تقويم البلدان‏

- إسماعيل بن علي أبو الفداء المزيد...
575 /
5

مقدمة المؤلف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و به نستعين الحمد للّه حمدا يليق بجلاله و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و بعد. فإني لما طالعت الكتب المؤلفة في البلاد و نواحي الأرض من الجبال و البحار و غيرها لم أجد فيها كتابا موفيا بغرضي، فمن الكتب التي وقفت عليها في هذا الفنّ:

كتاب ابن حوقل و هو كتاب مطوّل ذكر فيه صفات البلاد مستوفيا غير أنه لم يضبط الأسماء، و كذلك لم يذكر الأطوال و لا العروض فصار غالب ما ذكره مجهول الاسم و البقعة و مع جهل ذلك لا تحصل فائدة تامّة، و كتاب الشريف الإدريسي في" الممالك و المسالك"، و كتاب ابن خرداذبة و غيرها، و جميعهم حذوا حذو ابن حوقل في عدم التعرّض إلى تحقيق الأسماء و الأطوال و العروض، و أما الزيجات و الكتب المؤلفة في الأقوال و العروض فإنها عريّة عن تحقيق الأسامي، و عن ذكر صفات المدن.

و أما الكتب المؤلفة في تصحيح الأسماء و ضبطها مثل: كتاب" الأنساب" للسمعاني، و" المشترك" لياقوت الحموي، و كتاب" مزيل الارتياب عن مشتبه الانتساب"، و كتاب" الفيصل" كلاهما لأبي المجد إسمعيل بن هبة اللّه الموصلي، فإنها اشتملت على ضبط الأسماء و تحقيقها من غير تعرّض إلى الأطوال و العروض، و مع الجهل بالأطوال و العروض يجهل سمت ذلك البلد، فلا يعرف الشرقي منها و لا الغربي و لا الجنوبي و لا الشمالي، و لما وقفنا على ذلك و تامّلناه جمعنا في هذا المختصر ما تفرّق في الكتب المذكورة، من غير أن ندّعي الإحاطة بجميع البلاد أو بغالبها، فإن ذلك أمر لا مطمع في الإحاطة به، فإن جميع الكتب المؤلفة في هذا الفن لا تشتمل إلا على القليل إلى الغاية.

فإن إقليم الصين مع عظمته، و كثرة مدنه لم يقع إلينا من أخباره إلا الشاذّ النادر، و هو مع ذلك غير محقق، و كذلك إقليم الهند، فإن الذي وصل إلينا من‏

6

أخباره مضطرب، و هو غير محقق. و كذلك بلاد البلغار، و بلاد الجركس، و بلاد الروس، و بلاد السرب، و بلاد الأولق، و بلاد الفرنج، من الخليج القسطنطيني إلى البحر المحيط الغربي. فإنها بلاد كثيرة و ممالك عظيمة متّسعة إلى الغاية، و مع ذلك فإن أسماء مدنها و أحوالها مجهولة عندنا، لم يذكر منها إلا القليل النادر، و كذلك بلاد السودان في جهة الجنوب، فإنها أيضا بلاد كثيرة لجنوس مختلفة من الحبش و الزنج و النوبة و التكرور و الزيلع و غيرهم، فإنه لم يقع إلينا من أخبار بلادهم إلا القليل النادر، و غالب كتب المسالك و الممالك إنما حقّقوا بلاد الإسلام، و مع ذلك فلم يحصوها عن آخرها، و لكن كما قيل: ما لم يعلم كله لا يترك كله، فإن العلم بالبعض خير من الجهل بالكل، و قد جمعنا في هذا المختصر ما تفرّق في كتب عديدة على ما سنقف عليه إن شاء اللّه عند ذكرها.

و حذونا في تأليفه حذو ابن جزلة في كتاب تقويم الأبدان في الطب، و سمّينا كتابنا هذا:" تقويم البلدان"، و قبل ذكر البلاد في الجداول نقدّم ما يجب معرفته من ذكر الأرض و الأقاليم السبعة و البحار في معرفة جملة الأرض، أما جملة الارض فكروية الشكل حسبما ثبت في علم الهيئة بعدّة أدلّة منها: أن تقدّم طلوع الكواكب، و تقدّم غروبها للمشرقيّين على طلوعها و غروبها للمغربيّين يدلّ على استدارتها شرقا و غربا، و ارتفاع القطب و الكواكب الشماليّة و انحطاط الجنوبية للواغلين في الشمال، و ارتفاع القطب و الكواكب الجنوبية و انحطاط الشمالية للواغلين في الجنوب بحسب و غولهما و تركّب الاختلافين للسآئرين على سمت بين السمتين، و غير ذلك دليل على استدارة جملة باقي الأرض، و أما تضاريسها التي تلزمها من جهة الجبال و الأغوار فإنه لا يخرجها عن أصل الاستدارة، و لا نسبة لها محسوسة إلى جملة الأرض، فإنه قد تبرهن في علم الهيئة:

أن جبلا يرتفع نصف فرسخ يكون عند جملة الأرض كخمس سبع عرض شعيرة عند كرة قطرها ذراع، و كذلك ثبت في علم الهيئة: أن الأرض في وسط الفلك بعدّة أدلّة:

7

منها أن انخساف القمر في مقاطراته الحقيقيّة للشمس يدل على أن الأرض في الوسط، و الواقف على الأرض من جميع الجوانب رأسه إلى ما يلي المحيط و هو الفوق، و رجله إلى ما يلي المركز و هو التحت، و محدّب الأرض مواز لمقعّر الفلك المحيط به، و السآر على الأرض يجب أن يسير سمت رأسه في كل وقت جزءا آخر من الفلك.

مسئلة لتنبيه الذهن على ما نحن فيه‏

و هي: لو كان السير على جميع الأرض ممكنا، ثم فرض تفرّق ثلاثة أشخاص من موضع بعينه، فسار أحدهم نحو المغرب، و الثاني نحو المشرق، و أقام الثالث حتى دار السائران دورا من الأرض و رجع السائر في الغرب إليه من جهة الشرق، و السائر في الشرق من جهة الغرب؛ نقص من الأيام التي عدّوها جميعا للمغرب واحد، و زاد للمشرق واحد؛ لأن الذي سار إلى الغرب، و لنفرض أنه دار الأرض في سبعة أيام سار موافقا لمسير الشمس، فيتأخّر غروبها عنه بقدر سبع الدور بالتقريب، و هو ما يسيره في كل نهار، ففي سبعة أيام حصل له دور كامل، و هو يوم بكماله، و الذي سار إلى الشرق كان سيره مخالفا لمسير الشمس فتغرب الشمس عنه قبل أن يصل إلى سبع الدور، فيجتمع من ذلك مقدار يوم، فتزيد أيامه يوما كاملا، فلو كان افتراقهم يوم الجمعة ثم حضرا إلى المقيم الجمعة الأخرى فإنه يكون بالنسبة إلى المقيم يوم الجمعة، و بالنسبة إلى المغربي الذي حضر من المشرق يوم الخميس، و بالنسبة إلى المشرقي الذي حضر من المغرب يوم السبت، و كذلك الحال لو فرضت هذه الصورة في الشهور أو السنين في معرفة أجزاء الأرض: خطّ الاستواء هي الدائرة العظيمة المتوهّمة التي تمرّ بنقطتي الاعتدالين الربيعي و الخزيفي، و تفصل الأرض بنصفين: أحدهما شمالي و الآخر جنوبي.

و إذا توهّمت عظيمة أخرى تمرّ بقطبي هذه الدائرة انقسمت الأرض بهما أرباعا أحد الشماليين هو الربع المسكون، و ثلاثة الأرباع غير معلومة الأحوال‏

8

و الأكثر على أنها مغمورة بالماء، و إنما حكم بأن المعمور ربع؛ لأنه لم يوجد في أرصاد الحوادث الفلكية كالخسوفات تقدّم ساعات الواغلين في المشرق لها على ساعات الواغلين في المغرب زائدا على اثنتي عشرة ساعة لكل ساعة خمس عشرة درجة، و خمسة عشر في اثنى عشر بمائة و ثمانين و هو نصف الدور. فعلموا من ذلك أن طول المسكون لا يزيد على نصف الدور، و إنما قيل:

إنّ المسكون هو الشمالي؛ لأنه لم يوجد أظلال أنصاف نهار الاعتدالين في شي‏ء من المساكن جنوبيّا إلا في قليل من مساكن على أطراف الزنج و الحبشة، لكن لا يزيد عرضها على ثلاث درجات، و في جانب الشمال أيضا لا يمكن أن يسكن فيما جاوز عرضه تمام الميل الكلّي؛ لشدّة البرد، و المراد بتمام الميل الكلي عرض ست و ستين درجة و نصف تقريبا، و البحر محيط بأكثر جوانب الأرض، أما من جانب المغرب و شماله، و الجانب الشرقي الجنوبي فمعلوم، و أما جنوب المغرب فإنه لم يصل أحد فيه إلى البحر. و كذلك شمال المشرق ليس لنا وقوف يقيني على البحر الذي فيه، و قد قيل: إن علّة عمارة الربع الشمالي، و خراب الربع الجنوبي إنما هو قرب الشمس؛ لأنها إذا سامتت الربع الجنوبي من الأرض تكون في البروج الجنوبية في حضيضها، فتكون حينئذ أقرب إلى الأرض، و أعظم جرما، و أشد شعاعا و أثرا، و قد ضعّف النصير الطوسي هذا التعليل و قال: إن التفاوت بين صغر الشمس من جهة كونها في الأوج، و كبرها من جهة كونها في الحضيض ليس ببيّن عند الحسّ، فمن البعيد أن يبلغ تأثيرها إلى حدّ يصير أحد موضعين متساويين في الوضع مسكونا و الآخر غير مسكون، و ليس لذلك علّة غير العناية الإلهيّة. و قيل: لمسامتة الطريقة المحترقة، و المراد بالطريقة المحترقة: ما بين هبوط النيّرين، و هو من أثناء الميزان إلى أثناء العقرب، و هو أيضا تعليل ضعيف.

قال النصير: و هو من خرافات الإحكاميّين، فصل الذي عليه اتفاق المشّائين، و جمهور المنجّمين: أن الأرض مقسومة بخمسة أقسام يفصلها دوائر

9

متوازية، و موازية لمعدّل النهار، فمن ذلك دائرتان تفصلان الخراب من العالم بسبب القرب من القطبين لشدّة البرد، و ذلك الخراب قطعتان طبليتان:

إحداهما شمالية، و الأخرى جنوبية، يحيط بكل واحدة منهما طائفة من محيط كرة الأرض، و سطح مستو، و الحدّ المشترك بينهما مقسوم بثلاثة قطوع، يحيط بكل واحدة منها سطحا دائرتين، فالسطح المتوسط من هذه القطوع الثلاثة هو الذي عليه خط الاستواء و أكثره خراب من جهة الحر، و أما السطحان اللذان عن جانبيه أحدهما من شماليه، و الآخر من جنوبيه، فهما معتدلان، لكن الجنوبي منهما مغمور بالماء على المشهور، و ليتصور من هذا الشكل صورته.

ذكر خط الاستواء و هو يمرّ من بحر الصين إلى بحر الهند إلى الزنج إلى براري سودان المغرب و ينتهي إلى بحر المحيط في المغرب، فمن سكن في أحد الأماكن التي على خط الاستواء لم يختلف عليه الليل و النهار، و استويا عليه أبدا، و كان قطبا العالم على أفق بلده، و كانت المدارات قائمة على الأفق، و اجتازت الشمس على سمت رأسه في السنة مرّتين عند كون الشمس في رأس الحمل و الميزان، و بعضهم يرى أنه أعدل المواضع، و بعضهم يرى أنه حارّ و أنه إنما سميّ خط الاستواء؛ لاستواء الليل و النهار فيه، و أنه غير معتدل المزاج‏

10

لاحتراق أهله، و من قرب منهم لونا و شعرا و خلقا، و يصير في مدة اثني عشر شهرا، و هو سنة كاملة في خط الاستواء: ربيعان و صيفان و خريفان و شتاءان.

فإن الشمس إذا حلّت برأس الحمل سامتت رءوس أهل خط الاستواء، و هو أول فصل صيفهم الأول، فإذا حلّت بنصف برج الثور كان أول خريفهم الأول، و إذا حلّت بأول برج السرطان كان أول فصل شتائهم الأول؛ لأنها تكون حينئذ في نهاية البعد عن خط الاستواء في الشمال، و إذا حلّت بنصف برج الأسد كان أول فصل ربيعهم الأول، و إذا حلت برأس الميزان كان أول الصيف الثاني، و إذا حلت بنصف العقرب كان أول الخريف الثاني، و إذا حلت بأول الجدي كان أول الشتاء الثاني؛ لأنها حينئذ تكون في نهاية البعد عن خط الاستواء في الجنوب، و إذا حلت بنصف برج الدلو كان الربيع الثاني.

كلام كلي على الأقاليم السبعة

اعلم أن معظم العمارة يقع بين ما يجاوز عشر درجات في العرض إلى حدود الخمسين، فقسمها أهل الصناعة بالأقاليم السبعة؛ ليكون كل إقليم تحت مدار تتشابه أحوال البقاع التي فيه، و كل إقليم منها يمتد ما بين الخافقين طولا، و يكون عرضه قدرا قليلا، و هو ما يوجب تفاضل نصف ساعة في مقادير النهار الأطوال، و الجمهور جعلوا مبدأ الأطوال من جانب المغرب ليكون ازدياد عدد الطول في جهة توالي البروج، و مبدأ العرض خط الاستواء؛ لأنه بالطبع متعين، و قد ذكر أن بدأة العمارة في المغرب كانت في جزائر تسمى بالخالدات، و هي الآن غير معمورة، فجعل بعضهم الجزائر المذكورة مبدأ الطول، و قوم آخرون جعلوا ساحل البحر الغربي مبدأ و بينهما عشر درجات من دور معدّل النهار، و أما نهاية العمارة في الجانب الشرقي فهو موضع يقال له:

كتكدز و منتصف ما بين النهايتين أعني: الغربية و الشرقية على خط الاستواء يسمّى قبة الأرض، و هي على بعد ربع الدور من المبدأ الغربي، و يلزمها الاختلاف بسبب الاختلاف في المبدأ الغربي أعني: كونه الجزائر الخالدات أو

11

الساحل، و أما الأقاليم بحسب العروض فإن آخر كل أقليم ما عداه أول الذي يليه، و قد اختلفوا أيضا في ترتيب الأقاليم بحسب العرض، فقوم جعلوا مبدأ الإقليم الأول خط الاستواء، و آخر السابع منتهى العمارة، و أما المختار الذي عليه المحقّقون فإنهم جعلوا أول الإقليم الأول حيث العرض اثنتا عشرة درجة و ثلثا درجة، و آخر الإقليم السابع حيث العرض خمسون درجة و عليه رتبنا الأقاليم في هذا المختصر، و أما الأطوال فإنا اثبتناها من الساحل حسبما اختاره المتأخرون،

و لنشرع في ذكر الأقاليم السبعة مفصلا.

