخفضت الدولة البويهية و اضمحلت و انقرضت، و لقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق، و اجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام الإمام الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين رحمة الله ب: السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم، ركن الدنيا و الدين، غياث المسلمين، بهاء دين الله، و سلطان بلاد الله، و مغيث عباد الله، يمين خليفة الله، طغرلبك.

ثم زاد الأمر في ذلك، إلى أن أضيف إلى ألقاب ولاة الأطراف: الدين و الإسلام، و الأنام و الملة، و غير ذلك، بحيث اشترك في هذا الفن الخاص و العام، لا سيما في هذا الأوان».

إن هذا النص الفريد في كتاب القلانسي فيه أكثر من دليل، ليس على‏

28

منهج المؤلف و دقته و تحريه، و نوعية مصادره فحسب، بل على عمق في فهم التاريخ الإسلامي و مشاكله، و نظرة ثاقبة واعية لأحداثه، و قد تأثر بهذه النظرة عدد من المؤرخين و السياسيين المسلمين، فهذا ما نشهد صداه في كتاب الكامل لابن الأثير، و عدد آخر من المصنفات الإسلامية العربية و الفارسية سواء.

و مع أن ابن القلانسي يشير بأنه كان يجمع مواد كتابه على شكل مذكرات يومية، فإن ما يؤسف له هو طابع الاختصار لديه، فقد عقدت مقارنة بينه و بين وليم الصوري، و هو من معاصريه، و كلاهما كتب عن حوادث الحروب الصليبية، واحد في القدس باللاتينية، و آخر في دمشق بالعربية، و مع أن ابن القلانسي انفرد بذكر أخبار بعض الحوادث إلا أنه إذا اجتمع مع وليم على قص خبر حادثة، فالتفاصيل لدى وليم أكبر منها عند ابن القلانسي، و المداراة للسلطة أوضح عند ابن القلانسي، و هذا كان الداء العضال الذي قلما نجا منه مؤرخ من المؤرخين المسلمين.

و هذا لا يقلل من قيمة ابن القلانسي، خاصة إذا تذكرنا أنه المصدر العربي الوحيد الذي وصلنا، و قام برواية الأخبار من وجهة نظر عربية صريحة و منصفة، و فيها اعتدال كبير لأنه لم يكن رجل لا هوت، و هذه الصفات افتقر إليها رئيس الأساقفة وليم الصوري و غيره من المؤرخين غير العرب مثل آنا كومينا، مؤرخة الحملة الصليبية الأولى بالإغريقية، و المؤرخ السرياني اللاهوتي المجهول الذي أرخ للحملتين الأولى و الثانية، و البطريرك ميخائيل السرياني.

و لهذا لاقى تاريخ ابن القلانسي عناية خاصة، و كان أن أقدم المستشرق ه. أمدروز على تحقيقه و نشره سنة 1908 لحساب مؤسسة برل في ليدن هولندا، و قد طبع نصه في بيروت في مطبعة الآباء اليسوعيين، و قامت منذ قرابة الأربعة عقود من السنين مكتبة المثنى في‏

29

بغداد بإعادة طبعه بطريقة تصوير الأوفست، و نفدت نسخ الكتاب من الأسواق منذ سنين عديدة.

لقد بذل المستشرق أمدروز جهده في تحقيق نص الكتاب فنال بعض التوفيق، و كان حظه من الإخفاق أكبر، علما بأنه ألحق بالمتن عددا من الحواشي المهمة استقى غالبيتها من تاريخ ميافارقين للفارقي، و مرآة الزمان لسبط الجوزي.

و مرد الإخفاق إلى أنه لا يوجد في العالم إلا نسخة خطية واحدة من الكتاب، و هذه النسخة على وضوح خطها النسخي، و على الرغم من نظافتها و خلوها من التطبيع و خروم الأوراق و الأسطر، و الاضطراب، فإن متنها قد انتشرت فيه التصحيفات بشكل رهيب، لا يستطيع المرء التنبه إليها إلا بكل صعوبة يضاف إلى هذا أن الناسخ- الذي لا نملك ترجمة لحياته- كان عاجزا عن قراءة الأصل الذي اعتمده، لذلك لم يكتف بأعمال التصحيف بل تجاوز جملا برمتها، و لهذا فمتن الكتاب فيه من الثغرات ما لا يمكن إحصاؤه، و عند ما أقدم أمدروز على نشر الكتاب أخفق في التنبه إلى تصحيفات النص و ثغراته كما أخفق في قراءة الكثير من الكلمات بشكل صحيح، و لهذا جاءت طبعته مشوشة النص، و قامت الحاجة إلى إعادة تحقيق الكتاب و نشره.

و منذ أكثر من أربعين عاما كنا نتحدث عن وجود حاجة ماسة إلى إعادة تحقيق جميع الكتب التي سلف نشرها في أوربا، و أن هناك حاجات ماسة للاهتمام بتاريخ بلاد الشام في العصور الإسلامية، فالطالب عندما يدرس العصر الأموي يعرف ما كان يجري بالكوفة و لا يدري ما كان يجري في دمشق دار الخلافة، و مقر نشاطاتها، و لكم يتمنى المرء لو تم إنشاء مركز للدراسات الشامية يلحق بجامعة دمشق أو بغيرها من المؤسسات الثقافية، و يعمل على جمع مصادر تاريخ بلاد الشام، و إحياء نصوص هذه المصادر أو التعريف بها، و حبذا لو أقدمت‏

30

مجلة الدراسات التاريخية التي تصدر في دمشق عن لجنة «كتابة التاريخ العربي» على فتح ملف دائم للحديث عن تاريخ الشام مع المصادر.

و كنت قد عرفت تاريخ ابن القلانسي منذ زمن بعيد، و توثقت صلاتي به في الأربعين سنة الماضية منذ عملي في إعداد أطروحة الدكتوراه و أثناء بحثي في التاريخ الفاطمي، و أخبار القرامطة، و العصر السلجوقي، و الحروب الصليبية، و أخيرا اتخذت قرارا بأن أعمل في أسرع وقت على إعادة تحقيق الكتاب و نشره، و في إحدى الأمسيات كنت أحدث بعض الأصدقاء عن هذه النية، و أنني سأراسل مكتبة البودليان للحصول على شريط مصور للمخطوط، و هنا أخبرني الصديق أحمد ابش، أن لديه نسخة من هذا الشريط، و تفضل مشكورا بإعارتي إياها، حيث أخرجت عنها صورة مطبوعة، و لابد من الإشارة هنا إلى السيد ابش هو شاب دمشقي يعمل جاهدا في سبيل جمع مصادر تاريخ دمشق، و إني انتظر له مستقبلا جيدا في خدمة تاريخ هذه المدينة الخالدة.

و كنت قد أخرجت طبعتي الأولى من هذا الكتاب في العام 1983، و نفدت هذه الطبعة منذ زمن طويل، و أخذت أعد العدة لإعادة طباعته، مع تدارك بعض الهنات و إيضاح بعض القضايا و وضع فهارس جديدة أكثر دقة من السالفة.