الإقليم الأول: مبدؤه حيث النهار الأطول اثنتا عشرة ساعة و نصف و ربع،

و عرضه اثنتا عشرة درجة و ثلثا درجة، و وسطه حيث النهار ثلاث عشرة ساعة، و العرض ست عشرة درجة و نصف و ثمن درجة، و آخره حيث النهار ثلاث عشرة ساعة و ربع ساعة، و العرض عشرون درجة و ربع و خمس درجة، ينقص شيئا ما؛ لأنا قلنا: إن آخره ما عداه أول الثاني، و أول الثاني عشرون و ربع و خمس، فآخر الأول ينقص عن ذلك أمرا ما، فسعة الإقليم الأول سبع درجات و ثلثا درجة و ثمن درجة بالتقريب، و أما مساحته فسنذكرها مع مساحة باقي الأقاليم إن شاء اللّه تعالى.

الإقليم الثاني: مبدؤه حيث النهار ثلاث عشرة ساعة و ربع ساعة،

و العرض عشرون و ربع و خمس، و وسطه حيث النهار ثلاث عشرة ساعة و نصف ساعة، و العرض أربع و عشرون و نصف و سدس، و آخره حيث النهار ثلاث عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة، و العرض سبع و عشرون درجة و نصف درجة، ينقص شيئا ما، فيكون سعته بالتقريب سبع درجات و ثلاث دقائق.

الإقليم الثالث: مبدؤه حيث النهار ثلاث عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة،

و العرض سبع و عشرون درجة و نصف درجة، و وسطه حيث النهار

12

أربع عشرة ساعة، و العرض ثلاثون درجة و ثلثا درجة، و آخره حيث النهار أربع عشرة ساعة و ربع ساعة، و العرض ثلاث و ثلاثين درجة و نصف و ثمن درجة، ينقص شيئا ما، فسعته ست درجات و ثمن درجة بالتقريب.

الإقليم الرابع: مبدؤه حيث النهار أربع عشرة ساعة و ربع ساعة،

و العرض ثلاث و ثلاثين درجة و نصف و ثمن درجة، و وسطه حيث النهار أربع عشرة ساعة و نصف ساعة، و العرض ست و ثلاثون درجة و خمس و سدس درجة، و آخره حيث النهار أربع عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة، و العرض ما ينقص شيئا ما عن تسع و ثلاثين درجة إلا عشرا، فيكون سعته خمس درجات و سبع عشرة دقيقة بالتقريب.

الإقليم الخامس: مبدؤه حيث النهار أربع عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة،

و العرض تسع و ثلاثون درجة إلا عشرا، و وسطه حيث النهار خمس عشرة ساعة، و العرض إحدى و أربعون درجة و ربع درجة، و آخره حيث النهار خمس عشرة ساعة و ربع ساعة، و العرض ثلاث و أربعون درجة و ربع و ثمن درجة، ينقص شيئا ما، فسعته أربع درجات و ربع و ثمن و عشر درجة بالتقريب.

الإقليم السادس: مبدؤه حيث النهار خمس عشرة ساعة و ربع ساعة،

و العرض ثلاث و أربعون درجة و ربع و ثمن درجة، و وسطه حيث النهار خمس عشرة ساعة و نصف ساعة، و العرض خمس و أربعون درجة و ربع و عشر درجة، و آخره حيث النهار خمس عشرة ساعة و نصف و ربع ساعة، و العرض سبع و أربعون درجة و خمس درجة، ينقص شيئا ما فيكون سعته ثلاث درجات و نصف و ثمن و خمس درجة بالتقريب.

الإقليم السابع: مبدأه حيث النهار خمس عشرة ساعة و نصف و ربع،

13

و العرض سبع و أربعون درجة و خمس درجة، و وسطه حيث النهار ست عشرة ساعة و ربع ساعة، و العرض ثمان و أربعون درجة و نصف و ربع و ثمن درجة، و آخره حيث النهار ست عشرة ساعة و ربع ساعة، و العرض خمسون درجة و ثلث درجة، فيكون سعته ثلاث درجات و ثمان دقائق.

و قد رأينا غالب واضعي الكتب المؤلفة في الأطوال و العروض من الزيجات و غيرها، لا يحافظون فيها على إثبات الأماكن في مواضعها من الأقاليم، بل يثبتون بعض أماكن الإقليم في الإقليم الآخر، و من تأمل ذلك و كشفه تحقّق صحة ما ذكرناه.

و نحن: فقد راعينا ذلك و أثبتنا كل مكان في إقليمه، و اعلم أن ثم بلاد كثيرة ليست من الأقاليم السبعة، و هي البلاد التي وراء أول الإقليم الأول من الجهة الجنوبية، و كذلك البلاد التي خلف آخر الإقليم السابع من جهة الشمال، و إلى نهاية العمارة في الشمال، و أما ساعات النهار الأطول في العروض التي وراء الإقليم السابع، فإن النهار الأطول يبلغ سبع عشرة ساعة؛ حيث العرض أربع و خمسون درجة و كسر، و يبلغ ثماني عشرة ساعة حيث العرض ثمان و خمسون، و يبلغ تسع عشرة ساعة حيث العرض إحدى و ستون، و يبلغ عشرين ساعة حيث العرض ثلاث و ستون، و يبلغ إحدى و عشرين حيث العرض أربع و ستون و نصف، و يبلغ اثنتين و عشرين حيث العرض خمس و ستون و كسر، و يبلغ ثلاثا و عشرين حيث العرض ست و ستون، و يبلغ أربعا و عشرين حيث العرض مثل تمام الميل كله و هو ست و ستون و كسر، و يبلغ شهرا حيث العرض سبع و ستون و ربع، و شهرين حيث العرض سبعون إلا ربع درجة، و ثلاثة أشهر حيث العرض ثلاث و سبعون و نصف، و أربعة أشهر حيث العرض ثمان و سبعون و نصف، و خمسة أشهر حيث العرض أربع و ثمانون و نصف السنة تقريبا حيث العرض ربع الدور و هو تسعون.

14

فصل من كلام البيروني في القانون‏

قال:

خط الاستواء الذي لا عرض له، فالعرض منه، و منسوب إليه، لما اجتازت أفقه على قطبي الكل قسمت المدارات المخطوطة على الأفق الموازية لمعدّل النهار كلها بنصفين، فلم يدم فيه ظهور مدار أو خفاؤه أصلا، و لم يختلف فيه ليل مع نهاره بل استويا لكل طالع و غارب و قطبا فلك البروج من جملتها، فمرت منطقة البروج على سمت الرأس في كل دورة مرتين عند طلوعهما و غروبهما، و انتصبت المدارات على الأفق، فاستقامت الحركة لمبصرها، و ساوت سعة المشارق و المغارب الميول لكون الأفق إحدي دوائرها، و استوى بعد المنقلبين عن سمت الرأس، فتساوى ارتفاعهما في نصف النهار عن جنوب و شمال، و كذلك ظلالهما فيهما و توسطهما أعظم الارتفاع العديم الظل، و لم يختلف فيه جهتا سعة المشرق و ارتفاع نصف النهار في مدار واحد و سامتته الشمس على نقطتين متقاطرتين هما:" أول الحمل و الميزان"، و كانت المدة بينهما نصف سنة بالتقريب.

في صفة المعمور بإجمال. قال البيروني:

الروم و الهند أصدق سائر الأمم عناية بهذه الصناعة، و لكن الهند لا يبلغون غاية اليونانيين فيعترفون لهم بالتقدم، و لمثله نميل إلى آرائهم و نؤثرها.

فأما الهند: ففي كتبهم أن نصف كرة الأرض ماء و نصفها طين؛ يعنون البر و البحر، و أن على ترابيع خط الاستواء أربعة مواضع: هي جمكوت الشرقي، و الروم الغربي، و كنك الذي هو القبة و المقاطر لها، فلزم من كلامهم أن العمارة في النصف الشمالي بأسره.

15

و أما اليونانيون: فقد انقطع العمران في جانبهم ببحر أوقيانوس، فلما لم يأتهم خبر إلا من جزائر فيه غير بعيدة عن الساحل، و لم يتجاوز المخبرون عن الشرق ما يقارب نصف الدور جعلوا العمارة في أحد الربعين الشماليين لا أن ذلك موجب أمر طبيعي، فمزاج الهواء الواحد لا يتباين؛ و لكن أمثاله من المعارف موكول إلى الخبر من جانب الثقة، فكان الربع دون النصف هو ظاهر الأمر، و الأولى بأن يؤخذ به إلى أن يرد لغيره خبر طارئ، و طول العمارة على ذلك أوفر من عرضها لتعطل العمارة في الشمال بالبرد عند ثلثي ربع الدور بالتقريب. و الهند سمّوا بر الأرض بلغتهم سلحفاة من أجل إحاطة الماء بحواشيه و بروزه مقببّا منه، و خاصّة إذا اعتقدوا أن هذا البارز نصف كرة.

قال: و إنما سمي بحر أوقيانوس الغربي محيطا لأن ساحله يأخذ من أقصى المنتهى في الجنوب محاذيا لأرض السودان، مارا على حدود أودغست، و السوس الأقصى، و طنجة، و تأهرت، ثم الأندلس و جليقية و الصقالبة، و ينعطف إلى العمران من ناحية الشمال، و يمتد من هناك أيضا وراء الجبال غير المسلوكة و الأراضي غير المسكونة من شدة البرد، و يمر نحو المشرق غير مشاهد، و البحر الشرقي الذي عنده منتهى العمارة في تلك الناحية غير محصل كتحصيل أوقيانوس؛ من أجل بعد المشقة و عدم الفوز بمن يتحقق الأمر منه، و لكنه بالجملة يمتد من الجنوب على مثال أوقيانوس نحو الشمال فيقال: إنه يحد بالممتد وراء ما ذكرنا من الجبال الصردة، ثم البحر الأعظم في جنوب الربع المسكون متصل بالبحر المحيط الشرقي، مسمى بما يوازيه في الساحل من الممالك أو حصل فيه من الجزائر، فيأخذ من أرض الصين إلى الهند إلى الزنج، و ساحله من جانب الشمال ليس بمعمور، و من جانب الجنوب غير معلوم، لم يقف عليه أحد من ركابه، و لم يخبر بشي‏ء منه سكان الجزائر، و يدخل من هذا البحر في الحد الشرقي أعباب و ألسنة و خلجان معروفة، و أعظمها خليج فارس: الذي على شرقي مبدئه أرض مكران، و على غربيه: أرض عمان، ثم‏

16

خليج القلزم الذي على شرقي أوله أرض اليمن و عدن، و على غربيه: أرض الحبشة و رأس بربرة و الخليج البربري، و كل واحد من هذه يسمّى بحرا على حدة لعظمه، و أكثر ما يبلغ سالكو البحر الأعظم من جانب المغرب سفالة الزنج، و لا يتجاوزونها؛ و سببه أن هذا البحر طعن في البر الشمالي في ناحية المشرق، و دخله في مواضع كثيرة، و كثرت الجزائر في تلك المواضع و على مثله بالتكافي طعن البر في البحر الجنوبي في ناحية المغرب، و سكنه سودان المغرب، و تجاوزوا فيه خط الاستواء إلى جبال القمر التي منها منابع نيل مصر، فحصل البحر هناك فيما بين جبال و شعاب ذوات مهابط و مصاعد، يتردد فيها الماء بالمدّ و الجزر الدائمين، و يتلاطم فيحطم السفن، و يمنع السلاك، و مع هذا فليس يمنعه عن الاتصال ببحر أوقيانوس من تلك المضايق.

و من جهة الجنوب وراء تلك الجبال فقد وجدت علامات اتصالهما، و إن لم يشاهد، و بذلك صار بر المعمورة وسط ما قد أحاط به باتصال، و في خلال هذا البر مستنقعات مياه كثيرة مختلفة المقادير، فمنها ما استحق بعظمته اسم البحر كبحر نيطش الأرمني و بحر الروم و بحر الخرز.

و إذا تقرر جملة المعمورة قلنا: إن الأرض قسمت إلى أقسام تقوم مقام الأجناس و هي مختلفة عند الأمم و أولاها التسبيع بالأقاليم الممتدة من شرق الأرض إلى غربها بالتلاصق في العرض، و الإقليم هو الناحية و الرستاق، و الأصل فيها أن الاختلافات المحسوسة إنما تكون بالمسير في العروض و أظهرها لعامة الناس اختلاف النهار و الليل فجعلوا ما يوجب تفاوت نصف ساعة إقليما حسبما تقدّم ذكره. و هذا ما اخترناه من كلام أبي الريحان.

17

فصل في تحقيق أمر المساحة

قد تقدم أن الأرض كروية، و أنها في الوسط. فسطح الأرض و هو محدبها مواز لمقعر السماء، فالدوائر العظام التي على سطح الأرض موازية للعظام الفلكية، و ينقسم كانقسامها على ثلاث مائة و ستين جزءا و سامت كل جزء من الدائرة الأرضية نظيره من الفلكية، فإذا سار سائر على خط نصف النهار، و هو الخط الواصل بين القطبين الشمالي و الجنوبي في أرض مستوية خالية عن الوهدات، عرية عن الربوات على استقامة من غير انحراف أصلا حتى يرتفع له القطب أو ينقص له جزءا، فالقدر الذي ساره من تلك الدائرة يكون حصة درجة واحدة منها، و تكون تلك الدائرة الأرضية ثلاث ماية و ستين مرة مثل ذلك القدر، و قد قام بتحقيق ذلك طائفة من القدماء كبطليموس صاحب" المجسطي" و غيره. فوجدوا حصّة الدرجة الواحدة من العظيمة المتوهّمة على الأرض ستة و ستين ميلا و ثلثي ميل، ثم قام بتحقيق طائفة من الحكماء المحدثين في عهد المأمون، و حضروا بأمره في برية سنجار، و افترقوا فرقتين بعد أن أخذوا ارتفاع القطب محرّرا في المكان الذي افترقوا منه، و أخذت إحدى الفرقتين في المسير نحو القطب الشمالي، و الأخرى نحو القطب الجنوب، بي و ساروا على أشدّ ما أمكنهم من الاستقامة حتى ارتفع القطب للسائرين في الشمال و انحط للسائرين في الجنوب درجة واحدة، ثم اجتمعوا عند المفترق و تقابلوا على ما وجدوه، فكان مع إحديهما ستة و خمسون ميلا و ثلثا ميل، و مع الأخرى ستة و خمسون ميلا بغير كسر فأخذ بالأكثر و هو ستة و خمسون ميلا و ثلثا ميل، و قد تقدّم أنّ القدماء وجدوا حصة الدرجة ستة و ستين ميلا و ثلثي ميل، فبينهما من التفاوت عشرة أميال، فينبغي أن يعلم أن ذلك إنما هو للخلل في العمل؛ لأن مثل هذه الأعمال لا يخلو من تفاوت إذ لا يمكن الاحتراز عن المساهمة و المسامحة تارة في استقامة المشي على خط نصف النهار، و تارة من جهة الذرع، و غير ذلك فقد علمت الخلاف في مساحة دور

18

الأرض بين القدماء و المحدثين، و أن مساحتها عند القدماء أكثر مما هو عند المحدثين، و غالب عمل المتأخرين إنما هو على رأي القدماء لتعلق كثير من المسائل به.

و اعلم أن بين القدماء و المحدثين أيضا اختلافا في الاصطلاح على الذراع و الميل و الفرسخ، و أما الأصبع فليس بينهم فيها اختلاف؛ لأنهم أجمعوا و اتفقوا على أن كل أصبع ست شعيرات معتدلات مضموم بطون بعضها إلى بعض، أمّا الذراع فالخلاف بينهم فيه حقيقي؛ لأنه عند القدماء اثنتان و ثلاثون أصبعا، و عند المحدثين أربع و عشرون أصبعا، و ذراع القدماء أطول من ذراع المحدثين بثمان أصابع، و أما الميل فهو عند القدماء ثلاثة آلاف ذراع، و عند المحدثين أربعة آلاف ذراع، و الخلاف بينهم فيه إنما هو لفظي، فإن مقدار الميل عند الجميع شي‏ء واحد، و إن اختلفت أعداد الأذرع؛ لأنه على التفسيرين ستة و تسعون ألف أصبع، فإذا قسمتها اثنين و ثلاثين اثنين و ثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، و إذا قسمتها أربعة و عشرين أربعة و عشرين كانت أربعة آلاف ذراع، و أما الفرسخ فهو عند القدماء و عند المحدثين ثلاثة أميال، لكن يجي‏ء الخلاف لفظيا في الفرسخ إذا جعل أذرعا؛ فإنه بذراع القدماء تسعة آلاف ذراع، و بذراع المحدثين اثنا عشر ألف ذراع، و هو على التفسيرين ثلاث مائة ألف أصبع ينقص اثني عشر ألف أصبع، و إذا علمت أن الفرسخ عند القدماء تسعة آلاف ذراع، و الميل ثلاثة آلاف ذراع، و عند المحدثين الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، و الميل أربعة آلاف ذراع. فاعلم أن الميل على التفسيرين ثلث فرسخ و كل فرسخ ثلاثة أميال باتفاق.

19

فصل و فراسخ درجة واحدة عند القدماء:

اثنان و عشرون فرسخا و تسعا فرسخ إذ هو الخارج من قسمة ستة و ستين ميلا و ثلثي ميل على ثلاثة، و أما فراسخ درجة واحدة عند المحدثين: فتسعة عشر فرسخا إلا تسع فرسخ إذ هو الخارج من قسمة ستة و خمسين ميلا و ثلثي ميل على ثلاثة، و العمل إنما هو على مذهب القدماء، فإذا عمل على مذهب القدماء و ضرب حصة الدرجة الواحدة من الفراسخ، و هو اثنان و عشرون فرسخا و تسع فرسخ في ثلاث مائة و ستين حصل مقدار الدائرة العظمى من الأرض و هو ثمانية آلاف فرسخ من غير زيادة و لا نقص، و أما تكسير سطح الأرض على ذلك فهو عشرون ألف ألف فرسخ و ثلاث مائة ألف و ستون ألف فرسخ و ربع ذلك تكسير الربع المسكون، و يكون طول الربع نصف المحيط، و عرضه ربع المحيط، و أمّا إذا ضرب حصة الدرجة الواحدة على مذهب المحدثين و هو تسعة عشر فرسخا إلا تسع فرسخ في ثلاث مائة و ستين؛ فإنه يخرج مقدار الدائرة العظمى من الأرض على مذهب المحدثين و هو ستة آلاف و ثمان مائة فرسخ. فدور الأرض عند المحدثين ينقص عما هو عند القدماء ألفا و مائتي فرسخ.

20

ذكر مساحة الأقاليم السبعة على المذهبين‏

أما أبو الريحان البيروني فإنه ذكر في" القانون المسعودي" مساحتها على رأي المتأخرين فضرب درج الأقليم في تسعة عشر فرسخا إلا تسع فرسخ،

فقال: الإقليم الأول طوله من ساحل البحر الغربي إلى نهايته في المشرق مائة و اثنتان و سبعون درجة و سبع و عشرون دقيقة،

فيكون بالفراسخ ثلاثة آلاف و مائتين و اثنين و خمسين فرسخا و كسرا، و سعته من الجنوب إلى الشمال سبع درج و ثلثان و ثمن درجة، فيكون بالفراسخ مائة و سبعة و أربعين فرسخا و سبعا و عشرين دقيقة، أقول: فإن أردت مساحته على رأي القدماء ضربت درج الطول المذكورة و هي: 173 درجة و 37 دقيقة في اثنين و عشرين فرسخا، و تسعي فرسخ فيكون بالفراسخ ثلاثة آلاف و ثمان مائة و اثنين و ثلاثين فرسخا، و يكون التفاوت بين المساحتين خمس مائة و أربعة و سبعين فرسخا و نصف فرسخ، و هو المقدار الذي يزيد به مساحة المتقدمين لطول الإقليم الأول على مساحة المتأخرين، و كذلك تضرب درج العرض و هي سبع درج و ثلثان و ثمن في اثنين و عشرين و تسعين، فيكون بالفراسخ مائة و ثلاثة و سبعين فرسخا و سدس فرسخ، فيكون التفاوت بين المساحتين ستة و عشرين فرسخا و هو القدر الذي يزيد به مساحة المتقدمين لسعة الإقليم الأول على مساحة المتأخرين.

و أما الإقليم الثاني: فقال أبو الريحان: طوله من ساحل البحر الغربي إلى نهايته في المشرق مائة و أربع و ستون درجة و عشرون دقيقة

فيكون بالفراسخ ثلاثة آلاف و مائة و أربعة فراسخ، و سعته سبع درج و ثلاث دقائق فيكون بالفراسخ مائة و خمسة و ثلاثين فرسخا و ربع و ثمن فرسخ.

أقول: فإن أردت مساحته على رأي القدماء ضربت درج الطول المذكورة

21

و هي 194 و عشرون دقيقة في اثنين و عشرين فرسخا و تسعين فيكون بالفراسخ ثلاثة آلاف و ستمائة و اثنين و خمسين فرسخا، و يكون التفاوت بين المساحتين خمس مائة و ثمانية و أربعين فرسخا، و كذلك تضرب درح العرض و هي سبع درج و ثلاث دقائق في اثنين و عشرين و تسعين فتكون بالفراسخ مائة و تسعة و خمسين فرسخا و ربع فرسخ، فيكون التفاوت بين المساحتين ثلاثة و عشرين فرسخا و ربع فرسخ بالتقريب.

و على ذلك طول الإقليم الثالث: مائة و أربع و خمسون درجة و خمسون دقيقة،

فهو على رأي المتأخرين ألفان و تسع مائة و أربعة و عشرون فرسخا و كسر، و على رأي القدماء ثلاثة آلاف و أربع مائة و أربعون فرسخا و كسر، فيكون التفاوت بين المساحتين خمس مائة و ستة عشر فرسخا، و كذلك سعته ست درجات و ثمن، و هو على رأي المتأخرين مائة و خمسة عشر و نصف و ربع و ثمن، و على رأي القدماء مائة و ستة و ثلاثون و ثمن، فالتفاوت بينهما عشرون فرسخا و ربع و سدس.

و طول الإقليم الرابع مائة و أربع و أربعون درجة و سبع عشرة دقيقة،

و هي على رأي المتأخرين ألفان و سبع مائة و خمسة و عشرون فرسخا، و على رأي القدماء ثلاثة آلاف و مائتان و ثمانية فراسخ و ربع فرسخ، فالتفاوت بينهما أربع مائة و اثنان و ثمانون فرسخا و نصف و ربع، و سعته خمس درج و ربع و كسر، و هو على رأي المتأخرين تسع و تسعون فرسخا و سدس، و على رأي القدماء مائة و ثمانية عشر فرسخا و ثلث، فيكون التفاوت تسعة عشر فرسخا و سدسا.

و طول الإقليم الخامس مائة و خمس و ثلاثون درجة و اثنتان و عشرون دقيقة،

و طوله على رأي المتأخرين ألفان و خمس مائة و سبعة و خمسون فرسخا بما فيه من الجبر، و على رأي القدماء ثلاثة آلاف فرسخ و ثمانية و نصف، فالتفاوت بينهما أربع مائة و واحد و خمسون فرسخا و كسر، و سعته أربع درجات و ربع‏

22

و ثمن و عشر، و هو على رأي المتأخرين اثنان و ثمانون فرسخا و نصف و ثمن، و على رأي القدماء سبعة و تسعون و ربع، فالتفاوت بينهما أربعة عشر و نصف و ثمن.

و طول الإقليم السادس مائة و ست و عشرون درجة و سبع و عشرون دقيقة،

و هو بالفراسخ على رأي المتأخرين ألفان و ثلاثمائة و تسعون و نصف، و على القدماء ألفان و ثمان مائة و عشرة، فالتفاوت بينهما أربع مائة و تسعة عشر فرسخا و نصف، و سعته ثلاث درجات و نصف و ثمن و خمس، و هو بالفراسخ على رأي المتأخرين اثنان و سبعون فرسخا بما فيه من الجبر، و على رأي القدماء نحو خمسة و ثمانين فرسخا، فالتفاوت بينهما ثلاثة عشر فرسخا بالتقريب.

و طول الإقليم السابع مائة و تسع عشرة درجة و ثلاث و عشرون دقيقة،

و هي بالفراسخ على رأي المتأخرين ألفان و مائتان و أربعة و خمسون فرسخا بالتقريب، و على رأي القدماء ألفان و ستمائة و واحد و خمسون فرسخا بالتقريب، فالتفاوت بينهما ثلاث مائة و ستة و تسعون بالتقريب، و سعته ثلاث درجات و ثمان دقائق، و هو بالفراسخ اثنان و ستون فرسخا بالتقريب. و على رأي القدماء ثلاثة و سبعون فرسخا و كسر، فالتفاوت بينهما أحد عشر فرسخا بالتقريب.

الكلام على البحار المنقول عن الحكماء:

إن البحر الملح هو أحد العناصر الأربعة و هي النار، و موضعها مقعر فلك القمر، ثم الهواء و موضعه تحت النار و فوق الماء، ثم الماء و موضعه الطبيعي أن يكون شاملا للأرض مشمولا للهواء، ثم الأرض و موضعها الطبيعي أن تكون وسط الكل و أن يحيط بها الماء من جميع جهاتها، و إنما العناية الإلهية كشفت بعض الأرض و جعلته بارزا عن البحر ليكون مكانا للحيوان البري و النبات. قالوا: و القدر المكشوف من الأرض هو بالتقريب ربعها، و أما ثلاثة أرباع الأرض الباقية بالتقريب فمغمور

23

بالبحار، و قد استدلوا أن البحر غامر لثلاثة أرباع الأرض بأن قالوا: إن اللّه تعالى خلق كل عنصر بحالة لو استحال بكليته إلى العنصر الآخر كان بقدره، و لو لم يكن الماء غامرا لثلاثة أرباع الأرض لما كان من الكثرة بحالة لو استحال أرضا كان بقدرها؛ لأن الماء يصغر و ينعصر حجمه إذا صار أرضا و لا يليق بهذا الكتاب بسط القول في العناصر أكثر من هذا القدر؛ فإن ذلك أليق بالكتب الحكمية، و فيما أوردنا الكفاية لما نحن بصدده.

قالوا: و البحار العظيمة المشهورة خمسة:

البحر المحيط، و بحر الصين و بحر الروم، و بحر نيطش، و بحر الخزر. و لأصحاب الجغرافيا اصطلاح في تعريف البحور فيقولون: يمتد كالقوّارة و كالشابورة و كالطيلسان و نحو ذلك. و قد صورنا ذلك و كتبنا الأسماء التي اصطلح عليها أهل الصناعة و هي هذه، و الخور: كل خليج يمتد من البحر إلى بعض النواحي. و المجرى: ما يقطعه المركب في يوم و ليلة بالريح الطيب.