و يتوافق العمل على إخراج هذه الطبعة الجديدة مع الإعداد في جامعة دمشق من خلال اللجنة القومية لكتابة التاريخ العربي، لعقد مؤتمر في العام المقبل بعنوان «دمشق عبر التاريخ»، و هذا حدث له أبعاده العلمية الكبيرة و المهمة، فدمشق كانت و ستظل أعرق مدن الإنسانية، و هي كهف العروبة و الإسلام، و دار الأنبياء و الصالحين و الأبطال.

و كنت أثناء التحقيق و العمل على إخراج هذا الكتاب المهم، قد بذلت كل طاقاتي وعدت إلى سلسة عريضة من المصادر التاريخية

31

و الجغرافية، أصبحت الآن أكثر غنى بما قمت بالحصول عليه من مصادر «الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية» و مجددا أتوجه إلى جميع القراء بالدعوة إلى إرشادي إلى ما أخفقت في قراءته أو تحديده، أو شرحه، فالكتاب الآن هو ملكهم و محتوياته فيها تاريخهم ممثلا بأعظم مدن التاريخ و الحضارة الإنسانية، و أروعها دورا، دمشق دار العروبة و الإسلام.

و الحمد لله جلت قدرته، و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده سيدنا المصطفى و على آله و صحبه و من أخذ بهداه إلى يوم الدين.

دمشق 25 شعبان 1426 ه سهيل زكار

28 أيلول 2005

32

الفصحة الأولى من المخطوط

33

الصفحة الأخيرة من المخطوط

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

الذيل المذيل على تاريخ دمشق 360- 555 ه

تصنيف الرئيس الأجلّ مجد الرّؤساء أبو يعلى حمزة بن أسد بن عليّ بن محمّد التّميميّ المعروف بابن القلانسي 470- 555 ه/ 1077- 1160 م‏

حققه و قدّم له الأستاذ الدكتور سهيل زكار

36

و في سنة ستين و ثلاثمائة (*)

[في ذي القعدة وصل القرامطة إلى دمشق، و نصبوا على أسوارها السلالم، و تعلقوا بها و فتحوها قصدا، و أوقعوا بأهلها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و شنعوا بأهلها و قتلوا واليها جعفر بن فلاح، و سبب ذلك أنهم لما رأوا أن جعفرا استولى على الشام أهمهم أمره و أزعجهم و قلقوا، لأنهم كانوا قرروا مع ابن طغج أن يحمل إليهم في كل عام ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملكها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على المسير إلى الشام، و صاحبهم و قتئذ الحسن بن أحمد بن بهرام القرمطي فأرسل إلى عز الدولة بختيار يستمد منه المعونة بالسلاح و المال، فأجابه إلى ذلك و استقر الحال أنهم إذا ساروا إلى الكوفة سائرين إلى الشام حملوا الذي استقر، فلما وصلوا الكوفة أوصل إليهم ذلك و ساروا إلى دمشق، و بلغ خبر وصولهم إلى جعفر، فاحتقرهم و استهان بهم «و لم يدر المخبأ له و لم يصل إليه قول القائل: إذا كان عدوك نملة فلا تنام له، و قد تقتل النملة الثعبان و الأسد» (1) و لم يحتط (2) و يحترز منهم و لم يعمل لهم حسابا، فكبسوه بظاهر دمشق‏ (3) و قتلوه من حيث لا يشعر بهم، و غنموا ماله و أنعامه من ناطق و صامت‏ (4).

____________

(*) بداية المستدرك من مختصر تاريخ ثابت بن سنان.

(1) يبدو أن هذه الجملة مقحمة في الأصل.

(2) في الأصل- يحتاط-.

(3) في مرآة الزمان- مخطوطة أحمد الثالث- 11/ 88- و: و فيها [360 ه] توفي جعفر ابن فلاح أحد قواد المصريين، و أول أمير ولي لهم دمشق، و كان فيمن خرج مع جوهر من المغرب، و شهد معه فتوح مصر، ثم بعثه جوهر إلى الشام، فتغلب على الرملة سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة، و أقام بدمشق.

و لخمس خلون من صفر من هذه السنة، أمر المؤذنين بجامع دمشق أن يؤذنوا بحي على خير العمل، و كذا بالمساجد، و كان ينزل بمكان يقال له الدكة بين نهري يزيد و تورا، و قيل هي فوق يزيد قريبا من دير مران، فجاء أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطي إلى دمشق و يلقب بالأعصم، و كان جعفر مريضا، فخرج فقاتله فقتله القرمطي في ذي القعدة و قيل في شوال.

(4) اصطدم الفاطميون أثناء محاولتهم الاستيلاء على دمشق بجماعات الأحداث فيها،-

37

____________

- الذين شكلوا نوعا من أنواع المليشيات الشعبية البلدية، و كان محمد بن عصودا من بين زعماء أحداث دمشق الذين تصدوا لجعفر بن فلاح، و عندما أخفق بالمقاومة غادر دمشق إلى الأحساء حيث استنجد بقرامطتها، و من حسن الحظ أن المقريزي حفظ لنا في كتاب المقفى تراجم لجعفر بن فلاح و الحسن الأعصم زعيم القرامطة، و ترجمة الأعصم نشرتها في كتابي أخبار القرامطة، أما ما جاء عن علاقة جعفر بن فلاح بالقرامطة فهاكم هو: (من مخطوطة مجلد برتو باشا في استانبول: 301- 302).

... و أما محمد بن عصودا فإنه لما انهزم، سار إلى الأحساء، هو و ظالم بن موهوب العقيلي، و حثا القرامطة على المسير إلى الشام، فوافق ذلك منهم الغرض، لأن الاخشيدية كانت تحمل في كل سنة إلى القرامطة مالا، فلما أخذ جوهر مصر، انقطع المال عن القرامطة فأخذوا في الجهاز للمسير إلى الشام.

و كثرت الأخبار بمسير القرامطة إلى الشام، و أنهم نزلوا على الكوفة، و كتبوا إلى الخليفة ببغداد، فأنفذ إليهم خزانة سلاح، و كتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان، من مال الرحبة، و أنهم ساروا من الكوفة إلى الرحبة و أخذوا من ابن حمدان المبلغ، فكتب جعفر إلى غلامه فتوح و هو على أنطاكية يأمره بالرحيل فوافاه الكتاب مستهل شهر رمضان، فشرع في شد أحماله، و نظر الناس إليه فجفلوا و رموا خيمهم، و أراقوا طعامهم، و أخذوا في السير مجدين إلى دمشق، فلما وافوا جعفر أراد أن يقاتل بهم القرامطة، فلم يقفوا، و طلب كل قوم موضعهم، و لم يبالوا بالموكلين على الطرق.

و عندما نزل القرامطة على الرحبة أكرمهم أبو تغلب، و بعث إلى الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، المعروف بالأعصم، كبيرهم يقول له: هذا شي‏ء أردت أن أسير فيه بنفسي لكني مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد إلي خبرك، فإن احتجت إلى سيري سرت إليك بنفسي، و نادى في عسكره من أراد السير من الجند الاخشيدية و غيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض لنا عليه، و قد أذنا له في المسير و المعسكران واحد، فخرج إلى القرامطة كثير من الاخشيدية الذين كانوا بمصر و فلسطين، ممن فر من جوهر و جعفر بن فلاح، و كان جعفر لما أخذ طبرية بعث إلى أبي تغلب ابن حمدان بداع يقال له أبو طالب التنوخي، يقول له: إنا سائرون إليك فتقيم لنا الدعوة، فلما قدم الداعي على أبي تغلب و هو بالموصل، و أدى الرسالة، قال له: هذا ما لا يتم لأننا في دهليز بغداد، و العساكر منا قريبة، و لكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار، أمكن ما ذكرته، فانصرف بغير شي‏ء.