ذكر البحر المحيط:

نحن إذا عرّفنا البحر إنما نعرفه بجوانب الأرض التي قد أحاط بها و قد نعرف بعض جوانب الأرض بالبحر المحيط بها، و لكن البعض الذي يعرف به البحر غير البعض الذي نعرفه بالبحر فلا دور، و إنما سمّي محيطا لإحاطته بجميع القدر المكشوف من الأرض، و لهذا كان يسمّيه أرسطو الإكليلي؛ لأنه حول الأرض كالإكليل على الرأس، و لنبتدئ فنذكره من الجانب الغربي، ثم نذكر إحاطته من الجهة الجنوبية ثم من الجهة الشرقية ثم الشمالية ثم الغربية من حيث ابتدأنا فنقول: إن جانب المحيط الغربي الذي على ساحله بلاد الغرب يسمّى أوقيانوس، و فيه الجزائر الخالدات و هي واغلة فيه عن ساحله عشر درجات، و قوم ابتدءوا بأطوال الأماكن من الجزائر المذكورة، و قوم ابتدءوا من الساحل على ما تقدمت الإشارة إليه، و البحر المحيط المذكور يأخذ في الامتداد من سواحل بلاد المغرب الأقصى إلى جهة الجنوب حتى يتجاوز صحراء لمتونة: و هي براري للبربر بين طرف بلاد المغرب و بين أطراف‏

24

بلاد السودان، ثم يمتدّ جنوبا على أراضي خراب غير مسكونة و لا مسلوكة حتى يتجاوز خط الاستواء في الجنوب عنه، ثم يعطف إلى جهة الشرق وراء جبال القمر التي منها منابع نيل مصر فيصير البحر المذكور جنوبيّا عن الأرض، ثم يمتدّ مشرقا على أراضي خراب وراء بلاد الزنج، ثم يمتدّ شرقا و شمالا حتى يتصل ببحر الصين و الهند، ثم يأخذ مشرقا حتى يسامت نهاية الأرض الشرقيّة المكشوفة، و هناك بلاد الصين، ثم ينعطف في شرق الصين إلى جهة الشمال ثم يمتد شمالا على شرق بلاد الصين حتى يتجاوز بلاد الصين و يسامت سد يأجوج و مأجوج، ثم ينعطف و يستدير على أراض غير معلومة الأحوال، و يمتدّ مغربا و يصير في جهة الشمال عن الأرض، و يسامت بلاد الروس و يتجاوزها و يعطف مغربا و جنوبا و يستدير على الأرض و يصير من جهة الغرب و يمتدّ على سواحل أمم مختلفة من الكفار حتى يسامت بلاد رومية عن غربيها، ثم يمتد جنوبا و يتجاوز بلاد رومية إلى مسامته البلاد التي بين رومية و بين الأندلس حتى يتجاوزها إلى سواحل الأندلس، ثم يمتد على غربي الأندلس جنوبا حتى يتجاوز الأندلس و يسامت سبتة من بر العدوة من حيث ابتدأنا.

و مما نقلنا من كلام الشريف الإدريسي: أن ماء البحر المحيط الذي بجهة الجنوب غليظ قال: لأن الشمس بسبب مسامتتها له و قربها منه حلّلت الأجزاء اللطيفة من الماء فغلظ ماؤه و اشتدت ملوحته و سخونته، و لذلك لا يعيش فيه حيوان و لا يسلك فيه مركب، و قال في كتابه المسمى ب" نزهة المشتاق في اختراق الآفاق": إن البحر المحيط الشرقي يسمى البحر الزفتي؛ لأن ماءه كدر و ريحه عاصفة، و الظلمة لا تزال واقعة عليه في أكثر الأوقات، قال: و يتصل هذا البحر الزفتي بالبحر المحيط المتصل ببلاد يأجوج.

ذكر البحر الخارج من المحيط الشرقي إلى جهة الغرب إجمالا: و هو بحر ينبعث من البحر المحيط من عند أقصى بلاد الصين الشرقية التي ليس شرقيها

25

غير البحر المحيط، و يأخذ مغرّبا إلى القلزم حيث الطول ست و خمسون درجة و نصف، فيكون طول هذا البحر من طرف بلاد الصين إلى القلزم نحو مائة و أربع و عشرين درجة، فإذا ضربتها في اثنين و عشرين و تسعين و هو فراسخ درجة واحدة على رأي القدماء خرج طول هذا البحر بالفراسخ و هو ألفان و سبع مائة و ثمانية و أربعون فرسخا بالتقريب، و يسمى هذا البحر بأسماء البلاد التي يسامتها، فطرفه الشرقي يسمي بحر الصين؛ لأن بلاد الصين على ساحله ثم القطعة الغربية عن بحر الصين تسمى بحر الهند؛ لمسامتتها بلاد الهند، ثم يصير منه بحر فارس، ثم بحر البربر و هو المعروف بالخليج البربري، ثم بحر القلزم. و سنذكر كل واحد من هذه البحور بمفرده.

ذكر بحر الصين:

أما تفاصيل أحواله و تحديده فإنه مجهول لنا و لم نقف فيه على تفصيل محقق، و الذي ثبت في الكتب أن أطراف بلاد الصين الشرقية الجنوبية تتصل بخط الاستواء حيث لا يكون عرض، و من هناك يخرج بحر الصين المذكور و يأخذ في الغرب و فيه جزائر بها مدن كثيرة بعضها على خط الاستواء و بعضها جنوبي خط الاستواء، و لا يزال بحر الصين يغرب حتى يسامت جبال قامرون و هي حجاز بين الصين و الهند و هي معدن العود، و هي حيث الطول مائة و خمس و عشرون، و العرض عشر درجات.

و رأيت في كتاب" المسالك و الممالك" المعروف بالعزيزي نسبة إلى العزيز صاحب مصر الفاطمي، تأليف: الحسن بن أحمد المهلبي أن جزيرة سريرة إذا أقلع الإنسان منها طالبا بلاد الصين الشرقية واجهته في البحر جبال معترضة داخلة في البحر مسيرة عشرة أيام، و في تلك الجبال أبواب و فرج تسلك فيها المراكب بين تلك الجبال و كل باب من هذه الأبواب يفضي إلى بلد من بلدان الصين، و هذا الطريق لمن سار إلى سمت الشرق و تياسر عن اللجة، و أما من قصد اللجة فإنه يصير في جنوبي هذه الجبال خارجا عنها.

26

ذكر البحر الأخضر:

و هو بحر الهند. أما شرقيه فبحر الصين، و شماليه بلاد الهند، و غربيه بلاد اليمن، و أما جنوبية فغير معلوم لنا. فإنه بحر ممتد في الجنوب حتى يتجاوز خط الاستواء و فيه جزيرة سر نديب على ما سنذكرها إن شاء اللّه تعالى.

قالوا: و بحر الهند و الصين ألف و سبع مائة جزيرة عامرة غير الخراب، و قد ذكر في كتاب" رسم الربع المعمور" و هو كتاب منسوب إلى بطليموس، و عرب للمأمون لهذا البحر أطوال و عروض لأطرافه، اعتبرنا بعضها فلم يوافق، فأضربنا عنها.

ذكر بحر فارس:

و هو بحر ينبعث من بحر الهند شمالا بين مكران، و هي على فم بحر فارس من شرقيه، و قصبة مكران تيز، و هي حيث الطول: ثلاث و تسعون، و العرض أربع و عشرون و خمس و أربعون دقيقة بين عمان، و هي على فم بحر فارس من غربيه حيث الطول: أربع و سبعون، و العرض تسع عشرة و خمس و أربعون دقيقة ثم يمتد البحر على ساحل عمان و يمر شمالا حتى يبلغ عبادان حيث الطول: خمس و سبعون و نصف و العرض إحدى و ثلاثون فقط، ثم يمتد من عبادان إلى مهروبان مشرقا بميلة يسيرة إلى الجنوب، و هي حيث الطول: ست و سبعون و العرض ثلاثون، ثم يمر إلى سينيز حيث الطول: ست و سبعون: و العرض اثنتان و ثلاثون فقط، ثم يمتد جنوبا إلى جنابة حيث الطول: سبع و سبعون و ثلث، و العرض ثلاثون فقط، ثم يمتد إلى سيف البحر و هو ساحل بلاد فارس، فيه ميناء للحط و الإقلاع و حواليها قرى، ثم يتجاوز سيف البحر و يمتد مشرقا إلى سيراف حيث الطول: تسع و سبعون و نصف و العرض تسع و عشرون و نصف، ثم يمتد على جبال منقطعة و مفاوز، و يأخذ مشرقا إلى حصن ابن عمارة حيث الطول: أربع و ثمانون فقط، و العرض ثلاثون درجة و عشرون دقيقة، ثم يمتدّ مشرقا حتى يصل إلى هرموز و هي فرضة كرمان حيث الطول خمس و ثمانون، و العرض ثلاثون، ثم يمتدّ جنوبا و مشرقا

27

إلى ساحل مكران و قصبتها تيز التي طولها و عرضها ما ذكر و هو صح، و العرض كدمه، و على فم بحر فارس من بحر الهند الدردور و هي ثلاثة جبال يقال لأحدها: كسير، و الآخر: عوير، و الثالث ليس فيه خبر و ماء البحر يدور هناك، فإذا وقع فيه المركب كسره هناك، قالوا: و هذه الجبال غارقة في البحر و يظهر منها القليل و يقع في جميع البحر الشرقي و بحر فارس المذكور المد و الجزر في كل نهار و ليلته مرتان: و هو أن يرتفع البحر نحو عشرة أذرع ثم يهبط حتى يرجع إلى مقداره الأول.

ذكر بحر القلزم:

و لنبتدئ بذكره من القلزم و هي بليدة على طرفه الشمالي حيث الطول أربع و خمسون و ربع و قيل: ست و خمسون و نصف، و العرض ثمان و عشرون و ثلث، و يأخذ البحر المذكور من القلزم جنوبا بميلة إلى الشرق حتى يصير عند القصير و هي فرضة قوص حيث الطول تسع و خمسون درجة، و العرض ست و عشرون، ثم يأخذ جنوبا بميلة يسيرة إلى الغرب و ذلك عند عيذاب حيث الطول ثمان و خمسون درجة، و العرض إحدى و عشرون، ثم يمتد في سمت الجنوب من غير ميلة حتى يصير عند سواكن و هي بليدة للسودان حيث الطول أيضا ثمان و خمسون درجة، و العرض سبع عشرة، ثم يمتدّ جنوبا حتى يحيط بجزيرة دهلك و هي قريبة من ساحله الغربي حيث الطول إحدى و ستون درجة، و العرض أربع عشرة، ثم يمتد على سواحل الحبشة جنوبا و يصل إلى رأس جبل المندب و هو نهاية بحر القلزم الجنوبية عند فم بحر القلزم من بحر الهند، و يتقارب جبل المندب و بر عدن و يبقى البحر بينهما ضيقا حتى يرى الرجل صاحبه من البر الآخر و هذا المضيق يسمى:" باب المندب".

و حكى لي بعض المسافرين: أن باب المندب دون عدن و هو عنها في جهة الشمال بميلة إلى الغرب على نحو مجرى و جبال المندب في بر السودان، و ترى جبال المندب من جبال عدن على بعد و هو غاية ضيق البحر هناك، و عدن عن باب المندب في جهة الجنوب و الشرق فهذا ما على جانب بحر القلزم من القلزم‏

28

إلى المندب، و هو الجانب الغربي لهذا البحر.

ثم ننتقل إلى البر الآخر المقابل لجبل المندب و هناك عدن فنقول: ثم يمتد بحر القلزم من عدن حيث الطول ست و ستون درجة، و العرض إحدى عشرة شمالا و يتجاوز سواحل اليمن حتى يتصل بحلى في أواخر حدود اليمن حيث الطول سبع و ستون، و العرض تسع عشرة ينقص عشر دقائق، ثم يمتد شمالا حتى يتصل بجدة حيث الطول ست و ستون درجة، و العرض إحدى و عشرون، ثم يمتد شمالا بميلة يسيرة إلى الغرب حتى يتصل ب" الجحفة" و هي ميقات أهل مصر حيث الطول خمس و ستون، و العرض اثنتان و عشرون، ثم يمتد شمالا بميلة إلى الغرب حتى يتصل بساحل ينبع حيث الطول أربع و ستون و العرض ست و عشرون، ثم يأخذ بين الغرب و الشمال حتى يتجاوز مدين و يتصل بأيلة حيث الطول خمس و خمسوم و العرض تسع و عشرون.

و قال في القانون أيلة: حيث الطول ست و خمسون درجة و أربعون دقيقة و العرض ثمان و عشرون و خمسون دقيقة، ثم يرجع جنوبا إلى الطور و هو مكان حط و إقلاع بين ذراعين من البحر، ثم يعود شمالا و يتصل بالقلزم عند طول أربع و خمسين و هو غربي أيلة و العرضان متقاربان من حيث ابتدأنا، و القلزم و أيلة على ذراعين أو لسانين من البحر قد طعنا في البر الشمالي و صار بين اللسانين المذكورين للبر دخلة إلى الجنوب في البحر، و في تلك الدخلة الطور حيث الطول نحو طول أيلة، و على طرف اللسان الشرقي أيلة، و على طرف اللسان الغربي القلزم، فأيلة شرقي القلزم و فيما بين القلزم و أيلة الطور و هو جنوبي القلزم، و أيلة على رأس الدخلة في البحر فبين الطور و بين بر مصر بحر و هو اللسان الذي على طرف القلزم، و كذلك بين الطور و بين بر الحجاز بحر و هو اللسان الذي على طرفه أيلة، فمن الطور إلى كل من البرين في البحر قريب، و أما في البر ففيه بعد لأنه يحتاج أن يستدير على القلزم إن قصد ديار مصر أو يستدير على أيلة إن قصد الحجاز، فالطور جهته الشمالية مكشوفة

29

متصلة بالبر، و باقي ثلث جهاته يحيط بها البحر، و بحر القلزم المذكور إذا تجاوز القصير اتسع إلى جهتي الجنوب و الشرق حتى يكون اتساعه سبعين ميلا، و تسمى تلك القطعة المتّسعة بركة غرندل بضم الغين المعجمة و الراء المهملة و سكون النون ثم دال و لام.

ذكر الخليج البربري:

هو خليج ينبعث من بحر الهند في جنوبي جبل المندب و جنوبي بلاد الحبشة، و يأخذ مغربا حتى يتصل ببربرا من بلاد الزنج حيث الطول ثمان و ستون و العرض ست و نصف، و في القانون عرض بربرا اثنتا عشرة درجة، و طول هذا البحر من الشرق إلى الغرب نحو خمس مائة ميل، و يحكى عن أمواج هذا الخليج البربري شي‏ء عظيم.

قال الشريف الإدريسي: إن الموج يصير فيه كالجبال الشواهق و موجه لا ينكسر، قال: و إنما يركب فيه إلى جزيرة قنبلو: و هي جزيرة في البحر المذكور للزنج، و فيها مسلمون.

ذكر بحر أوقيانوس:

و هو قطعة من البحر المحيط الغربي قد طردت بلاد المغرب الأقصى عن ابتداء الأطوال إلى جهة الشرق، و يبتدئ هذا البحر من طرف خط الاستواء الغربي، و هو الموضع الذي يؤخذ منه و مما هو في سمته أطوال الأماكن، فيبتدئ هذا البحر من حيث لا عرض، و يأخذ مشرقا إلى طول درجة واحدة، ثم يمتد شمالا و شرقا إلى طول عشر درجات و عرض ست عشرة، ثم يعطف شمالا و مغربا فينقص طوله حتى ينتهي إلى طول سبع درجات و العرض خمس و ثلاثون درجة، و ذلك عند طنجة، ثم يمتدّ على غربي ساحل الأندلس، و يتجاوز الأندلس و يستدير على شمالي رومية، و يمتدّ كذلك شمالا إلى عرض إحدى و ستين و طول ثلاثة و أربعين، و يمتدّ حتى يصير في الجانب الشمالي عن الأرض حيث العرض إحدى و سبعون درجة، و يخرج من هذا البحر المذكور عدّة أبحر منها: بحر الروم، و بحر برديل، و بحر ورنك، على‏

30

ما سنذكرها إن شاء اللّه تعالى. و يقع في هذا البحر أيضا المدّ و الجزر في اليوم و الليلة مرتين.

قال الشريف الإدريسي في كتابه المسمى" نزهة المشتاق": إن المد و الجزر الذي رأيناه عيانا في بحر الظلمات: و هو البحر المحيط بغربي الأندلس و بلاد برطانية، فإن المدّ يبتدئ في الساعة الثالثة من النهار إلى أول الساعة التاسعة، ثم يأخذ في الجزر ست ساعات مع آخر النهار، ثم يمتد ست ساعات ثم يجزر ست ساعات، هكذا يمد في اليوم مرة و في الليل مرة، و يجزر في اليوم مرة و في الليل مرة أخرى؛ و علة ذلك أن الريح تهيج هذا البحر في أول الساعة الثالثة من النهار، و كلما طلعت الشمس في أفقها كان المدّ مع زيادة الريح، ثم ينقص الريح عند آخر النهار لميل الشمس إلى الغروب فيكون الجزر أيضا، و كذلك الليل تهيج الريح في صدره و تركد مع آخره و زيادة الماء في المدّ تكون في ليلة ثلاث عشرة، و ليلة أربع عشرة، و ليلة خمس عشرة، و ليلة ست عشرة، و في هذه الليالي يفيض الماء فيضا كثيرا و يصل إلى أمكنة لا يصل إليها إلا في تلك الليالي من الشهر الآتي، و هذا يراه أهل المغرب مشاهدة لا امتراء فيه، و يسمون هذا المد فيضا.

ذكر بحر الروم:

و هو البحر الخارج من أوقيانوس في جهة الشرق، و ابتداؤه من عند طنجة، و هو يخرج بين طنجة و سبتة و غيرهما من بر العدوة و بين الأندلس، و يسمّى هناك بحر الزقاق و هو ضيق هناك، و كان في الزمان القديم سعة الزقاق، و هو من بر العدوة إلى بر الأندلس عشرة أميال.

قال الشريف الإدريس: و ذلك ثابت في الكتب القديمة، و أما في زماننا هذا فإنه اتسع عن ذلك. قال ابن سعيد: و قدر ثمانية عشر ميلا في زماننا هذا، و لنبتدئ فنذكر هذا البحر من طنجة و سبتة اللتين من بر العدوة، ثم نذكر جوانبه حتى ننتهي إلى البر الآخر من الأندلس إلى مدينة الجزيرة الخضراء

31

المقابلة لسبتة و طنجة من حيث ابتدأنا.

فنقول: يخرج هذا البحر من الغرب إلى جهة الشرق و يبتدئ من بين الأندلس و طنجة حيث الطول سبع درجات و العرض خمس و ثلاثون، ثم يعطف جنوبا و شرقا إلى سلا حيث الطول سبع درجات و كسر و العرض ثلاث و ثلاثون، ثم يمتد شرقا و شمالا إلى سبتة حيث الطول تسع و العرض خمس و ثلاثون بحاله، ثم يأخذ البحر في الجنوب و الشرق إلى طول خمس عشرة و عرض اثنتين و ثلاثين و ذلك بعد أن يتجاوز حدود تلمسان، ثم يأخذ مشرقا بميلة إلى الشمال حتى يصير عند الجزائر فرضة بجاية حيث الطول عشرون و العرض ثلاث و ثلاثون، ثم يمر حتى يتجاوز مملكة بجاية إلى أول حدود أفريقية، و يمر في سمت وسط المشرق حتى يقابل تونس من شماليها، و يدخل منه خور إلى تونس حيث الطول اثنتان و ثلاثون و العرض ثلاث و ثلاثون، ثم يمتد بعد أن يتجاوز تونس نحو تسعين ميلا مشرقا نصبا، ثم ينعطف جنوبا حتى يصير له دخلة كثيرة في الجنوب في فم هذه الدخلة، و هو حيث انعطف البحر عن التشريق إلى الجنوب جزيرة قوصرة المقابلة لجزيرة صقلية، و يمتد البحر في الجنوب إلى قبل أن يصل سوسة، ثم يشرق إلى سوسة حيث الطول أربع و ثلاثون و العرض ثلاث و ثلاثون ينقص عشرين دقيقة و العرض اثنتان و ثلاثون، ثم يمتد البحر شرقا و جنوبا حتى يتجاوز صفاقس إلى حيث يكون جزيرة جربة و هي في شرقي صفاقس و جنوبيها، و بعد أن يتجاوز البحر جربة مشرقا يعطف إلى الشمال و يصير للبر الجنوبي دخلة في البحر، و يأخذ البحر مشرقّا و شمالا حتى يبلغ طرابلس الغرب حيث الطول ثمان و ثلاثون و العرض اثنتان و ثلاثون و نصف، ثم يمتدّ مشرقا حتى يتجاوز حدود أفريقية عند طول إحدى و أربعين، ثم بعد أن يتجاوز أفريقية يمتدّ شرقا بشمال إلى طلميثا حيث الطول أربع و أربعون و العرض ثلاث و ثلاثون و عشر دقائق، ثم يمتدّ على ساحل بلاد برقة في الشمال لأن برقة على دخلة قد أخذت شمالا و دخلت في‏

32

البحر و البحر ينعطف من أول حدود برقة إلى جهة الشمال، و لا يزال مشتملا إلى رأس أوثان، و هو جبل داخل في البحر حيث الطول أربع و أربعون بحاله و العرض أربع و ثلاثون، ثم يشرق البحر من رأس أوثان إلى رأس تبني و هو جبل في البحر قبالة رأس أوثان من جهة الشرق، و إذا وصل البحر إلى رأس تبني انعطف إلى جهة الجنوب و امتد جنوبا إلى أن يسامت العقبة و هي أول حدّ الديار المصرية حيث الطول تسع و أربعون درجة و العرض اثنتان و ثلاثون، ثم يأخذ مشرقا و جنوبا إلى الإسكندرية حيث الطول إحدى و خمسون درجة و عشرون دقيقة و العرض إحدى و ثلاثون و نصف، ثم يأخذ مشرقا إلى دمياط حيث الطول أربع و خمسون و العرض بحاله إحدى و ثلاثون و كسر، ثم يأخذ البحر مشرقا إلى العريش بالقرب من غزة و من العريش ينقطع تشريقه و يأخذ إلى غزة ثم إلى عسقلان، ثم إلى يافا ثم إلى قيسارية ثم إلى عثليث ثم إلى عكا ثم إلى صور ثم إلى صيدا ثم إلى بيروت [و كل واحدة من هذا المدن التي من غزة إلى هنا في سمت الشمال عن الأخرى لكن من غزة إلى كيفا كل ثانية تميل عن الأخرى عن وسط الشمال شيئا يسيرا إلى الشرق‏]، ثم إلى جبيل ثم إلى أنفة الشام ثم إلى طرابلس الشام ثم إلى انطرطوس ثم إلى مرقية ثم إلى بلنياس بلدة المرقب ثم إلى بلدة و هي بليدة خراب ثم إلى جبلة ثم إلى الاذقية ثم إلى السويدية ميناء أنطاكية، و جميع هذه الأماكن المذكورة مدن على ساحل البحر أكثرها خراب و بعضها عامر، و جميعها متقاربة الأطوال و متفاوتة العروض، كل ثان منها شمالي الأول و عرضه أكثر من عرضه، [و عند السويدية انتهى تشريق هذا البحر]، ثم يأخذ البحر من السويدية غربا و شمالا حتى يتجاوز حدّ مملكة الإسلام، ثم يأخذ شمالا و يمر على باب إسكندرونة و هو الحدّ بين المسلمين و الأرمن، ثم يمر على باياس، ثم يأخذ غربا و شمالا إلى إياس ميناء بلاد الأرمن، ثم يمر على سواحل طرسوس حيث الطول ثمان و خمسون و العرض سبع و ثلاثون و نصف، ثم يمتد شمالا و مغربا حتى يتجاوز حدود الأرمن عند الكرك بضم الكاف الأولى و سكون الراء المهملة، و في الآخر كاف‏

33

ثانية، ثم إذا تجاوز الكرك شمالا مر على سمت جبال التراكمين و هم تراكمين ابن قرمان، ثم ابن الجيد و ابن الأشرف، ثم يسامت بلاد سليمان باشاه و هو صاحب البلاد المتاخمة لبلاد إسطنبول من شرقي الخليج القسطنطيني، ثم يعطف البحر مغربا.

و ينقطع اشتماله فيمر على مصب الخليج القسطنطيني و هو مصب بحر نيطش المعروف في زماننا ببحر القرم في بحر الروم على ما سنذكره إن شاء اللّه، ثم يمتد البحر مغربا بميلة إلى الجنوب حتى يمر على بلاد الفرنج و هي بلاد تعرف ببلاد المرا و هي غربي بلاد قسطنطينية، ثم يمر بين الغرب و الجنوب و يتجاوز بلادا يقال لها: بلاد الملنجوط ثم يمتد كذلك إلى بلاد يقال لها:

الباسليسة و هي امرأة ملكة و من طرف بلاد الباسليسة يخرج من البحر جون البنادقة الذي سنصفه، و من الجانب الآخر بلاد بولية و هي تقابل بلاد الباسليسة و مخرج جون البنادقة بينهما مغرّبا بميلة إلى الشمال و جميع هذه الأسماء الأعجمية قد حققناها بالضبط في آخر جداول هذا الكتاب، ثم يمتد البحر جنوبا حتى يتجاوز بلاد بولية إلى بلاد قلّورية و يقال لها: قلفرية أيضا، ثم يمتد على ساحل رومية و ينقطع تغريبه و يأخذ جنوبا نصبا؛ حتى يتجاوز سواحل رومية إلى بلاد يقال لها: التسقان ثم يمتدّ كذلك جنوبا إلى بلاد بيزة التي منها الفرنج البيازنة.

ثم يمتدّ كذلك جنوبا حتى يمر على جنوة؛ حيث الطول: إحدى و ثلاثون، و العرض إحدى و أربعون و ثلث، ثم يتجاوز جنوة فيعطف شمالا و غربا إلى بلاد اللنبرديّة و هي حيث الطول: ثلاثون درجة و كسر، و العرض ثلاث و أربعون و كسر، ثم يأخذ مغربا إلى جبل البرت و هو الجبل الفاصل بين الأندلس و بين بلاد الفرنج.

و في سمت جبل البرت المذكور مدينة طركونة في نهاية الأندلس حيث‏

34

الطول: ثمان و عشرون، و العرض: ثلاث و أربعون و ينقطع تغريب البحر عند جبل البرت و يعطف مشرّقا و يدخل ركنا من الأندلس و هو الركن الشرقي في البحر، ثم يأخذ البحر مشرّقا حتى يستدير على الركن المذكور و يعطف مغربا و يمتد إلى برشلونة و هي حيث الطول: أربع و عشرون و نصف، و العرض:

ثنتان و أربعون، ثم يأخذ بين الغرب و الجنوب و يمرّ على طرطرشة حيث الطول: اثنتان و عشرون و نصف، و العرض: أربعون.

ثم يمتد كذلك مغربا و جنوبا و يمرّ على بلنسية حيث الطول: عشرون درجة و العرض: ثمان و ثلاثون، ثم يعطف مغربا و شمالا إلى دانية حيث الطول:

تسع عشرة و العرض: تسع و ثلاثون و كسر، ثم يمتدّ غربا و جنوبا إلى مالقة حيث الطول: ست عشرة درجة و العرض: سبع و ثلاثون ثم يمرّ إلى جزيرة الخضراء حيث الطول: تسع و العرض: ست و ثلاثون و هي قبالة سبتة و طنجة من حيث ابتدأنا و البحر هناك ضيق حسبما تقدّم ذكره و تقابل بجاية و هي من بر العدوة طرطوشة من الأندلس و عرض البحر بينهما نحو ثلاثة مجار.

[قال الشريف الإدريسي: و طول هذا البحر ألف و مائة و ستة و ثلاثون فرسخا و فيه نحو مائة جزيرة] و يتشعب من بحر الروم عدة ألسن و خلجان بعضها له اسم و بعضها مجهول و من مشاهير ما يتشعب منه جون البنادقة و خليج آخر يخرج منه في الشمال خمسمائة ميل إلى رومية و يتصل بمدينة رومية.

ذكر جون البنادقة و هو خليج يخرج من بحر الروم مغربا و شمالا بين بلاد الباسليسة و بلاد بولية و يمتدّ مغربا بميلة إلى الشمال حتى يصير طرفه في غربي رومية و على طرفه مدينة البندقية حيث الطول: اثنتان و ثلاثون درجة و العرض:

أربع و أربعون و دقائق و من فيه إلى منتهاه نحو سبعمائة ميل و بلاد البنادقة على ساحل ذلك الجون.

35

ذكر بحر نيطش‏

و بحيرة ما نيطش المتصلة به المعروفة في زماننا ببحر الأزق: و هي مدينة على ساحله الشمالي فرضة للتجار، و يعرف بحر نيطش في زماننا: ببحر القرم و بالبحر الأسود و ماؤه يجري و يمر على القسطنطينية و يتضايق حتى يصب في بحر الروم و لهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الروم، و تبطئ إذا جاءت من نحو الإسكندرية إلى القرم؛ لاستقبالها جريان الماء.

و يصب بحر القرم في جنوبيّ القسطنطينية و هذا الخليج القسطنطيني و إن كان بمنزلة الذنب لهذا البحر؛ و لكن هو أشهر جوانبه فنبتدئ بتعريفه من البر الشرقيّ المقابل للقسطنطينية و نذكر ما على ساحله الشرقي ثم نستدير على ساحله الشمالي ثم الغربي؛ حتى نصل إلى القسطنطينيّة.