ثم ان الحسن بن أحمد القرمطي، سار عن الرحبة إلى أن قرب من دمشق، فجمع جعفر خواصه و استشارهم، فاتفقوا على أن يكون لقاء القرامطة في طرف البرية قبل أن يتمكنوا من العمارة، فخرج إليهم و لقيهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم عنه عدة من أصحابه، فولى في عدة ممن معه، و ركب القرامطة أقفيتهم، و قد تكاثرت العربان من كل ناحية، و صعد الغبار، فلم يعرف كبير من صغير، و وجد جعفر قتيلا لا يعرف له قاتل، و كانت هذه الوقعة في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين و ثلاثمائة.

فامتلأت القرامطة بما احتووا من المال و السلاح و غيره، و خرج محمد بن عصودا إلى جثة جعفر بن فلاح، و هي مطروحة في الطريق، فأخذ رأسه و صلبه على حائط داره، أراد بذلك أخذ ثأر أخيه اسحق بن عصودا، و ملك القرامطة دمشق، و ورد الخبر بذلك على جوهر القائد، فاستعد لحرب القرامطة ...

38

و بعد ملكهم لدمشق أمنوا من بقي من أهلها، و عزموا المسير إلى الرملة و استولوا على جميع ما بينهما، فلما سمع من بها من المغاربة خبرهم ساروا منها إلى يافا، فتحصنوا بها، و ملك القرامطة الرملة بعد قتال شديد و خسائر جمة، و بعد استتباب الأمر لهم قصدوا المسير إلى مصر و تركوا على يافا من يحصرها.

و عند دخولهم مصر اجتمع عليهم خلق كثير من العرب و غيرهم من الجند و الاخشيدية و الكافورية، فنزلوا بفناء مدينة الشمس على مقربة من مصر قريبا من قرية البلسم أو البيلسان و تعرف «بعين» شمس، و اجتمع جند جوهر الصقلبي قائد المعز لدين الله، و خرجوا إليهم، فاقتتلوا غير مرة فلم يظفروا بهم في جميع تلك الأيام، و ما حصل منهم من الفظائع من قطع الطريق و النهب و السلب و سطوهم على القرى و هتكهم الأعراض يعجز القلم عن وصفه لعنهم الله.

ثم أنهم تقدموا و زحفوا و حصروا عسكر جوهر و ضايقوهم و حصروهم حصارا شديدا، ثم أن جند جوهر خرجوا يوما من مصر و حملوا على القرامطة من الميمنة فانهزم من بها من العرب و غيرهم، و قصدوا خيام القرامطة فنهبوها و كبسوهم فيها فاضطروا إلى الهزيمة، و ولوا الأدبار راحلين إلى الشام، فنزلوا الرملة ثم حصروا يافا حصارا شديدا و ضيقوا على من بها، فسير القائد جوهر نجدة من عسكره لأصحابه المحصورين بها، و معهم ميرة في خمسة عشر مركبا، فأرسل القرامطة مراكبهم إليها فأخذوا مراكب جوهر و لم ينج منها غير مركبين، فغنمهما مراكب الروم.

و للحسن بن بهرام زعيم القرامطة شعر فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين الله العلوي الفاطمي الإفريقي يقول:

زعمت رجال الغرب أني هبتها* * * فدمي إذا ما بينهم مطلول‏

يا مصر إن لم أسق أرضك من دمي‏* * * يروي ثراك فلا سقاني النيل‏

39

و في صباح الغد أخذ جند جوهر يرمون القرامطة بقوارير النفط، و أعملوا فيهم السلاح حتى اضطروهم إلى الجلاء عن الحصار، و رحلوا إلى الشام فتبعوهم، و واصلهم المعز و جوهر بالنجدات حتى أجلوهم عن بعض القرى و المدن‏ (1).

و في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة تقوى القرامطة، و عزموا أن يعودوا لمحاربة المعز الفاطمي العلوي صاحب مصر إفريقية، فتجمعت جموعهم و ساروا من الإحساء، و في مقدمتهم زعيمهم الحسن بن أحمد قاصدين ديار مصر فنزلوا بها و حصروها، فلما سمع المعز لدين الله قصد القرامطة قبل وصولهم إلى مصر، كتب إليهم كتابا (2)، يذكر فيه فضل نفسه و أهل بيته، و أن دعوة القرامطة كانت له و آبائه من قبله، و توعدهم و هددهم و سير الكتاب إليهم، فكتبوا إليه «جوابك: وصل الذي قل تحصيله، و كثر تفصيله، و نحن حاضرون إليك على إثره و السلام».

و ساروا حتى وصلوا عين شمس فخيموا بها، و أنشب القتال، و حصروا مصر حصرا شديدا، و أفسدوا و نهبوا القرى و قطعوا السبيل، و كثرت جموعهم، و التف حولهم من العرب و قطاع الطريق جمع كبير، و كان ممن‏

____________

(1)- جاء في ترجمة جوهر الصقلبي، في كتاب المقفى للمقريزي- مجلد برتو باشا: 311، مزيدا من التفاصيل هاكم هي:

... و ورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم القرمطي إلى دمشق، و قتل جعفر بن فلاح، و استيلاء القرامطة على دمشق، و قصدهم مصر، فتأهب جوهر لقتالهم، و حفر جوهر خندقا، و عمل عليه بابين من حديد، و بنى القنطرة على الخليج ظاهرة القاهرة، و حفر خندق السري بن الحكم، و فرق السلاح على العساكر، فوجد رقاعا في الجامع العتيق فيها التحذير منه فجمع الناس و وبخهم فاعتذروا له فقبل عذرهم، و نزل القرامطة عين شمس في المحرم سنة احدى و ستين، فاستعد جوهر و ضبط الداخل و الخارج.

و في مستهل ربيع الأول التحم القتال بين القرامطة و بينه على باب القاهرة، فقتل من الفريقين جماعة و أسر كثير، ثم استراحوا في ثانيه و التقوا في ثالثه، فاقتتلوا قتالا كثيرا قتل فيه ما شاء الله من الخلق، و انهزم القرمطي يوم الأحد ثالث ربيع الأول، و نهب سواده، و مر على طريق القلزم- السويس حاليا- و نودي في مدينة مصر: من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم، و خمسون خلعة، و خمسون سرج محلى على دوابها، و ثلاث جوائز ...

(2) أنظره في نص المقريزي في اتعاظ الحنفا بين نصوص كتابي أخبار القرامطة.

40

حضر معهم و انضم إليهم الأمير حسان بن جراح الطائي أمير العرب ببادية الشام، و معه جمع عظيم، فلما رأى ذلك المعز استعظم الأمر، و تحير و ارتبك في أمره، فجمع حاشيته و وزراءه‏ (*).