فنقول: إن القسطنطينية و هي إسطنبول على الخليج المذكور من غربيّه و قبالتها من البرّ الآخر الشرقيّ قلعة تسمّى الجرون و هي خراب و بينها و بين إسطنبول عرض الخليج و هو مقدار يسير يرى الإنسان صاحبه من البر الآخر، فعلى هذا عرض الجرون و قسطنطينية واحد و يكون الجرون أطول بشي‏ء يسير فعلى هذا طول الجرون خمسون درجة و العرض: خمس و أربعون بعرض قسطنطينية، و أطول بعشر دقائق تقريبا فيمتدّ الخليج القسطنطيني المذكور من الجرون شمالا بميلة يسيرة إلى الشرق إلى مدينة يقال لها: كربي من أعمال أسطنبول و كربي على الفم الشمالي للخليج المذكور.

و من عند كربي يأخذ البحر المذكور في الاتّساع إلى جهة الشرق فيمتدّ إلى مدينة يقال لها: بنترقلي، ثم يمتد شرقا و شمالا إلى مدينة يقال لها: كترو و هي آخر مدن قسطنطينية التي على هذا الساحل، ثم يمتد من كترو إلى مدينة يقال لها: كنلي.

36

ثم يأخذ البحر بين الشمال و الغرب و يكون للبر الشرقي دخلة في البحر إلى جهة الغرب و على طرف الدخلة فرضة سنوب و هي حيث الطول: سبع و خمسون درجة، و العرض: ست و أربعون درجة و أربعون دقيقة، و في البر الآخر الغربي دخلة أيضا تقابل هذه الدخلة و على طرفها صاروكرمان و هي تقابل سنوب التي من البر الشرقي.

ثم يمتدّ البحر من سنوب شرقا نصبا و يأخذ في الاتساع إلى سامسون و هي حيث الطول: تسع و خمسون و عشرون دقيقة، و العرض: ست و أربعون و نحو أربعين دقيقة بعرض سنوب، ثم يمتد كذلك مشرقا إلى أطرابزون و هي فرضة للروم حيث الطول: أربع و ستون و نصف، و العرض: ست و أربعون و خمسون دقيقة قريب من عرض سامسون.

ثم يمتد البحر من أطرابزون شمالا بميلة إلى الغرب إلى مدينة للكرج يقال لها: سخوم ثم يتضايق البحر منها مغربا، و كذلك يضيق من البر الآخر الغربي حتى يتقارب البران و يصير بينهما الماء مثل الخليج، و هو مصب بحر الأزق في بحر القرم، و على جانب هذا الخليج من البر الشرقي مدينة يقال لها: الطامان:

و هي حدّ مملكة بركة و صاحبها في زماننا يقال له: أزبك و رسله تصل إلى مصر في كثير من الأوقات ثم إذا تجاوز الخليج المذكور الطامان المذكور أخذ في الاتّساع شرقا و شمالا و غربا، و صار كالبركة، و انتهى السائر على ساحله الشرقي إلى مدينة يقال لها: الشقراق، و من الشقراق ينتهي تشريقه و يعطف إلى الشمال؛ فيأخذ شمالا إلى مدينة الأزق: و هي ميناء يقصدها تجار البلاد و هناك مصب نهرتان بالامالة، ثم يستدير السائر من الأزق على البحر حتى يصير في الجانب الغربي من بحر الأزق، ثم يمر إلى الخليج الذي بين بحر الأزق المذكور و بحر القرم إلى مدينة على فم الخليج المذكور من جانبه الغربي يقال لها: الكرش و هي تقابل الطامان التي من البر الآخر المقدمة الذكر، ثم يمر جنوبا حتى ينتهي الخليج المذكور إلى بحر القرم.

37

ثم يأخذ البحر المذكور جنوبا و مغربا إلى الكفا و هي فرضة على الساحل الغربي تقابل أطرابزون المقدم ذكرها، ثم يمتد كذلك جنوبا و مغربا إلى صوداق، حيث الطول: ست و خمسون درجة و العرض: إحدى و خمسون درجة، ثم يأخذ البحر من صوادق في الانضمام جنوبا و يعطف مشرقا حتى يكون للبر دخلة في البحر و هناك مدينة صاروكرمان المقابلة لسنوب المقدّم ذكرها.

ثم من صار و كرمان يأخذ البحر في الاتساع مغربا بميلة إلى الجنوب، و يمتد كذلك على مدينة يقال لها: أقجا كرمان، ثم أخذ جنوبا إلى مدينة يقال لها: صقجي و هناك مصب نهر طنا النهر العظيم المشهور، ثم يأخذ البحر بعد أن يتجاوز صقجي في التضايق و يأخذ شرقا و جنوبا، حتى ينتهي إلى فم القسطنطيني، ثم يأخذ جنوبا و يتقارب البرّان.

و يمتدّ كذلك إلى قبالة كربي المقدّم ذكرها، ثم يجري البحر في الخليج القسطنطيني جريانا حادّا يعسر على المراكب الطلوع فيه إلا بريح طيبة و يمتدّ كذلك إلى القسطنطينية، حيث الطول: تسع و أربعون درجة و خمسون دقيقة، و العرض: خمس و أربعون درجة، و يصير الخليج عند القسطنطينية و تحتها ضيّقا يرى الإنسان صاحبه من البر الآخر.

و يمر الخليج كذلك جنوبا حتى يصب في بحر الروم في غربيّ مدينة على فمه يقال لها: أبزو و هي بطول القسطنطينية تسع و أربعون درجة و خمسون دقيقة؛ و لكنها أقل عرضا من القسطنطينية؛ لأنها في الجنوب عنها و قد انتهينا في وصف بحر نيطش المذكور إلى قبالة الموضع الذي ابتدأنا منه و نيطش: بكسر النون و سكون المثناة من تحتها و طاء مهملة مكسورة و شين معجمة، و هو اسم هذا البحر في الكتب القديمة و يسمى أيضا البحر الأرمني و اللّه أعلم.

38

و عن بعض المسافرين قال: فم الخليج القسطنطيني عند بحر الروم مضيق يرى المسافرون منه البرّين الشرقيّ و الغربيّ، فإذا دخل المسافرون فيه؛ اتسع الخليج القسطنطيني و صار كالبركة و هناك جزيرة مرمرا و بها مقطع الرخام و به سميت؛ لأن اسم الرخام بالرومي مرمرا.

قال و المشهور هناك: إن بين فم الخليج عند بحر الروم و بين فمه عند بحر القرم سبعين ميلا و هو طول الخليج القسطنطيني جنوبا و شمالا بميلة يسيرة إلى الشرق، و يسمّى بحر القرم أيضا البحر الأسود في زماننا، قال: و بين قسطنطينية و بين فم الخليج عند البحر الأسود ستة عشر ميلا.

ذكر بحر برديل:

هو بحر يخرج من البحر المحيط الغربيّ في شماليّ الأندلس، و يأخذ مشرقا إلى خلف جبل الأبواب الفاصل بين الأندلس و الأرض الكبيرة، و برديل مدينة على طرفه الشرقيّ و عند مخرجه الغربيّ من البحر المحيط بلدة أو ناحية يقال له: شنت ياقوه و سنذكرها في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه.

و يقرب طرفه الشرقي من بحر الروم حتى يبقى بينهما أربعون ميلا، و ببحر برديل المذكور جزيرة برطانية و سنذكرها [و من كتاب الشريف الإدريسي: برديل مدينة من إقليم الفرنجة بين الأندلس و برطانية، و بحر برديل أحد البحور المتفرعة من البحر المحيط.

و يخرج هذا البحر عند شنتياقوه إلى جهة الشرق عند منتهى الأندلس و ينقطع هذا البحر عند مدينة برديل و يقرب حينئذ من بحر الزقاق المنعطف عند نهاية الأندلس حتى يبقى بينهما نحو أربعين ميلا].

ذكر بحر ورنك:

لم أجد لهذا البحر ذكرا إلا في مصنّفات أبي الريحان البيروني و في التذكرة للنصير فأثبتّه حسبما ذكره البيروني قال: بحر ورنك يخرج‏

39

من البحر المحيط الشماليّ إلى جهة الجنوب، و له طول و عرض صالحان، و ورنك أمّة على ساحله.

ذكر بحر الخزر:

هذا بحر ملح لا يتّصل بالبحر المحيط، و لا بغيره من البحور المقدّم ذكرها؛ بل هو بحر منفرد قريب من الاستدارة، قال الشريف الإدريسي: طوله ثمانمائة ميل، و عرضه ستمائة ميل، و هو مدور الشكل إلى الطول، و قيل: مثلّث الشكل كالقلع.

و عن القاضي قطب الدين: إن طوله من الشرق إلى الغرب مائتان و سبعون فرسخا، و عرضه مائتا فرسخ و يسمى بحر الخزر، و بحر جرجان، و بحر طبرستان، و نبتدئ فنصفه من جانبه الغربي، ثم الجنوبي، ثم الشرقي، ثم الشمالي حتى نصل إلى جانبه الغربي من حيث ابتدأنا.

فنقول: إن غاية تغريب هذا البحر، حيث الطول: ست و ستون درجة، و العرض: نحو إحدى و أربعين عند باب الحديد، و هناك بالقرب من باب الحديد دربند شروان، ثم يمتدّ جنوبا من باب الحديد أحدا و خمسين فرسخا، و هناك مصبّ نهر الكر، ثم يمتد البحر مشرّقا بانحراف إلى الجنوب ستة عشر فرسخا؛ فيمر على موغان و هي من أعمال أردبيل، ثم يمتد جنوبا و مشرقا حتى يبلغ غايته في الجنوب، حيث العرض سبع و ثلاثون درجة، و هذا غاية ما يبلغه في الجنوب، و طول جانبه الجنوبي المذكور سبع و سبعون قبالة أمل طبرستان، و في ساحله الجنوبيّ بلاد الجيل و الديلم، ثم يمتدّ البحر مشرّقا حتى يتجاوز بلاد الجيل إلى أبسكون و هي حيث الطول: تسع و سبعون و خمس و أربعون دقيقة، و العرض: سبع و ثلاثون و عشر دقائق و نهاية ما يبلغه في المشرق، حيث الطول: ثمانون درجة، و العرض: نحو أربعين، عند جرجان و هي قريبة من البحر المذكور و في شرقيّه المفازة التي بين جرجان و خوارزم، ثم بعد نهايته الشرقية المذكورة يمتدّ شمالا و مغربا حتى يبلغ نهايته في الشمال، حيث العرض‏

40

نحو خمسين درجة و الطول تسع و سبعون و يقع في شماليه بلا الترك و جبل سياكوه و في شماليه و غربيه يصبّ نهر الأثل النهر العظيم الذي يقال: إنه أكبر أنهار تلك البلاد.

و قد حكى لي بعض التجار الذين ركبوا هذا البحر: إنهم لما انتهوا في الشمال إلى آخره تغيّر عليهم الماء المالح الصافي بماء متغير اللون؛ فقيل لهم: هذا ماء الأثل، حيث اختلط بالبحر، قال: فشربنا منه فإذا هو حلو، قال: و بقينا سائرين في بحر حلو بعض يوم.

قال: و أخبرنا أهل تلك البلاد أن الأثل عند مصبه في بحر الخزر المذكور يصير ألف نهر و نهر قال: ثم اعترضنا في البحر غاب قصب، قال: و رائس المركب يعرف الطريق فيه فدخلنا في القصب و انتهينا إلى نهر من بعض الأنهار المتفرعة من الأثل و سرنا فيه حتى انتهينا إلى الشط.

و هناك قرية يقال لها: أسكي يرت و معناه بالعربية المنزلة العتيقة قال: ثم سرنا منها في نهر الأثل حتى وصلنا إلى مدينة الصراي، و ليس في هذا البحر جزيرة مسكونة فيها عمارة؛ و لكن فيه جزائر فيها مياه و غياض.

منها: جزيرة سياكوه و هي جزيرة كبيرة بها عيون و أشجار و ليس بها أنيس.

و منها: جزيرة بحذاء مصب نهر الكر بها غياض و مياه و هي كبيرة و يحمل منها الفوّة الكثيرة إلى البلاد، و ليس وراء أبسكون عليه مدينة سوى قرية واحدة.

41

الكلام على البحيرات‏

البحيرة و البطيحة: بمعنى واحد و هي المياه المجتمعة التي هي في القدر دون البحار المذكورة، و البحيرات من الكثرة على وجه لا ينحصر، و لم ينقل في الكتب إلا بعضها فمنها: البطيحتان اللتان هما جنوبي خط الاستواء و منهما نيل مصر و هما بطيحة غربية عند طول خمسين، و العرض: سبع درج جنوبي خط الاستواء و يدخل إليها خمسة أنهار تنحدر من جبل القمر و هي أصل نيل مصر على ما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

و بطيحة شرقية في جنوبي خط الاستواء و مركزها عند طول سبع و خمسين و عرض سبع درج عن جنوبي خط الاستواء، و هي شرقي البحيرة الغربية المقدم ذكرها و يدخل إلى كل واحدة من البطيحتين المذكورتين خمسة أنهار تنحدر من جبل القمر على ما سيجي‏ء وصفه عند ذكر نيل مصر إن شاء اللّه.

بحيرة كورا

عن ابن سعيد قال: و هي بحيرة على خط الاستواء و يخرج منها نيل مصر شمالا و نيل مقدشو مشرقا و نيل غانة مغربا و يستدير بجهتها الشرقية الجنوبية جبل يسمّى جبل المقسم، و من تحته يخرج نيل مقدشو و يدخل إليها الأنهار الآتية من البطيحتين المقدم ذكرهما.

و أما الشريف الإدريسي فقد حكى ما قاله ابن سعيد من خروج نيل غانة من بحيرة كورا المذكورة، ثم قال و قد أنكر بطليموس ذلك و زعم أنه لا يخرج منها غير نيل مصر فقط، و أن نيل غانة مخرجه من تحت جبل هناك، و قال في كتاب رسم المعمور: إن هذه البحيرة- أعني بحيرة كورا- بطيحة مدورة عند خط الاستواء و قطرها جزءان و مركزها عند طول ثلاث و خمسين و نصف، و العرض: صفر و قيل: درجتان شمالا فيكون جانبها الغربي، حيث الطول:

اثنتان و خمسون و جانبها الشرقي، حيث الطول: أربع و خمسون بحيرة سودان‏

42

و هي بالمغرب الأقصى بين قصر عبد الكريم و بين سلا، و هي بحيرة كبيرة.

بحيرة تونس العذبة:

و هي بحيرة تجتمع من مياه الأمطار و عليها ربى مشرفة و يجتمع بها من أصناف الطير شي‏ء عظيم بحيرة تونس الملح و هي بحيرة تخرج من البحر الملح من فم هناك و تتصل بتونس.

و تونس حيث الطول: اثنتان و ثلاثون و نصف، و العرض: ثلاث و ثلاثون و نصف و دقيقة، و يدخل إلى هذه البحيرة المراكب الصغار من البحر و بين ساحل هذه البحيرة عند تونس و بين فمها عند البحر عشرة أميال و دورها أربعة و عشرون ميلا و بهذه البحيرة جزيرة للفرجة.

و أما ساحلها المتصل بتونس فيجتمع بها الأقذار بحيرة الفيوم و هي بحيرة بقرب الفيوم يصب فيها فضلات ماء الفيوم و لا تخرج منها، و فيها سمك كثير و طرفاء و أجام و هي عن الفيوم على نحو نصف يوم في جهة الشمال بميلة إلى الغرب و طولها شرقا بغرب نحو يوم و هي حلوة.

بحيرة نستروه:

و هي بحيرة مالحة تخرج من البحر فيما بين إسكندرية و رشيد و هي في جهة الغرب و الشمال عن رشيد، و هي على دون مسافة يوم من رشيد و لهذه البحيرة فم من البحر المالح و لها خليج يأتيها من النيل من جهة رشيد، و في طرف هذه البحيرة جزيرة فيها قرية تسمّى نستروه و تنسب البحيرة إليها و ليس لهذا القرية مزدرع بل جميع أهل نستروه إنما يعيشون من صيد السمك و ليس في البحيرات بحيرة يبلغ ضمانها ما يبلغه بحيرة نستروه فإن ضمان سمكها يبلغ فوق عشرين ألف دينار مصرية و إذا توسطها الإنسان في المركب لا يرى شيئا من جوانبها؛ لسعتها و بعد مركزها عن البحر.

بحيرة دمياط و تنيس:

هما بحيرتان متصلة إحداهما بالأخرى و متصلتان بالبحر المالح فبحيرة تنيس هي: البحيرة الشرقية منهما و بحيرة دمياط هي:

43

الغربية و يصب فيهما بحر أشمون و هو النيل الشرقي من النيلين المتفرقين عند جوجر و المنصورة و بحيرة تنيس و دمياط متّسعة إلى الغاية و هي متّصلة بالبحر و يعذب ماؤها في زيادة النيل و يملح إذا نقص النيل و هي قليلة العمق يسار في أكثرها بالمرادي و تنيس في وسطها، حيث الطول: أربع و خمسون و نصف، و العرض: ثلاثون و نصف.

بحيرة زغر:

و هي البحيرة المنتنة و يصب فيها نهر الأردن و هو نهر الشريعة و يغيض الماء فيها و لا يخرج منه شي‏ء من الأنهر؛ بل هي مغيض لتلك المياه العظيمة و لا يكون بها حيوان لا من الطير و لا من السمك، و هي من آخر الغور من جهة الجنوب و دورها أكثر من مسيرة يومين و وسطها حيث الطول: تسع و خمسون درجة، و العرض: إحدى و ثلاثون.

بحيرة طبرية:

و هي في أول الغور تدخل إليها الشريعة المنصبة من بحيرة بانياس إلى بحيرة طبرية و وسطها، حيث الطول: ثمان و خمسون درجة، و العرض: اثنتان و ثلاثون و تنسب إلى طبرية و هي مدينة خراب على شاطئ البحيرة المذكورة من جانبها الغربي الجنوبي و دورها نحو مسيرة يومين و هي قرعاء ليس بها قصب.

بحيرة بانياس:

و هي عند بانياس من معاملة دمشق و هي بطيحة و لها غاب قصب و يقلب فيها عدّة أنهار من جبال هناك، و يخرج منها نهر الشريعة و يصب في بحيرة طبرية بحيرة البقاع: و هي مستنقعات و أهياش و أقصاب في جهة الغرب عن بعلبك على مسيرة يوم عنها.

بحيرة دمشق:

في شرقيّ غوطة دمشق بميلة يسيرة إلى الشمال، يصبّ إليها فضلة نهر بردا و غيره و تتّسع هذه البحيرة في أيام الشتاء، و استغنى الناس عن الأنهر و تضيق في الصيف، و لها غاب قصب و بها أماكن تحمى عن العدو

44

و هي مشهوره.

بحيرة قدس:

و هي بحيرة حمص طولها من الشمال إلى الجنوب نحو ثلث مرحلة وسعتها طول السدّ حسبما نذكره و هي مصنوعة على نهر الأرنط فإنه قد صنع في طرف البحيرة الشمالي سدّ بالحجر من عمارة الأوائل و ينسب إلى الإسكندر، و على وسط السد المذكور برجان من الحجر الأسود، و طول السد شرقا و غربا: ألف و مائتان و سبعة و ثمانون ذراعا، و عرضه: ثمانية عشر ذراعا و نصف ذراع، و هو حابس لذلك الماء العظيم؛ بحيث لو خرب السدّ سال الماء و عدمت البحيرة و صارت نهرا و هي في أرض مستوية، و هي عن حمص بعض يوم في غربيّها و يصاد بها السمك.

بحيرة الأفامية:

و هي عدّة بطائح تفوت الحصر بين غابات من الأقصاب و أعظم تلك البطائح بحيرتان: إحداهما جنوبية و الأخرى شمالية و ماؤها من نهر الأرنط يصب هناك من جهة الجنوب فيصير منه تلك البطائح، ثم يخرج النهر المذكور عند النهاية الشمالية لهذه البطائح و الغابات و البحيرة الجنوبية من البحيرتين هي بحيرة أفامية و سعتها بالتقريب نحو نصف فرسخ، و قعرها قريب دون قامة الإنسان، و أرضها موحلة لا يقدر الإنسان على الوقوف فيها و يحيط بها القصب و الصفصاف من كل جانب، و في وسطها جمم قصب و بردي؛ و لذلك لا يكاد أن تنظر العين إلى جمعيها؛ لأن الجمم التي بها تحجب بعضها و يكون بها و بغيرها من البطائح المذكورة من أنواع الطير مثل: التمات، و الغريرات، و البجعات، و الأصواغ، و الإوز، و الطيور التي تأكل الأسماك مثل: الجلط، و الأبيضانيات، و غير ذلك من طير الماء ما لم يكن مثله في شي‏ء من البحيرات التي بلغنا خبرها، و في أيام الربيع ينبت بهذه البحيرة المذكورة النيلوفر الأصفر حتى يغطي جميعها بحيث يستر الماء عن آخره بورقه و زهره و تبقى المراكب سائرة بين ذلك النيلوفر.

45

و أما البحيرة الثانية الشمالية: فبينها و بين البحيرة المذكورة غاب قصب و فيه زقاق يخرج فيه المراكب من البحيرة الجنوبية إلى الشمالية، و البحيرة الشمالية المذكورة من عمل حصن برزية و تعرف ببحيرة النصارى؛ لأن صيادين السمك بها نصارى، و لهم بيوت على الخوازيق في شماليّ البحيرة المذكورة، و تكون بقدر بحيرة أفامية أربع مرات، و وسط بحيرة النصارى مكشوف و ينبت النيلوفر في طرفيها الجنوبيّ و الشماليّ و بها من الطير نحو ما تقدم ذكره و بها السمك المعروف بالإنكليس؛ و لشهرة بحيرة أفامية و بطائحها اقتصرنا على هذه القدر من وصفها.

و هذه البطائح في الغرب بميلة إلى الشمال عن أفامية و قريبة منها فعرضها و طولها مقارب لعرض أفامية، و طولها بحيرة أنطاكية و هي بحيرة بين أنطاكية و بين بغراس و بين حارم في أرض مستوية تعرف تلك الأرض بالعمق و هي من معاملة حلب على مسيرة يومين عنها في جهة الغرب، و يقلب إلى هذه البحيرة ثلاثة أنهر تأتي من الشمال:

فأحدها: و هو الشرقي منها يقال له: عفرين، و الآخر و هو الغربي منها:

يجري تحت دربساك و يقال له: النهر الأسود، و الآخر في الوسط بين النهرين المذكورين و يقال له: نهر يغرا و يغرا قرية على النهر المذكور و أهلها نصارى و دور هذه البحيرة نحو مسيرة يوم و يحيط بها الأقصاب و بها من الطير و السمك قريب مما وصف في بحيرة أفامية، و تجتمع هذه الأنهر الثلاثة- أعني النهر الأسود- و يغرا و عفرين و تصير نهرا واحدا و يصبّ في البحيرة من شماليها و يخرج من جنوبيها نهر واحد و يتصل بهر الأرنط تحت جسر الحديد و فوق أنطاكية على نحو ميل منها، و هذه البحيرة في شمالي أنطاكية فعرضها أكثر من عرض أنطاكية بدقائق، و طولها بطول أنطاكية بالتقريب.

بحيرة أرجيش:

و هي شرقيّ خلاط على مسافة يوم و هي بحيرة كبيرة

46

مالحة و وسطها عميق و دورها فوق مسيرة أربعة أيام و على جوانبها خلاط و أرجيش و غيرهما و يصاد منها السمك المعروف بالطريخ و يحمل إلى الآفاق، و تهيج في الريح و يقوى موجها، و إذا هاجت وصلت روائحها إلى خلاط و غيرها من المدن التي حولها؛ فيعلمون بتموّجها و تمتلئ من أنهار تقلب إليها من غالب جوانبها، و غالب جوانبها ليس فيه قصب.

بحيرة تلا:

و هي بحيرة أرمية و البحيرة المذكورة بين مراغة و بين سلماس في غربيّ مراغة و شرقيّ سلماس، و مراغة غربيّ تبريز على سبعة عشر فرسخا، و بين طرف البحيرة الشرقيّ الشماليّ و بين مراغة مرحلة، و امتداد هذه البحيرة من الغرب إلى الشرق بانحراف إلى الجنوب نحو مائة و ثلاثين ميلا و عرضها نحو نصف ذلك و في وسطها جزيرة فيها قلعة تسمى قلعة تلا على جبل منقطع في هذه الجزيرة و كان هلاوون قد جعل أمواله فيها؛ لحصانتها و قيل: إنه مدفون بها و كان لا يزال عنده مقدّم ألف يقيم سنة لحفظ الموضع، ثم يدخل مقدّم آخر و يقيم سنة و على ذلك و ليس بتلك الجزيرة مزدرع و لا منتفع به و هي صغيرة، و الجبل الذي عليه القلعة مرتفع فيها، و دور هذه البحيرة عدة أيام بعضهم قال:

ستة أيام، و بعضهم قال: أكثر و أقل قال في المشترك، و يقال لها: بحيرة أرمية.

و أرمية مدينة على القرب من البحيرة المذكورة و أرمية من أذربيجان و طول هذه البحيرة مسيرة ثلاثة أيام للراكب في مثله و في وسطها جزائر و ماؤها مالح منتن ردئ و قال ابن حوقل: و بحيرة أرمية ماؤها ملح و بين هذه البحيرة و بين مراغة ثلاثة فراسخ و طول هذه البحيرة نحو أربعة أيام.

47

بطائح العراق‏

من رسم المعمور منها بطائح البصرة و وسطها، حيث الطول: ثلاث و سبعون، و العرض: اثنتان و ثلاثون و منها بطائح واسط حدثت عند اشتغال الفرس بقتال المسلمين في أول الإسلام بين واسط و البصرة و قاعدة البطائح الجامدة و هذه البطائح تصير من الأنهار الخارجة من دجلة تحت واسط، و للكوفة بطائح تصير من فضلات ماء الفرات.

و أما بطائح واسط:

فهي من مياه دجلة فالبطيحة العظمى تدخلها دجلة في زقاق قصب، ثم تخرج منها في زقاق قصب ثان إلى بطيحة ثانية، و كذلك تخرج من البطيحة الثانية في زقاق قصب إلى بطيحة ثالثة، و كذلك حتى تصير أربع بحيرات يفصل بينهم القصب، و تسمى البطيحة و البحيرة عندهم الهور، ثم عند انتهاء البطائح المذكورة يخرج نهر دجلة و تسمى بعد خروجها من البطائح دجلة العوراء، ثم بعد ذلك يتفرّع منها أنهار البصرة على ما سنذكره عند ذكر دجلة إن شاء اللّه تعالى.

بحيرات فارس:

فمنها بحيرة دشت أرزن و هي في الكورة المعروفة بكورة سابور، و امتداد هذه البحيرة طولا نحو عشرة فراسخ و ماؤها عذب، و ربما جفت حتى لم يبق منها إلا القليل و عامة سمك شيراز منها.

و منها بحيرة الجمكان:

ماؤها ملح و امتدادها طولا نحو اثني عشر فرسخا و أولها من شيراز على فرسخين و آخرها قريب من حدود خورستان، و هي في كورة اصطخر و جميع ذلك نقلناه من كتاب ابن حوقل؛ و لذلك لم نذكر لهذه البحيرات أطوالا و لا عروضا و لم نضبط أسماءها؛ لخلو كتابه من ذلك و عدم ظفرنا به من غيره و اللّه أعلم.

بحيرة زره:

و هي بحيرة في بلاد سجستان يقع فيها نهر الهندمند، قال ابن‏

48

حوقل: و يتّسع فيها الماء و ينقص على قدر زيادة الماء و نقصانه، و طولها نحو ثلاثين فرسخا و عرضها مقدار مرحلة، و هي عذبة الماء و يرتفع منها سمك كثير و أقصاب و حواليها كلها قرى، إلا الوجه الذي يلي مفازة سجستان، و زره:

بتقديم الزاء المعجمة، ثم رآء مهملة مخففة، وهاء، نص على ذلك في المشترك قال و إليها تنصبّ مياه سجستان و هي عذبة.

بحيرة أول جيحون:

من رسم الأرض و هي حيث الطول: مائة درجة، و العرض: ثمان و أربعون.