.... (1) و تحصنوا بالسور و عظم الأمر على المعز و تحير في أمره و لم ينفعه كتابه إليه و لا ترهيبه عليه و لم يقدم على الظهور بعسكره إليه‏ (2)، و كان حسان بن جراح الطائي‏ (3) بعسكره مع القرمطي، و كان قوته و شدته به، و نظر المعز في أمره فإذا ليس به طاقة، فأعمل فكرته و رويته في أمره و شاور أهل الرأي من خاصته و جنده في أمره فقالوا: ليس فيه حيلة غير فلّ عسكره، و ليس يقدر على فله إلا بابن جراح، فبذلوا له مائة ألف دينار على أن يفل لهم عسكره، فأجابهم إلى ذلك، ثم نظروا في‏

____________

(*) نهاية المستدرك من مختصر تاريخ ثابت، حيث تتطابق المعلومات بعد ذلك.

(1) نهاية سقط من أول الكتاب مقداره أربع عشرة ورقة.

(2) إثر احتلال جوهر الصقلبي لمصر وجه القائد جعفر بن فلاح نحو الشام فاصطدم ببقايا القوى الاخشيدية في فلسطين فقهرها، و من ثم أخذ الطريق نحو دمشق فاصطدم في منطقة حوران بقبائل عقيل مستعينا عليها ببني مرة و فزارة ثم وصل دمشق فاصطدم الفاطميون بأهل المدينة يتقدمهم أحداث المدينة.

و الأحداث هي منظمة شبه عسكرية شعبية بلدية، و كان من بين زعماء أحداث دمشق مقدم اسمه محمد بن عصودا، تصدى فيمن تصدى لجعفر بن فلاح إنما عند ما أخفق هرب من دمشق يريد الأحساء و قد رافقه ظالم بن موهوب (أو مرهوب) العقيلي، و هناك في عاصمة دولة القرامطة أطلع الحسن الأعصم زعيم القرامطة على حوادث الشام الجديدة، و كان للقرامطة أتاوة سنوية كبيرة يأخذونها من الاخشيدية حكام الشام قطعت بالاحتلال الفاطمي، لهذا و لأسباب كثيرة ساق الأعصم جيوشه إلى الشام بعد ما نال تشجيع و مساعدة بغداد، فأوقع بقوات ابن فلاح، و قتل ابن فلاح نفسه، ثم توجه نحو مصر و حاصر القاهرة دون نجاح، حيث انسحب القرمطي عائدا إلى الشام، و عند ما ارتفع خطر القرامطة، أرسل جوهر الصقلبي إلى الخليفة المعز لدين الله الفاطمي و دعاه إلى القدوم إلى مصر فلبى الدعوة، سنة 362 ه/ 973 م، و في سنة 363 ه وصل القرامطة مجددا إلى مصر و حاصروا المعز، و طال الحصار على المعز، و كتب إلى القرمطي رسالة مطولة بالغة الأهمية، و لقد سبق لي معالجة هذا الموضوع في كتابي أخبار القرامطة، دمشق 1981، كما أنني نشرت في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، ط. دمشق 1975، ص: 313- 348 ترجمه كل من جعفر بن فلاح و جوهر الصقلبي من مخطوطة كتاب المقفي للمقريزي.

(3) حسان بن علي بن جراح أمير قبائل فلسطين، انظر كتابي أخبار القرامطة: 62، 190، 387، 404.

41

كثرة المال فاستعظموه، فضربوا دنانير من صفر و طلوها بالذهب و جعلوها في أكياس، و جعلوا في رأس كل كيس منها يسيرا من دنانير الذهب الخلاص، و حملوها إلى ثقة ابن جراح، و قد كانوا توثقوا منه و عاهدوه على الوفاء، و ترك الغدر إذا وصل المال إليه، فلما عرف وصول المال إليه عمل في فلّ عسكر القرمطي، و تقدم إلى أكثر أصحابه أن يتبعوه إذا تواقف العسكران، و نشبت الحرب.

فلما اشتد القتال ولّى ابن جراح منهزما و تبعه أصحابه، فكان في جمع كثيف، فلما نظر القرمطي قد انهزم عسكره بعد الاستظهار و القوة، تحير في أمره، و لزمه الثبات و المحاربة بعسكره و أجهد نفسه في القتال حتى يتخلص، و لم يكن له بهم طاقة، و كانوا قد أرهقوه بالحملات من كل جانب، و قد قويت نفوس المغاربة بانفلال ابن جراح، فخاف القرمطي على نفسه فانهزم فاتبعوا أثره و طلبوا معسكره، فظفروا بمن فيه، و أسروا منه تقدير ألف و خمسمائة رجل، و انتهبوا سواده و ما فيه، و ضربوا أعناق من أسروه، و ذلك في شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.

ثم جردوا في طلب القرمطي القائد أبا محمود إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل، فاتبعه و تثاقل في سيره خوفا من رجوعه عليه، و تم القرمطي على حاله في انهزامه حتى نزل على أذرعات‏ (1)، و انفذ أبا المنجا في طائفة من الجند إلى دمشق، و كان ابنه قبل ذلك واليا عليها (2)، و رحل القرمطي في البرية طالبا بلد الإحساء، و نيته العود، و رحل أبو محمود مقدم عسكر [7 ظ] المغاربة (3) عند معرفته ذلك و نزل باذرعات في منزل القرمطي.

____________

(1) هي مدينة درعا الحالية في سورية.

(2) هو كاتب الحسن الأعصم، وقع بالأسر و حمل إلى القاهرة حيث أطلق المعز سراحه بعد ما توصل إلى شراء السلم مع القرمطي بكمية من الذهب و أتاوة سنوية.

أنظر أخبار القرامطة: 190- 191.

(3) أي عساكر الخلافة الفاطمية حيث كان جلهم من بربر الشمال الأفريقي.

42

ذكر ولاية ظالم بن موهوب‏ (1) العقيلي لدمشق في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة من قبل المعز لدين الله‏

وصل القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق واليا عليها في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة عقيب نوبة القرمطي، فدخلها و تمكن أمره في ولايتها و تأثلت حاله في إيالتها، و توفرت عدته و عدته، و اشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي المنجا و ولده صاحبي القرمطي مع جماعة وافرة من أصحابهما، و حبسهم و أخذ أموالهم و استغرق أحوالهم.

و اتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة، و نزل بالشماسية (2)، فخرج ظالم متلقيا له و مستبشرا به، و مبتهجا بنزوله، و مستأنسا بحلوله لما كان مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق و نزوله عليها، ثم أن ظالما أنزل أبا محمود المقدم الدكة المعروفة (3)، و حمل إليه أبا المنجا صاحب القرمطي المعتقل المعروف بالنابلسي‏ (4) الذي كان هرب من الرملة متقربا إليه و إلى المغاربة بذلك، فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب و حملهما إلى مصر، فلما وصلا إلى المعزّ لدين اللّه أمر بحبس أبي المنجا و ولده و قال للنابلسي: أنت الذي قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعة في المغاربة و واحدا في الروم؟ فاعترف بذلك، فأمر بسلخه، فسلخ و حشي جلده تبنا و صلب.

____________

(1) هو ابن مرهوب في بعض نقول المقريزي في كتاب المقفى، و يبدو أن الادارة الفاطمية قد كسبته إلى صفها بعد ما كان إلى جانب القرامطة، لتفتت القوى المساندة للقرامطة و لتستفيد من قوى عقيل في الشام الجنوبي ضد القرامطة و القوى المحلية.

(2) عند مسجد القدم، كان المأمون أقام بها مرصدا فلكيا، و في ياقوت أنها محلة من دمشق. انظر الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق. ط. دمشق 1956 ص: 126، غوطة دمشق ص: 236.

(3) موضع بظاهر دمشق فوق نهر يزيد، يعرف الآن باسم الدواسة، غوطة دمشق ص: 232.

(4) أبو بكر النابلسي، و صفه القاضي عبد الجبار الهمذاني برئيس فقهاء الشام.

أنظر أخبار القرامطة: 190.

43

و لما نزل القائد أبو محمود المقدّم على دمشق في عسكره اضطرب الناس و قلقوا، و امتدت أيدي المغاربة في العيث و الفساد في نواحي البلد، و أخذ من يصادف في الطرقات و المسالك و كان صاحب الشرطة بعد القبض على أبي المنجّا قد أخذ انسانا و قتله، فظهر الغوغاء و حملة السلاح، و قتلوا أصحاب المسالح، و كثر من يطلب الفتن من العوام، و طمعت المغاربة في نهب القرى و أخذ القوافل ظاهر البلد، و لم يتمكن القائد أبو محمود المقدم من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه مال ينفقه، فيهم، و لم (8 و) يقبلوا أمره و لا امتثلوا زجره،

و كان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد، و قد عرف ظالم أن الرعية تكره المغاربة [فكثر] في [البلد] (1) الفساد و قطع الطريق على الصدّار و الورّاد، و امتنع السفار من المجي‏ء و الذهاب، و عدلوا في ذلك عن نهج الصواب، و نزح أهل القرى منها إلى البلد، و خلت من أهلها و استوحش ظاهر البلد و باطنه.

فلما كان يوم الخميس النصف من شوال من السنة جاء قوم من العسكرية ينهب القصّارين من ناحية الميدان‏ (2) فكثر الصائح في البلد، و خرج الناس بالسلاح، و ثارت الأحداث، و خرج أصحاب ظالم و وقع القتال، و ظالم يظهر أنه يريد الصلاح و الدفع عن البلد، و لم يكاشف في الأمر (3)، و وجد الناس حجة للمقال و الشكوى لما يجري عليهم، فلما كان في بعض الأيام خرج قوم من المغاربة يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق الحرجلة (4) قد أقبلت من حوران، فأخذوها و قتلوا منها

____________

(1) من المقدر أن سقطا قد وقع هنا، و أضيف ما بين الحواصر كيما يستقيم المعنى.

(2) كان في دمشق أربعة ميادين: ميدان الحصا، و ميدان الشرف الأعلى، و ميدان ابن أتابك، و ميدان القصر. غوطة دمشق: 92.

(3) أي لم يكاشف أبا محمد العداء. أنظر كتابي أخبار القرامطة: 64.

(4) تتبع الحرجلة الآن ناحية الكسوة في محافظة دمشق، و هي إلى الشرق من الكسوة تبعد عنها/ 8 كم/ و عن دمشق/ 28 كم/. التقسيمات الادارية في الجمهورية العربية السورية، ط.

دمشق 1968 ص 13.

44

ثلاثة نفر، فجاء أهل القتلى و حملوهم و طرحوهم في الجامع‏ (1) فكثر الناس عليهم و بالغوا في المقال و الانكار لأجلهم، و غلقت الأسواق، و مشى الناس بعضهم إلى بعض، و نفرت قلوبهم، و استوحشوا و خافوا.

فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي يصيح على بعد: النفير النفير إلى قينية (2)، إلى اللؤلؤة، فقال قائل:

كان بالأمس آخر النهار قوم من المغاربة و من البادية في جنينة في القنوات‏ (3) فقتلت المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد، و قد وقع بينهم حرب و قد ثارت الفتنة بباب الجابية (4) فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاث ابن عم لأبي محمود، فظهر القوم من غد في طلب الرجل، و كان مسكنه في ناحية قينية، فأقبلوا يريدون بيته، و انتشرت خيلهم و رجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة و القنوات إلى باب الجابية و باب الحديد (5)، فظفروا بالقصارين عند باب الحديد، فأخذوا ما كان معهم من الثياب، فصاح الناس: «النفير»، و لبسوا السلاح، و خرج أصحاب ظالم مع الرعية، و زحفت المغاربة حتى بلغوا قريبا من سور البلد و ليس في مقابلتهم من يذودهم و يدافعهم، فنفر إليهم أهل البلد من (8 ظ) كل ناحية و نشب القتال، و نكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية، و قصدوا الباب الصغير و امتد الناس خلف المغاربة و صعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة، و طرحوا النار فيها

____________

(1) من المرجح المراد به «الجامع الأموي».

(2) كانت مقابل الباب الصغير: الأعلاق الخطيرة، قسم دمشق ط. دمشق، 1956 ص: 152.

(3) من أشهر مناطق مدينة دمشق ما تزال تحمل هذا الاسم.

(4) معروف مكانه في دمشق على مقربة من القنوات ما يزال يحمل هذا الاسم، منه كان الانطلاق إلى الجابية، أشهر مناطق تجمع القبائل العربية في جنوب الشام، و الجابية الآن على مقربة من بلدة نوى في حوران، و لم أهتد إلى معرفة ورد بن زياد هذا. انظر تاريخ دمشق لابن عساكر: 2/ 187.

(5) ذكره ابن عساكر في تاريخه: 2/ 186 بقوله: «هو الآن خاص بالقلعة التي أحدثت غربي البلد».

45

فاحترقت، و هي أول نار طرحت في البلد و زحفت الرعية و أصحاب ظالم إلى المغاربة و ضايقوهم مضايقة ألجؤوهم إلى الصعود فوق مسجد ابراهيم، و كان ذلك منهم جهلا و اغترارا و كان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق‏ (1) شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث و أصحاب ظالم فانهزموا من المرج إلى خلف المرمى، و تبعتهم المغاربة، فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار الإمارة حتى وقف عند الجسر المعقود على بردى، و أمر بغلق باب الحديد (2)، و رتب قوما من أصحابه على جسر باناس لئلا ينهزم الناس، فلما شاهد انهزام الناس و المغاربة في إثرهم ضرب بيده على فخذه، ثم استدعى رمحه، و عبر الجسر و معه فرقة من أصحابه، و حمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد، و صاح الناس في الميدان «النفير»، فانهزم ظالم و أصحابه و جاءت المغاربة نحو الفراديس، و دخلوا الدروب، و ملكوا السطوح و طرحوا النار في الفراديس‏ (3)، و كان هناك من البيان الرفيع الغاية في الحسن و البهاء ما لم ير مثله، و هو أحسن مكان كان بظاهر دمشق، و امتدت النار مشرقة حتى بلغت مسجد القاضي‏ (4) فأتت على دور لبني حذيفة و أخذت النار قلة، فأتلفت ما كان بين الفاخورة و حمام قاسم و كنيسة مريوحنا (5) و حين انهزم الناس و تكامل العسكر في المرج و الميدان، و ارتفع صياح المغاربة، و انهزم من على السطح من الرماة و النظارة، و امتدوا إلى القنوات و دخلوا باب الحديد، و انتشروا، فلما عرفوا انهزام‏

____________

(1) كان تحت المنارة الغربية للمسجد الأموي، تاريخ دمشق لابن عساكر ط.