بحيرة خوارزم:

من رسم المعمور وسطها حيث الطول: تسعون، و العرض: ثلاث و أربعون، و جانبها الغربي حيث الطول: ست و ثمانون، و العرض: اثنتان و أربعون، و يصب فيها جيحون و جيحون يأتيها من الشرق و يصب في جانبها الجنوبي الشرقي و من كتاب ابن حوقل: إن دور بحيرة خوارزم مائة فرسخ و ماؤها ملح و ليس بها مغيض ظاهر، و يقع فيها جيحون و نهر الشاس و غيرهما، و بينها و بين البحر نحو عشرين مرحلة، و بينها و بين خوارزم ست مراحل، و بحيرة خوارزم قريبة من قرية تسمى جنب و جنب المذكور على خمسة فراسخ من كركنج.

49

الكلام على الأنهار

اعلم أن الكلام على الأنهار كالكلام على البلاد و البحيرات، و هي أنها من الكثرة على حد لا يبلغ الإنسان الإحاطة بجميعها، و إنما المذكور بعضها و نحن نذكر ما وقع لنا منها.

ذكر نيل مصر:

و هو النهر العظيم المشهور الذي ليس له نظير في الوجود و قد وصفه ابن سينا فقال: و قد انفرد بثلاث صفات عن سائر أنهار الأرض:

أحدها: أنه أطول أنهار الأرض من مبتداه إلى منتهاه و ذلك يستلزم لطافته بسبب كثرة الجريان.

الثانية: أنه يجري في رمال و صخور؛ فيسلم عن الأرض الخنزة و الحماة و الوحل الذي لا يكاد أن يخلو منه نهر.

الثالثة: أن الحجر فيه لا يخضر كما يخضر في غيره، و هو يزيد في أيام نقص الأنهار و زيادته إنما هي من الأمطار التي تقع في تلك البلاد و مبتداه و أوله الخراب الذي هو جنوبيّ خط الاستواء؛ و لذلك تعسّر الوقوف عليه و لم يتصل بنا من أخباره إلا ما نقل عن اليونان و نسب إلى بطليموس أنه ينحدر من جبل القمر من عشرة مسيلات منه بين كل نهر منها و الآخر درجة في الطول، فالغربيّ منها عند طول: ثمان و أربعين و الثاني عند طول: تسع و أربعين و على ذلك حتى يكون النهر العاشر منها عند طول: سبع و خمسين.

و تصب هذه الأنهار العشرة في بطيحتين، كل خمسة أنهار تصب في بطيحة، و قد تقدم ذكرهما آنفا، ثم يخرج من كل واحدة من البطيحتين أربعة أنهار و ينصب منها نهران في الأنهار الأخر؛ فتصير ستة أنهار، و تسير الأنهار الستة إلى جهة الشمال حتي تصبّ في بحيرة مدوّرة عند خط الاستواء، و هي بحيرة كورا

50

المقدم ذكرها و يخرج منها نيل مصر شمالا و يمر على بلاد السودان.

و أول ما يمر على زغاوة، ثم على النوبة و على مدينتها دنقلة عند طول اثنتين و خمسين و عرض خمس عشرة، ثم يمر شمالا بميلة إلى الغرب إلى طول إحدى و خمسين، و عرض سبع عشرة، ثم يمر مغربا نصبا إلى طول خمسين و عرض سبع عشرة على حاله، ثم يمر مغربا بميلة قليلة إلى الشمال إلى طول اثنتين و ثلاثين و عرض تسع عشرة، ثم يرجع مشرقا إلى طول إحدى و خمسين، ثم يمر إلى الشمال و الشرق إلى أسوان عند طول خمس و خمسين و عرض اثنتين و عشرين ثم يمر شمالا بميلة إلى الغرب إلى طول ثلاث و خمسين و عرض أربع و عشرين، ثم يشرق إلى طول خمس و خمسين، ثم يشتمل إلى مصر عند طول أربع و خمسين و عرض ثلاثين.

و يتجاوز مصر إلى قرية على شاطئه تسمّى شطنوف؛ فيفترق النيل منها شطرين و يمر الغربي منهما إلى بليدة تسمى رشيد و يصب في البحر، حيث الطول: ثلاث و خمسون، و العرض: إحدى و ثلاثون و الشرقيّ منهما يفترق أيضا شطرين عند قرية تسمى جوجر.

و يمر الغربيّ منهما على دمياط من غربيّها و يصب في البحر، و يمر الشرقيّ منهما إلى أشمون طناح، ثم يصب في بحيرة هناك في شرقيّ دمياط تسمى بحيرة تنيس و بحيرة دمياط، و دمياط فيما بين هذين الشطرين و الشطر الغربي منهما يصب عند دمياط، حيث الطول: ثلاث و خمسون و خمس و عشرون دقيقة، و العرض: إحدى و ثلاثون و خمس و عشرون دقيقة و الشطر الشرقي يصبّ في بحيرة تنيس، حيث الطول: أربع و خمسون و ثلاثون دقيقة، و العرض: ثلاثون، و أربعون دقيقة و هذا ما تهيّأ لنا من ذكر النيل المذكور و يخرج من نيل مصر نهر الفيوم عند زيادته.

51

نهر السوس الأقصى:

و هو نهر يأتي من الجنوب و الشرق من جبل لمطة و يجري إلى الشمال و يمر على مدينة السوس الأبعد من شماليها، حيث الطول:

سبع درج، و العرض: ثلاثون درجة، و يزرع على جانبه قصب السكر و الحناء و غير ذلك مثل ديار مصر و يجري كذلك و يصبّ في البحر نهر ملويّة ذكره ابن سعيد قال: هو نهر كبير مشهور في المغرب الأقصى و يصب إليه نهر سجلماسة الذي منبعه من جنوبيّ سجلماسة بمسافة بعيدة و يصيران نهرا واحدا و يصب في بحر الروم في شرقيّ سبتة و جنوبيها على ثلاثمائة و عشرة أميال منها، و بين منبع نهر سجلماسة و مصبّه في البحر نحو، ثمان مائة ميل.

نهر إشبيلية من الأندلس:

قال ابن سعيد: و هو في قدر دجلة و هو أعظم نهر بالأندلس و تسمّيه أهل الأندلس النهر الأعظم، و مخرجه من جبل شقورة، حيث الطول: خمس عشرة درجة، و العرض: ثمان و ثلاثون و ثلثان، ثم يصب إليه عدّة أنهار منها: نهر شنّيل الذي يمرّ على غرناطة، و نهر سوس: الذي عليه مدينة استجة.

قال ابن سعيد: و على هذا النهر من الضياع و القرى ما لا يبلغه وصف و يسير من جبال شقورة إلى جهات جيّان و يمر على مدينة بياسه و مدينة أبده، ثم يمر على قرطبة و يجري من الشرق إلى الغرب، ثم إذا تجاوز قرطبة و قرب من إشبيلية ينعطف و يجري من الشمال إلى الجنوب و يمر كذلك على إشبيلية و يكون إشبيلية على شرقيّه و طريانة على غربيّه قبالة إشبيلية من البر الآخر، ثم ينعطف فيجري من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر المحيط عند مكان يعرف ببر المائدة، حيث الطول: ثمان درجات و ربع، و العرض: ست و ثلاثون و ثلثان، و تكون جزيرة قادس على يسار مصبه في البحر للمستقبل جهة الغرب، و يقع في هذا النهر المد و الجزر من البحر مثل دجلة عند البصرة و يبلغ فيه المدّ و الجزر سبعين ميلا؛ و ذلك إلى قوق إشبيلية عند مكان يعرف بالأرحى، و لا يملح ماؤه بسبب المدّ عند إشبيلية؛ بل يبقى على عذوبته.

52

و بين مصبّ نهر إشبيلية في البحر و بين إشبيلية خمسون ميلا؛ فالمدّ يتجاوز إشبيلية عشرين ميلا، و لا يبرح المدّ و الجزر فيه يتعاقبان كل يوم و ليلة؛ و كلما زاد القمر نورا زاد المدّ و المراكب لا تزال فيه منحدرة مع الجزر صاعدة مع المد، و يدخل فيه السفن العظيمة الإفرنجية بوسطها من البحر المحيط حتى يحطّ عند سور إشبيلية و في المد و الجزر يقول بعض شعراء الأندلس:

خليلي بادر بي إلى النهر بكرة* * *وقف منه، حيث المدّ يثني عنانه‏

و لا تجز إلا رحا فإن وراءها* * *يبابا و عيني لا تريد عيانه‏

نهر مرسية بالأندلس:

و هو قسيم نهر إشبيلية يخرجان من جبال شقورة؛ فيمر نهر إشبيلية مغربا و يصبّ في البحر المحيط، و يمر نهر مرسية مشرقا و يصب في البحر الشامي عند مرسيّة.

نهر رومية:

أوله عند طول خمس و ثلاثين، و عرض ثلاث و أربعين، ثم يمر حتى يدخل رومية و هي حيث الطول: خمس و ثلاثون و نصف، و العرض:

ثلاث و أربعون و يخرج منها و يصب في البحر عندها نهر أبي فطرس: بضم الفاء و هو نهر قريب من الرملة بفلسطين، و من كتاب المسالك و الممالك المعروف بالعزيزي أن نهر العوجاء يسمّى نهر أبي فطرس و هو شماليّ مدينة الرملة باثني عشر ميلا قال: و ما التقى عليه جيشان إلا غلب الغربيّ منهما و انهزم الشرقيّ، فإن عليه انهزم المعتضد من خمارويه بن أحمد بن طولون و عليه انتصر العزيز خليفة مصر الفاطمي و أسر هفتكين التركي مقدّم جيش الشرق.

أقول: و منبعه تحت جبل الخليل قبالة قلعة خراب يقال لها: مجداليابا و يجري من الشرق إلى الغرب و يصبّ في بحر الروم في جنوبي غابة أرسوف و من منبعه إلى مصبّه دون مسافة يوم.

نهر الأردن:

و هو نهر الغور و يسمّى الشريعة أيضا و أصله من أنهار تصبّ‏

53

من جبل الثلج إلى بحيرة بانياس و يخرج منها نهر الشريعة المذكور و يسير و يصب في بحيرة طبرية، ثم يخرج من بحيرة طبرية و يسير جنوبا و يصبّ في الشريعة بعد انفصالها عن بحيرة طبرية.

نهر اليرموك:

بين القصير و بين بحيرة طبرية و تسير الشريعة و هي نهر الأردن المذكور في وسط الغور جنوبا و يتجاوز بيسان عند طول: ثمان و خمسين و عرض: اثنتين و ثلاثين و خمسين دقيقة، و يتجاوزها و يسير جنوبا إلى ريحا عند طول: ست و خمسين و ثلث، و عرض: إحدى و ثلاثين و كسر، ثم يسير جنوبا و يصب في بحيرة المنتنة و هي بحيرة زغر، و زغر حيث الطول: سبع و خمسون درجة و عشر دقائق، و عرض ثلاثين و كسر من اللباب الأردنّ: بضم الألف و سكون الراء و ضم الدال المهملتين و تشديد النون في آخرها قال: و هي بلدة من بلاد الغور من الشام و بها نهر كبير.

نهر حماة:

و يسمى نهر الأرنط و النهر المقلوب لجريه من الجنوب إلى الشمال و يسمى العاصي؛ لأن غالب الأنهر تسقي الأراضي بغير دواليب و لا نواعير بل بأنفسها تركب البلاد و نهر حماة لا يسقي إلا بنواعير تنزع منه الماء و هو يجري بكليته من الجنوب إلى الشمال، و أوله نهر صغير من صيغة قريبة من بعلبك، تسمى الرأس في الشمال عن بعلبك على نحو مرحلة عنها، و يسير من الرأس شمالا حتى يصل إلى مكان يقال له: قائم الهرمل بين جوسية و الرأس، و يمر في واد هناك و ينبع من هناك غالب النهر المذكور من موضع يقال له: مغارة الراهب و يسير شمالا حتى يتجاوز جوسية و يصب في بحيرة قدس في غربيّ حمص و يخرج من البحيرة و يتجاوز حمص إلى الرستن إلى حماة، ثم إلى شيزر، ثم إلى بحيرة أفامية، ثم يخرج من بحيرة أفامية و يمر على دركوش إلى جسر الحديد و ذلك جميعه في شرقيّ جبل اللكام، فإذا وصل إلى جسر الحديد؛ ينقطع الجبل المذكور هناك و يستدير النهر المذكور و يرجع و يسير جنوبا و مغربا و يمر على سور أنطاكية حتى يصب في بحر الروم عند السويديّة عند طول: إحدى و ستين‏

54

و عرض: ست و ثلاثين، و يصب في نهر الأرنط المذكور عدة أنهر

منها: نهر منبعه من تحت أفامية يسير مغربا إلى بحيرة أفامية و يختلط بنهر حماة.

و منها: نهر في شمالي أفامية على نحو ميلين و يعرف بالنهر الكبير يسير مدّا قريبا و يصب أيضا في بحيرة أفامية و يخرجان منها مع نهر الأرنط.

و منها: النهر الأسود يجري من الشمال و يمر تحت دربسّاك و نهر يغرا و منبعه قريب يغرا و يمر على يغرا و يصب في النهر الأسود المذكور و يصبان في بحيرة أنطاكية أيضا و يغرا: بفتح المنثناة التحتية و سكون الغين المعجمة و فتح الراء المهملة، ثم ألف مقصورة.

و نهر عفرين:

يأتي من بلاد الروم و يمر على الراوندان إلى الجومة، و يمر في الجومة و يتجاوزها إلى العمق و يختلط بالنهر الأسود و تصير هذه الأنهر الثلاثة أعني النهر الأسود- و نهر يغرا و نهر عفرين نهرا واحدا و يصب في بحيرة أنطاكية و يخرج منها و يصب في عاصي حماة فوق أنطاكية بالغرب منها و عفرين:

بكسر العين المهملة و سكون الفاء و كسر الراء المهملة، ثم مثناة تحتية و نون، و النهر الأسود معلوم نهر جيجان من كتاب رسم المعمور أن أوله عند طول:

ستين و عرض: ست و أربعين و هو نهر يقارب الفرات في الكبر و هو الذي يمر ببلاد سيس و تسميه العامة جهان، و يسير من الشمال إلى الجنوب بين جبال في حدود الروم حتى يمر بالمصيصة من شماليّها و جريانه عندها من الشرق إلى الغرب، و المصيصة حيث الطول: تسع و خمسون و كسر، و العرض: ست و ثلاثون و خمس عشرة دقيقة و يتجاوز المصيصة مغربا و يصبّ بالقرب منها في بحر الروم.

نهر سيحان:

من رسم المعمور أوله عند طول: ثمان و خمسين و عرض: أربع‏