دمشق 1954: 2/ 158.

(2) في موقع قلعة دمشق حاليا، سمي بذلك لأنه كان كله حديد. تاريخ دمشق: 2/ 186.

(3) محلة من محال دمشق، كان لها باب خاص نسب إليها، حيث منطقة العمارة حاليا. تاريخ دمشق: 2/ 186. منادمة الأطلال لعبد القادر بدران ط. دمشق 1379: 42.

(4) انظر الأعلاق الخطيرة لابن شداد، قسم دمشق، ط. دمشق 1956: 157.

(5) تحدث ابن عساكر عن بناء الجامع الأموي من قبل الوليد بن عبد الملك، و هدم كنيسة مر يوحنا فقال: «و أعطاهم- النصارى- الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد، الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس». تاريخ دمشق: 2/ 20.

46

ظالم قصدت خيلهم ناحية الشماسية (1) في طلبه، فلما حصلوا بها أقبلت الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى‏ (2) و الصغرى و القنوات و قينية (3) و أقبل الليل، و بات الناس على أسوأ حال و أشد خوف عظيم، و أعظم و جل، و تمكنت النار في تلك الليلة (9- و)، فأحرقت درب الفحامين، و درب القصارين، ثم أخذت مغربة إلى مسجد معاوية (4)، و أحرقت درب السماقي و ما حوله إلى حمام العجمي‏ (5)، ثم أخذت في زقاق المشاطين و القنوات و قويت النار في اللؤلؤة الكبرى و الصغرى، و بلغت إلى ناحية المشرق، و أتت على الرصيف جميعه، و كانوا في وقت تمكنهم من باب الحديد، قد طرحوا النار في دار عمرو (6) بن مالك، و دار ابن طغج بن جف، فقويت النار في أخشاب و بطاين سقوف منقوشة، و ظهر لها في الليل ألسنة عالية و شرر عظيم، و كذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع، و ألقوا النار أيضا في باب الحديد، و المظلمة بإزاء الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب‏ (7) و وصلوا إلى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل‏ (8) و وجدوا بين أيديهم من الرعية من منعهم دخول الزقاق، و دخل قوم من الرعية المظلمة و أدركوا [النار] و أطفؤوها، و قويت النار في دار ابن مالك فاحترقت و ما يليها من الطاحون إلى حد حمام ضحاك، ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور

____________

(1) عند مسجد القدم. غوطة دمشق: 236.

(2) هي محلة الحلبوني الحالية بدمشق. غوطة دمشق: 243.

(3) كانت القينية مقابل باب الصغير. غوطة دمشق: 242.

(4) من أرض قينية على طريق المزة و داريا. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 152.

(5) في منطقة العقيبة. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 300.

(6) أنظر ابن عساكر: 2/ 137.

(7) من المعتقد أن محلة حجر الذهب كانت حيث العصرونية الآن شرقي القلعة.

الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 123.

(8) لم أقف عليها في المصادر المتوفرة.

47

حول دار ابن طغج و ما يليها إلى قصر عاتكة (1) و سوق الجعفري و الحوانيت، و التقت على قصر (2) حجاج، و أشرق الصبح و قد خلا المكان و اجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب و الفسقار (3) و النواحي المعروفة بباب الحديد، و عملوا على المحاربة عن الدروب و الأزقة و أبواب الدور، فما لاح الصباح بضيائه إلا و قد بنوا حائط باب الحديد، و سدوا الباب و أتى الله بالفرج.

و قد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو و لعب و زفن‏ (4) و فرح و سرور بأخذ البلد من عدوهم، ينظرون إلى النار تعمل في جنباته، و قد أتت عليه، فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد، و كان الناس قد غدوا إلى الميدان، و صعدوا السطح ينظرون نزول العسكر، و قد حارت عقول كثير من الناس من الخوف، فلما نظرت الدبادبة من كان على السطح، انحدر العسكر، و قد علت الأصوات بالنفير، فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام، و عدد الحرب و آلاتها و خرج قوم بمثل حربة (9 ظ) و عصا و فاس و كساء مقلاع، و حمر عليها حجارة، و اشتد الناس في القتال، و نزل القائد أبو محمود في عسكره، فضرب في الميدان خيمة و أصبح الناس في شدة عظيمة، و بلية هائلة [و اجتمع الأشراف‏] (5) و ظهروا من البلد، و قد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار و المستورين يطلبون من الله تعالى الفرج، فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم، فنفرت من الصياح خيل هناك، فقيل لهم:

____________

(1) من أحياء دمشق الآن خارج باب الجابية يطلق عليه الآن «قبر عاتكة». غوطة دمشق:

256- 257.

(2) محلة كبيرة في ظاهر باب الجابية نسبت إلى الحجاج بن عبد الملك بن مروان. غوطة دمشق:

253- 254.

(3) من المعتقد أنه سوق مدحت باشا الحالي. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 93.

(4) الزفن: اللعب و الدفع. النهاية لابن الأثير.

(5) من المقدر وجود سقط بالأصل، و لعل ما أثبت بين الحاصرتين فيه تقويم و ايضاح.

48

أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد، فأذن لهم فلما حضروا لديه، و سلموا عليه، أحسن الرد عليهم، و بش بهم و قال: ما حالكم و ما الذي جاء بكم؟ فشكوا إليه أحوالهم، و الإضرار بهم، و المضايقة لهم، و خضعوا و ذلوا له و لطفوا به، فقال: ما نزلت في هذا المكان لقتالكم، و إنما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم- يعني أصحابه- و ما أوثر قتال رعية، فشكروا و دعوا له و أثنوا عليه، و انصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه، و جاؤوا إلى خيمته و اختلطوا بأصحابه و قد خف الخوف و الوجل عنهم، و دخلت المغاربة البلد لقضاء حوائجهم، و عاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله.

و ولى الشرطة لرجلين يقال لهما حمزة المغربي و الآخر يقال له ابن كشمرد من الاخشيدية، فدخلا في جمع كثير من الخيل و الرجالة فطافا في البلد بالملاهي و الزفن، و جلسا في مجلس الشرطة، و طاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد و السلاح ممن يرد الفساد و إثارة الفتن، و وجد الطائف الدروب قد ضيقت، فشكا ذلك إلى القائد أبو محمود فشق هذا الأمر عليه و ضاق له صدره، فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى‏ (1)، يريد باب الصغير في جمع وافر، و وصل إلى سوق‏ (2) الغنم، فوجد درب سوق الغنم مسدودا، فعظم ذلك عليه، و غضب لأجله، و عاد إلى ورائه منكفئا حتى دخل من ناحية البطاطين‏ (3) فشكا إلى أبي محمود، فقال: إن القوم على ما هم عليه من العصيان و الخلاف، و كثرت الأقوال في مجلسه و لم يكن صاحب رأي سديد و لا تدبير حميد و لا حسن سياسة، و استدعى مشايخ البلد

____________

(1) المصلى قبلي دمشق من خارج محلة الميدان، و لم أجد عند ابن عساكر و ابن شداد ذكر لجسر المصلى فأحدد مكانه. أنظر منادمة الأطلال: 389.

(2) يستدل من الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 134، أن هذا السوق كان على مقربة من باب الصغير.

(3) لم أقف على ذكر لهذه الناحية.

49

إليه (10 و) فدخلوا عليه فتوعدهم و أغلظ القول لهم، و قال: إن لم يفتح هذا الباب و إلا فأنتم مقيمون على الخلاف و العصيان، فقالوا: أيها القائد لم يسد هذا الباب لعصيان و لا خلاف، و إنما كان سده بحيث لا يدخل منه أحد من لا يعلمه القائد و يؤثره من أهل الفساد و من يؤثر إثارة الفتنة و العناد، فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام و إن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه و لأحرقنه و لأقتلن كل من أصادفه فيه، فقالوا: نحن نطيع أمرك و لا نخالفه إذا استصوبت ذلك.

و خرجوا من عنده متحيرين في أمرهم لا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس و أمور السلطان، فصاروا إلى باب الصغير، و اجتمع إليهم أهل الشره و غيرهم، و فيهم المعروف بالمارود رأس شطار الأحداث، و أحاطوا بهم و سألوهم عن حالهم، فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب، فقال بعضهم: يفتح و لا يجري مثل ما جرى أولا فنخرب البلد، و قال قوم من أصحاب السلاح بالضد، فقالت المشايخ: نحن نفتح هذا الباب و إن جرى أمر مكروه عند دخول المغاربة و غيرهم، أو ثارت منه فتنة كنتم أنتم أصل ذلك و سببه، ثم إنهم فتحوه من وقتهم، فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين الفريقين، و قال بعضهم لبعض: ما قال أبو محمود، و ما قال أهل الشره، و قد فتح الباب بأمركم، و لسنا نأمن أمرا يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه، ففكروا في الخلاص من لائمة الفريقين، و أعملوا الرأي فيما بينهم، و قالوا: الصواب أن نأمرهم بسده، و كان ذلك منهم رأيا سديدا و تدبيرا [سليما] (1) و جرى بين رجل من أكابر المغاربة و رجل من أهل الشره منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب عليه، فرفع البلدي سيفه و ضرب المغربي فقتله في سوق‏ (2) البقل، فغلظ الأمر و اضطرب البلد،

____________

(1) فراغ في الأصل، مقدار كلمة، و لعل ما وضعته بين حاصرتين يفي بالمعنى.

(2) أنظر تاريخ دمشق: 2/ 62. الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 103.

50

و غلقت حوانيت الأسواق، و ثار العسكر بسبب المقتول، فعند ذلك وجدت المشايخ الحجة في سد الباب لهذا الحادث، و انتهى الخبر إلى القائد أبي محمود، ففرق السلاح في أصحابه، و ثار أهل البلد و تأهبوا للمحاربة، و أصبح العسكر منحدرا يريد باب الصغير، (10 ظ) و كان عندهم العلم بتفريق السلاح، و الاستعداد للحرب، فتيقظ الناس، فاحترزوا إلى حين ارتفع النهار، و فتح الناس حوانيتهم و كان المعروف بابن المارود رأس الأحداث قد عرف هو و أصحابه أن قصد العسكر باب الصغير لأجلهم‏ (1)، و صاح الناس «النفير»، و ارتفعت الأصوات و تقدمت الرجالة، و انتشروا في سوق الدواب‏ (2) و عبروا الجسر و طرحوا النار في الطاحون قبلي الجسر، و انتشروا في الطريق و المقابر يشاهدون النار في دور عند مسجد الخضر، و امتدت الأحداث و الرعية في المقابر و وقع «النفير» في الأسواق، و كانوا في غفلة، فصاح فيهم صايح: أما يستيقظ من هو غافل، أما ينتبه من هو راقد، فغلقت حوانيت الأسواق و أضحى الناس من استشعار البلاء على ساق [و قدم‏] (3) و نزل القائد أبو محمود في محراب المصلى و كانت رجالته منتشرة في المقابر، فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من باب الجابية، و المحاربة على باب الصغير، و كان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي، فقال له: الله الله أيها القائد في الحرم و الأطفال و أتقياء الرجال، و لم يزل يخضع له و يلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال متردد، و عاد منكفئا بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة و كف عن القتال، و دخل صاحب النظر إلى البلد، و انتشر الفساد في سائر

____________

(1) يستخلص من هذا الخبر و أخبار أخرى سيوردها ابن القلانسي حول الأحداث أن منطقة الباب الصغير كانت أشبه بقاعدة تجمع لقوى أحداث دمشق أو بمثاية ثكنة لهم.

(2) أنظر الأعلاق الخطيرة- قسم دمشق: 155.

(3) أضيف ما بين الحاصرتين كيما يستقيم السياق.

51

الضياع و الجهات، و طرحت النار في الأماكن و الحارات، و ثارت الفتنة و اشتدت النار، و عظم الخوف و فني العدد الكثير من الفريقين، و لم تزل الحرب متصلة مدة صفر و ربيع الأول، و بعض ربيع الآخر، و تقررت المصالحة و الموادعة (1) إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة، و صرف القائد ظالم ابن موهوب العقيلي عن ولايته.

شرح الحال في ذلك‏

لما استقر الصلح و الموادعة بين أهل دمشق و القائد أبي محمود مقدم العسكر المصري المعزي على ما تقدم شرحه، و خمدت نار الفتنة بعض الخمود، و ركدت ريحها بعض (11 و) الركود و سكنت نفوس أهل البلد و اطمأنت القلوب بين الفريقين اعتمد القائد أبو محمود على ابن أخته جيش بن الصمصامة في ولاية دمشق و حمايتها و لمّ ما تشعث منها بالفتنة المتصلة، لما رجاه عنده من الكفاية و الصرامة، و قدره فيه من النهضة و الشهامة، فدخلها واليا و نزل بقصر الثقفيين‏ (2) في الدار المعروفة بالروذباري، و أقام بها أياما.

فلما كان يوم من الأيام عبرت طائفة من عسكر المغاربة بالفراديس فعاثت فيه، فثار الناس عليها و قتلوا من لحقوه منهم، و صاروا إلى قصر الثقفيين، فهرب منهم جيش بن الصمصامة الوالي في أصحابه فانتهبوا ما كان لهم فيه، و أصبح القائد منحدرا من العسكر في جمع كثير، و قصد

____________

(1) كانت المصالحة سنة أربع و ستين و ثلاثمائة، و ذكر ثابت بن سنان: «ثم استقر الرأي بين الدمشقيين و القائد أبي محمود على اخراج ظالم من البلد و يخلفه جيش بن الصمصامة، و هو ابن أخت أبي محمود» و كان «قدم إلى القاهرة فيمن قدم إليها مع المعز، و خرج مع خاله أبي محمود ابراهيم جعفر بن فلاح إلى الشام». أنظر أخبار القرامطة: 64- 65. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية: 345.

(2) على الأرجح أن قصر الثقفيين كان محلة من محال دمشق، حيث موقع القلعة اليوم مع جزء من العصرونية. انظر ابن عساكر: 2/ 76. قصور الحكام في دمشق مقال لعبد القادر ريحاوي نشر في مجلة الحوليات الأثرية م 22- 23 ص: 42- 43.

52

جهة من البلد، و كبس موضعا كان قد سلم و وجد فيه أربعة من أهله فأخذ رؤوسهم و طرح النار فيه فاحترق، و قال القائد أبو محمود: إن أهل الشره في موضع يقال له سقيفة جناح قريب من باب كيسان قبلي البلد، فقصدهم من ناحية الباب‏ (1) الصغير و المقابر، فوقع «النفير» فقاتلتهم الأحداث و الرعية أشد قتال، و قد غلظ الأمر عليهم في أخذ رؤوس من يظفرون به، و نشبت الفتنة و الشر بينهم منذ أول جمادى أولى، و نشبت الحرب بينهم بياض ذلك اليوم إلى أن أقبل الليل، فاضطرب البلد و اشتد خوف أهله و وجلهم، و خربت المنازل، و ضعفت النفوس، و انقطعت المواد، و استدت بالخوف المسالك و الطرقات، و بطل البيع و الشراء، و قطع الماء عن البلد، و عدم الناس القني و الحمامات، و مات ضعفاء الناس على الطرقات، و هلك الخلق الكثير من الجوع و البرد في أكثر الجهات، و انتهت الحال في ذلك إلى أن تجددت ولاية القائد ريان الخادم عقيب هذه الفتنة في بقية سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة.

شرح الأمر في ذلك‏

قد كانت الأخبار تنتهي إلى المعز لدين الله بما يجري على أهل دمشق من الحروب، و إحراق المنازل، و النهب و القتل و السلب، و إخافة المسالك، و قطع الطرقات، و أن القائد أبا محمود المقدم على الجيش المصري لا يتمكن من كف أهل الفساد و المنع (11 ظ) لمن يقصد الشر من أهل العيث و العناد، و لذلك فقد خربت الأعمال، و اختلت الجهات، و ترادفت الأنباء بذلك إليه و تواترت الأخبار بجلية الحال عليه، فأنكر استمرار مثل ذلك، و أكبره و استبشعه، و كتب إلى القائد ريان الخادم والي طرابلس يأمره المسير إلى دمشق، لمشاهدة حالها، و كشف أمور أهلها، و المطالعة بحقيقة الأمر فيها، و أن يصرف القائد أبا محمود عنها، فامتثل القائد ريان الأمر في ذلك، و سار من طرابلس، و وصل إلى دمشق،

____________

(1) في الأصل: الخامس، و هو تصحيف صوابه ما أثبتنا.

53

فشاهدها و كشف أحوال أهلها و أمور الرعية بها، و تقدم إلى القائد أبي محمود بالانكفاء عنها، فرحل عن دمشق إلى الرملة في عدة خفيفة من عسكره، و بقي الأكثر مع القائد ريان، و كان ذلك بقضاء الله و تقديره و نفاذ حكمه، و تمادت الأيام في ذلك إلى أن تجددت ولاية أبي منصور ألفتكين التركي المعزي البويهي الواصل‏ (1).

ولاية ألفتكين‏ (2) المعزي لدمشق في بقية سنة أربع‏ (3) و ستين و ثلاثمائة و ما بعدها و شرح السبب في ذلك‏

قد مضى ذكر ما جرى عليه أمر القائد ريان المعزي‏ (4) الخادم في تولية أمر دمشق، و ما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها، و اتصال الحروب بها، و ما اعتمده من النظر في تسديد أحوالها و تدارك إصلاح اختلالها بعد ذلك، و تسكين نفوس من بها، و وافق هذه الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد الفتن و الوقائع بين الديلم و الأتراك و ما كان من عصيان الحاجب سبكتكين المعزي مقدم الأتراك على عز الدولة بختيار ابن مولاه معز الدولة أبي الحسين بن بويه الديلمي، و ما حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور وردّ الأمر في التقدم على الأتراك إلى الحاجب أبي منصور ألفتكين المعزي و الرئاسة عليهم، لسكونهم إلى سداده و جميل فعله في الأعمال، و اقتصادهم و اعتمادهم عليه في إخماد ثائرة الفتنة، و سكنت نفوس الأجناد ببغداد.

____________

(1) الواصل من العراق.

(2) يرد رسم هذا الاسم في المصادر بأشكال مختلفة: منها هفتكين، بغتكين، ألفتكين، ألبتكين، و الصحيح هو «ألب تكين أي عبد جلد» و يجوز القول ألف بدلا من ألب فالباء و الفاء سواء في الأسماء المعربة عن التركية. انظر ديوان لغات الترك، تأليف محمود الكاشغري. ط. الآستانة:

1333 ه: 1/ 346- 347.

(3) في الأصل ثلاث و هو خطأ واضح، انظر أخبار القرامطة: 64- 65.

(4) ألفتكين المعزي و ريان المعزي، أما الأول فنسبته إلى معز الدولة البويهي، و أما الثاني فنسبته إلى المعز لدين الله الفاطمي.

54

و في ذي القعدة من سنة ثلاث و ستين و ثلاثمائة وردت الأخبار بخلع المطيع لله و استخلاف ولده الطائع لله عند اشتداد الفتنة بين الديلم و الأتراك، و أقام على هذه (12 و) الحال برهة خفيفة، ثم ثارت الفتنة و اتصلت الحوادث، وزاد الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب ألفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة وافرة من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين‏ (1) الغلمان، و وصل أولا إلى ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك و دعت، فأقام بها أياما قلائل، و سار منها إلى دمشق و الأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملكها و الغلبة عليها و التحكم فيها، فنزل بظاهرها، و خرج إليه شيوخها و أشرافها و خدموه و أظهروا السرور به، و سألوه الإقامة عندهم، و النظر في أحوالهم، و كف الأحداث الذين بينهم، و دفع الأذية المتوجهة عليهم منهم، فأجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم و توثقوا منه بالأيمان المؤكدة و المواثيق المشددة على الطاعة و المساعدة، و دخل البلد و أحسن السيرة و قمع أهل الفساد و أذل عصب ذوي العيث و العناد، و قامت له هيبة في الصدور، و صلح به ما كان فاسدا من الأمور، و كانت العرب قد استولت على سواد البلد و ما يتصل به، فقصدهم و أوقع بهم، و قتل كثيرا منهم، و ظهر لهم من شجاعته و شهامته و قوة نفس من في جهته و جملته ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته و النزول على حكمه، و العمل بإشارته و أمر بتقرير إمضاء الاقطاعات القديمة، و ارتجاع ما سوى ذلك، و أحسن التدبير و السياسة في ترتيب العمال في الأعمال، و أنعم النظر في أبواب المال و وجوه الاستغلال، فاستقام له الأمر، و ثبت قدمه في الولاية، و سكن أهل دمشق إلى نظره.

و كاتب المعز مكاتبة على سبيل المداجاة و المغالطة و المدامجة و التمويه و الانقياد له و الطاعة لأمره، فأجابه بالاحماد له و الارتضاء بمذهبه، و الاستدعاء له إلى حضرته، ليشاهده و يصطفيه لنفسه، و يعيده إلى ولايته‏

____________

(1) أي كبار الغلمان، و من أجل حوادث الصراع التركي الديلمي انظر تجارب الأمم لمسكويه، ط. القاهرة 1915: 316- 343، و وصل ألفتكين إلى الشام عام 364 ه.